أن نكفن فيها البياض وقد ذكر محمد بن طاهر في كتابه فقال باب السنة في لبسهم المصبغات واحتج بأن النبي صلوات الله عليه وسلامه لبس حلة حمراء وإنه دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء.
قال: المصنف قلت ولا ينكر أن رسول الله ﷺ لبس هذا ولا أن لبسه غير جائز وقد روى إنه كان يعجبه الحبرة وإنما المسنون الذي يأمر به ويداوم عليه وقد كانوا يلبسون الأسود والأحمر فأما الفوط والمرقع فإنه لبس شهرة.
فصل: وأما النهي عن لباس الشهرة وكراهته فأخبر أبو منصور بن خيرون أنبأنا أبو بكر الخطيب نا ابن زرقويه ثنا جعفر بن محمد الخلدي ثنا محمد بن عبد الله أبو جعفر الحضرمي ثنا روح بن عبد المؤمن ثنا وكيع بن محرز الشامي ثنا عثمان بن جهم عن زر بن حبيش عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه حتى يضعه أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار نا أبو الفرج الحسين بن علي الطناجيري وأنبأنا هبة الله بن محمد أنبأنا الحسين بن علي التميمي قالا أخبرنا أبو حفص بن شاهين ثنا خثيمة بن سليمان بن حيدرة ثنا محمد بن الهيثم ثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني ثنا مجلد بن يزيد عن أبي نعيم عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وزيد بن ثابت ﵄ عن النبي ﷺ أنه نهى عن الشهرتين فقيل يا رسول الله وما الشهرتان؟ قال: "رقة الثياب وغلظها ولينها وخشونتها وطولها وقصرها ولكن سداد بين ذلك واقتصاد" أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني نا أبو بكر بن عبدان محمد بن سهل ثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال قال موسى بن حماد بن سلمة عن ليث عن مهاجر عن ابن عمر قال من لبس ثوبا مشهورا أذله الله يوم القيامة قال المصنف وقد روى لنا مرفوعا قال أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثنى أبي ثنا حجاج ثنا شريك عن عثمان بن أبي راشد عن مهاجر الشامي عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : "من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب المذلة يوم القيامة"
أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار وعبد القادر بن محمد بن يوسف قالا أخبرنا أبو إسحاق البرمكي نا أبو بكر بن نجيب ثنا أبو جعفر بن ذريح ثنا هناد ثنا أبو معاوية عن ليث عن مهاجر بن أبي الحسن عن ابن عمر ﵁ قال من لبس شهرة من الثياب ألبسه الله ثوب ذلة وعن ليث
стр. 212
عن شهر بن أبي الدرداء ﵁ قال من ركب مشهورا من الدواب أعرض الله عنه ما دام عليه وإن كان كريما.
قال المصنف وقد روينا أن ابن عمر ﵄ رأى على ولده ثوبا قبيحا دونا فقال لا تلبس هذا فإن هذا ثوب شهرة أخبرنا إسماعيل بن أحمد نا إسماعيل بن مسعدة نا حمزة بن يوسف نا أبو أحمد بن عدي ثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الدوري ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال حدثنا محمد بن مزاحم ثنا بكير بن معروف عن مقاتل بن بريدة عن أبيه بريدة قال شهدت مع رسول الله ﷺ فتح خيبر وكنت فيمن صعد الثلمة فقاتلت حتى رأى مكاني وأتيت وعلي ثوب أحمر فما علمت أني ركبت في الإسلام ذنبا أعظم منه للشهرة وقال سفيان الثوري كانوا يكرهون الشهرتين الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستبذل وقال معمر عاتبت أيوب على طول قميصه فقال إن الشهرة فيما مضى كانت في طوله وهي اليوم في تشميره.
فصل: قال المصنف: ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي ﷺ لبس الصوف وبما روى في فضيلة لبس الصوف فأما لبس رسول الله ﷺ الصوف فقد كان يلبسه في بعض الأوقات لم يكن لبسه شهرة عند العرب وأما ما يروى في فضل
لبسه فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء ولا يخلو لابس الصوف من أحد أمرين إما أن يكون متعودا لبس الصوف وما يجانسه من غليظ الثياب فلا يكره ذلك له لأنه لا يشهر به وأما أن يكون مترفا لم يتعوده فلا ينبغي له لبسه من وجهين أحدهما أنه يحمل بذلك على نفسه ما لا تطيق ولا يجوز له ذلك والثاني أنه يجمع بلبسه بين الشهرة وإظهار الزهد وقد أخبرنا حمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة ثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسن بن إسماعيل الأبهري ثنا روز به ثنا محمد بن إسماعيل بن محمد الطائي ثنا بكر بن سهل الدمياطي ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ثنا داود ثنا عباد بن العوام عن عباد بن كثير عن أنس قال قال رسول الله ﷺ : "من لبس الصوف ليعرفه الناس كان حقا على الله أن يكسوه ثوبا من جرب حتى تتساقط عروقه" أنبأنا زاهر بن طاهر قال أنبأنا أبو عثمان الصابوني وأبو بكر البيهقي قالا أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى ثنا العباس بن منصور ثنا سهل بن عمار ثنا نوح بن عبد الرحمن الصيرفي ثنا محمد بن عبيد الهمداني ثنى عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن
стр. 213
عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "إن الأرض لتعج إلى ربها من الذين يلبسون الصوف رياء".
أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي ثنا أحمد أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الصمد ثنا خالد بن شوذب قال شهدت الحسن وأتاه فرقد فأخف الحسن بكسائه فمده إليه وقال يا فريقديا ابن أم فريقد إن البر ليس في هذا الكساء وإنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل أنبأنا محمد بن عبد الباقي نا أبو محمد الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف ثنا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد قال حدثنا عمرو بن عاصم ثنا يزيد بن عوانه ثنى أبو شداد المجاشعي قال سمعت الحسن وذكر عنده الذين يلبسون الصوف فقال ما لهم تعاقدوا ثلاثا أكنوا الكبر في قلوبهم وأظهروا التواضع في لباسهم والله لأحدهم أشد عجبا بكسائه من صاحب المطرف بمطرفة أنبأنا ابن الحسين أنبأنا أبو علي التميمي نا أبو حفص بن شاهين ثنا محمد بن سعيد بن يحيى البزوري ثنا عبد الله بن أيوب المخرمي قال حدثنا عبد المجيد يعني ابن أبي رواد عن ابن طهمان يعني إبراهيم عن أبي مالك الكوفي عن الحسن أنه جاءه رجل ممن يلبس الصوف وعليه جبة صوف وعمامة صوف ورداء صوف فجلس فوضع بصره في الأرض فجعل لا يرفع رأسه وكأن الحسن خال فيه العجب فقال الحسن ها إن قوما جعلوا كبرهم في صدورهم شنعوا والله دينهم بهذا الصوف ثم قال إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من زي المنافقين قالوا يا أبا سعيد وما زي المنافقين قال خشوع اللباس بغير خشوع القلب قال ابن عقيل هذا كلام رجل قد عرف الناس ولم يعره اللباس ولقد رأيت الواحد من هؤلاء يلبس الجبة الصوف فإذا قال له القائل يا أبا فلان ظهر منه ومن أوباشه الإنكار فعلم أن الصوف قد عمل عند هؤلاء ما لا يعمله الديباح عند الأوباش أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا إسماعيل بن أبي الحارث ثنا هارون بن معروف عن ضمرة قال سمعت رجلا يقول قدم حماد بن أبي سليمان البصرة فجاءه فرقد السنجي وعليه ثوب صوف فقال له حماد ضع عنك نصرانيتك هذه فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم يعني النخعي فيخرج علينا وعليه معصفرة أخبرنا محمد بن القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد الله بن محمد ثنا إبراهيم بن شريك الأسدي ثنا شهاب بن عباد ثنا حماد عن خالد الحذاء أن أبا قلابة قال إياكم وأصحاب الأكسية أخبرنا محمد ابن ناصر وعمر بن طفر قالا نا محمد بن الحسن الباقلاوي نا
стр. 214
القاضي أبو العلاء الواسطي ثنا أبو نصر أحمد بن محمد السازكي نا أبو الخير أحمد بن حمد البزار ثنا محمد بن إسماعيل البخاري ثنا علي بن حجر ثنا صالح بن عمر الواسطي عن أبي خالد قال جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف فقال له أبو العالية إنما هذه ثياب الرهابن إن كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن نا أحمد بن عبد الله الأصبهاني ثنا أبو محمد بن حبان ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا العيص بن إسحاق قال سمعت الفضيل يقول تزينت لهم بالصوف فلم ترهم يرفعوك بك رأسا تزينت لهم بالقرآن فلم ترهم يرفعون بك رأسا تزينت لهم بشيء يعد شيء كل ذلك إنما هو لحب الدنيا أنبأ نا ابن الحصين قال نا أبو علي بن المذهب قال أخبرنا أبو حفص بن شاهين قال ثنا إسماعيل بن علي قال ثنا الحسن بن علي بن شبيب قال ثنا أحمد بن أبي الحواري قال قال أبو سليمان يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم ونصف وشهوته في قلبه بخمسة دراهم أما يستحي أن يجاوز شهوته لباسه ولو ستر زهده بثوبين أبيضين من أبصار الناس كان أسلم له قال أحمد بن أبي الحواري قال لي سليمان بن أبي سليمان وكان يعدل بأبيه أي شيء أرادوا بلباس الصوف قلت التواضع قال لا يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري نا عبد الله بن أحمد السمرقندي ثنا أبو بكر الخطيب نا الحسن بن الحسين العالي (١) نا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح ثنا روح بن عبد المجيب ثنا أحمد بن عمر بن يونس قال أبصر الثوري رجلا صوفيا فقال له الثوري هذابدعة أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد المنعم بن عمر ثنا أحمد بن محمد بن زياد قال سمعت أبا داود يقول قال سفيان الثوري لرجل عليه صوف لباسك هذا بدعة أنبأنا زاهر بن طاهر أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي نا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قال أخبرني محمد بن عمر ثنا محمد بن المنذر قال سمعت أحمد بن شداد يقول سمعت الحسن بن الربيع يقول سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا أكره هذا أكره هذا أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه نا عبد الواحد بن بكر ثنا علي بن أبي عثمان بن زهير ثنا عثمان بن أحمد ثنا الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارس يقول دخل علي الموصلي على المعافي وعليه جبة صوف فقال له ما هذه الشهرة يا أبا الحسن فقال يا أبا مسعود أخرج أنا وأنت فانظر أينا أشهر فقال له
стр. 215
المعافي ليس شهرة البدن كشهرة اللباس أخبرنا إسماعيل بن أبي بكر المقري نا ظاهر بن أحمد نا علي بن محمد بن بشران عثمان بن أحمد الدقاق ثنا الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارث يقول دخل بديل على أيوب السختياني وقد مد على فراشه سبنية (١) حمراء تدفع التراب فقال بدليل ما هذا فقال أيوب هذا خير من الصوف الذي عليك أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق قال أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه ثنا علان بن أحمد ثنا حبيب بن الحسن ثنا الفضل بن أحمد ثنا محمد بن يسار قال سمعت بشر بن الحارث وسئل عن لبس الصوف فشق عليه وتبين الكراهة في وجهه ثم قال لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار قال أخبرنا أبي نا الحسين بن علي الطناجيري نا أحمد بن منصور البرسري ثنا محمد بن مخلد ثنا أحمد بن منصور ثني يزيد السقا رفيق محمد بن إدريس الأنباري قال رأيت فتى عليه مسوح قال فقلت له من لبس هذا من العلماء من فعل هذا من العلماء قال قد رآني بشر بن الحارث فلم ينكر علي قال يزيد فذهبت إلى بشر فقلت له يا أبا نصر رأيت فلانا عليه جبة مسوح فأنكرت عليه فقال قد رآني أبو نصر فلم ينكر علي قال فقال لي بشر لم تستشرني يا أبا خالد لو قلت له لقال لي لبس فلان ولبس فلان أخبرنا أحمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد بن علي العجلي نا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة نا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن إسماعيل الصوفي ثنا ابن روزبه ثنا عبد الله بن أحمد بن نصر القنطري ثنا إبراهيم بن محمد الإمام ثنا هشام بن خالد قال سمعت أبا سليمان الداراني يقول لرجل لبس الصوف إنك قد أظهرت آلة الزاهدين فماذا أورثك هذا الصوف فسكت الرجل فقال له يكون ظاهرك قطنيا وباطنك صوفيا أخبرنا يحيى بن علي المدبر نا أبو بكر محمد بن علي الخياط نا الحسن بن الحسين بن حمكان سمعت أبا محمد الحسن بن عثمان بن عبد ربه البزار يقول سمعت أبا بكر بن الزيات البغدادي يقول سمعت ابن سيرويه يقول دخل أبو محمد بن أخي معروف الكرخي علي أبي الحسن ابن بشار وعليه جبة صوف فقال له أبو الحسن يا أبا محمد صوفت قلبك أو جسمك صوف قلبك والبس القوهي على القوهي (٢) أخبرنا عبد الوهاب ابن المبارك الحافظ نا جعفر بن أحمد بن السواح نا عبد العزيز بن حسن الضراب قال حدثنا أبي ثنا أحمد بن مروان ثنا أبو
стр. 216
بكر بن أبي الدنيا ثنا أحمد بن سعيد قال سمعت النضر بن شميل يقول قلت لبعض الصوفية تبيع جبتك الصوف فقال إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد.
قال أبو جعفر بن جرير الطبري ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء.
فصل: قال المصنف: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المرتفعة ولا الدون ويتخيرون أجودها للجمعة والعيدين ولقاء الإخوان ولم يكن غير الأجود عندهم قبيحا وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد فقال لرسول الله ﷺ لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك فقال رسول الله ﷺ : "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة" فما أنكر عليه ذكر التجمل بها وإنما أنكر عليه لكونها حريرا.
قال المصنف ﵀: وقد ذكرنا عن أبي العالية أنه قال كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي أنبأ نا الحسن بن علي الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف نا الحسين بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن ابن عون عن محمد قال كان المهاجرون والأنصار يلبسون لباسا مرتفعا وقد اشترى تميم الداري حلة بألف ولكنه كان يصلي بها قال ابن سعد وأخبرنا عفان ثنا حماد بن زيد ثنا أيوب عن محمد ابن سيرين أن تميما الداري اشترى حلة بألف درهم وكان يقوم فيها بالليل إلى صلاته قال وحدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت أن تميما الداري كانت له حلة قد ابتاعها بألف كان يلبسها الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر وأخبرنا الفضل بن دكين ثنا همام عن قتادة أن ابن سيرين أخبره أن تميما الداري اشترى رداء بألف فكان يصلي بأصحابه فيه.
قال المصنف ﵀ قلت: وقد كان ابن مسعود من أجود الناس ثوبا وأطيبهم ريحا وكان الحسن البصري يلبس الثياب الجياد قال كلثوم بن جوشن خرج الحسن وعليه جبة يمنية ورداء يمني فنظر إليه فرقد فقال يا أستاذ لا ينبغي لمثلك أن يكون هكذا فقال الحسن يا ابن أم فرقد أما علمت أن أكثر أصحاب النار أصحاب الأكسية وكان مالك بن أنس يلبس الثياب العدنية الجياد وكان ثوب أحمد بن حنبل يشتري بنحو الدينار وقد كانوا يؤثرون البذاذة إلى حد
стр. 217
وربما لبسوا خلقان الثياب في بيوتهم (١) فإذا خرجوا تجملوا ولبسوا ما لا يشتهرون به من الدون ولا من الأعلى أخبرنا أحمد بن منصور الهمداني نا أبو علي أحمد بن سعد علي العجلي ثنا أبو ثابت هجير بن منصور بن علي الصوفي إجازة نا أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين الصوفي ثنا ابن روزبه ثنا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم الحراني ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ثنا محمد بن خلف ثنا عيسى بن حازم قال كان لباس إبراهيم بن أدهم كتانا قطنا فروة لم أر عليه ثياب صوف ولا ثياب شهرة أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت محمد بن ريان يقول رأى علي ذو النون خفا أحمر فقال انزع هذا يا بني فإنه شهرة ما لبسه رسول الله ﷺ إنما لبس النبي ﷺ خفين أسودين ساذجين أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الكريم بن محمد المحاملي نا علي بن عمر الدارقطني نا أبو الحسن أحمد بن محمد بن سالم نا أبو سعيد عبد الله بن شبيب المدني ثني الزبير
عن أبي عرنة الأنصاري عن فليح بن سليمان عن الربيع بن يونس قال قال أبو جعفر المنصور العري الفادح خير من الزي الفاضح.
فصل قال المصنف: واعلم أن اللباس الذي يزري بصاحبه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر وكأنه لسان شكوى من الله ويوجب احتقار اللابس وكل ذلك مكروه ومنهي عنه أخبرنا محمد بن ناصر نا علي بن الحصين بن أيوب نا أبو علي بن شاذان ثنا أبو بكر بن سليمان النجاد ثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد القرشي ثنا عبد الله بن عمر القواريري ثنا هشام بن عبد الملك ثنا شعبة عن ابن اسحاق عن الأحوص عن أبيه قال أتيت رسول الله ﷺ وأنا قشف الهيئة فقال: "هل لك مال" قلت نعم قال: "من أي المال" قلت من كل المال قد آتاني الله من الإبل والخيل والرقيق والغنم قال: "فإذا آتاك الله مالا فلير عليك" أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا مسكين بن بكير ثني الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد بن المنكدر عن جابر قال أتانا رسول الله ﷺ زائرا في منزلي فرأى رجلا شعثا فقال: "أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه" ورأى رجلا عليه ثياب وسخة فقال: "أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه" أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ومحمد بن ناصر قالا نا أبو
стр. 218
الحسين بن عبد الجبار نا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا نا أبو عمر محمد بن العباس بن حياة ثنا أبو بكر بن الأنباري ثني أبي ثنا أبو عكرمة الضبي ثنا مسعود بن بشر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال مضى علي بن أبي طالب إلى الربيع بن زياد يعوده فقال له يا أمير المؤمنين أشكو إليك عاصما أخي قال ما شأنه قال ترك الملاذ ولبس العباءة فغم أهله وأحزن ولده فقال علي عاصما فلما حضر بش في وجهه وقال أترى الله أحل لك الدنيا وهو يكره أخذك منها أنت والله أهون على الله من ذلك فوالله لابتذالك نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالك بالمقال فقال يا أمير المؤمنين إني أراك تؤثر لبس الخشن وأكل الشعير فتنفس الصعداءثم قال ويحك يا عاصم إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوام لئلا يتبع بالفقير فقره قال أبو بكر الأنباري المعنى لئلا يزيد ويغلو يقال تبيع به الدم إذا زاد وجاوز الحد.
فصل: قال المصنف: فان قال قائل تجويد اللباس هوى للنفس وقد أمرنا بمعاهدتها وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق فالجواب انه ليس كل ما تهواه النفس يذم ولا كل التزين للناس يكره وإنما ينهي عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو كان على وجه الرياء في باب الدين فإن الإنسان يجب أن يرى جميلا وذلك حظ النفس ولا يلام فيه ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشن إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي نا علي بن محمد بن العلاف نا عبد الملك بن محمد بن بشران نا أحمد بن إبراهيم الكندي نا محمد بن جعفر الخرائطي ثنا بنان بن سليمان ثنا عبد الرحمن بن هانيء عن العلاء بن كثير عن مكحول عن عائشة قالت كان نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه على الباب فخرج يريدهم وفي الدار ركوة فيها ماء فجعل ينظر في الماء ويسوي شعره ولحيته فقلت يا رسول الله وأنت تفعل هذا قال: "نعم، إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيء من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال" أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا عبد المحسن بن محمد بن علي ثنا مسعود بن ناصر بن أبي زيد نا أبو إسحاق بن محمد بن أحمد نا أبو القاسم عبد الله بن أحمد الفقيه نا الحسن بن سفيان ثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله العرزمي عن أبيه عن أم كلثوم عن عائشة قالت خرج رسول الله ﷺ فمر بركوة لنا فيها ماء فنظر إلى ظله فيها ثم سوى لحيته ورأسه ثم مضى فلما رجع قلت يا رسول الله تفعل هذا قال: "وأي شيء فعلت؟ نظرت في ظل الماء فهيأت
стр. 219
من لحيتي ورأسي إنه لا بأس أن يفعله الرجل المسلم إذا خرج إلى إخوانه أن يهيئ من نفسه".
قال المصنف ﵀: فإن قيل فما وجه ما رويتم عن سري السقطي أنه قال لو أحسست بإنسان يدخل علي فقلت كذا بلحيتي وأمر يده على لحيته كأنه يريد أن يسويها من أجل دخول الداخل عليه لخشيت أن يعذبني الله على ذلك بالنار فالجواب إن هذا محمول منه على انه كان يقصد بذلك الرياء في باب الدين من إظهار التخشع وغيره فأما إذا قصد تحسين صورته لئلا يرى منه ما لا يستحسن فإن ذلك غير مذموم فمن اعتقده مذموما فما عرف الرياء ولا فهم المذموم أخبرنا سعد الخير بن محمد الأنصاري نا علي بن عبد الله بن محمد النيسابوري نا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي نا محمد بن عيسى بن عمرويه ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن المثنى ثني يحيى بن حماد قال أخبرنا شعبة عن أبان بن تغلب عن فضيل الفقيمي عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" فقال رجل إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال: "إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس" انفرد به مسلم ومعناه الكبر كبر من بطر الحق وغمط بمعنى ازدرى واحتقر.
فصل: وقال المصنف ﵀: وقد كان في الصوفية من يلبس الثياب المرتفعة أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر نا علي بن الحسن بن جحاف قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء كان أبو العباس بن عطاء يلبس المرتفع من البز كالديبقي ويسبح بسبح الؤلؤ ويؤثر ما طال من الثياب.
قال المصنف ﵀: قلت وهذا في الشهرة كالمرقعات وإنما ينبغي أن تكون ثياب أهل الخير وسطا فانظر إلى الشيطان كيف يتلاعب بهؤلاء بين طرفي نقيض.
فصل: قال المصنف ﵀: وقد كان في الصوفية من إذا لبس ثوبا خرق بعضه وربما أفسد الثوب الرفيع القدر أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا الحسن بن غالب المقري قال سمعت عيسى بن علي الوزير يقول كان ابن مجاهد يوما عند أبي فقيل له الشبلي فقال يدخل فقال ابن مجاهد سأسكته الساعة بين يديك وكان من عادة الشبلي إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا فلما جلس قال له ابن مجاهد يا أبا بكر أين في العلم فساد ما ينتفع به فقال له الشبلي اين في العلم ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ
стр. 220
والأعناق﴾ قال فسكت ابن مجاهد فقال له أبي أردت أن تسكته فأسكتك ثم قال له قد أجمع الناس إنك مقرئ الوقت فأين في القرآن إن الحبيب لا يعذب حبيبه قال فسكت ابن مجاهد فقال له أبي قل يا أبا بكر فقال قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ فقال ابن مجاهد كأنني ما سمعتها قط.
قال المصنف ﵀: قلت هذه الحكاية أنا مرتاب بصحتها لأن الحسن بن غالب كان لا يوثق به أخبرنا القزاز نا أبو بكر الخطيب قال ادعى الحسن بن غالب أشياء تبين لنا فيها كذبه واختلاقه فإن كانت صحيحة فقد أبانت عن قلة فهم الشبلي حين احتج بهذه الآية وقلة فهم ابن مجاهد حين سكت عن جوابه وذلك أن قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل فساد والمفسرون قد اختلفوا في معنى الآية فمنهم من قال مسح على أعناقها وسوقها وقال أنت في سبيل الله فهذا إصلاح ومنهم من قال عقرها وذبح الخيل وأكل لحمها جائز فما فعل شيئا فيه جناح فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإنه لا يجوز ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل ولا يكون في شرعنا أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ أنبأنا محمد بن أحمد بن أبي الصقر ثنا علي بن الحسن بن جحاف الدمشقي قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء كان مذهب أبي علي الروزباري تخريق أكمامه وتفتيق قميصه قال فكان يخرق الثوب المثمن فيرتدي بنصفه ويأتزر بنصفه حتى أنه دخل الحمام يوما وعليه ثوب ولم يكن مع أصحابه ما يتأزرون به فقطعه على عددهم فاتزروا به وتقدم إليهم أن يدفعوا الخرق إذا خرجوا للحمامي قال ابن عطاء قال لي أبو سعيد الكازروني كنت معه في هذا اليوم وكان الرداء الذي قطعه يقوم بنحو ثلاثين دينارا.
قال المصنف ﵀: ونظير هذا التفريط ما أنبأنا به زاهر بن طاهر قال أنبأنا أبو بكر البيهقي نا أبو عبد الله الحاكم قال سمعت عبد الله بن يوسف يقول سمعت أبا الحسن البوشنجي يقول كانت لي قبجة (١) طلبت بمائة درهم فحظرني ليلة غريبان فقلت للوالدة عندك شيء لضيفي قالت لا إلا الخبز فذبحت القبجة وقدمتها إليهما.
قال المصنف ﵀: قد كان يمكنه أن يستقرض ثم يبيعها ويعطي فلقد فرط أخبرنا
стр. 221
محمد بن عبد الباقي بن أحمد قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت جدي يقول دخل أبو الحسن الدراج البغدادي الري وكان يحتاج إلى لفاف لرجله فدفع إليه رجل منديلا ديبقيا فشقه نصفين وتلفف به فقيل له لو بعته واشتريت منه لفافا وأنفقت الباقي فقال ﵀ أنا لا أخون المذهب.
قال المصنف: وقد كان أحمد الغزالي ببغداد فخرج إلى المحول فوقف على ناعورة تأن فرمي طيلسانه عليها فدارت فتقطع الطيلسان قال المصنف ﵀ قلت فانظر إلى هذا الجهل والتفريط والبعد من العلم فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال ولو أن رجلا قطع دينارا صحيحا وأنفقه كان عند الفقهاء مفرطا فكيف بهذا التبذير المحرم ونظير هذا تمزيقهم الثياب المطروحة عند الوجد على ما سيأتي ذكره إن شاء الله ثم يدعون أن هذه الحالة لا خير في حالة تنافي الشرع أفتراهم عبيد نفوسهم أم أمروا أن يعملوا بآرائهم فإن كانوا عرفوا أنهم يخالفون الشرع بفعلهم هذا ثم فعلوه أنه لعناد وإن كانوا لا يعرفوا فلعمري إنه لجهل شديد أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد ربه الحافظ قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الله الرازي يقول لما تغير الحال على أبي عثمان وقت وفاته مزق ابنه أبو بكر قميصا كان عليه
ففتح أبو عثمان عينه وقال يا بني خلاف السنة في الظاهر ورياء باطن في القلب.
فصل: قال المصنف: وفي الصوفية من يبالغ في تقصير ثوبه وذلك شهرة أيضا أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب ثنا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا محمد بن أبي عدي عن العلاء عن أبيه أنه سمع أبا سعيد سئلى عن الإزار فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إزار المسلم إلى أنصاف الساقين لا جناح أو لا حرج عليه ما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل من ذلك فهو النار" أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن بن سعيد الجوهري قال كتب إلي عبد الرزاق عن معمر قال كان في قميص أيوب بعض التذبيل فقيل له فقال الشهرة اليوم في التشمير وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانيء قال دخلت يوما على أبي عبد الله أحمد بن حنبل وعلي قميص أسفل من الركبة وفوق الساق فقال أي شيء هذا وأنكره وقال هذا بالمرة لا ينبغي.
فصل: قال المصنف: وقد كان في الصوفية من يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة وهذا
стр. 222
أيضا شهرة لأنه على خلاف لباس أهل البلد وكل ما فيه شهرة فهو مكروه أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار نا أبي الحسين بن علي نا أحمد بن منصور البوسري ثنا محمد بن مخلد ثني محمد بن يوسف قال قال عباس بن عبد العظيم العنبري قال بشر بن الحارث إن ابن المبارك دخل المسجد يوم جمعة وعليه قلنسوة فنظر الناس ليس عليهم قلانس فأخذها فوضعها في كمه.
فصل قال المصنف: وقد كان في الصوفية من استكثر من الثياب وسوسة فيجعل للخلاء ثوبا وللصلاة ثوبا وقد روى هذا عن جماعة منهم أبو يزيد وهذا لا بأس به إلا أنه ينبغي خشية أو يتخذ سنة أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن عبد الوهاب ثنا محمد بن إسحاق النيسابوري ثنا محمد بن الصباح ثنا حاتم يعني ابن إسماعيل ثني جعفر عن أبيه أن علي بن الحسين قال: يا بني لو اتخذت ثوبا للغائط رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب ثم أتيته فقال: ما كان لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه الا ثوب فرفض.
فصل قال المصنف: وقد كان فيهم من لا يكون له سوى ثوب واحد زاهدا في الدنيا وهذا أحسن إلا أنه إذا أمكن اتخاذ ثوب للجمعة والعيد كان أصلح وأحسن أخبرنا عبد الأول بن عيسى نا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر نا عبد الله بن أحمد بن حياة نا إبراهيم بن حريم بن حميد ثني ابن أبي شيبة ثنا محمد بن عمر عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حبان عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه قال خطبنا رسول الله ﷺ في يوم جمعة فقال: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوب مهنته" أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا محمد الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف الحساب نا الحارث بن أبي أسامة ثنا محمد بن سعد نا محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد المجيد بن سهيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال محمد بن عمر وحدثني غير محمد بن عبد الرحمن أيضا ببعض ذلك قالوا كان لرسول الله ﷺ برد يمينه وإزار من نسج عمان فكان يلبسهما في يوم الجمعة ويوم العيد ثم يطويان.
стр. 223
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في مطاعمهم ومشاربهم (١)
قال المصنف ﵀: قد بالغ إبليس في تلبيسه على قدماء الصوفية فأمرهم بتقليل المطعم
стр. 224
وخشونته ومنعهم شرب الماء البارد فلما بلغ إلى المتأخرين استراح من التعب واشتغل بالتعجب من كثرة أكلهم ورفاهية عيشهم.
ذكر طرف مما فعله قدماؤهم
قال المصنف ﵀: كان في القوم من يبقى الأيام لا يأكل إلا أن تضعف قوته وفيهم من يتناول كل يوم الشيء اليسير الذي لا يقيم البدن فروي لنا عن سهل بن عبد الله أنه كان في بدايته يشتري بدرهم دبسا وبدرهمين سمنا وبدرهم دقيق الأرز فيخلطه ويجعله ثلاثمائة وستين كرة فيفطر كل ليلة على واحدة وحكى عنه أبو حامد الطوسي قال كان سهل يقتات ورق النبق مدة وأكل دقاق التبين مدة ثلاث سنين واقتات بثلاث دراهم في ثلاث سنين أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو باكويه ثني أبو الفرج بن حمزة التكريتي ثني أبو عبد الله الحصري قال سمعت أبا جعفر الحداد يقول أشرف علي أبو تراب يوما وأنا على بكرة ماء ولي ستة عشر يوما ولم آكل شيئا ولم أشرب فيها ماء فقال ما جلوسك ههنا فقلت أنا بين العلم واليقين وأنا أنظر من يغلب فأكون معه فقال سيكون لك شأن أخبرنا أبو بكر ابن حبيب نا ابن أبي صادق ثنا ابن باكويه نا عبد العزيز بن الفضل ثنا علي بن عبد الله العمري ثنا محمد بن فليح ثني إبراهيم بن البنا البغدادي قال صحبت ذا النون من أخميم إلى الإسكندرية فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي وقلت هلم فقال لي ملحك مدقوق قلت نعم قال لست تفلح فنظرت إلى مزوده فإذا فيه قليل سويق شعير يستف منه أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا عبد العزيز ابن علي الأزجي نا ابن جهضم ثنا محمد بن عيسى بن هارون الدقاق ثنا أحمد بن أنس بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول الزبد بالعسل إسراف قال ابن جهضم وحدثنا محمد بن يوسف البصري قال سمعت أبا سعيد صاحب سهل يقول بلغ أبا عبد الله الزبيري وزكريا الساجي وابن أبي أوفى أن سهل بن عبد الله يقول أنا حجة الله على الخلق فاجتمعوا عنده فأقبل عليه الزبيري فقال له بلغنا أنك قلت أنا حجة الله على الخلق فبماذا أنبي أنت أصديق أنت قال سهل لم أذهب حيث تظن ولكن إنما قلت هذا هذا لأخدي الحلال فتعالوا كلكم حتى نصحح الحلال قالوا فأنت قد صححته قال نعم قال وكيف قال سهل قسمت عقلي ومعرفتي وقوتي على سبعة أجزاء فأتركه حتى يذهب منها ستة أجزاء ويبقى جزء واحد فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء ويتلف معه نفسي خفت أن أكون قد أعنت عليها وقتلتها دفعت إليها من البلغة ما يرد الستة الأجزاء.
стр. 225
أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال أخبرني أبو عبد الله ابن مفلح قال خبرني أبي أخبرني أبو عبد الله بن زيد (١) قال لي منذ أربعين سنة ما أطعمت نفسي طعاما إلا في وقت ما أحل الله لها الميتة أخبرنا ابن ناصر نا أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد السهلكي ثنى أبو الحسن علي بن محمد القوهي ثنا عيسى بن آدم ابن أخي أبي يزيد قال جاء رجل إلى أبي يزيد قال أريد أن أجلس في مسجدك الذي أنت فيه قال لا تطيق ذلك فقال إن رأيت أن توسع لي في ذلك فأذن له فجلس يوما لا يطعم فصبر فلما كان في اليوم الثاني قال له يا أستاذ لا بد مما لا بد منه فقال يا غلام لا بد من الله قال يا أستاذ نريد القوت قال يا غلام القوت عندنا إطاعة الله فقال يا أستاذ أريد شيئا يقيم جسدي في طاعته فقال يا غلام إن الأجسام لا تقوم إلا بالله .
أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول سمعت أبا عثمان الآدمي يقول سمعت إبراهيم الخواص يقول حدثني أخ لي كان يصحب أبا تراب نظر إلى صوفي مد يده إلى قشر البطيخ وكان قد طوى ثلاثة أيام فقال له تمد يدك إلى قشر البطيخ أنت لا يصلح لك التصوف الزم السوق أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا القاسم القيرواني يقول سمعت بعض أصحابنا يقول أقام أبو الحسن النصيبي بالحرم أياما مع أصحاب لهم سبعة لم يأكلوا فخرج بعض أصحابه ليتطهر فرأى قشر بطيخ فأخذه فأكله فرآه انسان فاتبعه بشيء وجاء برفق فوضعه بين يدي القوم فقال الشيخ من جنى منكم هذه الجناية فقال الرجل أنا وجدت قشر بطيخ فأكلته فقال كن مع جنايتك ومع هذا الرفق وخرج من الحرم ومعه أصحابه وتبعه الرجل فقال ألم أقل لك كن مع جنايتك فقال الرجل أنا تائب إلى الله تعالى مما جرى مني فقال الشيخ لا كلام بعد التوبة.
أخبرنا عمر بن ظفر نا ابن السراج نا أبو القاسم الأزجي نا أبو الحسن بن جهضم ثنا إبراهيم بن محمد الشنوزي قال سمعت بنان بن محمد يقول كنت بمكة مجاورا فرأيت بها إبراهيم الخواص وأتى علي أيام لم يفتح علي بشيء وكان بمكة مزين يحب الفقراء وكان من أخلاقه إذا
стр. 226
جاءه الفقير يحتجم اشترى له لحما فطبخه فأطعمه فقصدته وقلت أريد أن أحتجم فأرسل من يشتري لحما وأمر بأصلاحه وجلست بين يديه فجعلت نفسي تقول ترى يكون فراغ القدر مع فراغ الحجامة؟ ثم استيقظت وقلت يا نفس إنما جئت تحتجمين لتطمعي عاهدت الله تعالى ألا ذقت من طعامه شيئا فلما فرغ انصرفت فقال سبحان الله أنت تعرف الشرط فقلت ثم عقد فسكت وجئت إلى المسجد الحرام ولم يقدر لي شيء آكله فلما كان من الغد بقيت إلى آخر النهار ولم يتفق أيضا فلما قمت لصلاة العصر سقطت وغشي علي واجتمع حولي ناس وحسبوا أني مجنون فقام إبراهيم وفرق الناس وجلس عندي يحدثني ثم قال تأكل شيئا قلت قرب الليل فقال أحسنتم يا مبتدئون اثبتوا على هذا تفلحوا ثم قام فلما صلينا العشاء الآخرة إذا هو قد جاءني ومعه قصعة فيها عدس ورغيفان ودورق ماء فوضعه بين يدي وقال كل ذلك فأكلت الرغيفين والعدس فقال فيك فضل تأكل شيئا آخر قلت نعم فمضى وجاء بقصعة عدس ورغيفين فأكلتهما وقلت قد اكتفيت فاضطجعت فما قمت ليلتي ونمت إلى الصباح ما صليت ولا طفت.
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم ثنا أبي قال سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول سمعت منصور بن عبد الله الأصفهاني يقول سمعت أبا علي الروزباري يقول إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق وأمروه بالكسب أنبأنا عبد المنعم ثنا أبي قال سمعت ابن باكويه يقول سمعت أبا أحمد الصغير يقول أمرني أبو عبد الله بن خفيف أن أقدم إليه كل ليلة عشر حبات زبيب لإفطاره فأشفقت عليه ليلة فحملت إليه خمسة عشر حبة فنظر إلي وقال من أمرك بهذا وأكل عشر حبات وترك الباقي؟
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا علي بن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت عبد الله بن خفيف يقول كنت في ابتدائي بقيت أربعين شهرا أفطر كل ليلة بكف باقلاء فمضيت يوما فاقتصدت فخرج من عرقي شبه ماء اللحم وغشي علي فتحير الفصاد وقال ما رأيت جسدا لأدم فيه إلا هذا.
فصل: قال المصنف: وقد كان فيهم قوم لا يأكلون اللحم حتى قال بعضهم أكل درهم من اللحم يقسي القلب أربعين صباحا وكان فيهم من يمتنع من الطيبات كلها ويحتج بما أخبرنا به علي بن عبد الواحد الدينوري نا أبو الحسن القزويني نا أبو حفص بن الزيات ثنا ابن ماجه ثنا أزهر بن جميل ثنا بزيغ عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "احرموا
стр. 227
أنفسكم طيب الطعام فإنما قوي الشيطان أن يجري في العروق بها" وفيهم من كان يمتنع من شرب الماء الصافي وفيهم من يمتنع من شرب الماء البارد فيشرب الحار ومنهم من كان يجعل ماءه في دن مدفون في الأرض فيصير حارا ومنهم من يعاقب نفسه بترك الماء مدة وأخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي قال سمعت عبد الواحد بن بكر الورياني ثني محمد بن سعدان ثني عيسى بن موسى البسطامي قال سمعت أبي يقول قال سمعت عمي خادم أبي يزيد يقول ما أكلت شيئا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة قال وأسهل ما لاقت نفسي مني أني سألتها أمرا من الأمور فأبت فعزمت أن لا أشرب الماء سنة فما شربت الماء سنة وحكى أبو حامد الغزالي عن أبي يزيد أنه قال دعوت نفسي إلى الله فجمحت فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك.
فصل: قال المصنف: وقد رتب أبو طالب المكي للقوم ترتيبات في المطاعم فقال استحب للمريد ألا يزيد على رغيفين في يوم وليلة قال ومن الناس من كان يعمل في الأقوات فيقلها وكان بعضهم يزن قوته بكربة من كرب النخل وهي تجف كل يوم قليلا فينقص من قوته بمقدار ذلك قال ومنهم من كان يعمل في الأوقات فيأكل كل يوم ثم يتدرج إلى يومين وثلاثة قال والجوع ينقص دم الفؤاد فيبيضه وفي بياضه نوره ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبانه رقته وفي رقته مفتاح المكاشفة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وقد صنف لهم أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي كتاباسماه رياضة النفوس قال فيه فينبغي للمبتدئ في هذا الأمر أن يصوم شهرين متتابعين توبة من الله ثم يفطر فيطعم اليسير ويأكل كسرة كسرة ويقطع الأدام والفواكه واللذة ومجالسة الإخوان والنظر في الكتب وهذه كلها أفراح للنفس فيمنع النفس لذتها حتى تملئ غما.
قال المصنف وقد أخرج لهم بعض المتأخرين الأربعينية يبقى أحدهم أربعين يوما لا يأكل الخبز ولكنه يشرب الزيوتات ويأكل الفواكه الكثيرة اللذيذة فهذه نبذة من ذكر أفعالهم في مطاعمهم يدل مذكورها على مغفلها.
فصل: في بيان تلبيس إبليس عليهم في هذه الأفعال وإيضاح الخطأ فيها.
قال المصنف ﵀ أما ما نقل عن سهل ففعل لا يجوز لأنه حمل على النفس ما لا تطيق ثم إن الله أكرم الآدميين بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم فلا تصلح مزاحمة البهائم في
стр. 228
أكل التبن وأي غذاء في التبن ومثل هذه الأشياء أشهر من أن تحتاج إلى رد وقد حكى أبو حامد عن سهل أنه كان يرى أن صلاة الجائع الذي قد أضعفه الجوع قاعدا أفضل من صلاته قائما إذا قواه الأكل.
قال المصنف ﵀: وهذا خطأ بل إذا تقوى على القيام كان أكله عبادة لأنه يعين على العبادة وإذا تجوع إلى أن يصلي قاعدا فقد تسبب إلى ترك الفرائض فلم يجز له ولو كان التناول ميتة ما جاز هذا فكيف وهو حلال ثم أي قربة في هذا الجوع المعطل أدوات العبادة وأما قول الحداد وأنا أنظر أن يغلب العلم أم اليقين فإنه جهل محض لأنه ليس بين العلم واليقين تضاد إنما اليقين أعلى مراتب العلم وأين من العلم واليقين ترك ما تحتاج إليه النفس من المطعم والمشرب وإنما أشار بالعلم إلى ما أمره الشرع وأشار باليقين إلى قوة الصبر وهذا تخليط قبيح وهؤلاء قوم شددوا فيما ابتدعوا وكانوا كقريش في تشددهم حتى سموا بالحمس فجحدوا الأصل وشددوا في الفرع وقول الآخر ملحك مدقوق لست تفلح من أقبح الأشياء وكيف يقال عمن استعمل ما أبيح له لست تفلح وأما سويق الشعير فإنه يورث القولنج وقول الآخر الزبد بالعسل إسراف قول مرذول لأن الإسراف ممنوع منه شرعا وهذا مأذون فيه وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه كان يأكل القثاء بالرطب وكان يحب الحلوى والعسل وأما ما روينا عن سهل أنه قال قسمت قوتي وعقلي سبعة أجزاء ففعل يذم به ولا يمدح عليه إذ لم يأمر الشرع بمثله وهو إلى التحريم أقرب لأنه ظلم للنفس وترك لحقها وكذلك قول الذي قال ما أكلت إلى وقت أن يباح لي أكل الميتة فإنه فعل برأيه المرذول وحمل على النفس مع وجود الحلال وقول أبي يزيد القوت عندنا الله كلام ركيك فإن البدن قد بني على الحاجة إلى الطعام حتى إن أهل النار في النار يحتاجون إلى الطعام وأما التقبيح على من أخذ قشر البطيخ بعد الجوع الطويل فلا وجه له والذي طوى ثلاثا لم يسلم من لوم الشرع وكذلك الذي عاهد أن لا يأكل حين احتجم حتى وقع في الضعف فإنه فعل ما لا يحل له وقول إبراهيم له أحسنتم يا مبتدئون خطأ أيضا فإنه كان ينبغي أن يلزمه بالفطر ولو كان في رمضان إذ من له أيام لم يأكل وقد احتجم وغشي عليه لا يجوز له أن يصوم.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت ثني الأزهري ثنا علي بن عمر ثنا أبو حامد الحضرمي ثنا عبد الرحمن بن يونس السواح ثنا بقية بن الوليد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر فمات دخل النار.
стр. 229
قال المصنف ﵀: قلت كل رجاله ثقات وقد أخبرنا به عاليا محمد ابن عبد الباقي نا أبو يعلى محمد بن الحسين نا علي بن عمر السكري ثنا أحمد بن محمد الأسدي ثنا عبد الرحمن بن يونس فذكره وقال من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر دخل النار.
قال المصنف ﵀: وأما تقليل ابن خفيف ففعل قبيح لا يستحسن وما يورد هذا الأخبار عنهم إيرادا مستحسنا لها إلا جاهل بأصول الشرع فأما العالم المتمكن فإنه لا يهوله قول معظم كيف بفعل جاهل مبرسم وأما كونهم لا يأكلون اللحم فهذا مذهب البراهمة الذين لا يرون ذبح الحيوان والله أعلم بمصالح الأبدان فأباح اللحم لتقويتها فأكل اللحم يقوي القوة وتركه يضعفها ويسيء الخلق وقد كان رسول الله ﷺ يأكل اللحم ويحب الذارع من الشاة ودخليوما فقدم إليه طعام من طعام البيت فقال لم أر لكم برمة تفور وكان الحسن البصري يشتري كل يوم لحما وعلى هذا كان السلف إلا أن يكون فيهم فقير فيبعد عهده باللحم لأجل الفقر وأما من منع نفسه الشهوات فإن هذا على الإطلاق لا يصلح لأن الله لما خلق بني آدم على الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة وجعل صحته موقوفة على تعادل الأخلاط الدم والبلغم والمرة الصفراء والمرة السوداء فتارة يزيد بعض الأخلاط فتميل الطبيعة إلى ما ينقصه مثل أن تزيد الصفراء فيميل الطبع إلى الحموضة أو ينقص البلغم فتميل النفس إلى المرطبات فقد ركب في الطبع الميل إلى ما تميل إليه النفس وتوافقه فإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوبلت حكمة الباري يردها ثم يؤثر ذلك في البدن فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل ومعلوم أن البدن مطية الآدمي ومتى لم يرفق بالمطية لم تبلغ وإنما قلت علوم هؤلاء فتكلموا بآرائهم الفاسدة فإن أسندوا فإلى حديث ضعيف أو موضوع أو يكون فهمهم منه رديئا ولقد عجبت لأبي حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم حتى إنه قال لا ينبغي للمريد إذا تاقت نفسه إلى الجماع أن يأكل ويجامع فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه.
قال المصنف ﵀ وهذا قبيح في الغاية فإن الإدام شهوة فوق الطعام فينبغي أن لا يأكل إداما والماء شهوة أخرى أو ليس في الصحيح أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه بغسل واحد فهلا اقتصر على شهوة واحدة أو ليس في الصحيحين أن رسول الله ﷺ كان يأكل القثاء بالرطب وهاتان شهوتان أو ما أكل عند أبي الهيتم بن التيهان خبزا وشواء وبسرا وشرب ماء باردا أو ما كان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم فيصلي أو ما تعلف الفرس.
стр. 230
الشعير والتبن والقت وتطعم الناقة الخبط والحمض وهل البدن الاناقة وإنما نهى بعض القدماء عن الجمع بين إدامين على الدوام لئلا يتخذ ذلك عادة فيحوج إلى كلفة وإنما تجتنب فضول الشهوات لئلا يكون سببا لكثرة الأكل وجلب النوم ولئلا تتعود فيقل الصبر عنها فيحتاج الانسان إلى تضييع العمر في كسبها وربما تناولها من غير وجهها وهذا طريق السلف في ترك فضول الشهوات والحديث الذي احتجوا به احرموا أنفسكم طيب الطعام حديث موضوع عملته يدا بزيغ الراوي وأما إذا أقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ينحرف مزاجه لأن خبز الشعير يابس مجفف والملح يابس قابض يضر الدماغ والبصر وتقليل المطعم يوجب تنشيف المعدة وضيقها وقد حكى يوسف الهمداني عن شيخه عبد الله الحوفي أنه كان يأكل خبز البلوط بغير إدام وكان أصحابه يسألونه أن يأكل شيئا من الدهن والدسومات فلا يفعل.
قال المصنف ﵀: وهذا يورث القولنج الشديد واعلم أن المذموم من الأكل إنما هو فرط الشبع وأحسن الآداب في المطعم أدب الشارع ﷺ أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر بن حمكان ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا سليمان بن سليم الكناني ثنا يحيى بن جابر الطائي قال سمعت المقدام بن معدي كرب يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا بد فثلث طعام وثلث شراب وثلث لنفسه".
قال المصنف ﵀: قلت فقد أمر الشرع بما يقيم النفس حفظا لها وسعيا في مصلحتها ولو سمع أبقراط هذه القسمة في قوله ثلث وثلث وثث لدهش من هذه الحكمة لأن الطعام والشراب يربوان في المعدة فيتقارب ملئها فيبقى للنفس من الثلث قريب فهذا أعدل الأمور فإن نقص منه قليلا لم يضر وإن زاد النقصان أضعف القوة وضيق المجاري على الطعام.
فصل قال المصنف ﵀ واعلم أن الصوفية إنما يأمرون بالتقلل شبانهم ومبتدئيهم ومن أضر الأشياء على الشاب الجوع فإن المشايخ يصبرون عليه والكهول أيضا فأما الشبان فلا صبر لهم على الجوع وسبب ذلك أن حرارة الشباب شديدة فلذلك يجود هضمه ويكثر تحلل بدنه فيحتاج إلى كثرة الطعام كما يحتاج السراج الجديد إلى كثرة الزيت فإذا صابر الشاب الجوع وتئبته في أول النشوء قمع نشوء نفسه فكان كمن يعرقب أصول الحيطان ثم تمتد يد المعدة لعدم الغذاء إلى أخذ
стр. 231
الفضول المجتمعة في البدن فتغذيه بالأخلاط فيفسد الدهن والجسم وهذا أصل عظيم يحتاج إلى تأمل.
فصل: قال المصنف ﵀: وذكر العلماء التقلل الذي يضعف البدن أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا إبراهيم بن جعفر الساجي نا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر نا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال نا عبد الله بن إبراهيم بن يعقوب الجيلي قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل قال له عقبة بن مكرم هؤلاء الذين يأكلون قليلا ويقللون من مطعمهم فقال ما يعجبني سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول فعل قوم هذا فقطعهم عن الفرض قال الخلال وأخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة ثنا اسحق بن داود بن صبيح قال قلت لعبد الرحمن بن مهدي يا أبا سعيد إن ببلدنا قوما من هؤلاء الصوفية فقال لا تقرب هؤلاء فإنا قد رأينا من هؤلاء قوما أخرجهم الأمر إلى الجنون وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة ثم قال خرج سفيان الثوري في سفر فشيعته وكان معه سفرة فيها فالوذج وكان فيها حمل قال الخلال وأخبرني المروزي قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وقال له رجل إني منذ خمس عشرة سنة قد ولع بي إبليس وربما وجدت وسوسة أتفكر في الله فقال لعلك كنت تذمن الصوم أفطر وكل دسما وجالس القصاص.
قال المصنف ﵀: وفي هؤلاء القوم من يتناول المطاعم الرديئة ويهجر الدسم فيجتمع في معدته أخلاط فجة فتغذي المعدة منها مدة لأن المعدة لا بد لها من شيء تهضمه فإذا هضمت ما عندها من الطعام ولم تجد شيئا تناولت الأخلاط فهضمتها وجعلتها غذاء وذلك الغذاء الرديء يخرج إلى الوساوس والجنون وسوء الأخلاق وهؤلاء المتقللون يتناولون مع التقلل أردأ المأكولات فتكثر أخلاطهم فتشتغل المعدة بهضم الأخلاط ويتفق لهم تعود التقلل بالتدريج فتضيق المعدة فيمكنهم الصبر على الطعام أياما ويعينهم على هذا قوة الشباب فيعتقدون الصبر عن الطعام كرامة وإنما السبب مع عرفتك وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم قال حدثني أبي قال كانت امرأة قد طعنت في السن فسئلت عن حالها فقالت كنت في حال الشباب أجد من نفسي أحوالا أظنها قوة الحال فلما كبرت زالت عني فعلمت أن ذلك كان قوة الشباب فتوهمتها أحوالا قال سمعت أبا علي الدقاق يقول ما سمع أحد هذه الحكاية من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز وقال أنها كانت منصفة.
стр. 232
وقال المصنف: فإن قيل كيف تمنعون من التقلل وقد رويتم أن عمر ﵁ كان يأكل كل يوم إحدى عشر لقمة وإن ابن الزبير كان يبقى أسبوعا لا يأكل وإن إبراهيم التميمي بقي شهرين قلنا قد يجري للانسان من هذا الفن في بعض الأوقات غير أنه لا يدوم عليه ولا يقصد الترقي إليه وقد كان في السلف من يجوع عوزا وفيهم من كان الصبر له عادة لا يضر بدنه وفي العرب من يبقى أياما لا يزيد على شرب اللبن ونحن لا نأمر بالشبع إنما ننهي عن جوع يضعف القوة ويؤذي البدن وإذا ضعف البدن قلت العبادة فإن حملت البدن قوة الشباب جاء الشيب فأقذع بالراكب وقد أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا عبد القادر بن يوسف نا أبو إسحق البرمكي ثنا أبو يعقوب بن سعد النسائي ثنا جدي الحسن بن سفيان ثنا حرملة بن يحيى ثنا عبد الله بن وهب ثنا سفيان بن عيينة عن مالك بن أنس عن إسحق بن عبيد الله بن أبي طلحة عن أنس ﵁ قال كان يطرح لعمر بن الخطاب ﵁ الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه وقد روينا عن إبراهيم بن أدهم انه اشترى زبدا وعسلا وخبزا حوارى فقيل له هذا كله تأكله فقال إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال واذا عدمنا صبرنا صبر الرجال.
فصل قال المصنف ﵀: وأما الشرب من الماء الصافي فقد تخيره رسول الله ﷺ أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ أتى قوما من الأنصار يعود مريضا فاستسقى وجدول قريب منه فقال إن عندكم ماء بات في شن وإلا كرعنا أخرجه البخاري وأخبرنا منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا أبو عمر بن مهدي ثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي ثنا محمد بن عمرو بن أبي مدعور ثنا عبد العزيز بن محمد نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يستقي له الماء العذب من بئر السقيا.
قال المصنف: وينبغي أن يعلم أن الماء الكدر يولد الحصا في الكلى والسدد في الكبد وأما الماء البارد فإنه إذا كانت برودته معتدلة فإنه يشد المعدة ويقوي الشهوة ويحسن اللون ويمنع عفن الدم وصعود البخارات إلى الدماغ ويحفظ الصحة واذا كان الماء حارا أفسد الهضم وأحدث الترهل وأذبل البدن وأدى إلى الاستسقاء والدق فإن سخن بالشمس خيف منه البرص وقد كان بعض الزهاد يقول إذا أكلت الطيب وشربت الماء البارد متى تحب الموت وكذلك قال أبو
стр. 233
حامد الغزالي إذا أكل الانسان ما يستلذه قسا قلبه وكره الموت واذا منع نفسه شهواتها وحرمها لذاتها اشتهت نفسه الإفلات من الدنيا بالموت.
قال المصنف ﵀ واعجبا كيف يصدر هذا الكلام من فقيه أترى لو تقلبت النفس في أي فن كان من التعذيب ما أحبت الموت ثم كيف يجوز لنا تعذيبها وقد قال : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ورضي منا بالإفطار في السفر رفقا بها وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أو ليست مطيتنا التي عليها وصولنا:
وكيف لا نأوي لها وهي التي … بها قطعنا السهل والحزونا
وأما معاقبة أبي يزيد نفسه بترك الماء سنة فإنها حالة مذمومة لا يراها مستحسنة إلا الجهال ووجه ذمها أن للنفس حقا ومنع الحق مستحقه ظلم ولا يحل للإنسان أن يؤذي نفسه ولا أن يقعد في الشمس في الصيف بقدر ما يتأذى ولا في الثلج في الشتاء والماء يحفظ الرطوبات الأصلية في البدن وينفذ الأغذية وقوام النفس بالأغذية فإذا منعها أغذية الآدميين ومنعها الماء فقد أعان عليها وهذا من أفحش الخطأ وكذلك منعه إياها النوم قال ابن عقيل وليس للناس إقامة العقوبات ولا استيفاؤها من أنفسهم يدل عليه أن إقامة الإنسان الحد على نفسه لا يجزي فإن فعله أعاده الإمام وهذه النفوس ودائع الله حتى أن التصرف في الأموال لم يطلق لأربابها إلا على وجوه مخصوصة.
قال المصنف ﵀: قلت وقد روينا في حديث الهجرة أن النبي ﷺ تزود طعاما وشرابا وأن أبا بكر فرش له في ظل صخرة وحلب له لبنا في قدح ثم صب ماء على القدح حتى برد أسفله وكل ذلك من الرفق بالنفس وأما ما رتبه أبو طالب المكي فحمل على النفس بما يضعفها وإنما يمدح الجوع إذا كان بمقدار وذكر المكاشفة من الحديث الفارغ وأما ما صنفه الترمذي فكأن ابتداء شرع برأيه الفاسد وما وجه صيام شهرين متتابعين عند التوبة وما فائدة قطع الفواكه المباحة وإذا لم ينظر في الكتب فبأي سيرة يقتدي وأما الأربعينية فحديث فارغ رتبوه على حديث لا أصل له من أخلص لله أربعين صباحا لم يجب الإخلاص (١) أبدا فما وجه تقديره بأربعين صباحا ثم لو قدرنا ذلك فالإخلاص عمل القلب فما بال المطعم ثم ما الذي حسن
стр. 234
منع الفاكهة ومنع الخبز وهل هذا كله إلا جهل وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري قال حدثنا أبي قال حجج السوفية أظهر من حجج كل أحد وقواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب لأن الناس إما أصحاب نقل وأثر وأما أرباب عقل وفكر وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة والذي للناس غيب فلهم ظهور فهم أهل الوصال والناس أهل الاستدلال فينبغي لمريدهم أن يقطع العلائق وأولها الخروج من المال ثم الخروج من الجاه وأن لا ينام إلا غلبة وأن يقلل غذاءه بالتدريج. قال المصنف ﵀ قلت من له أدنى فهم يعرف أن هذا الكلام تخليط فإن من خرج عن النقل والعقل فليس بمعدود في الناس وليس أحد من الخلق إلا وهو مستدل وذكر الوصال حديث فارغ فنسأل الله العصمة من تخليط المريدين والأشياخ والله الموفق.
стр. 235
فصل في ذكر أحاديث تبين خطأهم في أفعالهم
أخبرنا يحيى بن علي المدبر نا أبو بكر محمد بن علي الخياط ثنا الحسن بن الحسين بن حمكان ثنا عبدان بن يزيد العطار وأخبرنا محمد بن أبي منصور أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه ثنا محمد بن أحمد الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى البرورجردي ثنا عمير بن مرداس قالا حدثنا محمد بن بكير الحضرمي ثنا القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال جاء عثمان بن مظعون إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله غلبني حديث النفس فلم أحب أن أحدث شيئا حتى أذكر لك ذلك فقال رسول الله ﷺ : "وما تحدثك نفسك يا عثمان" قال تحدثني نفسي بأن أختصي فقال: "مهلا يا عثمان فإن خصي أمتي الصيام" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن أترهب في الجبال قال: "مهلا يا عثمان فإن ترهب أمتي الجلوس في المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أسيح في الأرض قال: "مهلا يا عثمان فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أخرج من مالي كله قال: "مهلا يا عثمان فإن صدقتك يوما بيوم وتكف نفسك وعيالك وترحم المسكين واليتيم وتطعمه أفضل من ذلك" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن أطلق خولة امرأتي قال: "مهلا يا عثمان فإن هجرة أمتي من هجر ما حرم الله عليه أو هاجر إلي في حياتي أو زار قبري بعد موتي أو مات وله امرأة أو امرأتان أو ثلاث أو أربع" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا
стр. 236
أغشاها قال: "مهلا يا عثمان فإن الرجل المسلم إذا غشي أهله فإن لم يكن من وقعته تلك ولد كان له وصيف في الجنة فإن كان من وقعته تلك ولد فإن مات قبله كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة وإن كان بعده كان له نورا يوم القيامة" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم قال: "مهلا يا عثمان فإني أحب اللحم وآكله إذا وجدته ولو سألت ربي أن يطعمني إياه كل يوم لأطعمني" قال يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن لا أمس طيبا قال: "مهلا يا عثمان فإن جبريل أمرني بالطيب غبا ويوم الجمعة لا مترك له يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي" قال المصنف ﵀ هذا حديث عمير بن مرداس.
أخبرنا محمد بن أبي طاهر الجوهري نا أبو عمر بن حياة نا أحمد بن معروف نا الحسن بن الفهم ثنا محمد بن سعد نا الفضل بن دكين ثنا إسرائيل ثنا أبو إسحاق عن أبي بردة قال دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي ﷺ فرأينها سيئة الهيئة فقلن لها مالك فما في قريش رجل أغنى من بعلك قالت ما لنا منه شيء أما ليلة فقائم وأما نهاره فصائم فدخلن إلى النبي ﷺ فذكرن ذلك له فلقيه فقال: "يا عثمان أمالك بي أسوة" فقال بأبي وأمي أنت وما ذاك قال: "تصوم النهار وتقوم الليل" قال إني لأفعل قال: "لا تفعل إن لعينك عليك حقا وإن لجسدك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فصل ونم وصم وأفطر" قال ابن سعد وأخبرنا عارم بن الفضل ثنا حماد بن زيد ثنا معاوية بن عباس الحرمي عن أبي قلابة أن عثمان بن مظعون اتخذ بيتا فقعد يتعبد فيه فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه وقال: "يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانية -مرتين أو ثلاثا- وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة".
أخبرنا محمد بن ناصر نا محمد بن علي بن ميمون نا عبد الوهاب بن محمد الغندجاني نا أبو بكر بن عبدان نا محمد بن سهل ثنا البخاري قال قال موسى ابن اسماعيل بن حماد بن زيد مسلم ثنا أبو معاوية بن قرة عن كهمس الهلالي قال أسلمت وأتيت النبي ﷺ فأخبرته بإسلامي فمكثت حولا ثم أتيته وقد ضمرت ونحل جسمي فخفض في البصر ثم صعده قلت أما تعرفني قال: "ومن" أنت قلت أنا كهمس الهلالي قال: "فما بلغ بك ما أرى" قلت ما أفطرت بعدك نهارا ولا نمت ليلا قال: "ومن أمرك أن تعذب نفسك صم شهر الصبر
стр. 237
ومن كل شهر يوما" قلت زدني قال: "صم شهر الصبر ومن كل شهر يومين" قلت زدني قال: "صم شهر الصبر ومن كل شهر ثلاثة أيام" أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ثنا أبو حازم عمر بن أحمد العبدوري نا أبو أحمد محمد بن الغطريف ثنا أبو بكر الذهبي ثنا حميد بن الربيع ثنا عبده بن حميد عن الأعمش عن جرير بن حازم عن أيوب عن أبي قلابة بلغ به ﷺ أن ناسا من أصحابه أحتموا النساء واللحم اجتمعوا فذكرنا ترك النساء واللحم فأوعدوا فيه وعيدا شديدا وقال: "لو كنت تقدمت فيه لفعلت" ثم قال: "إني لم أرسل بالرهبانية إن خير الدين الحنيفية السمحة".
قال المصنف ﵀ وقد روينا في حديث آخر عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يحب أن يرى آثار نعمته على عبده في مأكله ومشربه" وقال بكر بن عبد الله من أعطى خيرا فرؤي عليه سمي حبيب الله محدثا بنعمة الله ومن أعطى خيرا فلم ير عليه سمي بغيض الله معاديا لنعمة الله .
فصل قال المصنف ﵀ وهذا الذي نهينا عنه من التقلل الزائد في الحد قد انعكس في صوفية زماننا فصارت همتهم في المأكل كما كانت همة متقدميهم في الجوع لهم الغداء والعشاء والحلوى وكل ذلك أو أكثره حاصل من أموال وسخة وقد تركوا كسب الدنيا وأعرضوا عن التعبد وافترشوا فراش البطالة فلا همة لأكثرهم إلا الأكل واللعب فإن أحسن محسن منهم قالوا طرح شكرا وإن أساء مسيء قالوا استغفر ويسمون ما يلزمه إياه واجبا وتسمية ما لم يسمه الشرع واجبا جناية عليه أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد الحافظ النيسابوري ثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري ثنا أحمد بن سلمة ثنا محمد بن عبدوس السراج البغدادي قال قام أبو مرحوم القاضي بالبصرة يقص على الناس فأبكى فلما فرغ من قصصه قال من يطعمنا أرزة في الله فقام شاب من المجلس فقال أنا فقال اجلس يرحمك الله فقد عرفنا موضعك ثم قام الثانية ذلك الشاب فقال اجلس فقد عرفنا موضعك فقام الثالثة فقال أبو مرحوم لأصحابه قوموا بنا إليه فقاموا معه فأتوا منزله قال فأتينا بقدر من باقلاء فأكلنا بلا ملح ثم قال أبو مرحوم علي بخوان خماسي وخمس مكاكيك أرز وخمسة أمنان سمن وعشرة أمنان سكر وخمسة أمنان صنوبر وخمسة أمنان فستق فجيء بها كلها فقال أبو مرحوم لأصحابه يا إخواني كيف أصبحت الدنيا قالوا مشرق لونها مبيضة شمسها أخرقوا فيها أنهارها قال فأتى بذلك السمن فأجرى فيها ثم
стр. 238
أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال يا إخواني كيف أصبحت الدنيا قالوا مشرق لونها مبيضة شمسه مجراة فيها أنهارها فقال يا إخواني اغرسوا فيها أشجارها قال فأتى بذلك الفستق والصنوبر فألقى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال يا إخواني كيف أصبحت الدنيا قالوا مشرق لونها مبيض شمسها مجرى فيها أنهارها وقد غرست فيها أشجارها وقد تدلت لنا ثمارها قال يا إخواني ارموا الدنيا بحجارتها قال فأتى بذلك السكر فألقى فيها ثم أقبل أبو مرحوم على أصحابه فقال يا إخواني كيف أصبحت الدنيا قالوا مشرق لونها مبيضة شمسها وقد أجريت فيها أنهارها وقد غرست فيها أشجارها وقد تدلت لنا ثمارها فقال يا إخواني ما لنا وللدنيا اضربوا فيها براحتها قال فجعل الرجل يضرب فيها براحته ويدفعه بالخمس قال أبو الفضل أحمد بن سلمة ذكرته لأبي حاتم الرازي فقال أمله علي فأمليته عليه فقال هذا شأن الصوفية.
قال المصنف ﵀: قلت وقد رأيت منهم من إذا حضر دعوة بالغ في الأكل ثم اختار من الطعام فربما ملأ كمية من غير إذن صاحب الدار وذلك حرام بالإجماع ولقد رأيت شيخا منهم قد أخذ شيئا من الطعام ليحمله معه فوثب صاحب الدار فأخذه منه.
стр. 239
ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في السماع والرقص والوجد
قال المصنف ﵀: اعلم أن سماع الغناء يجمع شيئين أحدهما أنه يلهي القلب عن التفكر في عظمة الله سبحانه والقيام بخدمته والثاني أنه يميله إلى اللذات العاجلة التي تدعو إلى استيفائها من جميع الشهوات الحسية ومعظمها النكاح وليس تمام لذته إلا في المتجددات ولا سبيل إلى كثرة المتجددات من الحل فلذلك يحث على الزنا فبين الغناء والزنا تناسب من جهة أن الغناء لذة الروح والزنا أكبر لذات النفس ولهذا جاء في الحديث الغناء رقية الزنا وقد ذكر أبو جعفر الطبري أن الذي أتخذ الملاهي رجل من ولد قابيل يقال له ثوبال اتخذ في زمان مهلائيل بن قينان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان فانهمك ولد قابيل في اللهو وتناهى خبرهم إلى من بالجبل من نسل شيث فنزل منهم قوم وفشت الفاحشة وشرب الخمور.
قال المصنف ﵀ وهذا لأن الالتذاذ بشيء يدعو إلى التذاذه بغيره خصوصا ما يناسبه ولما يئس إبليس أن يسمع من المتعبدين شيئا من الأصوات المحرمة كالعود نظر إلى المغنى الحاصل بالعود فدرجه في ضمن الغناء بغير العود وحسنه لهم وإنما مراده التدريج من شيء إلى شيء والفقيه
стр. 240
من نظر في الأسباب والنتائج وتأمل المقاصد فإن النظر إلى الأمرد مباح إن أمن ثوران الشهوة فإن لم يؤمن لم يجز وتقبيل الصبية التي لها من العمر ثلاث سنين جائزا إذ لا شهوة تقع هناك في الأغلب فإن وجد شهوة حرم ذلك وكذلك الخلوة بذوات المحارم فإن خيف من ذلك حرم فتأمل هذه القاعدة.
فصل: قال المصنف ﵀: وقد تكلم الناس في الغناء فأطالوا فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه من غير كراهة ومنهم من كرهه مع الإباحة وفصل الخطاب أن نقول ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير ذلك والغناء اسم يطلق على أشياء منها غناء الحجيج في الطرقات فإن أقواما من الأعاجم يقدمون للحج فينشدون في الطرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام وربما ضربوا مع إنشادهم بطبل فسماع تلك الأشعار مباح وليس إنشادهم إياها مما يطرب ويخرج عن الاعتدال وفي معنى هؤلاء الغزاة فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النزال وفي معنى هذا أشعار الحداة في طريق مكة كقول قائلهم:
بشرها دليلها وقالا … غدا ترين الطلح والجبالا
وهذا يحرك الإبل والآدمي إلا أن ذلك التحريك لا يوجب الطرب المخرج عن حد الاعتدال وأصل الحداء ما أنبأنا به يحيى بن الحسن بن البنا نا أبو جعفر بن المسلمة نا المخلص نا أحمد بن سليمان الطوسي ثنا الزبير بن بكار ثني إبراهيم بن المنذر ثنا أبو البحتري وهب عن طلحة المكي عن بعض علمائهم أن رسول الله ﷺ مال ذات ليلة بطريق مكة إلى حاد مع قوم فسلم عليهم فقال إن حادينا نام (١) فسمعنا حاديكم فملت إليكم فهل تدرون أنى كان الحداء قالوا لا والله قال إن أباهم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجد إبله قد تفرقت فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح يا يداه يا يداه (٢) فسمعت الإبل ذلك فعطفت عليه فقال مضر لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت فاشتقت الحداء.
قال المصنف ﵀ وقد كان لرسول الله ﷺ حاد يقال له أنجشة يحدو فتعنق (٣) الابل.
стр. 241
فقال رسول الله ﷺ : "يا أنجشة رويدك سوقا بالقوارير" وفي حديث سلمة بن الأكوع قال خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع ألا تسمعنا من هنياتك وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدوا بالقول يقول:
لاهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
فالقين سكينة علينا … وثبت الأقدام إذ لاقينا
قال رسول الله ﷺ : "من هذا السائق"؟ قالوا عامر بن الأكوع فقال: "يرحمه الله".
قال المصنف ﵀: وقد روينا عن الشافعي ﵁ أنه قال أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به قال المصنف ﵀ ومن إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله ﷺ عليهم:
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا … ما دعا لله داعى
ومن هذا الجنس كانوا ينشدون أشعارهم بالمدينة وربما ضربوا عليه بالدف عند إنشاده ومنه ما أخبرنا به ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي ثني الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تضربان بدفين ورسول الله ﷺ مسجي عليه بثوبه فانتهرهما أبو بكر فكشف رسول الله ﷺ عن وجهه وقال: "دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد" أخرجاه في الصحيحين.
قال المصنف ﵀: والظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله ﷺ يسرب (١) إليها الجواري فيلعبن معها وقد أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي أنبأنا عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال أخبرنا منصور بن الوليد بن جعفر بن محمد حدثهم قال قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل
стр. 242
حديث الزهري عن عروة عن عائشة عن جوار يغنين أي شيء من هذا الغناء قال غناء الركب أتيناكم أتيناكم قال الخلال وحدثنا أحمد بن فرج الحمصي ثنا يحيى بن سعيد ثنا أبو عقيل عن نهبة عن عائشة ﵂ قالت كانت عندنا جارية يتيمة من الأنصار فزوجناها رجلا من الأنصار فكنت فيمن أهداها إلى زوجها فقال رسول الله ﷺ يا عائشة: "إن الأنصار أناس فيهم غزل" فما قلت قالت دعونا بالبركة قال أفلا قلتم:
أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم
ولولا الذهب الأحم … ر ما حلت بواديكم
ولولا الحبة السمراء … لم تسمن عذاريكم"
أخبرنا أبو الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا أسود بن عامر نا أبو بكر عن أجلح عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂ أهديتم الجارية إلى بيتها قالت نعم قال: "فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول:
أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم
فإن الأنصار قوم فيهم غزل".
قال المصنف ﵀: فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة ويسمونها الزهديات كقول بعضهم:
يا غاديا في غفلة ورائحا … إلى متى تستحسن القبائحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفا … يستنطق الله به الجوارحا
يا عجبا منك وأنت مبصر … كيف تجنبت الطريق الواضحا
فهذا مباح أيضا وإلى مثله أشار أحمد بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به أبو عبد العزيز كاوس نا المظفر بن الحسن الهمداني نا أبو بكر بن لالي ثنا الفضل الكندي قال سمعت عبدوس يقول سمعت أبا حامد الخلفاني يقول لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها فقال مثل أي شيء؟ قلت يقولون:
стр. 243
إذا ما قال لي ربي … أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
فقال أعد علي فأعدت عليه فقام ودخل بيته ورد الباب فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يقول:
إذا ما قال لي ربي … أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
ومن الأشعار أشعار تنشدها النواح يثيرون بها الأحزان والبكاء فينهي عنها لما في ضمنها (١).
فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون للغناء ويصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ويثير كامنها من حب اللهو وهو الغناء المعروف في هذا الزمان مثل قول الشاعر:
ذهبي اللون تحسب من … وجنتيه النار تقتدح
خوفوني من فضيحته … ليته وافى وأفتضح
وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة كلها تخرج سامعها عن حيز الاعتدال وتثير حب الهوى ولهم شيء يسمونه البسيط يزعج القلوب عن مهل ثم يأتون بالنشيد بعده فيعجعج القلوب وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به على وفق الإنشاد والدف بالجلاجل والشبابة النائبة عن الزمر فهذا الغناء المعروف اليوم.
فصل: قال المصنف ﵀: وقبل أن نتكلم في إباحته أو تحريمه أو كراهته نقول ينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وإخوانه ويحذر تلبيس إبليس في إجراء هذا الغناء مجرى الأقسام المتقدمة التي يطلق عليها اسم الغناء فلا يحمل الكل محملا واحدا فيقول قد أباحه فلان وكرهه فلان فنبدأ بالكلام في النصيحة للنفس والاخوان فنقول.
معلوم أن طباع الآدميين تتقارب ولا تكاد تتفاوت فإذا ادعى الشاب السليم البدن
стр. 244
الصحيح المزاج أن رؤية المستحسنات لا تزعجه ولا تؤثر عنده ولا تضره في دينه كذبناه لما نعلم من استواء الطباع فإن ثبت صدقه عرفنا أن به مرضا خرج به عن حيز الاعتدال فإن تعلل فقال إنما أنظر إلى هذه المستحسنات معتبرا فأتعجب من حسن الصنعة في دعج العينين ورقة الأنف ونقاء البياض قلنا له في أنواع المباحات ما يكفي في العبرة وههنا ميل طبعك يشغلك عن الفكرة ولا يدع لبلوغ شهوتك وجود فكرة فإن ميل الطبع شاغل عن ذلك وكذا من قال إن هذا الغناء المطرب المزعج للطباع المحرك لها إلى العشق وحب الدنيا لا يؤثر عندي ولا يلفت قلبي إلى حب الدنيا الموصوفة فيه فإنا نكذبه لموضع اشتراك الطباع ثم إن كان قلبه بالخوف من الله غائبا عن الهوى لأحضر هذا المسموع الطبع وإن كانت قد طالت غيبته في سفر الخوف وأقبح القبيح البهرجة ثم كيف تمر البهرجة على من يعلم السر وأخفى ثم إن كان الأمر كما زعم هذا المتصوف فينبغي أن لا نبيحه إلا لمن هذه صفته والقوم قد أباحوه على الأطلاق للشاب المبتدئ والصبي الجاهل حتى قال أبو حامد الغزالي إن التشبيب بوصف الخدود والأصداغ وحسن القد والقامة وسائر أوصاف النساء الصحيح أنه لا يحرم.
قال المصنف ﵀: فأما من قال إني لا أسمع الغناء للدنيا وإنما آخذ منه إشارات فهو يخطئ من وجهين أحدهما أن الطبع يسبق إلى مقصوده قبل أخذ الإشارات فيكون كمن قال إني أنظر إلى هذه المرأة المستحسنة لا تفكر في الصنعة والثاني إنه يقل فيه وجود شيء يشار به إلى الخالق وقد جل الخالق ﵎ أن يقال في حقه أنه يعشق ويقع الهيمان به وإنما نصيبنا من معرفته الهيبة والتعظيم فقط وإذ قد انتهت النصيحة فنذكر ما قيل في الغناء.
فصل: أما مذهب أحمد ﵀ فإنه كان الغناء في زمانه إنشاد قصائد الزهد إلا أنهم لما كانوا يلحنونها اختلفت الرواية عنه فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثقفي أنه سئل عن استماع القصائد فقال أكرهه هو بدعة ولا يجالسون وروى عنه أبو الحارث أنه قال التغيير (١) بدعة فقيل له أنه يرقق القلب فقال هو بدعة وروى عنه يعقوب الهاشمي التغيير بدعة محدث وروى عنه يعقوب بن غياث (٢) أكره التغيير وأنه نهى عن استماعه.
стр. 245
قال المصنف: فهذه الروايات كلها دليل على كراهية الغناء قال أبو بكر الخلال كره أحمد القصائد لما قيل له إنهم يتماجنون ثم روى عنه ما يدل على أنه لا بأس بها قال المرزوي سألت أبا عبيد الله عن القصائد فقال بدعة فقلت له إنهم يهجرون فقال لا يبلغ بهم هذا كله.
قال المصنف: وقد روينا أن أحمد سمع قوالا عند ابنه صالح فم ينكر عليه فقال له صالح يا أبت أليس كنت تنكر هذا فقال إنما قيل لي انهم يستعملون المنكر فكرهته فأما هذا فأني لا أكرهه قال المصنف ﵀ قلت وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء وإنما أشار إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد ويدل على ما قلت أن أحمد بن حنبل سئل عن رجل مات وترك ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال لا تباع على أنها مغنية فقيل له أنها تساوي ثلاثين ألف درهم ولعلها إذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا فقال لا تباع إلا على أنها ساذجة.
قال المصنف: وإنما قال هذا لأن الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهديات بل بالأشعار المطربة المثيرة للطبع إلى العشق وهذا دليل على أن الغناء محظور إذ لو لم يكن محظورا ما أجاز تفويت المال على اليتيم وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي ﷺ عندي خمر لأيتام فقال أرقها فلو جاز استصلاحها لما أمره بتضييع أموال اليتامى وروى المرزوي عن أحمد بن حنبل أنه قال كسب المخنث خبيث يكسبه بالغناء وهذا لأن المخنث لا يغني بالقصائد الزهدية إنما يغنى بالغزل والنوح فبان من هذه الجملة أن الروايتين عن أحمد في الكراهة وعدمها تتعلق بالزهديات الملحنة فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده كيف ولو علم ما أحدث الناس من الزيادات.
فصل: قال المصنف: وأما مذهب مالك بن أنس ﵀ فأخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الحسين بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي نا عبد العزيز بن جعفر ثنا أبو بكر الخلال وأخبرنا عاليا سعيد بن الحسن بن البنا نا أبو نصر محمد بن محمد الدبيثي نا أبو بكر محمد بن عمر الوراق نا محمد بن السري بن عثمان التمار قالا أخبرنا عبد الله بن أحمد عن أبيه عن إسحاق بن عيسى الطباع (١) قال سألت مالك بن مالك بن أنس عن ما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله الفساق أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري قال أنبأنا أبو الطيب الطبري قال أما مالك بن
стр. 246
أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها بالعيب وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده فإنه قد حكى زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسا.
فصل: وأما مذهب أبي حنيفة ﵁ أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب الطبري قال كان أبو حنيفة يكره الغناء مع إباحته شرب النبيذ ويجعل سماع الغناء من الذنوب قال وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة إبراهيم والشعبي وحماد وسفيان الثوري وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك قال ولا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهة ذلك والمنع منه إلا ما روى عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسا.
فصل وأما مذهب الشافعي رحمة الله عليه قال حدثنا إسماعيل بن أحمد نا أحمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الأصفهاني ثنا محمد بن عبد الرحمن ثنا أحمد بن محمد بن الحارث ثنا محمد بن إبراهيم بن جياد ثنا الحسن بن عبد العزيز الحروي قال سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول خلفت بالعراق شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغيير يشغلون به الناس عن القرآن.
قال المصنف ﵀: وقد ذكر أبو منصور الأزهري المغيرة قوم يغيرون بذكر الله بدعاء وتضرع وقد سموا ما يطربون فيه من الشعر في ذكر الله تغييرا كأنهم إذا شاهدوها بالألحان طربوا ورقصوا فسموا مغيرة لهذا المعنى وقال الزجاج سموا مغيرين لتزهيدهم الناس في الفاني من الدنيا وترغيبهم في الآخرة وحدثنا هبة الله بن أحمد الحريري عن أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال قال الشافعي الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه شهادته قال وكان الشافعي يكره التعبير قال الطبري فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد (١) وعبيد الله العنبري وقد قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالسواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار" وقال: "من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية".
قال المصنف: قلت وقد كان رؤساء أصحاب الشافعي ﵃ ينكرون السماع وأما قدماؤهم فلا يعرف بينهم خلال وأما أكابر المتأخرين فعلى الإنكار منهم أبو الطيب الطبري وله في ذم الغناء والمنع كتاب مصنف حدثنا به عنه أبو القاسم الحريري ومنهم القاضي أبو
стр. 247
بكر محمد بن مظفر الشامي أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الانماطي عنه قال لا يجوز الغناء ولا سماعه ولا الضرب بالقضيب قال ومن أضاف إلى الشافعي هذا فقد كذب عليه وقد نص الشافعي في كتاب أدب القضاء على أن الرجل إذا دام على سماع الغناء ردت شهادته وبطلت عدالته.
قال المصنف ﵀: قلت فهذا قول علماء الشافعية وأهل التدين منهم وإنما رخص في ذلك من متأخريهم من قل علمه وغلبه هواه وقال الفقهاء من أصحابنا لا تقبل شهادة المغني والرقاص والله الموفق.
стр. 248
فصل في ذكر الأدلة على كراهية الغناء والنوح والمنع منهما.
قال المصنف: وقد استدل أصحابنا بالقرآن والسنة والمعنى فأما الاستدلال من القرآن فثلاث آيات الآية الأولى قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي قالا نا أبو محمد الصريفيني نا أبو بكر بن عبدان ثنا عبد الله بن منيع ثنا عبد الله بن عمر ثنا صفوان بن عيسى قال قال حميد الخياط أخبرنا عن عمار بن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء قال سألت ابن مسعود عن قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال هو والله الغناء أخبرنا عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر الحافظ قالا نا طراد بن محمد نا أبي بشران نا ابن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا زهير بن حرب ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال هو الغناء وأشباهه أخبرنا عبد الله بن محمد الحاكم ويحيى بن علي المدبر قالا نا أبو الحسين بن النقور نا ابن حياة ثنا البغوي ثنا هدبة ثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن بن مسلم عن مجاهد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال الغناء أخبرنا ابن ناصر نا المبارك بن عبد الجبار نا أبو إسحاق البرمكي نا أحمد بن جعفر بن مسلم نا أحمد بن محمد الخالق ثنا أبو بكر المرزوي ثنا أحمد بن حنبل ثنا عبده ثنا إسماعيل عن سعيد بن يسار قال سألت عكرمة عن لهو الحديث قال الغناء وكذلك قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم النخعي.
الآية الثانية قوله : ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ أخبرنا عبد الله بن علي نا طراد بن محمد نا ابن بشران نا ابن صفوان ثنا أبو بكر القرشي ثنا عبيد الله بن عمر ثنا يحيى بن سعد عن سفيان
стр. 249
عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قال هو الغناء بالحميرية سمد لنا غنى لنا وقال مجاهد هو الغناء يقول أهل اليمن سمد فلان إذا غنى.
الآية الثالثة قوله : ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ أخبرنا موهوب بن أحمد نا ثابت بن بندار نا عمر بن إبراهيم الزهري نا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي ثنا الحسين بن الكميت ثنا محمد بن نعيم بن القاسم الجرمي عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قال هو الغناء والمزامير.
أما السنة: أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر نا عبد الله ابن أحمد ثنى أبي ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول يا نافع أتسمع فأقول نعم فيمضي حتى قلت لا فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال رأيت رسول الله ﷺ سمع زمارة راع فصنع مثل هذا.
قال المصنف ﵀: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء أهل الزمان وزمورهم أخبرنا محمد بن ناصر نا المبارك ابن عبد الجبار نا الحسين بن محمد النصيبي ثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد ثنا أبو بكر بن الأنباري ثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزار ثنا ابن أبي مريم ثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال نهى رسول الله ﷺ عن شراء المغنيات وبيعهن وتعليمهن وقال ثمنهن حرام وقرأ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا أبو منصور محمد بن محمد المقرى نا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران نا عمر بن أحمد بن عبد الرحمن الجمحي ثنا منصور بن أبي الأسود عن أبي الملهب عن عبيد الله بن عمر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغنيات وعن التجارة فيهن وعن تعليمهن الغناء وقال: "ثمنهن حرام" وقال في هذا أو نحوه أو وقال شبهه نزلت علي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقال ما من رجل يرفع عقيرة صوته للغناء إلا بعث الله له شيطانين يرتد فإنه أعنى هذا من ذا الجانب وهذا من ذا الجانب ولا يزالان يضربان بأرجلهما في صدره حتى يكون هو
стр. 250
الذي يسكت وروت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها" ثم قرأ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ وروى عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة وصوت عند مصيبة".
أخبرنا ظفر بن علي نا أبو علي الحسن بن أحمد المقتدي نا أبو نعيم الحافظ نا حبيب بن الحسن بن علي بن الوليد ثنا محمد بن كليب ثنا خلف بن خليفة عن إبان المكتب عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء بن أبي رباح عن بن عمر قال دخلت مع رسول الله ﷺ فإذا ابنه إبراهيم يجود نفسه فأخذه رسول الله ﷺ فوضعه في حجره ففاضت عيناه فقلت يا رسول الله أتبكي وتنهانا عن البكاء فقال: "لست أنهى عن البكاء إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة ضرب وجه وشق جيوب ورنة شيطان".
أخبرنا عبد الله بن علي المقري نا جدي أبو منصور محمد بن أحمد الخياط نا عبد الملك بن محمد بن بشران ثنا أبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة ثنا محمد بن سويد الطحان ثنا عاصم بن علي ثنا عبد الرحمن بن ثابت عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن نحام الثقة عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بعثت بهدم المزمار والطبل".
أخبرنا ابن الحصين نا أبو طالب بن عيلان نا أبو بكر الشافعي ثنا عبد الله ابن محمد بن ناجية ثنا عباد بن يعوق ثنا موسى بن عمير عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي قال قال رسول الله ﷺ : "بعثت بكسر المزامير" أخبرنا أبو الفتح الكروجي نا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العورجي قالا نا الجراحي ثنا المحبوبي ثنا الترمذي ثنا صالح بن عبد الله ثنا الفرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن علي بن أبي طالب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء" فذكر منها "إذا اتخذت القيان والمعازف" قال الترمذي وحدثنا علي بن حجر نا محمد بن يزيد عن المستلم بن سعيد عن رميح الجذامي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إذا اتخذ اتخذ الفيء دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وتعلم لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد وساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا