← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11436

البرهان في علوم القرآن

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 944 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

قِيلَ: وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ حَيْثُ أُفْرِدَ يُقَدَّرُ الْحَذْفُ مُفْرَدًا وَحَيْثُ جُمِعَ يُقَدَّرُ جَمْعًا فَيُقَدَّرُ في قوله: ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ كُلُّ وَاحِدٍ وَيُقَدَّرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين﴾ . كُلُّ نَوْعٍ مِمَّا سَبَقَ لَكَانَ مُوَافِقًا إِذَا أُضِيفَ لَفْظًا إِلَى نَكِرَةٍ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَقْتَضِي أَنَّ تَقْدِيرَهُ وَكُلُّهُمْ أَتَوْهُ وَكِلَا التَّقْدِيرَيْنِ سَائِغٌ وَالْمُرَادُ الْجَمْعُ. وَيَتَعَيَّنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلٌّ في فلك يسبحون﴾ . أَنَّ كُلًّا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْجَمْعِ وَقَدْ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿كل يعمل على شاكلته﴾ كُلُّ أَحَدٍ وَهُوَ يُسَاعِدُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي نِتَاجِ الْفِكْرِ إِذَا قُطِعَتْ كُلٌّ عَنِ الْإِضَافَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهَا جَمْعًا لِأَنَّهَا اسْمٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ تَقُولُ كَلٌّ ذَاهِبُونَ إِذَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ قَوْمٍ وَأَجَابَ عَنْ إِفْرَادِ الْخَبَرِ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ بِأَنَّ فِيهَا قَرِينَةً تَقْتَضِي تَحْسِينَ الْمَعْنَى بِهَذَا اللَّفْظِ دُونَ غَيْرِهِ. أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ فَلِأَنَّ قَبْلَهَا ذِكْرَ فَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مُؤْمِنِينَ وَظَالِمِينَ فَلَوْ جَمَعَهُمْ فِي الْأَخْبَارِ وَقَالَ كَلٌّ يَعْمَلُونَ لَبَطُلَ مَعْنَى الِاخْتِلَافِ وَكَانَ لَفْظُ الْإِفْرَادِ أَدَلَّ عَلَى الْمُرَادِ وَالْمَعْنَى كُلُّ فَرِيقٍ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرسل﴾ فَلِأَنَّهُ ذَكَرَ قُرُونًا وَأُمَمًا وَخَتَمَ ذِكْرَهُمْ بِقَوْمِ تُبَّعٍ فَلَوْ قَالَ كَلٌّ كَذَّبُوا لَعَادَ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ فَكَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ قَوْمِ تُبَّعٍ خَاصَّةً فَلَمَّا قَالَ: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ﴾ عُلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ كَذَّبَ لِأَنَّ إِفْرَادَ الْخَبَرِ عَنْ كُلٍّ حَيْثُ وَقَعَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى

стр. 1822

مسألة وتتصل ما بـ "كل" نحو: ﴿كلما رزقوا منها﴾ . وَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ لَكِنَّهَا نَائِبَةٌ بِصِلَتِهَا عَنْ ظَرْفِ زَمَانٍ كَمَا يَنُوبُ عَنْهُ الْمَصْدَرُ الصَّرِيحُ وَالْمَعْنَى كُلُّ وَقْتٍ. وَهَذِهِ تُسَمَّى مَا الْمَصْدَرِيَّةَ الظَّرْفِيَّةَ أَيِ النَّائِبَةَ عَنِ الظَّرْفِ لَا أَنَّهَا ظَرْفٌ فِي نَفْسِهَا فَـ "كُلٌّ" مِنْ كُلَّمَا مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِإِضَافَتِهِ إِلَى شَيْءٍ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الظَّرْفِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ أَنَّ كُلَّمَا لِلتَّكْرَارِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ مَا لِأَنَّ الظَّرْفِيَّةَ مُرَادٌ بِهَا الْعُمُومُ فَإِذَا قُلْتَ أَصْحَبُكَ مَا ذَرَّ لله شارق فإنما تريد العموم فـ "كل" أَكَّدَتِ الْعُمُومَ الَّذِي أَفَادَتْهُ مَا الظَّرْفِيَّةُ لَا أَنَّ لَفْظَ كُلَّمَا وُضِعَ لِلتَّكْرَارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَإِنَّمَا جَاءَتْ كُلٌّ تَوْكِيدًا لِلْعُمُومِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ مَا الظَّرْفِيَّةِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: إِنَّ التَّكْرَارَ مِنْ عُمُومِ مَا مَمْنُوعٌ فَإِنَّ مَا الْمَصْدَرِيَّةَ لَا عُمُومَ لَهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نِيَابَتِهَا عَنِ الظَّرْفِ دَلَالَتُهَا عَلَى الْعُمُومِ وَإِنِ اسْتُفِيدَ عُمُومٌ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ فَلَيْسَ مِنْ مَا إِنَّمَا هُوَ مِنَ التَّرْكِيبِ نَفْسِهِ وذكر بعض الأصوليين أنها إذا وصلت بـ "ما" صَارَتْ أَدَاةً لِتَكْرَارِ الْأَفْعَالِ وَعُمُومِهَا قَصْدِيٌّ وَفِي الْأَسْمَاءِ ضِمْنِيٌّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ وَإِذَا جُرِّدَتْ مِنْ لَفْظِ مَا انْعَكَسَ الْحُكْمُ وَصَارَتْ عَامَّةً فِي الْأَسْمَاءِ قَصْدًا وَفِي الْأَفْعَالِ ضمنا

стр. 1823

وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ تُطَلَّقُ كُلُّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا وَتَكُونُ عَامَّةً فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ لِدُخُولِهَا عَلَى الِاسْمِ وَهُوَ قَصْدِيٌّ وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا مَرَّةً أُخْرَى لَمْ تُطَلَّقْ فِي الثَّانِيَةِ لِعَدَمِ عُمُومِهَا قَصْدًا فِي الْأَسْمَاءِ وَلَوْ قَالَ كُلَّمَا تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِرَارًا طُلِّقَتْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لِاقْتِضَائِهَا عُمُومَ الْأَفْعَالِ قَصْدًا وَهُوَ التَّزَوُّجُ مَسْأَلَةٌ. وَيَأْتِي كُلٌّ صِفَةً ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ فِي بَابِ النَّعْتِ قَالَ وَمِنَ الصِّفَةِ أَنْتَ الرَّجُلُ كُلُّ الرَّجُلِ وَمَرَرْتُ بِالرَّجُلِ كُلِّ الرَّجُلِ قَالَ الصَّفَّارُ: هَذَا يَكُونُ عِنْدَ قَصْدِ التَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فَإِنَّ قَوْلَكَ الرَّجُلُ مَعْنَاهُ الْكَامِلُ وَمَعْنَى كُلِّ الرَّجُلِ أَيْ هُوَ الرَّجُلُ لِعَظَمَتِهِ قَدْ قَامَ مَقَامَ الْجِنْسِ كَمَا تَقُولُ أَكَلْتُ شَاةً كُلَّ شَاةٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ ﷺ : "كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَرَا" أَيْ أَنَّ مَنْ صَادَهُ فَقَدْ صَادَ جَمِيعَ الصَّيْدِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ لِعَظَمَتِهِ قَالَ وَهَذَا إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا سَبَقَهَا مَا فِيهِ رَائِحَةُ الصِّفَةِ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَوْ كَانَ جَامِدًا لَمْ يَجُزْ نَحْوُ مَرَرْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ كُلِّ الرَّجُلِ لَا يُفْهَمُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ شيء

стр. 1824

كِلَا وَكِلْتَا هُمَا تَوْكِيدُ الِاثْنَيْنِ وَفِيهِمَا مَعْنَى الإحاطة ولهذا قال الرَّاغِبُ هِيَ فِي التَّثْنِيَةِ كَكُلٍّ فِي الْجَمْعِ وَمُفْرَدُ اللَّفْظِ مُثْنَى الْمَعْنَى عَبَّرَ عَنْهُ مَرَّةً بِلَفْظِهِ وَمَرَّةً بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ اعْتِبَارًا بِمَعْنَاهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كلاهما﴾ قُلْتُ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَعْنَاهَا التَّثْنِيَةُ وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظِهَا فَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ مُفْرَدَةٌ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ تَثْنِيَةٌ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، بِدَلِيلِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَيْهَا مفردا في قوله: ﴿كلتا الجنتين آتت﴾ . فَالْإِخْبَارُ عَنْ كِلْتَا بِالْمُفْرَدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا مُفْرَدٌ إِذْ لَوْ كَانَ مُثَنًّى لَقَالَ آتَتَا وَدَلِيلُ إِضَافَتِهَا إِلَى الْمُثَنَّى فِي قَوْلِهِ: ﴿أَحَدُهُمَا أو كلاهما﴾ . وَلَوْ كَانَ مُثَنًّى لَمْ يَجُزْ إِضَافَتُهُ إِلَى التَّثْنِيَةِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ وَالْفَصِيحُ مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ فَيُقَالُ كِلَا الرَّجُلَيْنِ خَرَجَ وَكِلْتَا الْمَرْأَتَيْنِ حَضَرَتْ. وَقَدْ نَازَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ لَيْسَ مَعْنَاهُ التَّثْنِيَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا ذَكَرَهُ النحاة ولو كان كذلك لكثرة مراعاة المعنى كما كثرة مراعاته في من وما الْمَوْصُولَتَيْنِ لَكِنَّ أَكْثَرَ مَا جَاءَ فِي لِسَانِ العرب عود الضمير مفردا كلتا الجنتين آتت وَمَا جَاءَ فِيهِ مُرَاعَاةُ الْمَعْنَى فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ قَالَ فَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهَا مُفْرَدٌ صَالِحٌ لِكُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِمَا وَأَمَّا مُرَاعَاةُ التَّثْنِيَةِ فِيهِ فَعَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ وَوَجْهُ التَّوَسُّعِ أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ فِي جَانِبِ الثُّبُوتِ مَعَهُ غيره

стр. 1825

فَجَاءَتِ التَّثْنِيَةُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَالْإِفْرَادُ فِيهِ مُرَاعَاةُ الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ وَالتَّثْنِيَةُ مُرَاعَاةُ الْمَعْنَى مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَائِدَةٌ. وَقَعَ فِي شِعْرِ أَبِي تَمَّامٍ كِلَا الْآفَاقِ وَخَطَّأَهُ الْمَعَرِّيُّ لِأَنَّ كِلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الِاثْنَيْنِ لَا الْجَمْعِ قَالَ: وَلَمْ يَأْتِ فِي الْمَسْمُوعِ: كِلَا الْقَوْمِ، وَلَا كِلَا الْأَصْحَابِ وَإِنَّمَا يُقَالُ كِلَا الرَّجُلَيْنِ وَنَحْوَهُ فَإِنْ أُخِذَ مِنَ الْكَلَأِ مِنْ قَوْلِكَ: كَلَأْتُ الشَّيْءَ إِذَا رَعَيْتَهُ وَحَفِظْتَهُ فَالْمَعْنَى يَصِحُّ إِلَّا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يُقْصِرُ وَهِيَ مَمْدُودَةٌ

стр. 1826

كَمْ نَكِرَةٌ لَا تَتَعَرَّفُ لِأَنَّهَا مُبْهَمَةٌ فِي العدد كـ "أين" فِي الْأَمْكِنَةِ وَمَتَى فِي الْأَزْمِنَةِ وَكَيْفَ فِي الْأَحْوَالِ. وَقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: كَمْ أَرْضُكَ جَرِيبًا؟ كَمْ مُبْتَدَأٌ وَأَرْضُكَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مَجَازٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وإنما أرضك مبتدأ وكم الْخَبَرُ مِثْلُ كَيْفَ زَيْدٌ؟ وَهِيَ قِسْمَانِ: اسْتِفْهَامِيَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ بِمَعْنَى أَيِّ عَدَدٍ؟ فَيُنْصَبُ مَا بَعْدَهَا نَحْوُ: كَمْ رَجُلًا ضَرَبْتَ؟ وَخَبَرِيَّةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ بِمَعْنَى عَدَدٍ كَثِيرٍ فَيُجَرُّ مَا بَعْدَهَا نَحْوُ كَمْ عَبْدٍ مَلَكْتُ. وَقَدْ تَدْخُلُ عَلَيْهَا مِنْ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِنْ قرية أهلكناها﴾ ﴿وكم قصمنا من قرية﴾ وَلَيْسَتِ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ أَصْلًا لِلْخَبَرِيَّةِ خِلَافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ ادَّعَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ يس عِنْدَ الْكَلَامِ على: ﴿ألم يروا كم أهلكنا﴾ وَلَمْ تُسْتَعْمَلِ الْخَبَرِيَّةُ غَالِبًا إِلَّا فِي مَقَامِ الِافْتِخَارِ وَالْمُبَاهَاةِ لِأَنَّ مَعْنَاهَا التَّكْثِيرُ

стр. 1827

وَلِهَذَا مُيِّزَتْ بِمَا يُمَيَّزُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَهُوَ مِائَةٌ وَأَلْفٌ فَكَمَا أَنَّ مِائَةً تُمَيَّزُ بِوَاحِدٍ مَجْرُورٍ فَكَذَلِكَ كَمْ وَاعْلَمُ أَنَّ كَمْ مُفْرَدَةُ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهَا الْجَمْعُ فَيَجُوزُ فِي ضَمِيرِهَا الْأَمْرَانِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السماوات﴾ . ثم قال: ﴿لا تغني شفاعتهم﴾ فَأَتَى بِهِ جَمْعًا وَقَالَ: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أهلكناها﴾ . ثم قال: ﴿أو هم قائلون﴾

стр. 1828

كَيْفَ اسْتِفْهَامٌ عَنْ حَالِ الشَّيْءِ لَا عَنْ ذَاتِهِ كَمَا أَنَّ مَا سُؤَالٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ ومن عَنْ مُشَخِّصَاتِهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي اللَّهِ كَيْفَ. وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الظَّرْفِ فَإِذَا قُلْتَ: كَيْفَ زَيْدٌ؟ كَانَ زيد مبتدأ وكيف فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ وَالتَّقْدِيرُ عَلَى أَيِّ حَالٍ زَيْدٌ؟ هَذَا أَصْلُهَا فِي الْوَضْعِ لَكِنْ قَدْ تَعْرِضُ لَهَا مَعَانٍ تُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَوْ مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ مِثْلُ مَعْنَى التَّنْبِيهِ وَالِاعْتِبَارِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: سُؤَالٌ مَحْضٌ عَنْ حَالٍ نَحْوُ كَيْفَ زَيْدٌ؟ وَثَانِيهَا: حَالٌ لَا سُؤَالَ مَعَهُ كَقَوْلِكَ لَأُكْرِمَنَّكَ كَيْفَ أَنْتَ أَيْ عَلَى أَيِّ حَالٍ كنت. ثالثها: معنى التعجب. وَعَلَى هَذَيْنِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وكنتم أمواتا فأحياكم﴾ . قَالَ الرَّاغِبُ فِي تَفْسِيرِهِ كَيْفَ هُنَا اسْتِخْبَارٌ لَا اسْتِفْهَامٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاسْتِخْبَارَ قَدْ يَكُونُ تَنْبِيهًا لِلْمُخَاطَبِ وَتَوْبِيخًا وَلَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْمُسْتَخْبَرِ وَالِاسْتِفْهَامُ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَقَالَ: فِي الْمُفْرَدَاتِ كُلُّ: مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِلَفْظِ كَيْفَ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ إِخْبَارٌ عَلَى طَرِيقِ التَّنْبِيهِ لِلْمُخَاطَبِ أو توبيخ نحو: ﴿كيف تكفرون﴾

стр. 1829

﴿كيف يهدي الله قوما﴾ ﴿كيف يكون للمشركين عهد﴾ ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال﴾ ﴿فانظروا كيف بدأ الخلق﴾ . ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يعيده﴾ وَقَالَ: غَيْرُهُ قَدْ تَأْتِي لِلنَّفْيِ وَالْإِنْكَارِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رسوله﴾ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ وَلِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الْجَحْدِ شَاعَ أَنْ يَقَعَ بَعْدَهَا إلا كقوله: ﴿إلا الذين عاهدتم﴾ وَلِلتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم﴾ وَلِلتَّحْذِيرِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ وَلِلتَّنْبِيهِ وَالِاعْتِبَارِ كَقَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بعض﴾ وَلِلتَّأْكِيدِ وَتَحْقِيقِ مَا قَبْلَهَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى العظام كيف ننشزها﴾ ،

стр. 1830

وَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بشهيد﴾ ،فإنه توكيد لما تقدم وَتَحْقِيقٍ لِمَا بَعْدَهُ عَلَى تَأْوِيلِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا فِي الدُّنْيَا فَكَيْفَ فِي الْآخِرَةِ! وَلِلتَّعْظِيمِ وَالتَّهْوِيلِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا من كل أمة بشهيد﴾ . أَيْ فَكَيْفَ حَالُهُمْ إِذَا جِئْنَا وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: "كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ"! وَقِيلَ: وَتَجِيءُ مَصْدَرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ ﴿فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها﴾ وَتَأْتِي ظَرْفًا فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ وَهِيَ عِنْدَهُ في قوله: ﴿كيف تكفرون﴾ مَنْصُوبَةً عَلَى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أَيْ فِي حَالِ تَكْفُرُونَ وَعَلَى الْحَالِ عِنْدَ الْأَخْفَشِ أَيْ عَلَى حَالِ تَكْفُرُونَ. وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ . فَإِنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ بَعْدَهَا اسْمًا وَجَعَلْتَهَا خَبَرًا أَيْ كَيْفَ صُنْعُكُمْ أَوْ حَالُكُمْ وَإِنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ بَعْدَهَا فِعْلًا تَقْدِيرُهُ كَيْفَ تَصْنَعُونَ؟ وَأَثْبَتَ بَعْضُهُمْ لَهَا الشَّرْطَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يشاء﴾ ، ﴿يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾ فيبسطه في السماء كيف يشاء وَجَوَابُهُ فِي ذَلِكَ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهَا

стр. 1831

وَمُرَادُ هَذَا الْقَائِلِ الشَّرْطُ الْمَعْنَوِيُّ وَهُوَ إِنَّمَا يُفِيدُ الرَّبْطَ فَقَطْ أَيْ رَبْطَ جُمْلَةٍ بِأُخْرَى كَأَدَاةِ الشَّرْطِ لَا اللَّفْظِيُّ وَإِلَّا لَجُزِمَ الْفِعْلُ. وَعَنِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهَا تَجْزِمُ نَحْوُ كَيْفَ تَكُنْ أَكُنْ وَقَدْ يُحْذَفُ الْفِعْلُ بَعْدَهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ . أَيْ كَيْفَ تُوَالُونَهُمْ!

стр. 1832

اللَّامُ قِسْمَانِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَامِلَةً أَوْ غَيْرَ عَامِلَةٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: غَيْرُ الْعَامِلَةِ. وَتَجِيءُ لِعَشْرَةِ مَعَانٍ مُعَرِّفَةٍ وَدَالَّةٍ عَلَى الْبُعْدِ وَمُخَفَّفَةٍ وَمُوجِبَةٍ وَمُؤَكِّدَةٍ وَمُتَمِّمَةٍ وَمُوَجِّهَةٍ وَمَسْبُوقَةٍ وَالْمُؤْذِنَةِ وَالْمُوَطِّئَةِ. فَالْمُعَرِّفَةُ: الَّتِي مَعَهَا أَلِفُ الْوَصْلِ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْمُعَرِّفَةَ اللَّامَ وَحْدَهَا وَيُنْسَبُ لِسِيبَوَيْهِ وَذَهَبَ الْخَلِيلُ إِلَى أَنَّهُ ثُنَائِيٌّ وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ وُصِلَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. وَتَنْقَسِمُ الْمُعَرِّفَةُ إِلَى عَهْدِيَّةٍ وَاسْتِغْرَاقِيَّةٍ وَقَدْ سَبَقَا فِي قَاعِدَةِ التَّنْكِيرِ وَالتَّعْرِيفِ وَزَادَ قَوْمٌ طَلَبَ الصِّلَةِ وَجُعِلَ مِنْهُ: ﴿رَكِبَا في السفينة﴾ ﴿فأكله الذئب﴾ وللإضمار، ﴿فإن الجحيم هي المأوى﴾ . وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِضْمَارَ بَعْدَهَا مُرَادٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِ فَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ هِيَ مَأْوَاهُ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ هِيَ الْمَأْوَى لَهُ وَاللَّامُ فِي التَّعْرِيفِ مُرَقَّقَةٌ إِلَّا فِي اسْمِ اللَّهِ فَيَجِبُ تَفْخِيمُهَا إِذَا كَانَ قَبْلَهَا ضَمَّةٌ أَوْ فَتْحَةٌ وَهِيَ فِي الْأَسْمَاءِ تَفْخِيمُ الْجَرْسِ وَفِي الْمَعْنَى تَوْقِيرُ الْمُسَمَّى وَتَعْظِيمُهُ سُبْحَانَهُ!

стр. 1833

وَالدَّالَّةُ عَلَى الْبُعْدِ الدَّاخِلَةُ عَلَى أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ إِعْلَامًا بِالْبُعْدِ أَوْ تَوْكِيدًا لَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ. وَالْمُخَفِّفَةُ الَّتِي يَجُوزُ مَعَهَا تَخْفِيفُ إِنَّ الْمُشَدَّدَةِ نَحْوُ: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حافظ﴾ وَتُسَمَّى لَامُ الِابْتِدَاءِ وَالْفَارِقَةُ لِأَنَّهَا تُفَرِّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ إِنِ النَّافِيَةِ. وَالْمُخَفِّفَةُ هِيَ الَّتِي تُحَقِّقُ الْخَبَرَ مَعَ الْمُبْتَدَأِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وغفر﴾ ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ وَالْمُوجِبَةُ بِمَعْنَى إِلَّا عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾ ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . أَيْ مَا كَلٌّ فَجَعَلُوا إِنْ بِمَعْنَى مَا وَاللَّامُ بِمَعْنَى إِلَّا فِي الْإِيجَابِ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ: ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ بِالرَّفْعِ وَالْمُرَادُ: وَمَا كَانَ مَكْرُهُمْ إِلَّا لِتَزُولَ مِنْهُ. وَالْمُؤَكِّدَةُ وَهِيَ الزَّائِدَةُ أَوَّلَ الْكَلَامِ وَتَقَعُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمُبْتَدَأُ وَتُسَمَّى لَامُ الِابْتِدَاءِ فيؤذن بأنه المحكوم قال تعالى: ﴿لمسجد

стр. 1834

أسس على التقوى﴾ ﴿ليوسف وأخوه أحب﴾ ﴿لأنتم أشد رهبة﴾ ثَانِيهِمَا: فِي بَابِ إِنَّ عَلَى اسْمِهَا إِذَا تأخر، ﴿إن في ذلك لعبرة﴾ وعلى خبرها نحو: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ ، ﴿إن إبراهيم لحليم أواه﴾ ﴿إن بطش ربك لشديد﴾ فَـ"إِنَّ" فِي هَذَا تَوْكِيدٌ لِمَا يَلِيهَا وَاللَّامُ لِتَوْكِيدِ الْخَبَرِ. وَكَذَا فِي أَنَّ الْمَفْتُوحَةِ كقراءة سعيد ﴿لا إنهم ليأكلون﴾ . بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَإِنَّهُ أَلْغَى اللَّامَ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى إِنَّ الْمَكْسُورَةِ أَوْ عَلَى مَا يَتَّصِلُ بِالْخَبَرِ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ نَحْوُ ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ . فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ لَيَعْمَهُونَ فِي سَكْرَتِهِمْ. وَاخْتُلِفَ فِي اللام في قوله: ﴿لمن ضره﴾ فَقِيلَ هِيَ مُؤَخَّرَةٌ وَالْمَعْنَى: يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ. وَجَازَ تَقْدِيمُهَا وَإِيلَاؤُهَا الْمَفْعُولَ لِأَنَّهَا لَامُ التَّوْكِيدِ وَالْيَمِينِ فَحَقُّهَا أَنْ تَقَعَ صَدْرَ الْكَلَامِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ اللَّامَ فِي صِلَةِ مَنْ فَتَقَدُّمُهَا عَلَى الْمَوْصُولِ مُمْتَنِعٌ وَأَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأَنَّهَا حَرْفٌ لَا يُفِيدُ غَيْرَ التَّوْكِيدِ وَلَيْسَتْ بِعَامِلَةٍ كَـ "مِنَ" الْمُؤَكِّدَةِ فِي نَحْوِ مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ دُخُولُهَا وَخُرُوجُهَا سَوَاءٌ وَلِهَذَا جَاءَ تَقْدِيمُهَا وَيَجُوزُ أَلَّا تَكُونَ هُنَا مَوْصُولَةً بَلْ نَكِرَةً وَلِهَذَا قَالَ الْكِسَائِيُّ اللَّامُ فِي غير

стр. 1835

موضعها و"من" في موضع نصب يَدْعُو وَالتَّقْدِيرُ يَدْعُو مَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ أَيْ يَدْعُو إِلَهًا ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفَعِهِ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: يَدْعُو فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ فِي حَالِ دُعَائِهِ إِيَّاهُ وَقَوْلِهِ: ﴿لَمَنْ﴾ مُسْتَأْنَفٌ مَرْفُوعٌ بالابتداء وقوله: ﴿ضره أقرب من نفعه﴾ في صلته و ﴿لبئس المولى﴾ . خَبَرُهُ. وَهَذَا يَسْتَقِيمُ لَوْ كَانَ فِي مَوْضِعِ ﴿يَدْعُو﴾ يُدْعَى لَكِنَّ مَجِيئَهُ بِصِيغَةِ فِعْلِ الْفَاعِلِ وَلَيْسَ فِيهِ ضَمِيرُهُ يُبْعِدُهُ. وَالْمُتَمِّمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ ، ﴿إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ . فَاللَّامُ هُنَا لِتَتْمِيمِ الْكَلَامِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إِذَنْ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا جَوَابٌ وَجَزَاءٌ. وَالْمُوَجَّهَةُ فِي جَوَابِ لَوْلَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم﴾ . فاللام في ﴿لقد﴾ توجه للتثبيت وَالْمَسْبُوقَةُ فِي جَوَابِ لَوْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ نشاء لجعلناه حطاما﴾ أَيْ تُفِيدُ تَأَخُّرُهُ لِأَشَدِّ الْعُقُوبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بالأمس﴾

стр. 1836

وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ بِغَيْرِ لَامٍ فَإِنَّهُ يُفِيدُ التَّعْجِيلَ أَيْ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا لِوَقْتِهِ. وَالْمُؤْذِنَةُ: الدَّاخِلَةُ عَلَى أَدَاةِ الشَّرْطِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْقَسَمِ لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا لِتُؤْذِنَ أَنَّ الْجَوَابَ لَهُ لَا لِلشَّرْطِ أَوْ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ مَا بَعْدَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَسَمٍ قَبْلَهَا. وَتُسَمَّى الْمُوَطِّئَةَ لِأَنَّهَا وَطَّأَتِ الْجَوَابَ لِلْقَسَمِ أَيْ مَهَّدَتْهُ. وَقَوْلُ الْمُعْرِبِينَ: إِنَّهَا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ فِيهِ تَجَوُّزٌ وَإِنَّمَا هِيَ مُوَطِّئَةٌ لِجَوَابِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار﴾ وَلَيْسَتْ جَوَابًا لِلْقَسَمِ وَإِنَّمَا الْجَوَابُ مَا يَأْتِي بَعْدَ الشَّرْطِ وَيَجْمَعُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ قَوْلُكَ لَامُ الْجَوَابِ. وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كلا لئن لم ينته لنسفعا﴾ . فاللام في لئن مؤذنة وَقَوْلِهِ: ﴿نَسْفَعًا﴾ جَوَابُ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ تَقْدِيرُهُ وَاللَّهِ لَنَسْفَعَنْ وَمِنْ جَوَابِ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب﴾ . وَزَعَمَ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهَا لَامُ التَّوْكِيدِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَقَدْ قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي الْبَسِيطِ: إِنَّهَا لَامُ الْقَسَمِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَامَ ابْتِدَاءٍ لِأَنَّ لَامَ الِابْتِدَاءِ لَا تَلْحَقُ إِلَّا الْأَسْمَاءَ وَمَا يَكُونُ بمنزلتها كالمضارع

стр. 1837

الْقِسْمُ الثَّانِي: الْعَامِلَةُ. وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: جَارَّةٌ وَنَاصِبَةٌ وَجَازِمَةٌ. الْأُولَى: الْجَارَّةُ وَتَأْتِي لِمَعَانٍ: لِلْمِلْكِ الْحَقِيقِيِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ ، ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأرض﴾ ﴿ولله جنود السماوات والأرض﴾ وَالتَّمْلِيكِ، نَحْوَ وَهَبْتُ لِزَيْدٍ دِينَارًا وَمِنْهُ: ﴿وَوَهَبْنَا لهم من رحمتنا﴾ وَالِاخْتِصَاصِ وَمَعْنَاهَا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي نِسْبَةً بِاعْتِبَارِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقُهُ نَحْوُ هَذَا صَدِيقٌ لِزَيْدٍ وَأَخٌ لَهُ وَمِنْهُ الْجَنَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَلِلتَّخْصِيصِ وَمِنْهُ: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نفسها للنبي﴾ وللاستحقاق كقوله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾ ﴿لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِلْكَ أَنَّ الْمِلْكَ لِمَا حَصَلَ وَثَبَتَ وَهَذَا لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ لَكِنْ هُوَ فِي حُكْمِ الْحَاصِلِ مِنْ حَيْثُ مَا قَدِ اسْتُحِقَّ قَالَهُ الرَّاغِبُ

стр. 1838

وَلِلْوِلَايَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بعد﴾ وَيَجُوزُ أَنْ تُجْمَعَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ كَقَوْلِكَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ وَوَلِيُّهُ وَالْمَخْصُوصُ بِهِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ الْحَمْدُ لِي وَإِلَيَّ. وَلِلتَّعْلِيلِ وَهِيَ الَّتِي يَصْلُحُ مَوْضِعَهَا مِنْ أَجْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ . أي من أجل حب الخير. وقوله: ﴿لإيلاف قريش﴾ . وهي متعلقة بقوله: ﴿فليعبدوا﴾ أو بقوله. ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ وَلِهَذَا كَانَتَا فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ سُورَةً وَاحِدَةً. وَضُعِّفَ بِأَنْ جَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ إِنَّمَا هُوَ لِكُفْرِهِمْ وَتَجَرُّئِهِمْ عَلَى الْبَيْتِ. وَقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أي اعجبوا. وقوله: ﴿سقناه لبلد ميت﴾ أَيْ لِأَجْلِ بَلَدٍ مَيِّتٍ، بِدَلِيلِ: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الماء﴾ هَذَا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ إِنَّهَا بِمَعْنَى إِلَى. وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُنْ للخائنين خصيما﴾ أَيْ لَا تُخَاصِمِ النَّاسَ لِأَجْلِ الْخَائِنِينَ. قَالَ الرَّاغِبُ: وَمَعْنَاهُ كَمَعْنَى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يختانون أنفسهم﴾ وَلَيْسَتْ كَالَّتِي فِي قَوْلِكَ لَا تَكُنْ لِلَّهِ خَصِيمًا لِدُخُولِهَا عَلَى الْمَفْعُولِ أَيْ لَا تَكُنْ خصيم الله وبمعنى إلى كقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ بدليل قوله: ﴿ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾

стр. 1839

وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان﴾ وقوله: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ ،بدليل: ﴿وأوحى ربك إلى النَّحْلِ﴾ وَزَيَّفَهُ الرَّاغِبُ لِأَنَّ الْوَحْيَ لِلنَّحْلِ جُعِلَ ذلك له للتسخير وَالْإِلْهَامِ وَلَيْسَ كَالْوَحْيِ الْمُوحَى إِلَى الْأَنْبِيَاءِ فَاللَّامُ عَلَى جَعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَهُ بِالتَّسْخِيرِ. وَبِمَعْنَى على نحو: ﴿ويخرون للأذقان﴾ ﴿فلما أسلما وتله للجبين﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ . أَيْ فَعَلَيْهَا لِأَنَّ السَّيِّئَةَ عَلَى الْإِنْسَانِ لَا له بدليل قوله تعالى: ﴿فعلي إجرامي﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام﴾ أي من لَمْ يَكُنْ وَقَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدار﴾ وَبِمَعْنَى فِي كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ القيامة﴾ ، ﴿يا ليتني قدمت لحياتي﴾ .

стр. 1840

﴿لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ وَبِمَعْنَى بَعْدَ نَحْوُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ . وَقَالَ ابْنُ أَبَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ. وَبِمَعْنَى عَنْ مَعَ الْقَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سبقونا﴾ . أَيْ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ الْمَعْنَى خِطَابَهُمْ بِذَلِكَ وَإِلَّا لَقِيلَ سَبَقْتُمُونَا وَقِيلَ لَامُ التَّعْلِيلِ وَقِيلَ لِلتَّبْلِيغِ وَالْتُفِتَ عَنِ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ. وكقوله: ﴿قالت أخراهم لأولاهم﴾ . وأما قوله: ﴿وقالت أولاهم لأخراهم﴾ . فَاللَّامُ لِلتَّبْلِيغِ كَذَلِكَ قَسَّمَهَا ابْنُ مَالِكٍ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿ألم أقل لك﴾ وَغَيْرُهُ يُسَمِّيهَا لَامَ التَّبْلِيغِ فَإِنْ عُرِفَ مَنْ غَابَ عَنِ الْقَوْلِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَلِلتَّعْلِيلِ نحو: ﴿وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا﴾ ﴿ولا أقول للذين تزدري أعينكم﴾ وَذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ ضَابِطًا فِي اللَّامِ المتعلقة بالقول وهو إِنْ دَخَلَتْ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْقَائِلِ فَهِيَ لِتَعْدِيَةِ الْقَوْلِ لِلْمَقُولِ لَهُ نَحْوُ: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا معروفا﴾ ﴿وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا﴾ وقوله: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا﴾ .

стр. 1841

وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلا أن يشاء الله﴾ وَهُوَ كَثِيرٌ. وَبِمَعْنَى أَنِ الْمَفْتُوحَةِ السَّاكِنَةِ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَجَعَلَ مِنْهُ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ وَهَذِهِ اللَّامُ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ أَرَدْتُ وَأَمَرْتُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْمُسْتَقْبَلَ وَلَا يَصْلُحَانِ فِي الْمَاضِي فَلِهَذَا جُعِلَ مَعَهُمَا بِمَعْنَى أَنْ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الصف فقال ﴿يريدون ليطفئوا نور الله﴾ أصله يريدون أن يطفئوا كَمَا جَاءَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ وَلِلتَّعْدِيَةِ وَهِيَ الَّتِي تُعَدِّي الْعَامِلَ إِذَا عَجَزَ نَحْوُ: ﴿إِنْ كنتم للرؤيا تعبرون﴾ . فَاللَّامُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَضْعُفُ بِتَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَيْهِ. وَسَمَّاهَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: آلَةُ الْفِعْلِ وَذَكَرَ أَنَّ الْبَصْرِيِّينَ يُسَمُّونَهَا لَامَ الْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ ﴿أن أنصح لكم﴾ وَقَالَ الرَّاغِبُ: التَّعْدِيَةُ ضَرْبَانِ: تَارَةً لِتَقْوِيَةِ الْفِعْلِ، ولا يجوز حذفه نحو: ﴿وتله للجبين﴾ ،وَتَارَةً يُحْذَفُ، نَحْوُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ

стр. 1842

أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أن يضله﴾ فَأُثْبِتَ فِي مَوْضِعٍ وَحُذِفَ فِي مَوْضِعٍ انْتَهَى. وللتبيين كقوله تعالى: ﴿وقالت هيت لك﴾ أَيْ أَقْبِلْ وَتَعَالَ أَقُولُ لَكَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّ اللَّامَ الْمَكْسُورَةَ تَجِيءُ جَوَابًا لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأرض ليجزي﴾ وَالْمَعْنَى لَيَجْزِيَنَّ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالتَّوْكِيدِ بِالنُّونِ فَلَمَّا حَذَفَ النُّونَ أَقَامَ الْمَكْسُورَةَ مَقَامَ الْمَفْتُوحَةِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ وَذُكِرَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهَا فِعْلٌ مُقَدَّرٌ أَيْ آمِنُوا لِيَجْزِيَ. الثَّانِي: النَّاصِبَةُ عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي مَوْضِعَيْنِ لَامُ كَيْ وَلَامُ الْجُحُودِ. وَلَامُ الْجُحُودِ هِيَ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ الْجَحْدِ أَيِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين﴾ ، ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ وَضَابِطُهَا أَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ تَمَّ الْكَلَامُ بِدُونِهَا وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ تَوْكِيدًا لِنَفْيِ الْكَوْنِ بِخِلَافِ لَامِ كَيْ قَالَ الزَّجَّاجُ: اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ لَامُ كَيْ لِأَنَّ لَامَ الْجُحُودِ إِذَا سَقَطَتْ لَمْ يَخْتَلَّ الْكَلَامُ وَلَوْ سَقَطَتِ اللَّامُ مِنَ الآية بطل

стр. 1843

الْمَعْنَى وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إِظْهَارُ أَنْ بَعْدَ لَامِ كَيْ وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ لَامِ الْجُحُودِ لِأَنَّهَا فِي كَلَامِهِمْ نَفْيٌ لِلْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ فَالسِّينُ بِإِزَائِهَا فَلَمْ يَظْهَرْ بَعْدَهَا مَا لَا يَكُونُ بَعْدَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فيهم﴾ . فَجَاءَ بِلَامِ الْجَحْدِ حَيْثُ كَانَتْ نَفْيًا لِأَمْرٍ متوقع مخوف في المستقبل ثم قال: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ . فَجَاءَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ حيث أراد نفي الْعَذَابِ بِالْمُسْتَغْفِرِينَ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ. وَمِثْلُهُ: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى﴾ . ثم قال: ﴿وما كنا مهلكي القرى﴾ ومثال لام كي وكي مضمرة معها قوله تعالى: ﴿لينذر بأسا﴾ ﴿لنثبت به فؤادك﴾ ﴿لنصرف عنه السوء﴾ ﴿ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ﴾ . يُرِيدُ كَيْ تَكُونُوا. وَقَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آية﴾ وَقَدْ تَجِيءُ مَعَهَا كَيْ نَحْوُ: ﴿لِكَيْ لَا يعلم بعد علم شيئا﴾ ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج﴾ ﴿لكي لا تحزنوا على ما فاتكم﴾ .

стр. 1844

وَرُبَّمَا جَاءَتْ كَيْ بِلَا لَامٍ كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْ لا يكون دولة بين الأغنياء﴾ . وَفِي مَعْنَاهُ لَامُ الصَّيْرُورَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لهم عدوا وحزنا﴾ ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ وَتُسَمَّى لَامَ الْعَاقِبَةِ فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِذَلِكَ بَلْ لِضِدِّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا﴾ وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ عَلَامَتَهَا جَوَازُ تَقْدِيرِ الْفَاءِ مَوْضِعَهَا وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَامُ التَّعْلِيلِ لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ لَامِ التَّعْلِيلِ الَّتِي فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بلدة ميتا﴾ . أَنَّ لَامَ التَّعْلِيلِ تَدْخُلُ عَلَى مَا هُوَ غَرَضٌ لِفَاعِلِ الْفِعْلِ وَيَكُونُ مُرَتَّبًا عَلَى الْفِعْلِ وَلَيْسَ فِي لَامِ الصَّيْرُورَةِ إِلَّا التَّرَتُّبُ فَقَطْ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ أَفَادَتِ اللَّامُ نَفْسَ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ وَلَا يَجِبُ فِي الْعِلَّةِ أَنْ تَكُونَ غَرَضًا أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِكَ خَرَجْتُ مِنَ الْبَلَدِ مَخَافَةَ الشَّرِّ فَقَدْ جَعَلْتَ الْمَخَافَةَ عِلَّةً لِخُرُوجِكَ وَمَا هِيَ بِغَرَضِكَ. وَنَقَلَ ابْنُ فَوْرَكٍ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّ كُلَّ لَامٍ نَسَبَهَا اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ فَهِيَ لِلْعَاقِبَةِ وَالصَّيْرُورَةِ دُونَ التَّعْلِيلِ لِاسْتِحَالَةِ الْغَرَضِ وَاسْتَشْكَلَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ . وقوله: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا يغفر لك الله﴾ . فَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّعْلِيلِ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ إِذْ هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ

стр. 1845

وَأَقُولُ: مَا جَعَلُوهُ لِلْعَاقِبَةِ هُوَ رَاجِعٌ لِلتَّعْلِيلِ فَإِنَّ الْتِقَاطَهُمْ أَفْضَى إِلَى عَدَاوَتِهِ وَذَلِكَ يُوجِبُ صِدْقَ الْإِخْبَارِ بِكَوْنِ الِالْتِقَاطِ لِلْعَدَاوَةِ لِأَنَّ مَا أَفْضَى إِلَى الشَّيْءِ يَكُونُ عِلَّةً وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ نَصْبُ الْعِلَّةِ صَادِرًا عَمَّنْ نُسِبَ الْفِعْلُ إِلَيْهِ لَفْظًا بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى مَنْ يُنْسَبُ الْفِعْلُ إِلَيْهِ خَلْقًا كَمَا تَقُولُ جَاءَ الْغَيْثُ لِإِخْرَاجِ الْأَزْهَارِ وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ لِإِنْضَاجِ الثِّمَارِ فَإِنَّ الْفِعْلَ يضاف إلى الشمس والغيث. كَذَلِكَ الْتِقَاطُ آلِ فِرْعَوْنَ مُوسَى فَإِنَّ اللَّهَ قَدَّرَهُ لِحِكْمَتِهِ وَجَعَلَهُ عِلَّةً لِعَدَاوَتِهِ لِإِفْضَائِهِ إِلَيْهِ بِوَاسِطَةِ حِفْظِهِ وَصِيَانَتِهِ كَمَا فِي مَجِيءِ الْغَيْثِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِخْرَاجِ الْأَزْهَارِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَيْضًا التَّحْقِيقُ أَنَّهَا لَامُ الْعِلَّةِ وَأَنَّ التَّعْلِيلَ بِهَا وَارِدٌ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَاعِيهِمْ إِلَى الِالْتِقَاطِ كَوْنَهُ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا بَلِ الْمَحَبَّةُ وَالتَّبَنِّي غَيْرَ أن ذلك لما أن نَتِيجَةَ الْتِقَاطِهِمْ لَهُ وَثَمَرَتَهُ شُبِّهَ بِالدَّاعِي الَّذِي يفعل الفاعل الفعل لأجله وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء فَاللَّامُ مُسْتَعَارَةٌ لِمَا يُشْبِهُ التَّعْلِيلَ. وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي كِتَابِ الْمُبْتَدَأِ فِي النَّحْوِ فَأَمَّا قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون﴾ فَهِيَ لَامُ كَيْ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَلَامُ الصَّيْرُورَةِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَالتَّقْدِيرُ فَصَارَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِكَيْ يَكُونَ عَدُوًّا انْتَهَى وَجَوَّزَ ابْنُ الدَّهَّانِ فِي الْآيَةِ وَجْهًا غَرِيبًا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَيْ فَالْتَقَطَ آلُ فِرْعَوْنَ وَ ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ أَيْ لِيَتَمَلَّكُوهُ

стр. 1846

قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِكَرَاهَةِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا. وأما قوله: ﴿ليغفر لك الله﴾ ،فَحَكَى الْهَرَوِيُّ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ اللَّامَ جَوَابُ الْقَسَمِ وَالْمَعْنَى لَيَغْفِرَنَّ اللَّهُ لَكَ فَلَمَّا حُذِفَتِ النُّونُ كُسِرَتِ اللَّامُ وَإِعْمَالُهَا إِعْمَالُ كَيْ وَلَيْسَ الْمَعْنَى فَتَحْنَا لَكَ لِكَيْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكَ فَلَمْ يَكُنِ الْفَتْحُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ. قَالَ: وَأَنْكَرَهُ ثَعْلَبٌ وَقَالَ هِيَ لَامُ كَيْ وَمَعْنَاهُ لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ مَعَ الْمَغْفِرَةِ تَمَامُ النِّعْمَةِ فَلَمَّا انْضَمَّ إِلَى الْمَغْفِرَةِ شَيْءٌ حَادِثٌ وَاقِعٌ حَسُنَ مَعَهُ كَيْ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحسن ما كانوا يعملون﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا ليضلوا عن سبيلك﴾ . فَقَالَ الْفَرَّاءُ لَامُ كَيْ. وَقَالَ: قُطْرُبٌ وَالْأَخْفَشُ: لَمْ يُؤْتَوُا الْمَالَ لِيُضِلُّوا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمُ الضَّلَالَ كَانُوا كَأَنَّهُمْ أُوتُوهَا لِذَلِكَ فَهِيَ لَامُ الْعَاقِبَةِ. هَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَالنَّصْبُ عِنْدَهُمْ بِإِضْمَارِ أَنْ وَهُمَا جَارَّتَانِ لِلْمَصْدَرِ وَاللَّامُ الْجَارَةُ هِيَ لَامُ الْإِضَافَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاصِبَةَ لِلْمُضَارِعِ تَجِيءُ لِأَسْبَابٍ: مِنْهَا الْقَصْدُ وَالْإِرَادَةُ، إِمَّا فِي الْإِثْبَاتِ نَحْوُ: ﴿ولتنذر أم القرى﴾ . أَوِ النَّفْيِ نَحْوُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كنت عليها إلا لنعلم﴾ . فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ لِنَعْلَمَ ملائكتنا وأولياءنا

стр. 1847

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعَالَى خَاطَبَ الْخَلْقَ بِمَا يُشَاكِلُ طَرِيقَتَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ الْبَوَاطِنِ وَالظَّوَاهِرِ عَلَى قَدْرِ فَهْمِ الْمُخَاطَبِ. وَقَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ أَنْ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَعْلُولَةٍ لَهَا فِي الْمَعْنَى وَذَلِكَ إِنْ كَانَ الْكَلَامُ مُتَضَمِّنًا لِمَعْنَى الْقَصْدِ والإرادة نحو: ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ . ﴿إنما يريد الله ليعذبهم بها﴾ وَمِنْهَا الْعَاقِبَةُ عَلَى مَا سَبَقَ. الثَّالِثُ: الْجَازِمَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِلطَّلَبِ وَتُسَمَّى لَامَ الْأَمْرِ وَتَدْخُلُ عَلَى الْمُضَارِعِ لِتُؤْذِنَ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ لِلْمُتَكَلِّمِ وَشَرْطُهَا أَنْ يكون الفعل لغير الْمُخَاطَبَ فَيَقُولُونَ لِتَضْرِبْ أَنْتَ وَمِنْهُ قِرَاءَةُ بَعْضِهِمْ: ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ وَوَصْفُهَا أَنْ تَكُونَ مَكْسُورَةً إِذَا ابْتُدِئَ بِهَا نحو: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ . ﴿ليستأذنكم﴾ . وَتُسَكَّنُ بَعْدَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ نَحْوُ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وليؤمنوا بي﴾ ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ وَيَجُوزُ الْوَجْهَانِ بَعْدَ ثُمَّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قُرِئَ فِي السَّبْعِ بِتَسْكِينِ: ﴿لْيَقْضُوا﴾ وَبِتَحْرِيكِهِ وَتَجِيءُ لَمَعَانٍ مِنْهَا التَّكْلِيفُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سعة من سعته﴾

стр. 1848

وَمِنْهَا أَمْرُ الْمُكَلَّفِ نَفْسَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خطاياكم﴾ وَالِابْتِهَالُ وَهُوَ الدُّعَاءُ نَحْوُ: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ وَالتَّهْدِيدُ نَحْوُ: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فليكفر﴾ وَالْخَبَرُ نَحْوُ: ﴿مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ له الرحمن مدا﴾ . أي يمد. ويحتمله ﴿ولنحمل﴾ . أَيْ وَنَحْمِلُ وَيَجُوزُ حَذْفُهَا وَرَفْعُ الْفِعْلِ وَمِنْهُ يقول: ﴿تؤمنون بالله ورسوله﴾ . وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلطَّلَبِ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدُ: ﴿نغفر لكم﴾ مَجْزُومًا فَلَوْلَا أَنَّهُ طَلَبٌ لَمْ يَصِحَّ الْجَزْمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ وَجْهٌ سِوَاهُ

стр. 1849

لا على ستة أوجه. أحدهما: أَنْ تَكُونَ لِلنَّفْيِ وَتَدْخُلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ. فَالدَّاخِلَةُ عَلَى الْأَسْمَاءِ تَكُونُ عَامِلَةً وَغَيْرَ عَامِلَةٍ. فَالْعَامِلَةُ قِسْمَانِ: تَارَةً تَعْمَلُ عَمَلَ إِنَّ وَهِيَ النَّافِيَةُ لِلْجِنْسِ وَهِيَ تَنْفِي مَا أَوْجَبَتْهُ إِنَّ فَلِذَلِكَ تُشَبَّهُ بِهَا فِي الْأَعْمَالِ نَحْوُ: ﴿لَا تثريب عليكم﴾ ، ﴿لا مقام لكم﴾ ﴿لا جرم أن لهم النار﴾ وَيَكْثُرُ حَذْفُ خَبَرِهَا إِذَا عُلِمَ نَحْوُ: ﴿لَا ضير﴾ ﴿فلا فوت﴾ وَتَارَةً تَعْمَلُ عَمَلَ لَيْسَ. وَزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْمُفَصَّلِ أَنَّهَا غَيْرُ عَامِلَةٍ. وَكَذَا قَالَ الْحَرِيرِيُّ فِي الدُّرَّةِ إِنَّهَا لَا تَأْتِي إِلَّا لِنَفْيِ الْوَحْدَةِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ مِنْهُ الْعُمُومَ كَمَا فِي النَّصْبِ وَعَلَيْهِ قَالَ لَا نَاقَةَ لِي فِي هَذَا وَلَا جَمَلَ يَعْنِي فَإِنَّهُ نَفْيُ الْجِنْسِ لَمَّا عُطِفَ وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ وَلَا امْرَأَةَ تُفِيدُ نَفْيَ الْجِنْسِ لِأَنَّ الْعَطْفَ أَفْهَمُ لِلْعُمُومِ

стр. 1850

وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي الْمُحَصَّلِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ . قُرِئَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ فِيهِمَا وَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: مَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَا يَسْتَقِيمُ وَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْفَهْمِ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ الْعُمُومُ مِنْهُ كَمَا فِي الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْفَتْحِ وَإِنْ كَانَتِ الْمَبْنِيَّةُ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ إِمَّا لِكَوْنِهِ نَصًّا أَوْ لِكَوْنِهِ أَقْوَى ظُهُورًا وَسَبَبُ الْعُمُومِ أَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي التُّحْفَةِ: قد تكون المشبه بـ "ليس" نَافِيَةً لِلْجِنْسِ وَيُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ إِرَادَةِ الْجِنْسِ وَغَيْرِهِ بِالْقَرَائِنِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْعَامِلَةِ. وَأَمَّا غَيْرُ الْعَامِلَةِ فَيُرْفَعُ الِاسْمُ بَعْدَهَا بِالِابْتِدَاءِ إِذَا لَمْ يُرَدْ نَفْيُ الْعُمُومِ وَيَلْزَمُ التَّكْرَارُ ثُمَّ تَارَةً تَكُونُ نَكِرَةً كَقَوْلِهِ: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ ولا هم عنها ينزفون﴾ ﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾ وَتَارَةً تَكُونُ مَعْرِفَةً كَقَوْلِهِ: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لها أن تدرك القمر﴾ وَلِذَلِكَ يَجِبُ تَكْرَارُهَا إِذَا وَلِيَهَا نَعْتٌ نَحْوُ: ﴿زيتونة لا شرقية ولا غربية﴾ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تسقي الحرث﴾ فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَمْ تُكَرِّرْهَا وَقَدْ أَوْجَبُوا تَكْرَارَهَا فِي الصِّفَاتِ؟ وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مِنَ الْكَلَامِ الْمَحْمُولِ عَلَى الْمَعْنَى وَالتَّقْدِيرُ لَا تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا سَاقِيَةٌ لِلْحَرْثِ أَيْ لَا تُثِيرُ وَلَا تسقي

стр. 1851

وَقَالَ الرَّاغِبُ: هِيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَدْخُلُ فِي الْمُتَضَادَّيْنِ وَيُرَادُ بِهَا إِثْبَاتُ الْأَمْرَيْنِ بِهِمَا جَمِيعًا نَحْوُ زَيْدٌ لَيْسَ بِمُقِيمٍ وَلَا ظَاعِنٍ أَيْ تَارَةً يَكُونُ كَذَا وَتَارَةً يَكُونُ كَذَا وَقَدْ يُرَادُ إِثْبَاتُ حَالَةٍ بَيْنَهُمَا نَحْوُ زَيْدٌ لَيْسَ بِأَبْيَضَ وَلَا أَسْوَدَ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا شرقية ولا غربية﴾ . قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا شَرْقِيَّةٌ وَغَرْبِيَّةٌ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَصُونَةٌ عَنِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ وَأَمَّا الدَّاخِلَةُ عَلَى الْأَفْعَالِ فَتَارَةً تَكُونُ لِنَفْيِ الْأَفْعَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم﴾ . لِأَنَّهُ جَزَاءٌ فَلَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَقْبَلًا. وَمِثْلُهُ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا ينصرونهم﴾ وَقَدْ يُنْفَى الْمُضَارِعُ مُرَادًا بِهِ نَفْيُ الدَّوَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ في السماوات ولا في الأرض﴾ وقد يكون للحال كقوله: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ ﴿فلا أقسم برب المشارق﴾ ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ وقوله: ﴿وما لكم لا تقاتلون﴾ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ مالكم غَيْرُ مُقَاتِلِينَ. وَقِيلَ: يُنْفَى بِهَا الْحَاضِرُ عَلَى التشبيه بـ "ما" كَقَوْلِكَ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ زَيْدٌ يَكْتُبُ الْآنَ لَا يَكْتُبُ وَالنَّفْيُ بِهَا يَتَنَاوَلُ فِعْلَ الْمُتَكَلِّمِ نَحْوُ لَا أَخْرُجُ الْيَوْمَ وَلَا أُسَافِرُ غَدًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:

стр. 1852

﴿قل لا أسألكم عليه أجرا﴾ وَفِعْلُ الْمُخَاطَبِ كَقَوْلِكَ: إِنَّكَ لَا تَزُورُنَا وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ ، ﴿فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ وَتَدْخُلُ عَلَى الْمَاضِي فِي الْقَسَمِ وَالدُّعَاءِ نَحْوُ وَاللَّهِ لَا صَلَّيْتَ وَنَحْوَ لَا ضَاقَ صَدْرُكَ. وَفِي غَيْرِهَا نَحْوُ: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ وَالْأَكْثَرُ تَكْرَارُهَا وَقَدْ جَاءَتْ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ فِي قوله تعالى: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَكِنَّهَا مُكَرَّرَةٌ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا فَكَّ رَقَبَةً وَلَا أَطْعَمَ مِسْكِينًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ فَسَّرَ اقْتِحَامَ الْعَقَبَةِ بِذَلِكَ وَقِيلَ إِنَّهُ دُعَاءٌ أَيْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُدْعَى عَلَيْهِ بِأَنْ يَفْعَلَ خَيْرًا. وَقَدْ يُرَادُ الدُّعَاءُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي كَقَوْلِكَ لَا فَضَّ اللَّهُ فَاكَ وَقَوْلِهِ لَا يَبْعَدَنْ قَوْمِي. الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ لِلنَّهْيِ يُنْهَى بِهَا الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ نَحْوُ لَا تَقُمْ وَلَا يَقُمْ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المؤمنين﴾ ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلا أن يشاء الله﴾ ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾ ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾

стр. 1853

﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان﴾ ﴿لا يحطمنكم سليمان﴾ وتخلص المضارع للاستقبال نحو: ﴿لا تخافي ولا تحزني﴾ وَتَرِدُ لِلدُّعَاءِ نَحْوُ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أو أخطأنا﴾ . وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا الطَّلَبِيَّةُ لِيَشْمَلَ النَّهْيَ وَغَيْرَهُ. وَقَدْ تَحْتَمِلُ النَّفْيَ وَالنَّهْيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ألا تعبدوا إلا الله﴾ ﴿وما لكم لا تقاتلون﴾ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ جَوَابِيَّةً أَيْ رَدٌّ فِي الجواب مناقض لـ "نعم" أَوْ بَلَى فَإِذَا قَالَ مُقَرِّرًا أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ؟ قُلْتَ: لَا أَوْ بَلَى وَإِذَا قَالَ: مُسْتَفْهِمًا هَلْ زَيْدٌ عِنْدَكَ قُلْتَ لَا أَوْ نَعَمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نعم﴾ الرَّابِعَةُ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى لَمْ وَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِالدُّخُولِ عَلَى الْمَاضِي نَحْوُ: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صلى﴾ أَيْ لَمْ يُصَدِّقْ وَلَمْ يُصَلِّ وَمِثْلُهُ: ﴿فَلَا اقتحم العقبة﴾

стр. 1854

الْخَامِسَةُ: أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً تُشْرِكُ مَا بَعْدَهَا فِي إِعْرَابِ مَا قَبْلَهَا وَتَعْطِفُ بَعْدَ الْإِيجَابِ نَحْوُ يَقُومُ زَيْدٌ لَا عَمْرٌو وَبَعْدَ الْأَمْرِ نَحْوُ اضْرِبْ زَيْدًا لَا عُمْرًا وَتَنْفِي عَنِ الثَّانِي مَا ثَبَتَ لِلْأَوَّلِ نَحْوُ خَرَجَ زَيْدٌ لَا بَكْرٌ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا قَامَ زَيْدٌ وَلَا بَكْرٌ فَالْعَطْفُ لِلْوَاوِ دُونَهَا لِأَنَّهَا أُمُّ حُرُوفِ الْعَطْفِ. السَّادِسَةُ: أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً فِي مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ: بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ النَّفْيُ أَوِ النَّهْيُ فَتَجِيءُ مُؤَكِّدَةً لَهُ كَقَوْلِكَ مَا جَاءَنِي زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم﴾ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ ولا وصيلة ولا حام﴾ وقوله: ﴿ولا الضالين﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقِيلَ: إِنَّمَا دَخَلَتْ هُنَا مُزِيلَةً لِتَوَهُّمِ أَنَّ الضَّالِّينَ هُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ والعرب تنعت الواو وَتَقُولُ مَرَرْتُ بِالظَّرِيفِ وَالْعَاقِلِ فَدَخَلَتْ لِإِزَالَةِ التَّوَهُّمِ. وَقِيلَ: لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُ الضَّالِّينَ عَلَى الَّذِينَ وَمِثَالُ النَّهْيِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا القلائد﴾ فـ "لا" زَائِدَةٌ وَلَيْسَتْ بِعَاطِفَةٍ لِأَنَّهَا إِنَّمَا يُعْطَفُ بِهَا فِي غَيْرِ النَّهْيِ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ هُنَا لِنَفْيِ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ نَفْيَ مَجِيئِهَا جَمِيعًا تَأْكِيدًا لِلظَّاهِرِ مِنَ اللَّفْظِ وَنَفْيًا لِلِاحْتِمَالِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ النَّفْيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا نَصًّا وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِـ "لَا" لَجَازَ أن يكون النفي عنها عَلَى جِهَةِ الِاجْتِمَاعِ وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلِذَلِكَ كَانَ يَقُولُ بِبَقَاءِ الزِّيَادَةِ أَوْلَى لِبَقَاءِ الْكَلَامِ بِإِثْبَاتِهَا عَلَى حَالَةٍ عِنْدَ عَدَمِهَا وَإِنْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ عِنْدَ مَجِيئِهَا أَقْوَى

стр. 1855

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السيئة﴾ . فَمَنْ قَالَ الْمُرَادُ أَنَّ الْحَسَنَةَ لَا تُسَاوِي السَّيِّئَةَ فَـ "لَا" عِنْدَهُ زَائِدَةٌ وَمَنْ قَالَ أَنَّ جِنْسَ الْحَسَنَةِ لَا يَسْتَوِي إِفْرَادُهُ وَجِنْسَ السَّيِّئَةِ لَا يَسْتَوِي إِفْرَادُهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ فَلَيْسَتْ زَائِدَةً وَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلَى جُمْلَةٍ وَقَدْ سَبَقَ فِيهَا مَزِيدُ كَلَامٍ فِي بَحْثِ الزِّيَادَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يستوي الأعمى والبصير﴾ . الْآيَةَ فَالْأُولَى وَالثَّانِيَةُ غَيْرُ زَائِدَةٍ وَالثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ والخامسة زائدة. وقال: ابن الشجري قد تجيء مؤكدة النفي فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات ولا المسيء﴾ . لأنك لا تَقُولُ مَا يَسْتَوِي زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو وَلَا تَقُولُ مَا يَسْتَوِي زَيْدٌ فَتَقْتَصِرُ عَلَى وَاحِدٍ. وَمِثْلُهُ: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ ولا الحرور﴾ ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا هَاهُنَا صِلَةٌ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَالْمَعْنَى وَلَا الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ حَتَّى تَقَعَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ . وَلَوْ قُلْتَ: مَا يَسْتَوِي زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو لَمْ يَجُزْ إِلَّا عَلَى زِيَادَةِ لَا. الثَّانِي: بَعْدَ أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ النَّاصِبَةِ لِلْفِعْلِ الْمُضَارِعِ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ . وَقِيلَ إِنَّمَا زِيدَتْ تَوْكِيدًا لِلنَّفْيِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ﴿مَنَعَكَ﴾ بِدَلِيلِ الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿مَا مَنَعَكَ ألا تسجد﴾

стр. 1856

وَقَالَ ابْنُ السِّيدِ: إِنَّمَا دَخَلَتْ لِمَا يَقْتَضِيهِ مَعْنَى الْمَنْعِ لَا يَحْتَمِلُ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الشَّيْءِ بِأَمْرِ الْمَمْنُوعِ بِأَلَّا يَفْعَلَ مَهْمَا كَانَ الْمَنْعُ فِي تَأْوِيلِ الْأَمْرِ بِتَرْكِ الْفِعْلِ وَالْحَمْلُ عَلَى تَرْكِهِ أَجْرَاهُ مَجْرَاهَا. وَمِنْ هُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ . أي لئن لم لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتِمُّ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: لَيْسَتْ زَائِدَةً وَالْمَعْنَى عَلَيْهَا. وَهَذَا كَمَا تَكُونُ مَحْذُوفَةً لَفْظًا مُرَادَةً مَعْنًى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أن تضلوا﴾ . الْمَعْنَى أَلَّا تَضِلُّوا لِأَنَّ الْبَيَانَ إِنَّمَا يَقَعُ لِأَجْلِ أَلَّا تَضِلُّوا. وَقِيلَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا. وَأَمَّا السِّيرَافِيُّ فَجَعَلَهَا عَلَى بَابِهَا حَيْثُ جَاءَتْ زَعَمَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا لِأَمْرٍ مَا قَدْ يَكُونُ فَعَلَهُ لِضِدِّهِ فَإِذَا قُلْتَ جِئْتُ لِقِيَامِ زَيْدٍ فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَجِيءَ وَقَعَ لِأَجْلِ الْقِيَامِ وَهَلْ هُوَ لِأَنْ يَقَعَ أَوْ لِئَلَّا يَقَعَ مُحْتَمَلٌ فَمَنْ جَاءَ لِلْقِيَامِ فَقَدْ جَاءَ لِعَدَمِ الْقِيَامِ وَمَنْ جَاءَ لِعَدَمِ الْقِيَامِ فَقَدْ جَاءَ لِلْقِيَامِ بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا نَصَصْتَ عَلَى مَقْصُودِكَ فَقُلْتَ جِئْتُ لِأَنْ يَقَعَ أَوْ أَرَدْتُ أَنْ يَقَعَ فَقَدْ جِئْتَ لِعَدَمِ الْقِيَامِ أَيْ لِأَنْ يَقَعَ عَدَمُ الْقِيَامِ وَهُوَ أَعْنِي عَدَمَ الْوُقُوعِ طَلَبُ وُقُوعِهِ. وَإِنْ قُلْتَ: وَقَصْدِي أَلَّا يَقَعَ الْقِيَامُ وَلِهَذَا جِئْتُ فَقَدْ جِئْتَ لِأَنَ يَقَعَ عَدَمُ الْقِيَامِ فَيُتَصَوَّرُ أَنْ تَقُولَ جِئْتُ للقيام تعني بِهِ عَدَمَ الْقِيَامِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُبَيِّنُ الله لكم أن تضلوا﴾ أَيْ يُبَيِّنُ الضَّلَالَ أَيْ لِأَجْلِ الضَّلَالِ يَقَعُ الْبَيَانُ: هَلْ هُوَ لِوُقُوعِهِ أَوْ عَدَمِهِ؟ الْمَعْنَى يبين ذلك

стр. 1857

وكذلك قوله تعالى: ﴿لئلا يعلم﴾ . أَيْ فَعَلَ اللَّهُ هَذَا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ هَلْ وَقَعَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فَقَوْلُهُ: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ بَاقٍ عَلَى مَعْنَاهُ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ. الثَّالِثُ: قَبْلَ قَسَمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . الْمَعْنَى أُقْسِمُ بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ: ﴿لَأُقْسِمُ﴾ وهي قراء قَوِيمَةٌ لَا يُضْعِفُهَا عَدَمُ نُونِ التَّوْكِيدِ مَعَ اللام لأن المراد بأقسم فِعْلُ الْحَالِ وَلَا تَلْزَمُ النُّونُ مَعَ اللَّامِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا غَيْرُ زَائِدَةٍ بَلْ هِيَ نَافِيَةٌ. وَقِيلَ: عَلَى بَابِهَا وَنَفَى بِهَا كَلَامًا تَقَدَّمَ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتُمْ مِنْ إِنْكَارِ الْقِيَامَةِ فَـ "لَا أُقْسِمُ" جَوَابٌ لِمَا حُكِيَ مِنْ جَحْدِهِمُ الْبَعْثَ كَمَا كَانَ قوله: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ . جوابا لقوله: ﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ . لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَجْرِي مَجْرَى السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ. وَهَذَا أَوْلَى مِنْ دَعْوَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْإِلْغَاءَ وَكَوْنُهَا صَدْرَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي الِاعْتِنَاءَ بِهَا وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ قَالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: وَلَيْسَتْ "لَا" فِي قوله: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ . وقوله: ﴿فلا أقسم برب المشارق﴾ . وَنَحْوِهِ بِمَنْزِلَتِهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ،كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ لِمَجِيئِهَا بَعْدَ الْفَاءِ

стр. 1858

وَالْفَاءُ عَاطِفَةٌ كَلِمَةً عَلَى كَلِمَةٍ تُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا بِمَنْزِلَتِهَا فِي: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . فَهِيَ إِذَنْ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. وَأَجَازَ الْخَارْزَنْجِيُّ فِي: ﴿لا أقسم بيوم الْقِيَامَةِ﴾ كَوْنَ لَا فِيهِ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ وَبَقِيَتْ لَا. وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَا فِي قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ . مَزِيدَةً لِتَأْكِيدِ مَعْنَى الْقَسَمِ كَمَا زِيدَتْ فِي: ﴿لئلا يعلم﴾ لتأكيد وجوب العلم، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جَوَابُ الْقَسَمِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: هَلَّا زَعَمْتَ أَنَّهَا زِيدَتْ لِتَظَاهُرِ لَا فِي: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِوَاءُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِيهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إنه لقول رسول كريم﴾ انْتَهَى. وَقَدْ يُقَالُ: هَبْ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي آيَةِ الْوَاقِعَةِ فَمَا الْمَانِعُ مَنْ تَأَتِّيهِ فِي النِّسَاءِ؟ إِلَّا أَنْ يُقَالَ اسْتَقَرَّ بِآيَةِ الْوَاقِعَةِ أَنَّهَا تُزَادُ لِتَأْكِيدِ مَعْنَى الْقَسَمِ فَقَطْ وَلَمْ يَثْبُتْ زِيَادَتُهَا مُتَظَاهِرَةً لَهَا فِي الْجَوَابِ. السَّابِعَةُ: تَكُونُ اسْمًا فِي قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ نَقْلَهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ مَا قَالُوهُ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى نَكِرَةٍ وَكَانَ حَرْفُ الْجَرِّ دَاخِلًا عَلَيْهَا نَحْوُ غَضِبْتُ مِنْ لَا شَيْءٍ وَجِئْتُ بِلَا مَالٍ وَجَعَلُوهَا بِمَنْزِلَةِ غَيْرَ وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ جَعَلُوا لَا بِمَعْنَى غَيْرٍ

стр. 1859

لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ فِيهَا الْإِعْرَابُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِعْرَابُهَا عَلَى مَا هُوَ مِنْ تَتِمَّتِهَا وَهُوَ مَا بَعْدَهَا كَقَوْلِكَ جَاءَنِي رَجُلٌ لَا عَالِمٌ وَلَا عَاقِلٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا فَارِضٌ ولا بكر﴾ ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ . وقوله: ﴿لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾

стр. 1860

لات قال سيبويه: لات مشبهة بـ "ليس" فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَلَمْ تَتَمَكَّنْ تَمَكُّنَهَا وَلَمْ يستعملوها إلا مضمرا فيها لأنها كـ "ليس" فِي الْمُخَاطَبَةِ وَالْإِخْبَارِ عَنْ غَائِبٍ أَلَا تَرَى أنك تقول ليست وليسوا وعبد الله ليس ذاهبا فتبنى عليها ولات فيها ذلك قال تعالى: ﴿ولات حين مناص﴾ . أَيْ لَيْسَ حِينَ مَهْرَبٍ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَرْفَعُ حِينَ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ لَيْسَ وَالنَّصْبُ بِهَا الْوَجِهُ لَا جَرَمَ جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ مَتْلُوَّةً بِأَنَّ وَاسْمِهَا وَلَمْ يَجِئْ بَعْدَهَا فِعْلٌ. الْأَوَّلُ فِي "هُودٍ" وَثَلَاثَةٌ فِي "النَّحْلِ" وَالْخَامِسُ فِي "غَافِرٍ" وَفِيهِ فَسَّرَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ. وَذَكَرَ اللُّغَوِيُّونَ وَالْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهَا أَقْوَالًا: أَحَدُهَا: أَنَّ "لَا" نَافِيَةٌ رَدًّا لِلْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ وَجَرَمَ فِعْلٌ مَعْنَاهُ حَقٌّ وَ"أَنَّ" مَعَ مَا فِي حَيِّزِهَا فَاعِلٌ أَيْ حَقٌّ وَوَجَبَ بُطْلَانُ دَعْوَتِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا جَرَمَ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَدٌّ عَلَى الْكُفَّارِ وَتَحْقِيقٌ لِخُسْرَانِهِمْ
следующие страницы →