Полный текст (1 944 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ ذَاكِرًا عن إبراهيم قوله: ﴿اعبدوا الله واتقوه﴾ ثُمَّ اعْتَرَضَ تَسْلِيَةً لِقَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البلاغ المبين﴾ وَذَكَرَ آيَاتٍ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿فَمَا كَانَ جواب قومه﴾ يَعْنِي قَوْمَ إِبْرَاهِيمَ فَرَجَعَ إِلَى الْأَوَّلِ.
وَجَعَلَ الزمخشري قوله تعالى: ﴿فاستفتهم﴾ وفي آخر الصافات معطوفا على ﴿فاستفتهم﴾ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: وَقَالَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ في: ﴿نذيرا للبشر﴾ إنه حال من فاعل [قم] فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ هَذَا مِنْ بِدْعِ التَّفَاسِيرِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الصَّافَّاتِ مِنْهُ.
وَمِنَ الْعَجَبِ دَعْوَى بَعْضِهِمْ كَسْرَ هَمْزَةِ [إِنَّ] فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أهل النار﴾ عَلَى جَوَابِ الْقَسَمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذي الذكر﴾ حَكَاهُ الرُّمَّانِيُّ.
فَإِنْ قِيلَ: أَيْنَ خَبَرُ [إِنَّ] فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لما جاءهم﴾ قِيلَ: الْخَبَرُ: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ .
стр. 1087
فَوَائِدُ.
قَالَ ابْنُ عَمْرُونَ: لَا يَجُوزُ وُقُوعُ الِاعْتِرَاضِ بَيْنَ وَاوِ الْعَطْفِ وَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَقَدْ أَجَازَهُ قَوْمٌ فِي [ثُمَّ] وَ [أَوْ] فَتَقُولُ: زَيْدٌ قَائِمٌ ثُمَّ وَاللَّهِ عَمْرٌو.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أولى بهما﴾ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ مَعَ أَنَّ فِيهِ فَاءً وَالْجُمْلَةُ مُسْنَدَةٌ لِـ[يَكُنْ] .
قَالَ الطِّيبِيُّ: سُئِلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذكره﴾ : أَهُوَ اعْتِرَاضٌ؟ قَالَ: لَا، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاعْتِرَاضِ أَنْ يَكُونَ بِالْوَاوِ وَنَحْوِهَا وَأَمَّا بِالْفَاءِ فَلَا.
وَفَهِمَ صَاحِبُ: [فَرَائِدِ الْقَلَائِدِ] مِنْ هَذَا اشْتِرَاطُ الْوَاوِ فَقَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إِنَّهُ كان صديقا نبيا﴾ هَذِهِ الْجُمْلَةُ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَبَيْنَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ أَعْنِي [إِبْرَاهِيمَ] وَ [إِذْ] قَالَ: هَذَا مُعْتَرِضٌ لِأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ بِدُونِ الْوَاوِ بَعِيدٌ عَنِ الطَّبْعِ وَعَنْ الِاسْتِعْمَالِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ يَأْتِي بِالْوَاوِ كَمَا سَبَقَ فِي الْأَمْثِلَةِ وَبِدُونِهَا كقوله سبحانه: ﴿ولهم ما يشتهون﴾ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لقرآن كريم﴾ .
القسم الثاني وَالْعِشْرُونَ: الِاحْتِرَاسُ.
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مُحْتَمِلًا لِشَيْءٍ بَعِيدٍ فَيُؤْتَى بِمَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ، كقوله.
стр. 1088
تَعَالَى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ من غير سوء﴾ ، فَاحْتَرَسَ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: [مِنْ غَيْرِ سُوءٍ] عَنْ إِمْكَانِ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْبَهَقُ وَالْبَرَصُ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ فَإِنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى وَصْفِهِمْ بِالذِّلَّةِ وَهُوَ السُّهُولَةُ لَتُوُهِّمَ أَنَّ ذَلِكَ لِضَعْفِهِمْ فَلَمَّا قِيلَ: ﴿أعزة على الكافرين﴾ عُلِمَ أَنَّهَا مِنْهُمْ تَوَاضُعٌ وَلِهَذَا عُدِّيَ الذُّلُّ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْعَطْفِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكفار رحماء بينهم﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يشعرون﴾ فقوله ﴿وهم لا يشعرون﴾ احْتِرَاسٌ بَيَّنَ أَنَّ مِنْ عَدْلِ سُلَيْمَانَ وَفَضْلِهِ وَفَضْلِ جُنُودِهِ أَنَّهُمْ لَا يُحَطِّمُونَ نَمْلَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا بِأَلَّا يَشْعُرُوا بِهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ تَبَسُّمُ سُلَيْمَانَ سُرُورًا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْهَا وَلِذَلِكَ أَكَّدَ التَّبَسُّمَ بِالضَّحِكِ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ تَبَسَّمَ كَتَبَسُّمِ الْغَضْبَانِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ تَبَسُّمَهُ تَبَسُّمُ سُرُورٍ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ معرة بغير علم﴾ الْتِفَاتٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ ضَرَرَ مُسْلِمٍ.
وقوله تعالى: ﴿وقيل بعدا للقوم الظالمين﴾ ،فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَخْبَرَ بِهَلَاكِ مَنْ هَلَكَ بِالطُّوفَانِ عَقَّبَهُمْ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ وَوَصَفَهُمْ بِالظُّلْمِ لِيُعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَهُمْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذَابِ،.
стр. 1089
احْتِرَاسٌ مِنْ ضَعْفٍ يُوهِمُ أَنَّ الْهَلَاكَ بِعُمُومِهِ رُبَّمَا شَمِلَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ فَلَمَّا دَعَا عَلَى الْهَالِكِينَ وَوَصَفَهُمْ بِالظُّلْمِ عُلِمَ اسْتِحْقَاقُهُمْ لِمَا نَزَلْ بِهِمْ وَحَلَّ بِسَاحَتِهِمْ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ .
وَأَعْجَبُ احْتِرَاسٍ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِنَبِيِّهِ ﵇: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ حِكَايَةً عَنْ مُوسَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جانب الطور الأيمن﴾ ،فَلَمَّا نَفَى سُبْحَانَهُ عَنْ رَسُولِهِ أَنْ يَكُونَ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَضَى لِمُوسَى فِيهِ الْأَمْرَ عَرَّفَ الْمَكَانَ بِالْغَرْبِيِّ وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ [الْأَيْمَنَ] كَمَا قَالَ: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ أَدَبًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُنْفَى عَنْهُ كَوْنُهُ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوْ يَسْلُبَ عَنْهُ لَفْظًا مُشْتَقًّا مِنَ الْيُمْنِ أَوْ مُشَارِكًا لِمَادَّتِهِ وَلَمَّا أَخْبَرَ عَنْ مُوسَى ﵇ ذَكَرَ الْجَانِبَ الْأَيْمَنَ تَشْرِيفًا لِمُوسَى فَرَاعَى فِي الْمَقَامَيْنِ حُسْنَ الْأَدَبِ مَعَهُمَا تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الْأَدَبِ فِي الْخِطَابِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ فَإِنَّهُ لَوِ اخْتَصَرَ لَتَرَكَ: [وَاللَّهُ يَعْلَمُ] لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ لِتَكْذِيبِهِمْ فِي دَعَاوَى الْإِخْلَاصِ فِي الشَّهَادَةِ لَكِنَّ حُسْنَ ذِكْرِهِ رَفَعَ تَوَهُّمَ أَنَّ التَّكْذِيبَ لِلْمَشْهُودِ بِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَقَوْلُهُ حَاكِيًا عَنْ يُوسُفَ ﵇: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بي إذ أخرجني من السجن﴾ وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُبَّ مَعَ أَنَّ النِّعْمَةَ فِيهِ أعظم لوجهين:
стр. 1090
أَحَدُهُمَا: لِئَلَّا يَسْتَحْيِي إِخْوَتُهُ وَالْكَرِيمُ يُغْضِي وَلَا سِيَّمَا فِي وَقْتِ الصَّفَاءِ.
وَالثَّانِي: لِأَنَّ السِّجْنَ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ فَكَانَ الْخُرُوجُ مِنْهُ أَعْظَمُ بِخِلَافِ الْجُبِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْكُهُولَةَ مَعَ أَنَّهُ لَا إِعْجَازَ فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْعَادَةِ أَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْمَهْدِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ وَلَا يَتَمَادَى بِهِ الْعُمْرُ فَجُعِلَ الِاحْتِرَاسُ بِقَوْلِهِ: [وَكَهْلًا] .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ، وَالسَّقْفُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ فَوْقٍ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ رَفَعَ الِاحْتِمَالَ الَّذِي يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ السَّقْفَ قَدْ يَكُونُ مِنْ تَحْتٍ بِالنِّسْبَةِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ السُّقُوفِ يَكُونُ أَرْضًا لِقَوْمٍ وَسَقْفًا لِآخَرِينَ فَرَفَعَ تَعَالَى هَذَا الِاحْتِمَالَ بِشَيْئَيْنِ وَهُمَا وقوله: [عَلَيْهِمْ] وَلَفْظَةُ [خَرَّ] لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا هَبَطَ أَوْ سَقَطَ مِنَ الْعُلُوِّ إِلَى سُفْلٍ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا أَكَّدَ لِيُعْلَمَ أَنَّهُمْ كَانُوا حَالِّينَ تَحْتَهُ وَالْعَرَبُ تَقُولُ خَرَّ عَلَيْنَا سَقْفٌ وَوَقَعَ عَلَيْنَا حَائِطٌ فَجَاءَ بِقَوْلِهِ: [مِنْ فَوْقِهِمْ] لِيُخْرِجَ هَذَا الشَّكَّ الَّذِي فِي كَلَامِهِمْ فَقَالَ: [من فوقهم] أَيْ عَلَيْهِمْ وَقَعَ وَكَانُوا تَحْتَهُ فَهَلَكُوا وَمَا أفتلوا.
وقوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَحْتَمِلُ مَعْنَى [كَيْفَ] وَ [أَيْنَ] احْتَرَسَ بِقَوْلِهِ: [حَرْثَكُمْ] لِأَنَّ الْحَرْثَ لَا يَكُونُ إِلَّا حَيْثُ تَنْبُتُ الْبُذُورُ وَيَنْبُتُ الزَّرْعُ وَهُوَ الْمَحَلُّ الْمَخْصُوصُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْمُصِيبَةِ يُخَفِّفُ مِنْهَا وَيُسَلِّي عَنْهَا فَأَعْلَمَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمْ ذلك.
стр. 1091
فَائِدَةٌ.
عَابَ قُدَامَةُ عَلَى ذِي الرُّمَّةِ قَوْلَهُ:
أَلَا يَا اسْلَمِي يَا دَارَ مَيٍّ عَلَى البلى ... ولا زال منهلا بجرعاتك الْقَطْرُ
فَإِنَّهُ لَمْ يَحْتَرِسْ وَهَلَّا قَالَ كَمَا قال طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها ...
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدَّمَ الدُّعَاءَ بِالسَّلَامَةِ لِلدَّارِ.
وَقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: [وَلَا زَالَ مُنْهَلًّا] اتِّصَالَ الدَّوَامِ بِالسُّقْيَا مِنْ غَيْرِ إِقْلَاعٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَثَابَةِ مَنْ يَقُولُ: مَا زَالَ فُلَانٌ يَزُورُنِي إِذَا كَانَ مُتَعَاهِدًا لَهُ بِالزِّيَارَةِ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: التَّذْيِيلُ.
مَصْدَرُ [ذَيَّلَ] لِلْمُبَالَغَةِ وَهِيَ لُغَةً جَعْلُ الشَّيْءِ ذَيْلًا لِلْآخَرِ. وَاصْطِلَاحًا أَنْ يُؤْتَى بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ فِي مَعْنَى الْأَوَّلِ تَحْقِيقًا لِدَلَالَةِ مَنْطُوقِ الْأَوَّلِ أَوْ مَفْهُومِهِ لِيَكُونَ مَعَهُ كَالدَّلِيلِ لِيَظْهَرَ الْمَعْنَى عِنْدَ مَنْ لَا يَفْهَمُ وَيَكْمُلَ عِنْدَ مَنْ فَهِمَهُ.
كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿ذلك جزيناهم بما كفروا﴾ ثُمَّ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَهَلْ.
стр. 1092
نجازي إلا الكفور﴾ ،أَيْ هَلْ يُجَازَى ذَلِكَ الْجَزَاءَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْكَفُورُ إِلَّا الْكُفُورَ فَإِنْ جَعَلْنَا الْجَزَاءَ عَامًّا كَانَ الثَّانِي مُفِيدًا فَائِدَةً زَائِدَةً.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زهوقا﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أفإن مت فهم الخالدون﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾ .
فقوله: ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾ تَذْيِيلٌ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى..
وَقَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عالين﴾ .
وقوله: ﴿فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين﴾ .
وَجَعَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ [الْإِعْجَازُ] مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ .
وَقَوْلَهُ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ التَّعْلِيلِ.
وَقَوْلَهُ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مهتدون﴾ ، قوله:.
стр. 1093
﴿وكذلك﴾ ، تَذْيِيلٌ، أَيْ فَذَلِكَ شَأْنُ الْأُمَمِ مَعَ الرُّسُلِ وَقَوْلُهُ: ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ من نذير﴾ ، جَعَلَ التَّذْيِيلَ هُنَا مِنَ التَّفْسِيرِ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: التَّتْمِيمُ.
وَهُوَ أَنْ يَتِمَّ الْكَلَامُ فَيُلْحِقُ بِهِ مَا يُكْمِلُهُ إِمَّا مُبَالَغَةً أَوِ احْتِرَازًا أَوِ احْتِيَاطًا وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ فِي مَعْنًى فَيَذْكُرَهُ غَيْرَ مَشْرُوحٍ وَرُبَّمَا كَانَ السَّامِعُ لَا يَتَأَمَّلُهُ لِيَعُودَ الْمُتَكَلِّمُ إِلَيْهِ شَارِحًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وأسيرا﴾ ، فالتتميم في قوله: ﴿على حبه﴾ جَعَلَ الْهَاءَ كِنَايَةً عَنِ الطَّعَامِ مَعَ اشْتِهَائِهِ.
وكذلك قوله: ﴿وآتى المال على حبه﴾ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة﴾ ،فقوله: ﴿وهو مؤمن﴾ تتميم في غاية الحسن.
القسم السادس العشرون: الزِّيَادَةُ.
وَالْأَكْثَرُونَ يُنْكِرُونَ إِطْلَاقَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَيُسَمُّونَهُ التَّأْكِيدَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِ بِالصِّلَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِ الْمُقْحَمَ.
стр. 1094
قَالَ ابْنُ جِنِّي: كُلُّ حَرْفٍ زِيدَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ إِعَادَةِ الْجُمْلَةِ مَرَّةً أُخْرَى وَبَابُهَا الْحُرُوفُ وَالْأَفْعَالُ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ . ﴿فبما رحمة من الله﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المهد صبيا﴾ قِيلَ: [كَانَ] هَاهُنَا زَائِدَةٌ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِعْجَازٌ لِأَنَّ الرِّجَالَ كُلُّهُمْ كَانُوا فِي الْمَهْدِ، وَانْتَصَبَ [صَبِيًّا] عَلَى الْحَالِ.
وَقَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: هِيَ فِي كَلَامِهِمْ زِيدَتْ فِي وَسَطِ الْكَلَامِ لِلتَّأْكِيدِ وَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْمَاضِي فِي [قَالُوا] .
وَمِنْهُ زِيَادَةُ [أَصْبَحَ] قَالَ حَازِمٌ: إِنْ كَانَ الأمر الذي ذكر أنه فيه أصبح يَكُنْ أَمْسَى فِيهِ فَلَيْسَتْ زَائِدَةً وَإِلَّا فَهِيَ زائدة كقوله: أَصْبَحَ الْعَسَلُ حُلْوًا.
وَأَجَابَ الرُّمَّانِيُّ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فأصبحوا خاسرين﴾ فَإِنَّ الْعَادَةَ أَنَّ مَنْ بِهِ عِلَّةٌ تُزَادُ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ يَرْجُو الْفَرَجَ عِنْدَ الصَّبَاحِ فَاسْتَعْمَلَ [أَصْبَحَ] لِأَنَّ الْخُسْرَانَ جُعِلَ لَهُمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَرْجُونَ فِيهِ الْفَرَجَ فَلَيْسَتْ زَائِدَةً.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ إِنَّهَا تَأْتِي لِلدَّوَامِ وَاسْتِمْرَارِ الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مساكنهم﴾ ، ﴿وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس﴾ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كظيم﴾ فَهُوَ عَلَى الْأَصْلِ لِظُهُورِ الصِّفَةِ نَهَارًا وَالْمُرَادُ الدَّوَامُ أَيْضًا أَيِ اسْتَقَرَّتْ لَهُ الصِّفَةُ نَهَارَهُ.
стр. 1095
وَاعْلَمْ أَنَّ الزِّيَادَةَ وَاللَّغْوَ مِنْ عِبَارَةِ الْبَصْرِيِّينَ وَالصِّلَةَ وَالْحَشْوَ مِنْ عِبَارَةِ الْكُوفِيِّينَ قَالَ سِيبَوَيْهِ عقب قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم﴾ : إِنَّ [مَا] لَغْوٌ لِأَنَّهَا لَمْ تُحْدِثْ شَيْئًا.
وَالْأَوْلَى اجْتِنَابُ مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ مُرَادَ النَّحْوِيِّينَ بِالزَّائِدِ مِنْ جِهَةِ الْإِعْرَابِ لَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ مَعْنَاهُ: [مَا لِنْتَ لَهُمْ إِلَّا رَحْمَةً] وَهَذَا قَدْ جَمَعَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا ثُمَّ اخْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الْإِرَادَةِ وَجَمَعَ فِيهِ بَيْنَ لَفْظَيِ الْإِثْبَاتِ وَأَدَاةِ النَّفْيِ الَّتِي هِيَ [مَا] .
وَكَذَا قَوْلُهُ تعالى: ﴿إنما الله إله واحد﴾ فـ[إنما] ها هنا حَرْفُ تَحْقِيقٍ وَتَمْحِيقٍ إِنَّ هُنَا لِلتَّحْقِيقِ وَمَا لِلتَّمْحِيقِ فَاخْتَصَرَ وَالْأَصْلُ: [مَا اللَّهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَأَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ] .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وُقُوعِ الزَّائِدِ فِي الْقُرْآنِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ قَالَ الطرطوسي فِي [الْعُمْدَةِ] : زَعَمَ الْمُبَرِّدُ وَثَعْلَبٌ أَلَّا صِلَةَ فِي الْقُرْآنِ وَالدَّهْمَاءُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ عَلَى إِثْبَاتِ الصِّلَاتِ فِي الْقُرْآنِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسَعُنَا إِنْكَارُهُ فَذُكِرَ كَثِيرًا.
وَقَالَ ابْنُ الْخَبَّازِ فِي التَّوْجِيهِ: وَعِنْدَ ابْنِ السَّرَّاجِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ زَائِدٌ لِأَنَّهُ تَكَلُّمٌ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ وَمَا جَاءَ مِنْهُ حَمَلَهُ عَلَى التَّوْكِيدِ.
стр. 1096
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ وَجَعَلَ وَجُودَهُ كَالْعَدَمِ وَهُوَ أَفْسَدُ الطُّرُقِ.
وَقَدْ رُدَّ عَلَى فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ قَوْلُهُ إِنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ الْمُهْمَلَ لَا يَقَعُ فِي كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَأَمَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامِيَّةً لِلتَّعَجُّبِ وَالتَّقْدِيرُ: فَبِأَيِّ رَحْمَةٍ؟ فَجَعَلَ الزَّائِدَ مُهْمَلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الزَّائِدَ مَا أُتِيَ بِهِ لِغَرَضِ التَّقْوِيَةِ وَالتَّوْكِيدِ وَالْمُهْمَلَ مَا لَمْ تَضَعْهُ الْعَرَبُ وَهُوَ ضِدُّ المستعمل وليس المراد من الزيادة حَيْثُ - ذَكَرَهَا النَّحْوِيُّونَ - إِهْمَالَ اللَّفْظِ وَلَا كَوْنُهُ لَغْوًا فَتَحْتَاجُ إِلَى التَّنَكُّبِ عَنِ التَّعْبِيرِ بِهَا إِلَى غَيْرِهَا فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا سَمَّوْا [مَا] زَائِدَةً هُنَا لِجَوَازِ تَعَدِّي الْعَامِلِ قَبْلَهَا إِلَى مَا بَعْدَهَا لَا لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا مَعْنًى.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ فِي الْآيَةِ: إِنَّهَا لِلِاسْتِفْهَامِ التَّعَجُّبِيِّ فَقَدِ انْتُقِدَ عَلَيْهِ بِأَنْ قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: فَبِأَيِّ رَحْمَةٍ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ [مَا] مُضَافَةً لِلرَّحْمَةِ وَأَسْمَاءُ الِاسْتِفْهَامِ التَّعَجُّبِيِّ لَا يُضَافُ مِنْهَا غَيْرُ [أَيْ] وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ الْإِضَافَةُ كَانَ مَا بَعْدَهَا بَدَلًا مِنْهَا وَالْمُبْدَلُ مِنَ اسْمِ الِاسْتِفْهَامِ يَجِبُ مَعَهُ ذِكْرُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَلَيْسَتِ الْهَمْزَةُ مَذْكُورَةً فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ هَذِهِ الدَّعْوَى وَسَنُبَيِّنُ فِي فَصْلِ زِيَادَةِ الْحُرُوفِ الْفَائِدَةَ فِي إدخال [ما] ها هنا، فَانْظُرْ هُنَاكَ.
تَنْبِيهَاتٌ:.
الْأَوَّلُ: أَهْلُ الصِّنَاعَةِ يُطْلِقُونَ الزَّائِدَ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا مَا يُتَعَلَّقُ بِهِ هُنَا وَهُوَ مَا أُقْحِمَ تَأْكِيدًا نَحْوَ: ﴿فَبِمَا رحمة من الله لنت لهم﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بعوضة﴾ ﴿ليس كمثله شيء﴾ .
стр. 1097
وَمَعْنَى كَوْنِهِ زَائِدًا أَنَّ أَصْلَ الْمَعْنَى حَاصِلٌ بِدُونِهِ دُونَ التَّأْكِيدِ فَبِوُجُودِهِ حَصَلَ فَائِدَةُ التَّأْكِيدِ وَالْوَاضِعُ الْحَكِيمُ لَا يَضَعُ الشَّيْءَ إِلَّا لِفَائِدَةٍ.
وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنِ التَّوْكِيدِ بِالْحَرْفِ وَمَا مَعْنَاهُ إِذْ إِسْقَاطُ الْحَرْفِ لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى؟ فَقَالَ: هَذَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الطِّبَاعِ إِذْ يَجِدُونَ أَنْفُسَهُمْ بِوُجُودِ الْحَرْفِ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ لَا يَجِدُونَهُ بِإِسْقَاطِ الْحَرْفِ قَالَ وَمِثَالُ ذَلِكَ مِثَالُ الْعَارِفِ بِوَزْنِ الشِّعْرِ طَبْعًا فَإِذَا تَغَيَّرَ الْبَيْتُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَنْكَرَهُ وَقَالَ: أَجِدُ نَفْسِي عَلَى خِلَافِ مَا أَجِدُهُ بِإِقَامَةِ الْوَزْنِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْحُرُوفُ تَتَغَيَّرُ نَفْسُ الْمَطْبُوعِ عِنْدَ نُقْصَانِهَا وَيَجِدُ نَفْسَهُ بِزِيَادَتِهَا عَلَى مَعْنًى بِخِلَافِ مَا يجدها بنقضانه.
الثَّانِي: حَقُّ الزِّيَادَةِ أَنْ تَكُونَ فِي الْحَرْفِ وَفِي الْأَفْعَالِ كَمَا سَبَقَ وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ فَنَصَّ أَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُزَادُ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِالزِّيَادَةِ كَقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي قوله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ : إِنَّ اسْمَ الْجَلَالَةِ مُقْحَمٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ مُخَادَعَتُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى.
الثَّالِثُ: حَقُّهَا أَنْ تَكُونَ آخِرًا وَحَشْوًا وَأَمَّا وُقُوعُهَا أَوَّلًا فَلَا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ إِذْ قَضِيَّةُ الزِّيَادَةِ إِمْكَانُ اطِّرَاحِهَا وَقَضِيَّةُ التَّصْدِيرِ الِاهْتِمَامُ وَمِنْ ثَمَّ ضَعُفَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ بِزِيَادَةِ لَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا أقسم بيوم الْقِيَامَةِ﴾ . وَأَبْعَدُ مِنْهُ قَوْلُ آخَرَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى [إلا] والظاهر أنها ردا لِكَلَامٍ تَقَدَّمَ فِي إِنْكَارِ الْبَعْثِ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: ﴿أُقْسِمُ بيوم الْقِيَامَةِ﴾ ،وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى [لَا] وَفِيهِ بعد.
стр. 1098
فصل: في حروف الزيادة.
الزِّيَادَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَالْبَاءِ في خبر ليس وما أو للتأكيد الْإِيجَابِ كَاللَّامِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ.
وَحُرُوفُ الزِّيَادَةِ سَبْعَةٌ إِنْ وَأَنْ وَلَا وَمَا وَمِنْ وَالْبَاءُ وَاللَّامُ بِمَعْنَى أَنَّهَا تَأْتِي فِي بَعْضِ الْمَوَارِدِ زَائِدَةً لَا أَنَّهَا لَازِمَةٌ لِلزِّيَادَةِ ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَادُ حَصْرَ الزَّوَائِدِ فِيهَا فَقَدْ زَادُوا الْكَافَ وَغَيْرَهَا بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْأَكْثَرَ فِي الزِّيَادَةِ أن تكون بها.
زيادة "إن ".
فَأَمَّا إِنْ الْخَفِيفَةُ فَتَطَّرِدُ زِيَادَتُهَا مَعَ مَا النافية كقول امرىء الْقَيْسِ:
حَلَفْتُ لَهَا بِاللَّهِ حَلْفَةَ فَاجِرٍ ... لَنَامُوا فَمَا إِنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلَا صَالِ
أَيْ فَمَا حَدِيثٌ. فَزَادَ [إِنْ] لِلتَّوْكِيدِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنِ الْخَفِيفَةُ زَائِدَةٌ فَجَمَعُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا النَّافِيَةِ تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَكْرَارِهَا فَهُوَ عِنْدَ الْفَرَّاءِ مِنَ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ مِنَ التَّأْكِيدِ الْمَعْنَوِيِّ.
وَقِيلَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مكناهم فيما إن مكناكم فيه﴾ :أَنَّهَا زَائِدَةٌ.
وَقِيلَ نَافِيَةٌ وَالْأَصْلُ: [فِي الَّذِي مَا مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ] بِدَلِيلِ: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لم نمكن لكم﴾ وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا عَدَلَ عَنْ مَا لِئَلَّا تَتَكَرَّرُ فَيُثْقُلُ اللَّفْظُ.
وَوَهِمَ ابْنُ الْحَاجِبِ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهَا تُزَادُ بَعْدَ [لَمَّا] الْإِيجَابِيَّةُ وَإِنَّمَا تِلْكَ في [أن] المفتوحة.
стр. 1099
زيادة "أن".
وَأَمَّا أَنِ الْمَفْتُوحَةُ فَتُزَادُ بَعْدَ لَمَّا الظَّرْفِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سيء بهم﴾ ،وَإِنَّمَا حَكَمُوا بِزِيَادَتِهَا لِأَنَّ [لَمَّا] ظَرْفُ زَمَانٍ وَمَعْنَاهَا وُجُودُ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ وَظُرُوفُ الزَّمَانِ غير المتمكنة لا تضاف إلى المفرد [وأن] الْمَفْتُوحَةُ تَجْعَلُ الْفِعْلَ بَعْدَهَا فِي تَأْوِيلِ الْمُفْرَدِ فَلَمْ تَبْقَ [لَمَّا] مُضَافَةً إِلَى الْجُمَلِ فَلِذَلِكَ حُكِمَ بِزِيَادَتِهَا.
وَجَعَلَ الْأَخْفَشُ مِنْ زِيَادَتِهَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ ، ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وَقِيلَ: بَلْ هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ وَالْأَصْلُ: [وَمَا لَنَا فِي أَلَّا نَفْعَلَ كَذَا] ! فَلَيْسَتْ زَائِدَةً لِأَنَّهَا عملت النصب في المضارع.
زيادة ما.
وَأَمَّا [مَا] فَتُزَادُ بَعْدَ خَمْسِ كَلِمَاتٍ مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ فَتُزَادُ بَعْدَ [مِنْ] وَ [عَنْ] غَيْرَ كَافَّةٍ لَهُمَا عَنِ الْعَمَلِ وَتُزَادُ بَعْدَ الْكَافِ وَرُبَّ وَالْبَاءِ كَافَّةً [تَارَةً] وَغَيْرَ كَافَّةٍ أخرى.
والكافة إِمَّا أَنْ تَكُفَّ عَنْ عَمَلِ النَّصْبِ وَالرَّفْعِ وَهِيَ الْمُتَّصِلَةُ بِإِنَّ وَأَخَوَاتِهَا، نَحْوَ: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إله واحد﴾ ﴿كأنما يساقون إلى الموت﴾ وَجَعَلُوا مِنْهَا ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ ،وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنَى [الَّذِي] وَ [الْعُلَمَاءُ] خَبَرٌ وَالْعَائِدُ مُسْتَتِرٌ فِي [يَخْشَى] وَأُطْلِقَتْ [مَا] عَلَى جَمَاعَةِ الْعُقَلَاءِ،.
стр. 1100
كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ وَإِمَّا أَنْ تَكُفَّ عَنْ عَمَلِ الْجَرِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وَقِيلَ: بَلْ مَوْصُولَةٌ، أَيْ [كَالَّذِي هُوَ لَهُمْ آلِهَةٌ] .
وَغَيْرُ الْكَافَّةِ تَقَعُ بَعْدَ الْجَازِمِ نَحْوَ: ﴿وإما ينزغنك﴾ ، ﴿أيا ما تدعوا﴾ . ﴿أينما تكونوا﴾ .
وبعد الخافض حرفا كان: ﴿فبما رحمة من الله﴾ . ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ . ﴿عما قليل﴾ . ﴿مما خطيئاتهم﴾ أو اسما نحو: ﴿أيما الأجلين قضيت﴾ .
وَتُزَادُ بَعْدَ أَدَاةِ الشَّرْطِ جَازِمَةً، كَانَتْ نَحْوَ: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ . أَوْ غَيْرَ جَازِمَةٍ، نَحْوَ: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جاءوها شهد عليهم سمعهم﴾ .
وَبَيْنَ الْمَتْبُوعِ وَتَابِعِهِ، نَحْوَ: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ ، قَالَ الزَّجَّاجُ: مَا حَرْفٌ زَائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ عِنْدَ جميع البصريين.
وَيُؤَيِّدُهُ سُقُوطُهَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَ [بعوضة] بدلا وَقِيلَ: [مَا] اسْمُ نَكِرَةٍ صِفَةٌ لِـ[مَثَلًا] أَوْ بَدَلٌ وَ [بَعُوضَةً] عَطْفُ بَيَانٍ.
وَقِيلَ: في قوله: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ بِأَنَّهَا زَائِدَةٌ لِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ الْكَلَامِ، نَحْوَ:.
стр. 1101
﴿فبما رحمة﴾ و [قليلا﴾ فِي مَعْنَى النَّفْيِ أَوْ لِإِفَادَةِ التَّقْلِيلِ كَمَا فِي نَحْوِ: [أَكَلْتُ أَكْلًا مَا] ،وَعَلَى هَذَا فيكون: [فقليلا بعد قليل] .
زيادة "لا".
وَأَمَّا [لَا] فَتُزَادُ مَعَ الْوَاوِ بَعْدَ النَّفْيِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ ،لِأَنَّ [اسْتَوَى] مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَطْلُبُ اسْمَيْنِ أَيْ لَا تَلِيقُ بِفَاعِلٍ وَاحِدٍ نَحْوَ [اخْتَصَمَ] فَعُلِمَ أَنَّ [لَا] زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: دَخَلَتْ فِي السيئة لتحقق أنه لاتساوي الْحَسَنَةُ السَّيِّئَةَ وَلَا السَّيِّئَةُ الْحَسَنَةَ.
وَتُزَادُ بَعْدَ [أَنِ] الْمَصْدَرِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ ،أَيْ لِيَعْلَمَ وَلَوْلَا تَقْدِيرُ الزِّيَادَةِ لَانْعَكَسَ الْمَعْنَى فَزِيدَتْ [لَا] لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ قَالَهُ ابْنُ جِنِّي.
وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ مَلْكُونَ، بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ نَفْيٌ حَتَّى تَكُونَ هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ. وَرَدَّ عَلَيْهِ السكونى بِأَنَّ هُنَا مَا مَعْنَاهُ النَّفْيُ وَهُوَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ على شيء﴾ ،وَيَكُونُ هَذَا مِنْ وُقُوعِ النَّفْيِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْمُرَادُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ كَقَوْلِهِ: [مَا عَلِمْتُ أَحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا زَيْدًا] فَأَبْدَلْتَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي [يَقُولُ] مَا بَعْدَ [إِلَّا] وَإِنْ كَانَ الْبَدَلُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّفْيِ فَكَمَا كَانَ النَّفْيُ هُنَا وَاقِعًا عَلَى الْعِلْمِ وَحُكِمَ لِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بحكمه كذلك يكون تأكيدا النفي أيضا على ما وقع علي العلم ويحكم للعلم بحكم النفي فيدخل عل الْعِلْمِ تَوْكِيدُ النَّفْيِ وَالْمُرَادُ تَأْكِيدُ نَفْيِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ.
стр. 1102
وَإِذَا كَانُوا قَدْ زَادُوا لَا فِي الْمُوجَبِ الْمَعْنَى لَمَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ فِعْلٌ مَنْفِيٌّ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ ،الْمَعْنَى [أَنْ تَسْجُدَ] ، فَزَادَ [لَا] تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ [مَنَعَكَ] فَكَذَلِكَ تُزَادُ [لَا] فِي الْعِلْمِ الْمُوجَبِ تَوْكِيدًا لِلنَّفْيِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْمُوَجَّهُ عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّلُوبِينُ: وَأَمَّا زِيَادَةُ [لَا] في قوله: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ ،فَشَيْءٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ إِلَّا عَلَى زِيَادَةِ [لَا] فِيهَا لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ وَمَا بَعْدَهُ يَقْتَضِيهِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَاصِمٍ وَالْحُمَيْدِيِّ: ﴿لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ [لِكَيْ يَعْلَمَ] وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ تَفْسِيرٌ لِزِيَادَتِهَا وَسَبَبُ النُّزُولِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا وَهُوَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنَّا وَكَفَرُوا مَعَ ذَلِكَ بِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ الآية.
ومنه: ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ ، بِدَلِيلِ الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ ،وَلَيْسَ الْمَعْنَى مَا مَنَعَكَ مِنْ تَرْكِ السُّجُودِ فَإِنَّهُ تَرْكٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّوْبِيخُ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ مِنْ وَجْهَيْنِ:.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ مَا دَعَاكَ إِلَى أَلَّا تَسْجُدَ لِأَنَّ الصَّارِفَ عَنِ الشَّيْءِ دَاعٍ إِلَى تَرْكِهِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ أَسْبَابِ عَدَمِ الْفِعْلِ.
الثَّانِي: أَنَّ التَّقْدِيرَ مَا مَنَعَكَ مِنْ أَلَّا تَسْجُدَ.
стр. 1103
وَهَذَا أَقْرَبُ مِمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّ فِيهِ إِبْقَاءُ الْمَنْعِ عَلَى أَصْلِهِ وَعَدَمُ زِيَادَتِهَا أَوْلَى لِأَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الْجَرِّ مَعَ [أَنْ] كَثِيرٌ كَثْرَةً لَا تَصِلُ إِلَى الْمَجَازِ وَالزِّيَادَةِ فِي دَرَجَتِهِ.
قَالُوا: وَفَائِدَةُ زِيَادَتِهَا تَأْكِيدُ الْإِثْبَاتِ فَإِنَّ وَضْعَ [لَا] نَفْيُ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَهِيَ مُعَارِضَةٌ لِلْإِثْبَاتِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ حُصُولَ الْحُكْمِ مَعَ الْمُعَارِضِ أَثْبَتُ مِمَّا إِذَا لَمْ يَعْتَرِضْهُ الْمُعَارِضُ أَوْ أَسْقَطَ مَعْنَى مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْقُطَ.
وَمِنْهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا. ألا تتبعن﴾ .
وَقِيلَ: وَقَدْ تُزَادُ قَبْلَ الْقَسَمِ نَحْوَ: ﴿فَلَا أقسم برب المشارق والمغارب﴾ .
﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ . ﴿لا أقسم بيوم الْقِيَامَةِ﴾ ، أَيْ أُقْسِمُ بِثُبُوتِهَا.
وَضُعِّفَ فِي الْأَخِيرَةِ بِأَنَّهَا وَقَعَتْ صَدْرًا بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا لِوُقُوعِهَا بين الفا وَمَعْطُوفِهَا.
وَقِيلَ: زِيدَتْ تَوْطِئَةً لِنَفْيِ الْجَوَابِ، أَيْ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا يُتْرَكُونَ سُدًى. وَرَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ الْآيَاتِ. فَإِنَّ جَوَابَهُ مُثْبَتٌ وَهُوَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الأنسان في كبد﴾ .
وَقِيلَ: غَيْرُ زَائِدَةٍ.
وَقِيلَ: هِيَ رَدٌّ لِكَلَامٍ قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْكُفَّارِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَالسُّورَةِ الْوَاحِدَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِادِّعَاءُ فِي سُورَةٍ وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي أُخْرَى فَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى [لَا] هَذِهِ.
стр. 1104
وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ .
فَقِيلَ: زَائِدَةٌ لِيَصِحَّ الْمَعْنَى لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الشِّرْكُ.
وَقِيلَ: نَافِيَةٌ أَوْ نَاهِيَةٌ.
وَقِيلَ: الْكَلَامُ تَمَّ عند قوله: ﴿حرم ربكم﴾ ،ثم ابتدأ: ﴿عليكم ألا تشركوا به﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يؤمنون﴾ ،فِيمَنْ فَتَحَ الْهَمْزَةَ فَقِيلَ [لَا] زَائِدَةٌ وَإِلَّا لَكَانَ عُذْرًا لِلْكُفَّارِ.
وَرَدَّهُ الزَّجَّاجُ: بِأَنَّهَا نَافِيَةٌ فِي قِرَاءَةِ الْكَسْرِ٤ فَيَجِبُ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ الْفَتْحِ.
وَقِيلَ: نَافِيَةٌ وَحُذِفَ الْمَعْطُوفُ أَيْ وَأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أنهم لا يرجعون﴾ .
وَقِيلَ: [لَا] زَائِدَةٌ وَالْمَنْعُ: مُمْتَنِعٌ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ قَدَّرْنَا إِهْلَاكَهُمْ لِكُفْرِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَنِ الْكُفْرِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
وَعَلَى هَذَا فَـ[حَرَامٌ] خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وُجُوبًا لِأَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ أَنَّ [وَصِلَتُهَا] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثم.
стр. 1105
يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا﴾ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبَ ﴿يَأْمُرَكُمْ﴾ عَطْفًا عَلَى ﴿يُؤْتِيَهُ﴾ فَـ[لَا] زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى النَّفْيِ السَّابِقِ.
وَقِيلَ: عُطِفَ عَلَى ﴿يَقُولَ﴾ ، وَالْمَعْنَى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُنَصِّبَهُ اللَّهُ لِلدُّعَاءِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَتَرْكِ الْأَنْدَادِ ثُمَّ يَأْمُرَ النَّاسَ بِأَنْ يَكُونُوا عِبَادًا لَهُ وَيَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا.
وَقِيلَ: لَيْسَتْ زَائِدَةً لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَنْهَى قُرَيْشًا عَنْ عِبَادَةِ الملائكة وأهل الكتاب عن عبادة عزيز وَعِيسَى فَلَمَّا قَالُوا لَهُ: أَنَتَّخِذُكَ رَبًّا؟ قِيلَ لَهُمْ: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ثُمَّ يَأْمُرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ وَيَنْهَاهُمْ عن عبادة الملائكة والأنبياء.
زيادة "من".
وَأَمَّا [مِنْ] فَإِنَّهَا تُزَادُ فِي الْكَلَامِ الْوَارِدِ بَعْدَ نَفْيٍ أَوْ شَبَهِهِ، نَحْوَ: ﴿وَمَا تَسْقُطُ من ورقة إلا يعلمها﴾ . ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فارجع البصر هل ترى من فطور﴾ . ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ معه من إله﴾ .
стр. 1106
وَجَوَّزَ الْأَخْفَشُ زِيَادَتَهَا مُطْلَقًا مُحْتَجًّا بِنَحْوِ قَوْلِهِ تعالى: ﴿ولقد جاءك من نبأ المرسلين﴾ . ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ . ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب﴾ . ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ .
وَأَمَّا [مَا] فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رحمة من الله لنت لهم﴾ وقوله: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ فَـ[مَا] فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ زَائِدَةٌ إِلَّا أَنَّ فِيهَا فَائِدَةً جَلِيلَةً وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَبِنَقْضِهِمْ لَعَنَّاهُمْ جَوَّزْنَا أَنَّ اللِّينَ وَاللَّعْنَ كَانَا لِلسَّبَبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمَّا أَدْخَلَ [مَا] فِي الْمَوْضُوعَيْنِ قَطَعْنَا بِأَنَّ اللِّينَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِلرَّحْمَةِ وَأَنَّ اللَّعْنَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِأَجْلِ نقض الميثاق.
زيادة "الباء".
وَأَمَّا [الْبَاءُ] فَتُزَادُ فِي الْفَاعِلِ نَحْوَ: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ ،أَيْ كَفَى اللَّهُ وَنَحْوَ [أَحْسِنْ بِزَيْدٍ!] إِلَّا أَنَّهَا فِي التَّعَجُّبِ لَازِمَةٌ وَيَجُوزُ حَذْفُهَا في فاعل ﴿كفى بالله شهيدا﴾ ، ﴿وكفى بنا حاسبين﴾ وَإِنَّمَا هُوَ [كَفَى اللَّهُ] وَ [كَفَانَا] .
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: دَخَلَتْ لِتَضَمُّنِ [كَفَى] مَعْنَى اكْتَفَى وَهُوَ حَسَنٌ.
وَفِي الْمَفْعُولِ، نَحْوَ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التهلكة﴾ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَلْقَيْنَا فيها رواسي﴾ ،ونحو: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ . ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ . ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ .
стр. 1107
﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم﴾ . ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ ،أَيْ يَمْسَحُ السُّوقَ مَسْحًا.
وَقِيلَ: فِي الْأَوَّلِ ضَمَّنَ [تُلْقُوا] مَعْنَى [تُفْضُوا] .
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا تُلْقُوا أَنْفُسَكُمْ بِسَبَبِ أَيْدِيكُمْ كَمَا يُقَالُ لَا تُفْسِدْ أَمْرَكَ بِرَأْيِكَ.
وَقِيلَ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تنبت بالدهن﴾ :إِنَّ الْبَاءَ زَائِدَةٌ وَالْمُرَادُ: [تُنْبِتُ الدُّهْنَ] .
وَفِي المبتدأ، وهو قليل ومنه عند سيبويه: ﴿بأيكم المفتون﴾ .
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: ﴿بِأَيِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِقْرَارٍ مَحْذُوفٍ مُخْبَرٌ عَنْهُ بِالْمَفْتُونِ ثُمَّ اخْتُلِفَ فَقِيلَ: [الْمَفْتُونُ] مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفِتْنَةِ وَقِيلَ: الْبَاءُ ظَرْفِيَّةٌ أَيْ فِي أَيِّكُمُ الْجُنُونُ.
وَفِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، نَحْوَ: ﴿جزاء سيئة بمثلها﴾ . وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ .
وَفِي خَبَرِ لَيْسَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ . ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ .
وَقَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ فِي [الْمُقَرَّبِ] : وَتُزَادُ فِي نَادِرِ كَلَامٍ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بقادر على أن يحيي الموتى﴾ . انتهى.
стр. 1108
وَمُرَادُهُ الْآيَةَ الَّتِي أَوَّلُهَا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بخلقهن بقادر﴾ وَلِذَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ.
وَيَدُلُّ عَلَى الزِّيَادَةِ الْآيَةُ الَّتِي فِي [الْإِسْرَاءِ] : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السماوات وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لهم أجلا لا ريب فيه﴾ .
وَزَعَمَ ابْنُ النَّحَّاسِ أَنَّهُ أَرَادَ الْآيَةَ الْأُولَى، أَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ، فَاعْتَذَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ فِي خَبَرِ لَيْسَ - لِأَنَّ [لَيْسَ] هُنَا بِدُخُولِ الْهَمْزَةِ عَلَيْهَا لَمْ يَبْقَ مَعْنَاهَا مِنَ النَّفْيِ فَصَارَ الْكَلَامُ تَقْرِيرًا وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ فِي [نادر] في القياس لا في الاستعمال.
زيادة "اللام".
وَأَمَّا اللَّامُ، فَتُزَادُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الْفِعْلِ وَمَفْعُولِهِ: كَقَوْلِهِ:
وَمَلَكْتَ مَا بَيْنَ الْعِرَاقِ وَيَثْرِبَ ... مُلْكًا أَجَارَ لِمُسْلِمٍ وَمُعَاهِدِ
وَجَعَلَ مِنْهُ الْمُبَرِّدُ قَوْلَهُ تعالى: ﴿ردف لكم﴾ ،وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ ضُمِّنَ [رَدِفَ] مَعْنَى: اقْتَرَبَ كقوله: ﴿اقترب للناس حسابهم﴾ .
وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لكم ويهديكم﴾ ،فَقِيلَ: زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: لِلتَّعْلِيلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أَيْ يُرِيدُ اللَّهُ التَّبْيِينَ وَلِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ أَيْ فَيَجْمَعُ لَكُمْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
стр. 1109
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أكون أول المسلمين﴾ ،فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: لَكَ أَنْ تَجْعَلَ اللَّامَ مَزِيدَةً مِثْلَهَا فِي [أَرَدْتُ لِأَنْ أَفْعَلَ] وَلَا تُزَادُ إِلَّا مَعَ [أَنْ] خَاصَّةً دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ كَأَنَّهَا زِيدَتْ عِوَضًا مِنْ تَرْكِ الْأَصْلِ إِلَى مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، كَمَا أَتَتِ السِّينُ فِي [أَسْطَاعَ] يَعْنِي بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ عِوَضًا مِنْ تَرْكِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ [أَطُوعُ] وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا مَجِيئُهُ بِغَيْرِ لَامٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ . انْتَهَى.
وَزِيَادَتُهَا فِي [أَرَدْتُ لِأَنْ أَفْعَلَ] لَمْ يَذْكُرْهُ أَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ وَإِنَّمَا تَعَرَّضُوا لَهَا فِي إعراب: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ .
وَتُزَادُ لِتَقْوِيَةِ الْعَامِلِ الضَّعِيفِ إِمَّا لِتَأَخُّرِهِ نَحْوَ: ﴿هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون﴾ ،ونحو: ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ .
أَوْ لِكَوْنِهِ فَرْعًا فِي الْعَمَلِ، نَحْوَ: ﴿مُصَدِّقًا لما معهم﴾ ، ﴿فعال لما يريد﴾ ، ﴿نزاعة للشوى﴾ .
وَقِيلَ مِنْهُ: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ ،وَقِيلَ: بَلْ يَتَعَلَّقُ بِمُسْتَقَرٍّ مَحْذُوفٍ صِفَةً لِعَدُوٍّ وَهِيَ لِلِاخْتِصَاصِ.
وَقَدِ اجْتَمَعَ التَّأَخُّرُ وَالْفَرْعِيَّةُ، فِي نحو: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ .
стр. 1110
وأما قوله تعالى: ﴿نذيرا للبشر﴾ ،فَإِنْ كَانَ [نَذِيرًا] بِمَعْنَى الْمُنْذِرِ، فَهُوَ مِثْلَ: ﴿فعال لما يريد﴾ ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْإِنْذَارِ فَاللَّامُ مِثْلُهَا فِي: [سُقْيًا لِزَيْدٍ] .
وَقَدْ تَجِيءُ اللَّامُ لِلتَّوْكِيدِ بَعْدَ النَّفْيِ وَتُسَمَّى لَامَ الْجُحُودِ وَتَقَعُ بَعْدَ [كَانَ] مثل: ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ ،اللَّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَالْبَاءِ الدَّاخِلَةِ فِي خَبَرِ [لَيْسَ] ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: [إِنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ] أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: مَا كُنْتُ أَضْرِبُكَ. بِغَيْرِ لَامٍ، جَازَ أَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ مِمَّا يَجُوزُ كَوْنُهُ فَإِذَا قُلْتَ مَا كُنْتُ لِأَضْرِبَكَ فَاللَّامُ جَعَلَتْهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَكُونُ أَصْلًا.
وَقَدْ تَأْتِي مُؤَكَّدَةً فِي مَوْضِعٍ وَتُحْذَفُ فِي آخَرَ لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ ذَلِكَ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تبعثون﴾ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَكَّدَ إِثْبَاتَ الْمَوْتِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ تَأْكِيدَيْنِ وَأَكَّدَ إِثْبَاتَ الْبَعْثِ الَّذِي أَنْكَرُوهُ تَأْكِيدًا وَاحِدًا وَكَانَ الْمُتَبَادَرُ الْعَكْسَ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ إِنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ الْإِنْكَارُ لَكِنْ فِي النَّظْمِ وُجُوهٌ:.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْبَعْثَ لَمَّا قَامَتِ الْبَرَاهِينُ الْقَطْعِيَّةُ عَلَيْهِ صَارَ الْمُنْكِرُ لَهُ كَالْمُنْكِرِ لِلْبَدَهِيَّاتِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْكِيدٍ وَأَمَّا الْمَوْتُ فَإِنَّهُ وَإِنْ أَقَرُّوا بِهِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا مَا بَعْدَهُ نُزِّلُوا مَنْزِلَةَ مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ فَاحْتَاجَ إِلَى تَأْكِيدِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يُنَزَّلُ الْمُنْكِرُ كَغَيْرِ الْمُنْكِرِ إِذَا كَانَ معه مالو تَأَمَّلَهُ ارْتَدَعَ مِنَ الْإِنْكَارِ. وَلَمَّا ظَهَرَ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ مِنَ التَّمَادِي فِي الْغَفْلَةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ العمل.
стр. 1111
لِمَا بَعْدَهُ وَالِانْهِمَاكِ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ مِنْ أَمَارَاتِ إِنْكَارِ الْمَوْتِ فَلِهَذَا قَالَ: [مَيِّتُونَ] وَلَمْ يَقُلْ: تَمُوتُونَ وَإِنَّمَا أَكَّدَ إِثْبَاتَ الْبَعْثِ الَّذِي أَنْكَرُوهُ تَأْكِيدًا وَاحِدًا لِظُهُورِ أَدِلَّتِهِ الْمُزِيلَةِ لِلْإِنْكَارِ إِذَا تَأَمَّلُوا فِيهَا وَلِهَذَا قِيلَ: تُبْعَثُونَ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الِاسْتِقْبَالُ بِخِلَافِ [تَمُوتُونَ] .
الثَّانِي: أَنَّ دُخُولَ اللَّامِ عَلَى مَيِّتُونَ أَحَقُّ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَرُدُّ عَلَى الدَّهْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِبَقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْبَعْثِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَكَّدَهُ وَكَذَّبَ مُنْكِرَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن﴾ قَالَهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ بْنُ الْفِرْكَاحِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعَطْفُ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الْحُكْمِ اسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ إِعَادَةِ لَفْظِ اللَّامِ وَكَأَنَّهُ قِيلَ: [لَتُبْعَثُونَ] وَاسْتُغْنِيَ بِهَا فِي الثَّانِي لِذِكْرِهَا فِي الْأَوَّلِ.
الرَّابِعُ: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بُولِغَ فِي تَأْكِيدِ الْمَوْتِ تَنْبِيهًا لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ وَلَا يَغْفُلُ عَنْ تَرَقُّبِهِ فَإِنَّ مَآلَهُ إِلَيْهِ فَكَأَنَّهُ أُكِّدَتْ جُمْلَتُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِهَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الدُّنْيَا يَسْعَى فِيهَا غَايَةَ السَّعْيِ كَأَنَّهُ مُخَلَّدٌ وَلَمْ يُؤَكِّدْ جُمْلَةَ الْبَعْثِ إِلَّا بِـ[إِنَّ] لِأَنَّهُ أُبْرِزَ بِصُورَةِ الْمَقْطُوعِ بِهِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِيهِ نِزَاعٌ وَلَا يَقْبَلُ إِنْكَارًا.
قُلْتُ: هَذِهِ الْأَجْوِبَةُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَأَمَّا الصِّنَاعَةُ فَتُوجِبُ مَا جَاءَتِ الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ حَذْفُ اللَّامِ فِي [تُبْعَثُونَ] لِأَنَّ اللَّامَ تُخَلِّصُ الْمُضَارِعَ لِلْحَالِ فَلَا يُجَاءُ بِهِ مَعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ وَلِأَنَّ تُبْعَثُونَ عَامِلٌ فِي الظَّرْفِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ فَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا بِتَقْدِيرِ عَامِلٍ.
стр. 1112
وَنَظِيرُ هَذَا آيَةُ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون﴾ . وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي الْمَاءِ: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أجاجا﴾ بِغَيْرِ لَامٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:.
أَحَدُهَا: أَنَّ صَيْرُورَةَ الْمَاءِ مِلْحًا أَسْهَلُ وَأَكْثَرُ مِنْ جَعْلِ الْحَرْثِ حُطَامًا إِذِ الْمَاءُ الْعَذْبُ يَمُرُّ بِالْأَرْضِ السَّبْخَةِ فَيَصِيرُ مِلْحًا فَالتَّوَعُّدُ بِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَوَعَّدَ عَبْدَهُ بِالضَّرْبِ بِعَصَا وَنَحْوِهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَوْكِيدٍ وَإِذَا تَوَعَّدَ بِالْقَتْلِ احْتَاجَ إِلَى تَأْكِيدٍ.
وَالثَّانِي: إِنَّ جَعْلَ الْحَرْثِ حُطَامًا قَلْبٌ لِلْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ وَجَعْلَ الْمَاءِ أُجَاجًا قَلْبٌ لِلْكَيْفِيَّةِ فَقَطْ وَهُوَ أَسْهَلُ وَأَيْسَرُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ [لَوْ] لَمَّا كَانَتْ دَاخِلَةً عَلَى جُمْلَتَيْنِ مُعَلِّقَةً ثَانِيَتَهُمَا بِالْأُولَى تَعْلِيقَ الْجَزَاءِ [بِالشَّرْطِ] أَتَى بِاللَّامِ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ حَذَفَ الثَّانِي للعلم بها لأن الشيء إذا علم [وشهر موقعه وصار مألوفا ومأنوسا به] لم يبال بإسقاطه عن اللفظ [استغناء بمعرفة السامع] وَيُسَاوِي لِشُهْرَتِهِ حَذْفَهُ وَإِثْبَاتَهُ مَعَ مَا فِي حَذْفِهِ مِنْ خِفَّةِ اللَّفْظِ وَرَشَاقَتِهِ لِأَنَّ تَقَدُّمَ ذِكْرِهَا - وَالْمَسَافَةُ قَصِيرَةٌ - يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهَا ثَانِيًا.
الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّامَ أُدْخِلَتْ فِي آيَةِ الْمَطْعُومِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى أَمْرِ الْمَشْرُوبِ وَأَنَّ الْوَعِيدَ بِفَقْدِهِ أَشَدُّ وَأَصْعَبُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمَشْرُوبَ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ تَبَعًا لِلْمَطْعُومِ ولهذا قدمت آيَةِ الْمَطْعُومِ عَلَى آيَةِ الْمَشْرُوبِ ذَكَرَهَا وَالَّذِي قَبْلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَمِنْ ذَلِكَ حَذْفُ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لله.
стр. 1113
والرسول﴾ وَإِثْبَاتُهَا بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الْآيَةَ. وَالْجَوَابُ أَنَّكَ إِذًا عَطَفْتَ عَلَى مَجْرُورٍ..
الْقِسْمُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: بَابُ الِاشْتِغَالِ.
فَإِنَّ الشَّيْءَ إِذَا أُضْمِرَ ثُمَّ فُسِّرَ كَانَ أَفْخَمَ مِمَّا إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ إِضْمَارٌ أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَجِدُ اهْتِزَازًا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أحد من المشركين استجارك فأجره﴾ .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رحمة ربي﴾ .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ والظالمين أعد لهم عذابا أليما﴾ .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة﴾ - لا تجد مثله إذا قُلْتَ: وَإِنِ اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَجِرْهُ. وَقَوْلُكَ: لَوْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي. وَقَوْلُكَ: ﴿يدخل من يشاء في رحمته وأعد لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وَقَوْلُكَ: هَدَى فَرِيقًا وَأَضَلَّ فَرِيقًا إِذِ الْفِعْلُ الْمُفَسَّرُ فِي تَقْدِيرِ الْمَذْكُورِ مَرَّتَيْنِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ، ﴿إذا السماء انفطرت﴾ ،وَنَظَائِرُهُ، فَهَذِهِ فَائِدَةُ اشْتِغَالِ الْفِعْلِ عَنِ الْمَفْعُولِ بضميره.
стр. 1114
الْقِسْمُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: التَّعْلِيلُ.
بِأَنْ يَذَكُرَ الشَّيْءَ مُعَلَّلًا فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ ذِكْرِهِ بِلَا عِلَّةٍ لِوَجْهَيْنِ:.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَةَ قَاضِيَةٌ بِعُمُومِ الْمَعْلُولِ وَلِهَذَا اعْتَرَفَتِ الظَّاهِرِيَّةُ بِالْقِيَاسِ فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ النُّفُوسَ تَنْبَعِثُ إِلَى نَقْلِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّلَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَغَالِبُ التَّعْلِيلِ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ جَوَابِ سُؤَالٍ اقْتَضَتْهُ الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَهُوَ سُؤَالٌ عَنِ الْعِلَّةِ.
وَمِنْهُ: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ . ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ . ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ .
وَتَوْضِيحُ التَّعْلِيلِ أَنَّ الْفَاءَ السَّبَبِيَّةَ لَوْ وُضِعَتْ مَكَانَ [إِنَّ] لَحَسُنَ.
وَالطُّرُقُ الدَّالَّةُ عَلَى الْعِلَّةِ أَنْوَاعٌ:.
الْأَوَّلُ: التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حكمة بالغة﴾ .
وقال: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ ،وَالْحِكْمَةُ هِيَ الْعِلْمُ النَّافِعُ. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ.
стр. 1115
الثَّانِي: أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا لِكَذَا أَوْ أَمَرَ بِكَذَا لِكَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرض﴾ .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾ .
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ .
﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ .
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لنعلم﴾ .
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ .
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قلوبكم به﴾ وَهُوَ كَثِيرٌ.
فَإِنْ قِيلَ: اللَّامُ فِيهِ لِلْعَاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ،وقوله: ﴿ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة﴾ ،وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُعَلَّلُ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا: إِنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُعَلَّلُ أَيْ لَا تَجِبُ وَلَكِنَّهَا لَا تَخْلُو عَنِ الْحِكْمَةِ وَقَدْ أَجَابَ الْمَلَائِكَةَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يفسد فيها﴾ بقوله: ﴿قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ .
وَلَوْ كَانَ فِعْلُهُ سُبْحَانَهُ مْجَرَّدًا عَنِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ لَمْ يَسْأَلِ الْمَلَائِكَةُ عَنْ حِكْمَتِهِ وَلَمْ يَصِحَّ الْجَوَابُ بِكَوْنِهِ يَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَصَالِحِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ،.
стр. 1116
وَلِأَنَّ لَامَ الْعَاقِبَةِ إِنَّمَا تَكُونُ فِي حَقِّ مَنْ يَجْهَلُ الْعَاقِبَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وَأَمَّا مَنْ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَمُسْتَحِيلَةٌ فِي حَقِّهِ وَإِنَّمَا اللَّامُ الْوَارِدَةُ فِي أَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ لَامُ الْحِكْمَةِ وَالْغَايَةِ الْمَطْلُوبَةُ مِنَ الْحِكْمَةِ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ هُوَ تَعْلِيلٌ لِقَضَاءِ اللَّهِ بِالْتِقَاطِهِ وَتَقْدِيرِهِ لَهُمْ فَإِنَّ التقاطهم لهم إِنَّمَا كَانَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَذَكَرَ فِعْلَهُمْ دُونَ قَضَائِهِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي كَوْنِهِ حَزَنًا لَهُمْ وَحَسْرَةً عَلَيْهِمْ.
قَاعِدَةٌ تَفْسِيرِيَّةٌ:.
حَيْثُ دَخَلَتْ وَاوُ الْعَاطِفِ عَلَى لَامِ التَّعْلِيلِ فَلَهُ وَجْهَانِ:.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا مُعَلِّلُهُ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا﴾ ، فَالْمَعْنَى وَلِلْإِحْسَانِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ فَعَلَ ذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى عِلَّةٍ أُخْرَى مُضْمَرَةٍ لِيُظْهِرَ صِحَّةَ الْعَطْفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السماوات والأرض بالحق ولتجزى﴾ ، التَّقْدِيرُ: لِيَسْتَدِلَّ بِهَا الْمُكَلَّفُ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى وَلِتُجْزَى. وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ولنعلمه﴾ ، التَّقْدِيرُ: لِيَتَصَرَّفَ فِيهَا وَلِنُعَلِّمَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، وَفِي الثَّانِي عَطْفُ مُفْرَدٍ عَلَى مُفْرَدٍ.
وَقَدْ يَحْتَمِلُهُمَا الْكَلَامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ ، فَالتَّقْدِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً فِعْلُنَا ذَلِكَ، وَعَلَى الثَّانِي: وَلِنُبَيِّنَ لِلنَّاسِ قُدْرَتَنَا وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً وَيَطَّرِدُ الْوَجْهَانِ فِي نَظَائِرِهِ وَيُرَجَّحُ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ الْمَقَامِ وَحَذْفُ الْمُعَلِّلِ هَاهُنَا أَرْجَحُ إِذْ لَوْ فَرَضَ عِلَّةً أُخْرَى لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ مُعَلِّلٍ مَحْذُوفٍ وَلَيْسَ قَبْلَهَا مَا يَصْلُحُ له.
стр. 1117
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّرَ الْمُعَلِّلُ مُؤَخَّرًا؟.
قُلْتُ: فَائِدَةُ هَذَا الْأُسْلُوبِ هُوَ أَنْ يُجَاءَ بِالْعِلَّةِ بِالْوَاوِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَدِّرَ عِلَّةً أُخْرَى لِيَعْطِفَ عَلَيْهَا فَيَكُونُ اخْتِصَاصُ ذِكْرِهَا لِكَوْنِهَا أَهَمُّ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ مُعَلِّلٍ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُؤَخَّرًا لِيُشْعِرَ تَقْدِيمُهُ بِالِاهْتِمَامِ.
الثَّالِثُ: الْإِتْيَانُ بِكَيْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ،فَعَلَّلَ سُبْحَانَهُ الْفَيْءَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كَيْلَا يَتَدَاوَلَهُ الْأَغْنِيَاءُ دُونَ الْفُقَرَاءِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إن ذلك على الله يسير. لكيلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكم﴾ ،وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ قَدَّرَ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ فِي أَنْفُسِهِمْ قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ الْأَنْفُسُ أَوِ الْمُصِيبَةُ أَوِ الْأَرْضُ أَوِ الْمَجْمُوعُ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ مَصْدَرَ ذَلِكَ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ هَيِّنٌ عَلَيْهِ وَحِكْمَتُهُ الْبَالِغَةُ الَّتِي مِنْهَا أَلَّا يَحْزَنَ عِبَادُهُ عَلَى مَا فَاتَهُمْ وَلَا يَفْرَحُوا بِمَا آتَاهُمْ فَإِنَّهُمْ إِذَا عَلِمُوا أَنَّ الْمُصِيبَةَ فِيهِ مُقَدَّرَةٌ كَائِنَةٌ وَلَا بُدَّ قَدْ كُتِبَتْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ هَانَ عَلَيْهِمُ الْفَائِتُ فَلَمْ يَأْسُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْرَحُوا.
الرَّابِعُ: ذِكْرُ الْمَفْعُولِ لَهُ وَهُوَ عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ الْمُعَلَّلِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ .
стр. 1118
وَنَصْبُ ذَلِكَ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ أَحْسَنُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ للناس ما نزل إليهم﴾ .
وقوله: ﴿ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون﴾ .
وقوله: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ ،أَيْ لِأَجْلِ الذِّكْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون﴾ .
وقوله: ﴿فالملقيات ذكرا. عذرا أو نذرا﴾ ،أَيْ لِلْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ.
وَقَدْ يَكُونُ مَعْلُولًا بِعِلَّةٍ أُخْرَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حذر الموت﴾ ،فَـ[مِنَ الصَّوَاعِقِ] يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِيهِ [مِنْ] لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أَيْ خَوْفًا مِنَ الصَّوَاعِقِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعَلِّلَةً بِمَعْنَى اللَّامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ أَيْ لِغَمٍّ وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَـ[مِنَ الصَّوَاعِقِ] فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وَالْعَامِلُ فِيهِ [يَجْعَلُونَ] . [وَحَذَرَ الْمَوْتِ] مَفْعُولٌ لَهُ أَيْضًا فَالْعَامِلُ فِيهِ [مِنَ الصَّوَاعِقِ] فَـ[مِنَ الصَّوَاعِقِ] عِلَّةٌ لِـ[يَجْعَلُونَ] . مَعْلُولٌ لِحَذَرَ الْمَوْتِ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ الَّذِي هُوَ [مِنَ الصَّوَاعِقِ] يَصْلُحُ جَوَابًا لِقَوْلِنَا: لِمَ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ؟ وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ [حَذَرَ الْمَوْتِ] يَصْلُحُ جَوَابًا لِقَوْلِنَا: لِمَ يَخَافُونَ مِنَ الصَّوَاعِقِ؟ فَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: اللَّامُ فِي الْمَفْعُولِ لَهُ، وَتَقُومُ مَقَامَهُ الْبَاءُ، نَحْوَ: ﴿فبظلم من الذين هادوا﴾ .
стр. 1119
ومن، نحو: ﴿من أجل ذلك كتبنا﴾ .
وَالْكَافُ، نَحْوَ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ ،وقال: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ ،وقال: ﴿فاذكروا الله كما علمكم﴾ أَيْ لِإِرْسَالِنَا وَتَعْلِيمِنَا.
السَّادِسُ: الْإِتْيَانُ بِإِنَّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ .
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ .
﴿فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا﴾ .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يسرون وما يعلنون﴾ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلُهُمْ لَمَا حَزِنَ الرَّسُولُ وَإِنَّمَا جِيءَ بِالْجُمْلَةِ لِبَيَانِ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ فِي أَنَّهُ لَا يُحْزِنُهُ قَوْلُهُمْ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إن العزة لله جميعا﴾ وَالْوَقْفُ عَلَى الْقَوْلِ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَالِابْتِدَاءُ بإن لازم.
وقد يكون علة كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءَتْ مستقرا ومقاما﴾ وَفِيهَا وَجْهَانِ لِأَهْلِ الْمَعَانِي.
стр. 1120
أَحَدُهُمَا: أَنَّ سُؤَالَهُمْ لِصَرْفِ الْعَذَابِ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهُ غَرَامٌ أَيْ مُلَازِمٌ الْغَرِيمَ وَبِأَنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا.
الثَّانِي: أَنَّ [سَاءَتْ] . تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ غَرَامًا.
السَّابِعُ: أَنَّ وَالْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ بَعْدَهَا تَعْلِيلًا لِمَا قَبْلَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ .
كَأَنَّهُ قِيلَ: لِمَ فَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ؟ قِيلَ: لِلْحُزْنِ، فَقِيلَ: لِمَ حَزِنُوا؟ فَقِيلَ: لِئَلَّا يَجِدُوا.
وَقَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى﴾ .
وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَفِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ:.
أَحَدُهُمَا: لِلْكُوفِيِّينَ، أَنَّ الْمَعْنَى لِئَلَّا يَقُولُوا وَلِئَلَّا تَقُولُ نَفْسٌ.
الثَّانِي: لِلْبَصْرِيِّينَ، أَنَّ الْمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ يَقُولُوا أَوْ حَذَارِ أَنْ يَقُولُوا فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الطَّرِيقَانِ فِي قَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ؟ فَإِنَّكَ إِذَا قَدَّرْتَ: [لِئَلَّا تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا] لَمْ يَسْتَقِمْ عَطْفُ [فَتُذَكِّرَ] عَلَيْهِ وَإِنْ قَدَّرْتَ: [حَذَارِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا] لَمْ يَسْتَقِمِ الْعَطْفُ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الضَّلَالَةُ عِلَّةً لشهادتهما.
стр. 1121
قِيلَ: بِظُهُورِ الْمَعْنَى يَزُولُ الْإِشْكَالُ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ إذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت نسيت، فَلَمَّا كَانَ الضَّلَالُ سَبَبًا لِلْإِذْكَارِ جُعِلَ مَوْضِعَ العلة، تَقُولُ: [أَعْدَدْتُ هَذِهِ الْخَشَبَةَ أَنْ تَمِيلَ الْحَائِطُ فَأُدَعِّمُ بِهَا] ، فَإِنَّمَا أَعْدَدْتُهَا لِلدَّعْمِ لَا لِلْمَيْلِ، وَأَعْدَدْتُ هَذَا الدَّوَاءَ أَنْ أَمْرَضَ فَأُدَوَاى بِهِ وَنَحْوُهُ. هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَالْبَصْرِيِّينَ.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ فِي: [تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى] إِنْ ضَلَّتْ فَلَمَّا تَقَدَّمَ الْجَزَاءُ اتَّصَلَ بِمَا قَبْلَهُ فَفُتِحَتْ أَنْ.
الثَّامِنُ: [مِنْ أَجْلِ] فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أنه من قتل نفسا بغير نفس﴾ فَإِنَّهُ لِتَعْلِيلِ الْكَتْبِ، وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ الْوَقْفُ على: ﴿من النادمين﴾ وَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ ،أَيْ مِنْ أَجْلِ قَتْلِهِ لِأَخِيهِ وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّهُ يُشَوِّشُ صِحَّةَ النَّظْمِ وَيُخِلُّ بِالْفَائِدَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ قَتْلُ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ لِلْآخَرِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ عَلَى أُمَّةٍ أُخْرَى بِذَلِكَ الْحُكْمِ؟ وَإِذَا كَانَ عِلَّةً فَكَيْفَ كَانَ قَتْلُ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بِمَنْزِلَةِ قَاتِلِ النَّاسِ كُلِّهِمْ؟.
قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - يَجْعَلُ أَقْضِيَتَهُ وَأَقْدَارَهُ عِلَلًا لِأَسْبَابِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَمْرِهِ فَجَعَلَ حُكْمَهُ الْكَوْنِيَّ الْقَدَرِيَّ عِلَّةً لِحِكْمَةِ أَمْرِهِ الدِّينِيِّ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَمَّا كَانَ مِنْ أَعْلَى.
стр. 1122
أَنْوَاعِ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ فَخَّمَ أَمَرَهُ وَعَظَّمَ شَأْنَهُ وجعل أنمة أَعْظَمَ مِنْ إِثْمِ غَيْرِهِ وَنَزَّلَ قَاتِلَ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ مَنْزِلَةَ قَاتِلِ الْأَنْفُسِ كُلِّهَا فِي أَصْلِ العذاب لا في وصفه.
التاسع: التعليل بلعل، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ من قبلكم لعلكم تتقون﴾ ، قِيلَ: هُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: [اعْبُدُوا] ، وَقِيلَ لِقَوْلِهِ: [خَلَقَكُمْ] .
وَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ من قبلكم لعلكم تتقون﴾ حَيْثُ لُمِحَ فِيهَا مَعْنَى الرَّجَاءِ رَجَعَتْ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ.
الْعَاشِرُ: ذِكْرُ الْحُكْمِ الْكَوْنِيِّ أَوِ الشَّرْعِيِّ عَقِبَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لَهُ، فَتَارَةً يُذْكَرُ بِأَنَّ وَتَارَةً بِالْفَاءِ وَتَارَةً يُجَرَّدُ.
فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فردا وأنت خير الوارثين﴾ إلى قوله: ﴿خاشعين﴾ . وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ محسنين﴾ .
والثاني: كقوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ . ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جلدة﴾ .
وَالثَّالِثُ: كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. ادخلوها بسلام﴾ ﴿إن الذين.
стр. 1123
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يحزنون﴾ .
الْحَادِي عَشَرَ: تَعْلِيلُهُ سُبْحَانَهُ عَدَمَ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لبغوا في الأرض﴾ .
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كذب بها الأولون﴾ ، أَيْ آيَاتِ الِاقْتِرَاحِ لَا الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ الرُّسُلِ الَّتِي تَأْتِي مِنْهُ سُبْحَانَهُ ابْتِدَاءً.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فصلت آياته﴾ .
وقوله: ﴿وقالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لقضي الأمر﴾ ،فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يَمْنَعُ مِنْ إِنْزَالِ الْمَلَكِ عَيَانًا بِحَيْثُ يُشَاهِدُونَهُ وَإِنَّ عِنَايَتَهُ وَحِكْمَتَهُ بِخَلْقِهِ اقضت مَنْعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْمَلَكَ ثُمَّ عَايَنُوهُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ لَعُوجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ جعل الرَّسُولُ بَشَرًا لِيُمْكِنُهُمُ التَّلَقِّي عَنْهُ وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ وَلَوْ جَعَلَهُ مَلَكًا فَإِمَّا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ الْمَلَكِيَّةِ أَوْ يَجْعَلَهُ عَلَى هَيْئَةِ الْبَشَرِ وَالْأَوَّلُ يَمْنَعُهُمْ مِنَ التَّلَقِّي عَنْهُ وَالثَّانِي لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ إِذَا كَانُوا يَقُولُونَ: هُوَ بَشَرٌ لَا مَلَكٌ.
الثَّانِي عَشَرَ: إِخْبَارُهُ عَنِ الْحِكَمِ والغايات التني جَعَلَهَا فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، كَقَوْلِهِ:.
стр. 1124
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وأنزل من السماء ماء﴾ الآية.
وقوله: ﴿ألم نجعل الأرض مهادا﴾ الْآيَاتِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ . الْآيَةَ.
وَكَمَا يَقْصِدُونَ الْبَسْطَ وَالِاسْتِيفَاءَ يَقْصِدُونَ الْإِجْمَالَ وَالْإِيجَازَ كَمَا قِيلَ:
يَرْمُونَ بِالْخُطَبِ الطِّوَالِ وَتَارَةً
وَحْيَ الْمُلَاحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَاءِ
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ .
стр. 1125
الْأُسْلُوبُ الثَّانِي: الْحَذْفُ.
وَهُوَ لُغَةً الْإِسْقَاطُ، وَمِنْهُ حَذَفْتُ الشِّعْرَ إِذَا أَخَذْتُ مِنْهُ.
وَاصْطِلَاحًا إِسْقَاطُ جُزْءِ الْكَلَامِ أَوْ كُلِّهِ لِدَلِيلٍ. وَأَمَّا قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ الْحَذْفُ لِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَيُسَمَّى اقْتِصَارًا، فَلَا تَحْرِيرَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا حَذْفَ فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِيمَا يَلْتَبِسُ بِهِ الْإِضْمَارُ وَالْإِيجَازُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ شَرْطَ الْحَذْفِ وَالْإِيجَازِ أَنْ يَكُونَ [فِي الْحَذْفِ] ثَمَّ مُقَدَّرٌ، نَحْوَ: ﴿وَاسْأَلِ القرية﴾ بِخِلَافِ الْإِيجَازِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ اللَّفْظِ الْقَلِيلِ الجامع للمعاني الجمة بنفسه.
والفرق بينه وَبَيْنَ الْإِضْمَارِ: أَنَّ شَرْطَ الْمُضْمَرِ بَقَاءُ أَثَرِ الْمُقَدَّرِ فِي اللَّفْظِ، نَحْوَ: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ . ﴿ويعذب المنافقين﴾ . ﴿انتهوا خيرا لكم﴾ . أَيِ ائْتُوا أَمْرًا خَيْرًا لَكُمْ وَهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَذْفِ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِضْمَارِ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْمُقَدَّرِ بَابُ الِاشْتِقَاقِ فَإِنَّهُ مِنْ أَضْمَرْتُ الشَّيْءَ أَخْفَيْتُهُ، قَالَ:
سَيَبْقَى لَهَا فِي مُضْمَرِ الْقَلْبِ وَالْحَشَا
следующие страницы →