← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11437

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني

Полный текст (960 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المقصد الرابع: في الأوامر والنواهي والعموم ... الفصل الأول: في مَبَاحِثُ الْأَمْرِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: حَقِيقَةُ لَفْظِ الْأَمْرِ ... الْمَقْصِدُ الرَّابِعُ: فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، والإطلاق والتقييد، والإجمال والتبيين، والناسخ والمنسوخ، والمؤول والمنطوق والمفهوم. الفصل الأول: حَقِيقَةِ لَفْظِ الْأَمْرِ قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي غَيْرِهِ، فَزَعَمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْفِعْلِ أَيْضًا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ، وَزَعَمَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَبَيْنَ الشَّيْءِ، وَبَيْنَ الصِّفَةِ، وَبَيْنَ الشَّأْنِ وَالطَّرِيقِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ فَقَطْ. لنا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي غَيْرِهِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ. انْتَهَى. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى كَوْنِ أَحَدِ الْمَعَانِي حَقِيقَةً لَا ينفي حقيقة ما عداه، والأولى أَنْ يُقَالَ: أَنَّ الَّذِي سَبَقَ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ لَفْظِ أَلِفٍ، مِيمٍ، رَاءٍ، عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْقَوْلُ الْمَخْصُوصُ، وَالسَّبْقُ إِلَى الْفَهْمِ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، وَلَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا لَتَبَادَرَ إِلَى الْفَهْمِ جَمِيعُ مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ فِيهِ وَلَوْ كَانَ مُتَوَاطِئًا لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الْقَوْلُ الْمَخْصُوصُ عَلَى انْفِرَادِهِ "وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا"* عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ: بِأَنَّهُ لَوْ كان حقيقة في الفعل لاطرد و"كان"** يُسَمَّى الْأَكْلُ أَمْرًا، وَالشُّرْبُ أَمْرًا، وَلَكَانَ يَشْتَقُّ لِلْفَاعِلِ اسْمَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ قَامَ أَوْ قَعَدَ لَا يُسَمَّى آمِرًا. وَأَيْضًا الْأَمْرُ لَهُ لَوَازِمُ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْفِعْلِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ. وَأَيْضًا يَصِحُّ نَفْيُ الْأَمْرِ عَنِ الْفِعْلِ، فَيُقَالُ: مَا أَمَرَ بِهِ وَلَكِنَ فَعَلَهُ. وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ كَوْنِ مِنْ شَأْنِ الْحَقِيقَةِ الِاطِّرَادُ، وَبِمَنْعِ لُزُومِ الِاشْتِقَاقِ فِي كُلِّ الْحَقَائِقِ، وَبِمَنْعِ عَدَمِ وُجُودِ شَيْءٍ مِنَ اللَّوَازِمِ فِي الْفِعْلِ وَبِمَنْعِ تَجْوِيزِهِمْ لِنَفْيِهِ مُطْلَقًا. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْفِعْلِ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْأَمْرِ فِي الْفِعْلِ، وظاهر الاستعمال الحقيقة، ومن ذلك

стр. 282

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّور﴾ ١ وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الْعَجَائِبُ الَّتِي أَظْهَرَهَا اللَّهُ وَقَوْلُهُ: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٢ أَيْ: مِنْ فِعْلِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَر﴾ ٣ وقوله: ﴿تَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِه﴾ ٤ وقوله: ﴿مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِه﴾ ٥، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: لِأَمْرٍ مَا يَسُودُ مَنْ يَسُودُ٦ وَقَوْلُ الْعَرَبِ فِي أَمْثَالِهَا الْمَضْرُوبَةِ: لِأَمْرٍ مَا جُدِعَ قَصِيرُ أَنْفِهِ٧، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ خُولِفَ بَيْنَ جَمْعِ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْقَوْلِ "وَبَيْنَ جَمْعِهِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ"* فَقِيلَ فِي الْأَوَّلِ: أَوَامِرُ وَفِي الثَّانِي أُمُورٌ، وَالِاشْتِقَاقُ عَلَامَةُ الْحَقِيقَةِ. وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي الْفِعْلِ، مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ فَعَلَ أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ الْقَوْلُ أَوِ الشَّأْنُ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ اسْمُ الْأَمْرِ عَلَى الْفِعْلِ لِعُمُومِ كَوْنِهِ شَأْنًا لَا لِخُصُوصِ كَوْنِهِ فِعْلًا، وَكَذَا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ. وَأَمَّا قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد﴾ ٨ فلمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ الْقَوْلُ، بَلِ الْأَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قوله: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْن﴾ أَيْ أَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْقَوْلَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ شَأْنَهُ وَطَرِيقَتَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَة﴾ فلمَ لَا يَجُوزُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى الظَّاهِرِ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: أَنَّ مِنْ شَأْنِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ إِذَا أراد

стр. 283

شيئًا وقع كلمح البصر. وأما قوله: ﴿تَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِه﴾ وقوله: ﴿مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِه﴾ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ الْأَمْرِ فِيهِمَا عَلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْجَرْيَ وَالتَّسْخِيرَ إِنَّمَا حَصَلَ بِقُدْرَتِهِ لَا بِفِعْلِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الشَّأْنِ وَالطَّرِيقِ، وَهَكَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ الْمَذْكُورُ وَالْمَثَلُ الْمَشْهُورُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَنَّ الْأَصْلَ الْحَقِيقَةُ فَمُعَارَضٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ. وَأُجِيبَ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأُمُورُ جَمْعَ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ، لَا بِمَعْنَى الْفِعْلِ، سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجَمْعَ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ. وَاسْتَدَلَّ أَبُو الْحُسَيْنِ بِقَوْلِهِ: بِأَنَّ مَنْ قَالَ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَدْرِ السَّامِعُ أَيَّ هَذِهِ الْأُمُورِ أَرَادَ، فَإِذَا قَالَ هَذَا أَمْرٌ بِالْفِعْلِ، أَوْ أَمْرُ فُلَانٍ مُسْتَقِيمٌ، أَوْ تَحَرَّكَ هَذَا الْجِسْمُ لِأَمْرٍ، وَجَاءَ زَيْدٌ لِأَمْرٍ، عَقَلَ السَّامِعُ مِنَ الْأَوَّلِ الْقَوْلَ، وَمِنَ الثَّانِي الشَّأْنَ، وَمِنَ الثَّالِثِ أَنَّ الْجِسْمَ تَحَرَّكَ "بِشَيْءٍ"*. وَمِنَ الرَّابِعِ أَنَّ زَيْدًا جَاءَ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ، وَتَوَقُّفُ الذِّهْنِ عِنْدَ السَّمَاعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْكُلِّ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا التَّرَدُّدَ مَمْنُوعٌ، بَلْ لَا يُفْهَمُ مَا عَدَا الْقَوْلَ إِلَّا بِقَرِينَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا اسْتُعْمِلَ في موضع لا يليق بالقول

стр. 284

الفصل الثاني: الخلاف فِي حَدِّ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْقَوْلِ اخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْقَوْلِ، فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَارْتَضَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ: إِنَّهُ الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وَهَذَا خَطَأٌ لِوَجْهَيْنِ: أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ لَفْظَيِ الْمَأْمُورِ، وَالْمَأْمُورِ بِهِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الْأَمْرِ، فَيَمْتَنِعُ تَعْرِيفُهُمَا إِلَّا بِالْأَمْرِ، فَلَوْ عَرَّفَنَا الْأَمْرَ بِهِمَا لَزِمَ الدَّوْرُ. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ الطَّاعَةَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ مُوَافَقَةُ الْإِرَادَةَ فَالطَّاعَةُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا إِلَّا بِالْأَمْرِ، فَلَوْ عَرَّفَنَا الْأَمْرَ بِهَا لَزِمَ الدَّوْرُ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي حَدِّهِ: إِنَّهُ قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ افْعَلْ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ. قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وُجُوهٍ:

стр. 285

الْأَوَّلِ: أَنَا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الْوَاضِعَ مَا وَضَعَ لَفْظَةَ "افْعَلْ" لِشَيْءٍ أَصْلًا، حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مِنَ الْمُهْمَلَاتِ، فَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَوْ تَلَفَّظَ الْإِنْسَانُ بِهَا مَعَ دُونِهِ لَا يُقَالُ فِيهِ إِنَّهُ أَمَرَ، وَلَوْ أَنَّهَا صَدَرَتْ عَنِ النَّائِمِ أَوِ السَّاهِي، أَوْ عَلَى سَبِيلِ انْطِلَاقِ اللِّسَانِ بِهَا اتِّفَاقًا أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ"لَا"* يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ أَمَرَ، وَلَوْ قدرنا أن الواضع وضع بإزاء معنى لَفَظَ افْعَلْ وَبِإِزَاءِ مَعْنَى "الْخَبَرِ"** لَفْظَةَ "افْعَلْ"***، لَكَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِلَفْظِ "افْعَلْ"**** آمِرًا وَبِلَفْظِ افْعَلْ مُخْبِرًا، فَعَلِمْنَا أَنَّ تَحْدِيدَ مَاهِيَّةِ الْأَمْرِ بِالصِّيغَةِ الْمَخْصُوصَةِ بَاطِلٌ. الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّ تَحْدِيدَ مَاهِيَّةِ الْأَمْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَمْرٌّ، وَهِيَ حَقِيقَةٌ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ، فَإِنَّ التُّرْكِيَّ قَدْ يَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَتَنَاوَلُ "إِلَّا"***** الْأَلْفَاظَ الْعَرَبِيَّةَ. فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُنَا: أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ احْتِرَازٌ عَنْ هَذَيْنِ الْإِشْكَالَيْنِ الَّذِينَ ذَكَرْتُهُمَا. قُلْتُ: قَوْلُهُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ يَعْنِي بِهِ كَوْنَهُ قَائِمًا مَقَامَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِهِ طَلَبًا لِلْفِعْلِ، أَوْ يَعْنِي بِهِ شَيْئًا آخَرَ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الثَّانِي فلا بد مِنْ بَيَانِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْأَوَّلُ صَارَ مَعْنَى حَدِّ الْأَمْرِ هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ افْعَلْ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ "وَإِذَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ قَوْلُنَا: الْأَمْرُ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ"****** كَافِيًا، وَحِينَئِذٍ يَقَعُ التَّعَرُّضُ بِخُصُوصِ صِيغَةِ افْعَلْ ضَائِعًا. الْوَجْهِ الثَّالِثِ: "أَنَّا"******* سَنُبَيِّنُ أَنَّ الرُّتْبَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَإِذَا ثَبَتَ فَسَادُ هَذَيْنِ الْحَدَّيْنِ فَنَقُولُ: الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: الْأَمْرُ طَلَبُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذَا الْقَيْدَ الْأَخِيرَ. انْتَهَى. وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ مَا أَجَابَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ لَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ. أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَتَقْدِيرُ الْإِهْمَالِ أَوِ الصُّدُورِ لَا عَنْ قَصْدٍ لَيْسَ مِمَّا يَقْتَضِي النَّقْضَ بِهِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْكَلَامِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَمَّا النَّقْضُ بِغَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِ فَغَيْرُ وَارِدٍ فَإِنَّ مُرَادَ مَنْ حَدَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ الْحَدِّ لَيْسَ إِلَّا بِاعْتِبَارِ مَا يَقْتَضِيهِ لُغَةُ الْعَرَبِ لَا غَيْرُهَا، وَأَمَّا عَدَمُ اعْتِبَارِ الرُّتْبَةِ فَمُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَيَرُدُّ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ارْتَضَاهُ آخَرُ وقال إنه الصحيح النهي فإن طلب الفعل بالقول؛ لأن الكف

стр. 286

فِعْلٌ، وَيَرُدُّ عَلَى قَيْدِ الِاسْتِعْلَاءِ، قَوْلُهُ تَعَالَى حكاية عن فرعون ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ١ وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ. وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ذَكَرَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى طَرْدِهِ قَوْلُ لقائل لمن دونه فعل "تهديدًا أو تعجيزًا أو غيرها، فَإِنَّهُ يَرُدُّ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ كَمَا سَيَأْتِي٢، وَيَرُدُّ في طرده قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ افْعَلْ"* إِذَا صَدَرَ عَنْ مُبَلِّغٍ لِأَمْرِ الْغَيْرِ، أَوْ حَاكٍ لَهُ، وَيَرُدُّ عَلَى عَكْسِهِ افْعَلْ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْأَدْنَى عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَلِذَلِكَ يُذَمُّ بِأَنَّهُ أَمَرَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ. وَأُجِيبَ عَنِ الْإِيرَادِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّ الْمُرَادَ قَوْلُ افْعَلْ مُرَادًا بِهِ مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّهُ لَيْسَ قَوْلًا لِغَيْرِهِ افْعَلْ. وَعَنْ الثَّالِثِ: بِمَنْعِ كَوْنِهِ أَمْرًا عِنْدَهُمْ لُغَةً، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ عُرْفًا. وَقَالَ قَوْمٌ فِي حَدِّهِ: هُوَ صِيغَةُ افْعَلْ مُجَرَّدَةً عَنِ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الْأَمْرِ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ: بِأَنَّهُ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ وَلَا يُعَرَّفُ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّ أُسْقِطَ هَذَا الْقَيْدُ بَقِيَ صِيغَةُ افْعَلْ مُجَرَّدَةً فَيَلْزَمُ تجرده مطلقًا، حتى عما يؤكدكونه أَمْرًا. وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْقَرَائِنُ الصَّارِفَةُ عَمَّا يَتَبَادَرُ مِنْهَا إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إِطْلَاقِهَا. وَقِيلَ فِي حَدِّهِ: هُوَ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى عَكْسِهِ بِاكْفُفْ وَانْتَهِ وَاتْرُكْ وَذَرْ فَإِنَّهَا أَوَامِرُ لَا يُصَدِّقُ عَلَيْهَا الْحَدُّ لِعَدَمِ اقْتِضَاءِ الْفِعْلِ غَيْرَ الْكَفِّ فِيهَا. وَاعْتُرِضَ عَلَى طَرْدِهِ بِلَا تَتْرُكْ، وَلَا تَنْتَهِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهَا نَوَاهٍ وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا الْحَدُّ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَحْدُودَ هُوَ النَّفْسِيُّ، فَيَلْتَزِمُ أَنَّ مَعْنَى لَا تَتْرُكْ مَعْنَى الْأَمْرِ النَّفْسِيِّ، ومعنى اكفف وَذَرِ النَّهْيُ فَاطَّرَدَ وَانْعَكَسَ. وَقِيلَ فِي حَدِّهِ: هُوَ صِيغَةُ افْعَلْ بِإِرَادَاتٍ ثَلَاثٍ، وُجُودِ اللَّفْظِ، وَدَلَالَتِهَا عَلَى الْأَمْرِ، وَالِامْتِثَالِ. وَاحْتَرَزَ بِالْأُولَى عَنِ النَّائِمِ، إِذْ يَصْدُرُ عَنْهُ صِيغَةُ افْعَلْ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ وُجُودِ اللَّفْظِ، وَبِالثَّانِيَةِ عَنِ التَّهْدِيدِ وَالتَّخْيِيرِ وَالْإِكْرَامِ وَالْإِهَانَةِ وَنَحْوِهَا، وَبِالثَّالِثَةِ عَنِ الصِّيغَةِ الَّتِي تَصْدُرُ عَنِ الْمُبَلِّغِ، وَالْحَاكِي، فَإِنَّهُ لَا يريد الامتثال

стр. 287

وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ: بِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْمَحْدُودِ "اللفظ، أي الأمر الصيغي فلذلك الحد إرادة دلالتها، أَيِ الصِّيغَةِ عَلَى الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْمَحْدُودِ"* الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ أَفْسَدَ الْحَدُّ جِنْسَهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى لَيْسَ بِصِيغَةٍ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْدُودِ اللَّفْظُ، وَبِمَا في الحد المعنى الذي هو الطالب، وَاسْتُعْمِلَ الْمُشْتَرَكُ الَّذِي هُوَ لَفْظُ الْأَمْرِ فِي مَعْنَيَيْهِ اللَّذَيْنِ هُمَا الصِّيغَةُ الْمَعْلُومَةُ، وَالطَّلَبُ بِالْقَرِينَةِ العقلية. وقيل في حده: إِنَّهُ إِرَادَةُ "الْفِعْلِ"**. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ وَلَا إِرَادَةَ، كَمَا فِي أَمْرِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ بِحَضْرَةِ مَنْ تَوَعَّدَ السَّيِّدَ عَلَى ضَرْبِهِ لِعَبْدِهِ بِالْإِهْلَاكِ إِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ أَمْرَ سَيِّدِهِ وَالسَّيِّدُ يَدَّعِي مُخَالَفَةَ الْعَبْدِ فِي أَمْرِهِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْإِهْلَاكَ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ عَبْدَهُ بِحَضْرَةِ الْمُتَوَعِّدِ لَهُ لِيَعْصِيَهُ ويشاهد المتوعد عصيانه ويخلص من الهلاك فههنا قَدْ أَمَرَ وَإِلَّا لَمْ يَظْهَرْ عُذْرُهُ، وَهُوَ مخالف الأمر ولا يريد منه العمل لا أنه لَا يُرِيدُ مَا يُفْضِي إِلَى هَلَاكِهِ، وَإِلَّا كَانَ مُرِيدًا هَلَاكَ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ مُحَالٌ. وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مِثْلُهُ يَجِيءُ فِي الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَطْلُبُ مَا يَسْتَلْزِمُ هَلَاكَهُ، وَإِلَّا كَانَ "طَالِبًا"*** لِهَلَاكِهِ. وَدَفَعَ بِالْمَنْعِ، لِجَوَازِ أَنْ يَطْلُبُ الْعَاقِلُ الْهَلَاكَ لِغَرَضٍ إِذَا عُلِمَ عَدَمُ وُقُوعِهِ. وَرُدَّ هَذَا الدَّفْعُ: بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي اللَّفْظِيِّ، أَمَّا النَّفْسِيُّ فَالطَّلَبُ النَّفْسِيُّ كَالْإِرَادَةِ النَّفْسِيَّةِ فَلَا يَطْلُبُ الْهَلَاكَ بِقَلْبِهِ كَمَا لَا يُرِيدُهُ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إِرَادَةً لَوَقَعَتِ الْمَأْمُورَاتُ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةٌ تُخَصِّصُ الْمَقْدُورَ بِوَقْتِ وُجُودِهِ، فَوُجُودُهَا فَرْعُ وُجُودِ مَقْدُورٍ مُخَصَّصٍ. وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِأَنَّ إِيمَانَ الْكُفَّارِ الْمَعْلُومُ عَدَمُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا شَكَّ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا وَيَسْتَلْزِمُ وُجُودَهُ مَعَ أَنَّهُ مُحَالٌ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ حَدِّ الْأَمْرِ بِإِرَادَةِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْإِرَادَةُ عِنْدَهُمْ بِالنِّسْبَةِ "إِلَى الْعِبَادِ"**** مَيْلٌ يَتْبَعُ اعْتِقَادَ النَّفْعِ أَوْ دَفْعَ الضَّرَرِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ الْعِلْمُ بِمَا فِي الْفِعْلِ مِنْ المصلحة. إذا تقرر لك ما ذكرناه وَعَرَفْتَ مَا فِيهِ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْلَى بِالْأُصُولِ تعريف الأمر الصيغي؛ لأن

стр. 288

بَحْثَ هَذَا الْعِلْمِ عَنِ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَهِيَ الألفاظ الموصلة من حيث "العلم"* بِأَحْوَالِهَا مِنْ عُمُومٍ وَخُصُوصٍ وَغَيْرِهِمَا إِلَى قُدْرَةِ إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ، وَالْأَمْرُ الصِّيَغِيُّ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ صِيغَتُهُ الْمَعْلُومَةُ سَوَاءً كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ، أَوْ لَا. وَعِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي صِيغَتِهِ الْمَعْلُومَةِ، الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الطَّلَبِ الْجَازِمِ مَعَ الِاسْتِعْلَاءِ، هَذَا بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ أَلِفٌ، مِيمٌ، رَاءٌ، بِخِلَافِ فَعْلِ الْأَمْرِ نَحْوَ اضْرِبْ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا ذُكِرَ، بَلْ يَصْدُقُ مَعَ الْعُلُوِّ وَعَدَمِهِ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْأُصُولِ. وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْأَشْعَرِيُّ١ قَيْدَ الْعُلُوِّ، وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَاعْتَبَرَ الْعُلُوَّ الْمُعْتَزِلَةُ جَمِيعًا إِلَّا أَبَا الْحُسَيْنِ مِنْهُمْ وَوَافَقَهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ مِنَ الشافعية

стр. 289

الفصل الثالث: حقيقة صيغة أفعل مدخل ... الفصل الثالث: حقيقة صيغة افعل اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِيغَةِ "افْعَلْ" وَمَا في معناها هَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، أَوْ فِيهِ مَعَ غَيْرِهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ١. قَالَ الرَّازِيُّ: وَهُوَ الْحَقُّ. وَذَكَرَ الْجُوَيْنِيُّ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، قِيلَ: وَهُوَ الَّذِي أَمْلَاهُ الْأَشْعَرِيُّ عَلَى أَصْحَابِهِ. وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ، وَعَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا حَقِيقَةُ النَّدْبِ. وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ والقاضي: بالوقف، فقيل: إنهما تَوَقَّفَا فِي أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَقِيلَ تَوَقَّفَا بِأَنْ قَالَا: لَا نَدْرِي بِمَا هُوَ حقيقة فيه أصلًا.

стр. 290

وَحَكَى السَّعْدُ فِي "التَّلْوِيحِ"١ عَنِ الْغَزَالِيِّ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى الْوَقْفِ فِي تَعْيِينِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ حَقِيقَةً، وَحَكَى أَيْضًا عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ الْوَقْفُ فِي تَعْيِينِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ، لَا فِي تَعْيِينِ الْمَوْضُوعِ لَهُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ بِالِاشْتِرَاكِ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ وَالتَّهْدِيدِ. وَقِيلَ: أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. وَقِيلَ: إِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَهُوَ الطَّلَبُ: أَيْ تَرْجِيحُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَنَسَبَهُ شَارِحُ التَّحْرِيرِ٢ إِلَى أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ٣ وَمَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَهُوَ الْإِذْنُ بِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنِ الفعل، وبه قال الْمُرْتَضِي مِنَ الشِّيعَةِ. وَقَالَ جُمْهُورُ الشِّيعَةِ: إِنَّهَا مشتركة بين الثلاثة المذكورة والتهديد. اسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ لُغَةً وَشَرْعًا كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ، أَوْ شرعا فَقَطْ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَلْخِيُّ٤، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، وَالْجُوَيْنِيُّ وَأَبُو طَالِبٍ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ. أَمَّا الْعَقْلُ، فَإِنَّا نَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَنَّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى ذَمِّ عَبْدٍ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَ سَيِّدِهِ، وَأَنَّهُمْ يصفونه بالعصيان ولا يذم ويوصف بِالْعِصْيَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ تَارِكًا لِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَنْقُولُ فَقَدْ تَكَرَّرَ اسْتِدْلَالُ السَّلَفِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مَعَ تَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ عَلَى الْوُجُوبِ. وشاع ذلك وذاع بلا نكير. فأوجب العلم العادي باتفاقهم "على أنه له"*. وَاعْتُرِضَ: بِأَنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ بِهَا عَلَى الْوُجُوبِ كَانَ فِي صِيَغٍ مِنَ الْأَمْرِ مُحْتَفَّةً بِقَرَائِنِ الْوُجُوبِ، بدليل استدلالهم بكثير منها على الندب

стр. 291

وأجيب: بأن استدلالهم مِنْهَا عَلَى النَّدْبِ إِنَّمَا كَانَ بِقَرَائِنَ صَارِفَةٍ عن المعنى الحقيقي وهو الوجوب، مُعَيِّنَةٍ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَهُوَ النَّدْبُ، عَلِمْنَا ذَلِكَ بِاسْتِقْرَاءِ الْوَاقِعِ مِنْهُمْ فِي الصِّيَغِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهَا الْوُجُوبُ، وَالصِّيَغِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهَا النَّدْبُ فِي الْكِتَابِ والسنة، وعلمنا بالتتبع أن فَهْمَ الْوُجُوبِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةٍ لِتَبَادُرِهِ إِلَى الذِّهْنِ بِخِلَافِ فَهْمِ النَّدْبِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إليها. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ أَيْضًا بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ فِي الْأُصُولِ؛ لِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ سُكُوتِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِي حُجِّيَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ١، وَلَا يَسْتَدِلُّ بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ فِي الْأُصُولِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَوْ سَلِمَ كَوْنُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ ظَنِّيًّا لَكَفَى فِي الْأُصُولِ، وَإِلَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِأَكْثَرِ الظَّوَاهِرِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَالْقَطْعُ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَتَبَّعَ مَسَائِلَ الْأُصُولِ. وَأَيْضًا نَحْنُ نَقْطَعُ بِتَبَادُرِ الْوُجُوبِ مِنَ الْأَوَامِرِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِهِ لُغَةً وَشَرْعًا. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ٢ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الِاسْتِفْهَامَ بِالِاتِّفَاقِ، بَلِ الذَّمُّ، وَأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي الْإِخْلَالِ بِالسُّجُودِ بَعْدَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ لَهُ فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيس﴾ ٣ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الْقَرَائِنِ الْوُجُوبُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَالًّا عَلَى الْوُجُوبِ لَمَا ذَمَّهُ اللَّهُ عَلَى التَّرْكِ، وَلَكَانَ لِإِبْلِيسَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّكَ ما أَلْزَمْتَنِي السُّجُودَ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُون﴾ ٤ فَذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِ فِعْلِ مَا قِيلَ لَهُمُ افْعَلُوهُ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ يُفِيدُ النَّدْبَ لَمَا حَسُنَ هَذَا الْكَلَامُ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ لهم: الأولى أن تفعلوا ويجوز لكم تَرْكُهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَذُمَّهُمْ عَلَى تركه. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا: بِأَنَّهُ إِنَّمَا ذمهم لأنهم لم يعتقدوا حقية الْأَمْرِ، لَا لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْمَأْمُورَ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عليه قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِين﴾ ٥. وَأَيْضًا فَصِيغَةُ افْعَلْ قَدْ تُفِيدُ الْوُجُوبَ عِنْدَ اقْتِرَانِ بَعْضِ الْقَرَائِنِ بِهَا، فَلَعَلَّهُ إنما ذمهم لأنه "كان قد"* وجدت قرينة دالة على الوجوب.

стр. 292

وَأُجِيبَ عَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُكَذِّبِينَ فِي قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِين﴾ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ تَرَكُوا الرُّكُوعَ لَمَّا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا أَوْ غَيْرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَازَ أَنْ يَسْتَحِقُّوا الذَّمَّ بِتَرْكِ الرُّكُوعِ، وَالْوَيْلُ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، وَإِنْ "كَانَ"* الثَّانِي لَمْ يَكُنْ إِثْبَاتُ الْوَيْلِ لِلْإِنْسَانِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ مُنَافِيًا لِثُبُوتِ الذَّمِّ لِإِنْسَانٍ آخَرَ بِسَبَبِ تَرْكِهِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ. وَأُجِيبَ عَنِ الِاعْتِرَاضِ الثَّانِي: بِأَنَّ الله إنما ذمهم لمجرد أنهم تركوا الركوع لَمَّا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْشَأَ الذَّمِّ هَذَا الْقَدْرُ لَا الْقَرِينَةُ. وَاسْتَدَلُّوا أيضًا بقوله سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ١ أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ بِتَرْكِ مُقْتَضَاهُ: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَى تَرْكِ مُقْتَضَى أَمْرِهِ إِصَابَةَ الْفِتْنَةِ فِي الدُّنْيَا أَوِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ فِي الْآخِرَةِ، فَأَفَادَتِ الْآيَةُ بِمَا تَقْتَضِيهِ إِضَافَةُ الْجِنْسِ مِنَ الْعُمُومِ أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ يُفِيدُ الْوُجُوبَ شرعًا، مع تجرده عن القرائن؛ إذ لولا ذلك لَقَبُحَ التَّحْذِيرُ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ٢ أي تَرَكْتَ مُقْتَضَاهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الْمَأْمُورِ به عاصٍ، وكل عاصٍ مُتَوَعَّدٌ، وَهُوَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ لِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّم﴾ ٣، والأمر الذي أمره به هو قوله تعالى: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ ٤ وَهُوَ أَمْرٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الْقَرَائِنِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ السِّيَاقَ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ. وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ كَوْنِهِ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ٥ والقضاء بمعنى الحكم و"أمرًا" مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ، أَوْ حَالٌ، أَوْ تَمْيِيزٌ، وَلَا يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ مَا هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات﴾ ٦؛ لأن عطف الرسول عليه يمنع ذلك، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ القول لا الفعل.

стр. 293

وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ ١ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْأَمْرُ حَقِيقَةً، وَلَيْسَ بِمَجَازٍ عَنْ سُرْعَةِ الْإِيجَادِ كَمَا قِيلَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْوُجُودُ مُرَادًا بِهَذَا الْأَمْرِ، أَيْ: أَرَادَ اللَّهُ أنه كلما وُجِدَ الْأَمْرَ يُوجَدُ الْمَأْمُورُ بِهِ، فَكَذَا فِي كل أمر من الله تعالى، ومن رسوله ﷺ . وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمتي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" ٢ وَكَلِمَةُ "لَوْلَا" تفيد انتفاء الشيء لوجود غيره "فههنا"* تُفِيدُ انْتِفَاءَ الْأَمْرِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ. فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الْأَمْرُ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَالْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، فَلَوْ كَانَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ لَكَانَ الْأَمْرُ قَائِمًا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. فَلَمَّا لَمْ يوجد الأمر عَلِمْنَا أَنَّ الْمَنْدُوبَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ. وَاعْتَرَضَ على هذا الاستدلال: بأنه لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مُرَادَهُ لَأَمَّرَتْهُمْ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ بِقَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَيْهِ لا مجرد الأمر. وَرُدَّ بِأَنَّ كَلِمَةَ "لَوْلَا" دَخَلَتْ عَلَى الْأَمْرِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَمْرُ حَاصِلًا، وَالنَّدْبُ حَاصِلٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ النَّدْبُ أَمْرًا، والإلزام التَّنَاقُضُ وَالْمُرَادُ مُجَرَّدُ الْأَمْرِ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا وقع في قصة بريرة لَمَّا رَغَّبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرُّجُوعِ إِلَى زَوْجِهَا، فَقَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: "لَا، إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ" ٣ فَنَفَى ﷺ الْأَمْرَ مِنْهُ، مَعَ ثُبُوتِ الشَّفَاعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى النَّدْبِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ الْأَمْرَ النَّدْبَ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِالْأَوَامِرِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ فَكَانَ إِجْمَاعًا.

стр. 294

وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ لَفْظَ "افْعَلْ" إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ، أَوْ فِي الندب فقط، أَوْ فِي غَيْرِهِمَا، وَالْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْآخِرَةُ بَاطِلَةٌ، فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ فَقَطْ لَمَا كَانَ الْوَاجِبُ مَأْمُورًا بِهِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ فَقَطْ، وَلَوْ كَانَ لَمَا لزم الجمع بين الراجح فِعْلُهُ مَعَ جَوَازِ تَرْكِهِ، وَبَيْنَ الرَّاجِحِ فِعْلُهُ مَعَ الْمَنْعِ مِنْ تَرْكِهِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَالٌ، وَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي غَيْرِهِمَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهِمَا، وَأَنْ يكون الأمر حقيقة فيما لا "ترجيح"* فِيهِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَمْرَ يُفِيدُ رُجْحَانَ الْوُجُودِ عَلَى الْعَدَمِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وجب أن يكون مانعًا من الترك. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ كَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ" ١ فَرَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَتِنَا وَهُوَ مَعْنَى النَّدْبِ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا: بِأَنَّهُ دَلِيلٌ لِلْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ لَا لِلْقَائِلِينَ بِالنَّدْبِ؛ لِأَنَّ مَا لَا نَسْتَطِيعُهُ لَا يَجِبُ عَلَيْنَا؛ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْنَا مَا نَسْتَطِيعُهُ، وَالْمَنْدُوبُ لَا حَرَجَ فِي تَرْكِهِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا: بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ لِعَبْدِهِ اسْقِنِي "وَقَوْلِهِ"** أُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنِي "فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يفهمون من أحدهما ما يفهمون مِنَ الْآخَرِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ قَوْلَهُ: اسْقِنِي يُفِيدُ طَلَبَ، الْفِعْلِ مَعَ الْإِرَادَةِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَنْ تَسْقِيَنِي"*** فَلَيْسَ إِلَّا مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا لِلْفِعْلِ وَلَيْسَ فِيهِ طَلَبٌ لِلْفِعْلِ، وَهَذَا أشف مَا احْتَجُّوا بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَدْفُوعًا بِمَا سَمِعْتَ، وَقَدِ احْتَجُّوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يفيد شيئًا. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، أَوْ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْإِبَاحَةِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إِطْلَاقُهَا عَلَيْهِمَا، أَوْ عَلَيْهَا، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ. وَأُجِيبَ بِمَا تقدم، من أن المجاز أولى من الاشتراك، وأيضًا كان يلزم أن تكون الصيغة

стр. 295

حَقِيقَةً فِي جَمِيعِ مَعَانِي الْأَمْرِ الَّتِي سَيَأْتِي١ بيانها لأنه قد أُطْلِقَ عَلَيْهَا وَلَوْ نَادِرًا وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الصِّيغَةَ مَوْضُوعَةٌ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ: بأنه قد ثَبَتَ الرُّجْحَانُ فِي الْمَنْدُوبِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الواجب، وَجَعْلُهَا لِلْوُجُوبِ بِخُصُوصِهِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ، وَأَيْضًا مَا ذَكَّرُوهُ هُوَ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّاتِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الرُّجْحَانَ لَازِمًا لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَجَعَلُوا صِيغَةَ الْأَمْرِ لَهُمَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَاللُّغَةُ لَا تُثْبِتُ بذلك. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ، بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ تَعْيِينُ الصيغة لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلَى تَعْيِينِهَا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْوُجُوبِ كَمَا قَدَّمْنَا٢. وَإِذَا تَقَرَّرَ لَكَ هَذَا عَرَفْتَ أَنَّ الرَّاجِحَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، فَلَا تَكُونُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِي إِلَّا بِقَرِينَةٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ٣ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَمَنْ أَنْكَرَ اسْتِحْقَاقَ الْعَبْدِ الْمُخَالِفِ لِأَمْرِ سَيِّدِهِ لِلذَّمِّ، وَأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ اسْمُ الْعِصْيَانِ، فَهُوَ مُكَابِرٌ وَمُبَاهِتٌ، فَهَذَا يَقْطَعُ النِّزَاعَ بِاعْتِبَارِ الْعَقْلِ. وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ وَمَا وَرَدَ مِنْ حَمْلِ أَهْلِهِ لِلصِّيَغِ الْمُطْلَقَةِ مِنَ الأوامر على الوجوب ففيما ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا مَا يُغْنِي عَنِ التَّطْوِيلِ، وَلَمْ يأت من خالف هذا بشيء يعد به أصلًا.

стр. 296

صيغ الأمر ومعانيه: وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِي المعنى الحقيقي للصيغة كما عَرَفْتَ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ اسْتِعْمَالِهَا فَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي معانٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: صِيغَةُ افْعَلْ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ وجهًا: للإيجاب كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاة﴾ ١. وَلِلنَّدْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ٢، ويقرب منه التأديب كقوله ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ: "كُلْ مِمَّا يَلِيكَ" ٣؛ فَإِنَّ الْأَدَبَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَهُ بعضهم قسمًا مغايرًا

стр. 297

للمندوب. وللإرشاد كقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ ١ ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ٢. وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ أَنَّ النَّدْبَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَالْإِرْشَادَ لِمَنَافِعِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِصُ الثَّوَابُ بِتَرْكِ الِاسْتِشْهَادِ فِي الْمُدَايَنَاتِ وَلَا يَزِيدُ بِفِعْلِهِ. وَلِلْإِبَاحَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ٣. وللتهديد مثل: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٤، ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ ٥، ويقرب منه الإنذار كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ ٦ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلُوهُ قِسْمًا آخَرَ. وَلِلِامْتِنَانِ مثل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ ٧. وللإكرام: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِين﴾ ٨. وللتسخير: ﴿كُونُوا قِرَدَة﴾ ٩. وللتعجيز: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه﴾ ١٠. وللإهانة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم﴾ ١١. وللتسوية: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ ١٢. وللدعاء: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ١٣. وَلِلتَّمَنِّي كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: "أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انجل"١٤.

стр. 298

وَلِلِاحْتِقَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ١. وللتكوين: ﴿كُنْ فَيَكُون﴾ ٢ انتهى. فهذه خمسة عشر مَعْنًى، وَمَنْ جَعَلَ التَّأْدِيبَ وَالْإِنْذَارَ مَعْنَيَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ جعلها سبعة عشر مَعْنًى، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمَعَانِي الْإِذْنَ نَحْوَ قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَات﴾ ٣، والخبر نحو: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ٤، والتفويض نحو: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض﴾ ٥ والمشورة كقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ ٦، وَالِاعْتِبَارَ نَحْوَ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر﴾ والتكذيب نحو: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُم﴾ ٨، والالتماس كقولك لنظيرك: "افعل". والتلهيف٩ نحو: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُم﴾ ١٠ والتصبير نحو: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ ١١ فتكون جملة المعاني ستة وعشرين معنى.

стр. 299

الفصل الرابع: هل الأمر يفيد تكرار أم لا ... الفصل الرابع: هل الأمر يفيد التكرار أم لا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ بِاعْتِبَارِ الْهَيْئَةِ الْخَاصَّةِ مَوْضُوعَةٌ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ، مِنْ غَيْرِ إِشْعَارٍ بِالْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ، وَاخْتَارَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَالْجُوَيْنِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وأراه رَأْيَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، يَعْنِي الشَّافِعِيَّةَ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا من المتعزلة أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ قَالُوا جَمِيعًا: إِلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الْمَأْمُورِ بِهِ بِأَقَلَّ مِنْ

стр. 300

مَرَّةٍ فَصَارَتِ الْمَرَّةُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، لَا أَنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَيْهَا بِذَاتِهِ. وقال جماعة: إن صِيغَةَ الْأَمْرِ تَقْتَضِي الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لَفْظًا، وَعَزَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ إِلَى أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ: إِنَّهُ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّهُ الصَّحِيحُ الْأَشْبَهُ بِمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَائِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، وجماعة من قدماء الحنفية، وقال جماعة: إنها تَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ مُدَّةَ الْعُمْرِ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَإِنَّمَا قَيَّدُوهُ بِالْإِمْكَانِ لِتَخْرُجَ أَوْقَاتُ ضَرُورِيَّاتِ الْإِنْسَانِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي "الْمُسْتَصْفَى": إِنَّ مُرَادَهُمْ مِنَ التَّكْرَارِ الْعُمُومُ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا التكرار الْمُسْتَوْعِبَ لِزَمَانِ الْعُمُرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْقَائِلِ لَكِنْ بِشَرْطِ الْإِمْكَانِ دُونَ أَزْمِنَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالنَّوْمِ وَضَرُورِيَّاتِ الْإِنْسَانِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ الصِّيغَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلتَّكْرَارِ هِيَ الْمُعَلِّقَةُ عَلَى شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلْمَرَّةِ، وَتَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى هَذَا الْوَقْفِ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ لَا نَدْرِي أَوُضِعَ لِلْمَرَّةِ أَوْ لِلتَّكْرَارِ أَوْ لِلْمُطْلَقِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْهُ لَا يَدْرِي مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ لِلِاشْتِرَاكِ بَيْنَهَا، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أبو بكر وجماعة وروي عن الجويني. احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِإِطْبَاقِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى هَيْئَةِ الْأَمْرِ لَا دَلَالَةَ لَهَا إِلَّا عَلَى الطَّلَبِ فِي خُصُوصِ زَمَانٍ وَخُصُوصِ الْمَطْلُوبِ مِنْ قِيَامٍ وَقُعُودٍ، وَغَيْرِهِمَا إِنَّمَا هُوَ مِنَ الْمَادَّةِ وَلَا دَلَالَةَ لَهَا إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ الْفِعْلِ فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْهَيْئَةِ وَالْمَادَّةِ أَنَّ تَمَامَ مَدْلُولِ الصِّيغَةِ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ فَقَطْ وَالْبَرَاءَةُ بِالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ تَحْصُلُ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِتَحَقُّقِ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ بِإِدْخَالِهِ فِي الْوُجُودِ بِهَا، وَلِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لِلْمَرَّةِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ الِامْتِثَالَ يَحْصُلُ بِالْمَرَّةِ فَيَكُونُ لَهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ حُصُولَهُ بِهَا لَا يَسْتَدْعِي اعْتِبَارَهَا جُزْءًا مِنْ مَدْلُولِ الْأَمْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ حَاصِلٌ عَلَى تقدير الإطلاق كما عَرَفْتَ. وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ أَيْضًا بِأَنَّ مَدْلُولَ الصِّيغَةِ طَلَبُ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ، وَالْمَرَّةُ وَالتَّكْرَارُ خَارِجَانِ عَنْ حقيقته فَوَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ الِامْتِثَالُ بِهِ فِي أَيِّهِمَا وجد ولا يتقيد بأحدهما. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا: بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هِيَ الْحَقِيقَةُ الْمُقَيِّدَةُ بِالْمَرَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هِيَ الْحَقِيقَةُ الْمُقَيِّدَةُ بِالتَّكْرَارِ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْمَرَّةَ وَالتَّكْرَارَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، كَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْمَوْصُوفِ على الصفة المعينة منهما.

стр. 301

وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ دَلَالَةِ الْمَادَّةِ عَلَى الْمَرَّةِ وَالتَّكْرَارِ، وَالْكَلَامُ فِي الصِّيغَةِ هَلْ هِيَ تَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا أَمْ لَا؟ وَاحْتِمَالُ الصِّيغَةِ لَهُمَا لَا يَمْنَعُ ظُهُورَ أَحَدِهِمَا، وَالْمُدَّعِي إِنَّمَا هُوَ لِلدَّلَالَةِ ظَاهِرًا لا نصًّا. "وَاحْتَجَّ"* الْقَائِلُونَ بِالتَّكْرَارِ: أَنَّهُ تَكَرَّرَ الْمَطْلُوبُ فِي النهي فَعَمَّ الْأَزْمَانَ فَوَجَبَ التَّكْرَارُ فِي الْأَمْرِ لِأَنَّهُمَا طَلَبٌ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ وَقَدْ تَقَرَّرَ بُطْلَانُهُ. وَأُجِيبَ أَيْضًا: بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لأن النهي لطلب التَّرْكِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالتَّرْكِ، فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَالْأَمْرُ لِطَلَبِ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ وَهُوَ يَتَحَقَّقُ بوجوده مرة. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا: بِأَنَّهُ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ إِثْبَاتِهِ يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ هُوَ عَيْنُ النزاع إذ المخالف يَقُولَ هُوَ لِلتَّكْرَارِ لَا لِلْمَرَّةِ. وَأُجِيبَ عَنْ أَصْلِ التَّكْرَارِ: بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ غَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ وَمِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْبَشَرِ أَنَّهُ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ آخَرَ، فَيَتَعَطَّلُ عَمَّا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ وَعَنْ مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ بِخِلَافِ النَّهْيِ فَإِنَّ دَوَامَ التَّرْكِ لَا يَشْغَلُهُ عَنْ شيء من الأفعال، وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِي مَدْلُولِ الصِّيغَةِ هَلْ تَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ أَمْ لَا؟ وَإِرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ التَّكْرَارَ لَا تَسْتَلْزِمُ كَوْنَ التَّكْرَارِ مَدْلُولًا لِلصِّيغَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ دَالًّا عَلَى التَّكْرَارِ لَكِنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ إِرَادَتُهُ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالتَّكْرَارِ أَيْضًا بأن الأمر نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، وَهِيَ كُلُّ مَا لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَمِنْهَا تَرْكُهُ، وَهُوَ أَيِ النَّهْيُ يَمْنَعُ مِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ دَائِمًا فيتكرر الأمر في المأمور به إذ لو لم يتكرر وَاكْتُفِيَ بِفِعْلِهِ مَرَّةً فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَضْدَادِهِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ. وَأُجِيبَ: بأن تكرر النهي الذي تضمنه الأمر فرع تَكَرُّرِ الْأَمْرُ فَإِثْبَاتُ تَكَرُّرِ الْأَمْرِ بِتَكَرُّرِ النَّهْيِ دَوْرٌ لِتَوَقُّفِ كُلٍّ مِنَ التَّكْرَارَيْنِ عَلَى الْآخَرِ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: بِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ إِذَا كَانَ معلقًا على شرط أو صفة، بأنه قد تَكَرَّرَ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ١. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَا عِلَّةٌ، فَيَتَكَرَّرُ الْمَأْمُورُ بِهِ بِتَكَرُّرِهَا اتِّفَاقًا، ضَرُورَةُ تَكَرُّرِ الْمَعْلُولِ بِتَكَرُّرِ علته، والنزاع إنما هو في دلالة الصيغة مجردة.

стр. 302

قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": أَنَّ صِيغَةَ "افْعَلْ" لِطَلَبِ إِدْخَالِ مَاهِيَّةِ الْمَصْدَرِ فِي الْوُجُودِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَدُلَّ عَلَى التَّكْرَارِ، بَيَانُ الْأُولَى: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا مَا جَاءَ عَلَى التَّكْرَارِ كَمَا في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ١ وَمِنْهَا مَا جَاءَ عَلَى غَيْرِ التَّكْرَارِ، كَمَا فِي الْحَجِّ وَفِي حَقِّ الْعِبَادِ أَيْضًا قَدْ لَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ، فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ بِدُخُولِ الدَّارِ أَوْ بِشِرَاءِ اللَّحْمِ لَمْ يُعْقَلْ مِنْهُ التَّكْرَارُ، وَلَوْ ذَمَّهُ السَّيِّدُ عَلَى تَرْكِ التَّكْرَارِ لِلْأُمَّةِ الْعُقَلَاءِ، وَلَوْ كَرَّرَ الْعَبْدُ الدخول حَسُنَ مِنَ السَّيِّدِ أَنْ يَلُومَهُ، وَيَقُولَ لَهُ إني أمرتك بالدخول، وقد دَخَلْتَ فَيَكْفِي ذَلِكَ وَمَا "أَمَرْتُكَ"* بِتَكْرَارِ الدُّخُولِ، وَقَدْ يُفِيدُ التَّكْرَارَ فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: احْفَظْ دابتي فحفظها ثم أطلقها يُذَمُّ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الِاشْتِرَاكُ وَالْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ جَعْلِ اللَّفْظِ حقيقة في القدر الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا طَلَبُ إِدْخَالِ مَاهِيَّةِ الْمَصْدَرِ فِي الْوُجُوهِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى التَّكْرَارِ لِأَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا بِهِ تَمْتَازُ إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ عَنِ الْأُخْرَى لَا بِالْوَضْعِ وَلَا بِالِاسْتِلْزَامِ, وَالْأَمْرُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ عَلَى التَّكْرَارِ، وَلَا عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ به عَلَى طَلَبِ الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِدْخَالُ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ فِي الْوُجُودِ بِأَقَلَّ مِنَ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَصَارَتِ المرة الواحدة من "ضرورات"** الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، فَلَا جَرَمَ دَلَّ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ أَطَالَ الْكَلَامَ اسْتِدْلَالًا لِلْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ وَدَفْعًا لِحُجَجِ الْمَذَاهِبِ الْآخِرَةِ "بِمَا"*** قَدْ تَقَدَّمَ حَاصِلُ مَعْنَاهُ. وَإِذَا عَرَفْتَ جَمِيعَ مَا حَرَّرْنَاهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ أَهْلُ الْأَقْوَالِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ. هَذَا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ مُجَرَّدًا عَنِ التَّعْلِيقِ بِعِلَّةٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ شرط. أما إذا كان مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ فَإِنْ كَانَ معلقا عَلَى عِلَّةٍ فَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْعِلَّةِ وَإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِثُبُوتِهَا فَإِذَا تَكَرَّرَتْ تكرر، وليس التكرار مستفادًا ههنا من الأمر وإن كان مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ، فَقَدْ ذَهَبَ كثير ممن قال إِنَّ الْأَمْرَ لَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ إِلَى أَنَّهُ مع هذا التعليق يقتضي التكرار و"لكن"**** لَا مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ، بَلْ مِنْ حَيْثُ التعليق لها على ذلك

стр. 303

الشَّرْطِ، أَوِ الصِّفَةِ، إِنْ كَانَ فِي الشَّرْطِ أَوِ الصِّفَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ "أَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ"* "فَلَا تكرار"**، وإلا فَلَا تَكْرَارَ كَقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: اشْتَرِ اللَّحْمَ إن دَخَلْتَ السُّوقَ، وَقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أُعْطَ الرجل العالم درهمًا أو اعْطِ الرَّجُلَ الْفَقِيرَ دِرْهَمًا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِلصِّيغَةِ عَلَى التَّكْرَارِ إِلَّا بِقَرِينَةٍ تُفِيدُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَصَلَتْ حَصَلَ التَّكْرَارُ وَإِلَّا فَلَا يَتِمُّ اسْتِدْلَالُ الْمُسْتَدِلِّينَ عَلَى التَّكْرَارِ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ اقْتَضَى الشَّرْعُ أَوِ اللُّغَةُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَلَيْسَ النِّزَاعُ إِلَّا فِي مُجَرَّدِ دَلَالَةِ الصِّيغَةِ مَعَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، فَالتَّطْوِيلُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ بِذِكْرِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَّرَهَا أهل الأصول لا يأتي بفائدة.

стр. 304

الفصل الخامس: هل يقتضي الأمر الفور أم لا اخْتُلِفَ فِي الْأَمْرِ هَلْ يَقْتَضِي الْفَوْرَ أَمْ لا؟ فالقائلون "إنه"* يَقْتَضِي التَّكْرَارَ يَقُولُونَ: بِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ مِمَّا لَزِمَهُمْ مِنِ اسْتِغْرَاقِ الْأَوْقَاتِ بِالْفِعْلِ الْمَأْمُورِ عَلَى مَا مَرَّ، وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُمْ فَيَقُولُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ يَفُوتُ الْأَدَاءُ بِفَوَاتِهِ، أَوْ لَا وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الطَّلَبِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَفُوتُ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعُزِيَ إِلَى الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ. قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ نَصٌّ، وَإِنَّمَا فُرُوعُهُمَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِطَلَبِ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ طَلَبِ الْفِعْلِ عَلَى الْفَوْرِ وَطَلَبِهِ عَلَى التَّرَاخِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي اللَّفْظِ إِشْعَارٌ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ فَوْرًا أَوْ تَرَاخِيًا. انتهى. وقيل: إنه يقتضي الفور، فيحب الْإِتْيَانُ بِهِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ لِلْفِعْلِ المأمور به، وَعُزِيَ إِلَى الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: الْأَمْرُ يُوجِبُ إِمَّا الْفَوْرَ أَوِ الْعَزْمَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فِي ثَانِي الْحَالِ.

стр. 305

وَتَوَقَّفَ الْجُوَيْنِيُّ فِي أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ لِلْفَوْرِ أو التراخي قال: فَيَمْتَثِلُ الْمَأْمُورُ بِكُلٍّ مِنَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي لِعَدَمِ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مَعَ التَّوَقُّفِ فِي إِثْمِهِ بِالتَّرَاخِي لَا بِالْفَوْرِ لِعَدَمِ احْتِمَالِ وُجُوبِ التَّرَاخِي، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ فِي الِامْتِثَالِ، أَيْ لَا نَدْرِي هَلْ يَأْثَمُ إِنْ بَادَرَ أَوْ إِنْ أَخَّرَ لِاحْتِمَالِ وُجُوبِ التَّرَاخِي. اسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالتَّكْرَارِ الْمُسْتَلْزِمِ لِاقْتِضَاءِ الْفَوْرِ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الذي قبل هذا، وقد تقدم١ دَفْعُهُ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: بِأَنَّهُ فِي غَيْرِ الْمُقَيَّدِ بِوَقْتٍ لِمُجَرَّدِ الطَّلَبِ بِمَا تَقَدَّمَ٢ أَيْضًا، مِنْ أَنَّ دَلَالَتَهُ لَا تَزِيدُ عَلَى مُجَرَّدِ الطلب بفور أو تراخي لا بحسب المادة، ولا بِحَسَبِ الصِّيغَةِ لِأَنَّ هَيْئَةَ الْأَمْرِ لَا دَلَالَةَ لَهَا إِلَّا عَلَى الطَّلَبِ فِي خُصُوصِ زَمَانٍ، وَخُصُوصِ الْمَطْلُوبِ مِنَ الْمَادَّةِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهَا إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ الْفِعْلِ فَلَزِمَ أَنَّ تَمَامَ مَدْلُولِ الصِّيغَةِ طَلَبُ الْفِعْلِ فَقَطْ، وَكَوْنُهَا دَالَّةً عَلَى الْفَوْرِ، أَوِ التَّرَاخِي خَارِجٌ عَنْ مَدْلُولِهِ، وإنما يُفْهَمُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ فَلَا بُدَّ مِنْ جَعْلِهَا حقيقة للقدر المشترك بين القسمين دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ وَالْمَوْضُوعِ لِإِفَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرِكِ بين الْقِسْمَيْنِ لَا يَكُونُ فِيهِ إِشْعَارٌ بِخُصُوصِيَّةِ أَحَدِهِمَا عَلَى التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةَ مُغَايِرَةٌ لِمُسَمَّى اللفظ وغير لازمة "له"* فَثَبَتَ أَنَّ اللَّفْظَ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ فَوْرًا وَلَا بِخُصُوصِ كَوْنِهِ تَرَاخِيًا. وَاحْتَجُّوا أيضًا بأنه يَحْسُنُ مِنَ السَّيِّدِ أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: افْعَلِ الْفِعْلَ الْفُلَانِيَّ فِي الْحَالِ، أَوْ غَدًا، وَلَوْ كَانَ كَوْنُهُ فَوْرًا دَاخِلًا فِي لَفْظِ "افْعَلْ" لَكَانَ الْأَوَّلُ تَكْرَارًا وَالثَّانِي نَقْضًا وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِنَا: تَفْعَلُ وَبَيْنَ قَوْلِنَا افْعَلْ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ خَبَرٌ٣ وَالثَّانِي إِنْشَاءٌ٤، لَكِنَّ قَوْلَنَا تَفْعَلُ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي صِدْقِهِ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ فَكَذَلِكَ الْأَمْرُ، وَإِلَّا لَكَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ سِوَى كَوْنِ أَحَدِهِمَا خَبَرًا وَالثَّانِي إِنْشَاءً. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْفَوْرِ: بِأَنَّ كل مخبر بكلام خبري كزيد قَائِمٌ، وَمُنْشِئٌ كَبِعْتُ وَطَالِقٌ، يَقْصِدُ الْحَاضِرَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَنِ الْقَرَائِنِ حَتَّى يَكُونَ مَوْجُودًا لِلْبَيْعِ والطلاق بما ذكر، فكذا الأمر

стр. 306

والجامع بينه وبين الخبر كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، وَبَيْنَهُ وبين سائر الإنشاءات التي يقصد بها الحاضر كَوْنُ كُلٍّ مِنْهَا إِنْشَاءً. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَاسُوا الْأَمْرَ فِي إِفَادَتِهِ الْفَوْرَ عَلَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ لِلْجَامِعِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ غَيْرُ جَائِزٍ فَكَيْفَ مَعَ اخْتِلَافِهِ فَإِنَّهُ فِي الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ تُعَيِّنُ الزَّمَانُ الْحَاضِرُ "لِلظَّرْفِيَّةِ"* وَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي الْأَمْرِ لأن الحاصل لا يُطْلَبُ. وَاحْتَجُّوا ثَانِيًا: بِأَنَّ النَّهْيَ يُفِيدُ الْفَوْرَ فَكَذَا الْأَمْرُ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا كَوْنُهُمَا طَلَبًا. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ١ بُطْلَانُهُ. وَأَيْضًا: الْفَوْرُ فِي النَّهْيِ ضَرُورِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ التَّرْكُ مُسْتَمِرًّا عَلَى مَا مَرَّ، بِخِلَافِ الْأَمْرِ. وَأَيْضًا: الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ وَهُوَ "الِامْتِثَالُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بالفور، فالفور يثبت بضرورة"** الامتثال "لا أنه"*** يُفِيدُ الْفَوْرَ، فَالْمُرَادُ أَنَّ الْفَوْرَ ضَرُورِيٌّ فِي الِامْتِثَالِ لِلنَّهْيِ. وَاحْتَجُّوا ثَالِثًا: بِأَنَّ الْأَمْرَ نَهْيٌ عَنِ الْأَضْدَادِ، وَالنَّهْيُ لِلْفَوْرِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ. وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّفْعِ بِمِثْلِ هَذَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا. وَاحْتَجُّوا رَابِعًا: بِأَنَّ اللَّهَ ذَمَّ إِبْلِيسَ عَلَى عَدَمِ الْفَوْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ٢، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ ٣ فدل على أنه للفور، وإلا لَمَا اسْتَحَقَّ الذَّمَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَيَّقْ عَلَيْهِ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ ذَلِكَ حِكَايَةُ حَالٍ فَلَعَلَّهُ كَانَ مَقْرُونًا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْجَوَابِ مِنَ الضَّعْفِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُجَرَّدُ التَّجْوِيزِ مُسَوِّغًا لدفع الأدلة لم يَبْقَ دَلِيلٌ إِلَّا وَقِيلَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَأُجِيبَ أَيْضًا: بِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِإِبْلِيسَ مُقَيَّدٌ بِوَقْتٍ، وَهُوَ وَقْتُ نَفْخِ الرُّوحِ فِي آدَمَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين﴾ ٤ فَذَمُّ إِبْلِيسَ عَلَى تَرْكِهِ الِامْتِثَالَ لِلْأَمْرِ فِي ذلك الوقت المعين.

стр. 307

واحتجوا خامسًا بقوله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُم﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات﴾ ٢. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ لَوْ دَلَّتَا عَلَى وُجُوبِ الْفَوْرِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْمُسَارَعَةِ وَالِاسْتِبَاقِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ دَلَالَةُ نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى الْفَوْرِ. وَاحْتَجُّوا سَادِسًا: بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَجَازَ إِمَّا إِلَى بَدَلٍ أَوْ "إِلَى"* غَيْرِ بَدَلٍ، وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ، فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ بَاطِلٌ. أَمَّا فَسَادُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: فَهُوَ أَنَّ الْبَدَلَ هُوَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ فَإِذَا أَتَى بِهَذَا الْبَدَلِ وَجَبَ أن يسقط عنه التكليف وبالاتفاق لَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا فَسَادُ الْقِسْمِ الثَّانِي: فَذَلِكَ يمنع من كونه واجبا؛ لأنه يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ. وَأُجِيبَ: بِاخْتِيَارِ الشق الأول، ويقوم البدل مقام الْمُبْدَلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا فِي كُلِّ الأوقات فلا يَلْزَمُ مِنَ الْإِتْيَانِ بِالْبَدَلِ سُقُوطُ الْأَمْرِ بِالْمُبْدَلِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْإِتْيَانَ بِتِلْكَ الْمَاهِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، فَهَذَا الْبَدَلُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَقَدْ حَصَلَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْأَمْرِ بِتَمَامِهِ فَوَجَبَ سُقُوطُ الْأَمْرِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يتم ما ذَكَرُوهُ مِنَ الْجَوَابِ بِتَقْدِيرِ اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ لِلتَّكْرَارِ، وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ٣. وَاحْتَجُّوا سَابِعًا: بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِلَى وقت معين أو إلى آخِرِ أَزْمِنَةِ الْإِمْكَانِ، وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِأَنَّ الْكَلَامَ في غير المؤقت، والثاني تكليف ما لا يطلق لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ، وَالتَّكْلِيفُ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ مَجْهُولٍ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ. وَأُجِيبَ بِالنَّقْضِ الْإِجْمَالِيِّ وَالنَّقْضِ التَّفْصِيلِيِّ، أَمَّا الْإِجْمَالِيُّ فَلِجَوَازِ التَّصْرِيحِ بِالْإِطْلَاقِ، بِأَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ افعل ولك التأجير فَإِنَّهُ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الدَّلِيلِ جار فيه، وأما التفصيل، فَبِأَنَّهُ إِنَّمَا يُلْزِمُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ بإيجاب التأخير إلى آخر أزمنة الإمكان، أما جواز التأخير إلى وقت يعينه الْمُكَلَّفُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يطاق لتمكنه مِنَ الِامْتِثَالِ فِي أَيِّ وَقْتٍ أَرَادَ إِيقَاعَ الفعل فيه.

стр. 308

وَاحْتَجَّ الْقَاضِي لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ١ بِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِإِحْدَاهَا أَجْزَأَ، وَلَوْ أَخَلَّ بِهَا عَصَى، وَأَنَّ الْعَزْمَ يَقُومُ مَقَامَ الْفِعْلِ فَلَا يَكُونُ عَاصِيًا إِلَّا بِتَرْكِهِمَا. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الطَّاعَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالْفِعْلِ بِخُصُوصِهِ، فَهُوَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ؛ فَوُجُوبُ الْعَزْمِ لَيْسَ مُقْتَضَاهُ. وَاسْتَدَلَّ الْجُوَيْنِيُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْوَقْفِ بِأَنَّ الطَّلَبَ مُتَحَقِّقٌ، وَالشَّكَّ فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ فَوَجَبَ الْفَوْرُ لِيَخْرُجَ عَنِ الْعُهْدَةِ بيقين. واعترض عَلَيْهِ: بِأَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ لَا يُلَائِمُ مَا تقدم له مِنَ التَّوَقُّفِ فِي كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْفَوْرِ وَأَيْضًا وُجُوبُ الْمُبَادَرَةِ يُنَافِي قَوْلَهُ الْمُتَقَدِّمَ، حَيْثُ قَالَ: أقطع بأن المكلف مهما أتى بالمأمور به فهو موقع بحكم الصيغة للمطلوب. واعتراض عَلَيْهِ أَيْضًا: بِأَنَّ التَّأْخِيرَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، بَلِ التَّأْخِيرُ جَائِزٌ حَقًّا لِمَا تَقَدَّمَ٢ مِنَ الْأَدِلَّةِ، فَالْحَقُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنه لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِفَوْرٍ وَلَا تَرَاخٍ، وَلَا يُنَافِي هَذَا اقْتِضَاءُ بَعْضِ الْأَوَامِرِ للفور كقول القائل: اسقني أطعمني فإنما ذلك من حيث إن مِثْلَ هَذَا الطَّلَبِ يُرَادُ مِنْهُ الْفَوْرُ فَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلَى إِرَادَتِهِ بِهِ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي مِثْلِ هَذَا إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْأَوَامِرِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَى خُصُوصِ الْفَوْرِ أَوْ التراخي كما عرفت.

стр. 309

الْفَصْلُ السَّادِسُ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ ذهب الجمهور من أهل الأصول، من الحنفية والشافعية والمحدثين إلى أن الشيء المعين إذا أُمِرَ بِهِ، كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِهِ نَهْيًا عن الشيء الْمُعَيَّنِ الْمُضَادِّ لَهُ سَوَاءً كَانَ الضِّدُّ وَاحِدًا كَمَا إِذَا أَمَرَهُ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الْكُفْرِ، وَإِذَا أَمَرَهُ بِالْحَرَكَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَهْيًا عَنِ السُّكُونِ، أَوْ كَانَ الضِّدُّ مُتَعَدِّدًا كَمَا إِذَا أَمَرَهُ بِالْقِيَامِ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: ليس نَهْيًا عَنِ الضِّدِّ وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْلًا، وَاخْتَارَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَقِيلَ إِنَّهُ نُهِيَ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ الْأَضْدَادِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ،

стр. 310

وَالْمُحَدِّثِينَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ نُهِيَ عَنِ الضد من عمم فقال: إنه نَهْيٌ عَنِ الضِّدِّ فِي الْأَمْرِ الْإِيجَابِيِّ وَالْأَمْرِ النَّدْبِيِّ، فَفِي الْأَوَّلِ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، وَفِي الثَّانِي نَهْيُ كَرَاهَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَ ذَلِكَ بِالْأَمْرِ الْإِيجَابِيِّ دُونَ النَّدْبِيِّ، وَمِنْهُمْ أَيْضًا مَنْ جَعَلَ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرًا بِضِدِّهِ كَمَا جُعِلَ الأمر بالشيء نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى كون الأمر بالشيء نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَسَكَتَ عَنِ النَّهْيِ وَهَذَا مَعْزُوٌّ إِلَى الْأَشْعَرِيِّ وَمُتَابِعِيهِ. وَاتَّفَقَ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، والنهي عَنِ الشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِضِدِّهِ؛ وَذَلِكَ لِنَفْيِهِمُ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ، وَمَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى هَذَا النَّفْيِ أي نَفْيَ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْنًا لِإِثْبَاتِ ضِدِّهِ أَوْ نَفْيِهِ اخْتَلَفُوا هَلْ يُوجِبُ كُلٌّ مِنَ الصِّيغَتَيْنِ حُكْمًا فِي الضِّدِّ أَمْ لَا فَأَبُو هَاشِمٍ وَمُتَابِعُوهُ قَالُوا: لَا يُوجِبُ شَيْءٌ مِنْهُمَا حُكْمًا فِي الضِّدِّ بَلِ الضِّدُّ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ قَالَا: الْأَمْرُ يُوجِبُ حُرْمَةَ الضِّدِّ، وَفِي عِبَارَةٍ أُخْرَى عَنْهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَفِي عِبَارَةٍ ثَالِثَةٍ عَنْهُمْ يَقْتَضِيهَا. وَقَالَ الرَّازِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ١ وَأَتْبَاعُهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْأَمْرُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الضِّدِّ، وَلَوْ كَانَ إِيجَابًا وَالنَّهْيُ يقتضي كون الضد سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، وَلَوْ كَانَ النَّهْيُ تَحْرِيمًا. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَدْرُ الْإِسْلَامِ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِي أَمْرِ الْفَوْرِ لَا التَّرَاخِي، وَفِي الضِّدِّ الْوُجُودِيِّ الْمُسْتَلْزِمِ لِلتُّرْكِ لَا فِي التَّرْكِ، قَالُوا: وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي لَفْظِ الْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ بِأَنْ يُقَالَ لِلَفْظِ الْأَمْرِ نهي، وللفظ نهي، وللفظ النهي أَمْرٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْأَمْرَ مَوْضُوعٌ بِصِيغَةِ افْعَلْ والنهي موضوع بصيغة لا تفعل، وليس النزاع أيضًا "مفهومهما"* لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ، بَلِ النِّزَاعُ فِي أَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ عَيْنُ طَلَبِ تَرْكِ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ النَّهْيُ "وَفِي أَنَّ"** وطلب الترك الذي هو النهي عين طَلَبِ فِعْلِ ضِدِّهِ، الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ. "هَكَذَا"***حَرَّرُوا مَحَلَّ النِّزَاعِ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي كَوْنِ الأمر بالشيء نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَقَطْ، إِذَا قِيلَ بِأَنَّهُ لَيْسَ نهيا عَنْ ضِدِّهِ أَوْ بِهِ وَبِفِعْلِ الضِّدِّ إِذَا قيل بأنه نَهْيٌ عَنْ فِعْلِ الضِّدِّ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرًا ونهيًا وعصى بهما وهكذا في النهي.

стр. 311

استدل القائلون بأن الأمر بالشيء نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ: بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الأمر بالشيء نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، لَكَانَ إِمَّا مِثْلَهُ أَوْ ضده أو خلافه، واللازم باطل بأقسامه، أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ كُلَّ مُتَغَايِرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي صِفَاتِ النَّفْسِ، أَوْ لَا، وَالْمَعْنَى بِصِفَاتِ النَّفْسِ: مَا لَا يَحْتَاجُ الْوَصْفُ بِهِ إِلَى تَعَقُّلِ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ كَالْإِنْسَانِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ، وَالْحَقِيقَةِ وَالْوُجُودِ بِخِلَافِ الْحُدُوثِ، وَالتَّحَيُّزِ فَإِنْ تُسَاوِيَا فِيهَا فَهُمَا مِثْلَانِ كَسَوَادَيْنِ، أَوْ بَيَاضَيْنِ وَإِلَّا فإما أن يتنافيا بأنفسهما، أي يَمْتَنِعَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَحَلٍّ، وَاحِدٍ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتَيْهِمَا أَوْ لَا، فَإِنْ تَنَافَيَا بِأَنْفُسِهِمَا فَضِدَّانِ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، وَإِلَّا فَخِلَافَانِ كَالسَّوَادِ وَالْحَلَاوَةِ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ بِأَقْسَامِهِ، فَلِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا ضِدَّيْنِ أو مِثْلَيْنِ لَمْ يَجْتَمِعَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَهُمَا يَجْتَمِعَانِ إِذْ جَوَازُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ مَعًا وَوُقُوعُهُ ضَرُورِيٌّ، وَلَوْ كَانَا خِلَافَيْنِ لَجَازَ اجْتِمَاعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ، وَمَعَ خِلَافِهِ لِأَنَّ الْخِلَافَيْنِ حُكْمُهُمَا كَذَلِكَ كَمَا يَجْتَمِعُ السَّوَادُ وَهُوَ خِلَافُ الْحَلَاوَةِ مَعَ الْحُمُوضَةِ وَمَعَ الرَّائِحَةِ، فَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ مَعَ ضِدِّ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِضِدِّهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّهُ يَكُونُ الأمر "بالشيء"* حينئذ طَلَبَ ذَلِكَ الشَّيْءِ فِي وَقْتٍ طُلِبَ فِيهِ عدمه. وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ كَوْنِ لَازِمِ كُلِّ خِلَافَيْنِ ذَلِكَ، أَيْ جَوَازِ اجْتِمَاعِ كُلٍّ مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ، لجواز تلازمهما "على ما هو التحقيق من عَدَمِ اشْتِرَاطِ"** جَوَازِ الِانْفِكَاكِ فِي الْمُتَغَايِرَيْنِ كَالْجَوْهَرِ١ مَعَ الْعَرَضِ وَالْعِلَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ فَلَا يُجَامِعُ أحد الخلافين على تقدير تلازمهما الضد للآخر، وَحِينَئِذٍ فَالنَّهْيُ إِذَا ادَّعَى كَوْنَ الْأَمْرِ إِيَّاهُ إذا كان طلب ترك ضد المأمور به: اخترنا كونهما خلافين، ولا يَجِبُ اجْتِمَاعُ النَّهْيِ اللَّازِمِ مِنَ الْأَمْرِ مَعَ ضِدِّ طَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا زَعَمُوا كَالْأَمْرِ بالصلاة والنهي عن الأكل فإنهما خلافان، ولا يلزم من كونهما خِلَافَيْنِ اجْتِمَاعُ الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا مَعَ إِبَاحَةِ الْأَكْلِ "الَّتِي هِيَ"*** ضِدُّ النَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا: بِأَنَّ فِعْلَ السُّكُونِ عَيْنُ تُرْك الحركة، وطلب فعل السكون طلب لترك الحركة، وطلب تركها هي النهي.

стр. 312

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ النِّزَاعَ عَلَى هَذَا يَرْجِعُ لَفْظِيًّا فِي تَسْمِيَةِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ تَرْكًا لِضِدِّهِ، وفي تسميته طلبه نَهْيًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ فَلَمْ يثبت فيها ما يفيده ذلك. ورد بمنع كون النزاع لَفْظِيًّا، بَلْ هُوَ فِي وَحْدَةِ الطَّلَبِ الْقَائِمِ بالنفس، بأن يكون طلب الفعل عين طَلَبِ تَرْكِ ضِدِّهِ. وَأُجِيبَ ثَانِيًا: بِحُصُولِ الْقَطْعِ بِطَلَبِ الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الضِّدِّ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَوْنِ فِعْلِ السُّكُونِ عين تَرْكِ الْحَرَكَةِ فِيمَا كَانَ أَحَدُهُمَا تَرْكَ الْآخَرِ لا في الأضداد الوجودية، فطلب ترك أحدهما لا يكون طَلَبًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ تَرْكُهُ فِي ضِمْنِ ضِدٍّ آخَرَ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بالشيء ليس نَهْيًا عَنِ "الضِّدِّ"* وَلَا نَقِيضِهِ. بِأَنَّهُ: لَوْ كان الأمر بالشيء عَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ وَمُسْتَلْزِمًا لَهُ لَزِمَ تَعَقُّلُ الضِّدِّ، وَالْقَطْعُ حَاصِلٌ بِتَحَقُّقِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الضِّدِّ عَلَى الْبَالِ "وَهَكَذَا الكلام في النهي"**. وَاعْتُرِضَ "عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ"*** بِأَنَّ الَّذِي لَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ مِنَ الْأَضْدَادِ إِنَّمَا هُوَ الْأَضْدَادُ الْجُزْئِيَّةُ، وَلَيْسَتْ مُرَادَّةً لِلْقَائِلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَالنَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، بَلِ الْمُرَادُ الضِّدُّ الْعَامُّ، وَهُوَ مَا لَا يُجَامِعُ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَتَعَقُّلُهُ لَازِمٌ لِلْأَمْرِ والنهي؛ إذ طلب الفعل موقوف على العلم بعدمه لانتفاء طلب الحاصل المعلوم حُصُولُهُ، وَالْعِلْمُ بِالْعَدَمِ مَلْزُومٌ لِلْعِلْمِ بِالضِّدِّ الْخَاصِّ، والضد الخاص ملزوم للضد العام، فلا بد مِنْ تَعَقُّلِ الضِّدِّ الْعَامِّ فِي الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ، وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الِاعْتِرَاضِ مِنْ عَدَمِ التَّوَارُدِ، فَإِنَّ شَرْطَ التَّوَارُدِ الَّذِي هو مدار الاعتراض كون مورد الإيجاب١ والسلب٢ لِلْمُتَخَاصِمَيْنِ، بِحَيْثُ يَكُونُ قَوْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى طَرَفِ النَّقِيضِ لِقَوْلِ الْآخَرِ، وَالْمُسْتَدِلُّ إِنَّمَا نَفَى خُطُورَ الضِّدِّ الْخَاصِّ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَقَوْلُ الْمُعْتَرِضِ: إِنَّ الَّذِي لَا يَخْطُرُ هُوَ الْأَضْدَادُ الْجُزْئِيَّةُ مُوَافَقَةً مَعَهُ فِيهَا فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُنَاظَرَةُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ، نَعَمْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُعْتَرِضِ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ غَلَطِ الْمُسْتَدِلِّ مِنْ حيث إنه اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مُرَادُ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنِ الضِّدِّ، فَزَعَمَ أَنَّ مُرَادَهُ الْأَضْدَادُ الْجُزْئِيَّةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الضِّدُّ الْعَامُّ، وَلَا يَصِحَّ نَفْيُ خُطُورِهِ بِالْبَالِ لِمَا تَقَدَّمَ فَحِينَئِذٍ تنعقد المناظرة٣ بينهما ويتحقق التوارد

стр. 313

وَأَيْضًا: هَذَا الِاعْتِرَاضُ مُتَنَاقِضٌ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّ قَوْلَ الْمُعْتَرِضِ: إِنَّ مَا لَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ هُوَ الْأَضْدَادُ الْجُزْئِيَّةُ، يُنَاقِضُ قَوْلَهُ: إِنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الْفِعْلِ مَلْزُومُ الْعِلْمِ بِالضِّدِّ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ الْجُزْئِيَّ١ نَقِيضُ السَّلْبِ الْكُلِّيِّ٢ عِنْدَ اتِّحَادِ النِّسْبَةِ. وَأُجِيبَ: بِمَنْعِ تَوَقُّفِ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ عَلَى الْعَمَلِ بِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ فِي حَالِ الْأَمْرِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مُسْتَقْبَلٌ، فَلَا حَاجَةَ لِلطَّالِبِ إِلَى الِالْتِفَاتِ إِلَى مَا فِي الْحَالِ من وجود الفعل أو عَدَمِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ تَوَقًّفُ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ عَلَى "الفعل"* بِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِهِ فَالْكَفُّ عَنِ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ، فَقَدْ تَحَقَّقَ مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ مِنَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِهِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ شُهُودَ الْكَفِّ "عَنِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ الْعِلْمَ بِفِعْلِ ضِدٍّ خَاصٍّ لِحُصُولِ شُهُودِ الْكَفِّ"** بِالسُّكُونِ عَنِ الْحَرَكَةِ اللَّازِمَةِ لِمُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ المأمور به، ولو سُلِّمَ لُزُومُ تَعَقُّلِ الضِّدِّ فِي الْجُمْلَةِ فَمُجَرَّدُ تعقله لَيْسَ مَلْزُومًا؛ لِتَعَلُّقِ الطَّلَبِ بِتَرْكِهِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ لِجَوَازِ الِاكْتِفَاءِ فِي الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ بِمَنْعِ تَرْكِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَتَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ ضِدٌّ لَهُ، وَقَدْ تَعْقِلُ حيث منع عنه لكنه فَرَّقَ بَيْنَ الْمَنْعِ عَنِ التَّرْكِ وَبَيْنَ طَلَبِ الْكَفِّ عَنِ التَّرْكِ. وَتَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْآمِرَ بِفِعْلٍ غير مجوز تركه، فقد يخطر بباله تركه من حيث إنه لا يجوز مَلْحُوظًا بِالتَّبَعِ لَا قَصْدًا، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يُقَالُ منع تَرْكَهُ، وَلَا يُقَالُ طَلَبَ الْكَفَّ عَنْ تَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَوَجُّهٍ قَصْدِيٍّ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ بأن أمر الإيجاب طلب فعل يُذَمُّ بِتَرْكِهِ فَاسْتَلْزَمَ النَّهْيَ عَنْ تَرْكِهِ وَعَمَّا يَحْصُلُ التَّرْكُ بِهِ، وَهُوَ الضِّدُّ لِلْمَأْمُورِ بِهِ فَاسْتَلْزَمَ الْأَمْرُ الْمَذْكُورُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ. وَاعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ: بِأَنَّهُ لَوْ تَمَّ لَزِمَ تَصَوُّرُ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ عَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِكُلِّ أَمْرِ إِيجَابٍ، وَتَصَوُّرُ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ لَازِمٌ لِطَلَبِ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِطَلَبِ الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الْكَفِّ عن الكف، ولو سلم تصور الكف عن الكف منع كَوْنُ الذَّمِّ بِالتُّرْكِ جُزْءَ الْأَمْرِ الْإِيجَابِيِّ أَوْ لازم مَفْهُومَهُ لُزُومًا عَقْلِيًّا، وَاسْتِلْزَامُ الْأَمْرِ الْإِيجَابِيِّ النَّهْيَ عن تركه فرع كون

стр. 314

الذم بِالتَّرْكِ جُزْءًا أَوْ لَازِمًا. وَمَا قِيلَ: مِنْ أنه لو سُلِّمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ مُتَضَمِّنٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ لَزِمَ أَنْ لَا مُبَاحَ؛ إِذْ تَرَكَ المأمور به وَضِدِّهِ يَعُمُّ الْمُبَاحَاتِ، وَالْمَفْرُوضُ أَنَّ الْأَمْرَ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْهَا وَالْمَنْهِيُّ مِنْهُ لَا يَكُونُ مُبَاحًا، فَغَيْرُ لَازِمٍ؛ إِذِ الْمُرَادُ مِنَ الضِّدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الضِّدُّ الْمُفَوِّتُ لِلْأَمْرِ، وَلَيْسَ كُلُّ ضِدٍّ مُفَوِّتًا وَلَا كُلُّ مُقَدَّرٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ ضِدًّا مُفَوِّتًا، كَخَطْوَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَابْتِلَاعِ رِيقِهِ، وَفَتَحَ عَيْنِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا أُمُورٌ مُغَايِرَةٌ بِالذَّاتِ لِلصَّلَاةِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يُطْلَقُ "عَلَيْهَا"* الضِّدُّ لِلصَّلَاةِ لَكِنَّهَا لَا تُفَوِّتُ الصَّلَاةَ. وَزَادَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِضِدِّهِ، كَمَا أن الأمر بشيء يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ دَلِيلًا آخَرَ فَقَالُوا: إن النهي طلب ترك فعل وَتَرْكُهُ بِفِعْلِ أَحَدِ أَضْدَادِهِ، فَوَجَبَ أَحَدُ أَضْدَادِهِ وَهُوَ الْأَمْرُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَحْصُلُ الْوَاجِبُ إلا به واجب. ودفع بأنه يَلْزَمُ كَوْنُ كُلٍّ مِنَ الْمَعَاصِي الْمُضَادَّةِ وَاجِبًا كالزنا، فإنه من حيث كونه تركًا لِلِّوَاطِ لِكَوْنِهِ ضِدًّا لَهُ يَكُونُ وَاجِبًا، وَيَكُونُ اللواط من حيث كونه تركًا للزنا واجبًا. وَدُفِعَ أَيْضًا: بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يُوجَدُ مباح؛ لأن كل مباح تَرْكُ الْمُحَرِّمِ وَضِدٌّ لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: غَايَةُ مَا يَلْزَمُ وُجُوبُ أَحَدِ الْمُبَاحَاتِ الْمُضَادَّةِ لَا كلها، فيقال: إِنَّ وُجُوبَ أَحَدِ الْأَشْيَاءِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ مَا هُوَ الْوَاجِبُ بِأَدَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُنَافِي الْإِبَاحَةَ كَمَا فِي خِصَالِ الكفارة. وَدُفِعَ أَيْضًا: بِمَنْعِ وُجُوبِ مَا لَا يَتِمُّ الواجب أو المحرم إلا به. وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ أَوِ الْمُحَرَّمُ إِلَّا بِهِ لَجَازَ تركه، وذلك يستلزم جواز تَرْكِ الْمَشْرُوطِ فِي الْوَاجِبِ، وَجَوَازَ فِعْلِ الْمَشْرُوطِ فِي الْمُحَرَّمِ بِدُونِ شَرْطِهِ الَّذِي لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ. وَاسْتَدَلَّ الْمُخَصِّصُونَ لِأَمْرِ الْإِيجَابِ: بِأَنَّ اسْتِلْزَامَ الذَّمِّ لِلتَّرْكِ الْمُسْتَلْزِمِ "لِلنَّهْيِ"** إِنَّمَا هُوَ فِي أَمْرِ الْوُجُوبِ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُ: بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الضِّدِّ وَلَوْ إِيجَابًا، وَالنَّهْيَ يَقْتَضِي كون الضد سُنَّةً مُؤَكَّدَةً بِمِثْلِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ: بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده إن كان واحد وإلا فعن الكل، وَأَنَّ النَّهْيَ أَمْرٌ بِالضِّدِّ الْمُتَّحِدِ وَفِي الْمُتَعَدِّدِ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ ذِكْرَ الْكَرَاهَةِ فِي جَانِبِ الْأَمْرِ، وَذِكْرَ السُّنِّيَّةِ فِي جانب النهي يوجب الاختلاف بينهم.

стр. 315

وإذا عَرَفْتَ مَا حَرَّرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالرُّدُودِ "لَهَا"* فَاعْلَمْ: أَنَّ الْأَرْجَحَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، فَإِنَّ اللَّازِمَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ: هُوَ أَنْ يَكُونَ تَصَوُّرُ الْمَلْزُومِ وَاللَّازِمِ مَعًا كَافِيًا فِي الْجَزْمِ بِاللُّزُومِ، بِخِلَافِ اللَّازِمِ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالْمَلْزُومِ هُنَاكَ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِاللَّازِمِ، وَهَكَذَا النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِضِدِّهِ بالمعنى الأعم.

стр. 316

الفصل السابع: الإتيان بالمأمور به اعْلَمْ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، الَّذِي أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ قَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ، هَلْ يُوجِبُ الْإِجْزَاءَ أم لا؟ وقد فُسِّرَ الْإِجْزَاءُ بِتَفْسِيرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حُصُولُ الِامْتِثَالِ بِهِ. وَالْآخَرُ: سُقُوطُ الْقَضَاءِ بِهِ، فَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ "لَا شَكَّ"* أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وجهه يقتضي تحقق الإجزاء الْمُفَسَّرِ بِالِامْتِثَالِ، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَعْنَى الامتثال وحقيقته ذلك، وإن فسر بسقوط القضاء فقد اختلف فيه: فقال جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ: أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ به على وجهه يَسْتَلْزِمُ سُقُوطَ الْقَضَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: لَا يَسْتَلْزِمُ. اسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالِاسْتِلْزَامِ: بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ سُقُوطَ الْقَضَاءِ لَمْ يُعْلَمِ امْتِثَالٌ أبدًا، واللازم منتفٍ فالملزوم مِثْلُهُ، أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا يَسْقُطَ عَنْهُ بَلْ يجب عليه فِعْلُهُ مَرَّةً أُخْرَى قَضَاءً، وَكَذَلِكَ الْقَضَاءُ إِذَا فَعَلَهُ لَمْ يَسْقُطْ كَذَلِكَ، وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ فَمَعْلُومٌ قَطْعًا وَاتِّفَاقًا. وَأَيْضًا إِنَّ الْقَضَاءَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِدْرَاكِ مَا قَدْ فَاتَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْأَدَاءِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ على وجهه، ولم يَفُتْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَحَصَلَ الْمَطْلُوبُ بِتَمَامِهِ، فَلَوْ أَتَى بِهِ اسْتِدْرَاكًا لَكَانَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ. قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ، خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ وَأَتْبَاعِهِ. لَنَا وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أنه أتى بما أُمِرَ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ لأن

стр. 317

الْمَسْأَلَةَ مَرْفُوضَةٌ فِيمَا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يَلْزَمُ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْعُهْدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ لَبَقِيَ إما متناولًا للمأتي أَوْ لِغَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يكون الأمر قد كان متناولًا لِغَيْرِهِ ذَلِكَ الَّذِي وَقَعَ مَأْتِيًّا بِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ الْمَأْتِيُّ بِهِ تَمَامَ مُتَعَلِّقِ الْأَمْرِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ كَذَلِكَ هَذَا خَلْف. والثاني: أنه لا يخلو إما يجب عليه فعله ثانيا، وثالثًا، أو ينقصى عَنْ عُهْدَتِهِ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَالْأَوَّلُ باطل لما بينا على أن الأمر لا يُفِيدُ التَّكْرَارَ، وَالثَّانِي هُوَ الْمَطْلُوبُ لِأَنَّهُ لَا معنى للإجزاء إِلَّا كَوْنُهُ كَافِيًا فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الأمر. والثالث: أنه لو لم يقتض الإجزاء لَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: افْعَلْ فإذا فعلت لا يجزئ عنك، لو قال ذلك أحد لَعُدَّ مُنَاقِضًا. احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّهْيَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ بِمُجَرَّدِهِ فَالْأَمْرُ يجب أن لا يدل على الإجزاء بمجرده. والثاني: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعِبَادَاتِ يَجِبُ عَلَى الشَّارِعِ فيها إتمامها، والمضي فيها، ولا تجزئه عن المأمور به كَالْحُجَّةِ الْفَاسِدَةِ وَالصَّوْمِ الَّذِي جَامَعَ فِيهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَا يُفِيدُ إِلَّا كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِهِ، فَأَمَّا أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهِ يَكُونُ سَبَبًا لِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ فَذَاكَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بمجرد الأمر. والجواب عن الأول: أَنَّا إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّهْيَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْرِ أن نقول: النهي يدل على "أنه"* مَنْعِهِ مِنْ فِعْلِهِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي أَنْ يقول: إنك لو أتيت به لَجَعَلْتَهُ سَبَبًا لِحُكْمٍ آخَرَ، أَمَّا الْأَمْرُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ إِلَّا عَلَى اقْتِضَائِهِ الْمَأْمُورَ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِذَا أَتَى بِهِ فَقَدْ أَتَى بتمام المقتضى فوجب أن لا يَبْقَى الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِشَيْءٍ. وَعَنِ الثاني: أن تلك الأفعال مُجْزِئَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَمْرِ الْوَارِدِ بِإِتْمَامِهَا، وَغَيْرُ مُجْزِئَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ اقْتَضَى إِيقَاعَ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا عَلَى حد الوجه الذي وقع، بل عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَذَلِكَ الْوَجْهُ لَمْ يُوجَدْ. وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ الْإِتْيَانَ بِتَمَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ يوجب أن لا يَبْقَى الْأَمْرُ مُقْتَضِيًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ هُوَ المراد بالإجزاء.

стр. 318

الفصل الثامن: هل يجب القضاء بأمر جديد أم بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ اخْتَلَفُوا هَلِ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ أَوْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ؟ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا صُورَتَانِ: الصُّورَةُ الْأُولَى: الْأَمْرُ الْمُقَيَّدُ، كَمَا إِذَا قَالَ افْعَلْ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَضَى، فَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ هَلْ يَقْتَضِي إِيقَاعَ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِيمَا بَعْدُ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَقِيلَ لَا يَقْتَضِي لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ "افعل" هذا الفعل يوم الْجُمُعَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ "بِفِعْلِهِ بَعْدَهُ"* وَإِذَا لم يَتَنَاوَلْهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ. الثَّانِي: أَنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ تَارَةً لَا تَسْتَلْزِمُ وجوب القضاء كما في صلاة الْجُمُعَةِ وَتَارَةً تَسْتَلْزِمُهُ وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَتِمُّ الاستدلال، فلا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ إِلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَهُوَ الْحَقُّ، وإليه ذهب الجمهور، "جَمَاعَةٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ"** وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ إِلَى أَنَّ وجوب القضاء يستلزمه الأمر بِالْأَدَاءِ فِي الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ غَيْرُ داخل في الأمر بالفعل. وَرُدَّ: بِأَنَّهُ دَاخِلٌ لِكَوْنِهِ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْفِعْلِ المعين وَقْتُهُ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَجُوزَ التَّقْدِيمُ عَلَى ذلك الوقت الْمُعَيَّنِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: افْعَلْ، وَلَا يُقَيِّدُهُ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلِ الْمُكَلَّفُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ فَهَلْ يَجِبُ فِعْلُهُ فِيمَا بَعْدُ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ فَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْفَوْرِ يَقُولُ إِنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْفِعْلَ مُطْلَقًا فَلَا يَخْرُجُ الْمُكَلَّفُ عَنِ الْعُهْدَةِ إِلَّا بِفِعْلِهِ، وَمَنْ قَالَ بِالْفَوْرِ قَالَ إِنَّهُ يَقْتَضِي الْفِعْلَ بَعْدَ أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِالْفَوْرِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ، بَلْ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ دَلِيلٍ زَائِدٍ. قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ هَلْ مَعْنَاهُ افْعَلْ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي، فَإِنْ عَصَيْتَ فَفِي الثَّالِثِ، فَإِنْ عَصَيْتَ فَفِي الرَّابِعِ ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَدًا، أَوْ مَعْنَاهُ فِي الثَّانِي مِنْ غَيْرِ بَيَانِ حَالِ الزَّمَانِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ اقْتَضَى الْأَمْرُ الْأَوَّلُ الْفِعْلَ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي لَمْ يَقْتَضِهِ. وَالْحَقُّ: أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْفِعْلَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمَانٍ، فَلَا يَخْرُجُ الْمُكَلَّفُ عَنْ عَهِدَتْهُ إِلَّا بِفِعْلِهِ، وَهُوَ أَدَاءٌ وَإِنْ طَالَ التَّرَاخِي لِأَنَّ تَعْيِينَ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ لَهُ لَا دليل عليه، واقتضاؤه

стр. 319

الفور لا يستلزم أَنَّهُ بَعْدَ أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ قَضَاءً، بَلْ غَايَةُ مَا يَسْتَلْزِمُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ آثِمًا بِالتَّأْخِيرِ عَنْهُ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ لِلْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُقَيَّدَ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ لَا يَقْتَضِي إِيقَاعَ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ آخَرَ: بِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَكَانَ مقتضيًا لِلْقَضَاءِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ، أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فبينة؛ إذ الوجوب أخص مِنَ الِاقْتِضَاءِ، وَثُبُوتُ الْأَخَصِّ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْأَعَمِّ، وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ فَلِأَنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ قَوْلَ القائل "صم يوم الخميس" لا يقتضي "صوم"* يوم الْجُمُعَةِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاقْتِضَاءِ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ أصلًا. وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَاقْتَضَاهُ، وَلَوِ اقْتَضَاهُ لَكَانَ أَدَاءً فَيَكُونَانِ سَوَاءً فَلَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ. وَأُجِيبَ عَنْ "هَذَا"** بِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُقَيَّدَ بِوَقْتِ أَمْرٍ بِإِيقَاعِ الفعل في ذلك الوقت الْمُعَيَّنِ، فَإِذَا فَاتَ قَبْلَ إِيقَاعِ الْفِعْلِ فِيهِ بَقِيَ الْوُجُوبُ مَعَ نَقْصٍ فِيهِ فَكَانَ إِيقَاعُهُ فيما بعد قضاء. وَيُرَدُّ هَذَا بِمَنْعِ بَقَاءِ الْوُجُوبِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِمُ: الْوَقْتُ لِلْمَأْمُورِ بِهِ كَالْأَجَلِ لِلدِّينِ، فكما أن الدَّيْنَ لَا يَسْقُطُ بِتَرْكِ تَأْدِيَتِهِ فِي أَجَلِهِ الْمُعَيَّنِ، بَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِيمَا بَعْدَهُ، فَكَذَلِكَ المأمور به إذا لم يفعل في وقته الْمُعَيَّنِ. وَيُجَابُ عَنْ هَذَا: بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِالْإِجْمَاعِ على عدم سقوط الدين إذا انقضى وَلَمْ يَقْضِهِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَبِأَنَّ الدِّينَ يجوز تقديمه على أجله الْمُعَيَّنِ بِالْإِجْمَاعِ "بِخِلَافِ"*** مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ لَكَانَ أَدَاءً لِأَنَّهُ أمر بفعله بعد ذلك الوقت المعين، فَكَانَ كَالْأَمْرِ بِفِعْلِهِ ابْتِدَاءً. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ بَعْدَ انْقِضَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَفْعَلُ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ، أَمَّا مَعَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ فَمَا قَالُوهُ "مُلْتَزِم"**** ولا يضرنا ولا ينفعهم.

стр. 320

الفصل التاسع: هل الأمر بالأمر بالشيء أمر به أم لا ؟ اختلفوا هل الأمر بالأمر بالشيء أمر بِذَلِكَ الشَّيْءِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الثَّانِي، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ. احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ: بأنه لو كان الأمر بالأمر بالشيء أمر بِذَلِكَ الشَّيْءِ لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ: مر عَبْدَكَ بِبَيْعِ ثَوْبِي تَعَدِّيًا عَلَى صَاحِبِ الْعَبْدِ بِالتَّصَرُّفِ فِي عَبْدِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَكَانَ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ لَا تَبِعْهُ مناقضًا لقوله للسيد مر عَبْدَكَ بِبَيْعِ ثَوْبِي لِوُرُودِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ: إِنَّ لُزُومَ التَّعَدِّي مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ هُوَ أَمْرُ عَبْدِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِ سَيِّدِهِ "وَهُنَا أَمْرُهُ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ"* فَإِنَّ أَمْرَهُ لِلْعَبْدِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى أَمْرِ سَيِّدِهِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ فِي أَنَّ قَوْلَهُ: مر عَبْدَكَ إِلَخْ، هَلْ هُوَ أَمْرٌ لِلْعَبْدِ بِبَيْعِ الثَّوْبِ أَمْ لَا، لَا فِي أَنَّ السَّيِّدَ إذا أمر عبده بموجب "مر عَبْدَكَ" هَلْ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ ذَلِكَ أَمْرٌ لِلْعَبْدِ من قبل القائل "مر عبدك" " بجعل"** السَّيِّدَ سَفِيرًا أَوْ وَكِيلًا "أَمْ لَا؟ "***. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُنَاقَضَةِ، فَقَدْ أُجِيبَ عنه: بأن الْمُرَادَ هُنَا مَنَعَهُ مِنَ الْبَيْعِ بَعْدَ طَلَبِهِ مِنْهُ، وَهُوَ نَسْخٌ لِطَلَبِهِ مِنْهُ. وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَوَامِرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِأَنْ يَأْمُرَنَا، فَإِنَّا مَأْمُورُونَ بِتِلْكَ الْأَوَامِرِ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْمَلِكِ لِوَزِيرِهِ بِأَنْ يَأَمْرَ فُلَانًا بكذا، فإن الملك هو الآمر بذلك الْمَأْمُورِ، لَا الْوَزِيرُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ فُهِمَ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ مِنْ قَرِينَةِ أَنَّ الْمَأْمُورَ أَوَّلًا هو رسول وَمُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ وَأَنَّ الْوَزِيرَ هُوَ مَبْلَغٌ عَنِ الْمَلِكِ، لَا مِنْ لَفْظِ الْأَمْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَأْمُورِ "الْأَوَّلِ"****، وَمَحَلُّ النِّزَاعِ هُوَ هَذَا. أَمَّا لَوْ قَالَ: قُلْ لِفُلَانٍ افْعَلْ كَذَا، فَالْأَوَّلُ آمِرٌ وَالثَّانِي مُبَلِّغٌ بِلَا نِزَاعٍ، كَذَا نَقْل عَنِ السُّبْكِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ. وَاخْتَارَ السَّعْدُ التَّسْوِيَةَ بينهما، والأول أَوْلَى، قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": فَلَوْ قَالَ زَيْدٌ لعمرو كل
следующие страницы →