Полный текст (1 944 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يخلق﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يعلمون﴾ .
فَائِدَةٌ.
قَدْ يُحْذَفُ مِنَ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ وَقَدْ يُعْكَسُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ الْأَمْرَيْنِ.
فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على النبي﴾ فِي قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ [مَلَائِكَتَهُ] أَيْ إِنَّ اللَّهَ يُصَلِّي فَحُذِفَ مِنَ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَطْفًا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُوا الله ما يشاء ويثبت﴾ ، أَيْ مَا يَشَاءُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ من المشركين ورسوله﴾ ، أَيْ بَرِيءٌ أَيْضًا.
وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غير الأرض والسماوات﴾ .
وقوله: ﴿يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن لم يحضن﴾ ، أَيْ كَذَلِكَ.
وَجَعَلَ مِنْهُ أَبُو الْفَتْحِ قَوْلَهُ تعالى: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ التَّقْدِيرُ: وَأَبْصِرْ بِهِمْ لَكِنَّهُ حُذِفَ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ، حَيْثُ كَانَ بِلَفْظِ الْفَضْلَةِ وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي الْفَاعِلِ.
وَهَذَا التَّوْجِيهُ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ فَإِنْ قُلْنَا فِي مَحَلِّ النَّصْبِ فَلَا.
стр. 1157
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض ليقولن الله﴾ ، وَالتَّقْدِيرُ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ فَحَذَفَ [خَلَقَهُنَّ] لِقَرِينَةٍ تَقَدَّمَتْ فِي السُّؤَالِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نجزي المحسنين﴾ وَلَمْ يَقُلْ: [إِنَّا كَذَلِكَ] اخْتِيَارًا وَاسْتِغْنَاءً عَنْهُ بقوله فيما سبق [إنا كذلك] .
والثالث: كقوله: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ ،فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ [أَحَقُّ] خَبَرٌ عَنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ ، فَالْفَائِدَةُ فِي إِعَادَةِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ أَعْنِي [بِهَا] لِأَنَّهُ لَوْ حُذِفَ مِنَ الثَّانِي لَمْ يَحْصُلِ الرَّبْطُ لِوُجُوبِ الضَّمِيرِ فِيمَا وَقَعَ مَفْعُولًا ثَانِيًا أَوْ كَالْمَفْعُولِ الثَّانِي لِـ[سَمِعْتُمْ] ، وَلَوْ حُذِفَ مِنَ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ نَصًّا عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْإِثْبَاتِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الْأَوَّلِ غَيْرَ مُتَعَلِّقِ الثَّانِي..
الثَّامِنُ: الِاخْتِزَالُ، وَهُوَ الِافْتِعَالُ مِنْ خَزَلَهُ قَطَعَ وَسَطَهُ ثُمَّ نُقِلَ فِي الِاصْطِلَاحِ إِلَى حَذْفِ كَلِمَةٍ أَوْ أَكْثَرَ. وَهِيَ إِمَّا اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ حَرْفٌ.
стр. 1158
الأول: الاسم.
" حذف المبتدأ ".
فمنه حذف المبتدأ، كقوله تعالى: [ثلاثة] و [خمسة] ،و [سبعة] ،أي هم ثلاثة وهم خمسةوهم سَبْعَةٌ.
وَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فئتين التقتا فئة﴾ ، أَيْ إِحْدَاهُمَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ .
وقوله: ﴿بلاغ فهل يهلك﴾ ، أَيْ هَذَا بَلَاغٌ.
وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ، أَيْ هُمْ عِبَادٌ.
وَعَلَى هَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ ، أَيْ هِيَ النَّارُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سوء العذاب. النار﴾ ، أَيْ هُوَ النَّارُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ [النَّارُ] فِي الْآيَتَيْنِ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ الْجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهَا وَيُمْكِنُ فِي الثَّانِيَةِ أَنْ تَكُونَ النَّارُ بَدَلًا مِنْ [سُوءِ الْعَذَابِ] .
стр. 1159
وقوله: ﴿فقالوا ساحر كذاب﴾ ،أي سَاحِرٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ . ﴿وقالوا أساطير الأولين﴾ .
﴿وقل الحق من ربكم﴾ ،أَيْ هَذَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيْسَ هَذَا كما يضلنه بَعْضُ الْجُهَّالِ أَيْ قُلِ الْقَوْلَ الْحَقَّ فَإِنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذَا لَنَصَبَ [الْحَقَّ] وَالْمُرَادُ: إِثْبَاتُ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا قَوْلَ حَقٍّ مُطْلَقٍ بَلْ هَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا﴾ ، وَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ .
وقوله: ﴿سورة أنزلناها﴾ ، أَيْ هَذِهِ سُورَةٌ.
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ، أَيْ فَعَمَلُهُ لِنَفْسِهِ وَإِسَاءَتُهُ عَلَيْهَا.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مسه الشر فيؤوس قنوط﴾ ، أَيْ فَهُوَ يَئُوسٌ.
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كفروا في البلاد. متاع قليل﴾ ، أَيْ تَقَلُّبُهُمْ مَتَاعٌ أَوْ ذَاكَ مَتَاعٌ.
﴿وَمَا أدراك ما الحطمة. نار الله الموقدة﴾ ، أَيْ وَالْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ.
﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقصر﴾ ، أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا كَالْقَصْرِ فَيَكُونُ مِنْ باب قول: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ ، أي كل واحدمنهم وَالْمُحْوِجُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّرَرُ كُلُّهُ كَقَصْرٍ وَاحِدٍ وَالْقَصْرُ هُوَ الْبَيْتُ مِنْ أَدَمٍ كَانَ يُضْرَبُ.
стр. 1160
على المال، ويؤيده قوله: ﴿جمالت صفر﴾ ، أَفَلَا تَرَاهُ كَيْفَ شَبَّهَهُ بِالْجَمَاعَةِ أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّرَرِ كَالْجَمَلِ لِجَمَاعَاتِهِ فَجَمَاعَاتُهُ إِذَنْ مِثْلُ الْجِمَالَاتِ الصُّفْرِ وَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ شَرَرَةٌ مِنْهُ كَالْقَصْرِ قَالَهُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّي.
وَأَمَّا قوله: ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ ، فقيل: إن [ثلاثة] خير مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: [آلِهَتُنَا ثَلَاثَةٌ] .
وَاعْتُرِضَ بِاسْتِلْزَامِهِ إِثْبَاتَ الْإِلَهِيَّةِ لِانْصِرَافِ النَّفْيِ الدَّاخِلِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ أَوِ الْخَبَرِ إِلَى الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْخَبَرِ لَا إِلَى مَعْنَى الْمُبْتَدَأِ وَحِينَئِذٍ يَقْتَضِي نَفْيَ عِدَّةِ الْآلِهَةِ لَا نَفْيَ وَجُودِهِمْ.
قِيلَ: وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ نَفْيَ كَوْنِ آلِهَتِهِمْ ثَلَاثَةً يَصْدُقُ بِأَلَّا يَكُونَ لِلْآلِهَةِ الثَّلَاثَةِ وُجُودٌ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ مِنَ السَّالِبَةِ الْمُحَصِّلَةِ فَمَعْنَاهُ: لَيْسَ آلِهَتُكُمْ ثَلَاثَةً وَذَلِكَ يَصْدُقُ بِأَلَّا يَكُونَ لَهُمْ آلِهَةٌ وَإِنَّمَا حُذِفَ إِيذَانًا بِالنَّهْيِ عَنْ مُطْلَقِ الْعَدَدِ الْمُفْهِمِ لِلْمُسَاوَاةِ بِوَجْهٍ مَا فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ صَرَّحَ بِالشَّرِكَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثلاثة﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ واحد﴾ فَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ الْإِلَهُ يَكُونُ غَيْرُهُ مَعَهُ خَطَأً لِإِفْهَامِهِ مُسَاوَاةً مَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ وَلَزِمَ مِنْ نَفْيِ الثَّلَاثَةِ لِامْتِنَاعِ الْمُسَاوَاةِ الْمَعْلُومَةِ عَقْلًا وَالْمَدْلُولُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ واحد﴾ نَفْيُ الشَّرِكَةِ مُطْلَقًا فَإِنَّ تَخْصِيصَ النَّهْيِ وَقَعَ فِي مُقَابَلَةِ الْفِعْلِ وَدَلِيلًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي اللَّهِ وَعِيسَى وَأُمِّهِ: ثَلَاثَةً.
стр. 1161
وَنَحْوُهُ فِي الْخُرُوجِ عَلَى السَّبَبِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ .
وَقَالَ صَاحِبُ [إِسْفَارِ الصَّبَاحِ] : الْوَجْهُ تَقْدِيرُ كَوْنِ ثَلَاثَةٍ أَوْ فِي [الْوُجُودِ] ثُمَّ حُذِفَ الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ [لَنَا] أَوْ فِي الْوُجُودِ الْحَذْفُ الْمُطَّرِدُ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَوْحِيدُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
ثُمَّ حُذِفَ الْمُبْتَدَأُ حَذْفَ الْمَوْصُوفِ كَالْعَدَدِ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا كَقَوْلِكَ: عِنْدِي ثَلَاثَةٌ أي دراهم وقد علم بقرينة قوله: ﴿إنما الله إله واحد﴾ .
وَقَدْ عُورِضَ هَذَا بِأَنَّ نَفْيَ وُجُودِ ثَلَاثَةٍ لَا يَنْفِي وُجُودَ إِلَهَيْنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَقْدِيرَهُ [آلِهَتُنَا ثَلَاثَةٌ] يُوجِبُ ثُبُوتَ الْآلِهَةِ وَتَقْدِيرُ [لَنَا آلِهَةٌ] لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ إِلَهَيْنِ.
فَعُورِضَ بِأَنَّهُ كَمَا لَا يُوجِبُهُ فَلَا يَنْفِيهِ.
فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْفِهِ فَقَدْ نَفَاهُ مَا بَعْدَهُ من قوله: ﴿إنما الله إله واحد﴾ .
فَعُورِضَ بِأَنَّ مَا بَعْدَهُ إِنْ نَفَى ثُبُوتَ إِلَهَيْنِ فَكَيْفَ ثُبُوتُ آلِهَةٍ!.
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَنْفِيهِ وَلَكِنْ يُنَاقِضُهُ لِأَنَّ تَقْدِيرَ آلِهَتُنَا ثَلَاثَةٌ يُثْبِتُ وُجُودَ إِلَهَيْنِ لِانْصِرَافِ النَّفْيِ فِي الْخَبَرِ عَنْهُ بِخِلَافِ تَقْدِيرِ: [لَنَا آلِهَةٌ ثَلَاثَةٌ] ، فَإِنَّهُ لَا يُثْبِتُ وُجُودَ إِلَهَيْنِ لِانْصِرَافِ النَّفْيِ إِلَى أَصْلِ الْإِثْبَاتِ لِلْآلِهَةِ.
وَفِي أَجْوِبَةِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ نَظَرٌ.
قُلْتُ: وَذَكَرَ ابْنُ جِنِّي أَنَّ الْآيَةَ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ لِقَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثلاثة﴾ .
стр. 1162
حذف الخبر.
نحو: ﴿أكلها دائم وظلها﴾ ، أي دَائِمٌ.
وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ ص بَعْدَ ذِكْرِ مَنِ اقْتَصَّ ذِكْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ: ﴿هَذَا ذكر﴾ ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ مَصِيرَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ قَالَ: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المهاد. هذا﴾ قَدْ أَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى مَآلِ أَمْرِ الطَّاغِينَ وَمِنْهُ يُفْهَمُ الْخَبَرُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أَيْ أَهَذَا خَيْرٌ أَمَّنْ جَعَلَ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا وَقَسَا قَلْبُهُ فَحُذِفَ بِدَلِيلِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قالوا لا ضير﴾ .
﴿ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت﴾ .
وقوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾ قَالَ سِيبَوَيْهِ: الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ فِيمَا أَتْلُوهُ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وَجَاءَ [فَاقْطَعُوا] جُمْلَةٌ أُخْرَى. وَكَذَا قوله: ﴿الزانية والزاني﴾ فِيمَا نَقُصُّ لَكُمْ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّارِقُ مُبْتَدَأٌ فَاقْطَعُوا خَبَرُهُ وَجَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْمَ عَامٌّ فَإِنَّهُ لَا يُرِيدُ.
стр. 1163
بِهِ سَارِقًا مَخْصُوصًا فَصَارَ كَأَسْمَاءِ الشَّرْطِ تَدْخُلُ الْفَاءُ فِي خَبَرِهَا لِعُمُومِهَا وَإِنَّمَا قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ لِجَعْلِ الْخَبَرِ أَمْرًا وَإِذَا ثَبَتَ الْإِضْمَارُ فَالْفَاءُ دَاخِلَةٌ فِي مَوْضِعِهَا تَرْبُطُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْإِضْمَارِ إِجْمَاعُ الْقُرَّاءِ عَلَى الرَّفْعِ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ الِاخْتِيَارِيَّ فِيهِ النَّصْبُ قَالَ وَقَدْ قَرَأَ نَاسٌ بِالنَّصْبِ ارْتِكَانًا لِلْوَجْهِ الْقَوِيِّ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَلَكِنْ أَبَتِ الْعَامَّةُ إِلَّا الرَّفْعَ. وَكَذَا قَالَ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾ : مَثَلُ، هُنَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ فِيمَا نقض عَلَيْكُمْ مَثَلُ الْجَنَّةِ وَكَذَا قَالَ أَيْضًا فِي قوله تعالى: ﴿والذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾ : إِنَّهُ عَلَى الْإِضْمَارِ.
وَقَدْ رُدَّ بِأَنَّهُ أَيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إِلَيْهِ هُنَا فَإِنَّهُ إِنَّمَا صِرْنَا إِلَيْهِ فِي السَّارِقِ وَنَحْوِهِ لِتَقْدِيرِهِ دُخُولَ الْفَاءِ فِي الْخَبَرِ فَاحْتِيجَ لِلْإِضْمَارِ حَتَّى تَكُونَ الْفَاءُ عَلَى بَابِهَا فِي الرَّبْطِ وَأَمَّا هَذَا فَقَدَ وُصِلَ بِفِعْلٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَأْتِيكَ فَلَهُ دِرْهَمٌ.
وَأَجَابَ الصَّفَّارُ بِأَنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى هَذَا أَنَّ الْأَمْرَ دَائِرٌ مَعَ الضَّرُورَةِ كَيْفَ كان لأنه إذا أضمر فقد تكلف وَإِنْ لَمْ يُضْمِرْ كَانَ الِاسْمُ مَرْفُوعًا وَبَعْدَهُ الْأَمْرُ فَهُوَ قَلِيلٌ بِالنَّظَرِ [إِلَى لِلَّذَينِ يَأْتِيَانِهَا] فَكَيْفَمَا عَمِلَ لَمْ يَخْلُ مِنْ قُبْحٍ.
وَإِنْ قُدِّرَ مَنْصُوبًا وَجَاءَ الْقُرْآنُ بِالْأَلِفِ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقُولُ [الزَّيْدَانِ] فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَقَعَ أَيْضًا فِي مَحْذُورٍ آخَرَ فَلِهَذَا قَدَّرَهُ هَذَا التَّقْدِيرَ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ مَعَ الرَّفْعِ يَتَكَافَآنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم﴾ الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ يُعَذِّبُونَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الخبر: ﴿أولئك ينادون من مكان بعيد﴾ .
стр. 1164
وقوله: ﴿لولا أنتم لكنا مؤمنين﴾ ، فَأَنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ حَاضِرُونَ وَهُوَ لَازِمُ الْحَذْفِ هُنَا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكتاب من قبلكم﴾ ، أَيْ حِلٌّ لَكُمْ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ ، أَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ التَّنْوِينِ فَلَا حَذْفَ لِأَنَّهُ يجعله مبتدأ [وابن اللَّهِ] خَبَرٌ حِكَايَةً عَنْ مَقَالَةِ الْيَهُودِ وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ لَمْ يُنَوِّنْ فَقِيلَ: إِنَّهُ صفة والخبر محذوف أي عزيز ابْنُ اللَّهِ إِلَهُنَا وَقِيلَ: بَلِ الْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ أي إلهنا عزيز وَابْنُ صِفَةٌ.
وَرُدَّ بِوَجْهَيْنِ:.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يطابق: ﴿وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ لَيْسَ عَائِدًا إِلَى الْبُنُوَّةِ فَكُذِّبَ لِأَنَّ صِدْقَ الْخَبَرِ وَكَذِبَهُ رَاجِعٌ إِلَى نِسْبَةِ الْخَبَرِ لَا إلى الصف فَلَوْ قِيلَ زَيْدٌ الْقَائِمُ فَقِيهٌ فَكُذِّبَ انْصَرَفَ التَّكْذِيبُ لِإِسْنَادِ فِقْهِهِ لَا لِوَصْفِهِ بِالْقَائِمِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَيْسَتْ إِنْشَاءً فَهِيَ خَبَرٌ إِلَّا أَنَّهَا غَيْرُ تَامَّةِ الْإِفَادَةِ فَيَصِحُّ تَكْذِيبُهَا وَالْأَوْلَى تَقْوِيَتُهُ وَأَنْ يُقَالَ الصِّفَةُ وَالْإِضَافَةُ وَنَحْوُهُمَا فِي الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ لَوَاحِقٌ بِصُورَةِ الْإِفْرَادِ أَيْ يُرِيدُ أَنْ يُصَوِّرَهُ بِهَيْئَةٍ خَاصَّةٍ وَيَحْكُمَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ لَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى كَذِبِهَا مَعَ أَنَّهَا تُصُوِّرَتْ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كَذِبَ الصِّفَةِ بِإِسْنَادِ مُسْنَدِهَا إِلَى.
стр. 1165
مَعْدُومِ الثُّبُوتِ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْفِقْهِ مَا لَوْ قَالَ وَاللَّهِ لَا أَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿عزير ابن الله﴾ خَبَرُ الْجُمْلَةِ أَيْ حَكَى فِيهِ لَفْظَهُمْ أَيْ قَالُوا هَذِهِ الْعِبَارَةَ الْقَبِيحَةَ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقَدَّرُ خَبَرٌ وَلَا مُبْتَدَأٌ.
وَقِيلَ: [ابْنُ اللَّهِ] خَبَرٌ وَحُذِفَ التَّنْوِينُ مِنْ [عُزَيْرُ] لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ.
وَقِيلَ: حُذِفَ تَنْوِينُهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لِأَنَّ الصِّفَةَ مَعَ الْمَوْصُوفِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ كَقِرَاءَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد. الله الصمد﴾ على إراد التَّنْوِينِ بَلْ هُنَا أَوْضَحُ لِأَنَّهُ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقِيلَ: [ابْنُ اللَّهِ] نَعْتٌ وَلَا مَحْذُوفَ وَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى أَنَّهُمْ ذَكَرُوا هَذَا اللفظ إنكارا عليهم إلا أن فيه نعتا لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ إِنْ قُلْتَ وَضَعَتْهُ الْعَرَبُ لِتَحْكِيَ بِهِ مَا كَانَ كَلَامًا لَا قَوْلًا وَأَيْضًا إِنَّهُ لَا يُطَابِقُ قَوْلَهُ: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى المسيح ابن الله﴾ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَبَرٌ وَالْقَوْلَانِ مَنْقُولَانِ.
وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضُ إِلَّا أَنَّ الْيَهُودَ قَدْ بَلَغُوا فِي رُسُوخِ الِاعْتِقَادِ فِي هَذَا الشَّيْءِ إِلَى أَنْ يَذْكُرُونَ هَذَا النُّكْرَ كَمَا تَقُولُ فِي قَوْمٍ تَغَالُوا فِي تَعْظِيمِ صَاحِبِهِمْ أَرَاهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أَمْرًا عَظِيمًا ثَابِتًا يَقُولُونَ: زَيْدٌ الْأَمِيرُ!.
مَا يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿فصبر جميل﴾ يَحْتَمِلُ حَذْفَ الْخَبَرِ أَيْ أَجْمَلُ أَوْ حَذْفَ الْمُبْتَدَأِ أَيْ فَأَمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ وَهَذَا أَوْلَى لِوُجُودِ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ - هِيَ قِيَامُ الصَّبْرِ بِهِ - دالة على.
стр. 1166
الْمَحْذُوفِ وَعَدَمُ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ أَوْ مَقَالِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ الْخَبَرِ وَأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ لِلْإِخْبَارِ بِحُصُولِ الصَّبْرِ لَهُ وَاتِّصَافِهِ بِهِ وَحَذْفُ الْمُبْتَدَأِ يُحَصِّلُ ذَلِكَ دُونَ حَذْفِ الْخَبَرِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّبْرَ الْجَمِيلَ أَجْمَلُ مِمَّنْ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ.
وَكَذَلِكَ يَقُولُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ وَصْفًا لَهُ وَلِأَنَّ الصَّبْرَ مَصْدَرٌ وَالْمَصَادِرُ مَعْنَاهَا الْإِخْبَارُ فَإِذَا حُمِلَ عَلَى حَذْفِ الْمُبْتَدَأِ فَقَدْ أُجْرِيَ عَلَى أَصْلِ مَعْنَاهُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ خَبَرًا وَإِذَا حُمِلَ عَلَى حَذْفِ الْخَبَرِ فَقَدْ أُخْرِجَ عَنْ أَصْلِ مَعْنَاهُ.
وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أَيْ أَمْثَلُ أَوْ أَوْلَى لَكُمْ مِنْ هَذَا أَوْ أَمْرُكُمُ الَّذِي يُطْلَبُ مِنْكُمْ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سورة أنزلناها﴾ إِمَّا أَنْ يُقِدِّرَ فِيمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ سُورَةٌ أَوْ هَذِهِ سُورَةٌ.
وَقَدْ يُحْذَفَانِ جُمْلَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الْآيَةَ.
حَذْفُ الْفَاعِلِ.
الْمَشْهُورُ امْتِنَاعُهُ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:.
أَحَدُهَا: إِذَا بُنِيَ الْفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ.
ثَانِيهَا: فِي الْمَصْدَرِ إِذَا لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ الْفَاعِلُ مُظْهَرًا يَكُونُ مَحْذُوفًا وَلَا يَكُونُ مُضْمَرًا نحو: ﴿أو إطعام﴾ .
стр. 1167
ثَالِثُهَا: إِذَا لَاقَى الْفَاعِلُ سَاكِنًا مِنْ كَلِمَةٍ أُخْرَى كَقَوْلِكَ لِلْجَمَاعَةِ: اضْرِبُ الْقَوْمَ، وَلِلْمُخَاطَبَةِ: اضْرِبِ الْقَوْمَ.
وَجَوَّزَ الْكِسَائِيُّ حَذْفَهُ مُطْلَقًا إِذَا مَا وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إذا بلغت التراقي﴾ أَيْ بَلَغَتِ الرُّوحُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ أي الشمس.
﴿فإذا نزل بساحتهم﴾ يعني العذاب، لقوله قبله: ﴿أفبعذابنا يستعجلون﴾ .
﴿فلما جاء سليمان﴾ تَقْدِيرُهُ: فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُولُ سُلَيْمَانَ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ فِي الْمَذْكُورَاتِ مُضْمَرٌ لَا مَحْذُوفٌ وَقَدْ سَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
أَمَّا حَذْفُهُ وَإِقَامَةُ الْمَفْعُولِ مَقَامَهُ مَعَ بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ فَلَهُ أَسْبَابٌ:.
مِنْهَا: الْعِلْمُ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عجل﴾ . ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ.
قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَضَابِطُهُ أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ إِنَّمَا هُوَ الْإِعْلَامُ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ وَلَا غَرَضَ فِي إِبَانَةِ الْفَاعِلِ مَنْ هُوَ.
وَمِنْهَا: تَعْظِيمُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ إِذْ كَانَ الَّذِي قَضَاهُ عَظِيمُ الْقَدْرِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وغيض الماء وقضي الأمر﴾ .
стр. 1168
وقوله: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ الْقَدِيمِ: هَذَا أَدَلُّ عَلَى كِبْرِيَاءِ الْمُنَزَّلِ وَجَلَالَةِ شَأْنِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ [أَنْزَلَ] مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ كَمَا تَقُولُ الْمَلِكُ أَمَرَ بِكَذَا وَرَسَمَ بِكَذَا وَخَاصَّةً إِذَا كَانَ الْفِعْلُ فِعْلًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ كقوله: ﴿وقضي الأمر﴾ قَالَ: كَأَنَّ طَيَّ ذِكْرِ الْفَاعِلِ كَالْوَاجِبِ لِأَمْرَيْنِ:.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِنْ تَعَيَّنَ الْفَاعِلُ وَعُلِمَ أَنَّ الْفِعْلَ مِمَّا لَا يَتَوَلَّاهُ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ كَانَ ذِكْرُهُ فَضْلًا وَلَغْوًا.
وَالثَّانِي: الْإِيذَانُ بِأَنَّهُ مِنْهُ غَيْرُ مُشَارِكٍ وَلَا مُدَافِعٍ عَنِ الِاسْتِئْثَارِ بِهِ وَالتَّفَرُّدِ بِإِيجَادِهِ وَأَيْضًا فَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَصِيرِ أَنَّ اسْمَهُ جَدِيرٌ بِأَنْ يُصَانَ وَيُرْتَفَعُ بِهِ عَنِ الِابْتِذَالِ وَالِامْتِهَانِ وَعَنِ الْحَسَنِ لَوْلَا أَنِّي مَأْذُونٌ لِي فِي ذِكْرِ اسْمِهِ لَرَبَأْتُ بِهِ عَنْ مَسْلَكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
وَمِنْهَا: مُنَاسَبَةُ الْفَوَاصِلِ، نَحْوَ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نعمة تجزى﴾ وَلَمْ يَقُلْ يَجْزِيهَا.
وَمِنْهَا: مُنَاسَبَةُ مَا تَقَدَّمَهُ، كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يفقهون﴾ ، لأن قبلها: ﴿وإذا أنزلت سورة﴾ عَلَى بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ فَجَاءَ قَوْلُهُ: ﴿وَطُبِعَ﴾ لِيُنَاسِبَ بِالْخِتَامِ الْمَطْلَعَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِيمَا بَعْدَهَا: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ قَبْلَهَا مَا يَقْتَضِي الْبِنَاءَ فَجَاءَتْ عَلَى الْأَصْلِ.
стр. 1169
حَذْفُ الْمُضَافِ وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ.
وَهُوَ كَثِيرٌ، قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَفِي الْقُرْآنِ مِنْهُ زُهَاءَ أَلْفِ مَوْضِعٍ وَأَمَّا أَبُو الْحَسَنِ فَلَا يَقِيسُ عَلَيْهِ ثُمَّ رَدَّهُ بِكَثْرَةِ الْمَجَازِ فِي اللُّغَةِ وَحَذْفُ الْمُضَافِ مَجَازٌ. انْتَهَى.
وَشَرَطَ الْمُبَرِّدُ فِي كِتَابِ [مَا اتَّفَقَ لَفْظُهُ وَاخْتَلَفَ مَعْنَاهُ] لِجَوَازِهِ وُجُودَ دَلِيلٍ عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْ عَقْلٍ أَوْ قَرِينَةٍ نَحْوَ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ، أَيْ أَهْلَهَا قَالَ: وَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ نَقُولَ: جَاءَ زَيْدٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ غُلَامَ زَيْدٍ لِأَنَّ المجيء يكون له ولا دليل [في مثل هذا] عَلَى الْمَحْذُوفِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ الْقَدِيمِ: لَا يَسْتَقِيمُ تَقْدِيرُ حَذْفِ الْمُضَافِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَلَا يُقْدَمُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَاضِحٍ وفي غير ملبس كقوله: ﴿واسأل القرية﴾ .
وَضُعِّفَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَدَّرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وهو خادعهم﴾ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَمَا لا يجوز مجيئه لايجوز خِدَاعُهُ فَحِينَ جَرَّكَ إِلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ امْتِنَاعُ مَجِيئِهِ فَهَلَّا جَرَّكَ إِلَى مِثْلِهِ امْتِنَاعُ خِدَاعِهِ!.
قُلْتُ: يَجُوزُ فِي اعْتِقَادِ الْمُنَافِقِينَ تَصَوُّرُ خِدَاعِهِ فَكَانَ الْمَوْضِعُ مُلْبِسًا فَلَا يُقَدَّرُ. انْتَهَى.
فَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر﴾ أي رحمته ويخاف عذابه.
стр. 1170
﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج﴾ أَيْ: سَدُّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ.
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ أَيْ: شَعْرُ الرَّأْسِ.
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تخافت بها﴾ أَيْ بِقِرَاءَةِ صَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِقِرَاءَتِهَا.
﴿وَلَكِنَّ البر من آمن بالله﴾ أَيْ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ.
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نودي﴾ أَيْ نَاحِيَتَهَا وَالْجِهَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا.
﴿هَلْ يسمعونكم إذ تدعون﴾ أَيْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعَاءَكُمْ بِدَلِيلِ الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿قال هل يسمعونكم إذ تدعون﴾ .
﴿على خوف من فرعون وملأهم﴾ ، أَيْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ.
﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وضعف الممات﴾ أَيْ ضَعَّفَ عَذَابَهُمَا.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الذي ينعق﴾ أَيْ وَمَثَلُ وَاعِظِ الَّذِينَ كَفَرُوا كَنَاعِقِ الْأَنْعَامِ.
﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أَيْ مِثْلُ أُمَّهَاتِهِمْ.
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ شُكْرَ رِزْقِكُمْ. وَقِيلَ: تَجْعَلُونَ التَّكْذِيبَ شُكْرَ رِزْقِكُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي على ألسنة رسلك.
وقوله: ﴿أماناتكم﴾ أَيْ ذَوِي أَمَانَاتِكُمْ كَالْمُودَعِ وَالْمُعِيرِ وَالْمُوَكَّلِ.
стр. 1171
وَالشَّرِيكِ وَمَنْ يَدُكَ فِي مَالِهِ أَمَانَةً لَا يَدَ ضَمَانٍ وَيَجُوزُ أَنْ لَا حَذْفَ فِيهِ لِأَنَّ [خُنْتَ] مِنْ بَابِ [أَعْطَيْتَ] فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَيُقْتَصَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أخاهم شعيبا﴾ ، أَيْ أَهْلُ مَدْيَنَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنْتَ ثاويا في أهل مدين﴾ .
﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾ أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ.
وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَرْيَةَ يُرَادُ بِهَا نَفْسُ الجماعة، والثاني: أن المراد الْأَبْنِيَةِ نَفْسِهَا لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ نَبِيٌّ صَاحِبُ مُعْجِزَةٍ.
﴿الحج أشهر معلومات﴾ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ الْحَجُّ حَجُّ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ.
﴿وجاء ربك والملك﴾ أَيْ أَمْرُ رَبِّكَ.
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بكفرهم﴾ أَيْ حُبَّ الْعِجْلِ قَالَ الرَّاغِبُ: إِنَّهُ عَلَى بَابِهِ فَإِنَّ فِي ذِكْرِ الْعِجْلِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِمْ صَارَ صُورَةُ الْعِجْلِ فِي قُلُوبِهِمْ لَا تَمَّحِي.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فعل ربك بعاد إرم﴾ فَإِرَمُ اسْمٌ لِمَوْضِعٍ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ إلا أنه منع الصرف للعملية وَالتَّأْنِيثِ أَمَّا لِلْعَلَمِيَّةِ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا التَّأْنِيثُ فَلِقَوْلِهِ: ﴿ذات العماد﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أصبحوا بها كافرين﴾ أي بسؤالها فحذف المضاف وَلَمْ يَكْفُرُوا بِالسُّؤَالِ إِنَّمَا كَفَرُوا بِرَبِّهِمُ الْمَسْئُولِ عَنْهُ فَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ سَبَبًا لِلْكُفْرِ فِيمَا سَأَلُوا عَنْهُ نُسِبَ الْكُفْرُ إِلَيْهِ عَلَى الِاتِّسَاعِ.
стр. 1172
وقيل: الهاء الْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ لِقُوَّةِ هَذَا الْكَلَامِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْفِعْلَ تَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَالْأَوَّلُ بِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا هَذِهِ الْآيَةُ كِنَايَةٌ عَمَّا سَأَلَ قَوْمُ مُوسَى وَقَوْمُ عِيسَى مِنَ الْآيَاتِ ثم كفروا فمعنى السؤال الأول والثان الِاسْتِفْهَامُ وَمَعْنَى الثَّالِثِ طَلَبُ الشَّيْءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عليكم الميتة﴾ ، أَيْ تَنَاوُلُهَا لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَجْرَامِ إِلَّا بِتَأْوِيلِ الْأَفْعَالِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمَيْتَةَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ تَنَاوُلِهَا فَلَا حَذْفَ وَلَوْ كَانَ ثَمَّ حَذْفٌ لَمْ يُؤَنِّثِ الْفِعْلَ وَلِأَنَّ الْمُرَكَّبَ إِنَّمَا يُحْذَفُ إِذَا كَانَ لِلْكَلَامِ دَلَالَةٌ غَيْرَ الدَّلَالَةِ الْإِفْرَادِيَّةِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا التَّرْكِيبِ التَّنَاوُلُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لَهُ وَالْمَشْهُورُ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ مِنْ مَحَالِّ الْحَذْفِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ في الصالحين﴾ ، فَهَاهُنَا إِضْمَارٌ لِأَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ: [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا جَعَلْتُهُ فِي جُمْلَةِ الصَّالِحِينَ] لَمْ يَكُنْ فَائِدَةٌ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي زُمْرَةِ الصالحين.
وقوله: ﴿تجعلونه قراطيس﴾ أَيْ ذَا قَرَاطِيسَ أَوْ مَكْتُوبًا فِي قَرَاطِيسَ ﴿تُبْدُونَهَا﴾ أَيْ تُبْدُونَ مَكْتُوبَهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ لَيْسَ الْمَعْنَى تُخْفُونَهَا إِخْفَاءً كَثِيرًا وَلَكِنَّ التَّقْدِيرَ: تُخْفُونَ كَثِيرًا مِنْ إِنْكَارِ ذِي الْقَرَاطِيسِ أَيْ يَكْتُمُونَهُ فَلَا يُظْهِرُونَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي.
стр. 1173
الكتاب﴾ . وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ .
وقوله: ﴿فسالت أودية بقدرها﴾ ، أَيْ بِقَدْرِ مِيَاهِهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهم بها﴾ ، أَيْ هَمَّ بِدَفْعِهَا أَيْ عَنْ نَفْسِهِ فِي هذا التأويل بتنزيله يُوسُفَ ﷺ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي الوقف على قوله: ﴿لقد همت به﴾ .
تنبيه.
في جواز حذف المضاف مع الالتفات إليه.
اعْلَمْ أَنَّ الْمُضَافَ إِذَا عُلِمَ جَازَ حَذْفُهُ مَعَ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ فَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمَلْفُوظِ بِهِ من عود الضمير عليه وَمَعَ اطِّرَاحِهِ يَصِيرُ الْحُكْمُ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ للقائم مقامه.
فمثال استهلاكه حكمه وتناسي أمره قوله تعالى: ﴿أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج﴾ : فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي [يَغْشَاهُ] عَائِدٌ عَلَى الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ بِتَقْدِيرِ أَوْ كَذِي ظُلُمَاتٍ.
وَقَوْلِهِ: ﴿أَوْ كصيب﴾ أَيْ كَمِثْلِ ذَوِي صَيِّبٍ وَلِهَذَا رَجَعَ الضَّمِيرُ إليه مجموعا في قوله: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾ وَلَوْ لَمْ يُرَاعَ لَأَفْرَدَهُ أَيْضًا.
стр. 1174
وقوله: ﴿كذبت قوم نوح﴾ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَحُذِفَتِ التَّاءُ لِأَنَّ الْقَوْمَ مُذَكَّرٌ ومنه قول حسان:
يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ الْبَرِيصَ عَلَيْهِمُ بَرَدَى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
بِالْيَاءِ أَيْ مَاءٌ بَرَدَى وَلَوْ رَاعَى الْمَذْكُورَ لَأَتَى بِالتَّاءِ.
قَالُوا: وَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ مُرَاعَاةُ التَّأْنِيثِ وَالْمَحْذُوفِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بأسنا بياتا أو هم قائلون﴾ أَنَّثَ الضَّمِيرَ فِي [أَهْلَكْنَاهَا] وَ [فَجَاءَهَا] لِإِعَادَتِهِمَا عَلَى الْقَرْيَةِ الْمُؤَنَّثَةِ وَهِيَ الثَّابِتَةُ ثُمَّ قَالَ: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ فَأَتَى بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ حَمْلًا عَلَى [أَهْلِهَا] الْمَحْذُوفِ.
وَفِي تَأْوِيلِ إِعَادَةِ الضَّمِيرِ عَلَى التَّأْنِيثِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمَحْذُوفِ صَارَتِ الْمُعَامَلَةُ مَعَهُ وَالثَّانِي: أَنْ يُقَدَّرَ فِي الثَّانِي حَذْفُ الْمُضَافِ كَمَا قُدِّرَ فِي الْأَوَّلِ فَإِذَا قُلْتَ: سَأَلْتُ الْقَرْيَةَ وَضَرَبْتُهَا فَمَعْنَاهُ وَضَرَبْتُ أَهْلَهَا فَحُذِفَ الْمُضَافُ كَمَا حُذِفَ مِنَ الْأَوَّلِ إِذْ وَجْهُ الْجَوَازِ قَائِمٌ.
وَقِيلَ: هُنَا مُضَافٌ مَحْذُوفٌ وَالْمَعْنَى أَهْلَكْنَا أَهْلَهَا وَبَيَاتًا حَالٌ مِنْهُمْ أَيْ مُبَيِّتِينَ وَ ﴿أَوْ هم قائلون﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهَا وَمَحَلُّهَا النَّصْبُ.
وَأَنْكَرَ الشَّلُوبِينُ مُرَاعَاةَ الْمَحْذُوفِ وَأَوَّلَ مَا سَبَقَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى وَنَقَلَهُ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ لِأَنَّ الْقَوْمَ جَمَاعَةٌ وَلِهَذَا يُؤَنَّثُ تَأْنِيثَ الْجَمْعِ نَحْوَ هِيَ الرِّجَالُ وَجَمْعُ التَّكْسِيرِ عِنْدَهُمْ مُؤَنَّثٌ وَأَسْمَاءُ الْجُمُوعِ تَجْرِي مَجْرَاهَا وَعَلَى هَذَا جَاءَ التَّأْنِيثُ لَا عَلَى الْحَذْفِ وَكَذَا الْقَوْلُ في البيت.
стр. 1175
وفي قراءة بعضهم: ﴿والله يريد الآخرة﴾ قَدَّرُوهُ عَرَضَ الْآخِرَةِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَدَّرَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ لِأَنَّ الْعَرَضَ لَا يَبْقَى بِخِلَافِ الثَّوَابِ.
حَذْفُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ.
وَهُوَ أَقَلُّ اسْتِعْمَالًا كَقَوْلِهِ: ﴿كل في فلك يسبحون﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ .
وَكَذَا كُلُّ مَا قُطِعَ عَنِ الْإِضَافَةِ مِمَّا وَجَبَتْ إِضَافَتُهُ مَعْنًى لَا لَفْظًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ ، أَيْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ وَمِنْ بَعْدِهِ.
حَذْفُ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ.
قَدْ يُضَافُ الْمُضَافُ إِلَى مُضَافٍ فَيُحْذَفُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَيَبْقَى الثَّالِثُ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم﴾ أَيْ بَدَلَ شُكْرِ رِزْقِكُمْ.
وَقَوْلِهِ: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عليه من الموت.﴾ أَيْ كَدَوَرَانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ.
وَقِيلَ: الرِّزْقُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرٍ وَكَذَلِكَ قُدِّرَتِ الثَّانِيَةُ [كَالَّذِي] حَالًا مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي [أَعْيُنِهِمْ] لِأَنَّ الْمُضَافَ بَعْضٌ فَلَا تَقْدِيرَ.
стр. 1176
وقوله: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ وَقَدَّرَهُ أَبُو الْفَتْحِ فِي الْمُحْتَسَبِ عَلَى أَفْعَالِ أهل النار.
وأما قوله: ﴿من الموت﴾ فَالتَّقْدِيرُ مِنْ مُدَانَاةِ الْمَوْتِ أَوْ مُقَارَبَتِهِ وَلَا ينكر عسره على الإنسان ولكن إذا دفع إلى أمر هابه.
وَمِثْلُهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عليه من الموت﴾ .
وقوله: ﴿فقبضت قبضة من أثر الرسول﴾ ، أَيْ مِنْ أَثَرِ حَافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ ، أَيْ مِنْ أَمْوَالِ كُفَّارِ أَهْلِ الْقُرَى.
وَقَوْلُهُ: ﴿فإنها من تقوى القلوب﴾ أَيْ مِنْ أَفْعَالِ ذَوِي تَقْوَى الْقُلُوبِ وَقَوْلُهُ: ﴿أو كصيب من السماء﴾ الْآيَةَ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ أَمَّا حَذْفُ الْمُضَافِ فَلِقَرِينَةِ عطفه على ﴿كمثل الذي استوقد نارا﴾ وأما المضاف إليه فلدلالة: ﴿جعلون أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ عَلَيْهِ فَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ مَجْمُوعًا وَإِنَّمَا صُيِّرَ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ بَيْنَ صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ وَصِفَةِ ذَوِي الصَّيِّبِ لا بين صف الْمُنَافِقِينَ وَذَوِي الصَّيِّبِ.
حَذْفُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ.
كَقَوْلِهِ: ﴿خلطوا عملا صالحا﴾ أي بسيء ﴿وآخر سيئا﴾ أي بصالح.
стр. 1177
وَكَذَا بَعْدَ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَذِكْرُ الله أكبر﴾ أَيْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخفى﴾ أَيْ مِنَ السِّرِّ وَكَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي الْمُفَصَّلِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِمَّا قُطِعَ٣ فِيهِ عَنْ مُتَعَلِّقَهِ قَصْدًا لِنَفْيِ الزِّيَادَةِ نَحْوَ فُلَانٌ يُعْطِي لِيَكُونَ كالفعل المتعدي إذا جعل قاصر لِلْمُبَالَغَةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ مِنَ الْحَذْفِ فَإِنَّهُ قَالَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي هُوَ وَهُمْ فِيهَا شُرَكَاءٌ وَالثَّانِي أَنْ يُوجَدَ مُطْلَقًا لَهُ الزِّيَادَةُ فِيهَا إِطْلَاقًا ثُمَّ يُضَافُ لِلتَّفْضِيلِ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ لَكِنْ بِمُجَرَّدِ التَّخْصِيصِ كَمَا يُضَافُ مَا لَا تَفْضِيلَ فِيهِ نَحْوَ قَوْلِكَ النَّاقِصُ وَالْأَشَجُّ أَعْدَلَا بَنِي مَرْوَانَ كَأَنَّكَ قُلْتَ: عَادِلًا. انْتَهَى.
حَذْفُ الْمَوْصُوفِ.
يُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرَانِ:.
أَحَدُهُمَا: كَوْنُ الصِّفَةِ خَاصَّةً بِالْمَوْصُوفِ حَتَّى يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِالْمَوْصُوفِ فَمَتَى كَانْتِ الصِّفَةُ عَامَّةً امْتَنَعَ حَذْفُ الْمَوْصُوفِ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي آخِرِ بَابِ تَرْجَمَةِ [هَذَا بَابُ مَجَارِي أَوَاخِرِ الْكَلِمِ الْعَرَبِيَّةِ] وَكَذَلِكَ نَصَّ عليه أرسطاطا ليس فِي كِتَابِهِ الْخَطَابَةُ.
الثَّانِي: أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى مُجَرَّدِ الصِّفَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لِتَعَلُّقِ غَرَضِ السياق كقوله تعالى: ﴿والله عليم بالمتقين﴾ . ﴿والله عليم بالظالمين﴾ فَإِنَّ الِاعْتِمَادَ فِي سِيَاقِ الْقَوْلِ عَلَى مُجَرَّدِ الصِّفَةِ لِتَعَلُّقِ غَرَضِ الْقَوْلِ مِنَ الْمَدْحِ أَوِ الذم بها.
стр. 1178
كقوله تعالى: ﴿وعندهم قاصرات الطرف عين﴾ أَيْ حُورٌ قَاصِرَاتٌ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ أَيْ وَجَنَّةٌ دَانِيَةٌ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ أي العبد الشكور.
وقوله: ﴿هدى للمتقين﴾ أَيْ الْقَوْمِ الْمُتَّقِينَ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ ألواح ودسر﴾ أَيْ سَفِينَةٌ ذَاتُ أَلْوَاحٍ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ أَيِ الْأُمَّةِ الْقَيِّمَةِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي دروعا سابغات.
وقوله: ﴿يا أيها الساحر﴾ أَيْ يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ السَّاحِرُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿أَيُّهَا المؤمنون﴾ أي القوم المؤمنون.
وقوله: ﴿وعمل صالحا﴾ أَيْ عَمَلًا صَالِحًا.
حَذْفُ الصِّفَةِ.
وَأَكْثَرُ مَا يَرِدُ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ فِي النَّكِرَاتِ وَكَأَنَّ التَّنْكِيرَ حِينَئِذٍ عَلَمٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لهم يوم القيامة وزنا﴾ أَيْ وَزْنًا نَافِعًا.
وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جوع وآمنهم من خوف﴾ أَيْ مِنْ جُوعٍ شَدِيدٍ وَخَوْفٍ عَظِيمٍ.
وَقَوْلِهِ: ﴿يا أهل الكتاب لستم على شيء﴾ أَيْ شَيْءٍ نَافِعٍ.
стр. 1179
وقوله: ﴿ما تذر من شيء﴾ أَيْ سُلِّطَتْ عَلَيْهِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ أَيْ جَامِعًا لِأُكَمِّلَ كُلَّ صِفَاتِ الرُّسُلِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿يأخذ كل سفينة غصبا﴾ أَيْ صَالِحَةٍ وَقِيلَ إِنَّهَا قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ الْإِضْمَارَ بَلْ هُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ.
وَقَوْلِهِ: ﴿بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشراب﴾ أَيْ كَثِيرٍ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَهُ وَيَجِيءُ فِي العرف.
كقوله تعالى: ﴿الآن جئت بالحق﴾ أَيِ الْمُبِينِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قد جمعوا لكم﴾ أَيِ النَّاسُ الَّذِينَ يُعَادُونَكُمْ.
وَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ مِنْ أهلك﴾ أي الناجين.
وقوله: ﴿وكذب به قومك﴾ أَيْ قَوْمُكَ الْمُعَانِدُونَ.
وَمِنْهُ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ أَيْ مِنْ أُولِي الضَّرَرِ، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ أَيْ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ.
قاله ابن مالك وغيره وبهذا التقدير يزل إشكال التكرار من الآية.
وقوله تعالى: ﴿فقد لبثت فيكم عمرا من قبله﴾ أَيْ لَمْ أَتْلُ عَلَيْكُمْ فِيهِ شَيْئًا فَحُذِفَتِ الصِّفَةُ أَوِ الْحَالُ قِيلَ وَالْعُمْرُ هُنَا أَرْبَعُونَ سَنَةً.
حَذْفُ الْمَعْطُوفِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ ، ﴿أفلم يسيروا﴾ ، ﴿أثم إذا ما وقع﴾ التَّقْدِيرُ أَعَمُوا! أَمَكَثُوا!! أَكَفَرْتُمْ!!.
стр. 1180
وقوله: ﴿ما شهدنا مهلك أهله﴾ ، أَيْ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَمَهْلِكِهِ بِدَلِيلِ قوله: ﴿لنبيتنه وأهله﴾ ، أَيْ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَمَهْلِكِهِ بِدَلِيلِ قوله لنبيتنه وأهله وَمَا رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ وَقَتْلِ أَهْلِهِ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُمْ: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ كذب في الإخبار وأوهموا قومهم أنهم قَتَلُوهُ وَأَهْلَهُ سِرًّا وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ أَحَدٌ وَقَالُوا تِلْكَ الْمَقَالَةَ يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ وَهُمْ كَاذِبُونَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَذْفِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَيْ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَهُ وَمَهْلِكَ أَهْلِهِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَصْلُهُ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِكَ بِالْخِطَابِ ثُمَّ عُدِلَ عَنْهُ إِلَى الْغَيْبَةِ فَلَا حَذْفَ.
وَقَدْ يُحْذَفُ الْمَعْطُوفُ مَعَ حَرْفِ الْعَطْفِ مِثْلُ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ من قبل الفتح وقاتل﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ أَيْ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَخَالَفُوا الْأَمْرَ فَفَسَقُوا وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ مِنَ الْآيَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ الْفِسْقُ مَأْمُورًا بِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﴿أَمَرْنَا مترفيها﴾ صِفَةٌ لِلْقَرْيَةِ لَا جَوَابًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا﴾ التَّقْدِيرُ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنَّ نُهْلِكَ قَرْيَةً مِنْ صِفَتِهَا أَنَّا أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا وَيَكُونُ إذا على هذا لم يأت لها جوابا ظَاهِرٌ اسْتِغْنَاءً بِالسِّيَاقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ .
حَذْفُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به﴾ أي لو ملكا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ.
стр. 1181
ويجوز حذفه مع حرف العطف كقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فعدة من أيام أخر﴾ أَيْ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ.
وَقَوْلِهِ: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البحر﴾ فانفلق التَّقْدِيرُ: فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ فَحُذِفَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ وَهُوَ ضرب وحرف العطف وهو الفاء المتصلة انْفَلَقَ فَصَارَ: [فَانْفَلَقَ] فَالْفَاءُ الدَّاخِلَةُ عَلَى انْفَلَقَ هِيَ الْفَاءُ الَّتِي كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِـ[ضَرَبَ] وَأَمَّا الْمُتَّصِلَةُ بِـ[انْفَلَقَ] فَمَحْذُوفَةٌ.
كَذَا زَعْمُ ابْنِ عُصْفُورٍ وَالْأَبَّذِيِّ قَالُوا وَالَّذِي دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ إِنَّمَا نُوِيَ بِهِ مُشَارَكَةُ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي فَإِذَا حُذِفَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ أَعْنِي لَفْظَ الْمَعْطُوفِ أَوِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَلَّا يُؤْتَى بِهِ لِيَزُولَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ أَجْلِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الضَّائِعِ: لَيْسَ هَذَا مِنَ الْحَذْفِ بَلْ مِنْ إِقَامَةِ الْمَعْطُوفِ مَقَامَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ وَيُقَامُ السَّبَبُ كَثِيرًا مَقَامَ مُسَبِّبِهِ وَلَيْسَ مَا بَعْدَهَا مَعْطُوفًا عَلَى الْجَوَابِ بَلْ صَارَ هُوَ الْجَوَابُ بِدَلِيلِ: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ هُوَ جَوَابُ الْأَمْرِ.
حَذْفُ الْمُبْدَلِ مِنْهُ.
اخْتَلَفُوا فِيهِ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ .
حَذْفُ الْمَوْصُولِ.
قَوْلُهُ: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وأنزل إليكم﴾ أَيْ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ لِأَنَّ [الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا] لَيْسَ هُوَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَنَا وَلِذَلِكَ أُعِيدَتْ [مَا] بَعْدَ [مَا] .
стр. 1182
فِي قَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلينا وما أنزل إلى إبراهيم﴾ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ من قبل﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ أَيْ مَنْ لَهُ.
وَشَرَطَ ابْنُ مَالِكٍ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ لِجَوَابِ الْحَذْفِ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلَى مَوْصُولٍ آخَرَ وَيُؤَيِّدُهُ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ: وَلَا يُحْذَفُ مَوْصُولٌ حَرْفِيٌّ إِلَّا [أَنْ] كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ .
حَذْفُ الْمَخْصُوصِ فِي بَابِ نِعْمَ إِذَا عُلِمَ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ التَّقْدِيرُ نِعْمَ الْعَبْدُ أَيُّوبُ أَوْ نِعْمَ الْعَبْدُ هُوَ لِأَنَّ الْقِصَّةَ فِي ذِكْرِ أَيُّوبَ فَإِنْ قَدَّرْتَ نِعْمَ الْعَبْدُ هُوَ لَمْ يَكُنْ هُوَ عَائِدًا عَلَى الْعَبْدِ بَلْ عَلَى أَيُّوبَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نعم العبد﴾ فَسُلَيْمَانُ هُوَ الْمَخْصُوصُ الْمَمْدُوحُ وَإِنَّمَا لَمْ يُكَرَّرْ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ مَنْصُوبًا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدَرْنَا فنعم القادرون﴾ أَيْ نَحْنُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيِ الْجَنَّةُ أَوْ دَارُهُمْ.
﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ أي عقباهم.
стр. 1183
﴿ونعم أجر العاملين﴾ أَيْ أَجْرُهُمْ.
وَقَالَ: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ أَيْ مَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مَنْ نَفْعِهِ وَقَالَ تعالى: ﴿قل بئسما يأمركم به إيمانكم﴾ أَيْ إِيمَانُكُمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ وَكُفْرُكُمْ بِمَا وَرَاءَهُ.
وَقَدْ يُحْذَفُ الْفَاعِلُ وَالْمَخْصُوصُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أَيْ بِئْسَ الْبَدَلُ إِبْلِيسُ وَذُرِّيَّتَهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : " فَبِهَا وَنِعْمَتْ " أَيْ نِعْمَتِ الرُّخْصَةُ.
حَذْفُ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ الْمُتَّصِلِ.
يَقَعُ فِي أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ:.
أَحَدُهَا: الصلة، كقوله تعالى: ﴿هذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا:﴾ .
الثَّانِي: الصِّفَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نفس شيئا،﴾ أَيْ فِيهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فيه إلى الله﴾ وَلِذَلِكَ يُقَدَّرُ فِي الْجُمَلِ الْمَعْطُوفُ عَلَى الْأُولَى لِأَنَّ حُكْمَهُنَّ حُكْمُهَا، فَالتَّقْدِيرُ: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ ينصرون﴾ فِيهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الْأَخْفَشُ: حُذِفَتْ عَلَى التَّدْرِيجِ أَيْ حُذِفَ الْعَطْفُ فَاتَّصَلَ الضَّمِيرُ فَحُذِفَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ حُذِفَا مَعًا لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ.
стр. 1184
وَقِيلَ: عُدِّيَ الْفِعْلُ إِلَى الضَّمِيرِ أَوَّلًا اتِّسَاعًا وَهُوَ قَوْلُ الْفَارِسِيِّ.
وَجَعَلَ الْوَاحِدِيُّ مِنْ هَذَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ ، أَيْ مِنْهُ وَقَوْلَهُ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ من حميم ولا شفيع يطاع﴾ أَيْ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْهُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّ [يُغْنِي] جُمْلَةٌ قَدْ أُضِيفَ إِلَيْهَا اسْمُ الزَّمَانِ وَلَيْسَتْ صِفَةً.
وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ عَوْدَ ضَمِيرٍ إِلَى الْمُضَافِ مِنَ الْجُمْلَةِ الَّتِي أُضِيفَ إِلَيْهَا الظَّرْفُ غَيْرُ جَائِزٍ حَتَّى قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ: فَإِنْ قُلْتَ أَعْجَبَنِي يَوْمٌ قُمْتُ فِيهِ امْتَنَعَتِ الْإِضَافَةُ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ حِينَئِذٍ صِفَةٌ وَلَا يُضَافُ مَوْصُوفٌ إِلَى صِفَتِهِ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ وَهَذَا مِمَّا خَفِيَ عَلَى أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ ﴿مَا للظالمين من حميم﴾ صِفَةٌ لِيَوْمٍ الْمُضَافُ إِلَيْهَا الْأَزْمِنَةُ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ لَا تَقَعُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمْلَةَ حَالٌ مِنْهُ ثُمَّ حُذِفَ الْعَائِدُ المجرور [في] كما يحذف من الصفة.
الثالث: الخبر، كقوله تعالى: ﴿وكل وعد الله الحسنى﴾ في قراءة ابن عامر.
الرابع: الحال.
تنبيه.
[عن ابن الشجري في تفاوت أنواع الحذف] .
قَالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: أَقْوَى هَذِهِ الْأُمُورِ فِي الْحَذْفِ الصِّلَةُ لِطُولِ الْكَلَامِ فِيهَا لِأَنَّهُ أَرْبَعُ كَلِمَاتٍ نَحْوَ: جَاءَ الَّذِي ضَرَبْتُ وَهُوَ الْمَوْصُولُ وَالْفِعْلُ وَالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ ثُمَّ الصِّفَةُ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا أَتَى بِالصِّفَةِ لِلتَّوْضِيحِ ثُمَّ الْخَبَرِ لِانْفِصَالِهِ عَنِ الْمُبْتَدَأِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَحْكُومٌ عليه.
стр. 1185
وَوَجْهُ التَّفَاوُتِ أَنَّ الصِّفَةَ رُتْبَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْخَبَرِ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ وَصِلَتَهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ وَلِهَذَا لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا وَالصِّفَةُ دُونَهَا فِي ذلك ولهذا يكثر حذف الموصوف وإقامة الصفةمقامه وَالْخَبَرُ دُونَ ذَلِكَ فَكَانَ الْحَذْفُ آكَدَ فِي الصِّلَةِ مِنَ الصِّفَةِ لِأَنَّ هُنَاكَ شَيْئَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى الْحَذْفِ الصِّفَةُ تَسْتَدْعِي مَوْصُوفًا وَالْعَامِلُ يَسْتَدْعِيهِ أَيْضًا.
وَيَسْتَحْسِنُ ابْنُ مَالِكٍ هَذَا الْكَلَامَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الْحَالِ لِرُجُوعِهِ إِلَى الصِّفَةِ.
حَذْفُ الْمَفْعُولِ.
وَهُوَ ضَرْبَانِ:.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مَعَ الْحَذْفِ فَيُنْوَى لِدَلِيلٍ وَيُقَدَّرُ فِي كُلِّ موضع ما يليق ب، كقوله تعالى: ﴿فعال لما يريد﴾ أي يريده.
﴿فغشاها ما غشى﴾ أَيْ غَشَّاهَا إِيَّاهُ.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يشاء ويقدر﴾ .
﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا من رحم﴾ .
﴿وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ .
﴿أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ .
وَكُلُّ هَذَا عَلَى حَذْفِ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ مُرَادٌ حُذِفَ تَخْفِيفًا لِطُولِ الْكَلَامِ بِالصِّفَةِ وَلَوْلَا إِرَادَةُ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الضَّمِيرُ لَخَلَتِ الصِّلَةُ مِنْ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَى الْمَوْصُولِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
стр. 1186
وَكَانَ فِي حُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ فَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ لَهُ وَاقْتِضَاءُ الصِّلَةِ إِذَا كَانَ الْعَائِدَ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عملت أيديهم﴾ في قراءة حمزة والكسائي بغير هاء أَيْ مَا عَمِلَتْهُ بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ الْبَاقِينَ فَـ "مَا" فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ لِلْعَطْفِ عَلَى [ثَمَرِهِ] .
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ [مَا] نَافِيَةً وَالْمَعْنَى لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَلَمْ تَعْمَلْهُ أَيْدِيهِمْ فَيَكُونُ أَبْلَغُ فِي الِامْتِنَانِ وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا تَكُونُ الْهَاءُ مُرَادَةً لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْصُولَةٍ.
وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ويشرب مما تشربون﴾ وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ [شَرِبَ] يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ.
وَالْغَرَضُ حِينَئِذٍ بِالْحَذْفِ أُمُورٌ:.
مِنْهَا: قَصْدُ الِاخْتِصَارِ عِنْدَ قِيَامِ الْقَرَائِنِ وَالْقَرَائِنُ إِمَّا حَالِيَّةٌ كَمَا فِي قوله تعالى: ﴿أرني أنظر إليك﴾ ، لِظُهُورِ أَنَّ الْمُرَادَ أَرِنِي ذَاتَكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَابَ الْمُوَاجَهَةَ بِذَلِكَ ثُمَّ بَرَاهُ الشَّوْقُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ لِيَأْتِيَ بِهِ مَعَ الْأَصْرَحِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ هَذَا الْمَطْلُوبُ الْعَظِيمُ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ إِجْلَالًا.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَى أَنْ تأجرني﴾ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُتَعَدٍّ حُذِفَ مَفْعُولُهُ أَيْ تَأْجُرُنِي نَفْسَكَ.
وَجَعَلَ مِنْهُ السَّكَّاكِيُّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يصدر.
стр. 1187
الرعاء﴾ فَمَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ الدَّالِ مِنْ ﴿يُصْدِرَ﴾ فَإِنَّهُ حَذَفَ الْمَفْعُولَ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ مِنَ الضَّرْبِ الثَّانِي كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عرفات﴾ أَيْ أَنْفُسُكُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يومكم هذا﴾ أَيْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذريتي﴾ أَيْ نَاسًا أَوْ فَرِيقًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَادْعُ لَنَا ربك يخرج لنا﴾ أَيْ شَيْئًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ أي غير السموات.
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ بِمَعْنَى التَّسْمِيَةِ الَّتِي تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ أَيْ سَمُّوهُ اللَّهَ أَوْ سَمُّوهُ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تُسَمُّوهُ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ الْمُتَعَدِّي لِوَاحِدٍ لَزِمَ الشِّرْكُ إِنْ كَانَ مُسَمَّى اللَّهِ غَيْرَ مُسَمَّى الرَّحْمَنِ وَعَطْفُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ كَانَ عَيْنُهُ.
وَمِنْهَا: قَصْدُ الِاحْتِقَارِ كَقَوْلِهِ: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ أَيِ الْكُفَّارَ.
وَمِنْهَا: قَصْدُ التَّعْمِيمِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يؤمنون﴾ وكذا ﴿ما كانوا مؤمنين﴾ وَكَثِيرًا مَا يَعْتَرِي الْحَذْفَ فِي رُءُوسِ الْآيِ نحو: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ و ﴿لقوم يشكرون﴾ .
стр. 1188
﴿أفلا تسمعون﴾ .
﴿أفلا تبصرون﴾ .
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وما يعلنون﴾ .
﴿إنما نحن مستهزئون﴾ .
﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ .
وَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ الْغَرَضُ إِثْبَاتُ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ لِفَاعِلٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ بِغَيْرِهِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دار السلام﴾ أَيْ كُلُّ أَحَدٍ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ عَامَّةٌ وَالْهِدَايَةَ خَاصَّةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وزنوهم يخسرون﴾ فَكَالَ وَوَزَنَ يَتَعَدَّيَانِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِاللَّامِ وَالتَّقْدِيرُ: كَالُوا وَوَزَنُوا لَهُمْ وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِ [هُمْ] مَنْصُوبًا فِي الْمَوْضِعِ بَعْدَ اللَّامِ هُوَ الظَّاهِرُ وَقَرَّرَهُ ابْنُ الشَّجَرِيِّ فِي أَمَالِيهِ، قَالَ: وَأَخْطَأَ بَعْضُ الْمُتَأَوِّلِينَ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ [هُمْ] ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ أُكِّدَتْ بِهِ الْوَاوُ كَالضَّمِيرِ فِي قَوْلِكَ خَرَجُوا هُمْ فَ هُمْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ عَائِدٌ عَلَى الْمُطَفِّفِينَ.
وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا القول أمران:.
стр. 1189
أحدهما: عدم ثبوت الألف فِي [كَالُوهُمْ] وَ [وَزَنُوهُمْ] وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَأَثْبَتُوهَا فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ كَمَا أَثْبَتُوهَا في قوله تعالى: ﴿خرجوا من ديارهم﴾ ﴿قالوا لنبي لهم﴾ وَنَحْوِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ تَقَدُّمَ ذِكْرِ النَّاسِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ فَالْمَعْنَى: ﴿إِذَا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ وَإِذَا كَالُوا لِلنَّاسِ أَوْ وَزَنُوا لِلنَّاسِ يُخْسِرُونَ.
وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ حَذْفِ الْمَفْعُولِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أَيْ فِي الْمِصْرِ وَعِنْدَ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّ الشَّهْرَ ظَرْفٌ وَالتَّقْدِيرُ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الْمِصْرَ فِي الشَّهْرِ.
وَمِنْهَا: تَقَدُّمُ مِثْلِهِ فِي اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ أَيْ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ.
فَلَمَّا كَانَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي بِلَفْظِ الْأَوَّلِ فِي عُمُومِهِ وَاحْتِيَاجِهِ إِلَى الصِّلَةِ جَازَ حَذْفُهُ لِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعلم﴾ .
وقوله: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ أي غير السموات.
وقوله: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ ، أَيْ وَمَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِهِ وَقَاتَلَ بِدَلِيلِ ما بعده.
وقوله: ﴿وأبصر فسوف يبصرون﴾ أي أبصرهم، بدليل قوله: ﴿وأبصرهم﴾ .
وَسَبَقَ عَنِ ابْنِ ظَفَرٍ السِّرُّ فِي ذِكْرِ الْمَفْعُولِ فِي الْأَوَّلِ وَحَذْفُهُ فِي الثَّانِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ.
стр. 1190
أَنَّ الْأُولَى اقْتَضَتْ نُزُولَ الْعَذَابِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمَّا تَضَمَّنَتِ التَّشَفِّيَ قِيلَ: [أَبْصِرْهُمْ] .
وَأَمَّا الثَّانِي فَالْمُرَادُ بِهَا يَوْمَ الْفَتْحِ وَاقْتَرَنَ بِهَا مَعَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ تَأْمِينُهُمْ وَالدُّعَاءُ إِلَى إِيمَانِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلتَّشَفِّي بَلْ لِلْبُرُوزِ فَقِيلَ لَهُ: [أَبْصِرْ] وَالْمَعْنَى: فَسَيُبْصِرُونَ مِنْكَ عَلَيْهِمْ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم﴾ ، أَيْ وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وما وعدنا ربنا﴾ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَقَدْ يُقَالُ: أَطْلَقَ ذَلِكَ لِيَتَنَاوَلَ كُلَّ مَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الْحِسَابِ وَالْبَعْثِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَسَائِرِ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ أَجْمَعَ وَلِأَنَّ الْمَوْعُودَ كُلَّهُ مِمَّا سَاءَهُمْ وَمَا نَعِيمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا عَذَابٌ لَهُمْ فَأَطْلَقَ لِذَلِكَ لِيَكُونَ مِنَ الضَّرْبِ الْآتِي.
وقوله: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية﴾ .
وَمِنْهَا: رِعَايَةُ الْفَاصِلَةِ، نَحْوَ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما قلى﴾ أَيْ مَا قَلَاكَ فَحُذِفَ الْمَفْعُولُ لِأَنَّ فَوَاصِلَ الْآيِ عَلَى الْأَلِفِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلِاخْتِصَارِ لِظُهُورِ الْمَحْذُوفِ قَبْلَهُ أَيْ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ كَمَنْ أَقْسَى قَلْبَهُ فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ ﴿فَوَيْلٌ للقاسية﴾ .
وَمِنْهَا: الْبَيَانُ بَعْدَ الْإِبْهَامِ كَمَا فِي مَفْعُولِ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَكَادُونَ يَذْكُرُونَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ .
﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ .
стр. 1191
﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾ .
﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك﴾ .
﴿من يشأ الله يضلله﴾ .
﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ .
التَّقْدِيرُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لَفَعَلَ.
وَشَرَطَ ابْنُ النَّحْوِيَّةِ فِي حَذْفِهِ دُخُولَ أَدَاةِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك﴾ .
﴿ولو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ .
﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مستقيم﴾ .
وَالْحِكْمَةُ فِي كَثْرَةِ حَذْفِ مَفْعُولِ الْمَشِيئَةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِمَضْمُونِ الْجَوَابِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا مَثِيلَةَ الْجَوَابِ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْإِرَادَةُ كَالْمَشِيئَةِ فِي جَوَازِ اطِّرَادِ حَذْفِ مَفْعُولِهَا صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ فِي الْبُرْهَانِ وَالتَّنُوخِيُّ فِي الْأَقْصَى كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نور الله بأفواههم﴾ وَإِنَّمَا حَذَفَهُ لِأَنَّ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا مَا يدل على أنهم أمروا لكذب وَهُوَ بِزَعْمِهِمْ إِطْفَاءُ نُورِ اللَّهِ فَلَوْ ذُكِرَ أيضا لكان
стр. 1192
كَالْمُتَكَرِّرِ فَحُذِفَ وَفُسِّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بأفواههم﴾ وَكَانَ فِي الْحَذْفِ تَنْبِيهٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْغَرِيبِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَمَهَّلَ فِي تَقْدِيرِ مَفْعُولِ الْمَشِيئَةِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى بِحَسَبِ التَّقْدِيرِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كل نفس هداها﴾ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ كَمَا قَالَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ: وَلَوْ شِئْنَا أَنْ نُؤْتِيَ كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا لَآتَيْنَاهَا لَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقَدِّرْ هَذَا الْمَفْعُولَ أَدَّى وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ إِلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ وَهُوَ نَفْيُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ مَشِيئَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ [لَوْ] أَنْ يَكُونَ الْإِثْبَاتُ بَعْدَهَا نَفْيًا أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ لَوْ جِئْتَنِي أَعْطَيْتُكَ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجِيءٌ وَلَا إِعْطَاءٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شئنا لرفعناه بها﴾ فَقَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ: فَلَمْ نَشَأْ فَلَمْ نَرْفَعْهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْخَبَّازِ: الصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: [فَلَمْ نَرْفَعْهُ فَلَمْ نَشَأْ] لِأَنَّ نَفْيَ اللَّازِمِ يُوجِبُ نَفْيَ الْمَلْزُومِ فَوُجُودُ الْمَلْزُومِ يُوجِبُ وُجُودَ اللَّازِمِ فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمَشِيئَةِ وُجُودُ الرَّفْعِ وَمَنْ نَفَى الرَّفْعَ نَفَى الْمَشِيئَةَ وَأَمَّا نَفْيُ الْمَلْزُومِ فَلَا يُوجِبُ نَفْيَ اللَّازِمِ وَلَا وُجُودُ اللَّازِمِ وُجُودَ الْمَلْزُومِ. انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا الله لفسدتا﴾ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ انْتِفَاءُ وُجُودِ الْآلِهَةِ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهَا وَهُوَ الْفَسَادُ.
وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ كَلَامِ النَّحْوِيِّينَ بِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَوَّلَ شَرْطًا لِلثَّانِي لِأَنَّهُمْ عَدُّوا [لَوْ] مِنْ حُرُوفِ الشَّرْطِ وَانْتِفَاءُ الشَّرْطِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ وَقَدْ يَكُونُ الشَّرْطُ مُسَاوِيًا لِلْمَشْرُوطِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ وَمِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ. وَالْمَقْصُودُ فِي الْآيَةِ تَعْلِيلُ عَدَمِ الرَّفْعِ بِعَدَمِ الْمَشِيئَةِ لَا الْعَكْسُ.
стр. 1193
وَأَوْضَحُ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يكسبون﴾ جَعَلَ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ سَبَبًا لِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ لِأَنَّ كَذَّبُوا مَلْزُومُ عَدَمِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى فَأَخَذَهُمْ بِذَلِكَ مَلْزُومُ عَدَمِ فَتْحِ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَيْهِمْ. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ وَجَعَلَ التَّكْذِيبَ سَبَبًا لِأَخْذِهِمْ بِكُفْرِهِمْ وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَوَادِّ وَوُقُوعِ الْأَفْرَادِ مَعَ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْخَبَّازِ وَأَمَّا مَا جَاءَ عَلَى خِلَافِهِ فَذَلِكَ مِنْ خُصُوصِ الْمَادَّةِ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ: الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ لَا تَنْعَكِسُ كُلِّيَّةً مَعَ أَنَّهَا تَنْعَكِسُ كُلِّيَّةً فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَقَوْلِنَا كُلُّ إِنْسَانٍ نَاطِقٌ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مُبْطِلًا للقاعدة.
تنبيهان.
التنبيه الأول: متى يذكر مفعول المشيئة والإرادة؟.
يُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:.
أَحَدُهَا: مَا إِذَا كَانَ مَفْعُولُ الْمَشِيئَةِ عَظِيمًا أَوْ غَرِيبًا فَإِنَّهُ لَا يُحْذَفُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ﴾ الْآيَةَ. أَرَادَ رَدَّ قَوْلِ الْكُفَّارِ: [اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا] بِمَا يُطَابِقُهُ فِي اللَّفْظِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الرَّدِّ لِأَنَّهُ لَوْ حَذَفَهُ فَقَالَ: [لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَاصْطَفَى] لَمْ يَظْهَرِ الْمَعْنَى الْمُرَادُ لَأَنَّ الِاصْطِفَاءَ قَدْ لَا يَكُونُ بِمَعْنَى التَّبَنِّي وَلَوْ قَالَ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَاتَّخَذَ وَلَدًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ. مَا فِي إِظْهَارِهِ مِنْ تَعْظِيمِ جُرْمِ قَائِلِهِ.
ومثله صَاحِبُ كِتَابِ [الْقَوْلِ الْوَجِيزِ فِي اسْتِنْبَاطِ عِلْمِ الْبَيَانِ مِنَ الْكِتَابِ.
стр. 1194
الْعَزِيزِ] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا﴾ . وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ . وَ ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يجعله على صراط مستقيم﴾ وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ.
قُلْتُ: يَجِيءُ الذِّكْرُ فِي مفعول الإرادة أيضا إذ كَانَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لهوا﴾ .
الثَّانِي: إِذَا احْتِيجَ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُذْكَرُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ﴾ فَإِنَّهُ لَوْ حُذِفَ لَمْ يَبْقَ لِلضَّمِيرِ مَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ يُقَالُ: الضَّمِيرُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا عَادَ عَلَى مَعْمُولِ مَعْمُولِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ السَّامِعُ مُنْكِرًا لِذَلِكَ أَوْ كَالْمُنْكِرِ فَيَقْصِدُ إِلَى إِثْبَاتِهِ عِنْدَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْكِرًا فَالْحَذْفُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَذْفَ مَفْعُولِ [أراد] و [شاء] لَا يُذْكَرُ إِلَّا لِأَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
التَّنْبِيهُ الثاني: في إنكار أبي حيان للقاعدة السابقة.
أَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانِ فِي بَابِ عَوَامِلِ الْجَزْمِ مِنْ شَرْحِ التَّسْهِيلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَقَالَ غَلِطَ الْبَيَانِيُّونَ فِي دَعْوَاهُمْ لُزُومَ حَذْفِ مَفْعُولِ الْمَشِيئَةِ إِلَّا فِيمَا إِذَا كَانَ مُسْتَغْرَبًا وَفِي القرآن: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ الْمَفْعُولَ هَاهُنَا عَظِيمٌ فَلِهَذَا صُرِّحَ بِهِ فَلَا غَلَطَ.
стр. 1195
عَلَى الْقَوْمِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أراد الله بهذا مثلا﴾ فَإِذَا جَعَلْتَ [مَاذَا] بِمَعْنَى [الَّذِي] فَمَفْعُولُ [أَرَادَ] مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ وَإِنْ جَعَلْتَ [ذَا] وَحْدَهُ بِمَعْنَى [الَّذِي] فَيَكُونُ مَفْعُولُ [أَرَادَ] مَحْذُوفًا وَهُوَ ضَمِيرُ [ذَا] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ [مَثَلًا] مَفْعُولَ [أَرَادَ] لِأَنَّهُ أَحَدُ مَعْمُولَيْهِ وَلَكِنَّهُ حَالٌ.
فَصْلٌ.
وَقَدْ كَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِ أَشْيَاءَ غَيْرُ مَا سَبَقَ مِنْهَا الصَّبْرُ، نَحْوَ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تصبروا﴾ ﴿اصبروا وصابروا﴾ .
وَقَدْ يُذْكَرُ نَحْوَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يدعون ربهم﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ: قَوْلُهُمْ: صَبَرَ عَنْ كَذَا مَحْذُوفٌ مِنْهُ الْمَفْعُولُ وَهُوَ النَّفْسُ.
وَمِنْهَا: مَفْعُولُ [رَأَى] كَقَوْلِهِ: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الغيب فهو يرى﴾ .
قَالَ الْفَارِسِيُّ: الْوَجْهُ أَنَّ يَرَى هُنَا لِلتَّعْدِيَةِ لِمَفْعُولَيْنِ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْغَائِبِ لَا تَكُونُ إِلَّا علما والمعنى عيه قوله: ﴿عالم الغيب﴾ وَذِكْرُهُ الْعِلْمَ، قَالَ: وَالْمَفْعُولَانِ مَحْذُوفَانِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَهُوَ يَرَى الْغَائِبَ حَاضِرًا أَوْ حُذِفَ كَمَا حُذِفَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تزعمون﴾ ، أَيْ تَزْعُمُونَهُمْ إِيَّاهُمْ.
следующие страницы →