← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 11437

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني

Полный текст (960 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الرَّابِعُ: نُصُوصُ السُّنَّةِ الْمُبْتَدَأَةُ، مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ نَصٌّ عَلَيْهَا "لَا"* بِالْإِجْمَالِ، وَلَا بِالتَّبْيِينِ، وَدَلِيلُ كَوْنِ هَذَا الْقِسْمِ مِنْ بَيَانِ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١. الْخَامِسُ: بَيَانُ الْإِشَارَةِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُسْتَنْبَطُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مِثْلُ الْأَلْفَاظِ الَّتِي اسْتُنْبِطَتْ مِنْهَا الْمَعَانِي، وَقِيسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إِذَا اسْتُنْبِطَ مِنْهُ مَعْنًى، وَأُلْحِقَ بِهِ غَيْرُهُ، لَا يُقَالُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ، بَلْ تَنَاوَلْهُ؛ لِأَنَّ النبي ﷺ أَشَارَ إِلَيْهِ بِالتَّنْبِيهِ، كَإِلْحَاقِ الْمَطْعُومَاتِ فِي باب الربويات بِالْأَرْبَعَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا٢؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْقِيَاسِ: بَيَانُ الْمُرَادِ بِالنَّصِّ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ أَهْلَ التَّكْلِيفِ بِالِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ. ذَكَرَ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الْخَمْسَ لِلْبَيَانِ الشَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ "الرِّسَالَةِ". وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ قَوْمٌ، وَقَالُوا: قَدْ أَهْمَلَ قسمين، وهما الإجمال، وَقَوْلُ الْمُجْتَهِدِ إِذَا انْقَرَضَ عَصْرُهُ، وَانْتَشَرَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": إِنَّمَا أَهْمَلَهُمَا الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّمَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ بِأَحَدِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ، فَإِنْ كَانَ نَصًّا فَهُوَ مِنَ الْأَقْسَامِ الْأُوَلِ، وَإِنْ كَانَ اسْتِنْبَاطًا فَهُوَ الْخَامِسُ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: يَقَعُ بَيَانُ الْمُجْمَلِ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: بِالْقَوْلِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ. وَالثَّانِي: بِالْفِعْلِ. وَالثَّالِثُ: بِالْكِتَابِ، كَبَيَانِ أَسْنَانِ الدِّيَاتِ، وَدِيَاتِ الْأَعْضَاءِ، وَمَقَادِيرِ الزكاة، فإنه ﷺ بَيَّنَهَا بِكُتُبِهِ الْمَشْهُورَةِ. وَالرَّابِعُ: بِالْإِشَارَةِ، كَقَوْلِهِ: "الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا" ٣ يَعْنِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثم أعاد

стр. 527

الْإِشَارَةَ بِأَصَابِعِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحَبَسَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تسعة وعشرين. الخامس: بِالتَّنْبِيهِ، وَهُوَ الْمَعَانِي وَالْعِلَلُ الَّتِي نُبِّهَ بِهَا عَلَى بَيَانِ الْأَحْكَامِ، كَقَوْلِهِ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ" ١، وَقَوْلِهِ فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ: "أَرَأَيْتَ لَوْ "تَمَضْمَضْتَ * " ٢. السَّادِسُ: مَا خَصَّ الْعُلَمَاءُ بَيَانَهُ عَنِ اجْتِهَادٍ، وَهُوَ مَا فيه الوجوه الخمسة، إذا كان الاجتهاد موصلا إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ، إِمَّا مِنْ أَصْلٍ يُعْتَبَرُ هَذَا الْفَرْعُ بِهِ، وَإِمَّا مِنْ طَرِيقِ أَمَارَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ. وَزَادَ شَارِحُ "اللُّمَعِ" وَجْهًا سَابِعًا، وَهُوَ الْبَيَانُ بِالتَّرْكِ، كَمَا رُوِيَ "أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ"٣. قال الأستاذ أبو منصور: قد رَتَّبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: أَعْلَاهَا رُتْبَةً مَا وَقَعَ مِنَ الدَّلَالَةِ بِالْخِطَابِ، ثُمَّ بِالْفِعْلِ، ثُمَّ بِالْإِشَارَةِ، ثُمَّ بِالْكِتَابَةِ، ثُمَّ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ. قَالَ: وَيَقَعُ بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ بِهَا كُلِّهَا خَلَا الْإِشَارَةَ. انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْبَيَانَ يَجُوزُ بِالْقَوْلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ بِالْفِعْلِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ بَيَانًا، خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنَّا، وَالْكَرْخِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي "التَّبْصِرَةِ". انْتَهَى. وَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْخِلَافِ، فإن النبي ﷺ بَيَّنَ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ بِأَفْعَالِهِ، وَقَالَ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" ٤. "حُجُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَحُجُّ" ٥. "وخذوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" ٦ وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ، لَا مِنْ شَرْعٍ وَلَا مِنْ عَقْلٍ، بَلْ مُجَرَّدُ مُجَادَلَاتٍ لَيْسَتْ مِنَ الْأَدِلَّةِ في شيء.

стр. 528

وَإِذَا وَرَدَ بَعْدَ الْمُجْمَلِ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِبَيَانِهِ، فَإِنِ اتَّفَقَا وَعُلِمَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ الْبَيَانُ، قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا، وَالتَّالِي تَأْكِيدٌ لَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُتَأَخِّرَ إِنْ كَانَ الْفِعْلُ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّ الْأَضْعَفَ لَا يُؤَكِّدُ الْأَقْوَى، وَإِنْ جُهِلَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا فَلَا يُقْضَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بأنه المبين بعينه بل يقضي البيان بِحُصُولِ الْبَيَانِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَوَّلُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَقِيلَ: يَكُونَانِ بِمَجْمُوعِهِمَا بَيَانًا، قِيلَ: هَذَا إِذَا تَسَاوَيَا فِي الْقُوَّةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْمَرْجُوحَ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ وُرُودًا، وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ بِالْأَضْعَفِ، هَذَا إِذَا اتَّفَقَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ. أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْمُبَيِّنَ هُوَ الْقَوْلُ، وَرَجَّحَ هَذَا فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، وَيُحْمَلُ الْفِعْلُ عَلَى النَّدْبِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْقَوْلِ عَلَى الْبَيَانِ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ إِلَّا بِوَاسِطَةِ انْضِمَامِ الْقَوْلِ إِلَيْهِ، وَالدَّالُّ بِنَفْسِهِ أَوْلَى. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا هُوَ الْبَيَانُ، كما في صورة إتفاقهما.

стр. 529

الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَّةِ اعْلَمْ: أَنَّ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ، مِنْ مُجْمَلٍ، وَعَامٍّ، وَمَجَازٍ، وَمُشْتَرَكٍ، وَفِعْلٍ مُتَرَدِّدٍ، وَمُطْلَقٍ، إِذَا تَأَخَّرَ بَيَانُهُ فَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي إِذَا تَأَخَّرَ الْبَيَانُ عَنْهُ لَمْ يَتَمَكَّنِ الْمُكَلَّفُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ لِمَا تَضَمَّنَهُ الْخِطَابُ، وَذَلِكَ فِي الْوَاجِبَاتِ الْفَوْرِيَّةِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ مُمْتَنِعٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْقَائِلِينَ بِالْمَنْعِ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ. وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَ التَّكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ، فَهُوَ يَقُولُ بِجَوَازِهِ فَقَطْ، لَا بِوُقُوعِهِ، فَكَانَ عَدَمُ الْوُقُوعِ مُتِّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَلِهَذَا نَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ إِجْمَاعَ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ عَلَى امْتِنَاعِهِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: لَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَى الْفِعْلِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ إِلَى وَقْتِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ قَدْ يُؤَخِّرُ النَّظَرَ، وَقَدْ يُخْطِئُ إِذَا نَظَرَ، "فهذا الضَّرْبَانِ"* لَا خِلَافَ فِيهِمَا. انْتَهَى. الْوَجْهُ الثَّانِي: تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ وُرُودِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَى الْفِعْلِ، وَذَلِكَ فِي الْوَاجِبَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَوْرِيَّةٍ، حَيْثُ يَكُونُ الْخِطَابُ لَا ظَاهِرَ له، كالأسماء المتواطئة، والمشتركة،

стр. 530

أو له ظاهر، وقد استعمل في خلافة، كتأخر التَّخْصِيصِ، وَالنَّسْخِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَفِي ذَلِكَ مَذَاهِبُ: الْأَوَّلُ: الْجَوَازُ مُطْلَقًا. قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ: وَعَلَيْهِ عَامَّةُ عُلَمَائِنَا، مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فُورَكَ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَالْإِصْطَخْرِيِّ، وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةِ، وَابْنِ خَيْرَانَ، وَالْقَفَّالِ، وَابْنِ الْقَطَّانِ، وَالطَّبَرِيِّ، وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي فِي "مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ" عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ"، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ مَالِكٍ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١، وثم للتعقيب مع التراخي، وقوله تعالى فِي قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ ٢ وَعُمُومُهُ تَنَاوَلَ ابْنَهُ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ٣، ثُمَّ لَمَّا سَأَلَ ابْنُ الزِّبَعْرَى٤ عَنْ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ ٥، الآية، وبقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَه﴾ ٦ لَمْ يُبَيِّنْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ٧، وبقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٨. ثُمَّ وَقَعَ بَيَانُهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ جِبْرِيلَ، وبصلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٩، وبقوله تعالى:

стр. 531

﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ ١، وبقوله تعالى: ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ ٢، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٣، ثُمَّ وَقَعَ الْبَيَانُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ بَعْدَ ذَلِكَ بالسنة، ونحو هذا كثيًرا جِدًّا. الْمَذْهَبُ الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكَثِيرٍ من الحنيفية، وَابْنِ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ وَالْبَاجِيُّ عَنِ الْأَبْهَرِيِّ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ مُتَّصِلًا بِالْبَيَانِ، أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ؛ احْتِرَازًا مِنِ انْقِطَاعِهِ بِعُطَاسٍ وَنَحْوِهِ مِنْ عَطْفِ الْكَلَامِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ. قَالَ وَوَافَقَهُمْ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِمَا لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، فَقَالُوا: لَوْ جَازَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ إِلَى الْأَبَدِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ. أَمَّا إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلِكَوْنِهِ تَحَكُّمًا، وَلِكَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَأَمَّا إِلَى الْأَبَدِ، فَلِكَوْنِهِ يَلْزَمُ الْمَحْذُورَ، وَهُوَ الْخِطَابُ وَالتَّكْلِيفُ بِهِ مَعَ عَدَمِ الْفَهْمِ. وَأُجِيبَ عَنْهُمْ: باختيار جوازه إلى مد مُعَيَّنَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ يُكَلِّفُ بِهِ فِيهِ، فَلَا تَحَكُّمَ. هَذَا أَنْهَضُ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى ضَعْفِهِ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا هُوَ دُونَهُ فِي الضَّعْفِ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى تَطْوِيلِ الْبَحْثِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ دُونَ غَيْرِهِ، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ عَنِ الصَّيْرَفِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا خِلَافَ بَيْنِ أَصْحَابِنَا فِي جواز تأخير بيان المجمل، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ ٤، وَكَذَا لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْبَيَانَ فِي الْخِطَابِ الْعَامِّ يَقَعُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْفِعْلُ يَتَأَخَّرُ عَنِ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ بَيَانَهُ بالقول أسرع منه بالفعل.

стр. 532

وَأَمَّا الْعُمُومُ الَّذِي يَعْقِلُ مُرَادَهُ مِنْ ظَاهِرِهِ، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ ١، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَأْخِيرَ بَيَانِهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ، وَكَذَا حَكَى اتِّفَاقَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ ابْنُ فُورَكَ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ، وَلَمْ يَأْتُوا بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّأْخِيرِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ إِلَّا مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ. الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبَيَانِ مَفْهُومٌ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبَيَانِ غَيْرُ مَفْهُومٍ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَجْهًا لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْوَجِيزِ" عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ. الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْأَخْبَارِ، كَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْكَرْخِيِّ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ أَيْضًا. الْمَذْهَبُ السَّادِسُ: عَكْسُهُ، حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ مَذْهَبًا، وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى أَحَدٍ، وَلَا وَجْهَ لَهُ أَيْضًا وَنَازَعَ بَعْضُهُمْ فِي حِكَايَةِ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ مَذْهَبًا، قَالَ: لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ الْخِطَابُ التَّكْلِيفِيُّ، فَلَا تُذْكَرُ فِيهَا الْأَخْبَارُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ. الْمَذْهَبُ السَّابِعُ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ النَّسْخِ دُونَ غَيْرِهِ، ذَكَرَ هَذَا الْمَذْهَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي "الْمُعْتَمَدِ"، وَأَبُو عَلِيٍّ، وَأَبُو هَاشِمٍ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ أَيْضًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّأْخِيرِ فِيمَا عَدَا النَّسْخَ، وَقَدْ عَرَفْتَ قِيَامَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَكَثِّرَةِ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا، فَالِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ دُونَ بَعْضٍ بِلَا مُخَصِّصٍ بَاطِلٌ. الْمَذْهَبُ الثَّامِنُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ كَالْمُشْتَرَكِ، دُونَ مَا لَهُ ظَاهِرٌ كَالْعَامِّ، وَالْمُطْلَقِ، وَالْمَنْسُوخِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِي الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ فِي الثَّانِي، نَقَلَهُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ. عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَالدَّقَّاقِ، وَالْقَفَّالِ، وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدْ سَبَقَ النَّقْلُ عَنْ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَى خِلَافِ مَا حَكَاهُ عَنْهُمْ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّفْصِيلِ. الْمَذْهَبُ التَّاسِعُ: أَنَّ بَيَانَ الْمُجْمَلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ تَبْدِيلًا وَلَا تَغْيِيرًا، جَازَ مُقَارَنًا وَطَارِئًا، وَإِنْ كَانَ تَغْيِيرًا جَازَ مُقَارَنًا، وَلَا يَجُوزُ طَارِئًا "بِحَالٍ"* نَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَا وَجْهَ له أيضًا.

стр. 533

فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْمَذَاهِبِ الْمَرْوِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنْتَ إِذَا تَتَبَّعْتَ مَوَارِدَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَجَدْتَهَا قَاضِيَةً بِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ قَضَاءً ظَاهِرًا وَاضِحًا، لَا يُنْكِرُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى خِبْرَةٍ بِهَا، وَمُمَارَسَةٍ لَهَا، وَلَيْسَ عَلَى هَذِهِ الْمَذَاهِبِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا قَالَهُ الْمُجَوِّزُونَ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ فِي جَوَازِ "تَأْخِيرِ"* الْبَيَانِ عَلَى التَّدْرِيجِ، بِأَنْ يُبَيَّنَ بَيَانًا أَوَّلًا، ثُمَّ يُبَيَّنُ بَيَانًا ثَانِيًا، كَالتَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ. وَالْحَقُّ: الْجَوَازُ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ ذَلِكَ لَا مِنْ شَرْعٍ، وَلَا عقل، فالكل بيان.

стр. 534

الباب السابع: في الظاهر والمؤول الفصل الأول: في حدهما ... الْبَابُ السَّابِعُ: فِي الظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فَصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي حَدِّهِمَا فَالظَّاهِرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْوَاضِحُ. قَالَ الْأُسْتَاذُ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لَفْظُهُ يُغْنِي عَنْ تَفْسِيرِهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، وَهُوَ فِي أَحَدِهِمَا أَظْهَرُ. وَقِيلَ: هُوَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى مَعَ قَبُولِهِ لِإِفَادَةِ غَيْرِهِ إِفَادَةً مَرْجُوحَةً، فَانْدَرَجَ تَحْتَهُ مَا دَلَّ عَلَى الْمَجَازِ الرَّاجِحِ. وَيُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي يُفِيدُ مَعْنًى، سَوَاءٌ أَفَادَ معه إفادة مرجوحة أو لو يُفِدْ، وَلِهَذَا يَخْرُجُ النَّصُّ، فَإِنَّ إِفَادَتَهُ ظَاهِرَةٌ بِنَفْسِهِ. وَنَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يُسَمِّي الظَّاهِرَ نَصًّا. وَقِيلَ: هُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ: مَا دَلَّ دَلَالَةً ظَنِّيَّةً، إِمَّا بِالْوَضْعِ، كَالْأَسَدِ للسبع المفترس، وبالعرف، كَالْغَائِطِ لِلْخَارِجِ الْمُسْتَقْذِرِ؛ إِذْ غَلَبَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ لِلْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ مِنَ الأرض. والتأويل مشتق من آل يؤول، إِذَا رَجَعَ، تَقُولُ: آلَ الْأَمْرُ إِلَى كَذَا، أَيْ: رَجَعَ إِلَيْهِ، وَمَآلُ الْأَمْرِ مَرْجِعُهُ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ١: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِيَالَةِ، وَهِيَ السِّيَاسَةُ، يُقَالُ لِفُلَانٍ: عَلَيْنَا إِيَالَةٌ، وَفُلَانٌ آيِلٌ عَلَيْنَا، أَيْ: سَائِسٌ، فَكَانَ الْمُؤَوِّلُ بِالتَّأْوِيلِ كالمتحكم على الكلام المتصرف فيه.

стр. 535

وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي "فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ" التَّأْوِيلُ: آخِرُ الْأَمْرِ وَعَاقِبَتُهُ، يُقَالُ: مَآلُ هَذَا الْأَمْرِ مَصِيرُهُ، وَاشْتِقَاقُ الْكَلِمَةِ مِنَ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْعَاقِبَةُ وَالْمَصِيرُ. وَاصْطِلَاحًا: صَرْفُ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: حَمْلُ الظَّاهِرِ عَلَى الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ. وَهَذَا يَتَنَاوَلُ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ، فَإِنْ أَرَدْتَ تَعْرِيفَ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ زِدْتَ فِي الْحَدِّ: بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ رَاجِحًا؛ لِأَنَّهُ بِلَا دَلِيلٍ، أَوْ مَعَ دَلِيلٍ مَرْجُوحٍ، أَوْ مساوٍ فَاسِدٍ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ: وَهَذَا الْبَابُ أَنْفَعُ كُتُبِ الْأُصُولِ وَأَجَلُّهَا، وَلَمْ يَزِلَّ الزَّالُّ إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ. وَأَمَّا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فَأَنْكَرَ عَلَى إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ إِدْخَالَهُ لِهَذَا الْبَابِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ "أُصُولِ"* الْفِقْهِ فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ يُورَدُ فِي الْخِلَافِيَّاتِ. وَاعْلَمْ: أَنَّ الظَّاهِرَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، ولعمل بِهِ، بِدَلِيلِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِظَوَاهِرِ الْأَلْفَاظِ. وَإِذَا عَرَفْتَ مَعْنَى الظَّاهِرِ فَاعْلَمْ: أَنَّ النَّصَّ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، وَهُوَ قِسْمٌ مِنَ النَّصِّ مُرَادِفٌ لِلظَّاهِرِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: لَا يَقْبَلُهُ، وَهُوَ النَّصُّ الصَّرِيحُ، وَسَيَأْتِي١ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هذا الباب.

стр. 536

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِيمَا يَدْخُلُهُ التَّأْوِيلُ وَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَغْلَبُ الْفُرُوعِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. وَالثَّانِي: الْأُصُولُ: كَالْعَقَائِدِ، وَأُصُولِ الدِّيَانَاتِ، وَصِفَاتِ الْبَارِي . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْقِسْمِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا، بَلْ يَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهَا، وَلَا يؤول شيء منها، وهذا قول المشبهة١.

стр. 537

وَالثَّانِي: أَنَّ لَهَا تَأْوِيلًا، وَلَكِنَّا نُمْسِكُ عَنْهُ، مَعَ تَنْزِيهِ اعْتِقَادِنَا عَنِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ١ قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ: وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقَةُ الْوَاضِحَةُ، وَالْمَنْهَجُ الْمَصْحُوبُ بِالسَّلَامَةِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي مُهَاوِي التَّأْوِيلِ، لِمَا لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَى بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ قُدْوَةً لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ، وَأُسْوَةً لِمَنْ أَحَبَّ التَّأَسِّيَ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ وُرُودِ الدَّلِيلِ الْقَاضِي بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ وَهُوَ قَائِمٌ مَوْجُودٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا مُؤَوَّلَةٌ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ: وَالْأَوَّلُ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ بَاطِلٌ، وَالْآخَرَانِ مَنْقُولَانِ عَنِ الصَّحَابَةِ. وَنُقِلَ هَذَا الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مسعود، وأم سلمة. قال أبو عمرو ابن الصَّلَاحِ: النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُوهِمَةِ لِلْجِهَةِ وَنَحْوِهَا فِرَقٌ ثَلَاثٌ: فَفِرْقَةٌ تُؤَوِّلُ، وَفِرْقَةٌ تُشَبِّهُ، وَثَالِثَةٌ تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُطْلِقِ الشَّارِعُ مِثْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ إِلَّا وَإِطْلَاقُهُ سَائِغٌ وَحَسَنٌ قَبُولُهَا مُطْلَقَةً، كَمَا قَالَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّنْزِيهِ، وَالتَّبَرِّي مِنَ التَّحْدِيدِ وَالتَّشْبِيهِ. قَالَ: وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مَضَى صَدْرُ الْأُمَّةِ وَسَادَتُهَا، "وَإِيَّاهَا"* اخْتَارَهَا أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ وَقَادَتُهَا، وَإِلَيْهَا دَعَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَأَعْلَامُهُ، وَلَا أَحَدَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ يَصْدِفُ عَنْهَا وَيَأْبَاهَا، وَأَفْصَحَ الْغَزَالِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ "بِتَهْجِيرِ"** مَا سِوَاهَا، حَتَّى أَلْجَمَ آخِرًا فِي إِلْجَامِهِ كل عالم وَعَامِّيٍّ عَمَّا عَدَاهَا. قَالَ: "وَهُوَ"*** كِتَابُ "إِلْجَامِ الْعَوَامِّ عَنْ عِلْمِ الْكَلَامِ" وَهُوَ آخِرُ تَصَانِيفِ الْغَزَالِيِّ مُطْلَقًا، حَثَّ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ. قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي "النُّبَلَاءِ"٢ فِي تَرْجَمَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيُّ مَا لَفْظُهُ: وَقَدِ اعْتَرَفَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، حَيْثُ يَقُولُ: لَقَدْ تَأَمَّلْتُ الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ، فَمَا رَأَيْتُهَا تَشْفِي عَلِيلًا، وَلَا تَرْوِي غَلِيلًا، وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ، اقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٤، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٥؛

стр. 538

وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي. انْتَهَى. وَذَكَرَ الذَّهَبِيُّ فِي "النُّبَلَاءِ" فِي تَرْجَمَةِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: ذَهَبَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ إِلَى الِانْكِفَافِ عَنِ التَّأْوِيلِ، وَإِجْرَاءِ الظَّوَاهِرِ عَلَى مَوَارِدِهَا، وَتَفْوِيضِ مَعَانِيهَا إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى، وَالَّذِي نَرْتَضِيهِ رَأْيًا وَنَدِينُ اللَّهَ بِهِ عَقْدًا اتِّبَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ. هَكَذَا نَقَلَ عَنْهُ صَاحِبُ "النُّبَلَاءِ" فِي تَرْجَمَتِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي "النُّبَلَاءُ" إِنَّهُ قَالَ مَا لَفْظُهُ: اشْهَدُوا عليَّ أَنِّي قَدْ رَجَعْتُ عَنْ كُلِّ مَقَالَةٍ تُخَالِفُ السَّلَفَ. انْتَهَى. وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ أعني: الجويني، والغزالي، الرازي. هُمُ الَّذِينَ وَسَّعُوا دَائِرَةَ التَّأْوِيلِ، وَطَوَّلُوا ذُيُولَهُ، وَقَدْ رَجَعُوا آخِرًا إِلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ كَمَا عَرَفْتَ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: "وَنَقُولُ"* فِي الْأَلْفَاظِ الْمُشْكِلَةِ إِنَّهَا حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَوَّلَ شَيْئًا مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ قَرِيبًا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ لِسَانُ الْعَرَبِ، وَتَفْهَمُهُ فِي مُخَاطِبَاتِهِمْ لَمْ نُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَلَمْ نُبَدِّعْهُ، وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ بَعِيدًا تَوَقَّفْنَا عَنْهُ، وَاسْتَبْعَدْنَاهُ، وَرَجَعْنَا إِلَى الْقَاعِدَةِ فِي الْإِيمَانِ بِمَعْنَاهُ، مَعَ التَّنْزِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمُهُ إِلَى مِثْلِ هَذَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ١ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمَا الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ"، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا يَطُولُ لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ النُّقُولِ عَنِ الْأَئِمَّةِ الفحول.

стр. 539

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي شُرُوطِ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِوَضْعِ اللُّغَةِ، أَوْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، "أَوْ"* عَادَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَكُلُّ تَأْوِيلٍ خَرَجَ عَنْ هَذَا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. الثَّانِي: أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ اللَّفْظِ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ لَا يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِيهِ. الثَّالِثُ: إِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ بِالْقِيَاسِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جَلِيًّا، لَا خفيا.

стр. 540

وَقِيلَ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ التَّأْوِيلُ بِالْقِيَاسِ أَصْلًا. وَالتَّأْوِيلُ فِي نَفْسِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قَدْ يَكُونُ قَرِيبًا، فَيَتَرَجَّحُ بِأَدْنَى مُرَجَّحٍ، وَقَدْ يَكُونُ بَعِيدًا، فَلَا يَتَرَجَّحُ إِلَّا بِمُرَجَّحٍ قَوِيٍّ، وَلَا يَتَرَجَّحُ بِمَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ، وَقَدْ يَكُونُ مُتَعَذِّرًا، لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، فَيَكُونُ مَرْدُودًا لَا مَقْبُولًا. وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا تَبَيَّنَ لَكَ مَا هُوَ مَقْبُولٌ مِنَ التَّأْوِيلِ مِمَّا هُوَ مَرْدُودٌ، وَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى تَكْثِيرِ الْأَمْثِلَةِ، كَمَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ.

стр. 541

الباب الثامن: في المنطوق والمفهوم المسألة الأولى: في حدهما مدخل ... الباب الثامن: فِي الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ وَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي حَدِّهِمَا فَالْمَنْطُوقُ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، أَيْ: يَكُونُ حُكْمًا لِلْمَذْكُورِ، وَحَالًا مِنْ أَحْوَالِهِ. وَالْمَفْهُومُ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، أَيْ: يَكُونُ حُكْمًا لِغَيْرِ الْمَذْكُورِ، وَحَالًا مِنْ أَحْوَالِهِ. والحاصل: أن الألفاظ قوالب للمعاني المستفاد مِنْهَا، فَتَارَةً تُسْتَفَادُ مِنْهَا مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ تَصْرِيحًا، وَتَارَةً مِنْ جِهَتِهِ تَلْوِيحًا، فَالْأَوَّلُ: الْمَنْطُوقُ، والثاني: المفهوم.

стр. 542

أقسام المنطوق وَالْمَنْطُوقُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ: مَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَهُوَ النَّصُّ. وَالثَّانِي: مَا يَحْتَمِلُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَالْأَوَّلُ أَيْضًا يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: صَرِيحٌ إِنْ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِالْمُطَابَقَةِ١، أَوِ التَّضَمُّنِ٢. وَغَيْرُ صَرِيحٍ إِنْ دَلَّ عَلَيْهِ بِالِالْتِزَامِ٣. وَغَيْرُ الصَّرِيحِ يَنْقَسِمُ إِلَى دَلَالَةِ: اقْتِضَاءٍ، وَإِيمَاءٍ وَإِشَارَةٍ. فَدَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ: هِيَ إِذَا تَوَقَّفَ الصِّدْقُ أَوِ الصِّحَّةُ الْعَقْلِيَّةُ أَوِ الشَّرْعِيَّةُ عَلَيْهِ، مَعَ كون ذلك مقصودا للمتكلم.

стр. 543

ودلالة الإيماء: أن يقترب اللَّفْظُ بِحُكْمٍ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيلِ لَكَانَ بَعِيدًا؛ وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا فِي الْقِيَاسِ. وَدَلَالَةُ الْإِشَارَةِ حَيْثُ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ.

стр. 544

أَقْسَامُ الْمَفْهُومِ: وَالْمَفْهُومُ يَنْقَسِمُ إِلَى مَفْهُومِ مُوَافَقَةٍ، وَمَفْهُومِ مُخَالَفَةٍ. فَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ: حَيْثُ يَكُونُ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ مُوَافِقًا لِلْمَلْفُوظِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنَ الْمَنْطُوقِ بِهِ فَيُسَمَّى فَحْوَى الْخِطَابِ، وإن كان مساويا فَيُسَمَّى لَحْنَ الْخِطَابِ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي الفرق بين فحوى الخطاب، ولحن الْخِطَابِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ الْفَحْوَى مَا نَبَّهَ عليه اللفظ، واللحن مَا لَاحَ فِي "أَثْنَاءِ"* اللَّفْظِ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ الْفَحْوَى مَا دَلَّ عَلَى مَا هُوَ أَقْوَى منه، واللحن مَا دَلَّ عَلَى مِثْلِهِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: إِنَّ فَحْوَى الْخِطَابِ مَا دَلَّ الْمُظْهَرُ عَلَى الْمُسْقَطِ، واللحن مَا يَكُونُ مُحَالًا عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. وَقَدْ شَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ أَنْ يَكُونَ أَوْلَى مِنَ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ نَقَلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ فِي "الْبُرْهَانِ" عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ. وَأَمَّا الْغَزَالِيُّ، وَفَخْرُ الدِّينِ الرَّازِي، وَأَتْبَاعُهُمَا، فَقَدْ جَعَلُوهُ قِسْمَيْنِ: تَارَةً يَكُونُ أَوْلَى، وَتَارَةً يَكُونُ مُسَاوِيًا، وَهُوَ الصَّوَابُ، فَجَعَلُوا شَرْطَهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَعْنَى فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ أَقَلَّ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ مِنَ الْمَعْنَى الْمَنْطُوقِ بِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، هَلْ هِيَ لَفْظِيَّةٌ أَوْ قِيَاسِيَّةٌ عَلَى قَوْلَيْنِ، حَكَاهُمَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأَمْرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ أَنَّهُ قِيَاسٌ، وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ فِي "النِّهَايَةِ" عَنِ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ جُلَّةٌ سَيِّدُهُمُ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي "شَرْحِ اللُّمَعِ": إِنَّهُ الصَّحِيحُ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، فذكره في أنواع القياس.

стр. 545

قَالَ سَلِيمٌ الرَّازِيُّ: الشَّافِعِيُّ يُومِئُ إِلَى أَنَّهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، لَا يَجُوزُ وُرُودَ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ، قَالَ: وَذَهَبَ الْمُتَكَلِّمُونَ بِأَسْرِهِمُ -الْأَشْعَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ- إِلَى أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنَ النُّطْقِ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ: الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ جارٍ مَجْرَى النُّطْقِ، لَا مَجْرَى "الْقِيَاسِ، وَسَمَّاهُ الْحَنَفِيَّةُ دَلَالَةَ النَّصِّ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ بِقِيَاسٍ وَلَا يُسَمَّى"* دَلَالَةَ النَّصِّ، لَكِنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّأْفِيفِ١ مَنْقُولٌ بِالْعُرْفِ عَنْ مَوْضُوعِهِ اللُّغَوِيِّ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى. وَقِيلَ: إِنَّهُ فَهْمُ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ، وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مَنْ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ، كَالْغَزَالِيِّ، وَابْنِ الْقُشَيْرِيِّ، وَالْآمِدِيِّ، وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَالدَّلَالَةُ عِنْدَهُمْ مَجَازِيَّةٌ، مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْأَخَصِّ وَإِرَادَةِ الْأَعَمِّ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ دَلَالَتَهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ لَا مِنَ الْقِيَاسِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: الْقَوْلُ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَنْبَغِي لِلظَّاهِرِيَّةِ أَنْ يُخَالِفُوا فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ السَّمْعِ، وَالَّذِي رَدَّ ذَلِكَ يَرُدُّ نَوْعًا مِنَ الْخِطَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ خَالَفَ فِيهِ ابْنُ حَزْمٍ. قال ابن تيمية: وهو مكابرة.

стр. 546

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ حَيْثُ يَكُونُ المسكت عَنْهُ مُخَالِفًا لِلْمَذْكُورِ فِي الْحُكْمِ، إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، فَيَثْبُتُ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ نَقِيضُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَيُسَمَّى دَلِيلَ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُ مِنْ جِنْسِ الْخِطَابِ، أَوْ لِأَنَّ الْخِطَابَ دَالٌّ عَلَيْهِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَلِ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْمَنْطُوقِ وَالْمَسْكُوتِ بِضِدِّ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، أَوْ نَقِيضُهُ؟ الْحَقُّ: الثَّانِي.

стр. 547

وَمَنْ تَأَمَّلَ الْمَفْهُومَاتِ وَجَدَهَا كَذَلِكَ. وَجَمِيعُ مَفَاهِيمِ الْمُخَالَفَةِ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إِلَّا مَفْهُومَ اللَّقَبِ. وَأَنْكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجَمِيعَ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي "شَرْحِ اللُّمَعِ" عَنِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ. وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ، فَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّ النَّقَلَةَ نَقَلُوا عَنْهُ الْقَوْلَ بِالْمَفْهُومِ، كَمَا نَقَلُوا عَنْهُ نَفْيَ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَقَدْ أُضِيفَ إِلَيْهِ خِلَافُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ قَالَ بِمَفْهُومِ الْخِطَابِ. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي كِتَابِ "السِّيَرِ"١: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي خِطَابَاتِ الشَّرْعِ، قَالَ: وَأَمَّا فِي مُصْطَلَحِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ فَهُوَ حُجَّةٌ، وَعَكَسَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَالَ: هُوَ حُجَّةٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِينَ وَغَيْرِهِمْ، كَذَا حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَاخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ لِلْمَفْهُومِ فِي مَوَاضِعَ. أَحَدُهَا: هَلْ هُوَ حُجَّةٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، أَوِ الشَّرْعِ؟ وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، حَكَاهُمَا "الْمَازِرِيُّ"* وَالرُّويَانِيُّ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حُجَّةٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ. وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: لَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ بِحَسْبِ اللُّغَةِ، لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحَسْبِ الْعُرْفِ الْعَامِّ. وَذَكَرَ فِي "الْمَحْصُولِ" فِي بَابِ الْعُمُومِ: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ. الْمَوْضِعُ الثَّانِي: اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي تَحْقِيقِ مُقْتَضَاهُ، أَنَّهُ هَلْ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَا الْمَنْطُوقَ بِهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ جِنْسِ الْمُثْبَتِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، أَوْ تَخْتَصُّ دَلَالَتُهُ بِمَا إِذَا كَانَ مَنْ جِنْسَهُ، فَإِذَا قَالَ: "فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ" ٢ فَهَلْ نَفَى الزَّكَاةَ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الْإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ، أَوْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمَعْلُوفَةِ مِنَ الْغَنَمِ؟ وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الإسفراييني، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وسليم الرازي، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَالصَّحِيحُ تَخْصِيصُهُ بِالنَّفْيِ عَنْ مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ فقط.

стр. 548

قُلْتُ: هُوَ الصَّوَابُ. الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: هَلِ الْمَفْهُومُ الْمَذْكُورُ يَرْتَقِي إِلَى أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا قَاطِعًا، أَوْ لَا يَرْتَقِي إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ: إِنَّهُ "قَدْ"* يَكُونُ قَطْعِيًّا، وَقِيلَ: لا. الموضع الرابع: إذا دل "دليل"** على إخراج صور مِنْ صُوَرِ الْمَفْهُومِ، فَهَلْ يَسْقُطُ الْمَفْهُومُ بِالْكُلِّيَّةِ، أو يتمسك به فِي الْبَقِيَّةِ؟ وَهَذَا يَتَمَشَّى عَلَى الْخِلَافِ فِي حُجِّيَّةِ الْعُمُومُ إِذَا خَصَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ. الْمَوْضِعُ الْخَامِسُ: هَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ به قبل الْبَحْثُ عَمَّا يُوَافِقُهُ، أَوْ يُخَالِفُهُ مِنْ مَنْطُوقٍ أَوْ مَفْهُومٍ آخَرَ؟ فَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصَّصِ، وَحَكَى الْقَفَّالُ الشاشي في ذلك وجهين.

стр. 549

المسألة الثالثة: شروط القول بمفهوم المخالفة الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُعَارِضَهُ مَا هُوَ أَرْجَحُ منه، من منطوق أو مفهوم موافقة، أما إذا عراضه قِيَاسٌ، فَلَمْ يُجَوِّزُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ تَرْكَ الْمَفْهُومِ بِهِ، مَعَ تَجْوِيزِهِ تَرْكَ الْعُمُومَ بِالْقِيَاسِ، كَذَا قَالَ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَعْمُولَ بِهِ يُخَصِّصُ عُمُومَ الْمَفْهُومِ، كَمَا يُخَصِّصُ عُمُومَ الْمَنْطُوقِ، وَإِذَا تَعَارَضَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْمُولًا بِهِ، فَالْمُجْتَهِدُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مِنَ الْمَرْجُوحِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَقَامَاتِ، وَبِمَا يُصَاحِبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْقَرَائِنِ الْمُقَوِّيَةِ لَهُ. قَالَ شَارِحُ "اللُّمَعِ": دَلِيلُ الْخِطَابِ إِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، كَالنَّصِّ وَالتَّنْبِيهِ، فَإِنْ عَارَضَهُ أَحَدُهُمَا سَقَطَ، وَإِنْ عَارَضَهُ عُمُومٌ صَحَّ التَّعَلُّقُ بِعُمُومِ دَلِيلِ الْخِطَابِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ عَارَضَهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، قُدِّمَ الْقِيَاسُ، وَأَمَّا الْخَفِيُّ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ حُجَّةً كَالنُّطْقِ قُدِّمَ دَلِيلُ الْخِطَابِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَالْقِيَاسِ فَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يُقَدِّمُونَ كَثِيرًا الْقِيَاسَ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ. وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ الْمَذْكُورُ قُصِدَ بِهِ الِامْتِنَانُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ١

стр. 550

فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ أَكْلِ مَا لَيْسَ بَطَرِيٍّ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْمَنْطُوقُ خَرَجَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ مُتَعَلِّقٍ بِحُكْمٍ خَاصٍّ، وَلَا حَادِثَةٍ خَاصَّةٍ بِالْمَذْكُورِ، هَكَذَا قِيلَ، وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَلَا بِخُصُوصِ السُّؤَالِ. وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي ذَلِكَ احْتِمَالَيْنِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ -يَعْنِي بَيْنَ عُمُومِ اللَّفْظِ، وَعُمُومِ الْمَفْهُومِ- أَنَّ دَلَالَةَ الْمَفْهُومِ ضَعِيفَةٌ تَسْقُطُ بِأَدْنَى قَرِينَةٍ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْعَامِّ. قُلْتُ: وَهَذَا فَرْقٌ قَوِيٌّ، لَكِنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ فِي الْمَفَاهِيمِ الَّتِي دَلَالَتُهَا ضَعِيفَةٌ، أَمَّا الْمَفَاهِيمُ الَّتِي دَلَالَتُهَا قَوِيَّةٌ قُوَّةً تُلْحِقُهَا بِالدَّلَالَاتِ اللَّفْظِيَّةِ فَلَا. قَالَ: وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ١ فَلَا مَفْهُومَ لِلْأَضْعَافِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى النَّهْيِ عَمَّا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ بِسَبَبِ الْآجَالِ، كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ إِذَا حَلَّ دَيْنُهُ يَقُولُ: إِمَّا أَنْ تُعْطِيَ، وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ، فَيَتَضَاعَفُ بِذَلِكَ أَصْلُ دَيْنِهِ مِرَارًا كَثِيرَةً، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ عَلَى ذَلِكَ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْمَذْكُورُ قُصِدَ بِهِ التَّفْخِيمُ، وَتَأْكِيدُ الْحَالِ، كَقَوْلِهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر أَنْ تَحُدَّ" ٢ الْحَدِيثَ، فَإِنَّ التَّقْيِيدَ "بِالْإِيمَانِ" لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِتَفْخِيمِ الْأَمْرِ. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يُذْكَرَ مُسْتَقِلًّا، فَلَوْ ذُكِرَ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِيَّةِ لِشَيْءٍ آخَرَ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ٣ فإن قوله تعالى: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فلا مَفْهُومَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ مَمْنُوعٌ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ مُطْلَقًا. الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنَ السِّيَاقِ قَصْدُ التَّعْمِيمِ، فَإِنْ ظَهَرَ فَلَا مَفْهُومَ له، كقوله

стр. 551

تعالي: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، لِلْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى الْمَعْدُومِ، وَالْمُمْكِنِ. وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ التَّعْمِيمُ. الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ لَا يَعُودَ عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي هُوَ الْمَنْطُوقُ بِالْإِبْطَالِ، أَمَّا لَوْ كان كَذَلِكَ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ. الشَّرْطُ الثَّامِنُ: أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْأَغْلَبِ، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ٢. فَإِنَّ الْغَالِبَ كَوْنُ الرَّبَائِبِ فِي الْحُجُورِ، فَقُيِّدَ بِهِ لِذَلِكَ، لَا لِأَنَّ حُكْمَ اللَّاتِي لَسْنَ فِي الْحُجُورِ بِخِلَافِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الكتاب والسنة.

стр. 552

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي أَنْوَاعِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ النَّوْعُ الأول: مفهوم الصفة وهي تعلق الْحُكْمِ عَلَى الذَّاتِ بِأَحَدِ الْأَوْصَافِ، نَحْوُ: "فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ" ١. وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ: تَقْيِيدُ لَفْظٍ مُشْتَرَكِ الْمَعْنَى بِلَفْظٍ آخَرَ، يَخْتَصُّ بِبَعْضِ مَعَانِيهِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلَا غَايَةٍ، وَلَا يُرِيدُونَ بِهِ النَّعْتَ فَقَطْ، وَهَكَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْبَيَانِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالصِّفَةِ عِنْدَهُمْ: هِيَ الْمَعْنَوِيَّةُ، لَا النَّعْتُ، وَإِنَّمَا يَخُصُّ الصِّفَةَ بِالنَّعْتِ أَهْلُ النَّحْوِ فَقَطْ. وَبِمَفْهُومِ الصِّفَةِ أَخَذَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْحَقُّ، لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ لَهُ وَصْفَانِ، فَوُصِفَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا فِيهِ تِلْكَ الصِّفَةُ دُونَ الْآخَرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِهِ، وَلَا يُعْمَلُ عَلَيْهِ، وَوَافَقَهُمْ مِنْ أئمة اللغة الأخفش٢، وابن فَارِسٍ، وَابْنُ جِنِّيٍّ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ جَوَابَ "سُؤَالٍ"* فَلَا يُعْمَلَ بِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقَعَ ابْتِدَاءً فَيُعْمَلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ من موجب.

стр. 553

وَفِي جَعْلِ هَذَا التَّفْصِيلِ مَذْهَبًا مُسْتَقِلًّا نَظَرٌ، فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْأَخْذِ بِالْمَفْهُومِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ أَنْ لَا يَقَعَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: إِنَّهُ حُجَّةٌ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: أَنْ يَرِدَ مَوْرِدَ الْبَيَانِ، كَقَوْلِهِ: "فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ"، أَوْ مَوْرِدَ التَّعْلِيمِ، كَقَوْلِهِ ﷺ في خبر التخالف وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ١، أَوْ يَكُونَ مَا عَدَا الصِّفَةِ دَاخِلًا تَحْتَ الصِّفَةِ، كَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ على أنه لا يحكم بالشاهد الواحد؛ لأنه داخل تَحْتَ الشَّاهِدَيْنِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ بِمَفْهُومِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ نَقْلُ الرَّازِيِّ عَنْهُ لِلْمَنْعِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْهُ الْجَوَازَ. وَقَدْ طَوَّلَ أَهْلُ الْأُصُولِ الْكَلَامَ عَلَى اسْتِدْلَالِ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ لِمَا قَالُوا بِهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَبْحَثَ لُغَوِيٌّ، وَاسْتِعْمَالُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ لِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، وَعَمَلَهُمْ بِهِ مَعْلُومٌ لِكُلِّ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ. النَّوْعُ الثَّانِي: مَفْهُومُ الْعِلَّةِ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ، نَحْوُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا، وَالْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا النَّوْعِ وَالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، أَنَّ الصِّفَةَ قَدْ تَكُونُ عِلَّةً كَالْإِسْكَارِ، وَقَدْ لَا تَكُونُ عِلَّةً، بَلْ مُتَمِّمَةً كَالسَّوْمِ، فَإِنَّ الْغَنَمَ هِيَ الْعِلَّةُ، وَالسَّوْمُ مُتَمِّمٌ لَهَا. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ: وَالْخِلَافُ فِيهِ وَفِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ وَاحِدٌ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَفْهُومُ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَشْرُوطُ، وَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْمَشْرُوطِ، وَلَا مُؤَثِّرًا فِيهِ. وَفِي اصْطِلَاحِ النُّحَاةِ: مَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْحَرْفَيْنِ: إِنْ أَوْ إِذَا أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى سَبَبِيَّةِ الْأَوَّلِ، وَمُسَبِّبِيَّةِ الثَّانِي، وَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، لا الشرعي، ولا

стр. 554

الْعَقْلِيُّ، وَقَدْ قَالَ بِهِ الْقَائِلُونَ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ بَعْضُ مَنْ خَالَفَ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ، وَلِهَذَا نَقَلَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ السهيلي في "أدب الْجَدَلِ" عَنْ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ. وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ مُعْظَمِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَنَقَلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ صَاحِبُ "الْمَحْصُولِ" إِلَى الْمَنْعِ مِنَ الْأَخْذِ بِهِ. وَرَجَّحَ الْمَنْعَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ التِّلْمِسَانِيِّ١ عَنْ مَالِكٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ، وَالْآمِدِيُّ. وَقَدْ بَالَغَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمَانِعِينَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وَكُلُّ مَا جَاءُوا بِهِ لَا تَقُومُ به الحجة، والأخذ به معلم مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ وَالشَّرْعِ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: إِنْ أَكْرَمْتَنِي أَكْرَمْتُكَ، وَمَتَى جِئْتَنِي أَعْطَيْتُكَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فيه الخلاف بَيْنِ كُلِّ مَنْ يَفْهَمُ لُغَةَ الْعَرَبِ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ مُكَابَرَةٌ، وَأَحْسَنُ مَا يُقَالُ لِمَنْ أَنْكَرَهُ: عَلَيْكَ بِتَعَلُّمِ لُغَةِ الْعَرَبِ، فَإِنَّ إِنْكَارَكَ لِهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّكَ لَا تَعْرِفُهَا. النَّوْعُ الرَّابِعُ: مَفْهُومُ الْعَدَدِ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ الْعَدَدِ، زَائِدًا كَانَ أَوْ نَاقِصًا. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو حَامِدٍ، وَأَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ٢ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ، وَبِهِ قَالَ صَاحِبُ "الْهِدَايَةِ"٣ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ به المانعون بمفهوم الصفة.

стр. 555

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهُوَ دَلِيلٌ كَالصِّفَةِ سَوَاءٌ. وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَوَّلُونَ، وَالْعَمَلُ بِهِ مَعْلُومٌ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، وَمِنَ الشَّرْعِ، فَإِنَّ مَنْ أَمَرَ بِأَمْرٍ، وَقَيَّدَهُ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، فَزَادَ الْمَأْمُورُ عَلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ، أَوْ نَقَصَ عَنْهُ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْآمِرُ الزِّيَادَةَ أَوِ النَّقْصَ، كَانَ هَذَا الْإِنْكَارُ مَقْبُولًا عِنْدَ كُلِّ مَنْ يَعْرِفُ لُغَةَ الْعَرَبِ، فَإِنِ ادَّعَى الْمَأْمُورُ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، مَعَ كَوْنِهِ نَقَصَ عَنْهُ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ، كَانَتْ دَعْوَاهُ هَذِهِ مَرْدُودَةً عِنْدَ كُلِّ مَنْ يَعْرِفُ لُغَةَ الْعَرَبِ. النَّوْعُ الْخَامِسُ: مَفْهُومُ الْغَايَةِ وهو مد الحكم بـ إلى أَوْ حَتَّى: وَغَايَةُ الشَّيْءِ آخِرُهُ، وَإِلَى الْعَمَلِ بِهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَالْغَزَالِيِّ، وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُعْظَمُ نُفَاةِ الْمَفْهُومِ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ حَاكِيًا لِذَلِكَ. وَحَكَى ابْنُ بَرْهَانَ وَصَاحِبُ "الْمُعْتَمَدِ" الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ. قَالَ سَلِيمٌ الرَّازِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي "التَّقْرِيبِ": صَارَ مُعْظَمُ نُفَاةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ إِلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِحَرْفِ الْغَايَةِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ عَمَّا وَرَاءَ الْغَايَةِ. قَالَ: وَلِهَذَا أَجْمَعُوا عَلَى تَسْمِيَتِهَا "حُرُوفَ الْغَايَةِ؛ وَغَايَةُ الشَّيْءِ: نِهَايَتُهُ، فَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بَعْدَهَا لَمْ تَعُدْ تَسْمِيَتُهَا"* غَايَةً، وَهَذَا مِنْ تَوْقِيفِ اللُّغَةِ مَعْلُومٌ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْغَايَةِ مَوْضُوعٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا. انْتَهَى. وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا طَائِفَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْآمِدِيُّ، وَلَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ قَطُّ، بَلْ صَمَّمُوا عَلَى مَنْعِهِ طَرْدًا لِبَابِ الْمَنْعِ، مِنَ الْعَمَلِ بِالْمَفَاهِيمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ. النَّوْعُ السَّادِسُ: مَفْهُومُ اللَّقَبِ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ، نَحْوَ: قَامَ زَيْدٌ، أَوِ اسْمِ النَّوْعِ، نَحْوَ: فِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ. كَذَا قِيلَ. وَقَالَ سَلِيمٌ الرَّازِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ": صَارَ إِلَيْهِ الدَّقَّاقُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا -يَعْنِي الشَّافِعِيَّةَ- وَكَذَا حَكَاهُ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ فُورَكَ. ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ الْأَصَحُّ. قَالَ إِلْكِيَا الطبري في "التلويح":

стр. 556

إِنَّ ابْنَ فُورَكَ كَانَ يَمِيلُ إِلَيْهِ، وَحَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ فِي "نَتَائِجِ الْفِكْرِ"١ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصيرفي، ونقله عبد العزير فِي "التَّحْقِيقِ"٢ عَنْ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَبِي حَامِدٍ إِنْكَارُ الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ مُطْلَقًا. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ فِي "الْبُرْهَانِ": وَصَارَ إِلَيْهِ الدَّقَّاقُ، وَصَارَ إِلَيْهِ طَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَنَقَلَهُ أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ فِي "التَّمْهِيدِ"٣ عَنْ مَنْصُوصِ أَحْمَدَ، قَالَ: وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَدَاوُدُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ. انْتَهَى. وَنَقَلَ الْقَوْلَ به عن ابن خويزمنداد وَالْبَاجِيِّ، وَابْنِ الْقَصَّارِ. وَحَكَى ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْوَجِيزِ" التَّفْصِيلَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ فِي أَسْمَاءِ الْأَنْوَاعِ لَا فِي أَسْمَاءِ الْأَشْخَاصِ. وَحَكَى ابْنُ حَمْدَانَ٤، وَأَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلًا آخَرَ، وَهُوَ: الْعَمَلُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ دُونَ غَيْرِهِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْقَائِلَ بِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ لُغَوِيَّةٍ، وَلَا شَرْعِيَّةٍ، وَلَا عَقْلِيَّةٍ، وَمَعْلُومٌ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ مَنْ قَالَ: رَأَيْتُ زَيْدًا، لَمْ يقتضِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ غَيْرَهُ قَطْعًا، وَأَمَّا إِذَا دَلَّتِ الْقَرِينَةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، فَذَلِكَ لَيْسَ إِلَّا لِلْقَرِينَةِ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ. النَّوْعُ السَّابِعُ: مَفْهُومُ الْحَصْرِ وهو أنواع، أقواها: ما وإلا، نَحْوُ، مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ؛ وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ: هَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْطُوقِ، أَوِ الْمَفْهُومِ؟. وَبِكَوْنِهِ مَنْطُوقًا جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي "الْمُلَخَّصِ"، وَرَجَّحَهُ الْقَرَافِيُّ فِي "القواعد"٥.

стр. 557

وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَفْهُومِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَالْعَمَلُ بِهِ مَعْلُومٌ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَأْتِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ بِحُجَّةٍ مَقْبُولَةٍ. ثُمَّ الْحَصْرُ بِـ إِنَّمَا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ فِي الْقُوَّةِ. قَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ: وَهُوَ أَقْوَى مِنْ مَفْهُومِ الْغَايَةِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي "الْأُمِّ"١، وَصَرَّحَ هُوَ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا فِي قُوَّةِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، بـ: ما، وإلا. وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ "إِلَى"* أَنَّ حُكْمَ مَا عَدَا الْإِثْبَاتِ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ، "لِمَا"** تَضَمَّنَهُ مِنَ الِاحْتِمَالِ، وَقَدْ وَقَعَ الخلاف على هل مَنْطُوقٌ أَوْ مَفْهُومٌ؟ وَالْحَقُّ: أَنَّهُ مَفْهُومٌ، وَأَنَّهُ مَعْمُولٌ بِهِ كَمَا يَقْتَضِيهِ لِسَانُ الْعَرَبِ. ثُمَّ حَصْرُ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ، أَوِ الْإِضَافَةِ، نَحْوُ: الْعَالِمُ زَيْدٌ، وَصَدِيقِي عَمْرٌو، فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْحَصْرَ؛ إِذِ الْمُرَادُ بِالْعَالَمِ وَبِصَدِيقِي هُوَ الْجِنْسُ، فَيَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ؛ إِذْ لَمْ "تَكُنْ"*** هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْعَهْدِ، فَهُوَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ عَنْ غَيْرِ زَيْدٍ، وَنَفْيِ الصَّدَاقَةِ عَنْ غَيْرِ عمرو، وذلك أن الترتيب الطبيعي أَنْ يُقَدَّمَ الْمَوْصُوفَ عَلَى الْوَصْفِ، فَإِذَا قُدِّمَ الوصف على الموصوف معرفا باللام أو الإضافة، أَفَادَ الْعُدُولُ مَعَ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ أَنَّ نَفْيَ ذَلِكَ الْوَصْفِ عَنْ غَيْرِ الْمَوْصُوفِ مَقْصُودٌ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالْمَنْطُوقِ. وَالْحَقُّ: أَنَّ دَلَالَتَهُ مَفْهُومِيَّةٌ لَا مَنْطُوقِيَّةٌ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، وَمِنْهُمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ. وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالْآمِدِيُّ، وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَالْكَلَامُ فِي تَحْقِيقِ أَنْوَاعِ الْحَصْرِ مُحَرَّرٌ فِي عِلْمِ البيان، وله صور غير ما ذكرناه ههنا، وَقَدْ تَتَبَّعْتُهَا مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِمْ، وَمِنْ مِثْلِ "كَشَّافِ الزمخشري"٢ وما هو على

стр. 558

نَمَطِهِ، فَوَجَدْتُهَا تَزِيدُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا، وَجَمَعْتُ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ بَحْثًا. النَّوْعُ الثَّامِنُ: مَفْهُومُ الْحَالِ أَيْ: تَقْيِيدُ الْخِطَابِ بِالْحَالِ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَفَاهِيمِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الصِّفَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ لَا النَّعْتُ، وَإِنَّمَا أَفْرَدْنَاهُ بِالذِّكْرِ تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُتَأَخِّرُونَ لِرُجُوعِهِ إِلَى الصِّفَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ سَلِيمٌ الرَّازِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ"، وَابْنُ فُورَكَ. النَّوْعُ التَّاسِعُ: مَفْهُومُ الزَّمَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ١، وقوله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ ٢. وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، كَمَا نَقَلَهُ "الْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ"*، وَهُوَ فِي التَّحْقِيقِ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ، بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ الْمُقَدَّرِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ. النَّوْعُ الْعَاشِرُ: مَفْهُومُ الْمَكَانِ نَحْوُ: جَلَسْتُ أَمَامَ زَيْدٍ. وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، كَمَا نَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ، وَفَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ، وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ قَالَ: بِعْ فِي مَكَانِ كَذَا، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ. وَهُوَ أَيْضًا رَاجِعٌ إِلَى مَفْهُومِ الصِّفَةِ، لِمَا عَرَفْتَ فِي النَّوْعِ الذي قبله.

стр. 559

الباب التاسع: فِي النَّسْخِ وَفِيهِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي حَدِّهِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْإِبْطَالُ وَالْإِزَالَةُ، وَمِنْهُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، وَالرِّيحُ آثَارَ الْقَدَمِ، وَمِنْهُ: تَنَاسُخُ الْقُرُونِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْعَسْكَرِيُّ. وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ، وَمِنْهُ نَسَخْتُ الكتاب، أي: نقلته، ومنه قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١، وَمِنْهُ تَنَاسُخُ الْمَوَارِيثِ٢. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَيَيْنِ أَمْ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ؟ فَحَكَى الصَّفِّيُّ الْهِنْدِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِزَالَةِ، مَجَازٌ فِي النَّقْلِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: إِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّقْلِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَالْغَزَالِيُّ: إِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمَا لَفْظًا، لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِمَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي "شَرْحِ الْبُرْهَانِ"٣: إِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكًا مَعْنَوِيًّا؛ لِأَنَّ بَيْنَ نَسْخِ الشَّمْسِ الظِّلَّ، وَنَسْخِ الْكِتَابِ مِقْدَارًا مُشْتَرِكًا، وَهُوَ الرَّفْعُ، وَهُوَ فِي الظِّلِّ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّهُ زَالَ بِضِدِّهِ، وَفِي نَسْخِ الْكِتَابِ مُتَعَذِّرٌ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْكَلَامَ الْمَنْسُوخَ بِالْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَفَادًا إِلَّا مِنَ الْأَصْلِ، فَكَانَ لِلْأَصْلِ بِالْإِفَادَةِ خُصُوصِيَّةٌ، فَإِذَا "نَسَخْتَ"* الْأَصْلَ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ الخصوصية، وارتفاع

стр. 560

الْأَصْلِ وَالْخُصُوصِيَّةُ سَوَاءٌ فِي مُسَمَّى الرَّفْعِ. وَقِيلَ: الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هُوَ التَّغْيِيرُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ. قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": فَإِنْ قِيلَ: وَصْفُهُمُ الرِّيحَ بِأَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِلْآثَارِ "وَالشَّمْسَ بِأَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِلظِّلِّ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الْمُزِيلَ لِلْآثَارِ وَالظِّلِّ"* هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَجَازًا امْتَنَعَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِي مَدْلُولِهِ، ثُمَّ نُعَارِضُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَنَقُولُ: النَّسْخُ هُوَ: النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ، وَمِنْهُ نَسَخَ الْكِتَابَ إِلَى كِتَابٍ آخَرَ، كَأَنَّكَ تَنْقُلُهُ إِلَيْهِ، أَوْ تَنْقُلُ حِكَايَتَهُ، وَمِنْهُ تَنَاسُخُ الْأَرْوَاحِ١، وَتَنَاسُخُ الْقُرُونِ، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَتَنَاسُخُ الْمَوَارِيثِ، إِنَّمَا هُوَ التَّحَوُّلُ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى آخَرَ، بَدَلًا عَنِ الْأَوَّلِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِي النَّقْلِ، وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْإِزَالَةِ، دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَعَلَيْكُمُ التَّرْجِيحُ. الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ النَّاسِخُ لِذَلِكَ، مِنْ حَيْثُ فِعْلِ الشَّمْسِ وَالرِّيحِ الْمُؤَثِّرَيْنِ "فِي تِلْكَ الْإِزَالَةِ، وَيَكُونَانِ أَيْضًا نَاسِخَيْنِ، لِكَوْنِهِمَا مُخْتَصَّيْنِ بِذَلِكَ التَّأْثِيرِ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ إِنَّمَا أَخْطَئُوا فِي إِضَافَةِ النَّسْخِ إِلَى الشَّمْسِ وَالرِّيحِ"**. فَهَبْ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّ مُتَمَسَّكَنَا إِطْلَاقُهُمْ لَفْظَ النَّسْخِ عَلَى الْإِزَالَةِ، لَا إِسْنَادُهُمْ هَذَا الْفِعْلَ إِلَى الرِّيحِ وَالشَّمْسِ. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ النَّقْلَ أَخَصُّ مِنَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ النَّقْلُ فَقَدْ عُدِمَتْ صِفَةٌ حَصَلَتْ عَقِيبَهَا صِفَةٌ أُخْرَى، فَإِذَا مُطْلَقُ الْعَدَمِ أَعَمُّ مِنْ عَدَمِ تَحَصُّلِ شيء آخر عقبية، وأنه دار اللَّفْظُ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، كَانَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي الْعَامِّ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ حَقِيقَةً فِي الْخَاصِّ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ اللُّغَاتِ. انْتَهَى. وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ: فَقَالَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالصَّيْرَفِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ، وَالْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ٢ وغيرهم: هو الخطاب الدال على ارتفاع

стр. 561

الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ. وَإِنَّمَا آثَرُوا الْخِطَابَ عَلَى النَّصِّ، لِيَكُونَ شَامِلًا لِلَّفْظِ، وَالْفَحْوَى، وَالْمَفْهُومِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ جَمِيعِ ذَلِكَ. وَقَالُوا: الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ، لِيَتَنَاوَلَ الْأَمْرَ، وَالنَّهْيَ، وَالْخَبَرَ، وَجَمِيعَ أَنْوَاعِ الْحُكْمِ. وَقَالُوا بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ، لِيَخْرُجَ إِيجَابُ الْعِبَادَاتِ ابْتِدَاءً، فَإِنَّهُ يُزِيلُ حُكْمَ الْعَقْلِ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَلَا يُسَمَّى نَسْخًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ حُكْمُ خِطَابٍ. وَقَالُوا: عَلَى وَجْهٍ لولاه لكان ثابتا؛ لأنه حَقِيقَةَ النَّسْخِ الرَّفْعُ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ رَافِعًا لَوْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ بِحَيْثُ لَوْلَا طَرَيَانُهُ لَبَقِيَ. وَقَالُوا: مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اتَّصَلَ لَكَانَ بَيَانًا لِمُدَّةِ الْعِبَادَةِ لَا نَسْخًا. وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الْحَدِّ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّسْخَ هُوَ نَفْسُ الِارْتِفَاعِ، وَالْخِطَابُ إِنَّمَا هُوَ دَالٌّ عَلَى الِارْتِفَاعِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الرَّافِعِ وَبَيْنَ نَفْسِ الِارْتِفَاعِ. الثَّانِي: أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْخِطَابِ خَطَأٌ؛ لأن الناسخ قَدْ يَكُونُ فِعْلًا، كَمَا يَكُونُ قَوْلًا. الثَّالِثُ: أَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا اخْتَلَفَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ، ثُمَّ أَجْمَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَهَذَا الْإِجْمَاعُ خِطَابٌ، مَعَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ بِهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ قَدْ يَثْبُتُ بِفِعْلِ النبي ﷺ وَلَيْسَ "بِخِطَابٍ"* قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: النَّاسِخُ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ لَا يُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ، مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا. وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ: مِثْلُ الْحُكْمِ الَّذِي إِلَخْ، يَشْمَلُ مَا كَانَ مُمَاثِلًا لَهُ فِي وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَلَا يَتِمُّ النَّسْخُ لِحُكْمٍ إِلَّا بِرَفْعِ جَمِيعِ الْمُمَاثَلَاتِ لَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَصِحُّ عِنْدَهُ إِطْلَاقُ الْمُمَاثِلَةِ عَلَيْهِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْمُخْتَارُ فِي حَدِّهِ اصْطِلَاحًا أَنَّهُ رَفَعَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ بِخِطَابٍ. وَفِيهِ: أَنَّ النَّاسِخَ قَدْ يَكُونُ فعلا لا خطابا. وفيه أَيْضًا: أَنَّهُ أَهْمَلَ تَقْيِيدَهُ بِالتَّرَاخِي، وَلَا يَكُونُ نسخ إلا به.

стр. 562

وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "مُخْتَصَرِ الْمُنْتَهَى": إِنَّهُ فِي الِاصْطِلَاحِ: رَفَعَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ: بِأَنَّ الْحُكْمَ رَاجِعٌ إِلَى كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ قَدِيمٌ، وَالْقَدِيمُ لَا يُرْفَعُ وَلَا يَزُولُ. وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمَرْفُوعَ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالْمُكَلَّفِ لَا ذَاتُهُ، وَلَا تَعَلُّقُهُ الذَّاتِيُّ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ: الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى انْتِهَاءِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، مَعَ التَّأْخِيرِ عَنْ مَوَارِدِهِ، وَيَرُدُّ عَلَى قَيْدِ الْخِطَابِ مَا تَقَدَّمَ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: هُوَ رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بمثله مع تراخيه عنه.

стр. 563

المسألة الثانية: النسخ جائز عقلا واقع شرعا مدخل ... المسألة الثانية: النسخ جائز عقلا واقع شرعا النَّسْخُ جَائِزٌ عَقْلًا وَاقِعٌ سَمْعًا، بِلَا خِلَافٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا مَا يَرْوِي عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ١، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ جَائِزٌ، غَيْرُ وَاقِعٍ. وَإِذَا صَحَّ هَذَا عَنْهُ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَاهِلٌ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ جَهْلًا فَظِيعًا، وَأَعْجَبُ مِنْ جَهْلِهِ بِهَا حِكَايَةُ مَنْ حُكِيَ عَنْهُ الْخِلَافُ فِي كُتُبِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَعْتَدُّ بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ، لَا بِخِلَافِ مَنْ بَلَغَ فِي الْجَهْلِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ. وَأَمَّا الْجَوَازُ: فَلَمْ يُحْكَ الْخِلَافُ فِيهِ إِلَّا عَنِ الْيَهُودِ، وَلَيْسَ بِنَا إِلَى نَصْبِ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حَاجَةٌ، وَلَا هَذِهِ بِأَوَّلِ مَسْأَلَةٍ خَالَفُوا فِيهَا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، حَتَّى يَذْكُرَ خلافهم في هذه المسألة، ولكن هذه مِنْ غَرَائِبِ أَهْلِ الْأُصُولِ. عَلَى أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا فِي التَّوْرَاةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ رَفَعَ عَنْهُمْ أَحْكَامًا لَمَّا تَضَرَّعُوا إِلَيْهِ، وَسَأَلُوا مِنْهُ رَفْعَهَا، وَلَيْسَ النَّسْخُ إِلَّا هَذَا، وَلِهَذَا لَمْ يَحْكِهِ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالشَّرِيعَةِ الْمُوسَوِيَّةِ إِلَّا عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَهُمُ الشَّمْعُونِيَّةُ٢، وَلَمْ يَذْكُرُوا لَهُمْ دَلِيلًا، إِلَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ النَّسْخَ بَدَاءٌ، وَالْبَدَاءُ٣ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَدْفُوعٌ بأن النسخ لا يستلزم البداء لا

стр. 564

عَقْلًا، وَلَا شَرْعًا، وَقَدْ جَوَّزَتِ الرَّافِضَةُ الْبَدَاءَ عَلَيْهِ؛ ، لِجَوَازِ النَّسَخِ، وَهَذِهِ مَقَالَةٌ تُوجِبُ الْكُفْرَ بِمَجْرَدِهَا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ النَّسْخَ جَائِزٌ عَقْلًا وَاقِعٌ شَرْعًا، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِهِ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ. وَقَدْ حَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ "الْأُصُولِ"* اتِّفَاقُ أَهْلِ الشَّرَائِعِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَقَامِ مَا يَقْتَضِي تَطْوِيلَ "الْمَقَالِ"**. وَقَدْ أَوَّلَ جَمَاعَةٌ خِلَافَ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ الْمَذْكُورِ سَابِقًا بِمَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ إِنْكَارُ النَّسْخِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ لَا يَرْتَفِعُ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْتَهِي بِنَصٍّ دَلَّ عَلَى انْتِهَائِهِ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا. وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَسَلِيمٌ الرَّازِيُّ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ الْجَوَازَ، وَأَنَّ خِلَافَهُ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً، لَا كَمَا نَقَلَ عَنْهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ: أَنَّهُ أَنْكَرَ الْوُقُوعَ. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَذَلِكَ جَهَالَةٌ مِنْهُ عَظِيمَةٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِأَحْكَامِ الْعَقْلِ، فَإِنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ نَاسِخَةٌ لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، فَهَذَا بِمُجَرَّدِهِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ عَنْ قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَهُوَ جَاهِلٌ بِمَا هُوَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِكَوْنِهَا نَاسِخَةً لِلشَّرَائِعِ، فَهُوَ خِلَافٌ كُفْرِيٌّ١ لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَائِلِهِ. نَعَمْ إِذَا قَالَ: إِنَّ الشَّرَائِعَ الْمُتَقَدِّمَةَ مُغَيَّاةٌ بِغَايَةٍ هِيَ الْبَعْثَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ فَذَلِكَ أَخَفُّ مِنْ إِنْكَارِ كَوْنِهِ نسخًا غير مقيد بهذا القيد.

стр. 565

الْحِكْمَةُ مِنَ النَّسْخِ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي النَّسْخِ؟ قُلْتُ: قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي "الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ"١: إِنَّ الشَّرَائِعَ قِسْمَانِ: مِنْهَا مَا يعرف نفعها بالعقل في المعاش والمعاد.
следующие страницы →