← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11436

البرهان في علوم القرآن

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 944 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وَهِيَ سُورَةُ النِّسَاءِ وَالثَّانِيَةُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي: مِنْهُ وَهِيَ سُورَةُ الْحَجِّ وَالْأُولَى تَشْتَمِلُ عَلَى شَرْحِ الْمَبْدَأِ وَالثَّانِيَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى شَرْحِ الْمَعَادِ فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّرْتِيبَ مَا أَوْقَعَهُ فِي الْبَلَاغَةِ قال الراغب: والناس قَدْ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْفُضَلَاءُ دُونَ مَنْ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ النَّاسِ تَجَوُّزًا وَذَلِكَ إِذَا اعْتُبِرَ معنى الإنسانية وهو وجود العقل وَالذِّكْرِ وَسَائِرِ الْقُوَى الْمُخْتَصَّةِ بِهِ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ عُدِمَ فِعْلُهُ الْمُخْتَصُّ بِهِ لَا يَكَادُ يَسْتَحِقُّ اسْمَهُ كَالْيَدِ فَإِنَّهَا إِذَا عَدِمَتْ فِعْلَهَا الْخَاصَّ بِهَا فَإِطْلَاقُ الْيَدِ عَلَيْهَا كَإِطْلَاقِهِ عَلَى يَدِ السَّرِيرِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آمِنُوا كَمَا آمن الناس﴾ أَيْ: كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الْإِنْسَانِيَّةِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِالْإِنْسَانِ عَيْنًا وَاحِدًا بَلْ قَصَدَ الْمَعْنَى وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ أَيْ: مَنْ وُجِدَ فِيهِمْ مَعْنَى الْإِنْسَانِيَّةِ أَيَّ إِنْسَانٍ كَانَ قَالَ: وَرُبَّمَا قُصِدَ بِهِ النَّوْعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ السادس: خطاب النوع نحو: ﴿يا بني إسرائيل﴾ والمراد: بنو يعقوب وإنما صرح بِهِ لِلَطِيفَةٍ سَبَقَتْ فِي النَّوْعِ السَّادِسِ وَهُوَ علم المبهمات

стр. 737

السابع: خطاب العين نحو: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ ﴿يا نوح اهبط بسلام﴾ ﴿يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا﴾ ﴿يا موسى﴾ ﴿يا عيسى﴾ وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ النِّدَاءُ بِـ "يَا محمد" بل بـ ﴿يا أيها النبي﴾ و ﴿يا أيها الرسول﴾ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَبْجِيلًا وَتَخْصِيصًا بِذَلِكَ عَنْ سِوَاهُ الثامن: خطاب المدح نحو: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وَهَذَا وَقَعَ خِطَابًا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا تَمْيِيزًا لَهُمْ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَقَدْ سبق أن كل آية فيها: ﴿يا أيها الناس﴾

стр. 738

لِأَهْلِ مَكَّةَ وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ ﴿يا أيها الناس﴾ الأمر بأصل الإيمان ويأتي بعد ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الْأَمْرُ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ جَاءَ بَعْدَهَا الْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْأَمْرِ بِالِاسْتِصْحَابِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أيها المؤمنون﴾ قِيلَ: يَرِدُ الْخِطَابُ بِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَظَاهَرُونَ بِالْإِيمَانِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تؤمن قلوبهم﴾ وَقَدْ جَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُجَادِلَةِ في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول﴾ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَأَنْ يَكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ الْخِطَابُ بـ ﴿يا أيها النبي﴾ ﴿يا أيها الرسول﴾ وَلِهَذَا تَجِدُ الْخِطَابَ بِالنَّبِيِّ فِي مَحَلٍّ لَا يَلِيقُ بِهِ الرَّسُولُ وَكَذَا عَكْسَهُ كَقَوْلِهِ فِي مقام الأمر بالتشريع العام: ﴿يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وفي مقام الخاص: ﴿يا أيها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ومثله: ﴿إن إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ من دون المؤمنين﴾ وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورسوله﴾ فِي مَقَامِ الْإِقْتِدَاءِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ثُمَّ قَالَ: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ فَكَأَنَّهُ جَمَعَ لَهُ الْمَقَامَيْنِ مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ تَعْدِيدًا لِلنِّعَمِ فِي الْحَالَيْنِ

стр. 739

وقريب منه في المضاف إلى الخاص: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ وَلَمْ يَقُلْ: "يَا نِسَاءَ الرَّسُولِ" لَمَّا قَصَدَ اخْتِصَاصَهُنَّ عَنْ بَقِيَّةِ الْأُمَّةِ وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالنَّبِيِّ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ الْعَامِّ لَكِنَّ مَعَ قَرِينَةِ إرادة التعميم كقوله: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ وَلَمْ يَقِلْ طَلَّقْتَ التَّاسِعُ: خِطَابُ الذَّمِّ نَحْوُ: ﴿يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم﴾ ﴿قل يا أيها الْكَافِرُونَ﴾ وَلِتَضَمُّنِهِ الْإِهَانَةَ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَكَثُرَ الْخِطَابُ بِـ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ وَفِي جَانِبِ الْكُفَّارِ عَلَى الْغَيْبَةِ إِعْرَاضًا عَنْهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَوَاجَهَ بِالْخِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَعْرَضَ بِالْخِطَابِ عَنِ الْكَافِرِينَ وَلِهَذَا كَانَ ﷺ إِذَا عَتَبَ عَلَى قَوْمٍ قَالَ: "مَا بَالُ رِجَالٍ يَفْعَلُونَ كَذَا" فَكَنَّى عَنْهُ تَكَرُّمًا وَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ إِعْرَاضًا

стр. 740

الْعَاشِرُ: خِطَابُ الْكَرَامَةِ نَحْوُ: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أنت وزوجك الجنة﴾ وقوله: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ الْحَادِي عَشَرَ: خِطَابُ الْإِهَانَةِ نَحْوُ قَوْلِهِ لِإِبْلِيسَ: ﴿فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة﴾ وقوله: ﴿قال اخسأوا فيها ولا تكلمون﴾ وقوله: ﴿وأجلب عليهم بخيلك ورجلك﴾ قَالُوا: لَيْسَ هَذَا إِبَاحَةً لِإِبْلِيسَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَا يَكُونُ مِنْكَ لَا يَضُرُّ عِبَادَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الثَّانِي عَشَرَ: خِطَابُ التَّهَكُّمِ وَهُوَ الِاسْتِهْزَاءُ بِالْمُخَاطَبِ مَأْخُوذٌ مِنْ تَهَكَّمَ الْبِئْرُ إِذَا تَهَدَّمَتْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وَهُوَ خِطَابٌ لِأَبِي جَهْلٍ لِأَنَّهُ قَالَ: "مَا بين

стр. 741

جَبَلَيْهَا -يَعْنِي مَكَّةَ- أَعَزُّ وَلَا أَكْرَمُ مِنِّي" وقال: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ جَعَلَ الْعَذَابَ مُبَشَّرًا بِهِ وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يوم الدين﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فنزل من حميم. وتصلية جحيم﴾ وَالنُّزُلُ لُغَةً: هُوَ الَّذِي يُقَدَّمُ لِلنَّازِلِ تَكْرِمَةً لَهُ قَبْلَ حُضُورِ الضِّيَافَةِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ. لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ من أمر الله﴾ عَلَى تَفْسِيرِ الْمُعَقِّبَاتِ بِالْحَرَسِ حَوْلَ السُّلْطَانِ يَحْفَظُونَهُ -عَلَى زَعْمِهِ- مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَهُوَ تَهَكُّمٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْفَظُهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِذَا جَاءَهُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا﴾ وهو تعالى يعلم حقيقتهم ويعلم ما يسرون وما يعلنون لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ الظِّلَّ

стр. 742

مِنْ شَأْنِهِ الِاسْتِرْوَاحُ وَاللَّطَافَةُ فَنُفِيَ هُنَا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَأْهِلُونَ الظِّلَّ الْكَرِيمَ الثَّالِثَ عَشَرَ: خطاب الجمع بلفظ الواحد كقوله: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح﴾ ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾ وَالْمُرَادُ: الْجَمِيعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَكَانَ الْحَجَّاجُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ وَكُلُّكُمْ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ" وَكَثِيرًا مَا يَجِيءُ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى" ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضيفي﴾ وَلَمْ يَقُلْ ضُيُوفِي لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَقَوْلِهِ: ﴿هُمُ العدو فاحذرهم﴾ وَلَمْ يَقِلِ الْأَعْدَاءُ وَقَوْلِهِ: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أَيْ: رُفَقَاءَ وَقَوْلِهِ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ وَفِي الْوَصْفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطهروا﴾

стр. 743

وقوله: ﴿الملائكة بعد ذلك ظهير﴾ وقوله: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا﴾ وَجَمْعُهُ أَنْجِيَةٌ مِنَ الْمُنَاجَاةِ وَقَوْلِهِ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النساء﴾ فَأَوْقَعَ الطِّفْلَ جِنْسًا قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَهَذَا بَابٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لَا الصِّفَةُ نَحْوُ الشَّاةُ وَالْبَعِيرُ وَالْإِنْسَانُ وَالْمَلَكُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَكُ على أرجائها﴾ ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ ﴿إن الأنسان لفي خسر﴾ وَمِنْ مَجِيئِهِ فِي الصِّفَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يعض الظالم على يديه﴾ وقوله: ﴿وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار﴾ وقال: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَقَعُ هَذَا الْمَوْقِعَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَجْرِيَ مَجْرَى الِاسْمِ الصَّرِيحِ الرَّابِعَ عَشَرَ: خِطَابُ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الجمع كقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ فَهَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَحْدَهُ إِذْ لَا نَبِيَّ مَعَهُ قَبْلَهُ وَلَا بعده

стр. 744

وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ خَاطَبَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ والسعة أن يؤتوا أولي القربى﴾ الْآيَةَ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لَمَّا حَرَمَ مِسْطَحًا رِفْدَهُ حِينَ تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ الإفك وقوله: ﴿فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا﴾ وَالْمُخَاطَبُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْضًا لقوله: ﴿قل فأتوا﴾ وقوله تعالى: ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ ارجعون﴾ أَيِ: ارْجِعْنِي وَإِنَّمَا خَاطَبَ الْوَاحِدَ الْمُعَظَّمَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقُولُ نَحْنُ فَعَلْنَا فَعَلَى هَذَا الِابْتِدَاءِ خُوطِبُوا بِمَا فِي الْجَوَابِ وَقِيلَ ﴿رَبِّ﴾ اسْتِغَاثَةٌ وَ ﴿ارْجِعُونَ﴾ خِطَابُ الْمَلَائِكَةِ فَيَكُونُ الْتِفَاتًا أَوْ جَمْعًا لِتَكْرَارِ الْقَوْلِ كَمَا قَالَ: "قِفَا نَبْكِ" وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: هُوَ قَوْلُ مَنْ حَضَرْتُهُ الشَّيَاطِينُ وَزَبَانِيَةُ الْعَذَابِ فَاخْتَلَطَ وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ مِنَ الشَّطَطِ وَقَدِ اعْتَادَ أَمْرًا يَقُولُهُ فِي الْحَيَاةِ مِنْ رَدِّ الْأَمْرِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ

стр. 745

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الْآيَةَ وَهَذَا مِمَّا لَا تَشْرِيكَ فِيهِ وَقَالَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ: "لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ عَلَى حُكْمِ الِاسْتِلْزَامِ لِأَنَّ ذَلِكَ كِبْرٌ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَمِنْ هَذَا مَا حَكَاهُ الْحَرِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِلْحَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظَةِ نَحْنُ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّعْظِيمِ وَهُوَ غَرِيبٌ وَحَكَى بَعْضُهُمْ خِلَافًا فِي نُونِ الْجَمْعِ الْوَارِدَةِ فِي كَلَامِهِ فَقِيلَ: جَاءَتْ لِلْعَظَمَةِ يُوصَفُ بِهَا سُبْحَانَهُ وَلَيْسَ لِمَخْلُوقٍ أَنْ يُنَازِعَهُ فِيهَا فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُكْرَهُ لِلْمُلُوكِ اسْتِعْمَالُهَا فِي قَوْلِهِمْ: نَحْنُ نَفْعَلُ كَذَا وَقِيلَ فِي عِلَّتِهَا: إِنَّهَا كَانَتْ تَصَارِيفُ أَقْضِيَتِهِ تجري على أيدي خلقه تنزلت أَفْعَالُهُمْ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ فَلِذَلِكَ وَرَدَ الْكَلَامُ مَوْرِدَ الجمع فعلى هذا القول يجوز مباشرة النون لكل من لايباشر بِنَفْسِهِ فَأَمَّا قَوْلُ الْعَالِمِ: "نَحْنُ نُبَيِّنُ" "وَنَحْنُ نشرح" فمفسوح لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ بِنُونِ الْجَمْعِ عَنْ نفسه وأهل مقالته

стр. 746

وقوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ وَالْمُرَادُ: الْإِنْسُ لِأَنَّ الرُّسُلَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ بَنِي آدَمَ وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ لَكِنْ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ مِنَ الْجِنِّ رَسُولًا اسْمُهُ يُوسُفَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلا خلا فيها نذير﴾ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رجلا﴾ لِيَحْصُلَ الِاسْتِئْنَاسُ وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْجِنِّ وَبِقَوْلِهِ تعالى: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا﴾ الْآيَةَ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاصْطِفَاءِ النُّبُوَّةُ وَأُجِيبَ عَنْ تَمَسُّكِ الضَّحَّاكِ بِالْآيَةِ بِأَنَّ الْبَعْضِيَّةَ صَادِقَةٌ بِكَوْنِ الرُّسُلِ مَنْ بَنِي آدَمَ وَلَا يَلْزَمُ إِثْبَاتُ رُسُلٍ مِنَ الْجِنِّ بِطَرِيقِ إِثْبَاتِ نَفَرٍ مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ مِنْ رُسُلِ الْإِنْسِ وَيُبَلِّغُونَهُ إِلَى قَوْمِهِمْ وَيُنْذِرُونَهُمْ وَيَصْدُقُ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ رُسُلُ الرُّسُلِ وَقَدْ سَمَّى اللَّهَ رُسُلَ عِيسَى بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين﴾ وَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِقَوَّامِ السُّنَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ محمد بن الفضل الحوري قَالَ: قَوْمٌ مِنَ الْجِنِّ رُسُلٌ لِلْآيَةِ وَقَالَ الأكثرون: الرسل من الإنس ويجيء مِنَ الْجِنِّ كَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ بِلْقِيسَ: ﴿فَنَاظِرَةٌ بم يرجع المرسلون﴾ وَالْمُرَادُ بِهِ وَاحِدٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةٍ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يكون الخطاب لرئيسهم فإن العادة جارية

стр. 747

لاسيما مِنَ الْمُلُوكِ أَلَّا يُرْسِلُوا وَاحِدًا وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ ارْجِعُوا إِلَيْهِمْ أَرَادَ الرَّسُولَ وَمَنْ مَعَهُ وقوله: ﴿أولئك مبرأون مما يقولون﴾ يَعْنِي: عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نوح المرسلين﴾ وَالْمُرَادُ بِالْمُرْسَلِينَ نُوحٌ كَقَوْلِكَ: فُلَانٌ يَرْكَبُ الدَّوَابَّ ويلبس البرود وماله إِلَّا دَابَّةٌ وَبُرْدٌ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة﴾ قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا رَجُلٌ كَانَ لَا يُمَالِئُهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي النَّبِيِّ ﷺ فسماه الله سبحانه طَائِفَةً وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَيُسَمَّى الرَّجُلُ طَائِفَةً وَقَوْلِهِ: ﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾ والمراد خلة بدليل الآية الأخرى والموجب للجمع مناسبة رؤوس الْآيِ فَائِدَةٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إماما﴾ فجوز الفارسي فيه تقديرين: أحدهما: أن إمام هُنَا جَمْعٌ لِأَنَّهُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِجَعَلَ وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ جَمْعٌ وَالثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا وَوَاحِدَهُ آمٌّ لِأَنَّهُ قَدْ سُمِعَ هَذَا فِي وَاحِدِهِ

стр. 748

قال تعالى: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾ فَهَذَا جَمْعُ "آمٍّ" مُسَلَّمًا وَقِيَاسُهُ عَلَى حَدِّ قِيَامٍ وَقَائِمٍ فَأَمَّا أَئِمَّةٌ فَجَمْعُ إِمَامٍ الَّذِي هُوَ مُقَدَّرٌ عَلَى حَدِّ عِنَانٍ وَأَعَنَّةٍ وَسِنَانٍ وأسنة والأصل أيمة فقلبت الفاء والثاني: أنه جمع الإمام لِأَنَّ الْمَعْنَى: "أَئِمَّةٌ" فَيَكُونُ إِمَامٌ عَلَى هَذَا واحدا وجمعه أئمة وإمام وَقَالَ ابْنُ الضَّائِعِ: قَيَّدَتْ عَنْ شَيْخِنَا الشَّلَوْبِينِ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ غَيْرَ هَذَيْنِ: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَالْإِمَامِ وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُجْرَاةِ مَجْرَى الْمَصَادِرِ فِي تَرْكِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ كَحَسِبَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى كَقَوْلِهِمْ دَخَلْنَا عَلَى الْأَمِيرِ وَكَسَانَا حُلَّةً وَالْمُرَادُ كُلُّ وَاحِدٍ منا حلة وكذلك هو واجعل كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا إِمَامًا الْخَامِسَ عَشَرَ: خِطَابُ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلْقِيَا في جهنم﴾ وَالْمُرَادُ: مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْخِطَابُ لِخَزَنَةِ النَّارِ وَالزَّبَانِيَةِ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الرُّفْقَةَ أَدْنَى مَا تَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ فَجَرَى كَلَامُ الْوَاحِدِ عَلَى صَاحِبَيْهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلْمَلَكَيْنِ الْمُوَكَّلَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نفس معها سائق وشهيد﴾

стр. 749

وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: لَمَّا ثَنَّى الضَّمِيرَ اسْتَغْنَى عَنْ أَنْ يَقُولَ أَلْقِ أَلْقِ يُشِيرُ إِلَى إِرَادَةِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ وَجَعَلَ الْمَهْدَوِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ تعالى: ﴿قال قد أجيبت دعوتكما﴾ قَالَ: الْخِطَابُ لِمُوسَى وَحْدَهُ لِأَنَّهُ الدَّاعِي وَقِيلَ: لَهُمَا وَكَانَ هَارُونُ قَدْ أَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِ وَالْمُؤَمِّنُ أَحَدُ الدَّاعِيَيْنِ السَّادِسَ عَشَرَ: خِطَابُ الِاثْنَيْنِ بلفظ الواحد كقوله تعالى: ﴿فمن ربكما يا موسى﴾ أَيْ: وَيَا هَارُونَ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَفْرَدَ مُوسَى ﵇ بِالنِّدَاءِ بِمَعْنَى التَّخْصِيصِ والتوقف إذا كَانَ هُوَ صَاحِبَ عَظِيمِ الرِّسَالَةِ وَكَرِيمِ الْآيَاتِ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالثَّانِي: لَمَّا كَانَ هَارُونُ أَفْصَحَ لِسَانًا مِنْهُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ ثَبَتَ عَنْ جَوَابِ الْخَصْمِ الْأَلَدِّ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ وَانْظُرْ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَوَابِينَ ومثله: ﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِنَّمَا أَفْرَدَهُ بِالشَّقَاءِ مِنْ حَيْثُ كَانَ الْمُخَاطَبُ أَوَّلًا وَالْمَقْصُودُ فِي الْكَلَامِ وَقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ

стр. 750

الشَّقَاءَ فِي مَعِيشَةِ الدُّنْيَا فِي حَيِّزِ الرِّجَالِ وَيُحْتَمَلُ الْإِغْضَاءُ عَنْ ذِكْرِ الْمَرْأَةِ وَلِهَذَا قِيلَ مِنَ الْكَرَمِ سَتْرُ الْحُرَمِ وَقَوْلِهِ: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولا إنا رسول رب العالمين﴾ وَنَحْوُهُ فِي وَصْفِ الِاثْنَيْنِ بِالْجَمْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وقال: ﴿هذان خصمان اختصموا﴾ ولم يقل: اختصما وقال: ﴿فتاب عليه﴾ وَلَمْ يَقُلْ: عَلَيْهِمَا اكْتِفَاءً بِالْخَبَرِ عَنْ أَحَدِهِمَا بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ السَّابِعَ عَشَرَ: خِطَابُ الْجَمْعِ بَعْدَ الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ﴾ الآية فَجُمِعَ ثَالِثُهَا وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: إِنَّمَا جُمِعَ فِي الْفِعْلِ الثَّالِثِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ دَاخِلُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا جُمِعَ تَفْخِيمًا لَهُ وَتَعْظِيمًا كَمَا فِي قوله تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تبوءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصلاة وبشر المؤمنين﴾ فَثَنَّى فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ جَمَعَ ثُمَّ أَفْرَدَ لِأَنَّهُ خُوطِبَ أَوَّلًا مُوسَى وَهَارُونُ لِأَنَّهُمَا الْمَتْبُوعَانِ ثُمَّ سِيقَ الْخِطَابُ عَامًّا

стр. 751

لَهُمَا وَلِقَوْمِهِمَا بِاتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ ثُمَّ خُصَّ مُوسَى بِالْبِشَارَةِ تَعْظِيمًا لَهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: خِطَابُ عَيْنٍ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ كقوله: ﴿يا أيها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ تَقِيًّا وَحَاشَاهُ مِنْ طَاعَةِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك﴾ بدليل قوله في صدر الآية بعدها: ﴿قل يا أيها النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَوَّلَهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي الْيَاقُوتَةِ: سَمِعْتُ الْإِمَامَيْنِ ثَعْلَبَ وَالْمُبَرِّدَ يَقُولَانِ: مَعْنَى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شك﴾ أي قل يا محمد: إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِنَ الْقُرْآنِ فَاسْأَلْ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ إِنَّهُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ كِتَابٍ

стр. 752

وَقَوْلِهِ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: مَعْنَاهُ وَسَّعَ اللَّهُ عَنْكَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ وَ ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ تَغْلِيظٌ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عِتَابٌ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كُنْتَ في شك مما أنزلنا إليك﴾ وقوله: ﴿عبس وتولى﴾ قِيلَ: إِنَّهُ أُمَيَّةُ وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى دُونَ النَّبِيِّ ﷺ أَلَّا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقِلْ: "عَبَسْتَ" وَقَوْلِهِ: ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولتكونن من الخاسرين﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وَبِهَذَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ الْمَشْهُورُ فِي أَنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ خِطَابُهُ ﷺ مَعَ ثُبُوتِ عِصْمَتِهِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالْمُحَالُ يَصِحُّ فَرْضُهُ لِغَرَضٍ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْعَامِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ شَخْصٍ معين والمعنى

стр. 753

اتِّفَاقُ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ عَلَى ذَلِكَ وَيُسْتَرَاحُ حِينَئِذٍ مِنْ إِيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ أَصْلِهِ وَعَكْسُ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ عَامًّا وَالْمُرَادُ الرَّسُولُ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي سِيَاقِهَا: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حتى يكونوا مؤمنين﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين﴾ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ فِي أَلَا تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لِجَمْعَهَمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَهْتَمَّ بِوُجُودِ كُفْرِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ وَأَرَادَهُ ثُمَّ قَالَ: وَيَظْهَرُ تَبَايُنُ مَا بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لِنُوحٍ ﵇: ﴿ني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَالَ مَكِّيٌّ وَالْمَهْدَوِيُّ: الْخِطَابُ بقوله: ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَلَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ وَقَالَ قَوْمٌ: وُقِّرَ نُوحٌ ﵇ لِسِنِّهِ وَشَيْبِهِ وَقَالَ قَوْمٌ: جَاءَ الْحَمْلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ وَمَكَانَتِهِ كَمَا يَحْمِلُ الْعَاتِبُ عَلَى قَرِيبِهِ أَكْثَرَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْأَجَانِبِ قَالَ: وَالْوَجْهُ الْقَوِيُّ عِنْدِي فِي الآية هو أن ذلك لم يجيء بِحَسَبِ النَّبِيِّينَ وَإِنَّمَا جَاءَ بِحَسَبِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ وَوَقْعِ النَّبِيِّ عَنْهُمَا وَالْعِقَابِ فِيهِمَا

стр. 754

التَّاسِعَ عَشَرَ: خِطَابُ الِاعْتِبَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ صَالِحٍ لَمَّا هَلَكَ قَوْمُهُ: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وقال يا قوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تحبون الناصحين﴾ خَاطَبَهُمْ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ إِمَّا لِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَهْلِ بَدْرٍ وَقَالَ: "وَاللَّهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ" وَإِمَّا لِلِاعْتِبَارِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأرض فانظروا﴾ وقوله: ﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر﴾ الْعِشْرُونَ: خِطَابُ الشَّخْصِ ثُمَّ الْعُدُولُ إِلَى غَيْرِهِ كقوله: ﴿فإلم يستجيبوا لكم﴾ الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ لِلْكُفَّارِ: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ بدليل قوله: ﴿فهل أنتم مسلمون﴾ وقوله: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ قال ابن خالويه: في كتاب المبتدأ

стр. 755

الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّلْوِينِ وَسَمَّاهُ الثَّعْلَبِيُّ الْمُتَلَوِّنُ كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ ﴿فمن ربكما يا موسى﴾ وَتُسَمِّيهِ أَهِلُ الْمَعَانِي الِالْتِفَاتَ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَقْسَامِهِ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ الْجَمَادَاتِ خِطَابُ مَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أتينا طائعين﴾ تَقْدِيرُهُ: طَائِعَةٌ وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ مِمَّنْ يَقُولُ وَهِيَ حَالَةُ عَقْلٍ جَرَى الضَّمِيرُ فِي ﴿طَائِعِينَ﴾ عليه كقوله: ﴿رأيتهم لي ساجدين﴾ وَقَدِ اخْتُلِفَ -أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ حَقِيقَةٌ بِأَنْ جَعَلَ لَهَا حَيَاةً وَإِدْرَاكًا يَقْتَضِي نُطْقَهَا أَوْ مجازا بمعنى ظَهَرَ فِيهَا مِنَ اخْتِيَارِ الطَّاعَةِ وَالْخُضُوعِ بِمَنْزِلَةِ هَذَا الْقَوْلِ- عَلَى قَوْلَيْنِ: قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأول أحسن لأنه لاشيء يَدْفَعُهُ وَالْعِبْرَةُ فِيهِ أَتَمُّ وَالْقُدْرَةُ فِيهِ أَظْهَرُ

стр. 756

ومنه قوله تعالى: ﴿ياجبال أوبي معه﴾ فَأَمَرَهَا كَمَا تُؤْمَرُ الْوَاحِدَةُ الْمُخَاطَبَةُ الْمُؤَنَّثَةُ لِأَنَّ جميع مالا يَعْقِلُ كَذَلِكَ يُؤْمَرُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّهْيِيجِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَوَكَّلْ يَنْتَفِي عَنْهُمُ الْإِيمَانُ بَلْ حَثٌّ لَهُمْ عَلَى التَّوَكُّلِ وَقَوْلِهِ: ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كنتم مؤمنين﴾ وقوله: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كنتم مؤمنين﴾ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَصَفَهُمْ بِالْإِيمَانِ عِنْدَ الْخِطَابِ ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَقَصَدَ حَثَّهُمْ عَلَى تَرْكِ الرِّبَا وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ حَقَّهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مؤمنين﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إن كنتم مسلمين﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: "إِنْ" هَاهُنَا بِمَعْنَى: "إِذْ"

стр. 757

الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ الْإِغْضَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ وقوله: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يهاجروا في سبيل الله﴾ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّشْجِيعِ وَالتَّحْرِيضِ وَهُوَ الْحَثُّ عَلَى الِاتِّصَافِ بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كأنهم بنيان مرصوص﴾ وَكَفَى بِحَثِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَشْجِيعًا عَلَى مُنَازَلَةِ الْأَقْرَانِ وَمُبَاشَرَةِ الطِّعَانِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ وقوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ لِلْقَوْمِ صَبْرٌ وَالْمَلِكُ

стр. 758

الْحَقُّ ﷻ قَدْ وَعَدَهُمْ بِالْمَدَدِ الْكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العزيز الحكيم﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ من الله ما لا يرجون﴾ وَقَدْ جَاءَ فِي مُقَابَلَةِ هَذَا الْقَسْمِ مَا يُرَادُ مِنْهُ الْأَخْذُ بِالْحَزْمِ وَالتَّأَنِّي بِالْحَرْبِ وَالِاسْتِظْهَارُ عَلَيْهَا بِالْعُدَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قوة﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مَا جَاءَ فِي قَصَصِ الْأَشْقِيَاءِ تَحْذِيرًا لِمَا نَزَلَ مِنَ الْعَذَابِ وَإِخْبَارًا لِلسُّعَدَاءِ فِيمَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ السَّادِسَ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّنْفِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إن الله تواب رحيم﴾ فَقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَوْصَافًا وَتَصْوِيرًا لِمَا يَنَالُهُ الْمُغْتَابُ مِنْ عِرْضِ مَنْ يَغْتَابُهُ عَلَى أَفْظَعِ وَجْهٍ وَفِي ذَلِكَ مَحَاسِنُ كَالِاسْتِفْهَامِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ وَجَعْلِ مَا هُوَ الْغَايَةُ فِي الْكَرَاهَةِ مَوْصُولًا بِالْمَحَبَّةِ وَإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى ﴿أَحَدِكُمْ﴾ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يُحِبُّ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى تَمْثِيلِ الِاعْتِبَارِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْإِنْسَانِ حَتَّى جَعَلَهُ أَخًا وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى لَحْمِ الْأَخِ حَتَّى

стр. 759

جَعَلَهُ مَيْتًا وَهَذِهِ مُبَالَغَاتٌ عَظِيمَةٌ وَمِنْهَا أَنَّ الْمُغْتَابَ غَائِبٌ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ لِمَا قِيلَ فِيهِ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ السَّابِعَ وَالْعِشْرُونَ: خطاب التحنن والاستعطاف كقوله تعالى: ﴿قل يا عبادي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رحمة الله﴾ الثامن والعشرون: خطاب التحبيب نحو: ﴿يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ ﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة﴾ ﴿يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : "يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ" التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: خِطَابُ التَّعْجِيزِ نَحْوُ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ﴿فليأتوا بحديث مثله﴾

стр. 760

﴿قل فأتوا بعشر سور مثله﴾ ﴿فادرأوا عن أنفسكم الموت﴾ وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حديدا﴾ وَرَدَّ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأَنَّ التَّعْجِيزَ يَكُونُ حَيْثُ يَقْتَضِي بِالْأَمْرِ فِعْلُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُخَاطَبُ وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ: كُونُوا بِالتَّوَهُّمِ وَالتَّقْدِيرِ كَذَا الثَّلَاثُونَ: التَّحْسِيرُ وَالتَّلَهُّفُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ موتوا بغيظكم﴾ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: التَّكْذِيبُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾ ﴿قل هلم شهداءكم الذين يشهدون﴾ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: خِطَابُ التَّشْرِيفِ وَهُوَ كُلُّ مَا في القرآن العزيز مخاطبة بـ"قل" كالقلاقل وكقوله: ﴿قل آمنا﴾ وَهُوَ تَشْرِيفٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَنْ يخاطبها

стр. 761

بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ لِتَفُوزَ بِشَرَفِ الْمُخَاطَبَةِ إِذْ لَيْسَ مِنَ الْفَصِيحِ أَنْ يَقُولَ الرَّسُولُ لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِ قَالَ لِي الْمُرْسِلُ قُلْ كَذَا وَكَذَا وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِسْقَاطُهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بقاؤها ولا بدلها مِنْ فَائِدَةٍ فَتَكُونُ أَمْرًا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ لِلْمُتَكَلَّمِ بِمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَمْرَهُ شِفَاهًا بِلَا وَاسِطَةٍ كَقَوْلِكَ لِمَنْ تُخَاطِبُهُ افْعَلْ كَذَا الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: خِطَابُ الْمَعْدُومِ وَيَصِحُّ ذَلِكَ تَبَعًا لِمَوْجُودٍ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿يا بني آدم﴾ فَإِنَّهُ خِطَابٌ لِأَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلِكُلِّ مَنْ بَعْدَهُمْ وَهُوَ عَلَى نَحْوِ مَا يَجْرِي مِنَ الْوَصَايَا فِي خِطَابِ الْإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ مَا تَنَاسَلُوا بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِتْيَانِ طَاعَتِهِ قَالَ الرُّمَّانِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَإِنَّمَا جَازَ خِطَابُ الْمَعْدُومِ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَكُونُ بِالْإِرَادَةِ لِلْمُخَاطِبِ دُونَ غَيْرِهِ وأما قوله تعالى: ﴿كن فيكون﴾ فَعِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ أَنَّ وُجُودَ الْعَالَمِ حَصَلَ بِخِطَابِ "كُنْ" وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: التَّكْوِينُ أَزَلِيٌّ قَائِمٌ بِذَاتِ الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ وَهُوَ تَكْوِينٌ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ عِنْدَ وُجُودِهِ لَا أَنَّهُ يُوجَدُ عِنْدَ كَافٍ وَنُونٍ وَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ خِطَابَ كُنْ مَوْجُودٌ عِنْدَ إِيجَادِ كُلِّ شَيْءٍ فَالْحَاصِلُ عِنْدَهُمْ فِي إِيجَادِ الشَّيْءِ شَيْئَانِ: الْإِيجَادُ وَخِطَابُ كُنْ

стр. 762

وَاحْتَجَّ الْأَشَاعِرَةُ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يقول له كن فيكون﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَلَوْ حَصَلَ وُجُودُ الْعِلْمِ بِالتَّكْوِينِ لَمْ يَكُنْ فِي خِطَابِ كُنْ فَائِدَةٌ عِنْدَ الْإِيجَادِ وَأَجَابَ الحنفية بأنا نقول لموجها وَلَا تَسْتَقِلُّ بِالْفَائِدَةِ كَالْمُتَشَابِهِ فَيَقُولُ بِوُجُودِ خِطَابِ كُنْ عِنْدَ الْإِيجَادِ فِي غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تعطيل

стр. 763

النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي بَيَانِ حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ لَا خِلَافَ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْحَقَائِقِ وَهِيَ كُلُّ كَلَامٍ بَقِيَ عَلَى مَوْضُوعِهِ كالآيات التي لم يتجوز فهيا والآيات النَّاطِقَةُ ظَوَاهِرُهَا بِوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْحِيدِهِ وَتَنْزِيهِهِ وَالدَّاعِيَةُ إِلَى أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الغيب والشهادة﴾ الآية وقوله: ﴿أمن خلق السماوات والأرض﴾ ﴿أمن جعل الأرض قرارا﴾ ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ ﴿أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر﴾ ﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿أفرأيتم ما تمنون﴾ ﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾ ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون﴾ ﴿أفرأيتم النار التي تورون﴾ قِيلَ: وَمِنْهُ الْآيَاتُ الَّتِي لَمْ تُنْسَخْ وَهِيَ كَالْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ وَالْآيَاتُ الْمُشْتَمِلَةُ

стр. 764

وَلَا تَقْدِيمَ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى نَعْمَائِهِ وَإِحْسَانِهِ وَهَذَا أَكْثَرُ الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هم يوقنون﴾ وَأَكْثَرُ مَا يَأْتِي مِنَ الْآيِ عَلَى هَذَا وَأَمَّا الْمَجَازُ فَاخْتُلِفَ فِي وُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْوُقُوعِ وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ الْقَاصِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَاذَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَحُكِيَ عَنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَابْنِهِ وَأَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَعْدِلُ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا إِذَا ضَاقَتْ بِهِ الْحَقِيقَةُ فَيَسْتَعِيرُ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَهَذَا بَاطِلٌ وَلَوْ وَجَبَ خُلُوُّ الْقُرْآنِ مِنَ الْمَجَازِ لَوَجَبَ خُلُوُّهُ مِنَ التَّوْكِيدِ وَالْحَذْفِ وَتَثْنِيَةِ الْقَصَصِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ سَقَطَ الْمَجَازُ مِنَ الْقُرْآنِ سَقَطَ شَطْرُ الْحُسْنِ وَقَدْ أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَجَمَعَ فأوعى

стр. 765

وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَقَالَ الْحَاتِمِيُّ: مَعْنَاهُ طَرِيقُ الْقَوْلِ وَمَأْخَذُهُ مَصْدَرُ جُزْتُ مَجَازًا كَمَا يُقَالُ: "قُمْتُ مَقَامًا" قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كَلَامُ الْعَرَبِ إِنَّمَا هُوَ مثال شبه الوحي نوعا المجاز وَلَهُ سَبَبَانِ: أَحَدُهُمَا: الشَّبَهُ وَيُسَمَّى الْمَجَازُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ الْأُصُولِيُّ وَالثَّانِي: الْمُلَابَسَةُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ أَهْلُ اللِّسَانِ وَيُسَمَّى الْمَجَازُ الْعَقْلِيُّ وَهُوَ أَنْ تُسْنَدَ الْكَلِمَةُ إِلَى غَيْرِ مَا هِيَ لَهُ أَصَالَةً بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ كَسَبَّ زَيْدٌ أَبَاهُ إِذَا كَانَ سببا فيه المجاز في المركب وأقسامه وَالْأَوَّلُ مَجَازٌ فِي الْمُفْرَدِ وَهَذَا مَجَازٌ فِي الْمُرَكَّبِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياته زادتهم إيمانا﴾ وَنُسِبَتِ الزِّيَادَةُ الَّتِي هِيَ فِعْلُ اللَّهِ إِلَى الْآيَاتِ لِكَوْنِهَا سَبَبًا فِيهَا وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم﴾ وقوله: ﴿يذبح أبناءهم﴾ وَالْفَاعِلُ غَيْرُهُ وَنُسِبَ الْفِعْلُ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ به وكقوله: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ نَسَبَ النَّزْعَ الَّذِي هُوَ فِعْلُ اللَّهِ إِلَى إبليس

стр. 766

-لَعَنَهُ اللَّهُ- لِأَنَّ سَبَبَهُ أَكْلُ الشَّجَرَةَ وَسَبَبَ أَكْلِهَا وَسْوَسَتُهُ وَمُقَاسَمَتُهُ إِيَّاهُمَا إِنَّهُ لَهُمَا لِمَنِ الناصحين وقوله تعالى: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ جَعَلَ التِّجَارَةَ الرَّابِحَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ لِأَنَّ الْأَمْرَ هُوَ الْمَعْزُومُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ: ﴿فَإِذَا عزمت فتوكل على الله﴾ وقوله: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار﴾ فَنَسَبَ الْإِحْلَالِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ اللَّهِ إِلَى أَكَابِرِهِمْ لِأَنَّ سَبَبَهُ كُفْرُهُمْ وَسَبَبُ كُفْرِهِمْ أَمْرُ أَكَابِرِهِمْ إِيَّاهُمْ بِالْكُفْرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الولدان شيبا﴾ نَسَبَ الْفِعْلِ إِلَى الظَّرْفِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ وقوله: ﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ النَّزْعَ وَالْإِحْلَالَ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ فِعْلِ مَا أَوْجَبَهُمَا فَالْمَجَازُ إِفْرَادِيٌّ لَا إسنادي وقوله: ﴿يوما يجعل الولدان شيبا﴾ يِحْتَمِلُ مَعْنَاهُ: يَجْعَلُ هَوْلُهُ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الحذف

стр. 767

وأما قوله تعالى: ﴿في عيشة راضية﴾ فَقِيلَ: عَلَى النَّسَبِ أَيْ: ذَاتِ رِضًا وَقِيلَ: بِمَعْنَى مَرْضِيَّةٍ وَكِلَاهُمَا مَجَازُ إِفْرَادٍ لَا مَجَازَ إِسْنَادٍ لِأَنَّ الْمَجَازَ فِي لَفْظِ رَاضِيَةٍ لَا فِي إِسْنَادِهَا وَلَكِنَّهُمْ كَأَنَّهُمْ قَدَّرُوا أَنَّهُمْ قَالُوا: رَضِيَتْ عِيشَتُهُ فَقَالُوا: عِيشَةٌ رَاضِيَةٌ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا طَرَفَاهُ حَقِيقَتَانِ نَحْوُ: أَنْبَتَ الْمَطَرُ الْبَقْلَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾ وقوله: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ والثاني: مجازيان نحو: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ مَجَازًا دُونَ الآخر كقوله: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ وقوله: ﴿حتى تضع الحرب﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْ شَرْطِ هَذَا الْمَجَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْنَدِ إِلَيْهِ شَبَهٌ بِالْمَتْرُوكِ فِي تَعَلُّقِهِ بالعامل المجاز الإفرادي وأقسامه وَأَنْوَاعُ الْإِفْرَادِيِّ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ يَعْجِزُ الْعَدُّ عن إحصائها

стр. 768

كقوله: ﴿كلا إنها لظى. نزاعة للشوى. تدعو﴾ قَالَ: الدُّعَاءُ مِنَ النَّارِ مَجَازٌ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أم أنزلنا عليهم سلطانا﴾ الآية وَالسُّلْطَانُ هُنَا هُوَ الْبُرْهَانُ أَيْ بُرْهَانٌ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ فَيَكُونُ صَامِتًا نَاطِقًا كَالدَّلَائِلِ الْمُخْبِرَةِ وَالْعِبْرَةِ والموعظة وقوله: ﴿فأمه هاوية﴾ فَاسْمُ الْأُمِّ الْهَاوِيَةِ مَجَازٌ أَيْ كَمَا أَنَّ الْأُمَّ كَافِلَةٌ لِوَلَدِهَا وَمَلْجَأٌ لَهُ كَذَلِكَ أَيْضًا النَّارُ لِلْكَافِرِينَ كَافِلَةٌ وَمَأْوًى وَمَرْجِعٌ وَقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الخراصون﴾ ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ ﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ وَالْفِعْلُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَجَازٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَذَلَّهُ وَقِيلَ قَهَرَهُ وَغَلَبَهُ وَهُوَ كَثِيرٌ فَلْنَذْكُرْ أَنْوَاعَهُ لِتَكُونَ ضَوَابِطَ لِبَقِيَّةِ الْآيَاتِ الشَّرِيفَةِ الْأَوَّلُ: إِيقَاعُ الْمُسَبَّبِ مُوقِعَ السَّبَبِ كقوله تعالى: ﴿قد أنزلنا عليكم لباسا﴾ وإنما نزل سببه وهو الماء وكقوله: ﴿يا بني آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ من الجنة﴾ وَلَمْ يَقُلْ: "كَمَا فَتَنَ أَبَوَيْكُمْ" لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْجَنَّةِ هُوَ الْمُسَبَّبُ النَّاشِئُ عَنِ الْفِتْنَةِ فَأَوْقَعَ الْمُسَبَّبَ مَوْقِعَ السَّبَبِ أَيْ لَا تَفْتَتِنُوا بِفِتْنَةِ الشَّيْطَانِ فَأُقِيمُ فِيهِ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ وَهُوَ سَبَبٌ خَاصٌّ فَإِذَا عُدِمَ فَيُعْدَمُ الْمُسَبَّبُ فَالنَّهْيُ فِي الْحَقِيقَةِ لِبَنِي آدَمَ وَالْمَقْصُودُ عَدَمُ وُقُوعِ هَذَا الْفِعْلِ مِنْهُمْ فَلَمَّا أُخْرِجَ السَّبَبُ مِنْ أَنْ يُوجَدَ بِإِيرَادِ النَّهْيِ عَلَيْهِ كَانَ أَدَلَّ عَلَى امْتِنَاعِ النَّهْيِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى

стр. 769

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النار﴾ وَهُمْ لَمْ يَدْعُوهُ إِلَى النَّارِ إِنَّمَا دَعَوْهُ إِلَى الْكُفْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ لَكِنَّ لَمَّا كَانَتِ النَّارُ مُسَبَّبَةً عَنْهُ أَطْلَقَهَا عليه وقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار﴾ أَيِ: الْعِنَادِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلنَّارِ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بطونهم نارا﴾ لِاسْتِلْزَامِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى إِيَّاهَا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لا يجدون نكاحا﴾ إِنَّمَا أَرَادَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- الشَّيْءَ الَّذِي يُنْكَحُ بِهِ مِنْ مَهْرٍ وَنَفَقَةٍ وَمَا لَا بُدَّ لِلْمُتَزَوِّجِ مِنْهُ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بينكم بالباطل﴾ أَيْ: لَا تَأْكُلُوهَا بِالسَّبَبِ الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ القمار وقوله: ﴿والرجز فاهجر﴾ أَيْ: عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ لِأَنَّ الْعَذَابَ مُسَبَّبٌ عَنْهَا وقوله: ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ أَيْ: وَأَغْلِظُوا عَلَيْهِمْ لِيَجِدُوا ذَلِكَ وَإِنَّمَا عَدَلَ إِلَى الْأَمْرِ بِالْوِجْدَانِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ لِذَاتِهِ وَأَمَّا الْإِغْلَاظُ فَلَمْ يُقْصَدْ لِذَاتِهِ بَلْ لِتَجِدُوهُ الثَّانِي: عَكْسُهُ وَهُوَ إِيقَاعُ السَّبَبِ مُوقِعَ الْمُسَبَّبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بمثل ما اعتدى عليكم﴾

стр. 770

سُمِّيَ الْجَزَاءُ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ سَيِّئَةً وَاعْتِدَاءً فَسُمِّيَ الشَّيْءُ بِاسْمِ سَبَبِهِ وَإِنْ عَبَّرَتِ السَّيِّئَةُ عَمَّا سَاءَ أَيْ أَحْزَنَ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ الْإِسَاءَةَ تُحْزِنُ فِي الْحَقِيقَةِ كالجناية ومنه: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ تَجُوزُ بِلَفْظِ الْمَكْرِ عَنْ عُقُوبَتِهِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ إِنَّمَا جُعِلَتِ الْمَرْأَتَانِ لِلتَّذْكِيرِ إِذَا وَقَعَ الضَّلَالُ لَا لِيَقَعَ الضَّلَالُ فَلَمَّا كَانَ الضَّلَالُ سَبَبًا لِلتَّذْكِيرِ أُقِيمَ مَقَامَهُ وَمِنْهُ إِطْلَاقُ اسْمِ الْكِتَابِ عَلَى الْحِفْظِ أَيِ الْمَكْتُوبِ فَإِنَّ الْكِتَابَةَ سَبَبٌ له كقوله تعالى: ﴿سنكتب ما قالوا﴾ أي: سنحفظه حتى نجازيهم عَلَيْهِ وَمِنْهُ إِطْلَاقُ اسْمِ السَّمْعِ عَلَى الْقَبُولِ كقوله تعالى: ﴿ما كانوا يستطيعون السمع﴾ أَيْ: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ قَبُولَ ذَلِكَ وَالْعَمَلَ بِهِ لِأَنَّ قَبُولَ الشَّيْءِ مُرَتَّبٌ عَلَى سَمَاعِهِ ومسبب عنه ويجوز أن يكون نَفْيِ السَّمْعِ لِابْتِغَاءِ فَائِدَتِهِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَإِنْ حَلِفَتْ لَا يَنْقُضُ النَّأْيُ عَهْدَهَا فَلَيْسَ لِمَخْضُوبِ الْبَنَانِ يَمِينُ أَيْ: وَفَاءُ يَمِينٍ وَمِنْهُ إِطْلَاقُ الْإِيمَانِ عَلَى مَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الطَّاعَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانكم﴾ ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ أَيْ: أَفَتَعْلَمُونَ بِبَعْضِ التَّوْرَاةِ وَهُوَ فِدَاءُ الْأَسَارَى وَتَتْرُكُونَ الْعَمَلَ بِبَعْضٍ وَهُوَ قَتْلُ إِخْوَانِهِمْ وَإِخْرَاجُهُمْ من ديارهم

стр. 771

وَجَعَلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ مِنَ الْأَنْوَاعِ نِسْبَةَ الْفِعْلِ إِلَى سَبَبِ سَبَبِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مما كانا فيه﴾ أَيْ: كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ فَلَا يُخْرِجْنَكُمَا مِنَ الجنة: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ الْمُخْرِجُ وَالنَّازِعُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَكْلُ الشَّجَرَةِ وَسَبَبُ أَكْلِ الشَّجَرَةِ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ وَمُقَاسَمَتُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ النَّاصِحِينَ وَقَدْ مَثَّلَ الْبَيَانِّيُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِلسَّبَبِ وَإِنَّمَا هِيَ لِسَبَبِ السَّبَبِ وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دار البوار﴾ لما أمروهم بالكفر الموجب لحلول النار نسب ذلك إليهم لأنهم أمروهم به فالله هو المحل لدار البوار وسبب إحلالها كُفْرُهُمْ وَسَبَبُ كُفْرِهِمْ أَمْرُ أَكَابِرِهِمْ إِيَّاهُمْ بِالْكُفْرِ الْمُوجِبِ لِحُلُولِ النَّارِ الثَّالِثُ: إِطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ أَيْ: أَنَامِلَهُمْ وَحِكْمَةُ التَّعْبِيرِ عَنْهَا بِالْأَصَابِعِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ أَنَامِلَهُمْ فِي آذَانِهِمْ بِغَيْرِ الْمُعْتَادِ فِرَارًا مِنَ الشِّدَّةِ فَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَصَابِعَ وقال تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ وَالْيَدُ حَقِيقَةً إِلَى الْمَنْكِبِ هَذَا إِنَّ جَعْلَنَا "إِلَى" بِمَعْنَى "مَعَ" وَلَا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ الْوَجْهِ إِذَا سَتَرَهُ بَعْضُ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ

стр. 772

وقوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وَالْمُرَادُ هُوَ الْبَعْضُ الَّذِي هُوَ الرُّسْغُ وَقَالَ تعالى: ﴿ومن لم يطعمه﴾ أَيْ: مِنْ لَمْ يَذُقْ وَقَوْلُهُ: ﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ وَالْمُرَادُ: وُجُوهُهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ جُمْلَتَهُمْ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ اسْتَشْكَلَهُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْجَزَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَشْهَدَ الشَّهْرُ وَهُوَ اسْمٌ لِثَلَاثِينَ يَوْمًا وَحَاصِلُ جَوَابِهِ أَنَّهُ أَوْقَعَ الشَّهْرَ وَأَرَادَ جُزْءًا مِنْهُ وَإِرَادَةُ الْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ مَجَازٌ شَهِيرٌ وَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ الْمَعْنَى: مَنْ شَهِدَ أَوَّلَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْ جَمِيعَهُ وَأَنَّ الشَّخْصَ مَتَى كَانَ مُقِيمًا أَوْ فِي الْبَرِّ ثُمَّ سَافَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ الْجَمِيعِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذَا عَامٌّ مُخَصَّصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فمن كان منكم مريضا﴾ الآية وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ هَلْ يَلْزَمُهُ صَوْمُ مَا سَبَقَ إِنْ كَانَ مَجْنُونًا فِي أَوَّلِهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ الرَّابِعُ: إِطْلَاقُ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ له﴾ أي: ذاته ويبقى وجه ربك

стр. 773

وقوله: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ وقوله: ﴿وجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة﴾ يُرِيدُ الْأَجْسَادَ لِأَنَّ الْعَمَلَ وَالنَّصْبَ مِنْ صِفَاتِهَا وأما قوله: ﴿وجوه يومئذ ناعمة﴾ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا عَبَّرَ بِالْوُجُوهِ عَنِ الرِّجَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَصْفِ الْبَعْضِ بِصِفَةِ الْكُلِّ لِأَنَّ التَّنَعُّمَ مَنْسُوبٌ إِلَى جميع الجسد ومنه: ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ فَالْوَجْهُ الْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ لَا الْوَجْهُ وَحْدَهُ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ "الْوَجْهِ" الَّذِي جَاءَ مُضَافًا إِلَى اللَّهِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ فَنَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الْحُذَّاقِ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْوُجُودِ وَالْعِبَارَةُ عَنْهُ بِالْوَجْهِ مَجَازٌ إِذْ هُوَ أَظْهَرُ الْأَعْضَاءِ في الْمُشَاهَدَةِ وَأَجَلُّهَا قَدْرًا وَقِيلَ -وَهُوَ الصَّوَابُ-: هِيَ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ بِالسَّمْعِ زَائِدَةٌ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الْعُقُولُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَعَّفَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فَالْمُرَادُ الْجِهَةُ الَّتِي وُجِّهْنَا إِلَيْهَا فِي الْقِبْلَةِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْجَاهُ أَيْ فَثَمَّ جَلَالُ الله وعظمته وقوله: ﴿فبما كسبت أيديكم﴾ ﴿ولا تلقوا بأيديكم﴾ تَجَوَّزَ بِذَلِكَ عَنِ الْجُمْلَةِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كل بنان﴾ الْبَنَانُ الْإِصْبَعُ تَجَوَّزَ بِهَا عَنِ الْأَيْدِي

стр. 774

والأرجل عكس قوله تعالى: ﴿يجعلون أصابعهم﴾ وقوله: ﴿فتحرير رقبة﴾ وقوله: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ عَبَّرَ بِالْأَنْفِ عَنِ الْوَجْهِ ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿فإنه آثم قلبه﴾ أَضَافَ الْإِثْمَ إِلَى الْقَلْبِ وَإِنْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ كُلُّهَا آثِمَةً مِنْ حَيْثُ كَانَ مَحَلًّا لِاعْتِقَادِ الْإِثْمِ وَالْبِرِّ كَمَا نُسِبَتِ الْكِتَابَةُ إِلَى الْيَدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تُفْعَلُ بِهَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿مما كتبت أيديهم﴾ وَإِنْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ كُلُّهَا كَاتِبَةً وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وويل لهم مما يكسبون﴾ وكذا قوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وَقِيلَ: الْمَعْنَى عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ لِأَنَّ الْمُدْرِكَ هُوَ الْجُمْلَةُ دُونَ الْحَاسَّةِ فَأَسْنَدَ الْإِدْرَاكَ إِلَى الْأَبْصَارِ لِأَنَّهُ بِهَا يَكُونُ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نفسه﴾ أي: إياه ﴿تعلم ما في نفسي﴾ وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يغضوا من أبصارهم﴾ وَحَكَى ابْنُ فَارِسٍ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّ "مِنْ" هُنَا لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالْغَضِّ عَمَّا يَحْرُمُ النظر إليه وقوله: ﴿قم الليل﴾ أَيْ: صَلِّ فِي اللَّيْلِ لِأَنَّ الْقِيَامَ بَعْضُ الصلاة

стр. 775

وكقوله: ﴿وقرآن الفجر﴾ أي: صلاة الفجر ومنه: "المسجد الحرام" وَالْمُرَادُ: جَمِيعُ الْحَرَمِ وَقَوْلِهِ: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: المصلين ﴿يخرون للأذقان سجدا﴾ ﴿ويخرون للأذقان يبكون﴾ أَيِ: الْوُجُوهِ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ فَعَبَّرَ بِالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ عَنِ الْعَالَمِ لِأَنَّ الْمَقَامَ مقام الوعيد والوعيد إنما لَوْ بُيِّنَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَحْوَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ وَالْعِبَادُ وَأَحْوَالُهُمْ لَيْسَتِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْعَالَمُ إِطْلَاقًا لِلْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لكم﴾ قال الفارسي: جعله على المجاز أذنا لأجل إصغائه قال: ولو صغرت أذنا في هذه الآية كان في لحاق تاء فِيهَا وَتَرْكِهَا نَظَرٌ وَجَعَلَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وأمنا﴾ الْمُرَادُ بِهِ: جَمِيعُ الْحَرَمِ لَا صِفَةُ الْكَعْبَةِ فَقَطْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ وقوله: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ وَالْمُرَادُ: الْحَرَمُ كُلُّهُ لِأَنَّهُ لَا يُذْبَحُ فِي الْكَعْبَةِ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ
следующие страницы →