← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11436

البرهان في علوم القرآن

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 944 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

لله الأمثال﴾ كَانَ الْحَذْفُ فِي خَوَاتِمِ الْآيِ كَثِيرًا مِثْلَ. ﴿فاتقون﴾ ﴿فارهبون﴾ ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ ﴿وما أريد أن يطعمون﴾ وهو كثيرا جِدًّا وَكَذَلِكَ ضَمِيرُ الْعَبْدِ مِثْلُ: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرحمن﴾ غائب عن علم إرادته الرَّحْمَنَ إِنَّمَا عِلْمُهُ بِهَا تَسْلِيمًا وَإِيمَانًا بُرْهَانِيًّا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فِي الْعُقُودِ. ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ واخشون﴾ النَّاسُ كُلِّيٌّ لَا يَدُلُّ عَلَى نَاسٍ بِأَعْيَانِهِمْ وَلَا مَوْصُوفِينَ بِصِفَةٍ فَهُمْ كُلِّيٌّ وَلَا يُعْلَمُ الْكُلِّيُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلِّيٌّ بَلْ مِنْ حَيْثُ أَثَرُ الْبَعْضِ فِي الْإِدْرَاكِ وَلَا يُعْلَمُ الْكُلِّيُّ إِلَّا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَثَرُ الْجُزْئِيِّ فِي الْإِدْرَاكِ فَالْخَشْيَةُ هُنَا كُلِّيَّةٌ لِشَيْءٍ غَيْرِ مَعْلُومِ الْحَقِيقَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَحَقَّ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ حَقٌّ وَإِنْ لَمْ نُحِطْ بِهِ عِلْمًا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ وَلَا يُخْشَى غَيْرُهُ وَهَذَا الْحَذْفُ بِخِلَافِ مَا جَاءَ في البقرة: ﴿فلا تخشوهم واخشوني﴾ ضمير الجمع يعود على: ﴿الذين ظلموا﴾ مِنَ النَّاسِ فَهُمْ بَعْضٌ لَا كُلٌّ ظَهَرُوا فِي الْمِلْكِ بِالظُّلْمِ فَالْخَشْيَةُ هُنَا جُزْئِيَّةٌ فَأَمَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُخْشَى مِنْ جِهَةِ مَا ظَهَرَ كما يجب ذلك من جهة ماستر وكذلك حذفت الياء من: ﴿فبشر عباد﴾ و: ﴿قل يا عباد﴾ فَإِنَّهُ خِطَابٌ لِرَسُولِهِ ﵇ عَلَى الْخُصُوصِ فَقَدْ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ إِلَيْهِ فِي فَهْمِنَا وَغَابَ الْعِبَادُ كُلُّهُمْ عَنْ عِلْمِ ذَلِكَ فَهُمْ غَائِبُونَ عَنْ شُهُودِ هَذَا الْخِطَابِ لَا يَعْلَمُونَهُ إِلَّا بوساطة الرسول

стр. 422

وهذا بخلاف قوله: ﴿يا عباد لا خوف عليكم﴾ فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ غَيْرَ مَحْجُوبِينَ عَنْهُ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ إِنَّهُ مُنْعِمٌ كَرِيمٌ وَثَبَتَ حَرْفُ النِّدَاءِ فَإِنَّهُ أَفْهَمَهُمْ نِدَاءَهُ الْأُخْرَوِيَّ فِي مَوْطِنِ الدُّنْيَا فِي يَوْمِ ظُهُورِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَفِي مَحَلِّ أَعْمَالِهِمْ إِلَى حُضُورِهِمْ يَوْمَ ظُهُورِهِمُ الْأُخْرَوِيَّ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَفِي محل جزائهم وكذلك: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على﴾ ثَبَتَ الضَّمِيرُ وَحَرْفُ النِّدَاءِ فِي الْخَطِّ فَإِنَّهُ دَعَاهُمْ مِنْ مَقَامِ إِسْلَامِهِمْ وَحَضْرَةِ امْتِثَالِهِمْ إِلَى مَقَامِ إِحْسَانِهِمْ وَمِثْلُهُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في العنكبوت فَإِنَّهُ دَعَاهُمْ مِنْ حَضَرَتِهِمْ فِي مَقَامِ إِيمَانِهِمْ إِلَى حَضْرَتِهِمْ وَمَقَامِ إِحْسَانِهِمْ إِلَى مَا لَا نَعْلَمُهُ مِنَ الزِّيَادَةِ بَعْدَ الْحُسْنَى وَكَذَلِكَ سَقَطَتَا فِي مَوْطِنِ الدُّعَاءِ مِثْلِ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ حُذِفَتِ الْيَاءُ لِعَدَمِ الْإِحَاطَةِ بِهِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِغَيْبَتِنَا نَحْنُ عَنِ الْإِدْرَاكِ وَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْنَا مِنْ أنفسنا وأما قوله: ﴿وقيله يا رب﴾ فَأُثْبِتَ حَرْفُ النِّدَاءِ لِأَنَّهُ دَعَا رَبَّهُ مِنْ مَرْتَبَةِ حُضُورِهِ مَعَهُمْ فِي مَقَامِ الْمِلْكِ لِقَوْلِهِ: ﴿إن هؤلاء﴾ وَأُسْقِطَ حَرْفُ ضَمِيرِهِ لِمَغِيبِهِ عَنْ ذَاتِهِ فِي تَوَجُّهِهِ فِي مَقَامِ الْمَلَكُوتِ وَرُتْبَةِ إِحْسَانِهِ فِي إسلامه وكذلك في مثل: ﴿يا قوم﴾ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْهُمْ فِي خِطَابِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِدْرَاكِ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِهِمْ فِي النِّسْبَةِ الرَّابِطَةِ بَيْنَهُمْ فِي الْوُجُودِ الْعُلْوِيَّةِ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي إِذَا كَانَتِ الْيَاءُ لَامَ الْكَلِمَةِ فِي الْفِعْلِ أَوِ الِاسْمِ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ

стр. 423

مِنْ حَيْثُ يَكُونُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ يُعْتَبَرُ مِنْ مَبْدَئِهِ الظَّاهِرِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَى مَلَكُوتِيَّةِ الْبَاطِنِ إِلَى مَا لَا يُدْرَكُ مِنْهُ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا فَيَكُونُ حَذْفُ الْيَاءِ مُنَبِّهًا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكْمُلِ اعْتِبَارُهُ فِي الظَّاهِرِ مِنْ ذَلِكَ الْخِطَابِ بِحَسَبِ عَرْضِ الْخِطَابِ مِثْلَ: ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما﴾ هو ﴿ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ وَقَدِ ابْتَدَأَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مُتَّصِلًا بِالْآخِرَةِ وَكَذَلِكَ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حُذِفَتْ لِأَنَّهُ يَهْدِيهِمْ بِمَا نَصَبَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْعِبَرِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ برفع دَرَجَاتِهِمْ فِي هِدَايَتِهِمْ إِلَى حَيْثُ لَا غَايَةَ قال الله تعالى: ﴿ولدينا مزيد﴾ وكذلك: ﴿وما أنت بهاد العمي﴾ فِي الرُّومِ هَذِهِ الْهِدَايَةُ هِيَ الْكُلِّيَّةُ عَلَى التَّفْصِيلِ بِالتَّوَالِي الَّتِي تُرَقِّي الْعَبْدَ فِي هِدَايَتِهِ مِنَ الْأَرْبَابِ إِلَى مَا يُدْرِكُهُ الْعَيَانُ لَيْسَ ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﵇ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَيَانِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ قَبْلَهَا: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها﴾ الآية فَهَذَا النَّظَرُ مِنْ عَالَمِ الْمِلْكِ ذَاهِبًا فِي النَّظَرِ إِلَى عَالَمِ الْمَلَكُوتِ إِلَى مَا لَا يُدْرَكُ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَرْفِ الَّذِي فِي النَّمْلِ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ فَثَبَتَتِ الْيَاءُ لِأَنَّ هَذِهِ الْهِدَايَةَ كُلِّيَّةٌ كَامِلَةٌ بدليل قوله: ﴿إنك على الحق المبين﴾ وكذلك: ﴿بالواد المقدس﴾ و ﴿الواد الأيمن﴾ هما مبدأ التقديس

стр. 424

الَّذِي وُصِفَا بِهِ فَانْتَقَلَ التَّقْدِيسُ وَالْيُمْنُ مِنْهُمَا إِلَى الْجَمَالِ ذَاهِبًا بِهِمَا إِلَى مَا لَا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ إِلَّا اللَّهُ وَكَذَلِكَ: ﴿وَادِ النَّمْلِ﴾ هُوَ مَوْضِعٌ لِابْتِدَاءِ سَمَاعِ الْخِطَابِ مِنْ أَخْفَضِ الْخَلْقِ وَهَى النَّمْلَةُ إِلَى أَعْلَاهُمْ وَهُوَ الْهُدْهُدُ والطير وَمِنْ ظَاهِرِ النَّاسِ وَبَاطِنِ الْجِنِّ إِلَى قَوْلِ الْعِفْرِيتِ إِلَى قَوْلِ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ هِدَايَةِ الْكِتَابِ إِلَى مَقَامِ الْإِسْلَامِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وكذلك: ﴿وله الجوار المنشآت في البحر﴾ سَقَطَتِ الْيَاءُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا لِلَّهِ مِنْ حَقِّ إِنْشَائِهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِمَّا لَا نِهَايَةَ لَهُ من صفاتها وكذلك: ﴿الجوار الكنس﴾ حُذِفَتِ الْيَاءُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا تَجْرِي مِنْ مَحَلِّ اتِّصَافِهَا بِالْخِنَاسِ إِلَى مَحَلِّ اتِّصَافِهَا بِالْكِنَاسِ وذلك يفهم لأنه اتصف بالخناس عن حركة تقدمت بالوصف الظاهر ويفهم منه وصف بالجوار في الْبَاطِنِ وَهَذَا الظَّاهِرُ مَبْدَأٌ لِفَهْمِهِ كَالنُّجُومِ الْجَارِيَةِ دَاخِلٌ تَحْتَ مَعْنَى الْكَلِمَةِ فَصْلٌ: فِي حَذْفِ النُّونِ وَيَلْحَقُ بِهَذَا الْقِسْمِ حَذْفُ النُّونِ الَّذِي هُوَ لَامُ فِعْلٍ فَيُحْذَفُ تَنْبِيهًا عَلَى صِغَرِ مَبْدَأِ الشَّيْءِ وَحَقَارَتِهِ وَأَنَّ مِنْهُ يَنْشَأُ وَيَزِيدُ إِلَى مَا لَا يُحِيطُ بِعِلْمِهِ غَيْرُ اللَّهِ مثل ﴿ألم يك نطفة﴾ حُذِفَتِ النُّونُ تَنْبِيهًا عَلَى مَهَانَةِ مُبْتَدَأِ الْإِنْسَانِ وَصِغَرِ قَدْرِهِ بِحَسْبِ مَا يُدْرِكُ هُوَ

стр. 425

مِنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَتَرَقَّى فِي أَطْوَارِ التَّكْوِينِ ﴿فإذا هو خصيم مبين﴾ ، فَهُوَ حِينَ كَانَ نُطْفَةً كَانَ نَاقِصَ الْكَوْنِ كذلك كل مرتبة ينتهي إليها كونه هي نَاقِصَةُ الْكَوْنِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَعْدَهَا فَالْوُجُودُ الدُّنْيَوِيُّ كُلُّهُ نَاقِصُ الْكَوْنِ عَنْ كَوْنِ الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الحيوان﴾ كذلك: ﴿وإن تك حسنة يضاعفها﴾ حُذِفَتِ النُّونُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةَ الْمِقْدَارِ حَقِيرَةً فِي الِاعْتِبَارِ فَإِنَّ إِلَيْهِ تَرْتِيبَهَا وَتَضَاعِيفَهَا وَمِثْلُهُ: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ من خردل﴾ وكذلك: ﴿أولم تك تأتيكم رسلكم﴾ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ أَقْرَبِ شَيْءٍ فِي الْبَيَانِ الَّذِي أَقَلُّ مِنْ مَبْدَأٍ فِيهِ وَهُوَ الْحِسُّ إِلَى الْعَقْلِ إِلَى الذِّكْرِ وَرَقَّوْهُمْ مِنْ أَخْفَضِ رُتْبَةٍ وَهَى الْجَهْلُ إِلَى أَرْفَعِ دَرَجَةٍ فِي الْعِلْمِ وَهِيَ الْيَقِينُ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم﴾ فَإِنَّ كَوْنَ تِلَاوَةِ الْآيَاتِ قَدْ أُكْمِلَ كَوْنُهُ وَتَمَّ وَكَذَلِكَ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ هَذَا قَدْ تَمَّ كَوْنُهُ وَكَذَلِكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ هَذَا قَدْ تَمَّ كَوْنُهُمْ غَيْرَ مُنْفَكِّينَ إِلَى تِلْكَ الْغَايَةِ الْمَجْعُولَةِ لَهُمْ وَهَى مَجِيءُ الْبَيِّنَةِ وكذلك: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم﴾ انْتَفَى عَنْ إِيمَانِهِمْ مَبْدَأُ الِانْتِفَاعِ وَأَقَلُّهُ فَانْتَفَى أصله

стр. 426

فَصْلٌ: فِيمَا كُتِبَتِ الْأَلِفُ فِيهِ وَاوًا عَلَى لَفْظِ التَّفْخِيمِ وَذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أُصُولٍ مُطَّرِدَةٍ وَأَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ مُتَفَرِّعَةٍ فَالْأَرْبَعَةُ الْأُصُولِ هِيَ ﴿الصَّلَوةَ﴾ و ﴿الزكوة﴾ و ﴿الحيوة﴾ و ﴿الربوا﴾ وَالْأَرْبَعَةُ الْأَحْرُفِ قَوْلُهُ فِي الْأَنْعَامِ وَالْكَهْفِ ﴿بِالْغَدَوةِ﴾ ، والنور ﴿كمشكواة﴾ وفي المؤمن ﴿النجوة﴾ وفي النجم ﴿ومناة﴾ فأما قوله: ﴿وما كان صلاتهم﴾ ﴿إن صلاتي﴾ ﴿حياتنا الدنيا﴾ ﴿وما آتيتم من ربا﴾ فَالرَّسْمُ بِالْأَلِفِ فِي الْكُلِّ وَالْقَصْدُ بِذَلِكَ تَعْظِيمُ شَأْنِ هَذِهِ الْأَحْرُفِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ عَمُودَا الْإِسْلَامِ وَالْحَيَاةَ قَاعِدَةُ النَّفْسِ وَمِفْتَاحُ الْبَقَاءِ وَتَرْكَ الرِّبَا قَاعِدَةُ الْأَمَانِ وَمِفْتَاحُ التَّقْوَى وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ من الله﴾ وَيَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعِ الْحَرَامِ وَأَنْوَاعِ الْخَبَائِثِ وَضُرُوبِ الْمَفَاسِدِ وَهُوَ نَقِيضُ الزَّكَاةِ وَلِهَذَا قُوبِلَ بَيْنَهُمَا في قوله: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ وَاجْتِنَابُهُ أَصْلٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ وَإِنَّمَا كُتِبَتْ بالألف

стр. 427

فِي سُورَةِ الرُّومِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْعَامَّ الْكُلِّيَّ لِأَنَّ الْكُلِّيَّ مَنْفِيٌّ فِي حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالتَّحْرِيمِ وَفِي نَفْيِ الْكُلِّيِّ نَفْيُ جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ فإن قلت: فلم كتب الزكاوة هُنَا بِالْوَاوِ وَهَلَّا جَرَتْ عَلَى نَظْمِ مَا قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ قُلْتُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْكُلِّيَّةُ فِي حُكْمِ الله ولذلك قال: ﴿فأولئك هم المضعفون﴾ وأما كتاب ﴿النجوة﴾ بِالْوَاوِ فَلِأَنَّهَا قَاعِدَةُ الطَّاعَاتِ وَمِفْتَاحُ السَّعَادَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ وَأَمَّا ﴿الْغَدَوةُ﴾ فَقَاعِدَةُ الْأَزْمَانِ وَمَبْدَأُ تَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْغُدُوِّ وَأَمَّا"الْمِشْكَوةُ" فَقَاعِدَةُ الْهِدَايَةِ وَمِفْتَاحُ الْوِلَايَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لنوره من يشاء﴾ وَأَمَّا ﴿مَنَوةُ﴾ فَقَاعِدَةُ الضَّلَالِ وَمِفْتَاحُ الشِّرْكِ وَالْإِضْلَالِ وَقَدْ وَصَفَهَا اللَّهُ بِوَصْفَيْنِ أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى تَكْثِيرِهِمُ الْإِلَهَ مِنْ مُثَنًّى وَمُثَلَّثٍ وَالثَّانِي يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَالتَّغَايُرِ فَمِنْ مُعَطَّلٍ وَمُشَبَّهٍ تَعَالَى الإله عما يقولون فصل: في مد الياء وَقَبْضِهَا وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَمَّا لَازَمَتِ الْفِعْلَ صَارَ لَهَا اعْتِبَارَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ حَيْثُ هي

стр. 428

أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ وَهَذَا تُقْبَضُ مِنْهُ التَّاءُ وَالثَّانِي مِنْ حَيْثُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضَاهَا فِعْلًا وَأَثَرًا ظَاهِرًا فِي الْوُجُودِ فَهَذَا تُمَدُّ فِيهِ كَمَا تمد في قالت وحقت وَجِهَةُ الْفِعْلِ وَالْأَمْرِ مِلْكِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ وَجِهَةُ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ مَلَكُوتِيَّةٌ بَاطِنَةٌ فَمِنْ ذَلِكَ الرَّحْمَةُ مُدَّتْ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي أَحَدِهَا: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المحسنين﴾ فَوَضْعُهَا عَلَى التَّذْكِيرِ فَهُوَ الْفِعْلُ وَكَذَلِكَ: ﴿فَانْظُرْ إلى آثار رحمت الله﴾ وَالْأَثَرُ هُوَ الْفِعْلُ ضَرُورَةً وَالثَّالِثُ: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رحمت الله﴾ والرابع في هود: ﴿رحمت الله وبركاته﴾ والخامس: ﴿ذكر رحمت ربك﴾ والسادس: ﴿أهم يقسمون رحمت ربك﴾ والسابع: ﴿ورحمت ربك خير مما يجمعون﴾ وَمِنْهُ النِّعْمَةُ بِالْهَاءِ إِلَّا فِي أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا مُدَّتْ بِهَا فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عليكم﴾ في آل عمران،

стр. 429

والمائدة وفي إبراهيم موضعان والنحل ثلاثة مواضع وفي لقمان وفاطر والطور وَالْحِكْمَةُ فِيهَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَاصِلَةَ بِالْفِعْلِ فِي الْوُجُودِ تُمَدُّ نَحْوُ قَوْلِهِ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها﴾ بدليل قوله: ﴿إن الأنسان لظلوم كفار﴾ فَهَذِهِ نِعْمَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِالظَّلُومِ الْكَفَّارِ فِي تَنْزِيلِهِمَا وَهَذَا بِخِلَافِ الَّتِي فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وَإِنْ تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ كُتِبَتْ مَقْبُوضَةً لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الِاسْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إن الله لغفور رحيم﴾ فَهَذِهِ نِعْمَةٌ وَصَلَتْ مِنَ الرَّبِّ فَهِيَ مَلَكُوتِيَّةٌ خَتَمَهَا بِاسْمِهِ وَخَتَمَ الْأُولَى بِاسْمِ الْإِنْسَانِ وَمِنْ ذَلِكَ الْكَلِمَةُ مَقْبُوضَةً إِلَّا فِي مَوْضِعٍ فِي الْأَعْرَافِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ هُوَ مَا تَمَّ لَهُمْ فِي الْوُجُودِ الْأُخْرَوِيِّ بِالْفِعْلِ الظَّاهِرِ دَلِيلُهُ فِي الْمِلْكِ وَهُوَ

стр. 430

الِاخْتِلَافُ وَتَمَامُهَا أَنَّ لَهَا نِهَايَةً تَظْهَرُ فِي الْوُجُودِ بِالْفِعْلِ فَمُدَّتِ التَّاءُ وَمِنْهَا السُّنَّةُ مَقْبُوضَةً إِلَّا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ حَيْثُ تَكُونُ بِمَعْنَى الْإِهْلَاكِ وَالِانْتِقَامِ الَّذِي فِي الْوُجُودِ أَحَدُهَا فِي الأنفال: ﴿فقد مضت سنت الأولين﴾ ويدل عليها أنها من الِانْتِقَامِ قَوْلُهُ قَبْلَهَا: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قد سلف﴾ وَقَوْلُهُ بَعْدَهَا ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وَفَى فَاطِرٍ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فلن تجد لسنت الله تبديلا﴾ وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهَا بِمَعْنَى الِانْتِقَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى قَبْلَهَا: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وَسِيَاقُ مَا بَعْدَهَا وَفَى الْمُؤْمِنِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ﴾ أَمَّا إِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ بِمَعْنَى الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ فَهِيَ مَلَكُوتِيَّةٌ بِمَعْنَى الِاسْمِ تُقْبَضُ تَاؤُهَا كَمَا فِي الْأَحْزَابِ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا من قبل﴾ أي حكم الله وشرعه وفي الإسراء: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ ومنه: ﴿بقيت الله﴾ فَرْدٌ مُدَّتْ تَاؤُهُ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى مَا يَبْقَى فِي أَمْوَالِهِمْ مِنَ الرِّبْحِ الْمَحْسُوسِ لِأَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا هُوَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ الْمِلْكِ

стр. 431

ومنه ﴿فطرت الله﴾ فرد وصفها بِأَنَّهَا فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا فَهِيَ فَصْلُ خِطَابٍ فِي الْوُجُودِ كَمَا جَاءَ "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ" الْحَدِيثَ وَمِنْهُ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولك﴾ فَرْدٌ مُدَّتْ تَاؤُهُ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْفِعْلِ إِذْ هُوَ خَبَرٌ عَنْ مُوسَى وَهُوَ مَوْجُودٌ حَاضِرٌ في الملك وهذا بخلاف: ﴿قرة أعين﴾ فَإِنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى الِاسْمِ وَهُوَ مَلَكُوتِيٌّ إِذْ هو غير حاضر ومنه: ﴿ومعصيت الرسول﴾ مُدَّتْ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي سُورَةِ الْمُجَادِلَةِ لِأَنَّ مَعْنَاهَا الْفِعْلُ وَالتَّقْدِيرُ وَلَا تَتَنَاجَوْا بِأَنْ تَعْصُوا الرَّسُولَ وَنَفْسُ هَذَا النَّجْوِ الْوَاقِعِ مِنْهُمْ فِي الْوُجُودِ هُوَ فِعْلُ مَعْصِيَةٍ لِوُقُوعِ النَّهْيِ عَنْهُ وَمِنْهُ اللَّعْنَةُ مُدَّتْ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي آيَةِ الْمُبَاهَلَةِ وَفَى آيَةِ اللِّعَانِ وَكَوْنُهُمَا بِمَعْنَى الْفِعْلِ ظَاهِرٌ وَمِنْهُ الشَّجَرَةُ فِي مَوْضِعِ: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزقوم﴾ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْفِعْلِ اللَّازِمِ وَهُوَ تَزَقُّمُهَا بِالْأَكْلِ بدليل قوله تعالى: ﴿في البطون﴾ فَهَذِهِ صِفَةُ فِعْلٍ كَمَا فِي الْوَاقِعَةِ: ﴿لَآكِلُونَ من شجر من زقوم﴾ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا

стр. 432

أم شجرة الزقوم﴾ فإن هذه وصفها بأنها: ﴿فتنة للظالمين﴾ وأنها ﴿إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم﴾ فَهُوَ حِلْيَةٌ لِلِاسْمِ فَلِذَلِكَ قُبِضَتْ تَاؤُهَا وَمِنْهُ الْجَنَّةُ مُدَّتْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي الْوَاقِعَةِ: ﴿وجنت نعيم﴾ لِكَوْنِهَا بِمَعْنَى فِعْلِ التَّنَعُّمِ بِالنَّعِيمِ بِدَلِيلِ اقْتِرَانِهَا بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ وَتَأَخُّرِهَا عَنْهُمَا وَهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَهَذِهِ جَنَّةٌ خَاصَّةٌ بِالْمُنَعَّمِ بِهَا وَأَمَّا: ﴿مِنْ ورثة جنة النعيم﴾ و: ﴿أن يدخل جنة نعيم﴾ فَإِنَّ هَذَا بِمَعْنَى الِاسْمِ الْكُلِّيِّ وَلَمْ تُمَدَّ: ﴿وتصلية جحيم﴾ لِأَنَّهَا اسْمُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُكَذِّبِ فِي الْآخِرَةِ أَخْبَرَنَا اللَّهُ بِذَلِكَ فَالْمُؤْمِنُ يَعْلَمُهُ تَصْدِيقًا وَلَا يُحْذَفُ لِفِعْلٍ أَبَدًا وَالضَّابِطُ لِذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ بِمَعْنَى الِاسْمِ لَمْ تُمَدَّ تَاؤُهُ مِثْلِ: ﴿زهرة الحياة الدنيا﴾ و ﴿صبغة الله﴾ و ﴿زلزلة الساعة﴾ و ﴿تحلة أيمانكم﴾ و ﴿رحلة الشتاء والصيف﴾ و ﴿حمالة الحطب﴾ ومنه: ﴿ومريم ابنت عمران﴾ مُدَّتِ التَّاءُ تَنْبِيهًا عَلَى مَعْنَى الْوِلَادَةِ وَالْحُدُوثِ مِنَ النُّطْفَةِ الْمَهِينَةِ وَلَمْ يُضَفْ فِي الْقُرْآنِ وَلَدٌ إِلَى وَالِدٍ وَوُصِفَ بِهِ اسْمُ الْوَلَدِ إِلَّا عِيسَى وَأُمَّهُ ﵉ لَمَّا اعْتَقَدَ النَّصَارَى فِيهِمَا أَنَّهُمَا إِلَهَانِ فَنَبَّهَ سُبْحَانَهُ بِإِضَافَتِهِمَا الْوِلَادِيَّةَ عَلَى جِهَةِ حُدُوثِهِمَا بَعْدَ عَدَمِهِمَا حَتَّى أَخْبَرَ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ بِصِفَةِ

стр. 433

الْإِضَافَةِ دُونَ الْمَوْصُوفِ وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وأمه آية﴾ لَمَّا غَلَوْا فِي إِلَاهِيَّتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أُمِّهِ كَمَا نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى حَاجَتِهِمَا وَتَغَيُّرِ أَحْوَالِهِمَا في الوجود بلحقهما مَا يَلْحَقُ الْبَشَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَانَا يأكلان الطعام﴾ وَمِنْهُ امْرَأَةٌ هِيَ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ وَهَى خمس من النساء امرأت عمران وامرأت فرعون وامرأت نوح وامرأت لوط وامرأت العزيز كُلُّهَا مَمْدُودَةٌ تَنْبِيهًا عَلَى فِعْلِ التَّبَعُّلِ وَالصُّحْبَةِ وَشِدَّةِ الْمُوَاصَلَةِ وَالْمُخَالَطَةِ وَالِائْتِلَافِ فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَحْسُوسِ وَأَرْبَعٌ مِنْهُنَّ مُنْفَصِلَاتٌ فِي بَوَاطِنِ أَمْرِهِنَّ عَنْ بُعُولَتِهِنَّ بِأَعْمَالِهِنَّ وَوَاحِدَةٌ خَاصَّةٌ وَاصَلَتْ بَعْلَهَا بَاطِنًا وظاهرا وهي امرأت عِمْرَانَ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهَا ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً وَأَكْرَمَهَا بِذَلِكَ وَفَضَّلَهَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَوَاحِدَةٌ مِنَ الْأَرْبَعِ انْفَصَلَتْ بِبَاطِنِهَا عَنْ بَعْلِهَا طَاعَةً لِلَّهِ وَتَوَكُّلًا عليه وخوفا منه فنجاها وأكرمها وهي امرأت فِرْعَوْنَ وَاثْنَتَانِ مِنْهُنَّ انْفَصَلَتَا عَنْ أَزْوَاجِهِمَا كُفْرًا بِاللَّهِ فَأَهْلَكَهُمَا اللَّهُ وَدَمَّرَهُمَا وَلَمْ يَنْتَفِعَا بِالْوَصْلَةِ الظَّاهِرَةِ مَعَ أَنَّهَا أَقْرَبُ وَصْلَةٍ بِأَفْضَلِ أَحْبَابِ الله كما لم تضر امرأت فِرْعَوْنَ وَصْلَتُهَا الظَّاهِرَةُ بِأَخْبَثِ عَبِيدِ اللَّهِ وَوَاحِدَةٌ انْفَصَلَتْ عَنْ بَعْلِهَا بِالْبَاطِنِ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى وَشَهْوَةِ نَفْسِهَا فَلَمْ تَبْلُغْ مِنْ ذَلِكَ مُرَادَهَا مَعَ تَمَكُّنِهَا مِنَ الدُّنْيَا وَاسْتِيلَائِهَا عَلَى مَا مَالَتْ إِلَيْهِ بِحُبِّهَا وَهُوَ فِي بَيْتِهَا وَقَبْضَتِهَا فَلَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهَا شَيْئًا وَقُوَّتُهَا وَعِزَّتُهَا إِنَّمَا كَانَا لَهَا مِنْ بَعْلِهَا الْعَزِيزِ وَلَمْ يَنْفَعْهَا ذَلِكَ فِي الْوُصُولِ إِلَى إِرَادَتِهَا مَعَ عَظِيمِ كَيْدِهَا كَمَا لَمْ يَضُرَّ يُوسُفَ مَا امْتُحِنَ بِهِ مِنْهَا وَنَجَّاهُ اللَّهُ مِنَ السِّجْنِ وَمَكَّنَ لَهُ فِي الْأَرْضِ وَذَلِكَ بِطَاعَتِهِ لِرَبِّهِ وَلَا سَعَادَةَ إِلَّا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَلَا شَقَاوَةَ إِلَّا بِمَعْصِيَتِهِ فَهَذِهِ كُلُّهَا عِبَرٌ وَقَعَتْ بِالْفِعْلِ فِي الْوُجُودِ فِي شَأْنِ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ فَلِذَلِكَ مدت تاءاتهن

стр. 434

فَصْلٌ: فِي الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ اعْلَمْ أَنَّ الْمَوْصُولَ فِي الْوُجُودِ تُوصَلُ كَلِمَاتُهُ فِي الْخَطِّ كَمَا تُوصَلُ حُرُوفُ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ وَالْمَفْصُولُ مَعْنًى فِي الْوُجُودِ يُفْصَلُ فِي الْخَطِّ كَمَا تُفْصَلُ كَلِمَةٌ عَنْ كَلِمَةٍ فَمِنْهُ إِنَّمَا بِالْكَسْرِ كُلُّهُ مَوْصُولٌ إلا واحدا: ﴿إن ما توعدون لآت﴾ لِأَنَّ حَرْفَ مَا هُنَا وَقَعَ عَلَى مُفَصَّلٍ فَمِنْهُ خَيْرٌ مَوْعُودٌ بِهِ لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَمِنْهُ شَرٌّ مَوْعُودٌ بِهِ لِأَهْلِ الشَّرِّ فَمَعْنَى مَا مَفْصُولٌ فِي الْوُجُودِ وَالْعِلْمِ وَمِنْهُ أَنَّمَا بِالْفَتْحِ كُلُّهُ مَوْصُولٌ إِلَّا حَرْفَانِ: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ من دونه هو الباطل﴾ ﴿وأن ما يدعون من دونه الباطل﴾ وَقَعَ الْفَصْلُ عَنْ حَرْفِ التَّوْكِيدِ إِذْ لَيْسَ لِدَعْوَى غَيْرِ اللَّهِ وَصْلٌ فِي الْوُجُودِ إِنَّمَا وَصْلُهَا فِي الْعَدَمِ وَالنَّفْيِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى عَنِ الْمُؤْمِنِ: ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دعوة في الدنيا ولا في الآخرة﴾ فَوَصَلَ أَنَّمَا فِي النَّفْيِ وَفَصَلَ فِي الْإِثْبَاتِ لا لِانْفِصَالِهِ عَنْ دَعْوَةِ الْحَقِّ وَمِنْهُ كُلَّمَا مَوْصُولٌ كله إلا ثلاثة:

стр. 435

في النساء: ﴿كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها﴾ فَمَا رُدُّوا إِلَيْهِ لَيْسَ شَيْئًا وَاحِدًا فِي الْوُجُودِ بَلْ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْوُجُودِ وَصِفَةُ مَرَدِّهِمْ لَيْسَتْ وَاحِدَةً بَلْ مُتَنَوِّعَةً فَانْفَصَلَ مَا لِأَنَّهُ لِعُمُومِ شَيْءٍ مُفَصَّلٍ فِي الْوُجُودِ وَفِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ فَحَرْفُ مَا وَاقِعٌ عَلَى أَنْوَاعٍ مُفَصَّلَةٍ فِي الْوُجُودِ وَفَى قَدْ أَفْلَحَ: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أمة رسولها كذبوه﴾ وَالْأُمَمُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْوُجُودِ فَحَرْفُ مَا وَقَعَ عَلَى تَفَاصِيلَ مَوْجُودَةٍ لِتُفَصَّلَ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فريقا كذبوا وفريقا يقتلون﴾ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ بدليل قوله: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله﴾ وَالْمُخَاطَبُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقْتُلُوا الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا بَاشَرَهُ آبَاؤُهُمْ لَكِنَّ مَذْهَبَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ فَحَرْفُ مَا إِنَّمَا يَشْمَلُ تَفَاصِيلَ الزَّمَانِ وَهُوَ تَفْصِيلٌ لَا مُفَصَّلَ لَهُ فِي الْوُجُودِ إِلَّا بِالْفَرْضِ وَالتَّوَهُّمِ لَا بِالْحِسِّ فَوُصِلَتْ كُلُّ لِاتِّصَالِ الْأَزْمِنَةِ فِي الْوُجُودِ وَتَلَازُمِ أَفْرَادِهَا الْمُتَوَهَّمَةِ وَكَذَلِكَ: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا منها من ثمرة رزقا﴾ هَذَا مَوْصُولٌ لِأَنَّ حَرْفَ مَا جَاءَ لِتَعْمِيمِ الْأَزْمِنَةِ فَلَا تَفْصِيلَ فِيهَا فِي الْوُجُودِ وَمَا رُزِقُوا هُوَ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُتُوا به متشابها﴾

стр. 436

وَمِنْهُ أَيْنَمَا مَوْصُولٌ إِذَا كَانَتْ مَا غَيْرَ مُخْتَلِفَةِ الْأَقْسَامِ فِي الْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهَا مِثْلُ: ﴿أينما يوجهه﴾ ﴿فأينما تولوا﴾ ﴿أينما ثقفوا أخذوا﴾ ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ فَهَذِهِ كُلُّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنِ الْأَيْنِ الْمِلْكِيِّ وَهُوَ مُتَّصِلٌ حِسًّا وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْفِعْلُ الَّذِي مَعَ مَا وَتُفْصَلُ أَيْنَ حَيْثُ تَكُونُ مَا مُخْتَلِفَةَ الْأَقْسَامِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي بَعْدَهَا مثل: ﴿أين ما كنتم تعبدون﴾ ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحبل من الناس﴾ ومنه بئسما موصول إلا ثلاثة أحرف اثنان في البقرة: ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم﴾ ، ﴿بئس ما يأمركم به إيمانكم﴾ وفي الأعراف: ﴿بئس ما خلفتموني﴾ فَحَرْفُ مَا لَيْسَ فِيهِ تَفْصِيلٌ لِأَنَّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الْوُجُودِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ بَاطِلًا مَذْمُومًا عَلَى خِلَافِ حَالِ مَا فِي الْمَائِدَةِ: ﴿وترى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السحت لبئس ما كانوا يعملون﴾ فَحَرْفُ مَا يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلُ وَكَذَلِكَ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أنفسهم﴾ حرف ما مفصول لأنه يعمل مَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَقْسَامِ

стр. 437

ومنه: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ ﴿يوم هم بارزون﴾ حَرْفَانِ فُصِلَ الضَّمِيرُ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَأُضِيفَ الْيَوْمُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ وَ ﴿يَوْمَهُمُ الذي فيه يصعقون﴾ و ﴿يومهم الذي يوعدون﴾ وُصِلَ الضَّمِيرُ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ فَهُوَ جُزْءُ الْكَلِمَةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ الْيَوْمِ الْمُضَافِ وَالضَّمِيرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ فِي مَا مَفْصُولٌ أَحَدَ عَشَرَ حَرْفًا: فِي الْبَقَرَةِ: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من معروف﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَقَعُ عَلَى فَرْدٍ وَاحِدٍ مِنْ أَنْوَاعٍ يَنْفَصِلُ بِهَا الْمَعْرُوفُ فِي الْوُجُودِ وعلى الْبَدَلِيَّةِ أَوِ الْجَمْعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَنْكِيرُهُ الْمَعْرُوفَ وَدُخُولُ حِرَفِ التَّبْعِيضِ عَلَيْهِ فَهُوَ حِسِّيٌّ يُقَسَّمُ وَحَرْفُ مَا وَقَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أَوِ الْجَمْعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بالمعروف، فَهَذَا مَوْصُولٌ لِأَنَّ مَا وَاقِعَةٌ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ غَيْرِ مُفَصَّلٍ يَدُلُّكَ عَلَيْهِ وَصْفُهُ بِالْمَعْرُوفِ وكذلك ﴿في ما اشتهت أنفسهم خالدون﴾ وَهُوَ مَفْصُولٌ لِأَنَّ شَهَوَاتِ الْأَنْفُسِ مُخْتَلِفَةٌ أَوْ مُفَصَّلَةٌ فِي الْوُجُودِ كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْهُ فِي سَائِرِهَا وَمِنْهُ: ﴿لِكَيْلَا﴾ مَوْصُولٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ وَبَاقِيهَا مُنْفَصِلٌ وَإِنَّمَا يُوصَلُ حَيْثُ يَكُونُ حَرْفُ النَّفْيِ دَخَلَ عَلَى مَعْنًى كُلِّيٍّ فَيُوصَلُ لِأَنَّ نَفْيَ الْكُلِّيِّ نَفْيٌ لِجَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ فَعِلَّةُ نَفْيِهِ هِيَ عِلَّةُ نَفْيِ أَجْزَائِهِ وَلَيْسَ لِلْكُلِّيِّ الْمَنْفِيِّ أَفْرَادٌ فِي الْوُجُودِ وَإِنَّمَا

стр. 438

ذَلِكَ فِيهِ بِالتَّوَهُّمِ وَيُفْصَلُ حَيْثُ يَكُونُ حَرْفُ النَّفْيِ دَخَلَ عَلَى جُزْئِيٍّ فَإِنَّ نَفْيَ الْجُزْئِيِّ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْكُلِّيِّ فَلَا تَكُونَ علته علة نفي الجمع: في الحج وفى الأحزاب: ﴿لكيلا يكون عليك حرج﴾ وَفَى الْحَدِيدِ: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ فَهَذِهِ هِيَ الْمَوْصُولَةُ وَهِيَ بِخِلَافِ: ﴿لِكَيْ لَا يعلم بعد علم شيئا﴾ فِي النَّحْلِ لِأَنَّ الظَّرْفَ فِي هَذَا خَاصُّ الِاعْتِبَارِ وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ عَامُّ الِاعْتِبَارِ لِدُخُولِ مِنْ عَلَيْهِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ اختص المظروف بقبل فِي الدُّنْيَا فَفِيهَا كَانُوا مُشْفِقِينَ خَاصَّةً وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هو البر الرحيم﴾ فَهَذَا الظَّرْفُ عَامٌّ لِدُعَائِهِمْ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا والآخرة فلم يختص المظروف بقبل بِالدُّنْيَا وَكَذَلِكَ: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وطرا﴾ فَهَذَا الْمَنْفِيُّ هُوَ حَرَجٌ مُقَيَّدٌ بِظَرْفَيْنِ وَكَذَلِكَ: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ فَهَذَا النَّفْيُ هُوَ كَوْنُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذِهِ قُيُودٌ كَثِيرَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ هُمْ وَنَحْوُهُ مِنَ الضَّمَائِرِ تَدُلُّ عَلَى جُمْلَةِ الْمُسَمَّى مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَالْإِضْمَارُ حَالٌ لَا صِفَةُ وُجُودٍ فَلَا يَلْزَمُهَا التَّقْسِيمُ الْوُجُودِيُّ إِلَّا الْوَهْمِيَّ الشِّعْرِيَّ وَالْخَطَأَ بِمَا يُرْسَمُ عَلَى الْعِلْمِ الْحَقِّ وَمِنْ ذَلِكَ مَالِ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ مَفْصُولَةٍ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّامَ وَصْلَةٌ إِضَافِيَّةٌ فَقُطِعَتْ حَيْثُ تُقْطَعُ الْإِضَافَةُ فِي الْوُجُودِ:

стр. 439

فَأَوَّلُهَا: فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ هَذِهِ الْإِشَارَةُ لِلْفَرِيقِ الَّذِينَ نَافَقُوا مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فَقَطَعُوا وَصْلَ السَّيِّئَةِ بِالْحَسَنَةِ فِي الْإِضَافَةِ إِلَى اللَّهِ فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا كَمَا أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَاللَّهُ قَدْ وَصَلَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قل كل من عند الله﴾ فَقَطَعُوا فِي الْوُجُودِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ فَقَطْعُ لَامِ وَصْلِهِمْ فِي الْخَطِّ عَلَامَةٌ لِذَلِكَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَقْطَعُ وَصْلَهُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْفَصْلِ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نقتبس من نوركم﴾ والثاني: في سورة الكهف: ﴿ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة﴾ وَهَؤُلَاءِ قَطَعُوا بِزَعْمِهِمْ وَصْلَ جَعْلِ الْمَوْعِدِ لَهُمْ بِوَصْلِ إِحْصَاءِ الْكِتَابِ وَعَدَمِ مُغَادَرَتِهِ لِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ فِي إِضَافَتِهَا إِلَى اللَّهِ فَلِذَلِكَ يُنْكِرُونَ عَلَى الْكِتَابِ فِي الْآخِرَةِ وَدَلِيلُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ خَبَرِهِمْ فِي تِلْكَ الْآيَاتِ مِنَ الْكَهْفِ وَالثَّالِثُ: فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: ﴿وَقَالُوا مَالِ هذا الرسول يأكل الطعام﴾ فَقَطَعُوا وَصْلَ الرِّسَالَةِ لِأَكْلِ الطَّعَامِ فَأَنْكَرُوا فَقَطَعُوا قَوْلَهُمْ هَذَا لِيَزُولَ عَنِ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ رَسُولٌ فَقَطْعُ اللَّامِ عَلَامَةٌ لِذَلِكَ وَالرَّابِعُ: فِي الْمَعَارِجِ: ﴿فمال الذين كفروا قبلك مهطعين﴾ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ تَفَرَّقُوا جَمَاعَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ كَمَا يَدُلُّ عليه: ﴿عن اليمين وعن الشمال عزين﴾ قَطَعُوا وَصْلَهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَطَعَ اللَّهُ طَمَعَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ وَلِذَلِكَ قُطِعَتِ اللَّامُ عَلَامَةً عَلَيْهِ

стр. 440

ومن ذلك: ﴿ابن أم﴾ فِي الْأَعْرَافِ مَفْصُولٌ عَلَى الْأَصْلِ وَفَى طه ﴿ابنؤم﴾ مَوْصُولٌ لِسِرٍّ لَطِيفٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ مُوسَى بِرَأْسِ أَخِيهِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَنَادَاهُ مِنْ قُرْبٍ عَلَى الْأَصْلِ الظَّاهِرِ فِي الْوُجُودِ وَلَمَّا تَمَادَى نَادَاهُ بِحَرْفِ النِّدَاءِ يُنَبِّهُهُ لِبُعْدِهِ عَنْهُ فِي الْحَالِ لَا فِي الْمَكَانِ مُؤَكِّدًا لِوَصْلَةِ الرَّحِمِ بَيْنَهُمَا بِالرَّبْطِ فَلِذَلِكَ وُصِلَ فِي الْخَطِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَصْبُ الْمِيمِ لِيَجْمَعَهُمَا الِاسْمُ بِالتَّعْمِيمِ وَمِنْ ذَلِكَ سِتَّةُ أَحْرُفٍ لَا تُوصَلُ بِمَا بَعْدَهَا وَهَى الْأَلِفُ وَالْوَاوُ وَالدَّالُ وَالذَّالُ وَالرَّاءُ وَالزَّايُ لِأَنَّهَا عَلَامَاتٌ لِانْفِصَالَاتٍ وَنِهَايَاتٍ وَسَائِرُ الْحُرُوفِ تُوصَلُ فِي الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ فَصْلٌ: فِي بَعْضِ حُرُوفِ الْإِدْغَامِ فَمِنْهُ: ﴿عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ، فَرْدٌ ظَهَرَ فِيهِ النُّونُ وَقُطِعَ عَنِ الْوَصْلِ لِأَنَّ مَعْنَى مَا عُمُومٌ كُلِّيٌّ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مُفَصَّلَةٌ فِي الْوُجُودِ غَيْرُ مُتَسَاوِيَةٍ فِي حُكْمِ النهي عنها ومعنى عن المجاوزة لِلْكُلِّيِّ مُجَاوَزَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ فَفُصِلَ علامة لذلك

стр. 441

وَكَذَلِكَ: ﴿مِنْ مَا﴾ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ مَفْصُولَةٍ لَا غَيْرُ: فِي النِّسَاءِ: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، وَفَى الرُّومِ: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ وفي المنافقين: ﴿وأنفقوا من ما رزقناكم﴾ وَحَرْفُ مَا فِي هَذِهِ كُلِّهَا مُقَسَّمٌ فِي الْوُجُودِ بِأَقْسَامٍ مُنْفَصِلَةٍ غَيْرِ مُتَسَاوِيَةٍ فِي الْأَحْكَامِ وهى بخلاف قوله: ﴿مما كتبت أيديهم﴾ فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَ تَحْتَهَا أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ فَهِيَ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ فِي وَصْفِهَا بِكَتْبِ أَيْدِيهِمْ فَهُوَ نَوْعٌ وَاحِدٌ يُقَالُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ هُوَ فِي إِفْرَادِهِ بِالسَّوِيَّةِ وَكَذَلِكَ أَمْ مَنْ بِالْفَصْلِ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ لَا غَيْرُ: فِي النِّسَاءِ: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ وفى التوبة: ﴿أم من أسس بنيانه﴾ وفي الصافات: ﴿أم من خلقنا﴾ وفى السجدة: ﴿أم من يأتي﴾ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَحْرُفِ مَنْ فِيهَا تُقَسَّمُ فِي الْوُجُودِ بِأَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِثْلِ: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يمشي﴾ فَهَذَا مَوْصُولٌ لِأَنَّهُ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ حَيْثُ يَمْشِي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذَا: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأرض قرارا﴾ لَا تَفَاصِيلَ تَحْتَهَا فِي الْوُجُودِ

стр. 442

وَكَذَلِكَ: ﴿عَنْ مَنْ﴾ مَفْصُولٌ: حَرْفَانِ فِي النُّورِ: ﴿عن من يشاء﴾ وفي النجم: ﴿عن من تولى﴾ حَرْفُ مَنْ فِيهِمَا كُلِّيٌّ وَحَرْفُ عَنْ لِلْمُجَاوَزَةِ عَنِ الْكُلِّيِّ مُجَاوَزَةٌ لِجَمِيعِ٠ جُزْئِيَّاتِهِ دُونَ الْعَكْسِ فَلَا وَصْلَةَ بَيْنَ الْجُزْأَيْنِ فِي الْوُجُودِ فَلَا يُوصَلَانِ فِي الْخَطِّ وَكَذَلِكَ مِمَّنْ مَوْصُولٌ كُلُّهُ لِأَنَّ مَنْ بِفَتْحِ الْمِيمِ جُزْئِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَمَعْنَاهُ أَزْيَدُ مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ وَمَعْنَى مَا أَزْيَدُ مِنْ جِهَةِ الْعُمُومِ وَالزَّائِدُ مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ مُنْفَصِلٌ وُجُودًا بِالْحِصَصِ وَالْحِصَّةُ مِنْهُ لَا تَنْفَصِلُ وَالزَّائِدُ مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ لَا يَنْفَصِلُ وُجُودًا وَكَذَلِكَ: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نعدهم﴾ في سورة الرعد فَرْدَةٌ مَفْصُولَةٌ ظَهَرَ فِيهَا حَرْفُ الشَّرْطِ فِي الْخَطِّ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْجَوَابَ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ ظَاهِرٌ فِي مَوْطِنِ الدُّنْيَا وَهُوَ الْبَلَاغُ بخلاف قوله: ﴿فإما نرينك﴾ إنه أَخْفَى فِيهِ حَرْفَ الشَّرْطِ فِي الْخَطِّ لِأَنَّ الْجَوَابَ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ خَفِيٌّ عَنَّا وَهُوَ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ وَالثَّانِي أَنَّ الْقِصَّةَ الْأُولَى مُنْفَصِلَةٌ مِنَ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ وَانْقَسَمَ الْجَوَابُ إِلَى جُزْأَيْنِ: أَحَدُهُمَا:التَّرْتِيبُ بِالْفَاءِ وَهُوَ الْبَلَاغُ وَالثَّانِي الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْحِسَابُ وَأَحَدُهُمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخَرُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ لَنَا وَالثَّانِي: خَفِيٌّ عَنَّا وَهَذَا الِانْقِسَامُ صَحِيحٌ فِي الْوُجُودِ فَقَدِ انْقَسَمَتْ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةُ إِلَى شَرْطَيْنِ لِانْفِصَالِ

стр. 443

جَوَابِهَا: إِلَى قِسْمَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ فَفُصِلَ حَرْفُ الشَّرْطِ عَلَامَةً لِذَلِكَ وَإِذَا انْفَصَلَتْ لَزِمَ كَتْبُهُ عَلَى الْوَقْفِ وَالشَّرْطِيَّةُ الْأُخْرَى لَا تَنْفَصِلُ بَلْ هِيَ واحدة لإيجاد جَوَابِهَا فَانْفِصَالُ حَرْفِ الشَّرْطِ عَلَامَةٌ لِذَلِكَ وَكَذَلِكَ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ فَرْدٌ فِي الْقَصَصِ ثَابِتُ النُّونِ وَفَى هُودٍ: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ فَرْدٌ بِغَيْرِ نُونٍ أُظْهِرَ حَرْفُ الشَّرْطِ فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّ جَوَابَهُ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ هُوَ: ﴿فاعلم﴾ مُتَعَلِّقٌ بِشَيْءٍ مَلَكُوتِيٍّ ظَاهِرٍ سُفْلِيٍّ وَهُوَ اتِّبَاعُهُمْ أَهْوَاءَهُمْ وَأُخْفِيَ فِي الثَّانِي لِأَنَّ جَوَابَهُ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ هُوَ عِلْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِشَيْءٍ مَلَكُوتِيٍّ خَفِيٍّ عُلْوِيٍّ وَهُوَ إِنْزَالُ الْقُرْآنِ بِالْعِلْمِ وَالتَّوْحِيدِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ لَنْ كُلُّهُ مَفْصُولٌ إِلَّا حَرْفَانِ ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ فِي الْكَهْفِ: ﴿ألن نجمع عظامه﴾ في القيامة سَقَطَتِ النُّونُ مِنْهُمَا فِي الْخَطِّ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَا زَعَمُوا وَحَسِبُوا هُوَ بَاطِلٌ فِي الْوُجُودِ وَحُكْمُ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ نَسَبُوهُ إِلَى الْحَيِّ الْقَيُّومِ فَأُدْغِمَ حَرْفُ تَوْكِيدِهِمُ الْكَاذِبِ فِي حَرْفِ النَّفْيِ السَّالِبِ هُوَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾ فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَنْسُبُوا ذَلِكَ لِفَاعِلٍ إِذْ رُكِّبَ الْفِعْلُ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَأُقِيمُوا فِيهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ فَعَدَمُ بَعْثِهِمْ تَصَوَّرُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَحَكَمُوا بِهِ عَلَيْهَا تَوَهُّمًا فَهُوَ كَاذِبٌ مِنْ حَيْثُ حَكَمُوا بِهِ عَلَى مُسْتَقْبَلِ الْآخِرَةِ وَلِكَوْنِهِ حَقًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا الظَّاهِرَةِ ثَبَتَ التَّوْكِيدُ ظَاهِرًا وَأُدْغِمَ فِي حَرْفِ النَّفْيِ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ الَّذِي هُوَ فِيهِ كَاذِبٌ

стр. 444

وَمِنْ ذَلِكَ كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ لَا فَهُوَ مَوْصُولٌ إِلَّا عَشَرَةَ مَوَاضِعَ فَهِيَ مَفْصُولَةٌ تُكْتَبُ النُّونُ فِيهَا بِاتِّفَاقٍ وَذَلِكَ حَيْثُ ظَهَرَ فِي الْوُجُودِ صِحَّةُ تَوْكِيدِ الْقَضِيَّةِ وَلُزُومُهَا: أَوَّلُهَا فِي الْأَعْرَافِ: ﴿أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ وَ ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ وَ ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾ فِي التوبة ﴿أن لا إله إلا هو﴾ وَ: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أخاف﴾ فِي هُودٍ وَ ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شيئا﴾ في الحج وَ ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ فِي يس وَ ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ فِي الدخان وَ ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ فِي الممتحنة و ﴿أن لا يدخلنها﴾ في القلم وَوَاحِدٌ فِيهِ خِلَافٌ: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أنت﴾ في الأنبياء فَتَأَمَّلْ كَيْفَ صَحَّ فِي الْوُجُودِ هَذَا التَّوْكِيدُ الأخير فلم يدخلها عليهم مسكين عَلَى غَيْرِ مَا قَصَدُوا وَتَخَيَّلُوا فِيهِ

стр. 445

وَكَذَلِكَ لَامُ التَّعْرِيفِ الْمُدْغَمَةُ فِي اللَّفْظِ فِي مِثْلِهَا أَوْ غَيْرِهَا لَمَّا كَانَتْ لِلتَّعْرِيفِ وَشَأْنُ الْمُعَرَّفِ أَنْ يَكُونَ أَبْيَنَ وَأَظْهَرَ لَا أَخْفَى وأستر ظهرت فِي الْخَطِّ وَوُصِلَتْ بِالْكَلِمَةِ لِأَنَّهَا صَارَتْ جُزْءًا مِنْهَا حَيْثُ هِيَ مُعَرَّفَةٌ بِهَا هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَقَدْ حُذِفَ حَيْثُ يَخْفَى مَعْنَى الْكَلِمَةِ مِثْلُ الَّيْلِ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى مُظْلِمٍ لَا يُوَضِّحُ الْأَشْيَاءَ بَلْ يَسْتُرُهَا وَيُخْفِيهَا وَكَوْنُهُ وَاحِدًا إِمَّا لِلْجُزْئِيِّ أَوْ لِلْجِنْسِ فَأُخْفِيَ حَرْفُ تَعْرِيفِهِ فِي مِثْلِهِ فَإِنْ تَعَيَّنَ لِلْجُزْئِيِّ بِالتَّأْنِيثِ رُجِعَ إِلَى الْأَصْلِ وَمِثْلُ الَّذِي وَالَّتِي وَتَثْنِيَتِهِمَا وَجَمْعِهِمَا فَإِنَّهُ مُبْهَمٌ فِي الْمَعْنَى وَالْكَمِّ لِأَنَّ أَوَّلَ حَدِّهِ لِلْجُزْئِيِّ وَلِلْجِنْسِ لِلثَّلَاثِ أَوْ غَيْرِهَا فَفِيهِ ظُلْمَةُ الْجَهْلِ كَاللَّيْلِ وَمِثْلُ الَّئِي فِي الْإِيجَابِ فَإِنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ دَخَلَتْ عَلَى لَا النَّافِيَةِ وَفِيهَا ظُلْمَةُ الْعَدَمِ كَاللَّيْلِ فَفِي هَذِهِ الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ يُخْفَى حَرْفُ التَّعْرِيفِ وَكَذَلِكَ الْأَيْكَةُ نُقِلَتْ حَرَكَةُ هَمْزَتِهَا عَلَى لَامِ التَّعْرِيفِ وَسَقَطَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ لِتَحْرِيكِ اللَّامِ وَحُذِفَتْ أَلِفُ عَضُدِ الْهَمْزَةِ وَوُصِلَ اللَّامُ فَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَتَانِ فَصَارَتْ لَيْكَةُ عَلَامَةً عَلَى اخْتِصَارٍ وَتَلْخِيصٍ وَجَمْعٍ فِي الْمَعْنَى وَذَلِكَ فِي حرفين أحدهما في الشعراء جَمَعَ فِيهِ قِصَّتَهُمْ مُخْتَصَرَةً وَمُوجَزَةً فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَجَعَلَهَا جُمْلَةً فَهِيَ آخِرُ قِصَّةٍ فِي السُّورَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ فأفردها والثاني في ص جَمَعَ الْأُمَمَ فِيهَا بِأَلْقَابِهِمْ وَجَعَلَهُمْ جِهَةً وَاحِدَةً هُمْ آخِرُ أُمَّةٍ فِيهَا وَوَصَفَ الْجُمْلَةَ قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ وَلَيْسَ الْأَحْزَابُ وَصْفًا لِكُلٍّ مِنْهُمْ بَلْ هُوَ وَصْفُ جَمِيعِهِمْ

стр. 446

وَجَاءَ بِالِانْفِصَالِ عَلَى الْأَصْلِ حَرْفَانِ نَظِيرَ هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي الْحِجْرِ: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأيكة لظالمين﴾ أَفْرَدَهُمْ بِالذِّكْرِ وَالْوَصْفِ وَالثَّانِي فِي ق: ﴿وَأَصْحَابُ الأيكة﴾ جُمِعُوا فِيهِ مَعَ غَيْرِهِمْ ثُمَّ حَكَمَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ لَا عَلَى الْجُمْلَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿كل كذب الرسل﴾ فَحَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهِمُ التَّفْضِيلُ فَصَلَ لَامَ التَّعْرِيفِ وَحَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهِمُ التَّوْصِيلُ وَصَلَ لِلتَّخْفِيفِ وَكَذَلِكَ: ﴿لتخذت عليه أجرا﴾ حذفت الألف ووصلت لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْجِدَارِ قَدْ حَصَلَ فِي الْوُجُودِ فَلَزِمَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ وَاتَّصَلَ بِهِ حُكْمًا بخلاف: ﴿لاتخذوك خليلا﴾ لَيْسَ فِيهِ وَصْلَةُ اللُّزُومِ فَصْلٌ: فِي حُرُوفٍ مُتَقَارِبَةٍ تَخْتَلِفُ فِي اللَّفْظِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى مِثْلُ: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ : ﴿وزادكم في الخلق بصطة﴾ ﴿يبسط الرزق لمن يشاء﴾ ﴿والله يقبض ويبصط﴾ ، فَبِالسِّينِ السَّعَةُ الْجُزْئِيَّةُ كَذَلِكَ عِلَّةُ التَّقْيِيدِ وَبِالصَّادِ السَّعَةُ الْكُلِّيَّةُ بِدَلِيلِ عُلُوِّ مَعْنَى

стр. 447

الْإِطْلَاقِ وَعُلُوِّ الصَّادِ مَعَ الْجَهَارَةِ وَالْإِطْبَاقِ وَكَذَلِكَ: ﴿فأتوا بسورة﴾ ﴿في أي صورة﴾ ﴿فضرب بينهم بسور﴾ ﴿ونفخ في الصور﴾ فَبِالسِّينِ مَا يَحْصُرُ الشَّيْءَ خَارِجًا عَنْهُ وَبِالصَّادِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْهُ وَكَذَلِكَ: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ ﴿وكانوا يصرون﴾ فَبِالسِّينِ مِنَ السِّرِّ وَبِالصَّادِ مِنَ التَّمَادِي وَكَذَلِكَ: ﴿يسحبون في النار﴾ و ﴿منا يصحبون﴾ فَبِالسِّينِ مِنَ الْجَرِّ وَبِالصَّادِ مِنَ الصُّحْبَةِ وَكَذَلِكَ: ﴿نحن قسمنا بينهم﴾ ﴿وكم قصمنا﴾ بِالسِّينِ تَفْرِيقُ الْأَرْزَاقِ وَالْإِنْعَامِ وَبِالصَّادِ تَفْرِيقُ الْإِهْلَاكِ وَالْإِعْدَامِ وَكَذَلِكَ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا ناظرة﴾ بِالضَّادِ مُنَعَّمَةٌ بِمَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَبِالظَّاءِ مُنَعَّمَةٌ بِمَا تَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَهَذَا الْبَابُ كَثِيرٌ يَكْفِي فيه اليسير فصل: في كتابة فواتح السور كتبوا الم والمر والر موصولا

стр. 448

إِنْ قِيلَ لِمَ وَصَلُوهُ وَالْهِجَاءُ مُقَطَّعٌ لَا يَنْبَغِي وَصْلُهُ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَكَ مَا هِجَاءُ زَيْدٍ؟ قُلْتَ: زَايٌ يَاءٌ دَالٌ وَتَكْتُبُهُ مُقَطَّعًا لِتُفَرِّقَ بَيْنَ هِجَاءِ الْحُرُوفِ وَقِرَاءَتِهِ قِيلَ: إِنَّمَا وَصَلُوهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ هِجَاءً لِاسْمٍ مَعْرُوفٍ وَإِنَّمَا هِيَ حُرُوفٌ اجْتَمَعَتْ يُرَادُ بِكُلِّ حَرْفِ مَعْنًى فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَطَعُوا حم عسق ولم يقطعوا المص وكهيعص؟ قِيلَ: حم قَدْ جَرَتْ فِي أَوَائِلِ سَبْعِ سور فَصَارَتِ اسْمًا لِلسُّورِ فَقُطِعَتْ مِمَّا قَبْلَهَا وَجَوَّزُوا في: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ و ﴿ص والقرآن﴾ وَجْهَيْنِ: مَنْ جَزَمَهُمَا فَهُمَا حَرْفَانِ وَمَنْ كَسَرَ آخِرَهُمَا فَعَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ كُتِبَ عَلَى لَفْظِهِمَا

стр. 449

النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ فَضَائِلِهِ وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَدْ صَحَّ فِيهِ أَحَادِيثُ بِاعْتِبَارِ الْجُمْلَةِ وَفَى بَعْضِ السور بالتعيين وأما حديث أبي كَعْبٍ ﵁ فِي فَضِيلَةِ سُوَرِهِ سُورَةٍ فَحَدِيثٌ مَوْضُوعٌ قَالَ: ابْنُ الصَّلَاحِ وَلَقَدْ أَخْطَأَ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ وَمَنْ ذَكَرَهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي إِيدَاعِهِ تَفَاسِيرَهُمْ قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الثَّعْلَبِيُّ لَكِنَّهُمْ ذَكَرُوهُ بِإِسْنَادٍ فَاللَّوْمُ عَلَيْهِمْ يَقِلُّ بِخِلَافِ مَنْ ذَكَرَهُ بِلَا إِسْنَادٍ وَجَزَمَ بِهِ كَالزَّمَخْشَرِيِّ فَإِنَّ خَطَأَهُ أَشَدُّ وَعَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ سُورَةٍ سُورَةٍ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ أَعْرَضُوا عَنِ الْقُرْآنِ وَاشْتَغَلُوا بِفِقْهِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَغَازِي مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَوَضَعْتُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ حِسْبَةً ثُمَّ قَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُفَسِّرِينَ مِمَّنْ ذَكَرَ الْفَضَائِلَ أَنْ يَذْكُرَهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّرْغِيبِ وَالْحَثِّ عَلَى حِفْظِهَا إِلَّا الزَّمَخْشَرِيَّ فَإِنَّهُ يَذْكُرُهَا فِي أَوَاخِرِهَا قَالَ مَجْدُ الْأَئِمَّةِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عُمَرَ الْكِرْمَانِيُّ سَأَلْتُ الزَّمَخْشَرِيَّ عَنِ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لِأَنَّهَا صِفَاتٌ لَهَا وَالصِّفَةُ تَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ الْمَوْصُوفِ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ﵀ حَدِيثَ: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ فِي حَدِيثٍ إِلَهِيٍّ: "مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ

стр. 450

ما أعطي السائلين" و"فضل كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ" وَقَالَ ﵇: "مَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ " قَالَ أَبُو النَّضْرِ يَعْنِي الْقُرْآنَ وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁: "إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ" وَقَدَّمَ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ فِي الْقَبْرِ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا

стр. 451

النوع السابع والعشرون: معرفة خواصيه ... النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ خَوَاصِّهِ وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ التَّمِيمِيُّ وَأَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ قَالَ بَعْضُهُمْ وَهَذِهِ الْحُرُوفُ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى حِفْظًا لِلْقُرْآنِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ كَانَ يَكْتُبُهَا عَلَى مَا يُرِيدُ حِفْظَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْمَتَاعِ فَيُحْفَظُ وَأَخْبَرَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ قَالَ كَانَ إِلْكِيَا الْهَرَّاسِيُّ الْإِمَامُ ﵀ إِذَا رَكِبَ فِي رِحْلَةٍ يَقُولُ هَذِهِ الْحُرُوفَ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَا جُعِلَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ أَوْ كُتِبَ فِي شَيْءٍ إِلَّا حُفِظَ تَالِيهَا وَمَالُهُ وَأَمِنَ فِي نَفْسِهِ مِنَ التَّلَفِ وَالْغَرَقِ وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ شَكَا إِلَيْهِ رَجُلٌ رَمَدًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِي رُقْعَةٍ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حديد﴾ ﴿للذين آمنوا هدى وشفاء﴾ فَعَلَّقَ الرَّجُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَبَرَأَ وَكَانَ سُفْيَانُ الثوري يكتب للمطلقة رقعة تعلق على قلبها ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ

стр. 452

وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ﴾ ﴿فاخرج منها﴾ ﴿فخرج على قومه﴾ وَرَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الصَّالِحِينَ يُحِبُّ الصَّلَاةَ بِاللَّيْلِ وَتَثْقُلُ عَلَيْهِ فَشَكَا ذَلِكَ لِبَعْضِ الصَّالِحِينَ فَقَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ إلى قوله ﴿مددا﴾ ثُمَّ أَضْمِرْ فِي أَيِّ وَقْتٍ أَضْمَرْتَ فَإِنَّكَ تَقُومُ فِيهِ قَالَ فَفَعَلْتُ فَقُمْتُ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَكَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ فِي أَصْبَهَانَ أَصَابَهُ عُسْرُ الْبَوْلِ فَكَتَبَ فِي صَحِيفَةٍ الْبَسْمَلَةَ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ ﴿دكا دكا﴾ وَأَلْقَى عَلَيْهِ الْمَاءَ وَشَرِبَهُ فَيَسَّرَ عَلَيْهِ الْبَوْلَ وَأَلْقَى الْحَصَى وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يُكْتَبُ عَلَى كَاغِدٍ وَيُوضَعُ عَلَى شِقِّ الضِّرْسِ الْوَجِعِ يَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُحْكَى أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيَّ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَالِي أَرَاكَ مَحْزُونًا؟ فَقَالَ وَلَدِي قَدْ مَرِضَ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَالُ فَقَالَ لَهُ أَيْنَ أَنْتَ عَنْ آيات الشفاء: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ ﴿وشفاء لما في الصدور﴾ ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لقوم

стр. 453

يتفكرون﴾ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ للمؤمنين﴾ ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَبَرَأَ وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ ابْنِ نَاصِرٍ عَنْ شُيُوخِهِ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ شَاقُولَةَ الْبَغْدَادِيَّةِ ﵂ قَالَتْ آذَانَا جَارٌ لَنَا فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ وَقَرَأْتُ مِنْ فَاتِحَةِ كُلِّ سُورَةٍ آيَةً حَتَّى خَتَمْتُ الْقُرْآنَ وَقُلْتُ اللَّهُمَّ اكْفِنَا أَمْرَهُ ثُمَّ نِمْتُ وَفَتَحْتُ عَيْنِي وَإِذَا بِهِ قَدْ نَزَلَ وَقْتَ السَّحَرِ فَزَلَّتْ قَدَمُهُ فَسَقَطَ وَمَاتَ وَحُكِيَ عَنِ ابْنِهَا أَنَّهُ كَانَ فِي دَارِهَا حائط له جوف فَقَالَتْ هَاتِ رُقْعَةً وَدَوَاةً فَنَاوَلْتُهَا فَكَتَبَتْ فِي الرُّقْعَةِ شَيْئًا وَقَالَتْ دَعْهُ فِي ثَقْبٍ مِنْهُ فَفَعَلْتُ فَبَقِيَ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَمَّا ماتت ذكرت ذلك القرطاس فقمت فأخذته موقع الْحَائِطُ فَإِذَا فِي الرُّقْعَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ يا ممسك السموات وَالْأَرْضِ أَمْسِكْهُ تَنْبِيهٌ هَذَا النَّوْعُ وَالَّذِي قَبْلَهُ لَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ إِلَّا مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ قَلْبَهُ وَنِيَّتَهُ وَتَدَبَّرَ الْكِتَابَ فِي عَقْلِهِ وَسَمْعِهِ وَعَمَّرَ بِهِ قَلْبَهُ وَأَعْمَلَ بِهِ جَوَارِحَهُ وَجَعَلَهُ سَمِيرَهُ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَتَمَسَّكَ بِهِ وَتَدَبَّرَهُ هُنَالِكَ تَأْتِيهِ الْحَقَائِقُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ فِعْلُهُ

стр. 454

مُكَذِّبًا لِقَوْلِهِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ عَارِفًا وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ فَقَالَ لَهُ صَدِيقٌ لَهُ نَسْتَعِينُ بِفُلَانٍ فَقَالَ أَخْشَى أَنْ تَبْطُلَ صَلَاتِي الَّتِي تَقَدَّمَتْ هَذَا الْأَمْرَ وَقَدْ صَلَّيْتُهَا قَالَ صَدِيقُهُ وَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟ قَالَ لِأَنِّي قُلْتُ في الصلاة ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فَإِنِ اسْتَعَنْتُ بِغَيْرِهِ كَذَبْتُ وَالْكَذِبُ فِي الصَّلَاةِ يُبْطِلُهَا وَكَذَلِكَ الِاسْتِعَاذَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ تَحَقُّقِ الْعَدَاوَةِ فَإِذَا قَبِلَ إِشَارَةَ الشَّيْطَانِ وَاسْتَنْصَحَهُ فَقَدْ كَذَّبَ قَوْلَهُ فَبَطُلَ ذكره

стр. 455

النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: هَلْ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ شَيْءٍ وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا فَضْلَ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ تَعَالَى لَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمَا وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى تَفْضِيلُ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ خَطَأٌ وَكَذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ تُعَادَ سُورَةٌ أَوْ تُرَدَّدُ دُونَ غَيْرِهَا احْتَجُّوا بِأَنَّ الْأَفْضَلَ يُشْعِرُ بِنَقْصِ الْمَفْضُولِ وَكَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا نَقْصَ فِيهِ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ ما أنزل الله في التوارة وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعْطِي لِقَارِئِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنَ الثَّوَابِ مِثْلَ مَا يُعْطِي لِقَارِئِ أُمِّ الْقُرْآنِ إِذِ اللَّهُ بِفَضْلِهِ فَضَّلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ وَأَعْطَاهَا مِنَ الْفَضْلِ عَلَى قِرَاءَةِ كَلَامِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى غَيْرَهَا مِنَ الْفَضْلِ عَلَى قِرَاءَةِ كَلَامِهِ قَالَ وَقَوْلُهُ أَعْظَمُ سُورَةٍ أَرَادَ بِهِ فِي الْأَجْرِ لَا أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَقَالَ قَوْمٌ بِالتَّفْضِيلِ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ الْفَضْلُ رَاجِعٌ إِلَى عِظَمِ الْأَجْرِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ بِحَسْبِ انْفِعَالَاتِ النَّفْسِ وَخَشْيَتِهَا وَتَدَبُّرِهَا وَتَفَكُّرِهَا عِنْدَ وُرُودِ أَوْصَافِ الْعُلَا وَقِيلَ بَلْ يَرْجِعُ لِذَاتِ اللَّفْظِ وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرحيم﴾ وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ وَآخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ مِنَ الدَّلَالَاتِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَصِفَاتِهِ لَيْسَ مَوْجُودًا مثلا في ﴿تبت يدا

стр. 456

أبي لهب وتب﴾ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فَالتَّفْضِيلُ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَعَانِي الْعَجِيبَةِ وَكَثْرَتِهَا لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَمِمَّنْ قَالَ بِالتَّفْضِيلِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَتَوَسَّطَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فَقَالَ: كَلَامُ اللَّهِ فِي اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ فِي غَيْرِهِ، فَـ ﴿قُلْ هو الله أحد﴾ أفضل من ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ وَعَلَى ذَلِكَ بَنَى الْغَزَالِيُّ كِتَابَهُ الْمُسَمَّى بِجَوَاهِرِ الْقُرْآنِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: "إِنِّي لَأُعَلِّمُكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَلِحَدِيثِ أُبَّيِ بْنِ كَعْبٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ يَا أُبَيُّ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ قَالَ قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: "لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ" وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَفِي التِّرْمِذِيِّ غَرِيبًا عَنْهُ مَرْفُوعًا: "لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ فِيهَا آيَةُ الْكُرْسِيِّ" وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ "فِيهَا آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَهَى سَنَامُ آيِ الْقُرْآنِ وَلَا تُقْرَأُ فِي دَارٍ فِيهَا شَيْطَانٌ إِلَّا خَرَجَ مِنْهَا" وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا قَبْلَهُ بِأَفْضَلِيَّةِ الْفَاتِحَةِ لِأَنَّ تِلْكَ بِاعْتِبَارِ السُّوَرِ وَهَذِهِ بِاعْتِبَارِ الْآيَاتِ وَقَالَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ الْخُوَيِّيُّ كَلَامُ الله أَبْلَغُ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ وَهَلْ يَجُوزُ

стр. 457

أَنْ يُقَالَ بَعْضُ كَلَامِهِ أَبْلَغُ مِنْ بَعْضٍ؟ جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ هَذَا الْكَلَامُ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ لَهُ حُسْنٌ وَلُطْفٌ وَذَاكَ فِي مَوْضِعِهِ لَهُ حُسْنٌ وَلُطْفٌ وَهَذَا الْحَسَنُ فِي مَوْضِعِهِ أَكْمَلُ مِنْ ذَاكَ فِي مَوْضِعِهِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ إن ﴿قل هو الله أحد﴾ أبلغ من ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ يَجْعَلُ الْمُقَابَلَةَ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وَذِكْرِ أَبِي لَهَبٍ وَبَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالدُّعَاءِ عَلَى الْكَافِرِينَ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: ﴿تَبَّتْ يدا أبي لهب وتب﴾ دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِالْخُسْرَانِ فَهَلْ تُوجَدُ عِبَارَةٌ لِلدُّعَاءِ بِالْخُسْرَانِ أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ وَكَذَلِكَ فِي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لَا تُوجَدُ عِبَارَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ أَبْلَغُ مِنْهَا فَالْعَالِمُ إِذَا نَظَرَ إِلَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ فِي بَابِ الدُّعَاءِ وَالْخُسْرَانِ وَنَظَرَ إِلَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فِي بَابِ التَّوْحِيدِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا أَبْلَغُ مِنَ الْآخَرِ وَهَذَا الْقَيْدُ يَغْفُلُ عَنْهُ بَعْضُ مَنْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ عِلْمُ الْبَيَانِ قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَلْفِتُ عَنِ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ إِنَّ كلام الله شيء واحد أولا عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ لَا يَتَنَوَّعُ فِي ذَاتِهِ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقَاتِهِ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وأخر متشابهات﴾ فَجَعَلَهُ شَيْئَيْنِ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ بِعَدَمِهِ وَأَنَّهُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ قُلْنَا: مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ لَا مَزِيَّةَ لِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ قَوْلُنَا: شَيْءٍ مِنْهُ يُوهِمُ التَّبْعِيضَ وَلَيْسَ لِكَلَامِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ بَعْضٌ وَلَكِنْ بِالتَّأْوِيلِ وَالتَّفْسِيرِ وَفَهْمِ السَّامِعِينَ اشْتَمَلَ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُخَاطَبَاتِ وَلَوْلَا تَنَزُّلُهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِعِ لَمَا وَصَلْنَا إِلَى فَهْمِ شَيْءٍ مِنْهُ

стр. 458

وقال الحليمي قد ذكرنا أخبار تدل على جوار الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ وَمَعْنَى ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ آيَتَا عَمَلٍ ثَابِتَتَانِ فِي التِّلَاوَةِ إِلَّا أَنَّ إِحْدَاهُمَا مَنْسُوخَةٌ وَالْأُخْرَى نَاسِخَةٌ فَنَقُولُ إِنَّ النَّاسِخَ خَيْرٌ أَيْ أَنَّ الْعَمَلَ بِهَا أَوْلَى بِالنَّاسِ وَأَعْوَدُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ آيَاتُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ خَيْرٌ مِنْ آيَاتِ الْقَصَصِ لِأَنَّ الْقَصَصَ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا تَأْكِيدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّبْشِيرِ وَلَا غِنَى بِالنَّاسِ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَقَدْ يَسْتَغْنُونَ عَنِ الْقَصَصِ فَكُلُّ مَا هُوَ أَعْوَدُ عَلَيْهِمْ وَأَنْفَعُ لَهُمْ مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الْأُصُولِ خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا يَحْصُلُ تَبَعًا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَالثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْآيَاتِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى تَعْدِيدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيَانِ صِفَاتِهِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى عَظْمَتِهِ وَقُدْسِيَّتِهِ أَفْضَلُ أَوْ خَيْرٌ بِمَعْنَى أَنَّ مُخْبَرَاتِهَا أَسْنَى وَأَجَلُّ قَدْرًا وَالثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: سُورَةٌ خَيْرٌ مِنْ سُورَةٍ أَوْ آيَةٌ خَيْرٌ مِنْ آيَةٍ بِمَعْنَى أَنَّ الْقَارِئَ يَتَعَجَّلُ بِقِرَاءَتِهَا فَائِدَةً سِوَى الثَّوَابِ الْآجِلِ وَيَتَأَدَّى مِنْهُ بِتِلَاوَتِهَا عِبَادَةٌ كَقِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ فَإِنَّ قَارِئَهَا يَتَعَجَّلُ بِقِرَاءَتِهَا الِاحْتِرَازَ مِمَّا يَخْشَى وَالِاعْتِصَامَ بِاللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَيَتَأَدَّى بِتِلَاوَتِهَا مِنْهُ لِلَّهِ تَعَالَى عِبَادَةً لِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى جَدُّهُ بِالصِّفَاتِ الْعُلَا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِقَادِ لَهَا وَسُكُونِ النَّفْسِ إِلَى فَضْلِ الذِّكْرِ وَبَرَكَتِهِ فَأَمَّا آيَاتُ الْحِكَمِ فَلَا يَقَعُ بِنَفْسِ تِلَاوَتِهَا إِقَامَةُ حُكْمٍ وَإِنَّمَا يَقَعُ بِهَا علم قَالَ: ثُمَّ لَوْ قِيلَ فِي الْجُمْلَةِ: إِنَّ الْقُرْآنَ خَيْرٌ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ بِمَعْنَى أَنَّ التَّعَبُّدَ بِالتِّلَاوَةِ وَالْعَمَلِ وَاقِعٌ بِهِ دُونَهَا والثواب بحسب بِقِرَاءَتِهِ لَا بِقِرَاءَتِهَا أَوْ أَنَّهُ مِنْ

стр. 459

حَيْثُ الْإِعْجَازُ حُجَّةُ النَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ وَتِلْكَ الْكُتُبُ لَمْ تَكُنْ مُعْجِزَةً وَلَا كَانَتْ حُجَجَ أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ كَانَتْ دَعْوَتُهُمْ وَالْحُجَجُ غَيْرَهَا وَكَانَ ذَلِكَ أَيْضًا نَظِيرَ مَا مَضَى وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ سُورَةً أَفْضَلُ مِنْ سُورَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اعْتَدَّ قِرَاءَتَهَا كَقِرَاءَةِ أَضْعَافِهَا مِمَّا سِوَاهَا وَأَوْجَبَ بِهَا مِنَ الثَّوَابِ مَا لَمْ يُوجِبْ بِغَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ بَلَغَ بِهَا هَذَا الْمِقْدَارَ لَا يَظْهَرُ لَنَا كَمَا يقال إن قوما أفضل من قوم وَشَهْرًا أَفْضَلُ مِنْ شَهْرٍ بِمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ تَفْضُلُ عَلَى الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِهِ وَالذَّنَبَ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنَ الذَّنْبِ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ وَكَمَا يُقَالُ إِنَّ الْحَرَمَ أَفْضَلُ مِنَ الْحِلِّ لأنه يتأدى فيه من المناسك مالا يَتَأَدَّى فِي غَيْرِهِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ تَكُونُ كَصَلَاةٍ مُضَاعَفَةٍ مِمَّا تُقَامُ فِي غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فصل: في أعظمية آية الكرسي قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا صَارَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ أَعْظَمَ لِعِظَمِ مُقْتَضَاهَا فَإِنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يَشْرُفُ بِشَرَفِ ذَاتِهِ وَمُقْتَضَاهُ وَمُتَعَلَّقَاتِهِ وَهَى فِي آيِ الْقُرْآنِ كَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فِي سُوَرِهِ إِلَّا أَنَّ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ تَفْضُلُهَا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا سُورَةٌ وَهَذِهِ آيَةٌ فَالسُّورَةُ أَعْظَمُ مِنَ الْآيَةِ لِأَنَّهُ وَقَعَ التَّحَدِّي بِهَا فَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي لَمْ يُتَحَدَّ بِهَا وَالثَّانِي: أَنَّ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ اقْتَضَتِ التَّوْحِيدَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ حَرْفًا وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ اقْتَضَتِ التَّوْحِيدَ فِي خَمْسِينَ حَرْفًا فَظَهَرَتِ الْقُدْرَةُ فِي الْإِعْجَازِ بِوَضْعِ مَعْنًى مُعَبَّرٍ عَنْهُ مَكْتُوبٍ مَدَدُهُ السَّبْعَةُ الْأَبْحُرِ لَا يَنْفَدُ عَدَدُ حُرُوفِهِ خَمْسُونَ كَلِمَةً ثُمَّ يُعَبَّرُ عَنْ مَعْنَى الْخَمْسِينَ كَلِمَةً خَمْسَةَ عَشَرَ كَلِمَةً وَذَلِكَ كُلُّهُ بَيَانٌ لِعِظَمِ الْقُدْرَةِ وَالِانْفِرَادِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُنَيِّرِ الْمَالِكِيُّ كَانَ جَدِّي ﵀ يَقُولُ اشْتَمَلَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ عَلَى مَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى سَبْعَةَ عَشَرَ

стр. 460

موضعا فيها اسم الله ظَاهِرًا فِي بَعْضِهَا وَمُسْتَكِنًّا فِي بَعْضٍ وَيَظْهَرُ لِلْكَثِيرِ مِنَ الْعَادِّينَ فِيهَا سِتَّةَ عَشَرَ إِلَّا على حَادِّ الْبَصِيرَةِ لِدِقَّةِ اسْتِخْرَاجِهِ ١ اللَّهُ ٢ هُوَ ٣ الْحَيُّ ٤ الْقَيُّومُ ٥ ضَمِيرُ لَا تَأْخُذُهُ ٦ ضَمِيرُ لَهُ ٧ ضَمِيرُ عِنْدَهُ ٨ ضَمِيرُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ٩ ضَمِيرُ يَعْلَمُ ١٠ ضَمِيرُ عِلْمِهِ ١١ ضَمِيرُ شَاءَ ١٢ ضَمِيرُ كُرْسِيُّهُ ١٣ ضَمِيرُ يَؤُودُهُ ١٤ وَهُوَ ١٥ الْعَلِيُّ ١٦ الْعَظِيمُ فَهَذِهِ عِدَّةُ الْأَسْمَاءِ وَأَمَّا الْخَفِيُّ فِي الضَّمِيرِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْمَصْدَرُ فِي قَوْلِهِ حِفْظُهُمَا فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ الضَّمِيرُ الْبَارِزُ وَلَا بُدَّ لَهُ من فاعل وهو والله وَيَظْهَرُ عِنْدَ فَكِّ الْمَصْدَرِ فَتَقُولُ وَلَا يَؤُودُهُ أَنْ يَحْفَظَهُمَا هُوَ قَالَ وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو عبد الله محمد بن الْفَضْلِ الْمُرْسِيُّ قَدْ رَامَ الزِّيَادَةَ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَمَّا أَخْبَرْتُهُ عَنِ الْجَدِّ فَقَالَ يُمْكِنُ أَنْ تُعَدَّ مَا فِي الْآيَةِ مِنَ الْأَسْمَاءِ المشتقة كل واحد مِنْهَا بِاثْنَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْمِلُ ضَمِيرًا ضَرُورَةَ كَوْنِهِ مُشْتَقًّا وَذَلِكَ الضَّمِيرُ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِهَا اسْمٌ وَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى آخَرَ مُضْمَرٍ فَتَكُونُ جُمْلَةُ الْعَدَدِ عَلَى هَذَا أَحَدًا وَعِشْرِينَ اسْمًا فَأَجْرَيْتُ مَعَهُ وَجْهًا لَطِيفًا وَهُوَ أَنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَقَّ لَا يَحْتَمِلُ الضَّمِيرَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَمًا عَلَى الْأَصَحِّ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ وَلَوْ فَرَضْنَاهَا مُحْتَمِلَةً لِلضَّمَائِرِ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ فَالْمُشْتَقُّ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَوْصُوفِهِ بِاعْتِبَارِ تَحَمُّلِهِ ضَمِيرَهُ أَلَا تَرَاكَ إذا قلت زيد كريم إذا وَجَدْتُ كَرِيمًا إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى زَيْدٍ لِأَنَّ فِيهِ ضَمِيرَهُ حَتَّى لَوْ جَرَّدْتَ النَّظَرَ إِلَيْهِ لَمْ تَجِدْهُ مُخْتَصًّا بِزَيْدٍ بَلْ لَكَ أَنْ تُوقِعَهُ عَلَى كُلِّ مَوْصُوفٍ بِالْكَرَمِ مِنَ النَّاسِ وَلَا تَجِدُهُ مُخْتَصًّا بِزَيْدٍ إِلَّا بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى ضَمِيرِهِ فَلَيْسَ الْمُشْتَقُّ إِذًا مُسْتَقِلًّا بِوُقُوعِهِ عَلَى مَوْصُوفِهِ إِلَّا بِضَمِيمَةِ الضَّمِيرِ إِلَيْهِ فَلَا يمكن أن تجعله لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ عَنِ الضَّمِيرِ مَعَ الْحُكْمِ بِرُجُوعِهِ إِلَى مُعَيَّنٍ أَلْبَتَّةَ قَالَ فَرَضِيَ عَنْ هَذَا الْبَحْثِ وَصَوَّبَهُ
следующие страницы →