Полный текст (1 944 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وَتَفْسِيرُ الْحِسَابِ الْيَسِيرِ بِالْعَرْضِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ
وَتَفْسِيرُ القوة في ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ بِالرَّمْيِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَبِذَلِكَ يُرَدُّ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ بِالْخَيْلِ
وَكَتَفْسِيرِ الْعِبَادَةِ بِالدُّعَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الذين يستكبرون عن عبادتي﴾
الثَّانِي: الْأَخْذُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ
فَإِنَّ تَفْسِيرَهُ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْفُوعِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَالَهُ الْحَاكِمُ فِي تَفْسِيرِهِ
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يُحْتَمَلُ أَلَّا يُرْجَعَ إِلَيْهِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ لَا الرَّأْيِ
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ وقال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَنْ نَزَلَتْ وَأَيْنَ نَزَلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَنَالُهُ الْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ وَقَالَ أَيْضًا: كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يَتَجَاوَزْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ مَعَانِيهِنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ
وَصُدُورُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ: عَلِيٌّ ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ -وَهُوَ تَجَرَّدَ لِهَذَا الشَّأْنِ وَالْمَحْفُوظُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنَ الْمَحْفُوظِ عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ أَخَذَ عَنْ عَلِيٍّ- وَيَتْلُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَكُلُّ مَا وَرَدَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ فَحَسَنٌ مقدم
стр. 667
مسألة في الرجوع إلى أقوال التابعين ثم ذكر طبقات المفسرين
وَفِي الرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِ التَّابِعِيِّ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ الْمَنْعَ وَحَكَوْهُ عَنْ شُعْبَةَ لَكِنَّ عَمَلَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى خِلَافِهِ وَقَدْ حكوا في كتبهم أقوالهم كالضحاك ابن مُزَاحِمٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحَيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ومقاتل بن سليمان وعطاء بن أبي سلمة الْخُرَاسَانِيِّ وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيِّ وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ
فَهَذِهِ تَفَاسِيرُ الْقُدَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ وَغَالِبُ أَقْوَالِهِمْ تَلَقَّوْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَعَلَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ عَنْ أَحْمَدَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَآرَائِهِمْ
وَمِنَ الْمُبَرَّزِينَ فِي التَّابِعِينَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ثُمَّ يَتْلُوهُمْ عِكْرِمَةُ وَالضِّحَاكُ وَإِنْ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَإِنَّمَا أَخَذَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ
وَأَمَّا عامر السُّدِّيِّ فَكَانَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ يَطْعَنُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِي صَالِحٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَاهُمَا مُقَصِّرَيْنِ فِي النَّظَرِ
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ الْكَامِلِ: لِلْكَلْبِيِّ أَحَادِيثٌ صَالِحَةٌ وَخَاصَّةً عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالتَّفْسِيرِ وَلَيْسَ لأحد تفسير أطول منه
стр. 668
ولا أشيع فيه وَبَعْدَهُ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ إِلَّا أَنَّ الْكَلْبِيَّ يُفَضَّلُ عَلَى مُقَاتِلٍ لِمَا فِي مُقَاتِلٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ الرَّدِيئَةِ ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الطَّبَقَةِ أُلِّفَتْ تَفَاسِيرُ تَجْمَعُ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَتَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَالْمُفَضَّلِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَرَوْحِ بن عبادة ويحيى ابن قُرَيْشٍ وَمَالِكِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْهَرَوِيِّ وَعَبْدِ بْنِ حميد الكشي وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَهُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ وَصَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرِ بن إياس السعدي ويحيى ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ أبي طلحة وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَسُنَيْدٍ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمْ
وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِمْ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ
ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ جَمَعَ عَلَى النَّاسِ أَشْتَاتَ التَّفَاسِيرِ وَقَرَّبَ الْبَعِيدَ وَكَذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ وَأَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فَكَثِيرًا مَا اسْتَدْرَكَ النَّاسُ عَلَيْهِمَا وَعَلَى سَنَنِهِمَا مَكِّيٌّ وَالْمَهْدَوِيُّ حَسَنُ التَّأْلِيفِ وَكَذَلِكَ مَنْ تَبِعَهُمْ كَابْنِ عَطِيَّةَ وَكُلُّهُمْ مُتْقِنٌ مَأْجُورٌ فَجَزَاهُمُ الله خيرا
تنبيه فيما يجب أن يلاحظ عند نقل أقوال المفسرين
يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم ويحيكه الْمُصَنِّفُونَ لِلتَّفْسِيرِ بِعِبَارَاتٍ مُتَبَايِنَةِ الْأَلْفَاظِ وَيَظُنُّ مَنْ لَا فَهْمَ عِنْدِهِ أَنَّ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا فَيَحْكِيهِ أَقْوَالًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَكَرَ مَعْنًى ظَهَرَ مِنَ الْآيَةِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَائِلِ أَوْ لِكَوْنِهِ أَلْيَقَ بِحَالِ السَّائِلِ وَقَدْ يكون
стр. 669
بَعْضُهُمْ يُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ وَنَظِيرِهِ وَالْآخَرُ بِمَقْصُودِهِ وَثَمَرَتِهِ وَالْكُلُّ يُؤَوَّلُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ غَالِبًا وَالْمُرَادُ الْجَمِيعُ فَلْيُتَفَطَّنْ لِذَلِكَ وَلَا يُفْهَمْ مِنَ اخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ اخْتِلَافُ الْمُرَادَاتِ كَمَا قِيلَ
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ
وَكُلٌّ إِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشِيرُ
هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ فَالْمُتَأَخِّرُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ عَنِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَنْهُ إِنِ اسْتَوَيَا فِي الصِّحَّةِ وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ الْمُقَدَّمُ وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُ الْمُفَسِّرُونَ شَيْئًا فِي الْآيَةِ عَلَى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لِمَا دَخَلَ فِي الْآيَةِ فَيَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ قَصَرَ الْآيَةَ عَلَى ذَلِكَ وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ شَخْصٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ قَوْلَهُ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ مَا ذَهَبَ اللَّهُ بِوَلِيٍّ إِلَّا أَتَى بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ
الثَّالِثُ: الْأَخْذُ بِمُطْلَقِ اللُّغَةِ
فإن القرآن نزل ﴿بلسان عربي مبين﴾ وَقَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مَوَاضِعَ لَكِنْ نَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْقُرْآنِ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلٌ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي فَقِيلَ: ظَاهِرُهُ الْمَنْعُ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: فِي جَوَازِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَقِيلَ: الْكَرَاهَةُ تُحْمَلُ عَلَى مَنْ يَصْرِفُ الْآيَةَ عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَى مَعَانٍ خَارِجَةٍ مُحْتَمَلَةٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا الْقَلِيلُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا يُوجَدُ غَالِبًا إِلَّا فِي الشِّعْرِ وَنَحْوِهِ وَيَكُونُ الْمُتَبَادِرُ خِلَافَهَا
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ غَيْرِ عَالِمٍ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ يُفَسِّرُ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا جَعَلْتُهُ نِكَالًا
стр. 670
الرَّابِعُ: التَّفْسِيرُ بِالْمُقْتَضَى مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ وَالْمُقْتَضَبِ مِنْ قُوَّةِ الشَّرْعِ
وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلِ"
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيٍّ: هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ مَا عِنْدَنَا غَيْرُ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ أَوْ فَهْمٌ يُؤْتَاهُ الرَّجُلُ
وَعَلَى هَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الذَّوْقِ: لِلْقُرْآنِ نُزُولٌ وَتَنَزُّلٌ فَالنُّزُولُ قَدْ مَضَى وَالتَّنَزُّلُ بَاقٍ إِلَى قيام الساعة
ومن ها هنا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ فَأَخَذَ كُلُّ واجد برأيه على مقتضى نَظَرِهِ فِي الْمُقْتَضَى
وَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ فَأَضَافَ الْبَيَانَ إِلَيْهِمْ
وَعَلَيْهِ حَمَلُوا قَوْلَهُ ﷺ : "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلِهِ ﷺ : "مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُنْدُبٍ
стр. 671
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: هَذَا إِنْ صَحَّ فَإِنَّمَا أَرَادَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- الرَّأْيَ الَّذِي يَغْلِبُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ فَمِثْلُ هَذَا الَّذِي لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ فِي النَّوَازِلِ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِهِ
وَأَمَّا الرَّأْيُ الَّذِي يُسْنِدُهُ بُرْهَانٌ فَالْحُكْمُ بِهِ فِي النَّوَازِلِ جَائِزٌ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الصِّدِّيقِ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيِي
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ وَإِنْ صَحَّ فَإِنَّمَا أَرَادَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فَسَبِيلُهُ أَنْ يُرْجَعَ فِي تَفْسِيرِ أَلْفَاظِهِ إِلَى أَهْلِ اللُّغَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَسَبَبِ نُزُولِهِ وَمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى بَيَانِهِ إِلَى أَخْبَارِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ شَاهَدُوا تَنْزِيلَهُ وَأَدَّوْا إِلَيْنَا مَنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَكُونُ تِبْيَانًا لِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾
فَمَا وَرَدَ بَيَانُهُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَفِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ ذِكْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَمَا لَمْ يَرِدْ عَنْهُ بَيَانٌ فَفِيهِ حِينَئِذٍ فِكْرَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ بَعْدَهُ لِيَسْتَدِلُّوا بِمَا وَرَدَ بَيَانُهُ عَلَى مَا لَمْ يَرِدْ
قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ قَالَ فِيهِ بِرَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ مِنْهُ بِأُصُولِ الْعِلْمِ وَفُرُوعِهِ فَتَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لِلصَّوَابِ وَإِنْ وَافَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي نُكَتِهِ: قَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْمُتَوَرِّعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَامْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ بِاجْتِهَادِهِ وَلَوْ صَحِبَتْهَا الشَّوَاهِدُ وَلَمْ يُعَارِضْ شَوَاهِدَهَا نَصٌّ صَرِيحٌ وَهَذَا عُدُولٌ عَمَّا تعبدنا من معرفته مِنَ النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾
стр. 672
وَلَوْ صَحَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَمْ يُعْلَمْ شيء بِالِاسْتِنْبَاطِ وَلَمَا فَهِمَ الْأَكْثَرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى سِوَى لَفْظِهِ وَأَصَابَ الْحَقَّ فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ وَإِصَابَتُهُ اتِّفَاقٌ إِذِ الْغَرَضُ أَنَّهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ لَا شَاهِدَ لَهُ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " الْقُرْآنُ ذَلُولٌ ذُو وُجُوهٍ مُحْتَمَلَةٍ فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ"
وَقَوْلُهُ: ذَلُولٌ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُطِيعٌ لِحَامِلِيهِ يُنْطَقُ بِأَلْسِنَتِهِمْ الثَّانِي: أَنَّهُ مُوَضِّحٌ لِمَعَانِيهِ حَتَّى لَا تَقْصُرَ عَنْهُ أَفْهَامُ الْمُجْتَهِدِينَ
وَقَوْلُهُ: " ذُو وُجُوهٍ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنْ أَلْفَاظِهِ مَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ وُجُوهًا مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ
وَقَوْلُهُ: " فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ" يَحْتَمِلُ أَيْضًا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْحَمْلُ عَلَى أَحْسَنِ مَعَانِيهِ وَالثَّانِي: أَحْسَنِ مَا فِيهِ مِنَ الْعَزَائِمِ دُونَ الرُّخَصِ وَالْعَفْوِ دُونَ الِانْتِقَامِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ فِي كِتَابِ اللَّهِ
وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: النَّهْيُ إِنَّمَا انْصَرَفَ إِلَى الْمُتَشَابِهِ مِنْهُ لَا إِلَى جَمِيعِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه﴾ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا نَزَلَ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ فَلَوْ لَمْ يَجُزِ التَّفْسِيرُ لَمْ تَكُنِ الْحُجَّةُ بَالِغَةً فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لِمَنْ عَرَفَ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَشَأْنَ النُّزُولِ أَنْ يُفَسِّرَهُ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ وَلَمْ يَعْرِفْ وُجُوهَ اللُّغَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَسِّرَهُ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا سَمِعَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَوْ أَنَّهُ يَعْلَمُ التَّفْسِيرَ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنَ الْآيَةِ حِكْمَةً أَوْ دَلِيلًا لِحُكْمٍ فَلَا بأس به
стр. 673
وَلَوْ قَالَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ كَذَا مِنْ غير أن سمع مِنْهُ شَيْئًا فَلَا يَحُلُّ وَهُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ انْتَهَى
وَقَالَ الرَّاغِبُ فِي مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِهِ: اختلف الناس في تفسيرالقرآن هَلْ يَجُوزُ لِكُلِّ ذِي عِلْمٍ الْخَوْضُ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ بَالَغَ وَمَنَعَ الْكَلَامَ وَلَوْ تَفَنَّنَ النَّاظِرُ فِي الْعُلُومِ وَاتَّسَعَ بَاعُهُ فِي الْمَعَارِفِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَمَّنْ شَاهَدَ التَّنْزِيلَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ مَنِ التَّابِعِينَ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ : "مَنْ فَسَّرَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ" وَفِي رِوَايَةِ: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَقَدْ كَفَرَ"
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ ذَا مَعْرِفَةٍ وَأَدَبٍ فَوَاسِعٌ لَهُ تَفْسِيرُهُ وَالْعُقَلَاءُ وَالْأُدَبَاءُ فَوْضَى فِي مَعْرِفَةِ الْأَغْرَاضِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألباب﴾
أقسام التفسير
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَسَّمَ التَّفْسِيرَ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فِي كَلَامِهَا وَقِسْمٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ يَقُولُ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَقِسْمٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ خَاصَّةً وَقِسْمٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ
وَهَذَا تَقْسِيمٌ صَحِيحٌ
فَأَمَّا الَّذِي تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فَهُوَ الَّذِي يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى لِسَانِهِمْ وَذَلِكَ شَأْنُ اللُّغَةِ وَالْإِعْرَابِ
стр. 674
فَأَمَّا اللُّغَةُ فَعَلَى الْمُفَسِّرِ مَعْرِفَةُ مَعَانِيهَا وَمُسَمَّيَاتِ أَسْمَائِهَا وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْقَارِئَ ثُمَّ إِنْ كَانَ مَا تَتَضَمَّنُهُ أَلْفَاظُهَا يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ كَفَى فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالِاسْتِشْهَادُ بِالْبَيْتِ وَالْبَيْتَيْنِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يستفيض ذلك اللفظ وتكثر شواهده من الشعر
وَأَمَّا الْإِعْرَابُ فَمَا كَانَ اخْتِلَافُهُ مُحِيلًا لِلْمَعْنَى وَجَبَ عَلَى الْمُفَسِّرِ وَالْقَارِئِ تَعَلُّمُهُ لِيَتَوَصَّلَ الْمُفَسِّرُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ وَلِيَسْلَمَ الْقَارِئُ مِنَ اللَّحْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحِيلًا لِلْمَعْنَى وَجَبَ تَعَلُّمُهُ عَلَى الْقَارِئِ لِيَسْلَمَ مِنَ اللَّحْنِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُفَسِّرِ لِيَتَوَصَّلَ إِلَى الْمَقْصُودِ دُونَهُ عَلَى أَنَّ جَهْلَهُ نَقْصٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ
إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنَ التَّفْسِيرِ رَاجِعًا إِلَى هَذَا الْقِسْمِ فَسَبِيلُ الْمُفَسِّرِ التَّوَقُّفُ فِيهِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْعَالَمِ بِحَقَائِقِ اللُّغَةِ وَمَفْهُومَاتِهَا تَفْسِيرُ شَيْءٍ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَلَا يَكْفِي فِي حَقِّهِ تَعَلُّمُ الْيَسِيرِ مِنْهَا فَقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ
الثَّانِي: مَا لَا يُعْذَرُ وَاحِدٌ بِجَهْلِهِ وَهُوَ مَا تَتَبَادَرُ الْأَفْهَامُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ مِنَ النُّصُوصِ الْمُتَضَمِّنَةِ شَرَائِعَ الْأَحْكَامِ وَدَلَائِلَ التَّوْحِيدِ وَكُلَّ لَفْظٍ أَفَادَ مَعْنًى وَاحِدًا جَلِيًّا لَا سِوَاهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى
فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ وَلَا يَلْتَبِسُ تَأْوِيلُهُ إِذْ كَلُّ أَحَدٍ يُدْرِكُ مَعْنَى التَّوْحِيدِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إله إلا الله﴾ وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي إِلَهِيَّتِهِ
стр. 675
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لَا مَوْضُوعَةٌ فِي اللغة للنفي وإلا لِلْإِثْبَاتِ وَأَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْحَصْرُ وَيَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ وَنَحْوَهَا مِنَ الْأَوَامِرِ طَلَبُ إِدْخَالِ مَاهِيَّةِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْوُجُودِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ مُقْتَضَاهَا التَّرْجِيحُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ يَدَّعِي الْجَهْلَ بِمَعَانِي أَلْفَاظِهِ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالضَّرُورَةِ
الثَّالِثُ: مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْغُيُوبِ نَحْوُ الْآيِ الْمُتَضَمِّنَةِ قِيَامَ السَّاعَةِ وَنُزُولَ الْغَيْثِ وَمَا فِي الْأَرْحَامِ وَتَفْسِيرَ الرُّوحِ وَالْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةِ وَكُلُّ مُتَشَابِهٍ فِي الْقُرْآنِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ فَلَا مَسَاغَ لِلِاجْتِهَادِ فِي تَفْسِيرِهِ وَلَا طَرِيقَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إِمَّا نَصٌّ مِنَ التَّنْزِيلِ أَوْ بَيَانٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى تَأْوِيلِهِ فَإِذَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَوْقِيفٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ عَلِمْنَا أَنَّهُ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ
وَالرَّابِعُ: مَا يَرْجِعُ إِلَى اجْتِهَادِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ التَّأْوِيلِ وَهُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى ما يئول إِلَيْهِ فَالْمُفَسِّرُ نَاقِلٌ وَالْمُؤَوِّلُ مُسْتَنْبِطٌ وَذَلِكَ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ
وَكُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا فَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْعُلَمَاءِ الِاجْتِهَادُ فِيهِ وَعَلَى الْعُلَمَاءِ اعْتِمَادُ الشَّوَاهِدِ وَالدَّلَائِلِ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْتَمِدُوا مُجَرَّدَ رَأْيِهِمْ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَكُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ فَهُوَ قِسْمَانِ:
стр. 676
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَظْهَرَ مِنَ الْآخَرِ فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْخَفِيُّ دُونَ الْجَلِيِّ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا جَلِيَّيْنِ وَالِاسْتِعْمَالُ فِيهِمَا حَقِيقَةٌ وَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَخْتَلِفَ أَصْلُ الْحَقِيقَةِ فِيهِمَا فَيَدُورُ اللَّفْظُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ هُوَ فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَفِي الْآخَرِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَالشَّرْعِيَّةُ أَوْلَى إِلَّا أَنْ تَدُلَّ قَرِينَتُهُ عَلَى إِرَادَةِ اللُّغَوِيَّةِ نَحْوُ قوله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ وَكَذَلِكَ إِذَا دَارَ بَيْنَ اللُّغَوِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ فَالْعُرْفِيَّةُ أولى لطريانها عَلَى اللُّغَةِ وَلَوْ دَارَ بَيْنَ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ فَالشَّرْعِيَّةُ أَوْلَى لِأَنَّ الشَّرْعَ أَلْزَمُ
الضَّرْبُ الثَّانِي: لَا تَخْتَلِفُ أَصْلُ الْحَقِيقَةِ بَلْ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ اسْتُعْمِلَ فِيهِمَا فِي اللُّغَةِ أَوْ فِي الشَّرْعِ أَوِ الْعُرْفِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَهَذَا أَيْضًا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَنَافَيَا اجْتِمَاعًا وَلَا يُمْكِنَ إِرَادَتُهُمَا بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ كَالْقُرْءِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ فَعَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْمُرَادِ مِنْهُمَا بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ كَانَ هُوَ مُرَادَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ وَإِنِ اجْتَهَدَ مُجْتَهِدٌ آخَرُ فَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ كَانَ ذَلِكَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ اجْتِهَادِهِ وَمَا كُلِّفَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لِتَكَافُؤِ الْأَمَارَاتِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُخَيَّرُ فِي الْحَمْلِ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَأْخُذُ بِأَعْظَمِهِمَا حُكْمًا وَلَا يَبْعُدُ اطِّرَادُ وَجْهٍ ثَالِثٍ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ بِالْأَخَفِّ كَاخْتِلَافِ جَوَابِ الْمُفْتِينَ
стр. 677
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَلَّا يَتَنَافَيَا اجْتِمَاعًا فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَيَكُونُ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْإِعْجَازِ وَالْفَصَاحَةِ وَأَحْفَظُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ أَحَدِهِمَا وَهَذَا أَيْضًا ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ دَلَالَتُهُ مُقْتَضِيَةً لِبُطْلَانِ الْمَعْنَى الْآخَرِ فَيَتَعَيَّنُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ لِلْإِرَادَةِ
الثَّانِي: أَلَّا يَقْتَضِيَ بُطْلَانَهُ وَهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَثْبُتُ حُكْمُ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مُرَادًا وَلَا يُحْكَمُ بِسُقُوطِ الْمَعْنَى الْآخَرِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ لِأَنَّ مُوجِبَ اللَّفْظِ عَلَيْهِمَا فَاسْتَوَيَا فِي حُكْمِهِ وَإِنْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا تَرَجَّحَ بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ أَثْبَتُ حُكْمًا مِنَ الْآخَرِ لِقُوَّتِهِ بِمُظَاهَرَةِ الدَّلِيلِ الْآخَرِ
فَهَذَا أَصْلٌ نَافِعٌ مُعْتَبَرٌ فِي وُجُوهِ التَّفْسِيرِ فِي اللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَيَنْزِلُ قَوْلُهُ ﷺ : " مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ:
أَحَدُهُمَا: تَفْسِيرُ اللَّفْظِ لِاحْتِيَاجِ الْمُفَسِّرِ لَهُ إِلَى التَّبَحُّرِ فِي مَعْرِفَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ
الثَّانِي: حَمْلُ اللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ لِاحْتِيَاجِ ذَلِكَ إِلَى مَعْرِفَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعُلُومِ: عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ وَالتَّبَحُّرِ فِيهِمَا وَمِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ مَا يُدْرَكُ بِهِ حُدُودُ الْأَشْيَاءِ وَصِيَغُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ وَالْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ وَالظَّاهِرُ وَالْمُضْمَرُ وَالْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ وَالْمُؤَوَّلُ وَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَالصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ وَالْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ وَمِنْ عُلُومِ الْفُرُوعِ مَا يُدْرَكُ بِهِ اسْتِنْبَاطًا وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى هَذَا أَقَلُّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ يَحْتَمِلُ كَذَا وَلَا يَجْزِمُ إِلَّا فِي حُكْمٍ اضْطُرَّ إِلَى الْفَتْوَى بِهِ فَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ فَيَحْرُمُ خِلَافُهُ مَعَ تَجْوِيزِ خِلَافِهِ عِنْدَ اللَّهِ
стр. 678
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا نَزَلْ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ آيَةٍ إِلَّا وَلَهَا ظَهْرٌ وبطن ولكن حَرْفٍ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ" فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟
قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُهُ: "ظَهْرٌ وَبَطْنٌ" فَفِي تَأْوِيلِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا- وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ-: إِنَّكَ إِذَا بَحَثْتَ عَنْ بَاطِنِهَا وَقِسْتَهُ عَلَى ظاهرها وقفت على معناها
الثاني- قول أبي عبيدة-: إِنَّ الْقَصَصَ ظَاهِرَهَا الْإِخْبَارُ بِهَلَاكِ الْأَوَّلِينَ وَبَاطِنُهَا عِظَةٌ لِلْآخَرِينَ
الثَّالِثُ - قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: إِنَّهُ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا عَمِلَ بِهَا قَوْمٌ وَلَهَا قَوْمٌ سَيَعْمَلُونَ بِهَا
الرَّابِعُ - قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ-: إِنَّ ظَاهِرَهَا لَفْظُهَا وباطنها تأويلها
وقول أبي عبيدة أَقْرَبُهَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَلِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ" فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لِكُلِّ حَرْفٍ مُنْتَهًى فِيمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ مَعْنَاهُ الثَّانِي: مَعْنَاهُ أَنَّ لِكُلِّ حُكْمٍ مِقْدَارًا مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ" فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لِكُلِّ غَامِضٍ مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ مَطْلَعٌ يُتَوَصَّلُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَيُوقَفُ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ
وَالثَّانِي: لِكُلِّ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ مُطْلَعٌ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ وَيَرَاهُ عِنْدَ الْمُجَازَاةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ مَا لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ وَذَلِكَ آجَالٌ حَادِثَةٌ فِي أَوْقَاتٍ آتِيَةٍ كَوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ وَالنَّفْخِ فِي الصور ونزول عيسى بن مَرْيَمَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
стр. 679
لِقَوْلِهِ: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ في السماوات والأرض﴾ وَمِنْهُ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ كُلُّ ذِي عِلْمٍ بِاللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ وَذَلِكَ إِبَانَةُ غَرَائِبِهِ وَمَعْرِفَةُ الْمُسَمَّيَاتِ بِأَسْمَائِهَا اللَّازِمَةِ غَيْرِ الْمُشْتَرَكَةِ منها والموصوفات بِصِفَاتِهَا الْخَاصَّةِ دُونَ مَا سِوَاهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَذَلِكَ كَسَامِعٍ مِنْهُمْ لَوْ سَمِعَ تَالِيًا يَتْلُو: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يشعرون﴾ لَمْ يَجْهَلْ أَنَّ مَعْنَى الْفَسَادِ هُوَ مَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ مِمَّا هُوَ مَضَرَّةٌ وَأَنَّ الصَّلَاحَ مِمَّا يَنْبَغِي فِعْلُهُ مِمَّا هُوَ مَنْفَعَةٌ وَإِنْ جَهِلَ الْمَعَانِيَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ إِفْسَادًا وَالْمَعَانِيَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ إِصْلَاحًا فَأَمَّا تَعْلِيمُ التَّفْسِيرِ وَنَقْلُهُ عَمَّنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ فَفِيهِ ثَوَابٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ كَتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ
تَنْبِيهٌ في كلام الصوفية في تفسير القرآن
فَأَمَّا كَلَامُ الصُّوفِيَّةِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَقِيلَ: لَيْسَ تَفْسِيرًا وَإِنَّمَا هِيَ مَعَانٍ وَمَوَاجِيدُ يَجِدُونَهَا عند التلاوة كقول بعضهم في: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ إِنَّ الْمُرَادَ: النَّفْسُ فَأَمَرَنَا بِقِتَالِ مَنْ يَلِينَا لِأَنَّهَا أَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَيْنَا وَأَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَى الْإِنْسَانِ نَفْسُهُ
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ: وَقَدْ وَجَدْتُ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْوَاحِدِيِّ أنه
стр. 680
صَنَّفَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ حَقَائِقَ التَّفْسِيرِ فَإِنْ كَانَ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ فَقَدْ كَفَرَ
قَالَ: وَأَنَا أَقُولُ: الظَّنُّ بِمَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْهُمْ إِذَا قَالَ شَيْئًا مِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ تَفْسِيرًا وَلَا ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الشَّرْحِ لِلْكَلِمَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانُوا قَدْ سَلَكُوا مَسْلَكَ الْبَاطِنِيَّةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُمْ ذِكْرٌ لِنَظِيرِ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ فَإِنَّ النَّظِيرَ يُذْكَرُ بِالنَّظِيرِ فَمِنْ ذَلِكَ مِثَالُ النَّفْسِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَمَرَنَا بِقِتَالِ النَّفْسِ ومن يلينا من الكفار ومع ذلك فياليتهم لَمْ يَتَسَاهَلُوا فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِبْهَامِ وَالِالْتِبَاسِ انْتَهَى
فَصْلٌ
حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ عَنْ بَعْضِ مَنْ عَاصَرَهُ أَنَّ طَالِبَ عِلْمِ التَّفْسِيرِ مُضْطَرٌّ إِلَى النَّقْلِ فِي فَهْمِ مَعَانِي تَرْكِيبِهِ بِالْإِسْنَادِ إِلَى مُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَضْرَابِهِمْ وَأَنَّ فَهْمَ الْآيَاتِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ بَالَغَ الشَّيْخُ فِي رَدِّهِ لِأَثَرِ عَلِيٍّ السَّابِقِ
وَالْحَقُّ أَنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ مِنْهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّقْلِ كَسَبَبِ النُّزُولِ وَالنَّسْخِ وتعيين المبهم وتبيين المجمل ومنه مالا يَتَوَقَّفُ وَيَكْفِي فِي تَحْصِيلِهِ التَّفَقُّهُ عَلَى الْوَجْهِ المعتبر
стр. 681
وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِي اصْطِلَاحِ بَعْضِهِمْ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَنْقُولِ وَالْمُسْتَنْبَطِ لِيُحْمَلَ عَلَى الِاعْتِمَادِ فِي الْمَنْقُولِ وَعَلَى النَّظَرِ فِي الْمُسْتَنْبَطِ تَجْوِيزًا لَهُ وَازْدِيَادًا وَهَذَا مِنَ الْفُرُوعِ فِي الدِّينِ
تَنْخِيلٌ لِمَا سَبَقَ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا وَرَدَ تَفْسِيرُهُ بِالنَّقْلِ عَمَّنْ يُعْتَبَرُ تَفْسِيرُهُ وَقِسْمٌ لَمْ يَرِدْ
وَالْأَوَّلُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: إِمَّا أَنْ يَرِدَ التَّفْسِيرُ عَنِ النبي صلى الله عيه وَسَلَّمَ أَوْ عَنِ الصَّحَابَةِ أَوْ عَنْ رُؤُوسِ التابعين فالأول يبحث في عَنْ صِحَّةِ السَّنَدِ وَالثَّانِي يَنْظُرُ فِي تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ فَإِنْ فَسَّرَهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ فَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ فَلَا شَكَّ فِي اعْتِمَادِهِمْ وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا شَاهَدَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْقَرَائِنِ فَلَا شَكَّ فِيهِ وَحِينَئِذٍ إِنْ تَعَارَضَتْ أَقْوَالُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَذَاكَ وَإِنْ تَعَذَّرَ قُدِّمَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَّرَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ" وَقَدْ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ زَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ لِقَوْلِهِ ﷺ : "أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ" فَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ جَازَ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَيِّهَا شَاءَ وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُمْ رُؤُوسُ التَّابِعِينَ إِذَا لَمْ يَرْفَعُوهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فَحَيْثُ جَازَ التَّقْلِيدُ فِيمَا سَبَقَ فَكَذَا هُنَا وَإِلَّا وَجَبَ الِاجْتِهَادُ
الثَّانِي: مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَقْلٌ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ قَلِيلٌ وَطَرِيقُ التَّوَصُّلِ إِلَى فَهْمِهِ النَّظَرُ إِلَى مُفْرَدَاتِ الْأَلْفَاظِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ وَمَدْلُولَاتِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا بِحَسَبِ السِّيَاقِ وَهَذَا يَعْتَنِي بِهِ الرَّاغِبُ كَثِيرًا فِي كِتَابِ الْمُفْرَدَاتِ فَيَذْكُرُ قَيْدًا زَائِدًا عَلَى أَهْلِ اللُّغَةِ فِي تَفْسِيرِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ اقْتَنَصَهُ مِنَ السِّيَاقِ
стр. 682
فصل فيما يجب على المفسر البداءة به
الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُفَسِّرِ الْبَدَاءَةُ بِهِ الْعُلُومُ اللَّفْظِيَّةُ وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ الْبَدَاءَةُ بِهِ مِنْهَا تَحْقِيقُ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ فَتَحْصِيلُ مَعَانِي الْمُفْرَدَاتِ مِنْ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ مَنْ أَوَائِلِ الْمَعَادِنِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُدْرِكَ مَعَانِيَهُ وَهُوَ كَتَحْصِيلِ اللَّبِنِ مِنْ أَوَائِلِ الْمَعَادِنِ فِي بِنَاءِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَهُ
قَالُوا: وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ فَقَطْ بَلْ هُوَ نَافِعٌ فِي كُلِّ عِلْمٍ مِنْ عُلُومِ الشَّرْعِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ كَمَا قَالُوا: إِنَّ الْمُرَكَّبَ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِمُفْرَدَاتِهِ لِأَنَّ الْجُزْءَ سَابِقٌ عَلَى الْكُلِّ فِي الْوُجُودِ مِنَ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ فَنَقُولُ النَّظَرُ فِي التَّفْسِيرِ هُوَ بِحَسَبِ أَفْرَادِ الْأَلْفَاظِ وَتَرَاكِيبِهَا
وَأَمَّا بِحَسَبِ الْأَفْرَادِ فَمِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ:
مِنْ جِهَةِ الْمَعَانِي الَّتِي وُضِعَتِ الْأَلْفَاظُ الْمُفْرَدَةُ بِإِزَائِهَا وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ اللُّغَةِ
وَمِنْ جِهَةِ الْهَيْئَاتِ وَالصِّيَغِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْمُفْرَدَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ وَهُوَ مِنْ عِلْمِ التَّصْرِيفِ
وَمِنْ جِهَةِ رَدِّ الْفُرُوعِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الْأُصُولِ إِلَيْهَا وَهُوَ مِنْ عِلْمِ الِاشْتِقَاقِ
وَأَمَّا بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ فَمِنْ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ:
الْأَوَّلُ: بِاعْتِبَارِ كَيْفِيَّةِ التَّرَاكِيبِ بِحَسَبِ الْإِعْرَابِ وَمُقَابِلِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مُؤَدِّيَةٌ أَصْلَ الْمَعْنَى وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمُرَكَّبُ بِحَسَبِ الْوَضْعِ وَذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِعِلْمِ النَّحْوِ
стр. 683
الثَّانِي: بِاعْتِبَارِ كَيْفِيَّةِ التَّرْكِيبِ مِنْ جِهَةِ إِفَادَتِهِ مَعْنَى الْمَعْنَى أَعْنِي لَازِمُ أَصْلِ الْمَعْنَى الَّذِي يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مُقْتَضَى الْحَالِ فِي تَرَاكِيبَ الْبُلَغَاءِ وَهُوَ الَّذِي يَتَكَلَّفُ بِإِبْرَازِ مَحَاسِنِهِ عِلْمُ الْمَعَانِي
الثَّالِثُ: بِاعْتِبَارِ طُرُقِ تَأْدِيَةِ الْمَقْصُودِ بِحَسَبِ وُضُوحِ الدَّلَالَةِ وَحَقَائِقِهَا وَمَرَاتِبِهَا وَبِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالِاسْتِعَارَةِ وَالْكِنَايَةِ وَالتَّشْبِيهِ وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الْبَيَانِ
وَالرَّابِعُ: بِاعْتِبَارِ الْفَصَاحَةِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَمُقَابِلِهِ وهو يتعلق بعلم البديع
مسألة في أن الإعجاز يكون في اللفظ والمعنى والملاءمة
وَقَدْ سَبَقَ لَنَا فِي بَابِ الْإِعْجَازِ أَنَّ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَفَرُّدِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَتَرَكَّبُ مِنْهَا الْكَلَامُ مَعَ مَا تَضْمَنُهُ مِنَ الْمَعَانِي مَعَ مُلَاءَمَتِهِ الَّتِي هِيَ نُظُومُ تَأْلِيفِهِ
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ الْأَلْفَاظِ فَهُوَ أَمْرٌ نَقْلِيٌّ يُؤْخَذُ عَنْ أَرْبَابِ التَّفْسِيرِ وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقْرَأُ قوله تعالى: ﴿فاكهة وأبا﴾ فَلَا يَعْرِفُهُ فَيُرَاجِعُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ: مَا الْأَبُّ وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا مِنْكَ تَكَلُّفٌ وَكَانَ ابْنُ عباس-
стр. 684
وهو ترجمان القرآن- يقول: لا أعرف ﴿حنانا﴾ ولا ﴿غسلين﴾ ولا ﴿الرقيم﴾
وَأَمَّا الْمَعَانِي الَّتِي تَحْتَمِلُهَا الْأَلْفَاظُ فَالْأَمْرُ فِي مُعَانَاتِهَا أَشَدُّ لِأَنَّهَا نَتَائِجُ الْعُقُولِ
وَأَمَّا رُسُومُ النَّظْمِ فَالْحَاجَةُ إِلَى الثَّقَافَةِ وَالْحِذْقِ فِيهَا أَكْثَرُ لِأَنَّهَا لِجَامُ الْأَلْفَاظِ وَزِمَامُ الْمَعَانِي وَبِهِ يَتَّصِلُ أَجْزَاءُ الْكَلَامِ وَيَتَّسِمُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَتَقُومُ لَهُ صُورَةٌ فِي النَّفْسِ يَتَشَكَّلُ بِهَا الْبَيَانُ فَلَيْسَ الْمُفْرِدُ بِذَرَبِ اللِّسَانِ وَطَلَاقَتِهِ كَافِيًا لِهَذَا الشَّأْنِ ولا كل من أوتي خطاب بديهة ناهضة بِحَمْلِهِ مَا لَمْ يَجْمَعْ إِلَيْهَا سَائِرَ الشُّرُوطِ
مسألة في أن أحسن طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن
قِيلَ: أَحْسَنُ طَرِيقِ التَّفْسِيرِ أَنْ يُفَسَّرَ الْقُرْآنُ بِالْقُرْآنِ فَمَا أُجْمِلَ فِي مَكَانٍ فَقَدْ فُصِّلَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمَا اخْتُصِرَ فِي مَكَانٍ فَإِنَّهُ قَدْ بُسِطَ فِي آخَرَ فَإِنْ أَعْيَاكَ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلْقُرْآنِ وَمُوَضِّحَةٌ له قال تعالى: ﴿وما
стр. 685
أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : "أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ" يَعْنِي السُّنَّةَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي السُّنَّةِ يُرْجَعْ إِلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ أَدْرَى بِذَلِكَ لِمَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْقَرَائِنِ وَلِمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْفَهْمِ الْعَجِيبِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ يُرْجَعْ إِلَى النظر والاستنباط بالشرط السابق
مسألة فيما يجب على المفسر من التحوط في التفسير
وَيَجِبُ أَنْ يُتَحَرَّى فِي التَّفْسِيرِ مُطَابَقَةُ الْمُفَسَّرِ وَأَنْ يُتَحَرَّزَ فِي ذَلِكَ مِنْ نَقْصِ الْمُفَسِّرِ عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ إِيضَاحِ الْمَعْنَى الْمُفَسَّرِ أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى زِيَادَةٌ لَا تَلِيقُ بِالْغَرَضِ أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُفَسِّرِ زَيْغٌ عَنِ الْمَعْنَى الْمُفَسَّرِ وَعُدُولٌ عَنْ طَرِيقِهِ حَتَّى يَكُونَ غَيْرَ مُنَاسِبٍ لَهُ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ أَنْحَائِهِ بَلْ يَجْتَهِدُ فِي أَنْ يَكُونَ وَفْقَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْحَاءِ وَعَلَيْهِ بِمُرَاعَاةِ الْوَضْعِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ وَمُرَاعَاةِ التَّأْلِيفِ وَأَنْ يُوَافِيَ بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ وَتَلْمِيحِ الْوَقَائِعِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَتَفَجَّرُ لَهُ يَنَابِيعُ الْفَوَائِدِ
وَمِنْ شَوَاهِدِ الْإِعْرَابِ قَوْلُهُ تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ وَلَوْلَا الْإِعْرَابُ لَمَا عُرِفَ الْفَاعِلُ مِنَ الْمَفْعُولِ بِهِ
وَمِنْ شَوَاهِدِ النَّظْمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّائِي لم يحضن﴾ فَإِنَّهَا مُنْتَظِمَةٌ مَعَ مَا قَبْلَهَا مُنْقَطِعَةٌ عَمَّا بعدها
стр. 686
وَقَدْ يَظْهَرُ الِارْتِبَاطُ وَقَدْ يُشْكَلُ أَمْرُهُ فَمِنَ الظاهر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثم يعيده﴾ وَوَجْهُ ظُهُورِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ مِنْ وَاحِدٍ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جَوَابَ سُؤَالٍ كَأَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا سَمِعُوا مَا قَبْلَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ: ﴿مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أَجَابَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فَتَرَكَ ذِكْرَ السُّؤَالِ
وَنَظِيرُهُ: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الحق قل الله يهدي للحق﴾
مَسْأَلَةٌ فِي النَّهْيِ عَنْ ذِكْرِ لَفْظِ الْحِكَايَةِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَوُجُوبِ تَجَنُّبِ
إِطْلَاقِ الزَّائِدِ عَلَى بَعْضِ الْحُرُوفِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ
وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ حَكَى اللَّهُ تعالى وينبغي تَجَنُّبُهُ
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُرْشِدِ: قَالَ مُعْظَمُ أَئِمَّتِنَا: لَا يُقَالُ كَلَامُ اللَّهِ يُحْكَى وَلَا يُقَالُ حَكَى اللَّهُ لأن الحكاية الإتيان بمثل الشيء وليس لكلامه مِثْلٌ وَتَسَاهَلَ قَوْمٌ فَأَطْلَقُوا لَفْظَ الْحِكَايَةِ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ إِطْلَاقُ
стр. 687
الزائد على بعض الحروف كما في نحو: ﴿فبما رحمة من الله﴾ والكاف في نحو: ﴿ليس كمثله شيء﴾ وَنَحْوِهِ
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ تَجَنُّبُ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْقُرْآنِ إِذِ الزَّائِدُ مَا لَا مَعْنَى لَهُ وَكَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ
وَمِمَّنْ نص على منع ذلك في الْمُتَقَدِّمِينَ الْإِمَامُ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ فَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الدَّاوُدِيُّ فِي الْكِتَابِ الْمُرْشِدِ لَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَرَوَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ في القرآن صلة بوجه وذكر أبو مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا مِثْلَ ذَلِكَ وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ خِلَافُ هَذَا ثُمَّ حَكَى عَنْ أَبِي دَاوُدَ مِثْلَهُ يَزْعُمُ الصِّلَةَ فِيهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ وقال: إن ما ها هنا لِلتَّعْلِيلِ مِثْلُ: أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا
فَصْلٌ في تقسم التأويل إلى منقاد ومستكره
التَّأْوِيلُ يَنْقَسِمُ إِلَى مُنْقَادٍ وَمُسْتَكْرَهٍ:
فَالْأَوَّلُ: مَا لَا تَعْرِضُ فِيهِ بَشَاعَةٌ أَوِ اسْتِقْبَاحٌ وَقَدْ يقع فيه الخلاف بين الأئمة: إما الاشتراك في اللفظ نحو: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ هَلْ هُوَ مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ أَوِ الْقَلْبِ
стр. 688
وَإِمَّا لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إِلَى النَّظْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ هَلْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَعْطُوفِ وَحْدَهُ أَوْ عَائِدٌ إِلَى الْجَمِيعِ؟
وَإِمَّا لِغُمُوضِ الْمَعْنَى وَوَجَازَةِ النَّظْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فإن الله سميع عليم﴾ وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ
وَأَمَّا الْمُسْتَكْرَهُ فَمَا يُسْتَبْشَعُ إِذَا عُرِضَ عَلَى الْحُجَّةِ وَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ لَفْظًا عَامًّا فَيَخْتَصُّ ببعض ما يدخل تحته كقوله: ﴿وصالح المؤمنين﴾ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فَقَطْ
وَالثَّانِي: أَنْ يُلَفَّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ كَقَوْلِ مَنْ زَعَمَ تَكْلِيفَ الْحَيَوَانَاتِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أمثالكم﴾ إنهم مكلفون كما نحن
الثالث: مَا اسْتُعِيرَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساق﴾ فِي حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ
الرَّابِعُ: مَا أُشْعِرَ بِاشْتِقَاقٍ بَعِيدٍ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْبَاطِنِيَّةِ فِي الْبَقَرَةِ: إِنَّهُ إِنْسَانٌ يَبْقُرُ عَنْ أَسْرَارِ الْعُلُومِ وَفِي الْهُدْهُدِ إِنَّهُ إِنْسَانٌ مَوْصُوفٌ بِجَوْدَةِ الْبَحْثِ والتنقيب
والأول أكثر ما يروج على المتفقه الذي لَمْ يَتَبَحَّرُوا فِي مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ وَالثَّانِي عَلَى الْمُتَكَلِّمِ الْقَاصِرِ فِي مَعْرِفَةِ شَرَائِطِ النَّظْمِ وَالثَّالِثُ عَلَى صَاحِبِ الْحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يَتَهَذَّبْ فِي شَرَائِطِ قَبُولِ الْأَخْبَارِ وَالرَّابِعُ عَلَى الْأَدِيبِ الَّذِي لم يتهذب بشرائط الاستعارات والاشتقاقات
стр. 689
فائدة فيما نقل عن ابن عباس في تفسير بعض الآيات
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صدوركم﴾ فَقَالَ: الْمَوْتُ
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ تَفْسِيرٌ يَحْتَاجُ لِتَفْسِيرٍ
وَرَأَيْتُ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَوْتَ سَيَفْنَى كَمَا يَفْنَى كُلُّ شَيْءٍ كَمَا جَاءَ أَنَّهُ يُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ فَكَأَنَّ الْمَعْنَى لَوْ كُنْتُمْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا لَبَادَرَ إِلَيْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمُ الْمَوْتَ الَّذِي يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَلَا بُدَّ لَكُمْ مِنَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ
قَالَ: وَبَقِيَ فِي نَفْسِي مِنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ شَيْءٌ حَتَّى يُكْمِلَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ فِي فَهْمِهَا
فَصْلٌ
أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر
أَصِلُ الْوُقُوفَ عَلَى مَعَانِي الْقُرْآنِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلنَّاظِرِ فَهْمُ مَعَانِي الْوَحْيِ حَقِيقَةً وَلَا يَظْهَرُ لَهُ أَسْرَارُ الْعِلْمِ مِنْ غَيْبِ الْمَعْرِفَةِ وَفِي قَلْبِهِ بِدْعَةٌ أَوْ إِصْرَارٌ عَلَى ذَنْبٍ أَوْ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ أَوْ هَوًى أَوْ حُبُّ الدُّنْيَا أَوْ يَكُونُ غَيْرَ مُتَحَقِّقِ الْإِيمَانِ
стр. 690
أَوْ ضَعِيفَ التَّحْقِيقِ أَوْ مُعْتَمِدًا عَلَى قَوْلِ مُفَسِّرٍ لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا عِلْمٌ بِظَاهِرٍ أَوْ يَكُونُ رَاجِعًا إِلَى مَعْقُولِهِ وَهَذِهِ كُلُّهَا حُجُبٌ وموانع وبعضها آكد من بعض إِذَا كَانَ الْعَبْدُ مُصْغِيًا إِلَى كَلَامِ رَبِّهِ مُلْقِيَ السَّمْعِ وَهُوَ شَهِيدُ الْقَلْبِ لِمَعَانِي صِفَاتِ مُخَاطِبِهِ نَاظِرًا إِلَى قُدْرَتِهِ تَارِكًا لِلْمَعْهُودِ مِنْ عِلْمِهِ وَمَعْقُولِهِ مُتَبَرِّئًا مِنْ حَوْلِهِ وَقَوَّتِهِ مُعَظِّمًا لِلْمُتَكَلِّمِ مُفْتَقِرًا إِلَى التَّفَهُّمِ بِحَالٍ مُسْتَقِيمٍ وَقَلْبٍ سَلِيمٍ وَقُوَّةِ عِلْمٍ وَتَمَكُّنِ سَمْعٍ لِفَهْمِ الْخِطَابِ وَشَهَادَةِ غَيْبِ الْجَوَابِ بِدُعَاءٍ وَتَضَرُّعٍ وَابْتِئَاسٍ وَتَمَسْكُنٍ وَانْتِظَارٍ لِلْفَتْحِ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ وَلْيَسْتَعِنْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ تِلَاوَتُهُ عَلَى مَعَانِي الْكَلَامِ وَشَهَادَةِ وَصْفِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْوَعْدِ بِالتَّشْوِيقِ وَالْوَعِيدِ بِالتَّخْوِيفِ وَالْإِنْذَارِ بِالتَّشْدِيدِ فَهَذَا الْقَارِئُ أَحْسَنُ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تلاوته أولئك يؤمنون به﴾
وَهَذَا هُوَ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ جَعَلْنَا اللَّهُ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يهدي السبيل
فصل في القرآن علم الأولين والآخرين
وَفِي الْقُرْآنِ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَيُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ مِنْهُ لِمَنْ فَهَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَنْبَطَ عُمُرَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَلَنْ يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها﴾ فَإِنَّهَا رَأْسُ ثَلَاثٍ
стр. 691
وَسِتِّينَ سُورَةً وَعَقَّبَهَا بِالتَّغَابُنِ لِيُظْهِرَ التَّغَابُنَ فِي فَقْدِهِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عِيسَى: ﴿قَالَ إني عبد الله آتاني الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿أبعث حيا﴾ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ كَلِمَةً وَعُمُرُهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً
وَقَدِ اسْتَنْبَطَ النَّاسُ زَلْزَلَةَ عَامِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ من قوله تعالى: ﴿إذا زلزلت الأرض﴾ فَإِنَّ الْأَلْفَ بِاثْنَيْنِ وَالذَّالَ بِسَبْعِمِائَةٍ
وَكَذَلِكَ اسْتَنْبَطَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْعَرَبِ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَخْلِيصَهُ مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الرُّومِ بحساب الجمل وغير ذلك
فصل
قد يستنبط الحكم من السكوت عن الشيء
وَقَدْ يُسْتَنْبَطُ الْحُكْمُ مِنَ السُّكُوتِ عَنِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الْآيَةَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَعْمَامَ وَالْأَخْوَالَ وَهُمْ مِنَ الْمَحَارِمِ وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ
стр. 692
مَنْ سُمِّيَ فِي الْآيَةِ وَقَدْ سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عن ذلك فقال: لئلا يضعه الْعَمُّ عِنْدَ ابْنِهِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا وَكَذَا الْخَالُ فَيُفْضِي إِلَى الْفِتْنَةِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتُثْنِيَ مُشْتَرِكٌ بِابْنِهِ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ إِلَّا الْعَمَّ وَالْخَالَ وَهَذَا مِنَ الدَّلَائِلِ الْبَلِيغَةِ عَلَى وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ فِي سَتْرِهِنَّ
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ مُحْتَمَلَةٌ فِي أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَذْرَهَا أَبُو الْبَعْلِ عِنْدَ ابْنِهِ الْآخَرِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا وَأَبُو البعل ينقض قولهم إن مَنِ اسْتُثْنَى اشْتَرَكَ هُوَ وَابْنُهُ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بيوتكم﴾ الْآيَةَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَوْلَادَ فَقِيلَ لِدُخُولِهِمْ فِي قوله: ﴿بيوتكم﴾
فصل في تقسيم القرآن إلى ما هو بين بنفسه وإلى ما ليس ببين في نفسه فيحتاج إلى بيان
يَنْقَسِمُ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ إِلَى:
مَا هُوَ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ بِلَفْظٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ كَثِيرٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: ﴿التائبون العابدون﴾ الآية وقوله: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ الآية
стр. 693
وقوله: ﴿قد أفلح الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ وقوله: ﴿يا أيها الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا﴾ وَإِلَى مَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ وَبَيَانُهُ إِمَّا فِيهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَوْ فِي السُّنَّةِ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْبَيَانِ قَالَ تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾
وَالثَّانِي: كَكَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْأَنْكِحَةِ وَالْجِنَايَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّةَ الزَّكَاةِ وَلَا نِصَابَهَا وَلَا أَوْقَاصَهَا وَلَا شُرُوطَهَا وَلَا أَحْوَالَهَا وَلَا مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَكَذَا لَمْ يُبَيِّنْ عَدَدَ الصَّلَاةِ وَلَا أَوْقَاتَهَا
وَكَقَوْلِهِ: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ وَلَمْ يُبَيِّنِ أَرْكَانَهُ وَلَا شُرُوطَهُ وَلَا مَا يَحِلُّ فِي الْإِحْرَامِ وَمَا لَا يَحِلُّ وَلَا مَا يُوجِبُ الدَّمَ وَلَا مَا لَا يُوجِبُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ قَدْ أَرْشَدَنَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَمَّا نَزَلَ: ﴿الَّذِينَ آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ!
стр. 694
قَالَ: "لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ أَلَمْ تسمعوا ما قال لقمان لابنه" ﴿يا بني لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فَحَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ الظُّلْمَ ها هنا عَلَى الشِّرْكِ لِمُقَابَلَتِهِ بِالْإِيمَانِ وَاسْتَأْنَسَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ لُقْمَانَ
وَقَدْ يَكُونُ بَيَانُهُ مُضْمَرًا فِيهِ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ فهذا يحتاج إلى بيان لأن ﴿حتى﴾ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَمَامٍ وَتَأْوِيلُهُ حَتَّى إذا جاؤوها جاؤوها وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا
وَمِثْلُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ به الجبال﴾ أَيْ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَأْيِ النَّحْوِيِّينَ
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَيُسَمَّى هَذَا عِنْدَ الْعَرَبِ الْكَفَّ
وَقَدْ يُومِئُ إِلَى الْمَحْذُوفِ إِمَّا مُتَأَخِّرٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ فإنه لم يجئ لَهُ جَوَابٌ فِي اللَّفْظِ لَكِنْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَتَقْدِيرُهُ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ كَمَنْ قسا قلبه
وإما متقدم كقوله تعالى: ﴿أمن هو قانت آناء الليل﴾ فَإِنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى مَا قَبْلَهُ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضر دعا ربه منيبا﴾ كَأَنَّهُ قَالَ: أَهَذَا الَّذِي هُوَ هَكَذَا خَيْرٌ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ؟ فَأَضْمَرَ الْمُبْتَدَأَ
стр. 695
ونظيره: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾ وَمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار﴾ !
وَقَدْ يَكُونُ بَيَانُهُ وَاضِحًا وَهُوَ أَقْسَامٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَقِبَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: تَفْسِيرُهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحد﴾
وكقوله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: تَفْسِيرُهُ: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ منوعا﴾ وَقَالَ ثَعْلَبٌ: سَأَلَنِي مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ: مَا الْهَلَعُ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى
وَكَقَوْلِهِ: ﴿فيه آيات بينات﴾ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمنا﴾
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حصب جهنم﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا فَنَزَلَتِ الْآيَةُ مُطْلَقَةً اكْتِفَاءً بِالدَّلَالَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى أنه لا يعذبهما اللَّهُ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِاللَّفْظِ فَلَمَّا قال المشركون هذا الْمَسِيحُ وَعُزَيْرٌ قَدْ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عنها مبعدون﴾
стр. 696
وقوله: ﴿يريكم البرق خوفا وطمعا﴾ فَفَسَّرَ رُؤْيَةَ الْبَرْقِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رُؤْيَتِهِ إِلَّا الْخَوْفُ مِنَ الصَّوَاعِقِ وَالطَّمَعُ فِي الْأَمْطَارِ وَفِيهَا لَطِيفَةٌ وَهَى تَقْدِيمُ الْخَوْفِ عَلَى الطَّمَعِ إِذْ كَانَتِ الصَّوَاعِقُ تَقَعُ مِنْ أَوَّلِ بَرْقَةٍ وَلَا يَحْصُلُ الْمَطَرُ إِلَّا بَعْدَ تَوَاتُرِ الْبَرَقَاتِ فَإِنَّ تَوَاتُرَهَا لَا يَكَادُ يَكْذِبُ فَقَدَّمَ الْخَوْفَ عَلَى الطَّمَعِ نَاسِخًا لِلْخَوْفِ كَمَجِيءِ الْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ الْآيَةَ وفيها لطيفة حيث بدأ بالماشي عَلَى بَطْنِهِ فَإِنَّهَا سِيقَتْ لِبَيَانِ الْقُدْرَةِ وَهُوَ أَعْجَبُ مِنَ الَّذِي بَعْدَهُ وَكَذَا مَا يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ أَعْجَبُ مِمَّنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ
وكقوله تعالى: ﴿فمن ما ملكت أيمانكم﴾ فَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُؤْمِنَاتُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فَخَرَجَ تَزَوُّجُ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أعمى﴾ فَإِنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ مِنْهُ وَالثَّانِي أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بدليل قوله بعده ﴿وأضل سبيلا﴾ وَلِهَذَا قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو الْأَوَّلَ بِالْإِمَالَةِ لِأَنَّهُ اسْمٌ وَالثَّانِي بِالتَّصْحِيحِ لِيُفَرِّقَ بَيْنَ مَا هُوَ اسْمٌ وَمَا هُوَ أَفْعَلُ مِنْهُ بِالْإِمَالَةِ وَتَرْكِهَا
فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ قَالَ النَّحْوِيُّونَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَا يَأْتِي مِنَ الْخَلْقِ فَلَا يُقَالُ: زَيْدٌ أَعْمَى مِنْ عَمْرٍو لِأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ!
قُلْتُ: إِنَّمَا جَازَ فِي الْآيَةِ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَى الْقَلْبِ أَيْ مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا
стр. 697
أَعْمَى الْقَلْبِ عَمَّا يَرَى مِنَ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَلَا يُؤْمِنُ بِهِ فَهُوَ عَمَّا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ أَعْمَى أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ أَيْ أَشَدُّ عَمًى وَلَا شَكَّ أَنَّ عَمَى البصيرة متفاوت
ومنه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة﴾ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: الْأَشْبَهُ أَنَّ المراد بالصبر ها هنا الصَّبْرُ عَلَى الشَّدَائِدِ لِأَنَّهُ أَتْبَعَ مَدْحَ الصَّابِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أموات بل أحياء﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مصيبة﴾
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ فِي السُّورَةِ مَعَهُ أَوْ فِي غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مالك يوم الدين﴾ وَبَيَانُهُ فِي سُورَةِ الِانْفِطَارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شيئا والأمر يومئذ لله﴾
وقوله في سورتي النمل والقصص: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ وَبَيَّنَهُ فِي سورة الدخان بقوله: ﴿في ليلة مباركة﴾ ثُمَّ بَيَّنَهَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أنزلناه في ليلة القدر﴾ فَالْمُبَارَكَةُ فِي الزَّمَانِ هِيَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لِأَنَّ الْإِنْزَالَ وَاحِدٌ وَبِذَلِكَ يُرَدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُبَارَكَةَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَعَجَبٌ كَيْفَ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ
وَقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ هُنَا بَيَانًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وما
стр. 698
أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الجمعان﴾ وَذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ وَفِي ذَلِكَ كَلَامٌ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ فَسَّرَهُ فِي آيَةِ الْفَتْحِ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رحماء بينهم﴾
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ. وَهُدُوا إِلَى الطيب من القول﴾ وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لغفور شكور﴾
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مثلا﴾ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي النَّحْلِ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أحدهم بالأنثى﴾
وَذَكَرَ اللَّهُ الطَّلَاقَ مُجْمَلًا وَفَسَّرَهُ فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ ما ملكت أيمانهم﴾ فَاسْتَثْنَى الْأَزْوَاجَ وَمِلْكَ الْيَمِينِ ثُمَّ حَظَرَ تَعَالَى الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ الْأُمِّ وَالِابْنَةِ وَالرَّابَّةِ بالآية الأخرى
ومنه قوله تعالى: ﴿ن اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ مُشْكِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ هَدَى كُفَّارًا كَثِيرًا وَمَاتُوا مُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ لَا يَهْدِي مَنْ كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ قَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ وَبَيَانُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي السُّورَةِ: ﴿أَفَمَنْ
стр. 699
حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ في النار﴾ وَقَوْلِهِ فِي سُورَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عليهم كلمت رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حتى يروا العذاب الأليم﴾
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دعان﴾ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ وَبَيَانُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تدعون إليه إن شاء فَبَيَّنَ أَنَّ الْإِجَابَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ فَسَّرَ الْإِجَابَةَ بِقَوْلِهِ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ دَعَا اللَّهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ وَلَا إِثْمٌ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ دَعْوَتَهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا"
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُرِيدُ ذَلِكَ فَلَا يَحْصُلُ لَهُ وَبَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء﴾ فَهُوَ كَالَّذِي قَبْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَشِيئَةِ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ فَإِنَّهُ قَدْ يُسْتَشْكَلُ اجْتِمَاعُهُمَا لِأَنَّ الْوَجَلَ خِلَافُ الطُّمَأْنِينَةِ وَهَذَا غَفْلَةٌ عَنِ الْمُرَادِ لِأَنَّ الِاطْمِئْنَانَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ ثَلَجِ الْقَلْبِ وَشَرْحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ وَالثَّوَابِ الْجَزِيلِ وَالْوَجَلُ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ خَوْفِ الزَّيْغِ وَالذَّهَابِ عَنِ الْهُدَى
стр. 700
وَمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْوَعِيدَ بِتَوْجِيلِ الْقُلُوبِ كَذَلِكَ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ سَكَنَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَى مُعْتَقَدِهِمْ وَوَثِقُوا بِهِ فَانْتَفَى عَنْهُمُ الشَّكُّ وَالِارْتِيَابُ الَّذِي يَعْرِضُ إِنْ كَانَ كَلَامُهُمْ فِيمَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ تَعَوُّذًا فَجُعِلَ لَهُمْ حِكْمَةٌ دُونَ الْعِلْمِ الْمُوجِبِ لِثَلَجِ الصُّدُورِ وَانْتِفَاءِ الشَّكِّ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ لُوطٍ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون﴾ فَلَمْ يَسْتَثْنِ امْرَأَتَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ فِي الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ منكم أحد إلا امرأتك﴾ فأظهر الاستثناء في هذه الآية
وكقوله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ الْآيَةَ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ تَفْسِيرًا وَبَيَانًا لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ لِأَنَّ هَذِهِ لَمَّا نَزَلَتْ لَمْ يُفْهَمْ مُرَادُهَا
وقوله: ﴿حرمت عليكم﴾ هِيَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية
стр. 701
وَقَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وللنساء نصيب﴾ الْآيَةَ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ لَا يُعْلَمُ مِنْهَا مَنْ يَرِثُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ وَمَنْ يَرِثُ وَمَنْ لَا يَرِثُ ثُمَّ بَيِّنَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى بِقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أولادكم﴾ الْآيَاتِ
وَكَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا ما يتلى عليكم﴾ فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُجْمَلٌ بَيَّنَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾
وكقوله: ﴿ليبلونكم الله بشيء من الصيد﴾ الْآيَةَ فَهَذَا الِابْتِلَاءُ مُجْمَلٌ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ فِي الْحِلِّ أَمْ فِي الْحَرَمِ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ الْآيَةَ
وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ وَهَذَا الْمُجْمَلُ بَيَّنَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الْآيَةَ
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قَالَ الْعُلَمَاءُ: بَيَانُ هَذَا الْعَهْدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وعزرتموهم﴾ الْآيَةَ فَهَذَا عَهْدُهُ وَعَهُدُهُمْ تَمَامُ الآية في قوله: ﴿لأكفرن عنكم سيئاتكم﴾ فَإِذَا وَفُّوا الْعَهْدَ الْأَوَّلَ أُعْطُوا مَا وُعِدُوا
стр. 702
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لمن المرسلين﴾
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مؤمنون﴾ فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون﴾ وقيل: بل نزل بعده: ﴿إنا كاشفو العذاب﴾ وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ كَشَفْنَا الْعَذَابَ تَعُودُوا
وَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عظيم﴾ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ويختار ما كان لهم الخيرة﴾
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وما الرحمن﴾ بيانه: ﴿الرحمن. علم القرآن﴾
وقوله: ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بمثله﴾
وَقَوْلِهِ: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلهتكم﴾ فَقِيلَ لَهُمْ فِي الْجَوَابِ: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مثوى لهم﴾ الْآيَةَ
وَمِنْهُ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ فقيل لهم: ﴿ما لكم لا تناصرون﴾
стр. 703
ومنه: ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾
وقوله: ﴿أم يقولون تقوله﴾ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل. لأخذنا منه باليمين﴾
وقوله: ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام﴾ فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾
وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جملة واحدة﴾ فَقِيلَ فِي سُورَةٍ أُخْرَى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ على الناس على مكث﴾
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ تَفْسِيرُ هَذَا الِاخْتِصَامِ مَا قَالَ فِي سُورَةٍ أُخْرَى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالحا مرسل من ربه﴾ الْآيَةَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدنيا وفي الآخرة﴾ وَفَسَّرَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التي كنتم توعدون﴾
стр. 704
وَمِنْهُ حِكَايَةٌ عَنْ فِرْعَوْنَ -لَعَنَهُ اللَّهُ-: ﴿وَمَا أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ فَرَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ برشيد﴾
وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ وذكر هذا الحلف في قوله: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾
وَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ نُوحٍ ﵇: ﴿أَنِّي مغلوب فانتصر﴾ بُيِّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الذين كذبوا بآياتنا﴾
وقوله: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ أَيْ: أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من العلم إلا قليلا﴾
وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ رب أرني أنظر إليك﴾
قَالَ: فَإِنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ وَهَى قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى نرى الله جهرة﴾ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مُطَالَبَةَ قَوْمِهِ وَلَمْ يُثْبِتْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ سَأَلَ الرُّؤْيَةَ إِلَّا وَقْتَ حُضُورِ قَوْمِهِ مَعَهُ وَسُؤَالِهِمْ ذَلِكَ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أنعمت عليهم﴾ بَيَّنَةُ فِي آيَةِ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ والصديقين والشهداء والصالحين﴾
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا فَسَّرَهَا آيَةُ مَرْيَمَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ
стр. 705
مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ ؟ الْآيَةَ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَوَّلًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي النَّبِيِّينَ فَقَطْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مع نوح﴾ وقوله: ﴿وممن هدينا واجتبينا﴾ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ كَيْفَ وَقَدْ ذُكِرَتْ مَرْيَمُ وَهِيَ صِدِّيقَةٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا فِي الْأَنْبِيَاءِ خَاصَّةً فَهُمْ بَعْضُ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَجَعَلَهُمْ فِي آيَةِ النِّسَاءِ صِنْفًا مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ فَكَانَتْ آيَةُ النِّسَاءِ مِنْ حَيْثُ هِيَ عَامَّةٌ أَوْلَى بِتَفْسِيرِ قوله: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ وَلِأَنَّ آيَةَ مَرْيَمَ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْإِخْبَارُ بِأَنَّ اللَّهَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾
وَالرَّغْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الثَّبَاتِ عَلَيْهَا هِيَ نَفْسُ الطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا هُدِيَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى الطَّاعَةِ الْمُقْتَضِيَةِ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ آيَةَ النِّسَاءِ أَمَسُّ بِتَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَمْدِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي فِي سورة مريم
فصل
قد يَكُونُ اللَّفْظُ مُقْتَضِيًا لِأَمْرٍ وَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ وَقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مُقْتَضِيًا لِأَمْرٍ وَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِذَلِكَ الِاسْمِ مِنْهُ وَلَهُ أمثلة: منها تفسيرهم السبع المثاني بِالْفَاتِحَةِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ القرآن كله مثاني
следующие страницы →