← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11436

البرهان في علوم القرآن

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 944 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لأن دليل العقل يقضي بالجواز ويجوز تخليص النَّفْيِ بِالدُّنْيَا وَالْإِثْبَاتِ بِالْقِيَامَةِ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ جعل قوله: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ معارضا لقوله: ﴿وهو أهون عليه﴾ بَلْ يَجِبُ تَأْوِيلُ أَهْوَنُ عَلَى هَيِّنٌ وَلَا جَعْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ الله إلا الذين كفروا﴾ مُعَارِضًا لِأَمْرِهِ نَبِيَّهُ وَأُمَّتَهُ بِالْجِدَالِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى ذَمِّ الْجِدَالِ الْبَاطِلِ وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ معارضا لقوله: ﴿كل من عليها فان﴾ فصل في تعارض القراءتين في آية واحدة وَقَدْ جَعَلُوا تَعَارُضَ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ كتعارض الآيتين كقوله: ﴿وأرجلكم﴾ بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ وَقَالُوا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى مَسْحِ الْخُفِّ وَالثَّانِيَةِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مُتَعَلِّقًا سِوَاهُمَا

стр. 562

وكذلك قراءة: ﴿يطهرن﴾ و ﴿يطهرن﴾ حَمَلَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِحْدَاهُمَا عَلَى مَا دُونَ الْعِشْرَةِ وَالثَّانِيَةَ عَلَى الْعِشْرَةِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُتَعَلِّقٌ سِوَاهُمَا تَصَدَّى لَنَا الْإِلْغَاءُ أَوِ الْجَمْعُ فَأَمَّا إِذَا وَجَدْنَا مُتَعَلِّقًا سِوَاهُمَا فالمتعلق هو المتبع فائدة في القول في الاختلاف والتناقض قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِ رِسَالَةِ الشَّافِعِيِّ: جِمَاعُ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَاقُضِ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ صَحَّ أَنْ يُضَافَ بَعْضُ مَا وَقَعَ الِاسْمُ عَلَيْهِ إِلَى وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ وَإِنَّمَا التَّنَاقُضُ فِي اللَّفْظِ مَا ضَادَّهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْأَسْمَاءُ وَلَنْ يُوجَدَ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَبَدًا وَإِنَّمَا يُوجَدُ فِيهِ النَّسْخُ فِي وَقْتَيْنِ بِأَنْ يُوجِبَ حُكْمًا ثم يحله وَهَذَا لَا تَنَاقُضَ فِيهِ وَتَنَاقُضُ الْكَلَامِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي إِثْبَاتِ مَا نُفِيَ أَوْ نَفْيِ مَا أُثْبِتَ بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ الْمُثْبَتُ وَالْمَنْفِيُّ فِي الِاسْمِ وَالْحَدَثِ وَالزَّمَانِ وَالْأَفْعَالِ وَالْحَقِيقَةِ فَلَوْ كَانَ الِاسْمُ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا وَفِي الْآخَرِ مُسْتَعَارًا وَنُفِيَ أَحَدُهُمَا وَأُثْبِتَ الْآخَرُ لَمْ يُعَدَّ تَنَاقُضًا هَذَا كُلُّهُ فِي الْأَسْمَاءِ وَأَمَّا الْمَعَانِي وَهُوَ بَابُ الْقِيَاسِ فَكُلُّ مَنْ أَوْجَدَ عِلَّةً وحررها

стр. 563

وَأَوْجَبَ بِهَا حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ ثُمَّ ادَّعَى تِلْكَ الْعِلَّةَ بِعَيْنِهَا فِيمَا يَأْبَاهُ الْحُكْمُ فَقَدْ تَنَاقَضَ فَإِنْ رَامَ الْفَرْقَ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ لِأَنَّهُ فِي فَرْقِهِ تَنَاقُضٌ وَالزِّيَادَةُ فِي الْعِلَّةِ نَقْصٌ أَوْ تَقْصِيرٌ عَنْ تَحْرِيرِهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَلَيْسَ هَذَا عَلَى السَّائِلِ وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ يُسْأَلُ عَنْهَا فَلَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا أَنْ يُسْأَلَ فِيمَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ عَنْهُ أَوْ لَا فَأَمَّا الْمُسْتَحِقُّ لِلْجَوَابِ فَهُوَ مَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ وَيَجُوزُ وَأَمَّا مَا اسْتَحَالَ كَوْنُهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْقِيَامُ وَالْقُعُودُ فَسَأَلَ هَلْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ قَائِمًا مُنْتَصِبًا جَالِسًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ أَحَالَ وَسَأَلَ عَنْ مُحَالٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ فَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ عُرِّفَ فَإِذَا عَرَفَهُ فَقَدِ اسْتَحَالَ عِنْدَهُ مَا سَأَلَهُ قَالَ وَقَدْ رَأَيْتُ كَثِيرًا مِمَّا يَتَعَاطَى الْعِلْمَ يَسْأَلُ عَنِ الْمُحَالِ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مُحَالٌ وَيُجَابُ عَنْهُ وَالْآفَاتُ تَدْخُلُ عَلَى هَؤُلَاءِ لِقِلَّةِ علمهم بحق الكلام فصل في الأسباب الموهمة الاختلاف وَلِلِاخْتِلَافِ أَسْبَابٌ الْأَوَّلُ: وُقُوعُ الْمُخْبَرِ بِهِ عَلَى أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ وَتَطْوِيرَاتٍ شَتَّى كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي خلق آدم إنه: ﴿من تراب﴾ ومرة ﴿من حمأ مسنون﴾ ومرة ﴿من طين لازب﴾ ومرة ﴿من صلصال كالفخار﴾ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُخْتَلِفَةٌ وَمَعَانِيهَا فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ

стр. 564

لِأَنَّ الصَّلْصَالَ غَيْرُ الْحَمَأِ وَالْحَمَأَ غَيْرُ التُّرَابِ إِلَّا أَنَّ مَرْجِعَهَا كُلِّهَا إِلَى جَوْهَرٍ وَهُوَ التُّرَابُ وَمِنَ التُّرَابِ تَدَرَّجَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾ وفي موضع ﴿تهتز كأنها جان﴾ وَالْجَانُّ: الصَّغِيرُ مِنَ الْحَيَّاتِ وَالثُّعْبَانُ الْكَبِيرُ مِنْهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ خَلْقَهَا خَلْقُ الثُّعْبَانِ الْعَظِيمِ وَاهْتِزَازَهَا وَحَرَكَاتِهَا وَخِفَّتَهَا كَاهْتِزَازِ الْجَانِّ وَخِفَّتِهِ السَّبَبُ الثَّانِي: لاختلاف الموضوع كقوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جان﴾ قَالَ الْحَلِيمِيُّ: فَتُحْمَلُ الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى السُّؤَالِ عَنِ التَّوْحِيدِ وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَالثَّانِيَةُ عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُ الْإِقْرَارَ بِالنُّبُوَّاتِ مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ حمله غَيْرُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ لِأَنَّ فِي الْقِيَامَةِ مَوَاقِفَ كَثِيرَةً فَمَوْضِعٌ يُسْأَلُ وَيُنَاقَشُ وَمَوْضِعٌ آخَرُ يُرْحَمُ وَيُلْطَفُ بِهِ وَمَوْضِعٌ آخَرُ يُعَنَّفُ وَيُوَبَّخُ وَهُمُ الْكُفَّارُ وَمَوْضِعٌ آخَرُ لَا يُعَنَّفُ وَهُمُ المؤمنون وقوله: ﴿ولا يكلمهم الله﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعملون﴾ وَقِيلَ: الْمَنْفِيُّ كَلَامُ التَّلَطُّفِ وَالْإِكْرَامِ وَالْمُثْبَتُ سُؤَالُ التَّوْبِيخِ وَالْإِهَانَةِ فَلَا تَنَافِيَ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سيئة سيئة مثلها﴾ مع قوله: ﴿يضاعف لهم

стр. 565

العذاب﴾ وَالْجَوَابُ إِنَّ التَّضْعِيفَ هُنَا لَيْسَ عَلَى حَدِّ التَّضْعِيفِ فِي الْحَسَنَاتِ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ لِتَضَاعِيفِ مُرْتَكَبَاتِهِمْ فَكَانَ لِكُلِّ مُرْتَكِبٍ مِنْهَا عَذَابٌ يَخُصُّهُ فَلَيْسَ التَّضْعِيفُ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ عَلَى مَا هُوَ فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ هُنَا تَكْثِيرُهُ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الْمُجْتَرَحَاتِ لِأَنَّ السَّيِّئَةَ الْوَاحِدَةَ يُضَاعَفُ الْجَزَاءُ عَلَيْهَا بِدَلِيلِ سِيَاقِ تِلْكَ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافرون﴾ فَهَؤُلَاءِ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ وَبَغَوْهَا عِوَجًا وَكَفَرُوا فَهَذِهِ مُرْتَكَبَاتٌ عُذِّبُوا بِكُلِّ مُرْتَكَبٍ مِنْهَا وَكَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مشركين﴾ مع قوله: ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ فَإِنَّ الْأُولَى تَقْتَضِي أَنَّهُمْ كَتَمُوا كُفْرَهُمُ السَّابِقَ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ لِلْقِيَامَةِ مُوَاطِنَ فَفِي بَعْضِهَا يَقَعُ مِنْهُمُ الْكَذِبُ وَفِي بَعْضِهَا لَا يَقَعُ كَمَا سَبَقَ وَالثَّانِي أَنَّ الْكَذِبَ يَكُونُ بِأَقْوَالِهِمْ وَالصِّدْقَ يَكُونُ مِنْ جَوَارِحِهِمْ فَيَأْمُرُهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالنُّطْقِ فَتَنْطِقُ بِالصِّدْقِ وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ: لَا تَكْسِبُ شَرًّا وَلَا إِثْمًا بِدَلِيلِ سَبَبِ

стр. 566

النُّزُولِ أَوْ ضُمِّنَ مَعْنَى تَجْنِي وَهَذِهِ الْآيَةُ اقْتُصِرَ فِيهَا عَلَى الشَّرِّ وَالْأُخْرَى ذُكِرَ فِيهَا الْأَمْرَانِ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ الْقِسْمَيْنِ ذَكَرَ مَا يُمَيِّزُ أَحَدَهُمَا عَنِ الْآخَرِ وَهَاهُنَا لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ ذِكْرَ أَحَدِهِمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ بِـ فَعَلَ وَلَمْ يَأْتِ بِـ افْتَعَلَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تقوا الله حق تقاته﴾ مع قوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ يُحْكَى عَنِ الشَّيْخِ الْعَارِفِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ ﵀ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَحَمَلَ الْآيَةَ الْأُولَى عَلَى التَّوْحِيدِ وَالثَّانِيَةَ عَلَى الْأَعْمَالِ وَالْمَقَامُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ الْأُولَى: ﴿وَلَا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ وَقِيلَ: بَلِ الثَّانِيَةُ نَاسِخَةٌ قَالَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ الظاهر أن قوله: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ إِنَّمَا نُسِخَ حُكْمُهُ لَا فَضْلُهُ وَأَجْرُهُ وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بِأَنْ قَالَ: "هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ" فَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ؟ فَنَزَلَتْ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ ما استطعتم﴾ وَكَانَ التَّكْلِيفُ أَوَّلًا بِاسْتِيعَابِ الْعُمُرِ بِالْعِبَادَةِ بِلَا فَتْرَةٍ وَلَا نُعَاسٍ كَمَا كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ ثُمَّ صَارَتْ بِحَسْبِ الِاسْتِطَاعَةِ خَمْسًا وَالِاقْتِدَارُ مُنَزَّلٌ على هذا الاعتبار ولم ينحط من درجاته

стр. 567

وَقَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ الزَّمْلَكَانِيُّ: وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ مَنْسُوخًا نَظَرٌ وَقَوْلُهُ: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ هُوَ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إِذْ بِهِ أَمَرَ فَإِنَّ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ الْوُقُوفُ عَلَى أَمْرِهِ وَدِينِهِ وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنَيِّرِ فِي تَفْسِيرِهِ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ لَمْ يَثْبُتْ مَرْفُوعًا بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ ابن مسعود رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَلَيْسَ فِيهِ قَوْلُ الصَّحَابَةِ: "أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ" وَنُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ ألا تعدلوا فواحدة﴾ مَعَ قَوْلِهِ فِي أَوَاخِرِ السُّورَةِ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ فَالْأُولَى تُفْهِمُ إِمْكَانَ الْعَدْلِ وَالثَّانِيَةُ تَنْفِيهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدْلِ فِي الْأُولَى الْعَدْلُ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ فِي تَوْفِيَةِ حُقُوقِهِنَّ وَهَذَا مُمْكِنُ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ الْمَيْلُ الْقَلْبِيُّ فَالْإِنْسَانُ لَا يَمْلِكُ مَيْلَ قَلْبِهِ إِلَى بَعْضِ زَوْجَاتِهِ دُونَ بَعْضٍ وَقَدْ كَانَ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِي مَا أَمْلِكُ فَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا لَا أَمْلِكُ" يَعْنِي مَيْلَ الْقَلْبِ وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: "اللَّهُ قَلْبِي فَلَا أَمْلِكُهُ وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَأَرْجُو أَنْ أَعْدِلَ" وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعَدْلِ فِي الثَّانِيَةِ الْعَدْلَ التَّامَّ أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ وَقَدْ يَحْتَاجُ الِاخْتِلَافُ إِلَى تَقْدِيرٍ فَيَرْتَفِعُ بِهِ الْإِشْكَالُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي

стр. 568

الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وعد الله الحسنى﴾ ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القاعدين أجرا عظيما﴾ وَالْأَصْلُ فِي الْأُولَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ أُولِي الضَّرَرِ دَرَجَةً وَالْأَصْلُ فِي الثَّانِيَةِ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنَ الْأَصِحَّاءِ دَرَجَاتٍ وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ الْمَحْذُوفَ كَذَلِكَ الْإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْخُلَاصَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَذْفِ النَّعْتِ وَلِلزَّمَخْشَرِيِّ فِيهِ كَلَامٌ آخَرُ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يأمر بالفحشاء﴾ مع قوله: ﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ وَالْمَعْنَى: أَمَّرْنَاهُمْ وَمَلَّكْنَاهُمْ وَأَرَدْنَا مِنْهُمُ الصَّلَاحَ فَأَفْسَدُوا وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ فِي الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِهِ شَرْعًا وَلَكِنْ قَضَاءً لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَجْرِيَ في ملكه مالا يُرِيدُ وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ وَالدِّينِيِّ الثَّالِثُ: لِاخْتِلَافِهِمَا فِي جِهَتَيِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾ أُضِيفَ الْقَتْلُ إِلَيْهِمْ عَلَى جِهَةِ الْكَسْبِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَنَفَاهُ عَنْهُمْ بِاعْتِبَارِ التَّأْثِيرِ وَلِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ إِنَّ الْأَفْعَالَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مُكْتَسَبَةٌ لِلْآدَمِيِّينَ فَنَفِيُ الْفِعْلِ بِإِحْدَى الْجِهَتَيْنِ لَا يُعَارِضُهُ إِثْبَاتُهُ بالجهة الأخرى

стр. 569

وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رمى﴾ رمى أي ما رميت خلقا إذ رَمَيْتَ كَسْبًا وَقِيلَ إِنَّ الرَّمْيَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْقَبْضِ وَالْإِرْسَالِ وَهُمَا بِكَسْبِ الرَّامِي وَعَلَى التَّبْلِيغِ وَالْإِصَابَةِ وَهُمَا بِفِعْلِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وَهِيَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَهُ إِلَى نَبِيِّهِ ثُمَّ نَفَاهُ عَنْهُ وَذَلِكَ فِعْلٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْصِيلُ إِلَيْهِمْ وَمِنْ نَبِيِّهِ بِالْحَذْفِ وَالْإِرْسَالِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَزِمَ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الْمُكْتَسَبَةِ فَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْإِنْشَاءُ وَالْإِيجَادُ وَمِنَ الْخَلْقِ الِاكْتِسَابُ بِالْقُوَى وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قوامون على النساء﴾ وقال تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ فَقِيَامُ الِانْتِصَابِ لَا يُنَافِي الْقِيَامَ بِالْأَمْرِ لِاخْتِلَافِ جِهَتَيِ الْفِعْلِ الرَّابِعُ: لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ كقوله: ﴿وترى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى﴾ ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بميت﴾ وَهُوَ يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْمَنَاطِقَةِ الِاخْتِلَافُ بِالْإِضَافَةِ أَيْ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ مَجَازًا وَمَا هُمْ بِسُكَارَى بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخَمْرِ حَقِيقَةً وَمِثْلُهُ فِي الِاعْتِبَارَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يسمعون﴾ وقوله تعالى:

стр. 570

﴿وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ النَّظَرِ نَفْيُ الْإِبْصَارِ لِجَوَازِ قَوْلِهِمْ نَظَرْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ أُبْصِرْهُ الْخَامِسُ: بِوَجْهَيْنِ وَاعْتِبَارَيْنِ وَهُوَ الْجَامِعُ لِلْمُفْتَرَقَاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿فبصرك اليوم حديد﴾ وَقَالَ: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خفي﴾ قَالَ قُطْرُبٌ: ﴿فَبَصَرُكَ﴾ أَيْ: عِلْمُكَ وَمَعْرِفَتُكَ بِهَا قَوِيَّةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ بَصُرَ بِكَذَا وَكَذَا أَيْ عَلِمَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ رُؤْيَةَ الْعَيْنِ قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ وَصَفَ الْبَصَرَ بِالْحِدَّةِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرض ويذرك وآلهتك﴾ مع قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ فَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ إن ساغ لهم ويكون إِضَافَةُ الْآلِهَةِ إِلَيْهِ مِلْكًا كَانَ يُعْبَدُ فِي دِينِ قَوْمِهِ ثُمَّ يَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَعْلَى كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ مَوَالِي مِنْ فَوْقَ وَمَوَالِي مِنْ أَسْفَلَ فَيَكُونُ اعْتِقَادُهُمْ فِي الْآلِهَةِ مَعَ فِرْعَوْنَ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ فَيَحْسُنُ قَوْلُهُمْ وَآلِهَتَكَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قلوبهم بذكر الله﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وجلت قلوبهم﴾ فَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ الْوَجَلَ خِلَافُ

стр. 571

الطُّمَأْنِينَةِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ وَالْوَجَلُ يَكُونُ عِنْدَ خَوْفِ الزَّيْغِ وَالذَّهَابِ عَنِ الْهُدَى فَتَوْجَلُ الْقُلُوبُ لِذَلِكَ وقد جمع بينهما في قوله: ﴿قشعر مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ سَكَنَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَى مُعْتَقَدِهِمْ وَوَثِقُوا بِهِ فَانْتَفَى عَنْهُمُ الشَّكُّ وَكَقَوْلِهِ: ﴿خَمْسِينَ ألف سنة﴾ وفي موضع ﴿ألف سنة﴾ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ بِدَلِيلِ: ﴿وكان يوما على الكافرين عسيرا﴾ وكقوله: ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾ وفي آية أخرى: ﴿ثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ قِيلَ: إِنَّ الْأَلْفَ أَرْدَفَهُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ وَكَانَ الْأَكْثَرُ مَدَدًا لِلْأَقَلِّ وَكَانَ الْأَلْفُ مُرْدَفِينَ بِفَتْحِهَا وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جميعا ثم استوى إلى السماء﴾ وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا فَالْأَوَّلُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ وَبِذَلِكَ تَتَّفِقُ مَعَانِي الْآيَاتِ فِي سُورَةِ الْقَمَرِ والمؤمن والنازعات

стр. 572

وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ وقوله: ﴿قل أإنكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَذَلِكَ يَبْلُغُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بقوله: ﴿قل أإنكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ مَعَ الْيَوْمَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَلَمْ يُرِدْ بِذِكْرِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْفَصِيحُ سِرْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى بَغْدَادَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَسِرْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَا يُرِيدُ سِوَى الْعَشَرَةِ بَلْ يُرِيدُ مَعَ الْعَشَرَةِ ثَلَاثَةً ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قضاهن سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَأَرَادَ سِوَى الْأَرْبَعَةِ وَذَلِكَ لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ يَكُونُ سِتَّةً وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي السَّجْدَةِ: ﴿عَذَابَ النار الذي كنتم به تكذبون﴾ بِلَفْظِ الَّذِي عَلَى وَصْفِ الْعَذَابِ وَفِي سَبَأٍ ﴿عذاب النار التي﴾ بِلَفْظِ الَّتِي عَلَى وَصْفِ النَّارِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ وَصَفَ الْعَذَابَ فِي السَّجْدَةِ لِوُقُوعِ النَّارِ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ الَّذِي لَا يُوصَفُ وَإِنَّمَا وَقَعَتْ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِتَقَدُّمِ إِضْمَارِهَا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ فَحَقُّ الْكَلَامِ وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَهَا فَلَمَّا وَضَعَهَا مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْوَصْفَ

стр. 573

عدل إلى وصف العذاب وأما فِي سَبَأٍ فَوَصَفَهَا لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ وَصْفِهَا وَالثَّانِي أَنَّ الَّذِي فِي السَّجْدَةِ وَصْفُ النَّارِ أَيْضًا وَذُكِرَ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى الْجَحِيمِ وَالْحَرِيقِ وَالثَّالِثُ أَنَّ الَّذِي فِي السَّجْدَةِ فِي حَقِّ مَنْ يُقِرُّ بِالنَّارِ وَيَجْحَدُ الْعَذَابَ وَفِي سَبَأٍ فِي حَقِّ مَنْ يَجْحَدُ أَصْلَ النَّارِ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ إِنَّمَا وَصَفَ الْعَذَابَ فِي السَّجْدَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ النَّارِ مُضْمَرًا وَمُظْهَرًا عَدَلَ إِلَى وَصْفِ الْعَذَابِ لِيَكُونَ تَلْوِينًا لِلْخِطَابِ فَيَكُونَ أَنْشَطَ لِلسَّامِعِ بِمَنْزِلَةِ الْعُدُولِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الخطاب ومنه قوله تعالى: ﴿توفته رسلنا﴾ وقوله: ﴿تتوفاهم الملائكة﴾ وبين قوله: ﴿قل قل يتوفاكم ملك الموت﴾ وبين قوله: ﴿الله يتوفى الأنفس﴾ ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾ وَجَمَعَ الْبَغَوِيُّ بَيْنَهَا لِأَنَّ تَوَفِّيَ الْمَلَائِكَةِ بِالْقَبْضِ وَالنَّزْعِ وَتَوَفِّيَ مَلَكِ الْمَوْتِ بِالدُّعَاءِ وَالْأَمْرِ يَدْعُو الْأَرْوَاحَ فَتُجِيبُهُ ثُمَّ يَأْمُرُ أَعْوَانَهُ بِقَبْضِهَا وَتَوَفِّيَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ خَلْقُ الْمَوْتِ فِيهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى في البقرة: ﴿فاتقوا النار﴾ وفي سورة التحريم: ﴿نارا﴾ بِالتَّنْكِيرِ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ آيَةِ الْبَقَرَةِ فَلَمْ تَكُنِ النَّارُ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ مَعْرُوفَةً فَنَكَّرَهَا ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ الْبَقَرَةِ بِالْمَدِينَةِ مُشَارًا بِهَا إِلَى مَا عَرَفُوهُ أَوَّلًا وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمنا﴾ وَفِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمنا﴾ لِأَنَّهُ فِي الدَّعْوَةِ الْأَوْلَى كَانَ مَكَانًا فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَهُ بَلَدًا آمِنًا وَفِي الدَّعْوَةِ الثَّانِيَةِ كَانَ بَلَدًا غَيْرَ آمِنٍ فَعَرَّفَهُ وَطَلَبَ لَهُ الْأَمْنَ أَوْ كَانَ بَلَدًا آمِنًا وَطَلَبَ

стр. 574

ثَبَاتَ الْأَمْنِ وَدَوَامَهُ وَكَوْنُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةً وَسُورَةِ إِبْرَاهِيمَ مَكِّيَّةً لَا يُنَافِي هَذَا لِأَنَّ الْوَاقِعَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ كَوْنُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ أَوْ لِأَنَّ الْمَكِّيَّ مِنْهُ مَا نَزَلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَيَكُونُ الْمَدَنِيُّ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا وَمِنْهُ مَا نَزَلَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَيَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْمَدَنِيِّ فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّ سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْمَكِّيِّ الَّذِي نَزَلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَصْلٌ في الإجابة عن بعض الاستشكالات وَمِمَّا اسْتَشْكَلُوهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قبلا﴾ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حَصْرِ الْمَانِعِ مِنَ الْإِيمَانِ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أبعث الله بشرا رسولا﴾ فَهَذَا حَصْرٌ فِي ثَالِثٍ غَيْرِهِمَا وَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ إِلَّا إِرَادَةُ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةٌ مِنَ الْخَسْفِ وَغَيْرِهِ ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ فِي الْآخِرَةِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُصِيبَهُمْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ إِرَادَةَ الله مَانِعَةٌ مِنْ وُقُوعِ مَا يُنَافِي الْمُرَادَ فَهَذَا حَصْرٌ فِي السَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَانِعُ فِي الْحَقِيقَةِ وَمَعْنَى الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿وَمَا منع

стр. 575

النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ إِلَّا اسْتِغْرَابُ بَعْثِهِ بَشَرًا رَسُولًا لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَيْسَ مانعا من الإيمان لأنه لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَابِ بِالِالْتِزَامِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَانِعِيَّةِ وَاسْتِغْرَابُهُمْ لَيْسَ مَانِعًا حَقِيقِيًّا بَلْ عَادِيًّا لِجَوَازِ خُلُوِّ الْإِيمَانِ مَعَهُ بِخِلَافِ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا حَصْرٌ فِي الْمَانِعِ الْعَادِيِّ وَالْأُولَى حَصْرٌ فِي الْمَانِعِ الْحَقِيقِيِّ فَلَا تَنَافِيَ انْتَهَى وَقَوْلُهُ" لَيْسَ مَانِعًا مِنَ الْإِيمَانِ" فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ إِنْكَارَهُمْ بَعْثَهُ بَشَرًا رَسُولًا كُفْرٌ مَانِعٌ مِنَ الْإِيمَانِ وَفِيهِ تَعْظِيمٌ لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّ إِنْكَارَهُمْ بعثته مانع من الإيمان فصل في وقوع التعارض بين الآية والحديث وَقَدْ يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ شَيْءٍ لِلتَّنْبِيهِ لِأَمْثَالِهِ فَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى والله يعصمك من الناس وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ شُجَّ يَوْمَ أُحُدٍ وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَسُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَالثَّانِي: بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْأَخِيرِ فَالْمُرَادُ الْعِصْمَةُ مِنَ الْقَتْلِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَمِلَ كُلَّ مَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ فَمَا أَشَدَّ تكليف الأنبياء

стр. 576

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تعملون﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : "لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ" وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَنُقِلَ عَنْ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ- كَانُوا يَقُولُونَ: النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ بِعَفْوِ اللَّهِ وَدُخُولُ الْجَنَّةِ بِرَحْمَتِهِ وَانْقِسَامُ الْمَنَازِلِ وَالدَّرَجَاتِ بِالْأَعْمَالِ وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَاءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَدْلُولُهَا مُخْتَلِفٌ فَفِي الآية باء المقابلة وهي الداخلة على الأعراض وَفِي الْحَدِيثِ لِلسَّبَبِيَّةِ لِأَنَّ الْمُعْطِيَ بِعِوَضٍ قَدْ يُعْطِي مَجَّانًا وَأَمَّا الْمُسَبَّبُ فَلَا يُوجَدُ بِدُونِ السَّبَبِ وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ هَذَا الْجَوَابَ وَقَالَ الْبَاءُ فِي الْآيَةِ لِلسَّبَبِيَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ لِلْعِوَضِ وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَنْجُوَ بِعَمَلِهِ" قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ" وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا: ﴿فِي سِتَّةِ أيام﴾ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ بَقِيَ لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ وَالظَّاهِرُ من الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدأ يَوْمَ الْأَحَدِ وَخُلِقَ آدَمُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرَ الْأَشْيَاءِ فَهَذَا يَسْتَقِيمُ مَعَ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَوَقَعَ في صحيح مسلم أن الخلق ابتدأ يَوْمَ السَّبْتِ فَهَذَا بِخِلَافِ الْآيَةِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ آدَمَ ثُمَّ يَكُونُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ هُوَ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا بَيْنُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لِأَنَّ آدَمَ حِينَئِذٍ لَمْ يكن فيما بينهما

стр. 577

النوع السادس والثلاثون: مَعْرِفَةِ الْمُحْكَمِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ متشابهات﴾ قِيلَ وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ فِي هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزل إليهم وَالْمُتَشَابِهُ لَا يُرْجَى بَيَانُهُ وَالْمُحْكَمُ لَا تُوقَفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الْبَيَانِ وَقَدْ حَكَى الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ مُحْكَمٌ لقوله تعالى: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ وَالثَّانِي: كُلُّهُ مُتَشَابِهٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحسن الحديث كتابا متشابها﴾ وَالثَّالِثُ: -وَهُوَ الصَّحِيحُ- أَنَّ مِنْهُ مُحْكَمًا وَمِنْهُ مُتَشَابِهًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أم الكتاب﴾ فَأَمَّا الْمُحْكَمُ فَأَصْلُهُ لُغَةً الْمَنْعُ تَقُولُ أَحْكَمْتُ بِمَعْنَى رَدَدْتُ وَمَنَعْتُ وَالْحَاكِمُ لِمَنْعِهِ الظَّالِمُ مِنَ الظُّلْمِ وَحَكَمَةُ اللِّجَامِ هِيَ الَّتِي تَمْنَعُ الْفَرَسَ مِنَ الِاضْطِرَابِ وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَهُوَ مَا أحكمته بالأمر وَالنَّهْيِ وَبَيَانِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ

стр. 578

وَقِيلَ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وآتوا الزكاة﴾ وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَمْ يُنْسَخْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ وَهِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ حُكْمًا مَذْكُورَةً فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَفِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقِيلَ: هُوَ النَّاسِخُ وَقِيلَ: الْفَرَائِضُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَقِيلَ: الَّذِي وَعَدَ عَلَيْهِ ثَوَابًا أَوْ عِقَابًا وَقِيلَ: الَّذِي تَأْوِيلُهُ تَنْزِيلُهُ بِجَعْلِ الْقُلُوبِ تَعْرِفُهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ و ﴿ليس كمثله شيء﴾ وقيل: مالا يَحْتَمِلُ فِي التَّأْوِيلِ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَقِيلَ مَا تَكَرَّرَ لَفْظُهُ وَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ فَأَصْلُهُ أَنْ يَشْتَبِهَ اللَّفْظُ فِي الظَّاهِرِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَعَانِي كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ ثَمَرِ الْجَنَّةِ ﴿وأتوا به متشابها﴾ أَيْ مُتَّفِقَ الْمَنَاظِرِ مُخْتَلِفَ الطُّعُومِ وَيُقَالُ لِلْغَامِضِ: مُتَشَابِهٌ لِأَنَّ جِهَةَ الشَّبَهِ فِيهِ كَمَا تَقُولُ لِحُرُوفِ التَّهَجِّي وَالْمُتَشَابِهُ مِثْلُ الْمُشْكِلِ لِأَنَّهُ أَشْكَلَ أَيْ دَخَلَ فِي شَكْلِ غَيْرِهِ وَشَاكَلَهُ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ: هُوَ الْمُشْتَبَهُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَقِيلَ: هُوَ الْمَنْسُوخُ الْغَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ وَقِيلَ: الْقَصَصُ وَالْأَمْثَالُ وَقِيلَ: مَا أُمِرْتَ أَنْ تُؤْمِنَ بِهِ وَتَكِلَ عِلْمَهُ إِلَى عَالِمِهِ وَقِيلَ: فَوَاتِحُ السُّوَرِ وَقِيلَ:

стр. 579

مَا لَا يُدْرَى إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ وَلَا بُدَّ من صرفه إليه كقوله: ﴿تجري بأعيننا﴾ وَ ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وَقِيلَ: الْآيَاتُ الَّتِي يَذْكُرُ فِيهَا وَقْتَ السَّاعَةِ وَمَجِيءَ الْغَيْثِ وَانْقِطَاعَ الْآجَالِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عنده علم الساعة﴾ وَقِيلَ: مَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا وَالْمُحْكَمُ مَا يَحْتَمِلُ وجها واحدا وقيل: مالا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ إِلَّا بِرَدِّهِ إِلَى غَيْرِهِ وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وَكُلُّهَا مُتَقَارِبٌ وَفَصْلُ الْخِطَابِ فِي ذلك أن الله سبحانه قَسَمَ الْحَقَّ بَيْنَ عِبَادِهِ فَأَوْلَاهُمْ بِالصَّوَابِ مَنْ عَبَّرَ بِخِطَابِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُرَادِ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ ثم قال: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ أَيْ عَلَى لِسَانِكَ وَأَلْسِنَةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ وَكَلَامُ السَّلَفِ رَاجِعٌ إِلَى الْمُشْتَبَهِ بِوَجْهٍ لَا إِلَى الْمَقْصُودِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْمُتَشَابِهِ فِي خِطَابِهِ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ إِذَا دَقَّتْ تَدَاخَلَتْ وَتَشَابَهَتْ عَلَى مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا كَالْأَشْجَارِ إِذَا تَقَارَبَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ تَدَاخَلَتْ أَمْثَالُهَا وَاشْتَبَهَتْ أي عَلَى مَنْ لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ فِي الْبَحْثِ عَنْ مُنْبَعَثِ كُلِّ فَنٍّ مِنْهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ وَهُوَ عَلَى اشْتِبَاكِهِ غَيْرُ مُتَشَابِهٍ وَكَذَلِكَ سِيَاقُ مَعَانِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ قَدْ تَتَقَارَبُ الْمَعَانِي وَيَتَقَدَّمُ الْخِطَابُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ويتأخر بعضه عن بعض لحكمة الله فِي تَرْتِيبِ الْخِطَابِ وَالْوُجُودِ فَتَشْتَبِكُ الْمَعَانِي وَتُشْكِلُ إِلَّا عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ فَيُقَالُ فِي هَذَا الْفَنِّ مُتَشَابِهٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَهُوَ يُشَابِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَالْإِعْجَازِ وَالْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ وَكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ وَأَنَّهُ مِنْ

стр. 580

عِنْدِ اللَّهِ فَذَمَّ سُبْحَانَهُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ عَلَيْهِمُ افْتِتَانًا وَتَضْلِيلًا فَهُمْ بِذَلِكَ يتبعون ما تشابه عَلَيْهِمْ تَنَاصُرًا وَتَعَاضُدًا لِلْفِتْنَةِ وَالْإِضْلَالِ تَفْرِيعَاتٌ الْأَوَّلُ: الْأَشْيَاءُ الَّتِي يَجِبُ رَدُّهَا عِنْدَ الْإِشْكَالِ إِلَى أُصُولِهَا فَيَجِبُ رَدُّ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ إلى محكم ليس كمثله شيء وَرَدُّ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي الْأَفْعَالِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فلله الحجة البالغة﴾ وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ الْمُوهِمَةُ نِسْبَةَ الْأَفْعَالِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الشَّيْطَانِ وَالنَّفْسِ تُرَدُّ إِلَى مُحْكَمِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حرجا﴾ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ تَنَزُّلِ الْخِطَابِ أَوْ ضَرْبِ مِثَالٍ أَوْ عِبَارَةٍ عَنْ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ مَعِيَّةٍ أَوْ مَا يُوهِمُ التَّشْبِيهَ فَمُحْكَمُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقوله: ﴿ولله المثل الأعلى﴾ وقوله: ﴿قل هو الله أحد﴾ وَمِنْهُ ضَرْبٌ فِي تَفْصِيلِ ذِكْرِ النُّبُوَّةِ وَوَصْفِ إِلْقَاءِ الْوَحْيِ وَمُحْكَمُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وقوله: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ وَمِنْهُ ضَرْبٌ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ بِحَسْبِ فَهْمِهِمْ لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ

стр. 581

وَمِنْهُ شَيْءٌ يَتَقَارَبُ فِيهِ بَيْنَ اللَّمَّتَيْنِ لَمَّةُ الْمَلَكِ وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ لَعَنَهُ اللَّهُ وَمُحْكَمُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الْآيَةَ وَلِهَذَا قَالَ عَقِبَهُ: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ عِنْدَمَا يَلْقَى الْعَدُوَّ الَّذِي لَا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ بَلْ بِالشَّرِّ وَالْإِلْبَاسِ وَمِنْهُ الْآيَاتُ الَّتِي اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ تَحْتَمِلُهَا الْآيَةُ وَلَا يُقْطَعُ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْوَالِ وَأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا مُفَصَّلًا بِحَيْثُ يُقْطَعُ بِهِ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ الآية مِنْ حَيْثُ تَرَدُّدُ الْوَقْفِ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وَتَرَدُّدُ الْوَاوِ فِي ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ بَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ وَالْعَطْفِ وَمِنْ ثَمَّ ثَارَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ أَنَّهَا لِلِاسْتِئْنَافِ وَأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى والراسخون ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَبَّدَ مِنْ كِتَابِهِ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ وَهُوَ الْمُتَشَابِهُ كَمَا تَعَبَّدَهُمْ مِنْ دِينِهِ بِمَا لَا يَعْقِلُونَ وَهُوَ التَّعَبُّدَاتُ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَوْنِهِ حَالًا فَضْلَةً وَخَبَرًا عُمْدَةً وَالثَّانِي أَوْلَى. وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ أَنَّهَا لِلْعَطْفِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفِ الْخَلْقَ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ وَضَعَّفَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا لِيَنْتَفِعَ بِهِ عِبَادُهُ وَيَدُلَّ بِهِ عَلَى مَعْنًى أَرَادَهُ فَلَوْ كَانَ الْمُتَشَابِهُ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ لَلَزِمَنَا وَلَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ

стр. 582

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمِ الْمُتَشَابِهَ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَعْرِفَهُ الرَّسُولُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ جَازَ أَنْ يَعْرِفَهُ الرَّبَّانِيُّونَ مِنْ صَحَابَتِهِ وَالْمُفَسِّرُونَ مَنْ أُمَّتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ وَيَقُولُ عِنْدَ قِرَاءَةِ قَوْلِهِ فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ: ﴿ما يعلمهم إلا قليل﴾ أَنَا مِنْ أُولَئِكَ الْقَلِيلِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ في العلم﴾ يعلمونه ويقولون آمنا به وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ حَظٌّ مِنَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَضْلٌ عَلَى الْجَاهِلِ لِأَنَّ الْكُلَّ قَائِلُونَ ذَلِكَ وَنَحْنُ لَمْ نَرَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ تَوَقَّفُوا عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالُوا: هُوَ مُتَشَابِهٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ بَلْ أَمَرُّوهُ عَلَى التَّفْسِيرِ حَتَّى فَسَّرُوا الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَعْلَمَ الرَّاسِخُونَ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العلم يقولون آمنا به﴾ وَإِذَا أَشْرَكَهُمْ فِي الْعِلْمِ انْقَطَعُوا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ﴾ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا عَطْفٌ حَتَّى يُوجِبَ لِلرَّاسِخِينَ فِعْلَيْنِ! قُلْنَا: إِنَّ ﴿يَقُولُونَ﴾ هُنَا فِي مَعْنَى الْحَالِ كَأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ قَائِلِينَ آمَنَّا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهَا وَالْبَرْقُ يَلْمَعُ فِي غَمَامَهْ أَيْ لَامِعًا وَقِيلَ الْمَعْنَى: يَعْلَمُونَ وَيَقُولُونَ فَحَذَفَ وَاوَ الْعَطْفِ كقوله ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ وَالْمَعْنَى يَقُولُونَ: عَلِمْنَا وَآمَنَّا لِأَنَّ الْإِيمَانَ قَبْلَ العلم محال

стр. 583

إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِيمَانُ مَعَ الْجَهْلِ وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَعْلَمُوهَا لَمْ يَكُونُوا مِنَ الرَّاسِخِينَ وَلَمْ يَقَعِ الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجُهَّالِ الثَّالِثُ: وَمِنْ هَذَا الْخِلَافِ نَشَأَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَا تَعْلَمُ الْأُمَّةُ تَأْوِيلَهُ قَالَ الرَّاغِبُ فِي مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِهِ وَذَهَبَ عَامَّةُ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ كُلَّ الْقُرْآنِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَإِلَّا لَأَدَّى إِلَى إِبْطَالِ فَائِدَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَحَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ﴾ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ قَالَ: ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ بَعْضُ مالا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ حَلَالٍ وحرام ووجه لا يسع أحد جَهَالَتُهُ وَوَجْهٍ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ وَوَجْهٌ تَأْوِيلٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُتَشَابِهُ اسْمٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِمَا الْتَبَسَ مِنَ الْمَعْنَى لِدُخُولِ شَبَهِهِ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ البقر تشابه علينا﴾ الْآيَةَ وَالثَّانِي: اسْمٌ لِمَا يُوَافِقُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويصدقه قوله تعالى: ﴿كتابا متشابها مثاني﴾ الْآيَةَ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُتَشَابِهِ فِي الْقُرْآنِ الْأَوَّلَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُمُ الْوُصُولُ إِلَى مُرَادِهِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُطْلِعَهُمْ عَلَيْهِ بِنَوْعٍ مِنْ لُطْفِهِ لِأَنَّهُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الثَّانِيَ جَازَ أَنْ يَعْلَمُوا مُرَادَهُ

стр. 584

الرَّابِعُ: قِيلَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي إِنْزَالِ الْمُتَشَابِهِ مِمَّنْ أَرَادَ لِعِبَادِهِ الْبَيَانَ وَالْهُدَى؟ قُلْنَا: إِنْ كان مما يُمْكِنُ عِلْمُهُ فَلَهُ فَوَائِدُ: مِنْهَا: لِيَحُثَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى النَّظَرِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ بِغَوَامِضِهِ وَالْبَحْثِ عَنْ دَقَائِقِ مَعَانِيهِ فَإِنَّ اسْتِدْعَاءَ الْهِمَمِ لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ وَحَذَرًا مِمَّا قَالَ الْمُشْرِكُونَ: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ وَلِيَمْتَحِنَهُمْ وَيُثِيبَهُمْ كَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخلق ثم يعيده﴾ الْآيَةَ وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فَنَبَّهَهُمْ عَلَى أَنَّ أَعْلَى الْمَنَازِلِ هُوَ الثَّوَابُ فَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ لَسَقَطَتِ الْمِحْنَةُ وَبَطَلَ التَّفَاضُلُ وَاسْتَوَتْ مَنَازِلُ الْخَلْقِ وَلَمْ يَفْعَلِ اللَّهُ ذَلِكَ بَلْ جَعَلَ بَعْضَهُ مُحْكَمًا لِيَكُونَ أَصْلًا لِلرُّجُوعِ إِلَيْهِ وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهًا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاسْتِخْرَاجِ وَرَدِّهِ إِلَى الْمُحْكَمِ لِيُسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الثَّوَابُ الَّذِي هُوَ الْغَرَضُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ وَمِنْهَا: إِظْهَارُ فَضْلِ الْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ وَيَسْتَدْعِيهِ عِلْمُهُ إِلَى الْمَزِيدِ فِي الطَّلَبِ فِي تَحْصِيلِهِ لِيَحْصُلَ لَهُ دَرَجَةُ الْفَضْلِ وَالْأَنْفُسُ الشَّرِيفَةُ تَتَشَوَّفُ لطلب العلم وتحصيله وأما إن كان مما لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ فَلَهُ فَوَائِدُ: مِنْهَا: إِنْزَالُهُ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا بِالْوَقْفِ فِيهِ وَالتَّعَبُّدِ بِالِاشْتِغَالِ مِنْ جِهَةِ التِّلَاوَةِ وَقَضَاءِ فَرْضِهَا وَإِنْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْمُرَادِ الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ اعْتِبَارًا بِتِلَاوَةِ الْمَنْسُوخِ

стр. 585

من القرآن وإن لم يعجز الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمُحْكَمِ وَيَجُوزُ أَنْ يمتحنهم بالإيمان بها حَيْثُ ادَّعَوْا وُجُوبَ رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ وَمِنْهَا: إِقَامَةُ الْحُجَّةِ بِهَا عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ إِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ وَلُغَتِهِمْ ثُمَّ عَجَزُوا عَنِ الْوُقُوفِ عَلَى مَا فِيهَا مَعَ بَلَاغَتِهِمْ وَأَفْهَامِهِمْ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَعْجَزَهُمْ عَنِ الْوُقُوفِ هُوَ الَّذِي أَعْجَزَهُمْ عَنْ تَكَرُّرِ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْخَامِسُ: أَثَارَ بَعْضُهُمْ سُؤَالًا وَهُوَ هَلْ لِلْمُحْكَمِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْمُتَشَابِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ هُمَا سَوَاءٌ وَالثَّانِي خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَالْأَوَّلُ يَنْقُضُ أَصْلَكُمْ أَنَّ جَمِيعَ كَلَامِهِ سُبْحَانَهُ سَوَاءٌ وَأَنَّهُ نُزِّلَ بِالْحِكْمَةِ وَأَجَابَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَكْرَابَاذِيُّ بِأَنَّ الْمُحْكَمَ كَالْمُتَشَابِهِ مِنْ وَجْهٍ وَيُخَالِفُهُ مِنْ وَجْهٍ فَيَتَّفِقَانِ فِي أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حِكْمَةِ الْوَاضِعِ وَأَنَّهُ لَا يَخْتَارُ الْقَبِيحَ وَيَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ الْمُحْكَمَ بِوَضْعِ اللُّغَةِ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا الْوَجْهَ الْوَاحِدَ فَمَنْ سَمِعَهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ فِي الْحَالِ وَالْمُتَشَابِهَ يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ مُبْتَدَأٍ وَنَظَرٍ مُجَدِّدٍ عِنْدَ سَمَاعِهِ لِيَحْمِلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُطَابِقِ وَلِأَنَّ الْمُحْكَمَ آصَلُ وَالْعِلْمُ بِالْأَصْلِ أَسْبَقُ وَلِأَنَّ الْمُحْكَمَ يُعْلَمُ مُفَصَّلًا وَالْمُتَشَابِهَ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مُجْمَلًا فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الْمُحْكَمُ بِالْوَضْعِ كَالْمُتَشَابِهِ وَقَدْ قُلْتُمْ إِنَّ مِنْ حَقِّ هَذِهِ اللُّغَةِ أَنْ يَصِحَّ فِيهَا الِاحْتِمَالُ وَيَسُوغَ التَّأْوِيلُ فَبِمَا يُمَيَّزُ الْمُحْكَمُ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَزِيَّةٍ سِيَّمَا وَالنَّاسُ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا كَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَذَاهِبِ فَالْمُحْكَمُ عِنْدَ السُّنِّيِّ مُتَشَابِهٌ عِنْدَ الْقَدَرِيِّ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي أَوْرَدْتَهُ يُلْجِئُ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْعُقُولِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ

стр. 586

بِالتَّفْرِيدِ وَالتَّنْزِيهِ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ خِطَابِهِ يَفْتَقِرُ إِلَى الْعِلْمِ بِحِكْمَتِهِ وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ مَعْرِفَتِهِ لِيَصِحَّ لَهُ مَخْرَجُ كَلَامِهِ فَأَمَّا فِي الْكَلَامِ فِيمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَزِيَّةٍ لِلْمُحْكَمِ وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ ظَاهِرُهُ عَلَى الْمُرَادِ أَوْ يقتضي بانضمامه أَنَّهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَ الْوَاحِدَ وَلِلْمُحْكَمِ فِي بَابِ الْحِجَاجِ عِنْدَ غَيْرِ الْمُخَالِفِ مَزِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الْمُحْكَمِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَإِنْ تَمَسَّكَ بِمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَعَدَلَ عَنْ مُحْكَمِهِ لَمَّا أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِالشُّبَهِ الْعَقْلِيَّةِ وَعَدَلَ عَنِ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَذَلِكَ لُطْفٌ وَبَعْثٌ عَلَى النَّظَرِ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ الْمُتَدَيِّنَ يُؤْثِرُ ذَلِكَ لِيَتَفَكَّرَ فِيهِ وَيَعْمَلَ فَإِنَّ اللُّغَةَ وَإِنْ تَوَقَّفَتْ مُحْتَمِلَةٌ فَفِيهَا مَا يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ وَإِنْ جَازَ صَرْفُهُ إِلَى غَيْرِهِ بِالدَّلِيلِ ثُمَّ يَخْتَلِفُ فَفِيهِ مَا يُكْرَهُ صَرْفُهُ لِاسْتِبْعَادِهِ فِي اللُّغَةِ

стр. 587

النَّوْعُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي حُكْمِ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الصِّفَاتِ وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوَارِدِ مِنْهَا فِي الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ عَلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا بَلْ تُجْرَى عَلَى ظَاهِرِهَا وَلَا تُؤَوِّلُ شَيْئًا مِنْهَا وَهُمُ الْمُشَبِّهَةُ وَالثَّانِي: أَنَّ لَهَا تَأْوِيلًا وَلَكِنَّا نُمْسِكُ عَنْهُ مَعَ تَنْزِيهِ اعْتِقَادِنَا عَنِ الشَّبَهِ وَالتَّعْطِيلِ وَنَقُولُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا مُؤَوَّلَةٌ وَأَوَّلُوهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَالْأَخِيرَانِ مَنْقُولَانِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَنُقِلَ الْإِمْسَاكُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الِاسْتِوَاءِ فَقَالَتْ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ وَكَذَلِكَ سُئِلَ عَنْهُ مَالِكٌ فَأَجَابَ بِمَا قَالَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهَا أَنَّ مَنْ عَادَ إِلَى هَذَا السُّؤَالِ عَنْهُ أَضْرِبُ عُنُقَهُ وَكَذَلِكَ سُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَقَالَ: أَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ استوى﴾ مَا أَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السماء﴾ وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كَمَا قَالَ: وَإِنِّي لَأَرَاكَ ضَالًّا وَسُئِلَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ عَنِ الِاسْتِوَاءِ أَقَائِمٌ هُوَ أَمْ قَاعِدٌ فَقَالَ لَا يَمَلُّ القيام حتى يقعد ولا يمل القعود حتى يقوم وأنت إلى هَذَا السُّؤَالِ أَحْوَجُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مَضَى صَدْرُ الأمة وسادتها

стр. 588

وَإِيَّاهَا اخْتَارَ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ وَقَادَتُهَا وَإِلَيْهَا دَعَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَأَعْلَامُهُ وَلَا أَحَدَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا يَصْدِفُ عَنْهَا وَيَأْبَاهَا وَأَفْصَحَ الْغَزَالِيُّ عنهم في غير موضع بتهجين مَا سِوَاهَا حَتَّى أَلْجَمَ آخِرًا فِي إِلْجَامِهِ كُلَّ عَالِمٍ أَوْ عَامِّيٍّ عَمَّا عَدَاهَا قَالَ وَهُوَ كِتَابُ إِلْجَامُ الْعَوَامِّ عَنْ عِلْمِ الْكَلَامِ آخر تصانيف الغزالي مطلقا آخِرُ تَصَانِيفِهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ حَثَّ فِيهِ عَلَى مَذَاهِبِ السَّلَفِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ التَّأْوِيلُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ: إِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ أَوَّلَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قُلْتُ: وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى تَأْوِيلَ أَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أو يأتي ربك﴾ قَالَ: وَهَلْ هُوَ إِلَّا أَمْرُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ! وَاخْتَارَ ابْنُ بَرْهَانَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ التَّأْوِيلَ قَالَ: وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ بَيْنَ

стр. 589

الْفَرِيقَيْنِ: أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ فَعِنْدَهُمْ يَجُوزُ فَلِهَذَا مَنَعُوا التَّأْوِيلَ وَاعْتَقَدُوا التَّنْزِيهَ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَلِ الرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَهُ قُلْتُ: وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى التَّأْوِيلِ وُجُوبُ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى خِلَافِ الْمَفْهُومِ مِنْ حَقِيقَتِهِ لِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى اسْتِحَالَةِ الْمُتَشَابِهِ وَالْجِسْمِيَّةِ فِي حَقِّ الْبَارِئِ تَعَالَى وَالْخَوْضُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ خَطَرُهُ عَظِيمٌ وَلَيْسَ بَيْنَ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ تَغَايُرٌ فِي الْأُصُولِ بَلِ التَّغَايُرُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ لُغَةُ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا تَغَايُرَ بَيْنِهِمَا فِي الْأُصُولِ لِمَا عُلِمَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُكَذِّبُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ إِذْ لَا يَرِدُ الشَّرْعُ بِمَا لَا يَفْهَمُهُ الْعَقْلُ إِذْ هُوَ دَلِيلُ الشَّرْعِ وَكَوْنُهُ حَقًّا وَلَوْ تُصُوِّرَ كَذِبُ الْعَقْلِ فِي شَيْءٍ لَتُصُوِّرَ كَذِبُهُ فِي صِدْقِ الشَّرْعِ فَمَنْ طَالَتْ مُمَارَسَتُهُ الْعُلُومَ وَكَثُرَ خَوْضُهُ فِي بُحُورِهَا أَمْكَنَهُ التَّلْفِيقُ بَيْنَهُمَا لَكِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا تَأْوِيلٌ يَبْعُدُ عَنِ الْأَفْهَامِ أَوْ مَوْضِعٌ لَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ وَجْهُ التَّأْوِيلِ لِقُصُورِ الْأَفْهَامِ عَنْ إِدْرَاكِ الْحَقِيقَةِ وَالطَّمَعُ فِي تَلْفِيقِ كُلِّ مَا يَرِدُ مُسْتَحِيلُ الْمَرَامِ وَالْمَرَدُّ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير﴾ وَنَحْنُ نَجْرِي فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى طَرِيقِ الْمُؤَوِّلِينَ حَاكِينَ كَلَامَهُمْ فَمِنْ ذَلِكَ صِفَةُ الِاسْتِوَاءِ فَحَكَى مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ استوى بِمَعْنَى اسْتَقَرَّ وَهَذَا إِنْ صَحَّ يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ فَإِنَّ الِاسْتِقْرَارَ يُشْعِرُ بِالتَّجْسِيمِ وَعَنِ الْمُعْتَزِلَةِ بمعنى استولى وقهر ورد بوجهين:

стр. 590

أَحَدُهُمَا: بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَوْلٍ عَلَى الْكَوْنَيْنِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَهْلِهِمَا فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَخْصِيصِ الْعَرْشِ! الثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ قَهْرٍ وَغَلَبَةٍ وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: بِمَعْنَى صَعِدَ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُوجِبُ هُبُوطًا مِنْهُ تَعَالَى حَتَّى يَصْعَدَ وَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ وَقِيلَ: ﴿الرحمن على العرش اسْتَوَى﴾ فَجَعَلَ عَلَا فِعْلًا لَا حَرْفًا حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ إِسْمَاعِيلُ الضَّرِيرُ فِي تَفْسِيرِهِ وَرُدَّ بِوَجْهَيْنِ: أحدهما: أنه جعل الصفة فعلا وَمَصَاحِفُ أَهْلِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ قَاطِعَةٌ بِأَنَّ عَلَى هُنَا حَرْفٌ وَلَوْ كَانَ فِعْلًا لَكَتَبُوهَا بِاللَّامِ أَلِفٍ كَقَوْلِهِ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَفَعَ الْعَرْشَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وَهَذَا رَكِيكٌ يُزِيلُ الْآيَةَ عَنْ نَظْمِهَا وَمُرَادِهَا

стр. 591

قَالَ الْأُسْتَاذُ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعَانِي إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿اسْتَوَى﴾ أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ الْعَرْشِ وَعَمَدَ إِلَى خَلْقِهِ فَسَمَّاهُ اسْتِوَاءً كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السماء وهي دخان﴾ أَيْ قَصَدَ وَعَمَدَ إِلَى خَلْقِ السَّمَاءِ فَكَذَا هَاهُنَا قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ مَرَضِيٌّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ فِيهِ تَعْطِيلٌ وَلَا تَشْبِيهٌ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: عَلَى هُنَا بِمَعْنَى فِي كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿على ملك سليمان﴾ وَمَعْنَاهُ أَحْدَثَ اللَّهُ فِي الْعَرْشِ فِعْلًا سَمَّاهُ اسْتِوَاءً كَمَا فَعَلَ فِعْلًا سَمَّاهُ فَضْلًا وَنِعْمَةً قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونعمة﴾ فَسَمَّى التَّحْبِيبَ وَالتَّكْرِيهَ فَضْلًا وَنِعْمَةً وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ أَيْ فَخَرَّبَ اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ وَقَالَ: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ من حيث لم يحتسبوا﴾ أي قصدهم وكما أن التخريب والتعذيب سماهما إِتْيَانًا فَكَذَلِكَ أَحْدَثَ فِعْلًا بِالْعَرْشِ سَمَّاهُ اسْتِوَاءً قَالَ: وَهَذَا قَوْلٌ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِسَلَامَتِهِ مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ وَلِلْعَرْشِ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ وَأَعْظَمُ وَالْمَلَائِكَةُ حَافُّونَ بِهِ وَدَرَجَةُ الْوَسِيلَةِ مُتَّصِلَةٌ بِهِ وَأَنَّهُ سَقْفُ الْجَنَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ

стр. 592

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أعلم ما في نفسك﴾ قِيلَ: النَّفْسُ هَاهُنَا الْغَيْثُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالنَّفْسِ لِأَنَّهُ مُسْتَتِرٌ كَالنَّفْسِ قَوْلُهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أَيْ عُقُوبَتَهُ وَقِيلَ: يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ اخْتَارَ الْبَيْهَقِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ الْمَعْبُودُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرض﴾ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ فِي الْمُوجَزِ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ﴾ أَيْ عَالِمٌ بِمَا فِيهِمَا وَقِيلَ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ﴾ كَلَامٌ آخَرُ وَهَذَا قَوْلُ الْمُجَسِّمَةِ وَاسْتَدَلَّتِ الْجَهْمِيَّةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى فِي كُلِّ مَكَانٍ وَظَاهِرُ مَا فَهِمُوهُ مِنَ الْآيَةِ مِنْ أَسْخَفِ الْأَقْوَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ قِيلَ: اسْتِعَارَةُ الْوَاوِ مَوْضِعَ الْبَاءِ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا فِي مَعْنَى الْجَمْعِ إِذِ الْبَاءُ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِلْصَاقِ وَهُوَ جَمْعٌ وَالْوَاوُ مَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ وَالْحُرُوفُ يَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَتَقُولُ عُرْفًا: جَاءَ الْأَمِيرُ بِالْجَيْشِ إِذَا كَانَ مَجِيئُهُمْ مُضَافًا إِلَيْهِ بِتَسْلِيطِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَلَكَ إِنَّمَا يَجِيءُ بِأَمْرِهِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ بأمره يعملون﴾ فَصَارَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَقَالَ: جَاءَ الملك بأمر ربك وهو كقوله:

стр. 593

﴿اذهب أنت وربك﴾ أَيِ اذْهَبْ أَنْتَ بِرَبِّكَ أَيْ بِتَوْفِيقِ رَبِّكَ وَقُوَّتِهِ إِذْ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا يُقَاتِلُ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ صَرْفُ الْكَلَامِ إِلَى الْمَفْهُومِ فِي الْعُرْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ شِدَّةٍ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: أَيْ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ قَالَ الشَّاعِرُ: *وَقَامَتِ الحرب عن سَاقْ* وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا وَقَعَ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتَاجُ إِلَى مُعَانَاةٍ وَجِدٍّ فِيهِ شَمَّرَ عَنْ سَاقِهِ فَاسْتُعِيرَتِ السَّاقُ فِي مَوْضِعِ الشِّدَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْتُ فِي جنب الله﴾ قَالَ اللُّغَوِيُّونَ: مَعْنَاهُ مَا فَرَّطْتُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ لَا يَقَعُ إِلَّا فِي ذَلِكَ وَالْجَنْبُ الْمَعْهُودُ مِنْ ذَوِي الْجَوَارِحِ لَا يَقَعُ فِيهِ تَفْرِيطٌ أَلْبَتَّةَ فَكَيْفَ يَجُوزُ وَصْفُ الْقَدِيمِ سُبْحَانَهُ بِمَا لَا يَجُوزُ! قَوْلُهُ تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾ فَرَغَ يَأْتِي بِمَعْنَى قَطَعَ شُغْلًا أَتَفَرَّغُ لَكَ أَيْ أَقْصِدُ قَصْدَكَ وَالْآيَةُ مِنْهُ أَيْ سَنَقْصِدُ لِعُقُوبَتِكُمْ وَنُحْكِمُ جَزَاءَكُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذبا﴾ إِنْ قِيلَ: لِأَيِّ عِلَّةٍ نُسِبَ الظَّنُّ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ شَكٌّ

стр. 594

قِيلَ: فِيهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الظَّنُّ لِفِرْعَوْنَ وَهُوَ شَكٌّ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهُ: ﴿فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى﴾ وَإِنِّي لَأَظُنُّ مُوسَى كَاذِبًا فَالظَّنُّ عَلَى هَذَا لِفِرْعَوْنَ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ عَلَى مَعْنَى وَإِنِّي لَأَعْلَمُهُ كَاذِبًا فَإِذَا كَانَ الظَّنُّ لِلَّهِ كَانَ عِلْمًا وَيَقِينًا وَلَمْ يَكُنْ شَكًّا كَقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ وقوله: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ لَمْ يُرِدْ سُبْحَانَهُ بِنَفْيِ النَّوْمِ وَالسِّنَةِ عَنْ نَفْسِهِ إِثْبَاتَ الْيَقَظَةِ وَالْحَرَكَةِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلَّهِ تَعَالَى يَقْظَانُ وَلَا نَائِمٌ لِأَنَّ الْيَقْظَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ نَوْمٍ وَلَا يَجُوزُ وَصْفُ الْقَدِيمِ بِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ نَفْيَ الْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ كَقَوْلِهِ: مَا أَنَا عَنْكَ بِغَافِلٍ قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: الْيَدُ فِي الْأَصْلِ كَالْمَصْدَرِ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةٍ لِمَوْصُوفٍ وَلِذَلِكَ مَدَحَ بِالْأَيْدِي مَقْرُونَةً مَعَ الْأَبْصَارِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولِي الأيدي والأبصار﴾ وَلَمْ يَمْدَحْهُمْ بِالْجَوَارِحِ لِأَنَّ الْمَدْحَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالصِّفَاتِ لَا بِالْجَوَاهِرِ قَالَ: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَصَحَّ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ: إِنَّ الْيَدَيْنِ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿ما خلقت بيدي﴾ صِفَةٌ وَرَدَ بِهَا الشَّرْعُ وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهَا فِي مَعْنَى الْقُدْرَةِ كَمَا قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَلَا قَطَعَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ تَحَرُّزًا مِنْهُ عَنْ مُخَالَفَةِ السَّلَفِ وَقَطَعَ بِأَنَّهَا صِفَةٌ تَحَرُّزًا عَنْ مَذَاهِبِ الْمُشَبِّهَةِ

стр. 595

فَإِنْ قِيلَ: وَكَيْفَ خُوطِبُوا بِمَا لَا يَعْلَمُونَ إِذِ الْيَدُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ لَا يَعْرِفُونَهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ مَعْنَاهَا وَلَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ تَوَهُّمَ التَّشْبِيهِ وَلَا احْتَاجَ إِلَى شَرْحٍ وَتَنْبِيهٍ وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ لَوْ كَانَ لَا يُعْقَلُ عِنْدَهُمْ إِلَّا فِي الْجَارِحَةِ لَتَعَلَّقُوا بِهَا فِي دَعْوَى التَّنَاقُضِ وَاحْتَجُّوا بِهَا عَلَى الرَّسُولِ وَلَقَالُوا: زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ثُمَّ تُخْبِرُ أَنَّ لَهُ يَدًا وَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ مُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ عُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ كَانَ جَلِيًّا لَا خَفَاءَ بِهِ لِأَنَّهَا صِفَةٌ سُمِّيَتِ الْجَارِحَةُ بِهَا مَجَازًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ الْمَجَازُ فِيهَا حَتَّى نُسِيَتِ الْحَقِيقَةُ وَرُبَّ مُجَازٍ كَثِيرٍ اسْتُعْمِلَ حَتَّى نُسِيَ أَصْلُهُ وَتُرِكَتْ صِفَتُهُ وَالَّذِي يَلُوحُ مِنْ مَعْنَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ مَعْنَى الْقُدْرَةِ إِلَّا أَنَّهَا أَخَصُّ وَالْقُدْرَةُ أَعَمُّ كَالْمَحَبَّةِ مَعَ الْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ فَالْيَدُ أَخَصُّ مِنْ مَعْنَى الْقُدْرَةِ وَلِذَا كَانَ فِيهَا تَشْرِيفٌ لَازِمٌ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ في تفسير قوله تعالى: ﴿ما خلقت بيدي﴾ فِي تَحْقِيقِ اللَّهِ التَّثْنِيَةَ فِي الْيَدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ وَإِنَّمَا هُمَا صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ قَالَ مجاهد: اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة مجازه لما خلقت كقوله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَهَذَا تَأْوِيلٌ غَيْرُ قَوِيٍّ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ صِلَةً لَكَانَ لِإِبْلِيسَ أَنْ يَقُولَ إِنْ كُنْتَ خَلَقْتَهُ فَقَدْ خَلَقْتَنِي وَكَذَلِكَ فِي الْقُدْرَةِ وَالنِّعْمَةِ لَا يَكُونُ لِآدَمَ فِي الْخَلْقِ مَزِيَّةٌ عَلَى إِبْلِيسَ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِمَّا عملت أيدينا﴾ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الِاثْنَيْنِ جَمْعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هذان خصمان اختصموا﴾

стр. 596

وَأَمَّا الْعَيْنُ فِي الْأَصْلِ فَهِيَ صِفَةٌ وَمَصْدَرٌ لِمَنْ قَامَتْ بِهِ ثُمَّ عُبِّرَ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ بِالْعَيْنِ قَالَ: وَحِينَئِذٍ فَإِضَافَتُهَا لِلْبَارِئِ فِي قوله: ﴿ولتصنع على عيني﴾ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ كَمَا تَوَهَّمَ أَكْثَرُ النَّاسِ لِأَنَّهُ صِفَةٌ فِي مَعْنَى الرُّؤْيَةِ وَالْإِدْرَاكِ وَإِنَّمَا الْمَجَازُ فِي تَسْمِيَةِ الْعُضْوِ بِهَا وَكُلُّ شَيْءٍ يُوهِمُ الْكُفْرَ وَالتَّجْسِيمَ فَلَا يُضَافُ إِلَى الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُسْأَلَ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ قَالَ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ بحرف على وقال: ﴿تجري بأعيننا﴾ ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ وَمَا الْفَرْقُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى وَرَدَتْ فِي إِظْهَارِ أَمْرٍ كَانَ خَفِيًّا وَإِبْدَاءِ مَا كَانَ مَكْنُونًا فَإِنَّ الْأَطْفَالَ إِذْ ذَاكَ كَانُوا يغذون ويصنعون شرا فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصْنَعَ مُوسَى وَيُغَذَّى وَيُرَبَّى عَلَى جَلِيِّ أَمْنٍ وَظُهُورِ أَمْرٍ لَا تَحْتَ خَوْفٍ وَاسْتِسْرَارٍ دَخَلَتْ عَلَى فِي اللَّفْظِ تَنْبِيهًا عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّهَا تُعْطِي مَعْنَى الِاسْتِعْلَاءِ وَالِاسْتِعْلَاءُ ظُهُورٌ وَإِبْدَاءٌ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: وَلِتُصْنَعَ عَلَى أَمْنٍ لَا تَحْتَ خَوْفٍ وَذَكَرَ الْعَيْنَ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الرِّعَايَةِ وَالْكَلَأِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ فِي رِعَايَةٍ مِنَّا وَحِفْظٍ وَلَا يُرِيدُ إِبْدَاءَ شَيْءٍ وَلَا إِظْهَارَهُ بَعْدَ كَتْمٍ فَلَمْ يَحْتَجِ الْكَلَامُ إِلَّا مَعْنَى عَلَى وَلَمْ يَتَكَلَّمِ السُّهَيْلِيُّ عَلَى حِكْمَةِ الْإِفْرَادِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْجَمْعِ فِي الْبَاقِي وَهُوَ سِرٌّ لَطِيفٌ وَهُوَ إِظْهَارُ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي خُصَّ بِهِ موسى في قوله: ﴿واصطنعتك لنفسي﴾

стр. 597

فَاقْتَضَى الِاخْتِصَاصُ الِاخْتِصَاصَ الْآخَرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ بخلاف قوله: ﴿تجري بأعيننا﴾ واصنع الفلك بأعيننا فَلَيْسَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِصَاصِ مَا فِي صُنْعِ مُوسَى عَلَى عَيْنِهِ سُبْحَانَهُ قَالَ السُّهَيْلِيُّ ﵀: وَأَمَّا النَّفْسُ فَعِبَارَةٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْوُجُودِ دُونَ مَعْنًى زَائِدٍ وَقَدِ اسْتُعْمِلَ مِنْ لَفْظِهَا النَّفَاسَةُ وَالشَّيْءُ النَّفِيسُ فَصَلُحَتْ لِلتَّعْبِيرِ عَنْهُ سُبْحَانَهُ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَجَازِيَّةِ وَأَمَّا الذَّاتُ فَقَدِ اسْتَوَى أَكْثَرُ النَّاسِ بِأَنَّهَا مَعْنَى النَّفْسِ وَالْحَقِيقَةِ وَيَقُولُونَ ذَاتُ الْبَارِئِ هِيَ نَفْسُهُ وَيُعَبِّرُونَ بِهَا عَنْ وُجُودِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ ثَلَاثُ كِذْبَاتٍ كُلُّهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَالَ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ إِذَا اسْتَقْرَيْتَهَا فِي اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ كَمَا زَعَمُوا وَإِلَّا لَقِيلَ عَبَدْتُ ذَاتَ اللَّهِ وَاحْذَرْ ذَاتَ اللَّهِ وَهُوَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ وَلَا يُقَالُ إِلَّا بِحَرْفٍ فِي الْمُسْتَحِلِّ مَعْنَاهُ فِي حَقِّ الْبَارِئِ تَعَالَى لَكِنْ حَيْثُ وَقَعَ فَالْمُرَادُ بِهِ الدِّيَانَةُ وَالشَّرِيعَةُ الَّتِي هِيَ ذَاتُ اللَّهِ فَذَاتٌ وَصْفٌ لِلدِّيَانَةِ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَقَدْ بَانَ غَلَطُ مَنْ جَعَلَهَا عِبَارَةً عَنْ نَفْسِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ وَمِنْهُ إِطْلَاقُ الْعَجَبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي قوله: ﴿بل عجبت﴾ عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ قَدْ حَلُّوا مَحَلَّ مَنْ يُتَعَجَّبُ مِنْهُمْ قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْعَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنْكَارُ الشَّيْءِ وَتَعْظِيمُهُ وَهُوَ لُغَةُ

стр. 598

العرب وفي الحديث: "عجب ربكم من زللكم وَقُنُوطِكُمْ" وَقَوْلُهُ: "إِنَّ اللَّهَ يَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ صَبْوَةٌ" قَالَ الْبَغَوِيُّ وَسَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ النَّيْسَابُورِيَّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيَّ يَقُولُ سُئِلَ الْجُنَيْدُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ من شيء ولكن الله وافق رسوله فقال وإن تعجب فعجب قولهم أَيْ هُوَ كَمَا يَقُولُهُ فَائِدَةٌ كُلُّ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أَوْ ﴿تَتَّقُونَ﴾ أَوْ ﴿تَشْكُرُونَ﴾ فَالْمُعْتَزِلَةُ يُفَسِّرُونَهُ بِالْإِرَادَةِ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرِيدُ إِلَّا الْخَيْرَ وَوُقُوعُ الشَّرِّ عَلَى خِلَافِ إِرَادَتِهِ وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُفَسِّرُونَهُ بِالطَّلَبِ لِمَا فِي التَّرَجِّي مِنْ مَعْنَى الطَّلَبِ وَالطَّلَبُ غَيْرُ الْإِرَادَةِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: كُونُوا مُتَّقِينَ أَوْ مُفْلِحِينَ إِذْ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ شَيْءٍ فِي الْوُجُودِ عَلَى خِلَافِ إِرَادَتِهِ تَعَالَى بَلْ كُلُّ الْكَائِنَاتِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعَالَى وَوُقُوعُهَا بِإِرَادَتِهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كبيرا

стр. 599

النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: مَعْرِفَةُ إِعْجَازِهِ وَقَدِ اعْتَنَى بِذَلِكَ الْأَئِمَّةُ وَأَفْرَدُوهُ بِالتَّصْنِيفِ مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَلَمْ يُصَنَّفْ مِثْلُهُ وَكِتَابُ الْخَطَّابِيِّ وَالرُّمَّانِيِّ وَالْبُرْهَانُ لِعَزِيزِيِّ وغيرهم وهو علم جليل عَظِيمُ الْقَدْرِ لِأَنَّ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ ﷺ مُعْجِزَتُهَا الْبَاقِيَةُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يُوجِبُ الِاهْتِمَامَ بِمَعْرِفَةِ الْإِعْجَازِ قَالَ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ فَلَوْلَا أَنَّ سَمَاعَهُ إِيَّاهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَمْ يَقِفْ أَمْرُهُ عَلَى سَمَاعِهِ وَلَا تَكُونُ حُجَّةً إِلَّا وَهِيَ مُعْجِزَةٌ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عليهم﴾ فأخبر

стр. 600

الْكِتَابَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِهِ وَأَنَّهُ كَافٍ فِي الدَّلَالَةِ قَائِمٌ مَقَامَ مُعْجِزَاتِ غَيْرِهِ وَآيَاتِ سِوَاهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمَّا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عيه وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ وَكَانُوا أَفْصَحَ الْفُصَحَاءِ وَمَصَاقِعَ الْخُطَبَاءِ تَحَدَّاهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ وَأَمْهَلَهُمْ طُولَ السِّنِينَ فَلَمْ يَقْدِرُوا يُقَالُ تَحَدَّى فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا دَعَاهُ إِلَى أَمْرٍ لِيُظْهِرَ عَجْزَهُ فِيهِ وَنَازَعَهُ الْغَلَبَةَ فِي قِتَالٍ أَوْ كَلَامِ غَيْرِهِ ومنه أنا حدياك أي ابرزلي وَحْدَكَ وَاعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَحَدَّى الْعَرَبَ قَاطِبَةً بِالْقُرْآنِ حِينَ قَالُوا افْتَرَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ فَلَمَّا عَجَزُوا عَنِ الْإِتْيَانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ تُشَاكِلُ القرآن قال تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ ثُمَّ كَرَّرَ هَذَا فَقَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ من مثله﴾ أَيْ مِنْ كَلَامٍ مِثْلِهِ وَقِيلَ مِنْ بِشَرٍ مِثْلِهِ وَيُحَقِّقُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ الْآيَتَانِ السَّابِقَتَانِ فَلَمَّا عَجَزُوا عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ تُشْبِهُ الْقُرْآنَ عَلَى كَثْرَةِ الْخُطَبَاءِ فِيهِمْ وَالْبُلَغَاءِ قَالَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِهِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ لِأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ لَفَعَلُوا وَلَمَا عَدَلُوا إِلَى الْعِنَادِ تَارَةً وَالِاسْتِهْزَاءِ أُخْرَى فَتَارَةً قَالُوا: سِحْرٌ وَتَارَةً قَالُوا: شِعْرٌ وَتَارَةً قَالُوا: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّحَيُّرِ وَالِانْقِطَاعِ
следующие страницы →