Полный текст (1 944 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
أَيُّهَا النَّاسُ فِي التَّدْبِيرِ حَيْثُ مَكَّنَكُمْ مِنَ التَّوَالُدِ وَالتَّنَاسُلِ وَهَيَّأَ لَكُمْ مِنْ مَصَالِحِكُمْ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي تَرْتِيبِ الْمَعَاشِ وَتَدْبِيرِ التَّوَالُدِ وَجَعَلَهَا أَزْوَاجًا تَبْقَى بِبَقَائِكُمْ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا وَهَذَا أَنْسَبُ بِنَظْمِ الْكَلَامِ مِمَّا قَرَّرُوهُ وَهُوَ جَعْلُ الأنعام أنفسها أزواجا.
وقوله: ﴿يذرأكم فيه﴾ أَيْ فِي هَذَا التَّدْبِيرِ، كَأَنَّهُ مَحَلٌّ لِذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ [بِهِ] كَمَا قَالَ: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حياة﴾ لِأَنَّهُ مَسُوقٌ لِإِظْهَارِ الِاقْتِدَارِ مَعَ الْوَحْدَانِيَّةِ فَأَسْقَطَ السَّبَبِيَّةِ وَأَثْبَتَ [فِي] الظَّرْفِيَّةَ وَهَذَا وَجْهٌ مِنْ إِعْجَازِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ لِأَنَّ الْحَيَاةَ مِنْ شَأْنِهَا الِاسْتِنَادُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ لَا إِلَى غَيْرِهِ فَاخْتِيرَتْ [فِي] عَلَى الْبَاءِ لِأَنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيَانِ التَّرْغِيبِ وَالْمَعْنَى مَفْهُومٌ وَالْقِصَاصُ مَسُوقٌ لِلتَّجْوِيزِ وَحُسْنِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ .
الرَّابِعُ: تَغْلِيبُ الْمُتَّصِفِ بِالشَّيْءِ عَلَى مَا لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا على عبدنا﴾ قيل: غلب غير المرتابين علىالمرتابين وَاعْتُرِضَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادقين﴾ وَهَذَا خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ فَقَطْ قَطْعًا فَهُمُ الْمُخَاطَبُونَ أَوَّلًا بِذَلِكَ ثُمَّ إِنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ لَا يَتَمَيَّزُ فِيهَا التَّغْلِيبُ ثُمَّ هِيَ شَاهِدَةٌ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَعَهُمْ يَخُصُّ.
стр. 1332
الجاحدين بقوله: ﴿إن كنتم صادقين﴾ وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْخِطَابُ إِلَّا فِيهِمْ فَتَغْلِيبُ حَالِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْخِطَابِ لَا عهد به في مخاطبات العرب.
الْخَامِسُ: تَغْلِيبُ الْأَكْثَرِ عَلَى الْأَقَلِّ.
بِأَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْجَمِيعِ وَصْفٌ يَخْتَصُّ بِالْأَكْثَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لنخرجنك يا شعيب وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في ملتنا﴾ أُدْخِلَ شُعَيْبٌ ﵇ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِحُكْمِ التَّغْلِيبِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلَّتِهِمْ أَصْلًا حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهَا وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ عدنا في ملتكم﴾ ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ عَادَ بِمَعْنَى صَارَ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَأَنْشَدُوا:
فَإِنْ تَكُنِ الْأَيَّامُ أَحْسَنَ مَرَّةً ... إِلَيَّ فَقَدْ عَادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ
وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الْأَيَّامِ فَاعِلُ عَادَتْ وَإِنَّمَا الشَّاهِدُ فِي قَوْلِ أُمَيَّةَ:
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ... شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالَا
وَيَحْتَمِلُ جَوَابًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ لِشُعَيْبٍ ذَلِكَ مِنْ تَعَنُّتِهِمْ وَبُهْتَانِهِمْ وَادِّعَائِهِمْ أَنَّ شُعَيْبًا كَانَ عَلَى مِلَّتِهِمْ لَا كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسَى. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَكُونُ لنا أن نعود فيها﴾ كِنَايَةٌ عَنْ أَتْبَاعِهِ لِمُجَرَّدِ فَائِدَتِهِمْ وَأَنَّهُ ﷺ إِنْ قَالَ ذَلِكَ عَنْ نفسه وأتباعه فقد استثنى والمعلق بالمشيئة لايلزم إِمْكَانُهُ شَرْعًا تَقْدِيرًا وَالِاعْتِرَافُ بِالْقُدْرَةِ وَالرُّجُوعُ لِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ وَإِنْ عَلِمَ الْعَبْدُ عِصْمَةَ نَفْسِهِ أَدَبًا مع ربه لاشكا.
стр. 1333
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْعَوْدِ فِي مِلَّتِهِمْ مُجَرَّدُ الْمُسَاكَنَةِ وَالِاخْتِلَاطِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ منها﴾ . ونظيره: ﴿ومطهرك من الذين كفروا﴾ وَيَكُونُ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى الْهِجْرَةِ عَنْهُمْ وَتَرْكِ الْإِجَابَةِ لَهُمْ لَا جَوَابًا لَهُمْ. وَفِيهِ بُعْدٌ.
السَّادِسُ: تَغْلِيبُ الْجِنْسِ الْكَثِيرِ الْأَفْرَادِ عَلَى فَرْدٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْجِنْسِ مَغْمُوزٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِأَنْ يُطْلَقَ اسْمُ الْجِنْسِ عَلَى الْجَمِيعِ.
كَقَوْلِهِ: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾ وَأَنَّهُ عُدَّ مِنْهُمْ مَعَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ تَغْلِيبًا لِكَوْنِهِ جِنِّيًّا وَاحِدًا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلِأَنَّ حَمْلَ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الِاتِّصَالِ هُوَ الْأَصْلُ. وَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: " خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَالْجِنُّ مِنَ النَّارِ ".
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مَلَكًا فَسُلِبَ الْمَلَكِيَّةَ وَأُجِيبَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الْجِنِّ بِأَنَّهُ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَانَ مُخْتَلِطًا بِهِمْ فَحِينَئِذٍ عَمَّتْهُ الدَّعْوَةُ بِالْخُلْطَةِ لَا بِالْجِنْسِ فَيَكُونُ مِنْ تَغْلِيبِ الْأَكْثَرِ.
هَذَا إِنْ جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلًا وَلَمْ يُجْعَلْ [إِلَّا] بِمَعْنَى [لَكِنْ] .
وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ فِي [الْقَدِّ] : قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى.
стр. 1334
ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلهين من دون الله﴾ وإنما المتخذ عِيسَى دُونَ أُمِّهِ فَهُوَ مِنْ بَابِ:
*لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُومُ الطَّوَالِعُ*
السَّابِعُ: تَغْلِيبُ الْمَوْجُودِ عَلَى ما لم يوجد.
كقوله: ﴿بما أنزل إليك﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنَّ الْمُرَادَ: الْمُنَزَّلُ كُلُّهُ وَإِنَّمَا عُبِّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمُضِيِّ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ مُتَرَقَّبًا تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ.
الثَّامِنُ: تَغْلِيبُ الْإِسْلَامِ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾ قاله الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأَنَّ الدَّرَجَاتِ لِلْعُلُوِّ وَالدَّرَكَاتِ لِلسُّفْلِ فَاسْتُعْمِلَ الدَّرَجَاتُ فِي الْقِسْمَيْنِ تَغْلِيبًا.
التَّاسِعُ: تَغْلِيبُ مَا وَقَعَ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ عَلَى مَا وَقَعَ بِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أيديكم﴾ ذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال.
стр. 1335
نزاول بِهَا فَحَصَلَ الْجَمْعُ بِالْوَاقِعِ بِالْأَيْدِي تَغْلِيبًا أَشَارَ إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي آخِرِ آلِ عِمْرَانَ.
وَيُشَاكِلُهُ ما أنشده الغزنوي في "العامريات" لِصَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:
فَلَا وَالْعَادِيَاتِ غَدَاةَ جَمْعٍ
بِأَيْدِيهَا إِذَا سَطَعَ الْغُبَارُ
الْعَاشِرُ: تَغْلِيبُ الأشهر.
كقوله تعالى: ﴿يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين﴾ أَرَادَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ فَغَلَّبَ الْمَشْرِقَ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ الْجِهَتَيْنِ قَالَهُ ابْنُ الشَّجَرِيِّ وَسَيَأْتِي فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ.
فَائِدَتَانِ:.
إِحْدَاهُمَا: جَمِيعُ بَابِ التَّغْلِيبِ مِنَ الْمَجَازِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَانِتِينَ مَوْضُوعٌ لِلذُّكُورِ الْمَوْصُوفِينَ بِهَذَا الْوَصْفِ فَإِطْلَاقُهُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ عَلَى غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَقِسْ عَلَى هَذَا جَمِيعَ الْأَمْثِلَةِ السَّابِقَةِ.
الثَّانِيَةُ: الْغَالِبُ مِنَ التَّغْلِيبِ أَنْ يُرَاعَى الْأَشْرَفُ كَمَا سَبَقَ وَلِهَذَا قَالُوا فِي تَثْنِيَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ: أَبَوَانِ وَفِي تثنية المشرق والمغرب: المشرقان لِأَنَّ الشَّرْقَ دَالٌّ عَلَى الْوُجُودِ وَالْغَرْبَ دَالٌّ عَلَى الْعَدَمِ وَالْوُجُودُ لَا مَحَالَةَ أَشْرَفُ وَكَذَلِكَ الْقَمَرَانِ، قَالَ:
*لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُومُ الطَّوَالِعُ*
أَرَادَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فَغَلَّبَ الْقَمَرَ لِشَرَفِ التَّذْكِيرِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ سُنَّةُ الْعُمَرَيْنِ، يُرِيدُونَ.
стр. 1336
أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي "الْمُحْكَمِ": إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ إِيثَارًا لِلْخِفَّةِ أَيْ غُلِّبَ الْأَخَفُّ عَلَى الْأَثْقَلِ لِأَنَّ لَفْظَ [عُمَرَ] مُفْرَدٌ وَلَفْظَ أَبِي بَكْرٍ مُرَكَّبٌ.
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ لِلشُّهْرَةِ وَطُولِ الْمُدَّةِ.
وَذَكَرَ غَيْرُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَلَى هَذَا فَلَا تَغْلِيبَ.
وَرُدَّ بِأَنَّهُمْ نَطَقُوا بِالْعُمَرَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفُوا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالُوا يَوْمَ الْجَمَلِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب: سنة العمرين.
стр. 1337
الالتفات.
وفيه مباحث:.
الأول: في حقيقة.
وَهُوَ نَقْلُ الْكَلَامِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى أُسْلُوبٍ آخَرَ تَطْرِيَةً وَاسْتِدْرَارًا لِلسَّامِعِ وَتَجْدِيدًا لِنَشَاطِهِ وَصِيَانَةً لِخَاطِرِهِ مِنَ الْمَلَالِ وَالضَّجَرِ بِدَوَامِ الْأُسْلُوبِ الْوَاحِدِ عَلَى سَمْعِهِ كَمَا قِيلَ:
لَا يُصْلِحُ النَّفْسَ إِنْ كَانَتْ مُصَرَّفَةً ... إِلَّا التَّنَقُّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالِ
قَالَ حَازِمٌ فِي "مِنْهَاجِ الْبُلَغَاءِ": وَهُمْ يَسْأَمُونَ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ أَوْ ضَمِيرِ مُخَاطَبٍ فَيَنْتَقِلُونَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَتَلَاعَبُ الْمُتَكَلِّمُ بِضَمِيرِهِ فَتَارَةً يَجْعَلُهُ تاء عَلَى جِهَةِ الْإِخْبَارِ عَنْ نَفْسِهِ وَتَارَةً يَجْعَلُهُ كافا فَيَجْعَلُ نَفْسَهُ مُخَاطَبًا وَتَارَةً يَجْعَلُهُ هَاءً فَيُقِيمُ نَفْسَهُ مَقَامَ الْغَائِبِ. فَلِذَلِكَ كَانَ الْكَلَامُ الْمُتَوَالِي فِيهِ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ لَا يُسْتَطَابُ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ الِانْتِقَالُ مِنْ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ وَهُوَ نَقْلٌ مَعْنَوِيٌّ لَا لَفْظِيٌّ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي الْمُتَنَقَّلِ إِلَيْهِ عَائِدًا فِي نَفْسِ الأمر إلى الملتف عَنْهُ لِيَخْرُجَ نَحْوُ أَكْرِمْ زَيْدًا وَأَحْسِنْ إِلَيْهِ فَضَمِيرُ أَنْتَ الَّذِي هُوَ فِي أَكْرِمْ غَيْرُ الضمير في إليه.
واعلم أن للمتكلم وَالْخَطَابِ وَالْغَيْبَةِ مَقَامَاتٍ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الِالْتِفَاتَ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ أَحَدِهَا إِلَى الْآخَرِ بَعْدَ التَّعْبِيرِ بالأول.
стр. 1338
وَقَالَ السَّكَّاكِيُّ: إِمَّا ذَلِكَ وَإِمَّا التَّعْبِيرُ بِأَحَدِهِمَا فِيمَا حَقُّهُ التَّعْبِيرُ بِغَيْرِهِ.
الْبَحْثُ الثَّانِي فِي أَقْسَامِهِ.
وَهِيَ كَثِيرَةٌ:.
الْأَوَّلُ: الِالْتِفَاتُ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْخِطَابِ.
وَوَجْهُهُ حَثُّ السَّامِعِ وَبَعْثُهُ عَلَى الِاسْتِمَاعِ حَيْثُ أَقْبَلَ الْمُتَكَلِّمُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ أَعْطَاهُ فضل عنايةوتخصيص بِالْمُوَاجَهَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإليه ترجعون﴾ ، الْأَصْلُ: "وَإِلَيْهِ أَرْجِعُ" فَالْتَفَتَ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْخِطَابِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ فِي مَعْرِضِ مُنَاصَحَتِهِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ يُرِيدُ نُصْحَ قَوْمِهِ تَلَطُّفًا وإعلاما أنه يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ فِي مَقَامِ تَخْوِيفِهِمْ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْمَهُ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ عِبَادَتَهُ لِلَّهِ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَعَهُمْ بِحَسْبِ حَالِهِمْ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ يَقْبُحُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَعْبُدُ فَاطِرَهُ وَمُبْدِعَهُ ثم حذرهم بقوله: ﴿وإليه ترجعون﴾ .
لِذَا جَعَلُوهُ مِنَ الِالْتِفَاتِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْهُ إِذَا كَانَ الْقَصْدُ الْإِخْبَارَ عَنْ نَفْسِهِ فِي كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ الخاطبين وَلَمْ يُرِدْ نَفْسَهُ وَيُؤَيِّدْهُ ضَمِيرُ الْجَمْعِ وَلَوْ أراد نفسه لقال: [نرجع] .
стр. 1339
وَأَيْضًا فَشَرْطُ الِالْتِفَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي جُمْلَتَيْنِ و [فطرني] [وإليه تُرْجَعُونَ] كَلَامٌ وَاحِدٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ المراد بقوله: [ترجعون] ظَاهِرَهُ لَمَا صَحَّ الِاسْتِفْهَامُ الْإِنْكَارِيُّ، لِأَنَّ رُجُوعَ العبد إلى مولاه ليس بمعنى أن يعبده غَيْرَ ذَلِكَ الرَّاجِعِ فَالْمَعْنَى: كَيْفَ أَعْبُدُ مَنْ إِلَيْهِ رُجُوعِي وَإِنَّمَا تُرِكَ [وَإِلَيْهِ أَرْجِعُ] إِلَى [وإليه ترجعون] لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِمْ.
وَمَعَ ذَلِكَ أَفَادَ فَائِدَةً حَسَنَةً وَهِيَ أَنَّهُ نَبَّهَهُمْ أَنَّهُمْ مِثْلُهُ فِي وُجُوبِ عِبَادَةِ مَنْ إِلَيْهِ الرُّجُوعُ فَعَلَى هَذَا الْوَاوُ لِلْحَالِ وَعَلَى الْأَوَّلِ وَاوُ الْعَطْفِ.
وَمِنْهُ قوله: ﴿رحمة من ربك﴾ عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿رحمة من ربك﴾ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِأَنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَقْتَضِي رَحْمَتَهُ وَأَنَّهُ رَحِيمٌ بِعَبْدِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنْ رزق ربكم﴾ .
وقوله: ﴿ادعوا ربكم﴾ ﴿واعبدوا ربكم﴾ وَهُوَ كَثِيرٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مبينا ليغفر لك الله﴾ وَلَمْ يَقُلْ: [لِنَغْفِرَ لَكَ] تَعْلِيقًا لِهَذِهِ الْمَغْفِرَةِ التَّامَّةِ بِاسْمِهِ الْمُتَضَمِّنِ لِسَائِرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَلِهَذَا عَلَّقَ بِهِ النَّصْرَ فَقَالَ: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عزيزا﴾ .
الثَّانِي: مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ.
وَوَجْهُهُ أَنْ يَفْهَمَ السَّامِعُ أَنَّ هَذَا نَمَطُ الْمُتَكَلِّمِ وَقَصْدُهُ مِنَ السَّامِعِ حَضَرَ أَوْ غَابَ،.
стр. 1340
وَأَنَّهُ فِي كَلَامِهِ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَلَوَّنُ وَيَتَوَجَّهُ فَيَكُونُ فِي الْمُضْمَرِ وَنَحْوِهِ ذَا لَوْنَيْنِ وَأَرَادَ بِالِانْتِقَالِ إِلَى الْغَيْبَةِ الْإِبْقَاءَ عَلَى الْمُخَاطَبِ مِنْ قَرْعِهِ فِي الْوَجْهِ بِسِهَامِ الْهَجْرِ فَالْغِيبَةُ أَرْوَحُ لَهُ وَأَبْقَى عَلَى مَاءِ وَجْهِهِ أَنْ يَفُوتَ كقوله: ﴿إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: [لَنَا] تَحْرِيضًا عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ لِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العليم﴾ .
وقوله: ﴿يا أيها النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ إِلَى قوله: ﴿فآمنوا بالله ورسوله﴾ ولم يقل: [بي] .و.
له فَائِدَتَانِ:.
إِحْدَاهُمَا: دَفْعُ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْعَصَبِيَّةِ لَهَا، وَالثَّانِي: تَنْبِيهُهُمْ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ الِاتِّبَاعَ بِمَا اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْأُمِّيَّةِ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى صِدْقِهِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الِاتِّبَاعَ لِذَاتِهِ بَلْ لِهَذِهِ الْخَصَائِصِ.
الثَّالِثُ: مِنَ الْخِطَابِ إِلَى التَّكَلُّمِ.
كَقَوْلِهِ: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا﴾ ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالِالْتِفَاتِ وَاحِدًا فَأَمَّا مَنِ اشْتَرَطَهُ فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُمَثِّلَ بِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُمَثِّلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ نَزَّلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الْمُخَاطَبِ.
стр. 1341
الرَّابِعُ: مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فقد التفت عن ﴿كنتم﴾ إلى ﴿جرين بهم﴾ وَفَائِدَةُ الْعُدُولِ عَنْ خِطَابِهِمْ إِلَى حِكَايَةِ حَالِهِمْ لِغَيْرِهِمْ لِتَعَجُّبِهِ مِنْ فِعْلِهِمْ وَكُفْرِهِمْ إِذْ لَوِ استمر علىخطابهم لَفَاتَتْ تِلْكَ الْفَائِدَةُ.
وَقِيلَ: لِأَنَّ الْخِطَابَ أَوَّلًا كَانَ مَعَ النَّاسِ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾ فَلَوْ قَالَ: [وَجَرَيْنَ بِكُمْ] لَلَزِمَ الذَّمُّ لِلْجَمِيعِ فَالْتَفَتَ عَنِ الْأَوَّلِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الِاخْتِصَاصِ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ شَأْنُهُمْ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُمْ فِي آخِرِ الْآيَةِ فَعَدَلَ عَنِ الْخِطَابِ الْعَامِّ إِلَى الذَّمِّ الْخَاصِّ بِبَعْضِهِمْ وَهُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عنهم.
وقيل: لأنهم وقت الركوب حصروا لِأَنَّهُمْ خَافُوا الْهَلَاكَ وَتَقَلُّبَ الرِّيَاحِ فَنَادَاهُمْ نِدَاءَ الْحَاضِرِينَ ثُمَّ إِنَّ الرِّيَاحَ لَمَّا جَرَتْ بِمَا تَشْتَهِي النُّفُوسُ وَأَمِنَتِ الْهَلَاكَ لَمْ يَبْقَ حُضُورُهُمْ كَمَا كَانَ عَلَى مَا هِيَ عَادَةُ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ إِذَا أَمِنَ غَابَ فَلَمَّا غَابُوا عِنْدَ جريه بريح طيبة فكرهم الله بصيغة الغيبة فقال: ﴿وجرين بهم﴾ .
وقوله: ﴿ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ فَانْتَقَلَ عَنِ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ وَلَوْ رُبِطَ بِمَا قَبْلَهُ لَقَالَ:" يُطَافُ عَلَيْكُمْ" لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ لَا مُخْبَرٌ ثُمَّ التفت فقال: ﴿وأنتم فيها خالدون﴾ فَكَرَّرَ الِالْتِفَاتَ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ .
стр. 1342
وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الراشدون﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم﴾ وَالْأَصْلُ [فَقَطَّعْتُمْ] عَطْفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ لَكِنْ عَدَلَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ فَقِيلَ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ نَعَى عَلَيْهِمْ مَا أَفْسَدُوهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ وَوَبَّخَهُمْ عَلَيْهِ قَائِلًا: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى عَظِيمِ مَا ارْتَكَبَ هَؤُلَاءِ في دين الله لم!.
وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما قلى﴾ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ فَلَا الْتِفَاتَ.
الْخَامِسُ: مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ.
كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ .
﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدنيا﴾ .
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدا﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فسقناه﴾ وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ.
стр. 1343
سَوْقُ السَّحَابِ إِلَى الْبَلَدِ إِحْيَاءً لِلْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا بِالْمَطَرِ دَالًّا عَلَى الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ وَالْآيَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ لِأَنَّهُ أَدْخَلُ فِي الِاخْتِصَاصِ وَأَدَلُّ عَلَيْهِ وَأَفْخَمُ.
وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْأَقْوَالَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الآية منها ما أخبر به سبحانه بسببه وهو سوق السحاب فإنه يسوق الرِّيَاحِ فَتَسُوقُهُ الْمَلَائِكَةُ بِأَمْرِهِ وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ بِهِ بِوَاسِطَةِ إِنْزَالِهِ وَسَائِرُ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا حُكْمُهُ وَعِلْمُهُ. وَعَادَتُهُ سُبْحَانَهُ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ أَنْ يُخْبِرَ بِهَا بِنُونِ التَّعْظِيمِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ لَهُ جُنْدًا وَخَلْقًا قَدْ سَخَّرَهُمْ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أَيْ إِذَا قَرَأَهُ رَسُولُنَا جِبْرِيلُ. وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ .
وأما إرسال السحاب فهو سحاب يَأْذَنُ فِي إِرْسَالِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ سَبَبًا بِخِلَافِ سَوْقِ السَّحَابِ وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ فَإِنَّهُ قَدْ ذكر أسبابه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مختلفا ألوانها﴾ ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ .
وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ: فِي سُورَةِ طه: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا من نبات شتى﴾ : وَزَعَمَ الْجُرْجَانِيُّ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْتِفَاتًا وجعل قوله: ﴿وأنزل من السماء ماء﴾ آخِرَ كَلَامِ مُوسَى ثُمَّ ابْتَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَوْصَافِهِ لِمُعَالَجَتِهَا.
وَأَشَارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إِلَى أَنَّ فَائِدَةَ الِالْتِفَاتِ إِلَى التَّكَلُّمِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ التَّنْبِيهُ عَلَى.
стр. 1344
التَّخْصِيصِ بِالْقُدْرَةِ وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ واحد وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ إِنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى حِكَايَةِ الْحَالِ وَاسْتِحْضَارِ تِلْكَ الصُّورَةِ الْبَدِيعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقُدْرَةِ. وَكَذَا يَفْعَلُونَ لِكُلِّ فِعْلٍ فِيهِ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَخُصُوصِيَّةٍ بِحَالٍ تُسْتَغْرَبُ أَوْ تُهِمُّ المخاطب وإنما قال: ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ لِإِفَادَةِ بَقَاءِ الْمَطَرِ زَمَانًا بَعْدَ زَمَانٍ.
وَمِثْلُهُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ ، عَدَلَ عَنِ الْغَيْبَةِ فِي [قَضَاهُنَّ] وَ [سَوَّاهُنَّ] إلى التكلم في قوله: ﴿وزينا﴾ ، فَقِيلَ لِلِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ وَالْإِخْبَارِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ جَعَلَ الْكَوْكَبَ زِينَةَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَحِفْظًا تَكْذِيبًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتِ الْأَفْعَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَوْعَيْنِ:.
أَحَدُهُمَا: وَجْهُ الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِوُقُوعِهِ فِي الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ خَلْقُ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ وَجَعْلُ الرَّوَاسِي مِنْ فَوْقِهَا وَإِلْقَاءُ الْبَرَكَةِ فِيهَا وَتَقْدِيرُ الْأَقْوَاتِ فِي تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَأَنَّهُ أَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا سَبْعًا فِي يَوْمَيْنِ فَأَتَى فِي هَذَا النَّوْعِ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ عَطْفًا عَلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أإنكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رواسي﴾ إلى قوله: ﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ الْآيَةَ.
وَالثَّانِي: قُصِدَ بِهِ الْإِخْبَارُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مُدَّةِ خَلْقِهِ وَهُوَ تَزْيِينُ سَمَاءِ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعْلُهَا حِفْظًا فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بَيَانَ مُدَّةِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّ نَوْعَ الْأَوَّلِ يَتَضَمَّنُ إِيجَادًا لِهَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الْعَظِيمَةِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ آثَارِ قُدْرَتِهِ. وَأَمَّا تَزْيِينُ.
стр. 1345
السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِالْمَصَابِيحِ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ مُدَّةِ خَلْقِ النُّجُومِ فَالْتَفَتَ مِنَ الْغَيْبَةِ إلى التكلم فقال: ﴿زينا﴾ .
فائدة في تكرار الالتفات في موضع واحد
وَقَدْ تَكَرَّرَ الِالْتِفَاتُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، فَانْتَقَلَ عَنِ الْغَيْبَةِ فِي قوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ ، إلى التكلم في قوله: ﴿باركنا حوله﴾ ثُمَّ عَنِ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ليريه﴾ بِالْيَاءِ عَلَى قِرَاءَةِ الْحَسَنِ ثُمَّ عَنِ الْغَيْبَةِ إلى التكلم في قوله: ﴿آياتنا﴾ ثُمَّ عَنِ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إنه هو السميع البصير﴾ .
وَكَذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ فَإِنَّ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى قوله: ﴿مالك يوم الدين﴾ أُسْلُوبُ غَيْبَةٍ ثُمَّ الْتَفَتَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإياك نستعين﴾ إِلَى أُسْلُوبِ خِطَابٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْغَيْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهم﴾ وَلَمْ يَقُلِ [الَّذِينَ غَضِبْتَ] كَمَا قَالَ: ﴿أَنْعَمْتَ عليهم﴾ .
السَّادِسُ: مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ.
كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ ولم يقل:.
стр. 1346
[لَقَدْ جَاءُوا] لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ مثل قولهم ينبغي أن يكون موبخا علهي مُنْكَرًا عَلَيْهِ قَوْلُهُ كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ بِهِ قَوْمًا حَاضِرِينَ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمر﴾ ثم قال: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كان لكم جزاء﴾ .
وقوله: ﴿فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا ما كنزتم﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ من دون المؤمنين﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نمكن لكم﴾ .
وقوله حكاية عن الخليل: ﴿وإبراهيم إذ قال لقومه اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كنتم.
стр. 1347
تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وتخلقون إفكا﴾ إلى قوله: ﴿فما كان جواب قومه﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جميعا﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فانسلخ منها﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح..﴾ الآية.
وجعل بعضهم منه قوله تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ، وهو عجيب لأن [الذين] موصول لفظه للغيبة وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَائِدٍ وَهُوَ الضَّمِيرُ فِي [آمِنُوا] فَكَيْفَ يَعُودُ ضَمِيرُ مُخَاطَبٍ عَلَى غَائِبٍ! فَهَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ.
وَقَوْلَهُ: ﴿مَالِكِ يوم الدين إياك نعبد﴾ ، فقد التفت عن الغيبة وهو [مالك] إلى الخطاب وهو [إياك نعبد] .
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ كَانَ التَّقْدِيرُ: قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ فَفِيهِ الْتِفَاتَانِ - أَعْنِي فِي الْكَلَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ:.
أَحَدُهُمَا: فِي لَفْظِ الْجَلَالَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَاضِرٌ فَأَصْلُهُ الْحَمْدُ لَكَ.
وَالثَّانِي: [إياك] لِمَجِيئِهِ عَلَى خِلَافِ الْأُسْلُوبِ السَّابِقِ وَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ: [قُولُوا] كَانَ فِي [الْحَمْدُ لِلَّهِ] الْتِفَاتٌ عَنِ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَمَدَ نَفْسَهُ وَلَا يَكُونُ فِي ﴿إِيَّاكَ
стр. 1348
نعبد﴾ الْتِفَاتٌ لِأَنَّ [قُولُوا] مُقَدَّرَةٌ مَعَهَا قَطْعًا فَإِمَّا أن يكون في الآية التفات أَوْ لَا الْتِفَاتَ بِالْكُلِّيَّةِ.
السَّابِعُ: بِنَاءُ الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ بَعْدَ خِطَابِ فَاعِلِهِ أَوْ تَكَلُّمِهِ.
فَيَكُونُ الْتِفَاتًا عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بعد ﴿أنعمت﴾ فَإِنَّ الْمَعْنَى: غَيْرِ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ. ذَكَرَهُ التَّنُوخِيُّ فِي "الْأَقْصَى الْقَرِيبِ" وَالْخَفَاجِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ وَغَيْرُهُمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى رَأْيِ السَّكَّاكِيِّ تَجِيءُ الْأَقْسَامُ السِّتَّةُ فِي الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وَهُوَ الِانْتِقَالُ التقديري.
وزعم صحاب "ضَوْءِ الْمِصْبَاحِ" أَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنْهَا إِلَّا وَضْعُ الْخِطَابِ وَالْغَيْبَةِ مَوْضِعَ التَّكَلُّمِ وَوَضْعُ التَّكَلُّمِ مَوْضِعَ الْخِطَابِ وَمَثَّلَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا لِيَ لا أعبد الذي فطرني﴾ ، مَكَانَ [وَمَا لَكُمْ لَا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكُمْ] .
وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِنَ الِالْتِفَاتِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُوفُونَ بعهدهم﴾ ثم قال: ﴿والصابرين في البأساء والضراء﴾ ، وقوله: ﴿المقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة﴾ .
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: فِي أَسْبَابِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ لِلِالْتِفَاتِ فَوَائِدُ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ فَمِنَ الْعَامَّةِ التَّفَنُّنُ وَالِانْتِقَالُ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى آخَرَ.
стр. 1349
لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَنْشِيطِ السَّامِعِ وَاسْتِجْلَابِ صفائه واتساع مجاري الكلام وتسهيل لوزن وَالْقَافِيَةِ.
وَقَالَ الْبَيَانِيُّونَ: إِنَّ الْكَلَامَ إِذَا جَاءَ عَلَى أُسْلُوبٍ وَاحِدٍ وَطَالَ حَسُنَ تَغْيِيرُ الطَّرِيقَةِ.
ونازعهم القاضي شمس الدين بن الجوزي وَقَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُجَرَّدَ هَذَا لَا يَكْفِي فِي الْمُنَاسَبَةِ فَإِنَّا رَأَيْنَا كَلَامًا أَطْوَلَ فِي هَذَا وَالْأُسْلُوبُ مَحْفُوظٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات..﴾ إِلَى أَنْ ذَكَرَ عَشَرَةَ أَصْنَافٍ وَخَتَمَ بِـ ﴿الذاكرين الله كثيرا والذاكرات﴾ ، وَلَمْ يُغَيِّرِ الْأُسْلُوبَ وَإِنَّمَا الْمُنَاسَبَةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ كَثِيرُ التَّقَلُّبِ وَقَلْبُهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرحمن ويقلبه كَيْفَ يَشَاءُ فَإِنَّهُ يَكُونُ غَائِبًا فَيَحْضُرُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَآخَرُ يَكُونُ حَاضِرًا فَيَغِيبُ فَاللَّهُ تَعَالَى لما قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ تَنَبَّهَ السَّامِعُ وَحَضَرَ قَلْبُهُ فَقَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإياك نستعين﴾ .
وَأَمَّا الْخَاصَّةُ فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَالِّهِ وَمَوَاقِعِ الْكَلَامِ فِيهِ عَلَى مَا يَقْصِدُهُ الْمُتَكَلِّمُ.
فَمِنْهَا: قَصْدُ تَعْظِيمِ شَأْنِ الْمُخَاطَبِ، كَمَا فِي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين﴾ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا افْتَتَحَ حَمْدَ مَوْلَاهُ بِقَوْلِهِ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] الدَّالِّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحَمْدِ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ التَّحَرُّكَ لِلْإِقْبَالِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَإِذَا انتقل إلى قوله: ﴿رب العالمين﴾ الدَّالِّ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ لِجَمِيعِهِمْ قَوِيَ تَحَرُّكُهُ فَإِذَا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ مُنْعِمٌ بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا تَزَايَدَ التَّحَرُّكُ عِنْدَهُ فَإِذَا وَصَلَ لِـ ﴿مالك يوم الدين﴾ وهو خاتمة الصافات الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَالِكُ الْأَمْرِ يَوْمَ الْجَزَاءِ فَيَتَأَهَّبُ قُرْبَهُ وَتَيَقَّنَ الْإِقْبَالُ عَلَيْهِ بِتَخْصِيصِهِ بِغَايَةِ الْخُضُوعِ وَالِاسْتِعَانَةِ فِي الْمُهِمَّاتِ.
стр. 1350
وَقِيلَ: إِنَّمَا اخْتِيرَ لِلْحَمْدِ لَفْظُ الْغَيْبَةِ وَلِلْعِبَادَةِ الْخِطَابُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْحَمْدَ دُونَ الْعِبَادَةِ فِي الرُّتْبَةِ فَإِنَّكَ تَحْمَدُ نَظِيرَكَ وَلَا تَعْبُدُهُ إِذِ الْإِنْسَانُ يَحْمَدُ مَنْ لَا يَعْبُدُهُ وَلَا يَعْبُدُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ اسْتُعْمِلْ لَفْظُ الْحَمْدِ لِتَوَسُّطِهِ مَعَ الْغَيْبَةِ فِي الْخَبَرِ فَقَالَ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] وَلَمْ يَقُلْ: [الْحَمْدُ لَكَ] وَلَفْظُ الْعِبَادَةِ مَعَ الْخِطَابِ فَقَالَ: ﴿إِيَّاكَ نعبد﴾ لينسب إلى العظيم حال المخاطبة والمواجهة على مَا هُوَ أَعْلَى رُتْبَةً وَذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّأَدُّبِ. وَعَلَى نَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ جَاءَ آخِرُ السورة فقال: ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ مُصَرِّحًا بِذِكْرِ الْمُنْعِمِ وَإِسْنَادِ الْإِنْعَامِ إِلَيْهِ لَفْظًا ولم يقل: [صراط المنعم علهيم] فَلَمَّا صَارَ إِلَى ذِكْرِ الْغَضَبِ رَوَى عَنْهُ لَفْظَ الْغَضَبِ فِي النِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَفْظًا وَجَاءَ بِاللَّفْظِ مُتَحَرِّفًا عَنْ ذِكْرِ الْغَاضِبِ فَلَمْ يَقُلْ غَيْرِ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ تَفَادِيًا عَنْ نِسْبَةِ الْغَضَبِ فِي اللَّفْظِ حَالَ الْمُوَاجَهَةِ.
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ ، فَإِنَّ التَّأَدُّبَ فِي الْغَيْبَةِ دُونَ الْخِطَابِ.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْحَقِيقَ بِالْحَمْدِ وَأَجْرَى عَلَيْهِ بالصفات الْعَظِيمَةِ مِنْ كَوْنِهِ رَبًّا لِلْعَالَمِينَ وَرَحْمَانًا وَرَحِيمًا وَمَالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِمَعْلُومٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ حَقِيقٍ بِأَنْ يَكُونَ مَعْبُودًا دُونَ غَيْرِهِ مُسْتَعَانًا بِهِ فَخُوطِبَ بِذَلِكَ لِتَمَيُّزِهِ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ كُلِّهِ حَتَّى كَأَنَّهُ قِيلَ إِيَّاكَ يَا مَنْ هَذِهِ صِفَاتُهُ نَخُصُّ بِالْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ لا غيرك.
قيل: ومن لطائف التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مُبْتَدَأَ الْخَلْقِ الْغَيْبَةُ مِنْهُمْ عَنْهُ سُبْحَانَهُ وَقُصُورُهُمْ عَنْ مُحَاضَرَتِهِ وَمُخَاطَبَتِهِ وَقِيَامُ حِجَابِ الْعَظَمَةِ عَلَيْهِمْ فَإِذَا عَرَفُوهُ بِمَا هُوَ لَهُ وَتَوَسَّلُوا لِلْقُرْبِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَأَقَرُّوا بِالْمَحَامِدِ لَهُ وَتَعَبَّدُوا لَهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِمْ تَأَهَّلُوا لِمُخَاطَبَاتِهِ وَمُنَاجَاتِهِ فَقَالُوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
стр. 1351
وَفِيهِ أَنَّهُمْ يُبْدُونَ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ دُعَاءٍ لَهُ سُبْحَانَهُ وَمُنَاجَاةٍ لَهُ صِفَاتِ عَظَمَتِهِ لِمُخَاطَبَتِهِ عَلَى الْأَدَبِ وَالتَّعْظِيمِ لَا عَنِ الْغَفْلَةِ وَالْإِغْفَالِ ولا عن اللعب والاستخفاف كما يَدْعُو بِلَا نِيَّةٍ أَوْ عَلَى تَلَعُّبٍ وَغَفْلَةٍ وَهُمْ كَثِيرٌ.
وَمِنْهُ أَنَّ مُنَاجَاتَهُ لَا تَصْعَدُ إلا إذا تطهر مِنْ أَدْنَاسِ الْجَهَالَةِ بِهِ كَمَا لَا تَسْجُدُ الْأَعْضَاءُ إِلَّا بَعْدَ التَّطْهِيرِ مِنْ حَدَثِ الْأَجْسَامِ وَلِذَلِكَ قُدِّمَتِ الِاسْتِعَاذَةُ عَلَى الْقُرْآنِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرسول﴾ ولم يقل:" واستغفرت لهم " [وعدل عنه إلى طريق الالتفات] لِأَنَّ فِي هَذَا الِالْتِفَاتِ بَيَانَ تَعْظِيمِ اسْتِغْفَارِهِ وَأَنَّ شَفَاعَةَ مَنِ اسْمُهُ الرَّسُولُ بِمَكَانٍ.
وَمِنْهَا: التَّنْبِيهُ عَلَى مَا حَقُّ الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ وَارِدًا عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإليه ترجعون﴾ ، أَصْلُ الْكَلَامِ: [وَمَا لَكَمَ لَا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكُمْ] وَلَكِنَّهُ أَبْرَزَ الْكَلَامَ فِي مَعْرِضِ الْمُنَاصَحَةِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ يُرِيدُ مُنَاصَحَتَهُمْ لِيَتَلَطَّفَ بِهِمْ وَيُرِيَهُمْ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ لَهُمْ إِلَّا مَا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لَمَّا انْقَضَى غَرَضُهُ مِنْ ذَلِكَ قال: ﴿وإليه ترجعون﴾ لِيَدُلَّ عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَصْلِ الْكَلَامِ وَمُقْتَضِيًا لَهُ ثُمَّ سَاقَهُ هَذَا الْمَسَاقَ إِلَى أن قال: ﴿إني آمنت بربكم فاسمعون﴾ .
ومنها: أن يكون الغرض به التَّتْمِيمَ لِمَعْنًى مَقْصُودٍ لِلْمُتَكَلِّمِ، فَيَأْتِي بِهِ مُحَافَظَةً على تتميم.
стр. 1352
مَا قَصَدَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ ربك إنه هو السميع العليم﴾ ، أصل الكلام: [إنا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنَّا] وَلَكِنَّهُ وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ لِلْإِنْذَارِ بِأَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ لِلْمَرْبُوبِينَ لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ أَوْ لِتَخْصِيصِ النَّبِيِّ ﷺ بِالذِّكْرِ أَوِ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْكِتَابَ إِنَّمَا هُوَ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ثُمَّ الْتَفَتَ بِإِعَادَةِ الضَّمِيرِ إِلَى الرَّبِّ الْمَوْضُوعِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ لِلْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْ تَتْمِيمِ الْمَعْنَى.
وَمِنْهَا: قَصْدُ الْمُبَالَغَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ كأنه يذكرلغيرهم حَالَهُمْ لِيَتَعَجَّبَ مِنْهَا وَيَسْتَدْعِيَ مِنْهُ الْإِنْكَارَ وَالتَّقْبِيحَ لَهَا إِشَارَةً مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ إِلَى أَنَّ مَا يَعْتَمِدُونَهُ بَعْدَ الْإِنْجَاءِ مِنَ الْبَغْيِ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ مِمَّا يُنْكَرُ وَيُقَبِّحُ.
وَمِنْهَا: قَصْدُ الدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بلد ميت فأحيينا به﴾ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ سَوْقُ السَّحَابِ إِلَى الْبَلَدِ الْمَيِّتِ وَإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا بِالْمَطَرِ دَالًّا عَلَى الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ لأنه أدخل في الاختصاص وأدل عليه: [سُقْنَا] وَ [أَحْيَيْنَا] .
стр. 1353
وَمِنْهَا: قَصْدُ الِاهْتِمَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم﴾ فَعَدَلَ عَنِ الْغَيْبَةِ فِي [قَضَاهُنَّ] وَ [أَوْحَى] إِلَى التَّكَلُّمِ فِي [وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا] لِلِاهْتِمَامِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْكَوَاكِبَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا لِلزِّينَةِ وَالْحِفْظِ وَذَلِكَ لِأَنَّ طَائِفَةً اعْتَقَدَتْ فِي النُّجُومِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا وَأَنَّهَا لَيْسَتْ حِفْظًا وَلَا رُجُومًا فَعَدَلَ إِلَى التَّكَلُّمِ وَالْإِخْبَارِ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُهِمًّا مِنْ مُهِمَّاتِ الِاعْتِقَادِ وَلِتَكْذِيبِ الْفِرْقَةِ الْمُعْتَقِدَةِ بُطْلَانَهُ.
وَمِنْهَا: قَصْدُ التَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ ، عَدَلَ عَنِ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ قَائِلَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُوَبَّخًا وَمُنْكَرًا عَلَيْهِ وَلَمَّا أَرَادَ تَوْبِيخَهُمْ عَلَى هَذَا أَخْبَرَ عَنْهُ بِالْحُضُورِ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ لِأَنَّ تَوْبِيخَ الْحَاضِرِ أَبْلَغُ فِي الْإِهَانَةِ لَهُ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ، قال: ﴿تقطعوا أمرهم بينهم﴾ دُونَ [تَقَطَّعْتُمْ أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ] ، كَأَنَّهُ يَنْعِي عَلَيْهِمْ مَا أَفْسَدُوهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ وَيُقَبِّحُ عِنْدَهُمْ مَا فَعَلُوهُ وَيُوَبِّخُهُمْ عَلَيْهِ قَائِلًا أَلَا تَرَوْنَ إِلَى عَظِيمِ مَا ارْتَكَبَ هَؤُلَاءِ فِي دِينِ اللَّهِ فَجَعَلُوا أَمْرَ دِينِهِمْ به قطعا تمثيلا لأخلاقهم في الدين.
стр. 1354
فَائِدَةٌ.
اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يخلف الميعاد﴾ بَعْدَ ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا ريب فيه﴾ .
فَقِيلَ: إِنَّ الْكَلَامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَا ريب فيه﴾ وهذا الذي بعده من مقولا لله تَصْدِيقًا لَهُمْ.
وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِهِمُ الْأَوَّلِ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إلى الغيبة كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ .
فإن قلت: قد قال فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنك لا تخلف الميعاد﴾ ، فَلِمَ عَدَلَ عَنِ الْخِطَابِ هُنَا قُلْتُ إِنَّمَا جَاءَ الِالْتِفَاتُ فِي صَدْرِ السُّورَةِ لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِيهِ فَإِنَّ الْإِلَهِيَّةَ تَقْتَضِي الْخَيْرَ وَالشَّرَّ لِتُنْصِفَ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ فَكَانَ الْعُدُولُ إِلَى ذِكْرِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ أَوْلَى. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آخر السورة: ﴿إنك لا تخلف الميعاد﴾ ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ مَقَامُ الطَّلَبِ لِلْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ وَأَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْعُدُولَ عَنِ الْأَصْلِ الْمُسْتَمِرِّ.
الْبَحْثُ الرَّابِعُ: فِي شَرْطِهِ.
تَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ الِالْتِفَاتِ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ عَائِدًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إِلَى الْمُنْتَقَلِ عَنْهُ وَشَرْطُهُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فِي جُمْلَتَيْنِ أَيْ كَلَامَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ حَتَّى يَمْتَنِعَ بين الشرط وجوابه.
стр. 1355
وفي هذا الشرط نظره فَقَدْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مَوَاضِعُ الِالْتِفَاتُ فِيهَا وَقَعَ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ ، بعد قوله: ﴿إنا أحللنا لك﴾ التَّقْدِيرُ إِنْ وَهَبَتِ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنَّا أحللنا لك وَجُمْلَتَا الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَلَامٌ وَاحِدٌ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بالله ورسوله﴾ وَفِيهِ الْتِفَاتَانِ: أَحَدُهُمَا بَيْنَ [أَرْسَلْنَا] وَالْجَلَالَةِ، وَالثَّانِي بين الكاف في [أرسلناك] [ورسوله] وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ.
وَقَوْلِهِ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بالله﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جزاء موفورا﴾ ، وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ [جَزَاؤُكُمْ] يَعُودُ عَلَى [التَّابِعِينَ] عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ ، عَلَى قِرَاءَةِ الْيَاءِ.
стр. 1356
وقوله: ﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾ ، قَالَ التَّنُوخِيُّ فِي" الْأَقْصَى الْقَرِيبِ ": الْوَاوُ لِلْحَالِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإليه ترجعون﴾ .
الْبَحْثُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ يَقْرُبُ مِنَ الِالْتِفَاتِ نَقْلُ الْكَلَامِ إِلَى غَيْرِهِ.
وَإِنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا ابْتُلِيَ الْعَاقِلُ بِخَصْمٍ جَاهِلٍ مُتَعَصِّبٍ فَيَجِبُ أَنْ يَقْطَعَ الْكَلَامَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ خَوْضُهُ مَعَهُ أَكْثَرَ كَانَ بُعْدُهُ عَنِ الْقَبُولِ أَشَدَّ فَالْوَجْهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُقْطَعَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَأَنْ يُؤْخَذَ فِي كَلَامٍ آخَرَ أَجْنَبِيٍّ وَيُطْنَبَ فِيهِ بِحَيْثُ يَنْسَى الْأَوَّلُ فَإِذَا اشْتَغَلَ خَاطِرُهُ بِهِ أَدْرَجَ لَهُ أَثْنَاءَ الْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ مُقَدَّمَةً تُنَاسِبُ ذَلِكَ الْمَطْلَبَ الْأَوَّلَ لِيَتَمَكَّنَ مِنِ انْقِيَادِهِ.
وَهَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ فِي كِتَابِ" دُرَّةِ التَّنْزِيلِ"، وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يقولون واذكر عبدنا داود﴾ ، قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ: [وَاذْكُرْ] لَيْسَ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ بَلْ نَقْلًا لَهُمْ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ وَالْمُقَدَّمَةُ الْمُدْرَجَةُ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وما بينهما باطلا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يُخْرِجُ الْآيَةَ عَنِ الِاتِّصَالِ مَعَ أَنَّ فِي الِاتِّصَالِ وُجُوهًا مَذْكُورَةً فِي موضعها.
стр. 1357
وَأَلْحَقَ بِهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا..﴾ الْآيَةَ، فَهَذَا إِنْكَارٌ مِنْهُمْ لِلْبَعْثِ وَاسْتِبْعَادٌ نَحْوُ الْوَارِدِ فِي سُورَةِ ص، فَأَعْقَبَ ذَلِكَ بِمَا يُشْبِهُ الِالْتِفَاتَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فوقهم كيف بنيناها..﴾ إلى قوله: ﴿وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج﴾ ، فَبَعْدَ الْعُدُولِ عَنْ مُجَاوَبَتِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿ذَلِكَ رجع بعيد﴾ وَذِكْرِ اخْتِلَافِهِمُ الْمُسَبَّبِ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أمر مريج﴾ ، صَرَفَ تَعَالَى الْكَلَامَ إِلَى نَبِيِّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا..﴾ إلى قوله: ﴿وأحيينا به بلدة ميتا﴾ وَذَلِكَ حِكْمَةٌ تُدْرَكُ مُشَاهَدَةً لَا يُمْكِنُهُمُ التَّوَقُّفُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا حُفِظَ عَنْهُمْ إِنْكَارُهُ فَعِنْدَ تَكَرُّرِ هَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ .
وَمِمَّا يَقْرُبُ مِنَ الِالْتِفَاتِ أَيْضًا الِانْتِقَالُ مِنْ خِطَابِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ إِلَى خِطَابٍ آخَرَ وَهُوَ سِتَّةُ أَقْسَامٍ كَمَا سَبَقَ تَقْسِيمُ الِالْتِفَاتِ:.
أَحَدُهَا: الِانْتِقَالُ مِنْ خِطَابِ الْوَاحِدِ لِخِطَابِ الِاثْنَيْنِ، كقوله تعالى: ﴿جئتنا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء في الأرض﴾ .
الثاني: من خطاب الواحد إلىخطاب الجمع: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ .
стр. 1358
الثَّالِثُ: مِنَ الِاثْنَيْنِ إِلَى الْوَاحِدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ ربكما يا موسى﴾ ، ﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ .
الرَّابِعُ: مِنَ الِاثْنَيْنِ إِلَى الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصلاة وبشر المؤمنين﴾ ، وَفِيهِ انْتِقَالٌ آخَرُ مِنَ الْجَمْعِ إِلَى الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ ثَنَّى ثُمَّ جَمَعَ ثُمَّ وَحَّدَ تَوَسُّعًا فِي الْكَلَامِ.
وَحِكْمَةُ التَّثْنِيَةِ أَنَّ مُوسَى وَهَارُونَ هُمَا اللَّذَانِ يُقَرِّرَانِ قَوَاعِدَ النُّبُوَّةِ وَيَحْكُمَانِ فِي الشَّرِيعَةِ فَخَصَّهُمَا بِذَلِكَ ثُمَّ خَاطَبَ الْجَمِيعَ بِاتِّخَاذِ الْبُيُوتِ قِبْلَةً لِلْعِبَادَةِ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَأْمُورُونَ بِهَا ثم قال لموسى وحده: ﴿وبشر المؤمنين﴾ لِأَنَّهُ الرَّسُولُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي إِلَيْهِ الْبِشَارَةُ وَالْإِنْذَارُ.
الْخَامِسُ: مِنَ الْجَمْعِ إِلَى الْوَاحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين﴾ وَقَدْ سَبَقَ حِكْمَتُهُ. وَمِنْ نَظَائِرِهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ ثم قال: ﴿إما يأتينكم مني هدى﴾ ، وَلَمْ يَقُلْ [مِنَّا] مَعَ أَنَّهُ لِلْجَمْعِ أَوْ لِلْوَاحِدِ الْمُعَظِّمِ نَفْسَهُ وَحِكْمَتُهُ الْمُنَاسَبَةُ لِلْوَاقِعِ فَالْهُدَى لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ فَنَاسَبَ الْخَاصَّ لِلْخَاصِّ.
السَّادِسُ: مِنَ الْجَمْعِ إِلَى التَّثْنِيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا﴾ إلى قوله: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ .
السَّابِعُ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ مِنَ الِالْتِفَاتِ تَعْقِيبَ الْكَلَامِ بِجُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مُلَاقِيَةٍ لَهُ فِي الْمَعْنَى عَلَى طَرِيقِ الْمَثَلِ أَوِ الدُّعَاءِ، فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَزَهَقَ الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ والثاني كقوله: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم﴾ .
стр. 1359
الثامن: من الماضي إلى الأمر، كقوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كل مسجد وادعوه﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزور﴾ التَّاسِعُ: مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ إِلَى الْأَمْرِ، تَعْظِيمًا لِحَالِ مَنْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ الْمُسْتَقْبَلُ. وَبِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿يا هود ما جئتنا ببينة﴾ إلى قوله: ﴿بريء مما تشركون﴾ فإنه إنما قال: ﴿أشهد الله﴾ ،و ﴿اشهدوا﴾ وَلَمْ يَقُلْ [وَأُشْهِدُكُمْ] لِيَكُونَ مُوَازِنًا لَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى إِشْهَادِ اللَّهِ عَلَى الْبَرَاءَةِ صَحِيحٌ فِي مَعْنًى يُثْبِتُ التَّوْحِيدَ بِخِلَافِ إِشْهَادِهِمْ فَمَا هُوَ إِلَّا تَهَاوُنٌ بِدِينِهِمْ وَدَلَالَةٌ عَلَى قلة المبالاة به فلذلك عدل عن لفظ الْأَوَّلِ لِاخْتِلَافِ مَا بَيْنَهُمَا وَجِيءَ بِهِ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ مُنْكِرًا اشْهَدْ عَلَيَّ أَنِّي أُحِبُّكَ.
الْعَاشِرُ: مِنَ الْمَاضِي إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ، نَحْوَ: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ﴾ ، ﴿فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير﴾ ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
وَالْحِكْمَةُ فِي هَذِهِ أَنَّ الْكُفْرَ لَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ إِذَا حَصَلَ أَنْ يَسْتَمِرَّ حُكْمُهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَاضِي لِيُفِيدَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ نافيا أَنَّهُ قَدْ مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ وَلَا كَذَلِكَ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ إِنَّمَا ثَبَتَ حَالَ حُصُولِهِ مَعَ أَنَّ فِي الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ إِشْعَارًا بِالتَّكْثِيرِ،.
стр. 1360
فَيُشْعِرُ قَوْلُهُ: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ أَنَّهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِصَدَدِ ذَلِكَ وَلَوْ قَالَ وَصَدُّوا لَأَشْعَرَ بِانْقِطَاعِ صدهم.
الحادي عشر: عكسه، كقوله: ﴿يوم يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ، ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ .
قَالُوا: وَالْفَائِدَةُ فِي الْفِعْلِ الْمَاضِي إِذَا أُخْبِرَ بِهِ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ أَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَعْظَمُ مَوْقِعًا لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ وَالْفَائِدَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِذَا أُخْبِرَ بِهِ عَنِ الْمَاضِي لِتَتَبَيَّنَ هَيْئَةُ الْفِعْلِ بِاسْتِحْضَارِ صُورَتِهِ لِيَكُونَ السَّامِعُ كَأَنَّهُ شَاهِدٌ وَإِنَّمَا عَبَّرَ فِي الْأَمْرِ بِالتَّوْبِيخِ بالماضي بعد قوله: [ينفخ] لِلْإِشْعَارِ بِتَحْقِيقِ الْوُقُوعِ وَثُبُوتِهِ وَأَنَّهُ كَائِنٌ لَا محالة كقوله: ﴿وبرزوا لله جميعا﴾ والمعنى: يبرزون، وإنما قال: [وحشرناهم] بعد [نسير] [وترى] وَهُمَا مُسْتَقْبَلَانِ لِذَلِكَ.
стр. 1361
التَّضْمِينُ.
وَهُوَ إِعْطَاءُ الشَّيْءِ مَعْنَى الشَّيْءِ وَتَارَةً يَكُونُ فِي الْأَسْمَاءِ وَفِي الْأَفْعَالِ وَفِي الْحُرُوفِ فَأَمَّا فِي الْأَسْمَاءِ فَهُوَ أَنْ تُضَمِّنَ اسْمًا مَعْنَى اسْمٍ لِإِفَادَةِ مَعْنَى الِاسْمَيْنِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ضُمِّنَ حَقِيقٌ مَعْنَى حَرِيصٍ لِيُفِيدَ أَنَّهُ مَحْقُوقٌ بِقَوْلِ الْحَقِّ وَحَرِيصٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَأَنْ تُضَمِّنَ فِعْلًا مَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ وَيَكُونَ فِيهِ مَعْنَى الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ يَتَعَدَّى بِحَرْفٍ فَيَأْتِي مُتَعَدِّيًا بِحَرْفٍ آخَرَ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ التَّعَدِّي بِهِ فَيُحْتَاجُ إِمَّا إِلَى تَأْوِيلِهِ أَوْ تَأْوِيلِ الْفِعْلِ لِيَصِحَّ تَعَدِّيهِ بِهِ.
وَاخْتَلَفُوا أَيُّهُمَا أَوْلَى فَذَهَبَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إِلَى أَنَّ التَّوَسُّعَ فِي الْحَرْفِ وَأَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ غَيْرِهِ مِنَ الْحُرُوفِ أَوْلَى.
وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّ التَّوَسُّعَ فِي الْفِعْلِ وَتَعْدِيَتَهُ بِمَا لَا يَتَعَدَّى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى مَا يَتَعَدَّى بِذَلِكَ الْحَرْفِ أَوْلَى لِأَنَّ التَّوَسُّعَ فِي الْأَفْعَالِ أَكْثَرُ.
مِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بها عباد الله﴾ فَضَمَّنَ [يَشْرَبُ] مَعْنَى [يَرْوِي] لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ الْبَاءُ وَإِلَّا فَـ[يَشْرَبُ] يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ فَأُرِيدَ بِاللَّفْظِ الشُّرْبُ وَالرَّيُّ مَعًا فَجَمَعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ.
وَقِيلَ التَّجَوُّزُ فِي الْحَرْفِ وَهُوَ الْبَاءُ فَإِنَّهَا بِمَعْنَى [مِنْ] .
وَقِيلَ لَا مَجَازَ أَصْلًا بَلِ العين هاهنا إِشَارَةٌ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْهُ الْمَاءُ،.
стр. 1362
لَا إِلَى الْمَاءِ نَفْسِهِ نَحْوَ نَزَلْتُ بِعَيْنٍ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: مَكَانًا يُشْرَبُ بِهِ.
وَعَلَى هَذَا: ﴿فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾ ، قَالَهُ الرَّاغِبُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّ فِيهِ الْعُدُولَ عَنْ مُسَمَّاهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَيُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ كقوله: ﴿جدارا يريد أن ينقض﴾ ، فَإِنَّهُ اسْتَعْمَلَ [أَرَادَ] فِي مَعْنَى مُقَارَبَةِ السُّقُوطِ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الْإِرَادَةِ وَإِنَّ مَنْ أَرَادَ شيئا فقد قارب فعلهولم يُرِدْ بِاللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ الَّذِي هُوَ الْإِرَادَةُ أَلْبَتَّةَ. وَالتَّضْمِينُ أَيْضًا مَجَازٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُوضَعْ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَجَازٌ خَاصٌّ يُسَمُّونَهُ بِالتَّضْمِينِ تَفْرِقَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجَازِ الْمُطْلَقِ.
وَمِنَ التَّضْمِينِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: رَفَثْتُ إِلَى الْمَرْأَةِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ بِمَعْنَى الْإِفْضَاءِ سَاغَ ذَلِكَ.
وَهَكَذَا قوله: ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ وَإِنَّمَا يُقَالُ: هَلْ لَكَ فِي كَذَا؟ لَكِنَّ الْمَعْنَى أَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ ، فجاء بـ[من] لِأَنَّهُ ضَمَّنَ التَّوْبَةَ مَعْنَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إذا خلوا إلى شياطينهم﴾ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: خَلَوْتُ بِهِ لَكِنْ ضَمَّنَ [خَلَوْا] مَعْنَى [ذَهَبُوا] [وَانْصَرَفُوا] وَهُوَ مُعَادِلٌ لِقَوْلِهِ لَقُوا وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ [إِلَى] هُنَا بِمَعْنَى [الْبَاءِ] أَوْ بِمَعْنَى [مَعَ] .
وَقَالَ مَكِّيٌّ: إِنَّمَا لَمْ تَأْتِ الْبَاءُ لِأَنَّهُ يُقَالُ خَلَوْتُ بِهِ إِذَا سَخِرْتَ مِنْهُ فَأَتَى بِـ[إِلَى] لِدَفْعِ هَذَا الْوَهْمِ.
стр. 1363
وقوله: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ ، قِيلَ: الصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ أَيْ لألزمن لك صراطك أو لأملكنه لَهُمْ وَ [أَقْعُدُ] وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ ضُمِّنَ مَعْنَى فِعْلٍ مُتَعَدٍّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَعْدُ عيناك عنهم﴾ ، ضمن [تعد] معنى [تنصرف] فعدى بـ[من] قَالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ حَقُّ الْكَلَامِ " لَا تَعْدُ عَيْنَيْكَ عَنْهُمْ " بِالنَّصْبِ لِأَنَّ تَعْدُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ عَدَوْتَ وجاوزت بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَأَنْتَ لَا تَقُولُ: جَاوَزَ فُلَانٌ عَيْنَهُ عَنْ فُلَانٍ وَلَوْ كَانَتِ التِّلَاوَةُ بِنَصْبِ العين لكان اللفظ يتضمنها مَحْمُولًا أَيْضًا عَلَى لَا تَصْرِفْ عَيْنَكَ عَنْهُمْ وإذا كَذَلِكَ فَالَّذِي وَرَدَتْ بِهِ التِّلَاوَةُ مِنْ رَفْعِ الْعَيْنِ يَئُولُ إِلَى مَعْنَى النَّصْبِ فِيهَا إِذْ كان [لا تَعْدُ عَيْنَاكَ] بِمَنْزِلَةِ [لَا تَنْصَرِفْ] وَمَعْنَاهُ لَا تَصْرِفْ عَيْنَكَ عَنْهُمْ فَالْفِعْلُ مُسْنَدٌ إِلَى الْعَيْنِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُوَجَّهٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَالَ: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أموالهم﴾ أَسْنَدَ الْإِعْجَابَ إِلَى الْأَمْوَالِ وَالْمَعْنَى لَا تُعْجَبْ بأموالهم.
وقوله: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ ، ضمن معنى [لتدخلن] أو [لتصيرن] أما قَوْلُ شُعَيْبٍ: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فيها﴾ فَلَيْسَ اعْتِرَافًا بِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ بَلْ مُؤَوَّلٌ عَلَى مَا سَبَقَ وَتَأْوِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ نِسْبَةِ فِعْلِ الْبَعْضِ إِلَى الْجَمَاعَةِ أو قال عَلَى طَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ لِكَلَامِهِمْ وَهَذَا أَحْسَنُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ ضُمِّنَ [لَا تُشْرِكْ] مَعْنَى [لَا تَعْدِلْ] وَالْعَدْلُ: التَّسْوِيَةُ أَيْ لا تسوى به شيئا.
стр. 1364
وقوله: ﴿وأخبتوا إلى ربهم﴾ ضُمِّنَ مَعْنَى [أَنَابُوا] فَعُدِّيَ بِحَرْفِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قلبها﴾ ضمن ﴿لتبدي به﴾ مَعْنَى [تُخْبِرُ بِهِ] أَوْ [لِتُعْلِمَ] لِيُفِيدَ الْإِظْهَارُ مَعْنَى الْإِخْبَارِ لِأَنَّ الْخَبَرَ قَدْ يَقَعُ سِرًّا غَيْرَ ظَاهِرٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مقاما محمودا﴾ جَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَصْبَ ﴿مَقَامًا﴾ عَلَى الظَّرْفِ عَلَى تَضْمِينِ ﴿يَبْعَثُكَ﴾ مَعْنَى يُقِيمُكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وشركاءكم﴾ ، قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَمَنْ قَرَأَ ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بِالْقَطْعِ أَرَادَ فأجمعوا أمركم وشركاءكم كَقَوْلِهِ:
*مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا*
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فزع عن قلوبهم﴾ ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: عَدَّاهُ بِـ[مَنْ] لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى كَشْفِ الْفَزَعِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ ذَلَّ لَهُ لَا عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ هُنَا ضُمِّنَ مَعْنَى التَّعَطُّفِ وَالتَّحَنُّنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ يؤلون من نسائهم﴾ ضمن ﴿يؤلون﴾ معنى [يمتعنون] مِنْ وَطْئِهِنَّ بِالْأَلِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الملأ الأعلى﴾ أَيْ لَا يُصْغُونَ.
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن﴾ أي أنزل.
﴿فيما فرض الله له﴾ أَيْ أَحَلَّ لَهُ.
стр. 1365
﴿ومطهرك من الذين كفروا﴾ أَيْ مُمَيِّزُكَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين﴾ أي لا يرضى.
﴿استقيموا إليه﴾ أَيْ أَنِيبُوا إِلَيْهِ وَارْجِعُوا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أَيْ زَالَ.
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ فَإِنَّهُ يُقَالُ: خَالَفْتُ زَيْدًا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِتَعَدِّيهِ بِالْجَارِّ وَإِنَّمَا جَاءَ مَحْمُولًا عَلَى [يَنْحَرِفُونَ] أَوْ [يَزِيغُونَ] .
وَمِثْلُهُ تَعْدِيَةُ [رَحِيمٍ] بِالْبَاءِ فِي نحو: ﴿وكان بالمؤمنين رحيما﴾ حملا على [رءوف] في نحو: ﴿رؤوف رحيم﴾ أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: رَأَفْتُ بِهِ وَلَا تَقُولُ رَحِمْتُ بِهِ وَلَكِنْ لَمَّا وَافَقَهُ فِي الْمَعْنَى تَنَزَّلَ مَنْزِلَتَهُ فِي التَّعْدِيَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ضُمِّنَ مَعْنَى سَائِلٍ.
﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى الناس﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ضُمِّنَ مَعْنَى [تَحَامَلُوا] فَعَدَّاهُ بِـ[عَلَى] وَالْأَصْلُ فِيهِ مِنْ.
تَنْبِيهَانِ:.
الْأَوَّلُ: الْأَكْثَرُ أَنْ يُرَاعَى فِي التَّعْدِيَةِ مَا ضُمِّنَ مِنْهُ وَهُوَ الْمَحْذُوفُ لَا الْمَذْكُورُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّفَثُ إلى نسائكم﴾ أَيِ الْإِفْضَاءُ.
وَقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ أَيْ يُرْوَى بِهَا وَغَيْرُهُ مِمَّا سَبَقَ.
стр. 1366
وَلَمْ أَجِدْ مُرَاعَاةَ الْمَلْفُوظِ بِهِ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الضَّائِعِ أَنَّهُ ضُمِّنَ [يُقَالُ] مَعْنَى [يُنَادَى] وَ [إِبْرَاهِيمُ] نَائِبٌ عَنِ الْفَاعِلِ وَأَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ كَيْفَ عُدِّيَ بِاللَّامِ وَالنِّدَاءُ لَا يُتَعَدَّى بِهِ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ رُوعِيَ الْمَلْفُوظُ بِهِ وَهُوَ الْقَوْلُ لِأَنَّهُ يُقَالُ: قُلْتُ لَهُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ ، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: كَيْفَ يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ بِالْمُرْضِعِ؟ فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ضُمِّنَ [حَرَّمَ] الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الْمَنْعُ. فَاعْتُرِضَ كَيْفَ عُدِّيَ بِـ[عَلَى] وَالْمَنْعُ لَا يُتَعَدَّى بِهِ فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ رُوعِيَ صُورَةُ اللَّفْظِ.
الثَّانِي: أَنَّ التَّضْمِينَ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ مَا سَبَقَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ:" إِعْجَازِ الْقُرْآنِ" هُوَ حُصُولُ مَعْنًى فِيهِ من غير ذكره لَهُ بِاسْمٍ [أَوْ صِفَةٍ] هِيَ عِبَارَةٌ عَنْهُ ثُمَّ قَسَّمَهُ إِلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يُفْهَمُ مِنَ الْبِنْيَةِ كَقَوْلِكَ مَعْلُومٌ فَإِنَّهُ يُوجِبُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَالِمٍ.
وَالثَّانِي مِنْ مَعْنَى العبارة [من حيث لا يصح إلا به] كَالصِّفَةِ فَضَارِبٌ يَدُلُّ عَلَى مَضْرُوبٍ.
قَالَ: وَالتَّضْمِينُ كُلُّهُ إِيجَازٌ، قَالَ: وَذُكِرَ أَنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم﴾ مِنْ بَابِ التَّضْمِينِ لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ تَعْلِيمَ الِاسْتِفْتَاحِ فِي الْأُمُورِ بِاسْمِهِ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ تَعَالَى أَوِ التَّبَرُّكِ بِاسْمِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ في كتاب:" المعاني المتبدعة " أن التضمين واقع في القرآن خلافا لماأجمع عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَيَانِ وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الصَّافَّاتِ: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأولين لكنا عباد الله المخلصين﴾ .
وَيُطْلَقُ التَّضْمِينُ أَيْضًا عَلَى إِدْرَاجِ كَلَامِ الْغَيْرِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ لِتَأْكِيدِ الْمَعْنَى،.
стр. 1367
أَوْ لِتَرْتِيبِ النَّظْمِ وَيُسَمَّى الْإِبْدَاعَ كَإِبْدَاعِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حِكَايَاتِ أَقْوَالِ الْمَخْلُوقِينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ .
وَمِثْلُ مَا حَكَاهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نحن مصلحون﴾ .
وقوله: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ .
﴿وقالت اليهود﴾ .
﴿وقالت النصارى﴾ . وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.
وَكَذَلِكَ مَا أُودِعَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ اللُّغَاتِ الْأَعْجَمِيَّةِ.
وَيَقْرُبُ مِنَ التَّضْمِينِ فِي إِيقَاعِ فِعْلٍ مَوْقِعَ آخَرَ إِيقَاعُ الظَّنِّ مَوْقِعَ الْيَقِينِ فِي الْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ .
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فئة قليلة﴾ .
﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾ .
﴿وظن داود أنما فتناه﴾ .
﴿وظنوا ما لهم من محيص﴾ .
وَشَرَطَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي ذَلِكَ أَلَّا يَكُونَ مُتَعَلِّقُهُ حِسِّيًّا كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ فِي رَجُلٍ يَرَى حَاضِرًا: أَظُنُّ هَذَا إِنْسَانًا وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْحِسِّ بَعْدُ كالآيات السابقة.
стр. 1368
قَالَ الرَّاغِبُ فِي "الذَّرِيعَةِ": الظَّنُّ إِصَابَةُ الْمَطْلُوبِ بِضَرْبٍ مِنَ الْإِمَارَةِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ يَقِينٍ وَشَكٍّ فَيَقْرُبُ تَارَةً مِنْ طَرَفِ الْيَقِينِ وَتَارَةً مِنْ طَرَفِ الشَّكِّ فَصَارَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُفَسِّرُونَهُ بِهِمَا فَمَتَى رُئِيَ إِلَى طَرَفِ الْيَقِينِ أَقْرَبَ اسْتُعْمِلَ مَعَهُ أَنَّ الْمُثَقَّلَةُ وَالْمُخَفَّفَةُ فِيهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو الله﴾ ﴿وظنوا أنه واقع بهم﴾ .
وَمَتَى رُئِيَ إِلَى الشَّكِّ أَقْرَبَ اسْتُعْمِلَ مَعَهُ أَنْ الَّتِي لِلْمَعْدُومِينَ مِنَ الْفِعْلِ نَحْوَ ظَنَنْتُ أَنْ يَخْرُجَ.
قَالَ: وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ الظَّنُّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو ربهم﴾ لِأَمْرَيْنِ:.
أَحَدُهُمَا: لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ عِلْمَ أَكْثَرِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِهِمْ فِي الْآخِرَةِ كَالظَّنِّ فِي جَنْبِ الْعِلْمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِلْمَ الْحَقِيقِيَّ فِي الدُّنْيَا لَا يَكَادُ يَحْصُلُ إِلَّا لِلنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ الْمَعْنِيِّينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾ وَالظَّنُّ مَتَى كَانَ عَنْ أَمَارَةٍ قَوِيَّةٍ فَإِنَّهُ يُمْدَحُ بِهِ وَمَتَى كَانَ عَنْ تَخْمِينٍ لَمْ يُمْدَحْ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظن إثم﴾ .
وَجَوَّزَ أَبُو الْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَا يَظُنُّ أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْيَقِينُ وَأَنْ تَكُونَ عَلَى بَابِهَا وَهُوَ أَقْوَى فِي الْمَعْنَى أَيْ فَقَدْ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّوَهُّمُ فَكَيْفَ عِنْدَ تَحْقِيقِ الْأَمْرِ فَهَذَا أَبْلَغُ كَقَوْلِهِ: " يَكْفِيكَ مِنْ شَرٍّ سَمَاعُهُ " أَيْ لَوْ تَوَهَّمَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ وَمَا هُنَاكَ مِنْ عِظَمِ الْأَمْرِ وَشِدَّتِهِ لَاجْتَنَبَ الْمَعَاصِيَ فَكَيْفَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْأَمْرِ! وَهَذَا أَبْلَغُ.
وَقِيلَ: آيَتَا الْبَقَرَةِ بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ وَالْبَاقِي بِمَعْنَى الْيَقِينِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاعْتِقَادَ يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ بِخِلَافِ الْيَقِينِ وَإِنِ اشْتَرَكَا جَمِيعًا فِي وُجُوبِ الجزم بهما.
стр. 1369
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ .
وَقَدْ جَاءَ عَكْسُهُ وَهُوَ التَّجَوُّزُ عَنِ الظَّنِّ بِالْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا علمنا﴾ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِلْمًا جَازِمًا بَلِ اعْتِقَادًا ظَنِّيًّا.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وَكَانَ يَحْكُمُ بِالظَّنِّ وَبِالظَّاهِرِ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات﴾ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالِامْتِحَانِ فِي الْحُكْمِ وَوَجْهُ التَّجَوُّزِ أَنَّ بَيْنَ الظَّنِّ وَالْعِلْمِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا وَهُوَ الرُّجْحَانُ فَتَجُوزُ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ.
стр. 1370
وضع الخبر موضع الطلب فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أولادهن﴾ .
﴿والمطلقات يتربصن﴾ .
﴿سلام عليكم﴾ .
﴿اليوم يغفر الله لكم﴾ .
وقوله: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ الْآيَةَ، وَلِهَذَا جَعَلَهَا الْعُلَمَاءُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْوَاجِبِ.
﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ على قراءة نافع أَيْ لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا.
﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابتغاء وجه الله﴾ ، قَالُوا: هُوَ خَبَرٌ وَتَأْوِيلُهُ نَهْيٌ أَيْ لَا تُنْفِقُوا إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا يمسه إلا المطهرون﴾ وكقوله: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ وَقِيلَ إِنَّهُ نَهْيٌ مَجْزُومٌ أعني – قوله: ﴿لا يمسه﴾ - وَلَكِنْ ضُمَّتْ إِتْبَاعًا لِلضَّمِيرِ كَقَوْلِهِ ﷺ : " إِنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ ".
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ ضُمِّنَ ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ مَعْنَى: لَا تَعْبُدُوا، بِدَلِيلِ قوله بعده: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ فِي عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الخبر لكن إن كان حسنا معمولا لأحسنوا فعطف.
следующие страницы →