← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11438

تلبيس إبليس - ط الفكر

ابن الجوزي

Полный текст (419 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

معاداة لله ولشرعه ولكن الناهين عن ذلك ما تفطنوا لما فعلوا أخبرنا ابن حبيب قال نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول اشتغلوا بتعلم العلم ولا يغرنكم كلام الصوفية فاني كنت أخبئ محبرتي في جيب مرقعتي والكاغد في حزة سراويلي وكنت أذهب خفية إلى أهل العلم فإذا علموا بي خاصموني وقالوا لا تفلح ثم احتاجوا إلي بعد ذلك وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يرى المحابر بأيدي طلبة العلم فيقول هذه سرج الإسلام وكان هو يحمل المحبرة على كبر سنه فقال له رجل إلى متى با أبا عبد الله فقال المحبرة إلى المقبرة وقال في قوله ﵊: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" فقال أحمد إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم وقال أيضا إن لم يكن أصحاب الحديث الأبدال فمن يكون وقيل له أن رجلا قال في أصحاب الحديث أنهم كانوا قوم سوء فقال أحمد هو زنديق وقد قال الإمام الشافعي ﵀ إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ وقال يوسف بن أسباط بطلبة الحديث يدفع الله البلاء عن أهل الأرض. أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب ثنا عبد العزيز بن علي ثنا ابن جهضم ثنا محمد بن جعفر ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال رأيت كأن القيامة قد قامت والخلق مجتمعون إذا نادى مناد الصلاة جامعة فاصطف الناس صفوفا فأتاني ملك فتأملته فإذا بين عينيه مكتوب جبريل أمين الله فقلت أين النبي ﷺ فقال مشغول بنصب الموائد لإخوانه الصوفية فقلت وأنا من الصوفية فقيل نعم ولكن شغلك كثرة الحديث. قال المصنف ﵀: معاذ الله أن ينكر جبريل التشاغل بالعلم وفي إسناد هذه الحكاية ابن جهضم وكان كذابا ولعلها عمله وأما ابن مسروق فأخبرني القزاز نا أبو بكر الخطيب حدثني علي بن محمد بن نصر قال سمعت حمزة بن يوسف قال سمعت الدارقطني يقول أبو العباس بن مسروق ليس بالقوي يأتي بالمعضلات.

стр. 352

ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في كلامهم في العلم. قال المصنف ﵀: اعلم أن هؤلاء القوم لما تركوا العلم وانفردوا بالرياضيات على مقتضى آرائهم لم يصبروا عن الكلام في العلوم فتكلموا بواقعاتهم فوقعت الأغاليط القبيحة منهم فتارة يتكلمون في تفسير القرآن وتارة في الحديث وتارة في الفقه وغير ذلك ويسوقون العلوم إلى

стр. 353

مقتضى علمهم الذي انفردوا به والله سبحانه لا يخلي الزمان من أقوام قوام بشرعه يردون على المتخرصين ويبينون غلط الغالطين.

стр. 354

ذكر نبذة من كلامهم في القرآن. أخبرنا أبو منصور بن عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا أبو القاسم عبد الواحد بن عثمان البجلي قال سمعت جعفر بن محمد الخلدي قال حضرت شيخنا الجنيد وقد سأله كيسان عن قوله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ فقال الجنيد لا تنسى العمل به وسأله عن قوله تعالى: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ فقال له الجنيد تركوا العملبه فقال لا يفضض الله فاك قلت أما قوله لا تنس العمل به فتفسير لا وجه له والغلط فيه ظاهر لأنه فسره على أنه نهي وليس كذلك إنما هو خبلا لا نهي وتقديره فما تنس إذ لو كان نهيا كان مجزوما فتفسيره على خلاف إجماع العلماء وكذلك قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ إنما هو من الدرس الذي هو التلاوة من قوله : ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ لا من دروس الشيء الذي هو إهلاكه أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد ثنا أبو نعيم الحافظ قال سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول حضرت أبا بكر الشبلي وسئل عن قوله إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب فقال لمن كان لله قلبه وأخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي نا ابن الجهم جهضم ثنا محمد بن جرير قال سمعت أبا العباس بن عطاء وقد سئل عن قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ قال نجيناك من الغم بقومك وفتناك بنا عن من سونا. قال المصنف ﵀: وهذه جرأة عظيمة على كتاب الله ونسبة الكليم إلى الافتتان بمحبة الله سبحانه وجعل محبته تفتن غاية في القباحة أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي الحافظ نا أبو حازم عمر بن إبراهيم العبدري قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول في قوله : ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فقال الروح النظر إلى وجه الله والريحان الاستماع لكلامه وجنة نعيم هو أن لا يحجب فيها عن الله قلت هذا كلام بالواقع على خلاف أقوال المفسرين وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير القرآن من كلامهم الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين سماها حقائق التفسير فقال في فاتحة الكتاب عنهم انهم قالوا إنما سميت فاتحة الكتاب لأنها أوائل ما فاتحناك به من خطابنا فإن تأدبت بذلك وإلا حرمت لطائف ما بعد.

стр. 355

قال المصنف ﵀: وهذا قبيح لأنه لا يختلف المفسرون أن الفاتحة ليست من أول ما نزل وقال في قول الإنسان آمين أي قاصدون نحوك. قال المصنف ﵀: وهذا قبيح لأنه ليس من أم لأنه لو كان كذلك لكانت الميم مشددة وقال في قوله وإن يأتوكم أسارى قال قال أبو عثمان غرقى في الذنوب وقال الواسطي غرقى في رؤية أفعالهم وقال الجنيد أسارى في أسباب الدنيا تفدوهم إلى قطع العلائق قلت وإنما الآية على وجه الإنكار ومعناها إذا أسرتموهم فديتموهم وإذا حاربتموهم قلبتموهم وهؤلاء قد فسروها على ما يوجب المدح وقال محمد بن علي ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ من توبتهم وقال النووي: ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي يقبضك بإياه ويبسطك لإياه وقال في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ أي من هواجس نفسه ووساوس الشيطان وهذا غاية في القبح لأن لفظ الآية لفظ الحبر ومعناه الأمر وتقديرها من دخل الحرم فأمنوه وهؤلاء قد فسروها على الخبر ثم لا يصح لهم لأنه كم من داخل إلى الحرم ما أمن من الهواجس ولا الوساوس وذكر في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال أبو تراب هي الدعاوي الفاسدة: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ قال سهل هو القلب ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ النفس ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ الجوارح وقال في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ قال أبو بكر الوراق الهمان لها ويوسف ما هم بها قلت هذا خلاف لصريح القرآن وقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾ قال محمد بن علي ما هذا بأهل أن يدعى إلى المباشرة وقال الزنجاني الرعد صعقات الملائكة والبرق زفرات أفئدتهم والمطر بكاؤهم وقال في قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً﴾ قال الحسين لا مكر أبين فيه من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم سبيلا إليه بحال أو للحدث اقتران مع القدم. قال المصنف ﵀ ومن تأمل معنى هذا علم أنه كفر محض لأنه يشير إلى أنه كالهزء واللعب ولكن الحسين هذا هو الحلاج وهذا يليق بذلك وقال في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ أي بعمارتك سرك بمشاهدتنا قلت وجميع الكتاب من هذا الجنس ولقد هممت أن أثبت منه ها هنا كثيرا فرأيت أن الزمان يضيع في كتابة شيء بين الكفر والخطأ والهذيان وهو من جنس ما حكينا عن الباطنية فمن أراد أن يعرف جنس ما في الكتاب فهذا أنموذجه ومن أراد الزيادة فلينظر في ذلك الكتاب وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع قال للصوفية استنباط منها قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ قال الواسطي معناه لا أرى نفسي وقال الشبلي لو اطلعت على الكل مما سوانا

стр. 356

لوليت منهم فرارا إلينا قلت هذا لا يحل لأن الله تعالى إنما أراد أهل الكهف وهذا السراج يسمي هذه الأقوال في كتابه مستنبطات وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب ذم المال في قوله عزوجل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ قال إنما عنى الذهب والفضة إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعبد الآلهة والأصنام وإنما عنى بعبادته حبه والاغترار به. قال المصنف ﵀: وهذا شيء لم يقله أحد من المفسرين وقد قال شعيب وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ومعلوم أن ميل الأنبياء إلى الشرك أمر ممتنع لأجل العصمة لا أنه مستحيل ثم قد ذكر مع نفسه من يتصور في حقه الإشراك والكفر فجاز أن يدخل نفسه معهم فقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّْ﴾ ومعلوم أن العرب أولاده وقد عبد أكثرهم الأصنام. أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق نا المبارك بن عبد الجبار نا الحسين بن علي الطناجيري نا أبو حفص بن شاهين قال وقد تكلمت طائفة من الصوفية في نفس القرآن بما لا يجوز فقالت في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ فقال هم لآيات لي فأضافوا إلى الله تعالى ما جعله ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهذا تبديل للقرآن وقالوا: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قالوا ولي سليمان. وأخبرنا ابن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال قال أبو حمزة الخراساني قد يقطع بأقوام في الجنة فيقال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ فشغلهم عنه بالأكل والشرب ولا مكر فوق هذا ولا حسرة أعظم منه. قال المصنف ﵀: أنظروا وفقكم الله إلى هذه الحماقة وتسمية المغنم به مكرا وإضافة المكر بهذا إلى الله وعلى مقتضى قول هذا أن الأنبياء لا يأكلون ولا يشربون بل يكونون مشغولين بالله فما أجرأ هذا القائل على مثل هذه الألفاظ القباح وهل يجوز أن يوصف الله بالمكر على ما نعقله من معنى المكر وإنما معنى مكره وخداعه أنه مجازي الماكرين والخادعين وإني لأتعجب من هؤلاء وقد كانوا يتورعون من اللقمة والكلمة كيف انبسطوا في تفسير القرآن إلى ما هذا حده وقد أخبرنا علي بن عبيد الله وأحمد بن الحسن وعبد الرحمن بن محمد قالوا حدثنا عبد الصمد بن المأمون نا علي بن عمر الحربي ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ثنا بشر بن الوليد ثنا سهيل أخو حزم ثنا أبو عمران الجوني عن جندب قال قال رسول الله ﷺ : "من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ" أخبرنا هبة الله بن محمد

стр. 357

نا الحسن بن علي نا أبو بكر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي وكيع عن الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار". قال المصنف ﵀: وقد رويت لنا حكاية عن بعضهم فيما يتعلق بالمكر إني لأقشعر من ذكرها لكني أنبه بذكرها على قبح ما يتخايله هؤلاء الجهلة أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو عبد الله ابن باكويه قال أخبرنا أبو عبد الله بن خفيف قال سمعت رويما يقول اجتمع ليلة بالشام جماعة من المشايخ فقالوا ما شهدنا مثل هذه الليلة وطيبها فتعالوا نتذاكر مسألة لئلا تذهب ليلتنا فقالوا نتكلم في المحبة فإنها عمدة القوم فتكلم كل واحد من حيث هو وكان في القوم عمرو بن عثمان المكي فوقع عليه البول ولم يكن من عادته فقام وخرج إلى صحن الدار فإذا ليلة مقمرة فوجد قطعة رق مكتوب فأخذه وحمله اليهم وقال يا قوم اسكنوا فإن هذا جوابكم أنظروا ما في هذه الرسالة فإذا فيها مكتوب مكار مكار وكلكم تدعون حبه وأحرم البعض وافترقوا فما جمعهم إلا الموسم. قال المصنف ﵀: قلت هذه بعيدة الصحة وابن خفيف لا يوثق به وإن صحت فإن شيطانا ألقى ذلك الرق وإن كانوا قد ظنوا أنها رسالة من الله بظنونهم الفاسدة وقد بينا أن معنى المكر منه المجازاة على المكر فأما أن يقال عنه مكار ففوق الجهل وفوق الحماقة. وقد أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا الأزجي ثنا ابن جهضم ثنا الخلدي قال سمعت رويما يقول إن الله غيب أشياء في أشياء مكره في علمه وغيب خداعه في لطفه وغيب عقوباته في باب كراماته قلت وهذا تخليط من ذلك الجنس وجرأة أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت خالي يقول قال الحسن بن علويه خرج أبو يزيد لزيارة أخ له فلما وصل إلى نهر جيحون التقى له حافتا النهر فقال سيدي إيش هذا المكر الخفي وعزتك ما عبدتك لهذا ثم رجع ولم يعبر قال السهلكي وسمعت محمد بن أحمد المذكر يذكر أن أبا يزيد قال من عرف الله صار للجنة بوابا وصارت الجنة عليه وبالا. قلت وهذه جرأة عظيمة في إضافة المكر إلى الله وجعل الجنة التي هي نهاية المطالب وبالا وإذا كانت وبالا للعارفين فكيف تكون لغيرهم وكل هذا منبعه من قلة العلم وسوء الفهم أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا أبو الفرج الورياني ثنا

стр. 358

أحمد بن الحسن بن محمد ثني محمد بن جعفر الوراق ثنا أحمد بن العباس المهلبي قال سمعت طيفور وهو أبو يزيد يقول العارفون في زيارة الله تعالى في الآخرة على طبقتين طبقة تزوره متى شاءت وأنى شاءت وطبقة تزوره مرة واحدة ثم لا تزوره بعدها أبدا فقيل له كيف ذلك قال إذا رآه العارفون أول مرة جعل لهم سوقا ما فيه شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء فمن دخل منهم السوق لم يرجع إلى زيارة الله أبدا قال وقال أبو يزيد في الدنيا يخدعك بالسوق وفي الآخرة يخدعك بالسوق فأنت أبدا عبد السوق. قال المصنف ﵀: تسمية ثواب الجنة خديعة وسببا للانقطاع عن الله قبيح وإنما يجعل لهم السوق ثوابا لا خديعة فإذا أذن لهم في أخذ ما في السوق ثم عوقبوا بمنع الزيارة فقد صارت المثوبة عقوبة ومن أين له أن من أختار شيئا من ذلك السوق لم يعد إلى زيارة الله ﵎ ولا يراه أبدا نعوذ بالله من هذا التخليط والتحكم في العلم والأخبار عن هذه المغيبات التي لا يعلمها إلا نبي فمن اين له علمها وكيف يكون كما قال أبو هريرة راوي الحديث لسعيد بن المسيب جمعني الله وأياك في سوق الجنة أفتراه طلب ترك العقوبة بالبعد عن الله لكن بعد هؤلاء عن العلم واقتناعهم بواقعاتهم الفاسدة أوجب هذا التخليط وليعلم أن الخواطر والواقعات إنما هي ثمرات علمه فمن كان عالما كانت خواطره صحيحة لأنها ثمرات علمه ومن كان جاهلا فثمرات الجهل كلها حظه ورأيت بخط ابن عقيل جاز أبو يزيد على مقابر اليهود فقال ما هؤلاء حتى تعذبهم كف عظام جرت عليهم القضايا أعف عنهم. قال المصنف ﵀: وهذا قلة علم وهو أن قوله كف عظام احتقار للآدمي فإن المؤمن إذا مات كان كف عظام وقوله جرت عليهم القضايا فكذلك جرى على فرعون وقوله أعف عنهم جهل بالشريعة لأن الله أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافرا فلوا قبلت شفاعته في كافر لقبل سؤال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه في أبيه ومحمد ﷺ في أمه فنعوذ بالله من قلة العلم. أنبأنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى نا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن قورى الحوبياني نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بالسراج قال كان ابن سالم يقول عبر أبو يزيد على مقبرة اليهود فقال معذورين ومر بقبر المسلمين فقال مغرورين. قال المصنف ﵀: وفسره السراج فقال كأنه لما نظر إلى ما سبق لهم من الشقاوة من غير فعل كان موجودا في الأزل وأن الله جعل نصيبهم السخط فذلك عذر.

стр. 359

قال المصنف ﵀: وتفسير السراج قبيح لأنه يوجب أن لا يعاقب فرعون ولا غيره ومن كلامهم في الحديث وغيره أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا الأزهري نا أحمد بن إبراهيم بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن جنبل قال جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي فجعل أبي يقول فلان ضعيف وفلان ثقة فقال أبو تراب يا شيخ لا تغتب العلماء فالتفت أبي إليه وقال له ويحك هذه نصيحة ليست هذه غيبة أنبأنا يحيى بن علي المدبر نا أحمد بن علي بن ثابت نا رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله النيسابوري يقول سمعت أبا الحسن علي بن محمد البخاري يقول سمعت محمد بن الفضل العباسي يقول كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ علينا كتاب الجرح والتعديل فقال أظهر أحوال العلم من كان منهم ثقة أو غير ثقة فقال له يوسف بن الحسين استحييت إليك يا أبا محمد كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مائة سنة أو مائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم على أديم الأرض فبكى عبد الرحمن وقال يا أبا يعقوب لو سمعت هذه الكلمة قبل تصنيفي هذا الكتاب لم أصنفه قلت عفا الله عن أبي حاتم فإنه لو كان فقيها لرد عليه كما رد الإمام أحمد على أبي تراب ولولا الجرح والتعديل من أين كان يعرف الصحيح من الباطل ثم كون القوم في الجنة لا يمنع أن نذكرهم بما فيهم وتسمية ذلك غيبة حديث سوء ثم من لا يدري الجرح والتعديل كيف هو يزكي كلامه وينبغي ليوسف أن يشتغل بالعجائب التي تحكي عن مثل هذا. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو باكويه قال سمعت عبد الله بن يزيد الأردبيلي يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول من عرف الله أمسك عن رفع حوائجه إليه لما علم أنه العالم بأحواله قلت هذا سد لباب السؤال والدعاء وهو جهل بالعلم. أخبرنا محمد بن عبد الملك بن خيرون نا أحمد بن الحسن الشاهد قال قرئ على محمد بن الحسن الأهوازي وأنا أسمع أبا بكر الديف الصوفي وقال سمعت الشبلي وقد سأله شاب يا أبا بكر لم تقول الله ولا تقول لا إله إلا الله فقال الشبلي استحي أن أوجه إثباتا بعد نفي فقال الشاب أريد حجة أقوى من هذه فقال أخشى أني أؤخذ في كلمة الوجود ولا أصل إلى كلمة الإقرار. قال المصنف ﵀: أنظروا إلى هذا العلم الدقيق فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بقول لا إله إلا الله ويحث عليها وفي الصحيحين عنه أنه كان يقول في دبر كل صلاة لا إله إلا الله وحده لا

стр. 360

شريك له وكان يقول إذا قام لصلاة الليل لا إله إلا أنت وذكر الثواب العظيم لمن يقول لا إله إلا الله فأنظروا إلى هذا التعاطي على الشريعة واختيار ما لم يختره رسول الله ﷺ . أخبرنا محمد بن عبد الباقي ثنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل نا سهل بن على الحساب نا عبد الله بن علي السراج قال بلغني أن أبا الحسن النوري شهدوا عليه أنه سمع أذان المؤذن فقال طعنه سم الموت وسمع نباح كلب فقال لبيك وسعديك فقيل له في ذلك فقال إن المؤذن أغار عليه أن يذكر الله وهو غافل ويأخذ عليه الأجرة ولولاها ما أذن فلذلك قلت طعنة سم الموت والكلب يذكر الله بلا رياء فإنه قد قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. قال المصنف ﵀: أنظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من الزلل إلى هذا الفقه الدقيق والاستنباط الطريف. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا أبو يعقوب الخراط نا النوري أنه رأى رجلا قابضا على لحية نفسه قال فقلت له نح يدك عن لحية الله فرفع ذلك إلى الخليفة فطلبت وأخذت فلما دخلت عليه قال بلغني أنه نبح كلب فقلت لبيك ونادى المؤذن فقلت طعنه قال نعم قال الله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ فقلت لبيك لأنه ذكر الله فأما المؤذن فإنه يذكر الله وهو متلوث بالمعاصي غافل عن الله تعالى قال وقولك للرجل نح يدك عن لحية الله قلت نعم أليس العبد لله ولحيته لله وكل ما في الدنيا والآخرة له قلت عدم العلم أوقع هؤلاء في هذا التخبيط وما الذي أحوجه إلى أن يوهم أن صفة الملك صفة الذات. أخبرنا ابن حبيب قال ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال سمعت الشبلي يقول وقد سئل عن المعرفة فقال ويحك ما عرف الله من قال الله والله لو عرفوه ما قالوه قال ابن باكويه وسمعت أبا القاسم أحمد بن يوسف البراداني يقول سمعت الشبلي يقول يوما لرجل يسأله ما اسمك قال آدم قال ويلك أتدري ما صنع آدم باع ربه بلقمة ثم كان يقول سبحان من عذرني بالسوداء قال ابن باكويه وسمعت بكران بن أحمد الجيلي يقول كان للشبلي جليس فأعلمه أنه يريد التوبة فقال بع مالك واقض دينك وطلق امرأتك ففعل فقال أيتم أولادك بأن تؤيسهم من التعلق بك فقال قد فعلت فجاء بكسر قد جمعها فقال اطرحها بين يدي الفقراء وكل معهم.

стр. 361

أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم نا أبي قال سمعت بعض الفقراء يقول سمعت أبا الحسن الحرفاني يقول لا إله إلا الله من داخل القلب محمد رسول الله من القرط أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا ابن باكويه قال أخبرنا أحمد بن محمد الحلفاي قال رأى الشبلي في الحمام غلاما شابا بلا مئزر فقال له يا غلام ألا تغطي عورتك فقال له اسكت يا بطال إن كنت على الحق فلا تشهد إلا الحق وإن كنت على الباطل فلا تشهد إلا الباطل لأن الحق مشتغل بالحق والباطل مشتغل بالباطل. أنبأنا أبو بكر محمد بن أبي طاهر نا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه ثني أبو القاسم عبد الرحيم بن جعفر السيرافي الفقيه قال حضرت بشيراز عند قاضيها أبي سعيد بشر بن الحسن الداودي وقد ارتفع إليه صوفي وصوفية قال وأمر الصوفية هناك مفرط جدا حتى يقال أن عددهم ألوف فاستعدت الصوفية على زوجها إلى القاضي فلما حضرا قالت له أيها القاضي إن هذا زوجي ويريد أن يطلقني وليس له ذلك فإن رأيت أن تمنعه قال فأخذ القاضي أبو سعيد يتعجب وحنق على مذاهب الصوفية ثم قال لها وكيف ليس له ذلك قالتلأنه تزوج بي ومعناه قائم بي والآن هو يذكر أن معناه قد انقضى مني وأنا معناي قائم فيه ما انقضى فيجب عليه أن يصبر حتى ينقضي معناي منه كما انقضى معناه مني فقال لي أبو سعيد كيف ترى هذا الفقه ثم أصلح بينهما وخرجا من غير طلاق وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب الأحياء أن بعضهم قال للربوبية سر لو أظهر بطلت النبوة وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم وللعلماء بالله سر لو أظهروه لبطلت الأحكام. قلت فاظهروا إخواني إلى هذا التخليط القبيح والادعاء على الشريعة أن ظاهرها يخالف باطنها قال أبو حامد ضاع لبعض الصوفية ولد صغير فقيل له لو سألت الله أن يرده عليك فقال اعتراضي عليه فيما يقضي أشد على من ذهاب ولدي. قلت طال تعجبي من أبي حامد كيف يحكي هذه الأشياء في معرض الاستحسان والرضى عن قائلها وهو يدري أن الدعاء والسؤال ليس باعتراض وقال أحمد الغزالي دخل يهودي إلى أبي سعيد بن أبي الخير الصوفي فقال له أريد أن أسلم على يديك فقال لا ترد فاجتمع الناس وقالوا يا شيخ تمنعه من الإسلام فقال له تريد بلا بد قال نعم قال له برئت من نفسك ومالك قال نعم قال هذا الإسلام عندي احملوه الآن إلى الشيخ أبي حامد يعلم لالا المنافقين يعني لا إله إلا الله قلت وهذا الكلام أظهر عيبا من أن يعاب فإنه في غاية القبح.

стр. 362

ومما يقارب هذه الحكاية في دفع من أراد الإسلام ما أخبرنا به أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب نا محمد بن نعيم الضبي قال سمعت أبا علي الحسين بن محمد بن أحمد الماسر خسي يحكي عن جده وغيره من أهل بيته قال كان الحسن والحسين ابنا عيسى بن ماسر خس أخوين يركبان فيتحير الناس من حسنهما وزيهما فاتفقا على أن يسلما فقصدا حفص بن عبد الرحمن ليسلما على يده فقال لهما حفص أنتما من أجل النصارى وعبد الله بن المبارك خارج في هذه السنة الحج وإذا اسلمتما على يده كان ذلك أعظم عند المسلمين فإنه شيخ أهل المشرق والمغرب فانصرفا فمرض الحسين ومات على نصرانيته قبل قدوم ابن المبارك فلما قدم أسلم الحسن قلت وهذه المحنة إنما جلبها الجهل فليعرف قدر العلم لأنه لو كان عنده حظ من علم لقال أسلما الآن ولا يجوز تأخير ذلك لحظة وأعجب من هذا أبو سعيد الذي قال لليهودي ما قال لأنه يريد الإسلام وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع لمع المتصوفة قال كان سهل بن عبد الله إذا مرض أحد من أصحابه يقول له إذا أردت أن تشتكي فقل أوه فهو اسم من أسماء الله تعالى يستريح إليه المؤمن ولا تقل افرج فإنه اسم من أسماء الشيطان فهذه نبذة من كلام القوم وفقههم نبهت على علمهم وسوء فهمهم وكثرة خطئهم وقد سمعت أبا عبد الله حسين بن علي المقري يقول سمعت أبا محمد عبد الله بن عطاء الهروي يقول سمعت عبد الرحمن بن محمد بن المظفر يقول سمعت أبا عبد الرحمن بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن الحسين السلامي يقول سمعت علي بن محمد المصري يقول سمعت أيوب بن سليمان يقول سمعت محمد بن محمد بن إدريس الشافعي يقول سمعت أبي يقول صحبت الصوفية عشر سنين ما استفدت منه إلا هذين الحرفين الوقت سيف وأفضل العصمة أن لا تقدر.

стр. 363

ذكر تلبيس إبليس في الشطح والدعاوى. قال المصنف ﵀: اعلم أن السلم يورث الخوف واحتقار النفس وطول الصمت وإذا اعتبرت علماء السلف رأيت الخوف غالبا عليهم والدعاوى بعيدة عنهم كما قال أبو بكر ليتني كنت شعره في صدر مؤمن وقال عمر عند موته الويل لعمر إن لم يغفر له وقال ابن مسعود ليتني إذا مت لا أبعث وقالت عائشة ﵂ ليتني كنت نسيا منسيا وقال سفيان الثوري لحماد بن سلمة عند الموت ترجو أن يغفر لمثلي. قال المصنف ﵀: وإنما صدر مثل هذا عن هؤلاء السادة لقوة علمهم بالله وقوة العلم

стр. 364

به تورث الخوف والخشية قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقال ﷺ : "أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية" ولما بعد عن العلم أقوام من الصوفية لاحظوا أعمالهم واتفق لبعضهم من اللطف ما يشبه الكرامات فانبسطوا بالدعاوى. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبو الفضل محمد بن علي السهلكي قال سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الشيرازي يقول ثنا أبو بكر عمر بن يمن ثنا أبو عمر الرهاوي ثنا أحمد بن محمد الجزري قال سمعت أبا موسى الدئيلي يقول سمعت أبا يزيد البسطامي يقول وددت أن قد قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على جهنم فسأله رجل ولم ذاك يا أبا يزيد فقال إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة للخلق أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا ابن باكويه ناابراهيم بن محمد ني حسن بن علوية ني طيفور بن عيسى ني أبو موسى الشبلي قال سمعت أبا يزيد يقول إذا كان يوم القيامة وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فاسأله أن يدخلني النار فقيل له لم قال حتى تعلم الخلائق أن بره ولطفه في النار مع أوليائه. قال المصنف ﵀: هذا الكلام من أقبح الأقوال لأنه يتضمن تحقير ما عظم الله أمره من النار فإنه بالغ في وصفها فقال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ إلى غير ذلك من الآيات وقد أخبرنا عبد الأول نا ابن المظفر نا ابن أعين ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا إسماعيل ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم" قالوا له الصحابة والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال: "فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها" أخرجاه في الصحيحين وفي أفراد مسلم من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" أخبرنا محمد بن ناصر نا جعفر بن أحمد نا أبو علي التميمي نا أبو بكر بن مالة ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي بهز بن أسد ثنا جعفر بن سليمان ثنا علي بن زيد عن مطرف عن كعب قال قال عمر بن الخطاب يا كعب خوفنا فقال يا أمير المؤمنين اعمل عمل رجل لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيا لازدرأت عملك مما ترى فأطرق عمر ﵁ مليا ثم أفاق قال زدنا يا كعب قلت يا أمير المؤمنين لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها فأطرق عمر مليا ثم أفاق فقال زدنا يا

стр. 365

كعب قلت يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مصطفى إلا خر جاثيا على ركبتيه ويقول رب نفسي نفسي لا أسألك اليوم غير نفسي أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد نا حمد بن أحمد الحداد ثنا أبو نعيم الحافظ ثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن الحسن البغدادي ثنا إبراهيم بن عبد الله الجنيد ثنا عبد الله بن محمد بن عائشة ثنا سالم الخواص عن فرات بن السائب عن زاذان قال سمعت كعب الأحبار يقول إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ونزلت الملائكة وصارت صفوف فيقول يا جبرائيل ائتني بجهنم فيأتي بها جبريل فتقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها أفئدة الخلائق ثم زفرت ثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثى على ركبتيه ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهب العقول فيفزع كل أمرئ إلى عمله حتى أن إبراهيم الخليل يقول بخلتي لا أسألك إلا نفسي ويقول موسى بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي وإن عيسى ليقول بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني قلت وقد روينا أن النبي ﷺ قال: "يا جبرائيل ما لي أرى ميكائيل لا يضحك" فقال ما ضحك ميكائيل مذ خلقت النار وما جفت لي عين مذ خلقت جهنم مخافة أن أعصى الله فيجعلني فيها وبكى عبد الله بن رواحة يوما فقالت امرأته ما لك تبكي قال أنبئت أني وارد ولم أنبأ أني صادر. قال المصنف ﵀: فإذا كانت هذه حالة الملائكة والأنبياء والصحابة وهم المطهرون من الأدناس وهذا انزعاجهم لأجل النار فكيف هانت عند هذا المدعى ثم انه يقطع لنفسه بما لا يدري به من الولاية والنجاة وهل قطع بالنجاة إلا لقوم مخصوصين من الصحابة وقد قال ﷺ : "من قال إني في الجنة فهو في النار" وهذا محمد بن واسع يقول عند موته يا أخوتاه أتدرون أين يذهب بي يذهب بي والله الذي لا إله إلا هو إلى النار أو يعفو عني قلت وهذا إن صح عن هذا المدعى فهذا غاية من تلبيس إبليس وقد كان ابن عقيل يقول قد حكى عن أبي يزيد أنه قال وما النار والله لئن رأيتها لأطفأنها بطرف مرقعتي أو نحو هذا قال ومن قال هذا كائن من كان فهو زنديق يجب قتله فإن الأهوان للشيء ثمرة الجحد لأن من يؤمن بالجن يقشعر في الظلمة ومن لا يؤمن لا ينزعج وربما قال يا جن خذوني ومثل هذا القائل ينبغي أن يقرب إلى وجهه شمعة فإذا انزعج قيل له هذه جذوة من نار أنبأنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد قال سمعت الحسن بن علوية يقول سمعت طيفور الصغير يقول سمعت عمي خادم أبي يزيد يقول سمعت أبا يزيد يقول

стр. 366

سبحاني سبحاني ما أعظم شأني ثم قال حسبي من نفسي حسبي قلت هذا إن صح عنه فربما يكون الراوي لم يفهم لأنه يحتمل أن يكون قد ذكر تمجيد الحق نفسه فقال فيه سبحاني حكاية عن الله لا عن نفسه وقد تأوله له الجنيد بشيء إن لم يرجع إلى ما قلته فليس بشيء فأنبأنا ابن ناصر نا السهلكي نا محمد بن القاسم الفارسي سمعت الحسن بن علي المذكر سمعت جعفر الخلدي يقول قيل للجنيد إن أبا يزيد يقول سبحاني سبحاني أنا ربي الأعلى فقال الجنيد إن الرجل مستهلك في شهود الجلال فنطق بما استهلكه أذهله الحق عن رؤيته إياه فلم يشهد إلا الحق فنعته قلت وهذا من الخرافات أنبأنا عبد الأول نا أحمد بن أبي نصر الكوفاني نا الحسن بن محمد بن فوزي نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أحمد بن سالم البصري بالبصرة يقول في مجلسه يوما فرعون لم يقل ما قال أبو يزيد لأن فرعون قال أنا ربكم الأعلى والرب يسمى به المخلوق يقال رب الدار وقال أبو يزيد سبحاني سبحاني لا يجوز إلا الله فقلت قد صح عنك هذا عن أبي يزيد فقال قد قال ذلك فقلت يحتمل أن يكون لهذا الكلام مقدمات يحكى بأن الله يقول سبحاني لأنا لو سمعنا رجلا يقول لا إله إلا أنا علمنا أنه يقرأ وقد سألت جماعة من أهل بسطام من بيت أبي يزيد عن هذا فقالوا لا نعرف هذا أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول سمعت عامر بن أحمد قال سمعت الكتاني يقول حدثني أبو موسى الدئيلي قال سمعت أبا يزيد يقول كنت أطوف حول البيت أطلبه فلما وصلت إليه رأيت البيت يطوف حولي قال الشيرازي وحدثنا إبراهيم بن محمد قال سمعت الحسن بن علوية يقول سمعت طيفور الصغير يقول سمعت أبا يزيد يقول حججت أول حجة فرأيت البيت وحججت الثانية فرأيت صاحب البيت ولم أر البيت وحججت الثالثة فلم أر البيت ولا صاحب البيت قال الشيرازي وسمعت محمد بن داودية يقول سمعت عبد الله بن سهل يقول سمعت أبا موسى الدئيلي يقول سمعت أبا يزيد وسئل عن اللوح المحفوظ قال أنا اللوح المحفوظ قال الشيرازي وسمعت المظفر بن عيسى المراغي يقول سمعت سيرين يقول سمعت أبا موسى الدئيلي يقول لأبي يزيد بلغني أن ثلاثة قلوبهم على قلب جبريل قال أنا أولئك الثلاثة فقلت كيف قال قلبي واحد وهمي واحد وروحي واحد قلت وبلغني أن واحدا قلبه على قلب إسرافيل قال وأنا ذلك الواحد ومثلي مثل بحر مصطلم لا أول له ولا آخر قال السهلكي وقرأ رجل عند أبي يزيد: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ

стр. 367

لشديد﴾ فقال أبو يزيد وحياته أن بطشي أشد من بطشه وقيل لأبي يزيد بلغنا أنك من السبعة قال أنا كل السبعة وقيل له إن الخلق كلها تحت لواء سيدنا محمد ﷺ فقال والله إن لوائي أعظم من لواء محمد لوائي من نور تحته الجن والإنس كلهم مع النبيين وقال أبو يزيد سبحاني سبحاني ما أعظم سلطاني ليس مثلي في السماء يوجد ولا مثلي صفة في الأرض تعرف أنا هو وهو أنا وهو هو أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أحمد بن أبي عمران ثنا منصور بن عبد الله قال سمعت أبي يقول قيل لأبي يزيد إنك من الأبدال السبعة الذي هم أوتاد الأرض فقال أنا كل السبعة أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت أبا الحسين محمد بن القاسم الفارسي قال سمعت أبا نصر بن محمد بن إسماعيل البخاري يقول سمعت أبا الحسين علي بن محمد الجرجاني يقول سمعت الحسن بن علي بن سلام يقول دخل أبو يزيد مدينة فتبعه منها خلق كثير فالتفت اليهم فقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ فقالوا جن أبو يزيد فتركوه قال الفارسي وسمعت أبا بكر أحمد بن محمد النيسابوري قال سمعت أبا بكر أحمد بن إسرائيل قال سمعت خالي علي بن الحسين يقول سمعت الحسن بن علي بن حياة يقول سمعت عمي وهو أبو عمران موسى بن عيسى بن أخي أبي يزيد قال سمعت أبي يقول قال أبو زيد رفع بي مرة حتى قمت بين يديه فقال لي يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك قلت يا عزيزي وأنا أحب أن يروني فقال يا أبا يزيد إني أريد أريكهم فقلت يا عزيزي إن كانوا يحبون أن يروني وأنت تريد ذلك وأنا لا أقدر على مخالفتك قربني بوحدانيتك وألبسني ربانيتك وأرفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا رأيناك فيكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك ففعل بي ذلك وأقامني وزيني ورفعني ثم قال أخرج إلى خلقي فخطوت من عنده خطوة إلى الخلق خارجا فلما كان من الخطوة الثانية غشي علي فنادى ردوا حبيبي فإنه لا يصبر عني ساعة أنبأنا ابن ناصر نا السهلكي قال سمعت محمد بن إبراهيم الواعظ يقول سمعت محمد بن محمد الفقيه يقول سمعت أحمد بن محمد الصوفي يقول سمعت أبا موسى يقول حكي عن أبي يزيد أنه قال أراد موسى ﵊ أن يرى الله تعالى وأنا ما أردت أن أرى الله تعالى هو أراد أن يراني أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق الحيري ثنا أبو عبد الله بن باكويه ثنا أبو الطيب بن الفرغاني قال سمعت الجنيد بن محمد يقول دخل علي أمس رجل من أهل بسطام فذكر أنه سمع أبا يزيد البسطامي يقول اللهم إن كان في سابق علمك أنك تعذب أحدا من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري.

стр. 368

قال المصنف ﵀: أما ما تقدم من دعاويه فما يخفى قبحها وأما هذا القول فخطأ من ثلاثة أوجه أحدها أنه قال إن كان في سابق علمك وقد علمنا قطعا أنه لا بد من تعذيب خلق بالنار وقد سمى الله منهم خلقا كفرعون وأبي لهب فكيف يجوز أن يقال بعد القطع اليقين إن كان والثاني قوله تعظم خلقي فلو قال لا دفع عن المؤمنين ولكنه قال حتى لا تسع غيري فاشفق على الكفار أيضا وهذا تعاط على رحمة الله والثالث أن يكون جاهلا بقدر هذه النار أو واثقا من نفسه بالصبر وكلا الأمرين معدوم عنده قلت ثم قال والله ولقد تكلمت أمس مع الخضر في هذه المسألة وكانت الملائكة يستحسنون قولي والله يسمع كلامي فلم يعب علي ولو عاب علي لأخرسني قلت لولا أن هذا الرجل قد نسب إلى التغير لكان ينبغي أن يرد عليه وأين الخضر ومن أين له أن الملائكة تستحسن قوله وكم من قول معيب لم يعاجل صاحبه بالعقوبة وقد بلغني عن ميمون عبده قال بلغني عن سمنون المحب أنه كان يسمي نفسه الكذاب بسبب أبياته التي قال فيها: وليس لي في شواك حظ … فكيفما ما شئت فامتحني فابتلي بحبس البول فلم يقر له قرار فكان بعد ذلك يطوف على المكاتب وبيده قارورة يقطر منها بوله ويقول للصبيان ادعوا لعمكم الكذاب. قال المصنف ﵀: إنه ليقشعر جلدي من هذه أتراه على ما يتقاوى وإنما هذه ثمرة الجهل بالله ولو عرفه لم يسأله إلا العافية وقد قال من عرف الله كل لسانه أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت محمد بن داود الجوزجاني يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول كنت أرد هذه الكرامات حتى حدثني الثقة عن أبي الحسين النوري وسألته فقال كذا كان قال كنا في سميرية في دجلة فقالوا لأبي الحسين أخرج لنا من دجلة سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي فحرك شفتيه فإذا سمكة فيها ثلاثة أرطال وثلاث أواقي ظهرت من الماء حتى وقعت في السميرية فقيل لأبي الحسين سألناك بالله إلا أخبرتنا بماذا دعوت فقال قلت وعزتك لئن لم تخرج من الماء حوتا فيها ثلاث أرطال وثلاث أواقي لأغرقن نفسي في دجلة أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت قال أخبرني عبد الصمد بن محمد الخطيب ثنا الحسن بن الحسين الهمداني قال سمعت جعفرا الخلدي سمعت الجنيد يقول سمعت النوري يقول كنت بالرقة فجاءني المريدون الذين كانوا بها وقالوا نخرج

стр. 369

ونصطاد السمك فقالوا لي يا أبا الحسين هات من عبادتك واجتهادك وما أنت عليه من الاجتهاد سمكة يكون فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص فقلت لمولاي إن لم تخرج إلى الساعة سمكة فيها ما قد ذكروا لأرمين بنفسي في الفرات فأخرجت سمكة فوزنتها فإذا فيها ثلاثة أرطال لا زيادة ولا نقصان قال الجنيد فقلت له يا أبا الحسين لو لم تخرج كنت ترمي بنفسك قال نعم أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه نا أبو يعقوب الخراط قال قال لي أبو الحسين النوري كان في نفسي من هذه الكرامات شيء وأخذت من الصبيان قصبة وقمت بين زورقين وقلت وعزتك لئن لم تخرج لي سكمة فيها ثلاثة أرطال لا تزيد ولا تنقص لا آكل شيئا قال فبلغ ذلك الجنيد فقال كان حكمه أن تخرج له أفعى تلدغه أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول سمعت الرقي يقول سمعت علي بن محمد بن أبان قال سمعت أبا سعيد الخراز يقول أكبر ذنبي إليه معرفتي إياه. قال المصنف ﵀: هذا إن حمل على معنى أني لما عرفته لم أعمل بمقتضى معرفته فعظم ذنبي كما يعظم جرم من علم وعصا وإلا فهو قبيح أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه ثني أحمد الحلفاي قال سمعت الشبلي يقول أحبك الخلق لنعمائك وأنا أحبك لبلائك أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن علي الخشاب وأخبرنا أبو الوقت نا أحمد بن أبي نصر نا الحسن بن محمد بن فوري قالا نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد الهمداني يقول دخلت على الشبلي فلما قمت لأخرج كان يقول لي ولمن معى إلى أن خرجنا من الدار مروا أنا معكم حيث ما كنتم وأنتم في رعايتي وكلاءتي نا محمد بن ناصر نا أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت منصور بن عبد الله يقول دخل قوم على الشبلي في مرض موته الذي مات فيه فقالوا كيف تجدك يا أبا بكر فأنشأ يقول: إن سلطان حبه … قال لا أقبل الرشا فسلوه فديته … ما لقتلي تحرشا قال ابن عقيل وقد حكي عن الشبلي أنه قال أن الله قال ولسوف يعطيك ربك فترضى والله لا رضي محمد ﷺ وفي النار من أمته أحد ثم قال إن محمدا يشفع في أمته وأشفع بعده في النار حتى لا يبقى فيها أحد قال ابن عقيل والدعوى الأولى على النبي ﷺ

стр. 370

كاذبة فإن النبي ﷺ يرضى بعذاب الفجار كيف وقد لعن في الخمر عشرة فدعوى أنه لا يرضى بتعذيب الله للفجار دعوى باطلة وإقدام على جهل بحكم الشرع ودعواه بأنه من أهل الشفاعة في الكل وأنه يزيد على محمد ﷺ كفر لأن الإنسان متى قطع لنفسه بأنه من أهل لجنة كان من أهل النار فكيف وهو يشيد لنفسه بأنه على مقام يزيد على مقام النبوة بل يزيد على المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى قال ابن عقيل والذي يمكنني في حق أهل البدع لساني وقلبي ولو اتسعت قدرتي في السيف لرويت الثرى من دماء خلق. أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أخبرنا جعفر بن أحمد ثنا أبو طاهر محمد بن علي العلاف سمعت أبا الحسين بن سمعون سمعت أبا عبد الله العلقي صاحب أبا العباس بن عطاء سمعت أبا العباس بن عطاء يقول قرأت القرآن فلما رأيت الله ذكر عبدا فأثنى عليه حتى أبتلاه فسألت الله تعالى أن يبتليني فما مضت الأيام والليالي حتى خرج من داري نيف وعشرون ميتا ما رجع منهم أحد قال وذهب ماله وذهب عقله وذهب ولده وأهله فمكث بحكم الغلبة سبع سنين أو نحوها وكان أول شيء قاله بعد صحوه من غلبته: حقا أقول لقد كلفتني شططا … حملي هواك وصبري إن ذا عجب قلت قلة علم هذا الرجل أثمر أن سأل البلاء وفي سؤال البلاء معنى التقاوى وذاك منأقبح القبيح والشطط الجور ولا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى وأحسن ما حمل عليه حاله أن يكون قال هذا البيت في زمان التغيير أخبرنا محمد بن ناصر أنبأنا أحمد بن علي بن خلف نا محمد بن الحسين السلمي سمعت أبا الحسن علي بن إبراهيم الحصري يقول دعوني وبلائي ألستم أولاد آدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأمره بأمره فخالفه إذا كان أول الدن دردى كيف يكون آخره قال وقال الحصري كنت زمانا إذا قرأت القرآن لا أستعيذ من الشيطان وأقول الشيطان حتى يحضر كلام الحق. قال المصنف ﵀ قلت: أما القول الأول بأنه يتسلط على الأنبياء جرأة قبيحة وسوء أدب وأما الثاني فمخالف لما أمر الله به فإنه قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر نا عباد ابن إبراهيم النسفي ثنا محمد بن الحسين السلمي قال وجدت في كتاب أبي بخطة سمعت أبا العباس أحمد بن محمد الدينوري يقول قد نقضوا أركان التصوف وهدموا سبيلها وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها سموا الطبع زيادة وسوء الأدب

стр. 371

إخلاصا والخروج عن الحق شطحا والتلذذ بالمذموم طيبة وسوء الخلق صولة والبخل جلادة واتباع الهوى ابتلاء والرجوع إلى الدنيا وصولا والسؤال عملا وبذأ اللسان ملامة وما هذا طريق القوم وقال ابن عقيل عبرت الصوفية عن الحرام بعبارات غيروا لها الأسماء مع حصول المعنى فقالوا في الاجتماع على الطيبة والغناء والخنكرة أوقات وقالوا في المردان شب وفي المعشوقة أخت وفي المحبة مريدة وفي الرقص والطرب وجد وفي مناخ اللعهود والبطالة رباط وهذا التغيير للأسماء لا يباح.

стр. 372

بيان جملة مروية على الصوفية من الأفعال المنكرة. قلت قد سبق ذكر أفعال كثيرة لهم كلها منكرة وإنما نذكر ههنا من أمهات الأفعال وعجائبها أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال ذكر عن أبي الكريتي وكان أستاذ الجنيد أنه أصابته جنابة وكان عليه مرقعة تخينة فجاء إلى شاطئ الدجلة والبرد شديد فحرنت نفسه عن الدخول في الماء لشدة البرد فطرح نفسه في الماء مع المرقعة ولم يزل يغوص حتى خرج وقال عقدت أن لا أنزعها عن بدني حتى تجف علي فلم تجف عليه شهرا. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت ثنا عبد العزيز ابن علي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثنا الخلدي ثني جنيد قال سمعت أبا جعفر ابن الكريتي يقول أصبت ليلة جنابة فاحتجت أن أغتسل وكانت ليلة باردة فوجدت في نفسي تأخرا وتقصيرا وحدثتني نفسي لو تركت حتى تصبح ويسخن لك الماء أو تدخل حماما وإلا اعبأ على نفسك فقلت واعجبا أنا أعامل الله تعالى في طول عمري يجب له على حق لا أجد المسارعة إليه وأجد الوقوف والتباطؤ والتأخر آليت لا أغتسل إلا في نهر وآليت لا أغتسلت إلا في نهر وآليت لا أغتسلت إلا في مرقعتي هذه وآليت لا أعصرنها وآليت لا جففنها في شمس أو كما قال قلت قد سبق في ذكر المرقعات وصف هذه المرقعة لأبن التكريتي وأنه وزن أحد كميها فكان فيه أحد عشر رطلا وإنما ذكر هذا للناس ليبين أني فعلت الحسن الجميل وحكوه عنه ليبين فضله وذلك جهل محض لأن هذا الرجل عصى الله بما فعل وإنما يعجب هذا الفعل العوام الحمقى لا العلماء ولا يجوز لأحد أن يعاقب نفسه فقد جمع هذا المسكين لنفسه فنونا من التعذيب إلقاؤها في الماء

стр. 373

البارد وكونه في مرقعة لا يمكنه الحركة فيها كما يريد ولعله قد بقي من مغابنه ما لم يصل إليه الماء لكثافة هذه المرقعة وبقاءها عليه مبتلة شهرا وذلك يمنعه لذة النوم وكل هذا الفعل خطأ وأثم وربما كان ذلك سببا لمرضه أو قتله. أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قال أخبرنا حمد بن أحمد بن عبد الله الأصبهاني قال كانت أم علي زوجة أحمد بن حضرويه قد أحلت زوجها أحمد من صداقها على أن يزور بها أبا يزيد البسطامي فحملها إليه فدخلت عليه وقعدت بين يديه مسفرة عن وجهها فلما قال لها أحمد رأيت منك عجبا أسفرت عن وجهك بين يدي أبي يزيد قالت لأني لما نظرت إليه فقدت حظوظ نفسي وكلما نظرت إليك رجعت إلى حظوظ نفسي فلما أراد أحمد الخروح من عند أبي يزيد قال له أوصني قال تعلم الفتوة من زوجتك أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا بن باكويه سمعت أبا بكر الفازي وفاز قرية بطرسوس سمعت أبا بكر السباك سمعت يوسف بن الحسين يقول كان بين أحمد بن أبي الحواري وبين أبي سليمان عقد أن لا يخالفه في شيء يؤمره به فجاءه يوما وهو يتكلم في المجلس فقال إن التنور قد سجرناه فما تأمرنا فما أجابه فأعاد مرة أو مرتين فقال له الثالثة أذهب واقعد فيه ففعل ذلك فقال أبو سليمان ألحقوه فإن بيني وبينه عقدا أن لا يخالفني في شيء آمره به فقام وقاموا معه فجاؤا إلى التنور فوجدوه قاعدا في وسطه فأخذ بيده وأقامه فما أصابه خدش. قال المصنف ﵀: هذه الحكاية بعيدة الصحة ولو صحت كان دخوله النار معصية وفي الصحيحين من حديث علي ﵁ قال بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليها رجلا من الأنصار فلما خرجوا وجد عليهم في شيء فقال لهم أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني قالوا بلى قال فاجمعوا حطبا فجمعوا ثم دعا بنار فأضرمها ثم قال عزمت عليكم لتدخلنها قال فهم القوم أن يدخلوها فقال لهم شاب إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي ﷺ فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوا فرجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه فقال لهم رسول الله ﷺ : "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف" أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ أخبرني الحسن بن جعفر بن علي أخبرني عبد الله بن إبراهيم الجزري قال قال أبو الخير الدئيلي كنت جالسا عند خير النساج فأتته امرأة وقالت له أعطيني المنديل الذي دفعته إليك قال نعم فدفعه إليها قالت كم الأجرة قال

стр. 374

درهمان قالت ما معي الساعة شيء وأنا قد ترددت إليك مرارا فلم أراك وأنا آتيك به غدا إن شاء الله تعالى فقال لها خير إن أتيتني بهما ولم تجديني فارمى بهما في دجلة فإني إذا جئت أخذتهما فقالت المرأة كيف تأخذ من دجلة فقال لها خير هذا التفتيش فضول منك أفعلي ما أمرتك به قالت إن شاء الله فمرت المرأة قال أبو الحسين فجئت من الغد وكان خير غائبا وإذا المرأة قد جاءت ومعها خرقة فيها درهما فلم تجده فرمت بالخرقة في دجلة وإذا بسرطان قد تعلقت بالخرقة وغاصت وبعد ساعة جاء خير وفتح باب حانوته وجلس على الشط يتوضأ وإذا بسرطان قد خرجت من الماء تسعى نحوه والخرقة على ظهرها فلما قربت من الشيخ أخذها فقلت له رأيت كذا وكذا فقال أحب أن لا تبوح به في حياتي فأجبته إلى ذلك. قال المصنف ﵀: صحة مثل هذا تبعد ولو صح لم يخرج هذا الفعل من مخالفة الشرع لأن الشرع قد أمر بحفظ المال وهذا إضاعة وفي الصحيح أن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال ولا تلتفت إلى قول من يزعم أن هذا كرامة لأن الله لا يكرم مخالفا لشرعه أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ سمعت أبا الفرج الورياني سمعت علي بن عبد الرحيم يقول دخلت على النوري ذات يوم فرأيت رجليه منتفختين فسألته عن أمره فقال طالبتني نفسي بأكل الثمر فجعلت أدافعها فتأبى علي فخرجت فاشتريت فلما أن أكلت قلت لها قومي فصلي فأبت علي فقلت لله علي إن قعدت إلى الأرض أربعين يوما إلا في التشهد فما قعدت قلت من سمع هذا من الجهال يقول ما أحسن هذه المجاهدة ولا يدري أن هذا الفعل لا يحل لأنه حمل على النفس ما لا يجوز ومنعها حقها من الراحة وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء قال كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع قال وعالج بعضهم حب المال بأنه باع جميع ماله ورماه في البحر إذا خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل قال وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ليعود نفسه الحلم قال وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعا. قال المصنف ﵀: أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد كيف حكى هذه الأشياء ولم ينكرها وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم وقال قبل أن يورد هذه الحكايات ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في

стр. 375

الخير وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان وإن رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا. قلت وأني لأتعجب من أبي حامد كيف يأمر بهذه الأشياء التي تخالف الشريعة وكيف يحل القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا وكيف يحل رمي المال في البحر وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال وهل يحل سب مسلم بلا سبب وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه وذلك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي الفقه بالتصوف. أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري ثنا أبو الحسن علي بن جهضم ثنا أبو صالح الدامغاني عن الحسن بن علي الدامغاني قال كانرجل من أهل بسطام لا ينقطع عن جلس أبي يزيد لا يفارقه فقال له ذات يوم يا أستاذ أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر وأقوم الليل وقد تركت الشهوات ولست أجد في قلبي من هذا الذي نذكره شيئا البتة فقال له أبو يزيد لو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ثلاثمائة سنة وأنت على ما أراك لا تجد من هذا العلم زرة قال ولم يا أستاذ قال لأنك محجوب بنفسك فقال له أفلهذا دواء حتى ينكشف هذا الحجاب قال نعم ولكنك لم تقبل قال بلى أقبل واعمل ما تقول قال أبو يزيد أذهب الساعة إلى الحجام وأحلق رأسك ولحيتك وأنزع عنك هذا اللباس وابرز بعباءة وعلق في عنقك مخلاة واملأها جوزا وأجمع حولك صبيانا وقل بأعلا صوتك يا صبيان من يصفعني صفعة أعطيته جوزة وادخل إلى سوقك الذي تعظم فيه فقال يا أبا يزيد سبحان الله تقول لي مثل هذا ويحسن أن أفعل هذا فقال أبو يزيد قولك سبحان الله شرك قال وكيف قال لأنك عظمت نفسك فسبحتها فقال يا أبا يزيد هذا ليس أقدر عليه ولا أفعله ولكن دلني على غيره حتى أفعله فقال أبو يزيد ابتدر هذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذل نفسك ثم بعد ذلك أعرفك ما يصلح لك قال لا أطيق هذا قال إنك لا تقبل.

стр. 376

قال المصنف ﵀: قلت ليس في شرعنا بحمد الله من هذا شيء بل فيه تحريم ذلك والمنع منه وقد قال نبينا ﵊: "ليس للمؤمن أن يذل نفسه" ولقد فاتت الجمعة حذيفة فرأى الناس راجعين فاستتر لئلا يرى بعين النقص في قصة الصلاة وهل طالب الشرع أحدا بمحو أثر النفس وقد قال ﷺ : "من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" كل هذا للإبقاء على جاه النفس ولو أمر بهلول الصبيان أن يصفعوه لكان قبيحا فنعوذ بالله من هذه العقول الناقصة التي تطالب المبتدئ بما لا يرضاه الشرع فينفر. وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء عن يحيى بن معاذ أنه قال قلت لأبي يزيد هل سألت الله تعالى المعرفة يقال عزت عليه أن يعرفها سواه فقلت هذا إقرار بالجهل فإن كان يشير إلى معرفة الله تعالى في الجملة وأنه موجود وموصوف بصفات وهذا لا يسمع أحدا من المسلمين جهله وان تخايل له أن معرفته هي اطلاع على حقيقة ذاته وكنهها فهذا جهل به. وحكى أبو حامد أن أبا تراب النخشبي قال لمريد له لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة قلت وهذا فوق الجنون بدرجات. وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريني أنه قال نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فنشب في قلبي فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي قال أبو حامد فهكذا كانوا يرضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمام قلت سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الأحياء فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي أصحابه أرباب أحوال وأي حالة أقبح وأشد من حال من خالف الشرع ويرى المصلحة في النهي عنه وكيف يجوز أن يطلب طلاح القلوب بفعل المعاصي وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه حتى يستعمل ما لا يحل فيها وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قتل من لا يجوز قتله ويسمونه سياسة ومضمون ذلك الشريعة ما تفي بالسياسة وكيف يحل للمسلم أن يعرف نفسه لأن يقال عنه سارق وهل يجوز أن يقصد وهن دينه ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض ولو أن

стр. 377

رجلا وقف مع امرأته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول عنه من لا يعلم هذا فاسق لكان عاصيا بذلك ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه ثم في نص مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده ثم من أرباب الأحوال حتى يعملوا بواقعاتهم كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب. أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا بن باكويه قال سمعت محمد بن أحمد النجاري يقول كان على بن بابويه من الصوفية فاشترى يوما من الأيام قطعة لحم فأحب أن يحمله إلى البيت فاستحيا من أهل السوق فعلق اللحم في عنقه وحمله إلى بيته. قلت واعجبا من قوم طالبوا أنفسهم بمحو أثر الطبع وذلك أمر لا يمكن ولا هو مراد الشرع وقد ركز في الطباع إن الإنسان لا يحب أن يرى إلا متجملا في ثيابه وأنه يستحيي من العري وكشف الرأس والشرع لا ينكر عليه هذا وما فعله هذا الرجل من الإهانة لنفسه بين الناس أمر قبيح في الشرع والعقل فهو إسقاط مروءة لا رياضة كما لو حمل نعليه على رأسه. وقد جاء في الحديث الأكل في السوق دناءة فإن الله قد أكرم الآدمي وجعل لكثير من الناس من يخدمه فليس من الدين إذلال الرجل نفسه بين الناس وقد تسمى قوم من الصوفية بالملامتية فاقتحموا الذنوب فقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من آفات الجاه والمرائين وهؤلاء مثلهم كمثل رجل زنى بأمرأة فاحبلها فقيل له لم تعزل فقال بلغني أن العزل مكروه فقيل له وما بلغك أن الزنا حرام وهؤلاء الجهلة قد أسقطوا جاههم عند الله سبحانه ونسوا أن المسلمين شهداء الله في الأرض أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا بن باكويه قال سمعت أبا أحمد الصغير سمعت أبا عبد الله بن خفيف سمعت أبا الحسن المديني يقول خرجت مرة من بغداد إلى نهر الناشرية وكان في إحدى قرى ذلك النهر رجل يميل إلى أصحابنا فبينا أنا أمشي على شاطئ النهر رأيت مرقعة مطروحة ونعلا وخريقة فجمعتهما وقلت هذه لفقير ومشيت قليلا فسمعت همهمة وتخبيطا في الماء فنظرت فإذا بأبي الحسن النوري قد ألقى نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كل بلاء فلما رأيته علمت أن الثياب له فنزلت إليه فنظر إلي وقال يا أبا الحسن أما ترى ما يعمل بي قد أماتني موتات وقال لي مالك منا ألا الذكر الذي لسائر الناس وأخذ يبكي ويقول ترى ما يفعل بي فما زلت أرفق به حتى غسلته

стр. 378

من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل فأقمنا عنده إلى العصر ثم خرجنا إلى المسجد فلما كان وقت المغرب رأيت الناس يهربون ويغلقون الأبواب ويصعدون السطوح فسألناهم فقالوا السباع تدخل القرية بالليل وكان حوالي القرية أجمة عظيمة وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين فلما سمع النوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الأجمة على أصول القصب المقطوع ويصيح ويقول أين أنت يا سبع فما شككنا أن الأسد قد أفترسه أو قد هلك في أصول القصب فلما كان قريب الصبح جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه فبقي أربعين يوما لا يمشي على رجليه فسألته أي شيء كان ذلك الحال قال لما ذكروا السبع وجدت في نفسي فزعا فقلت لأطرحنك إلى ما تفزعين منه. قلت لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرجل قبل أن يقع في الماء والطين وكيف يجوز للإنسان أن يلقي نفسه في ماء وطين وهل هذا إلا فعل المجانين وأين الهيبة والتعظيم من قوله ترى ما يفعل بي وما وجه هذا الانبساط وينبغي أن تجف الألسن في أفواهها هيبة ثم ما الذي يريده غير الذكر ولقد خرج عن الشريعة بخروجه إلى السبع ومشيه على القصب المقطوع وهل يجوز في الشرع أن يلقي الإنسان نفسه إلى سبع أترى أراد منها أن يغير ما طبعت عليه من خوف السباع ليس هذا في طوقها ولا طلبه الشرع منها ولقد سمع هذا الرجل بعض أصحابه يقول مثل هذا القول فأجابه بأجود جواب أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب نا علي بن أبي صادق نا ابن باكويه نا يعقوب الحواط نا أبو أحمد المغازي قال رأيت النوري وقد جعل نفسه إلى أسفل ورجليه إلى فوق وهو يقول من الخلق أوحشتني ومن النفس والمال والدنيا أفقرتني ويقول ما معك إلا علم وذكر قال فقلت له إن رضيت وإلا فانطح برأسك بالحائط أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكراماني نا سهل بن علي الخشاب نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أبا عمرو بن علوان يقول حمل أبو الحسين النوري ثلاثمائة دينار ثمن عقار بيع له وجلس على قنطرة وجعل يرمي واحدا واحدا منها إلى الماء ويقول جثتي تريدي أن تخدعيني منك بمثل هذا قال السراج فقال بعض الناس لو نفقها في سبيل الله كان خيرا له فقلت إن كانت تلك الدنانير تشغله عن الله طرفة عين كان الواجب أن يرميها في الماء دفعة واحدة حتى يكون أسرع لخلاصه من فتنتها كما قال الله : ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ قلت لقد أبان هؤلاء القوم عن جهل بالشرع وعدم عقل وقد بينا فيما تقدم أن الشرع أمر بحفظ المال وأن لا يسلم إلا إلى رشيد وجعله قواما للآدمي والعقل يشهد بأنه إنما

стр. 379

خلق للمصالح فإذا رمى به الإنسان فقد أفسد ما هو سبب صلاحه وجهل حكمه الواضع واعتذار السراج له أقبح من فعله لأنه إن كان خاف فتنته فينبغي أن يرميه إلى فقير ويتخلص ومن جهل هؤلاء حملهم تفسير القرآن على رأيهم الفاسد لأنه يحتج بمسح السوق والأعناق ويظن بذلك جواز الفساد والفساد لا يجوز في شريعة وإنما مسح بيده عليها وقال أنت في سبيل الله وقد سبق بيان هذا وقال أبو نصر السراج في كتاب اللمع قال أبو جعفر الدراج خرج أستاذي يوما يتطهر فأخذت كتفه ففتشته فوجدت فيه شيئا من الفضة مقدار أربعة دراهم وكان ليلا وبات لم يأكل شيئا فلما رجع قلت له في كتفك كذا وكذا درهما ونحن جياع فقال أخذته رده ثم قال لي بعد ذلك خذه وأشتر به شيئا فقلت له بحق معبودك ما أمر هذه القطع فقال لم يرزقني الله من الدنيا شيئا غيرها فأردت أن أوصي أن تدفن معي فإذا كان يوم القيامة رددتها إلى الله وأقول هذا الذي أعطيتني من الدنيا أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا عبد الواحد بن بكر قال سمعت أبا بكر الجوال سمعت أبا عبد الله الحصري يقول مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الفقراء ويصوم ويخرج بين العشائين فيتصدق من الأبواب ما يفطر عليه. قال المصنف ﵀: قلت لو علم هذا الرجل أن المسألة لا تجوز لمن يقدر على الاكتساب لم يفعل ولو قدرنا جوازها فأين أنفة النفس من ذل الطلب أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التميمي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن جنبل ثني أبي ثنا إسماعيل ثنا معمر عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وما على وجهه مزعة لحم" قال أحمد وحدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يأخذ الرجل حبلا فيحتطب ثم يجيء فيضعه في السوق فيبيعه ثم يستغني به فنفقه على نفسه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه". قلت أنفرد به البخاري واتفقا على الذي قبله وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" والمرة القوة وأصلها من شدة فتل الحبل يقال أمررت الحبل إذا أحكمت فتله فمعنى المرة في الحديث شدة أمر الخلق وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكل والتعب قال الشافعي ﵁ لا تحل الصدقة لمن يجد قوة يقدر

стр. 380

بها على الكسب أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر بن ثابت أنبأنا أبو سعد الماليني قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الواحد الهاشمي سمعت أبا الحسن يونس بن أبي بكر الشبلي يقول قام أبي ليلة فترك فرد رجل على السطح والأخرى على الدار فسمعته يقول لئن أطرفت لأرمين بك إلى الدار فما زال على تلك الحال حتى أصبح فلما أصبح قال لي يا بني ما سمعت الليلة ذاكرا الله إلا ديكا يساوي دانقين. قال المصنف ﵀: هذا الرجل قد جمع بين شيئين لا يجوزان أحدهما مخاطرته بنفسه فلو غلبه النوم فوقع كان معينا على نفسه ولا شك أنه لو رمى بنفسه كان قد أتى معصية عظيمة فتعرضه للوقوع معصية والثاني أنه منع عينه حظها من النوم وقد قال ﷺ : "إن لجسدك عليك حقا وإن لزوجتك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا" وقال: "إذا نعس أحدكم فليرقد" ومر بحبل قد مدته زينب فإذا فترت أمسكت به فأمر بحله وقال: "ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر فليقعد" وقد تقدمت هذه الأحاديث في كتابنا هذا أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر الأردستاني ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا العباس البغدادي يقول كنا نصحب أبا الحسن بن أبي بكر الشبلي ونحن أحداث فأضافنا ليلة فقلنا بشرط أن لا تدخل علينا أباك فقال لا يدخل فدخلنا داره فلما أكلنا إذا نحن بالشبلي وبين كل أصبعين من أصابعه شمعة ثمان شموع فجاء وقعد وسطنا فاحتشمنا منه فقال يا سادة عدوني فيما بينكم طشت شموع ثم قال أين غلامي أبو العباس فتقدم إليه فقال غنني الصوت الذي كنت تغني: ولما بلغ الحيرة حادى … جملي حارا فقلت احطط بها رحلي … ولا نحفل بمن سارا (١) فغنيته فتغير وألقى الشموع من يده وخرج أخبرنا ابن ناصر ثنا هبة الله ابن عبد الله الواسطي نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ نا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس نا الحسين بن أحمد بن عبد الرحمن الصفار قال خرج الشبلي يوم عيد وقد حلق أشفار عينيه وحاجبيه وتعصب بعصابة وهو يقول: للناس فطر وعيد … اني فريد وحيد

стр. 381

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا أحمد بن علي بن ثابت نا التنوخي ثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أبي صابر الدلال قال وقفت على الشبلي في قبة الشعراء في جامع المنصور والناس مجتمعون عليه فوقف عليه في الحلقة غلام جميل لم يكن ببغداد في ذلك الوقت أحسن وجها منه يعرف بابن مسلم فقال له تنح فلم يبرح فقال له الثانية تنح يا شيطان عنا فلم يبرح فقال له الثالثة تنح وإلا والله خرقت كل ما عليك وكانت عليه ثياب في غاية الحسن تساوي جملة كثيرة فانصرف الفتى فقال الشبلي: طرحوا اللحم للبزا … ة على ذروتي عدن ثم لاموا البزاة إذ … خلعوا منهم الرسن لو أرادوا صلاحنا … ستروا وجهك الحسن قال ابن عقيل من قال هذا فقد أخطأ طريق الشرع لأنه يقول ما خلق الله هذا الإنسان إلا للافتتان به وليس كذلك وإنما خلقه للاعتبار والامتحان فإن الشمس خلقت لتضئ لا لتعبد وبإسناد عن أحمد بن محمد النهاوندي يقول مات للشبلي ابن ولد كان أسمه عليا فجزت أمه شعرها عليه وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلقها جميعها فقيل له يا أستاذ ما حملك على هذا فقال جزت هذه شعرها على مفقود ألا أحلق أنا لحيتي على موجود وبإسناد عن عبد الله بن علي السراج قال ربما كان الشبلي يلبس ثيابا مثمنة ثم ينزعها ويضعها فوق النار قال وذكر عنه أنه أخذ قطعة عنبر فوضعها على النار يبخر بها ذنب الحمار وقال بعضهم دخلت عليه فرأيت بين يديه اللوز والسكر يحرقه بالنار قال السراج إنما أحرقه بالنار لأنه كان يشغله عن ذكر الله قلت اعتذار السراج عنه أعجب من فعله قال السراج وحكى عنه أنه باع عقارا ففرق ثمنه وكان له عيال فلم يدفع إليهم شيئا وسمع قارئا يقرأ أخسئوا فيها فقال ليتني كنت واحدا منهم قلت وهذا الرجل ظن أن الذي يكلمهم هو الله تعالى والله لا يكلمهم ثم لو كلمهم كلام إهانة فأي شيء هذا حتى يطلب قال السراج وقال الشبلي يوما في مجلسه إن لله عبادا لو بزقوا على جهنم لأطفؤها قلت وهذا من جنس ما ذكرناه عن أبي يزيد وكلاها من إناء واحد وبإسناد عن أبي علي الدقاق يقول بلغني أن الشبلي اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم. قال المصنف ﵀: وهذا فعل قبيح لا يحل لمسلم أن يؤذي نفسه وهو سبب للعمى ولا

стр. 382

تجوز إدامة السهر لأن فيه إسقاط حق النفس والظاهر أن دوام السهر والتقلل من الطعام أخرجه إلى هذه الأحوال والأفعال وبإسناد عن أبي عبد الله الرازي قال كساني رجل صوفا فرأيت على رأس الشبلي قلنوسة تليق بذلك الصوف فتمنيتها في نفسي فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إلي فتبعته وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إلي فلما دخل داره فقال أنزع الصوف فنزعته فلفه وطرح القلنوسة عليه ودعى بنار فأحرقهما قلت وقد حكى أبو حامد الغزالي أن الشبلي أخذ خمسين دينارا فرماها في دجلة وقال ما أعزك أحد إلا أذله الله وأنا أتعجب من أبي حامد أكثر من تعجبي من الشبلي لأنه ذكر ذلك على وجه المدح لا على وجه الإنكار فأين أثر الفقه وبإسناد عن حسين بن عبد الله القزويني قال حدثني من كان جالسا أنه قال تعذر علي قوتي يوما ولحقني ضرورة فرأيت قطعة ذهب مطرحة في الطريق فأردت أخذها فقلت لقطة فتركتها ثم ذكرت الحديث الذي يروي لو أن الدنيا كانت دما عبيطا لكان قوت المسلم منها حلالا فأخذتها وتركتها في فمي ومشيت غير بعيد فإذا أنا بحلقة فيها صبيان وأحدهم يتكلم عليهم فقال له واحد متى يجد العبد حقيقة الصدق فقال إذا رمى القطعة من الشدق فأخرجتها من فمي ورميتها. قال المصنف ﵀ لا تختلف الفقهاء إن رميه إياها لا يجوز والعجب أنه رماها بقول صبي لا يدري ما قال وقد حكى أبو حامد الغزالي أن شقيقا البلخي جاء إلى أبو القاسم الزاهد وفي طرف كسائه شيء مصرور فقال له أي شيء معك قال لوزات دفعها إلي أخ لي وقال أحب أن تفطر عليها فقال يا شقيق وأنت تحدث نفسك أن تبقى إلى الليل لا كلمتك أبدا فأغلق الباب في وجهي ودخل. قال المصنف ﵀ أنظروا إلى هذا الفقه الدقيق كيف هجر مسلما على فعل جائز بل مندوب لأن الإنسان مأمور أن يستعد لنفسه بما يفطر عليه واستعداد الشيء قبل مجيء وقته حزم ولذلك قال الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وقد أدخر رسول الله ﷺ لأزواجه قوت سنة وجاء عمر ﵁ بنصف ماله وأدخر الباقي ولم ينكر عليه فالجهل بالعلم أفسد هؤلاء الزهاد وبإسناد أحمد بن إسحاق العماني قال رأيت بالهند شيخا وكان يعرف بالصابر قد أتى عليه مائة سنة قد غمض إحدى عينيه فقلت له يا صابر ما بلغ من صبرك قال إني هويت النظر إلى زينة الدنيا فلم أحب أن أشتفي منها فغمضت عيني منذ ثمانين سنة فلم أفتحها وقد حكى لنا عن آخر أنه فقأ احد عينيه وقال النظر إلى الدنيا بعينين إسراف قلت كان قصده أن

стр. 383

ينظر إلى الدنيا بفرد عين ونحن نسأل الله سلامة العقول وقد حكى يوسف بن أيوب الهمداني عن شيخه عبد الله الجوني أنه كان يقول هذه الدولة ما أخرجتها من المحراب بل من موضع الخلاء وقال كنت أخدم في الخلاء فبينما أنا يوما أكنسه وأنظفه قالت لي نفسي أذهبت عمرك في هذا فقلت أنت تأنفين من خدمة عباد الله فوسعت رأس البئر ورميت نفسي فيها وجعلت أدخل النجاسة في فمي فجاؤا وأخرجوني وغسلوني قلت أنظروا إلى هذا المسكين كيف اعتقد جمع الأصحاب خلفه دولة واعتقد أن تلك الدولة إنما حصلت بإلقاء نفسه في النجاسة وإدخالها في فيه وقد نال بذلك فضيلة أثيب عليها بكثرة الأصحاب وهذا الذي فعله معصية توجب العقوبة وفي الجملة لما فقد هؤلاء العلم كثر تخبيطهم وبإسناد عن محمد بن علي الكتاني يقول دخل الحسين بن منصور مكة في ابتداء أمره فجهدنا حتى أخذنا مرقعته قال السوسي أخذنا منها قملة فوزناها فإذا فيها نصف دانق من كثرة رياضته وشدة مجاهدته قلت أنظروا إلى هذا الجاهل بالنظافة التي حث عليها الشرع وأباح حلق الشعر المحظور على المحرم لأجل تأذيه من القمل وجبر الحظر بالفدية وأجهل من هذا من أعتقد هذا رياضته. وبإسناد عن أبي الله بن ملقح يقول كان عندنا فقير صوفي في الجامع فجاع مرة جوعا شديدا فقال يا رب إما أن تطعمني إما أن ترميني بشرف المسجد فجاء غراب فجلس على الشرف فوقعت عليه من تحت رجله آجرة فجرى دمه وكان يمسح الدم ويقول أيش تبالي بقتل العالم قلت قتل الله هذا ولا أحياه في مقابلته هذا الاستنباط هلا قام إلى الكسب أو إلى الكدية وبإسناد عن غلام خليل قال رأيت فقيرا يعدو ويلتفت ويقول أشهدكم على الله هوذا يقتلني وسقط ميتا. فصل: وفي الصوفية قوم يسمون الملامتية اقتحموا الذنوب وقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من الجاه وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله لمخالفة الشرع قال وفي القوم طائفة يظهرون من أنفسهم أقبح ما هم فيه ويكتمون أحسن ما هم عليه وفعلهم هذا منأقبح الأشياء ولقد قال رسول الله ﷺ : "من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله" وقال في حق ما عز هلا سترته بثوبك يا هذا واجتاز على رسول الله ﷺ بعض الصحابة وهو يتكلم مع صفية زوجته فقال له أنها صفية وقد علم الناس التجافي عن ما يوجب سوء الظن فإن المؤمنين شهداء الله في الأرض وخرج حذيفة إلى الجمعة ففاتته فرأى الناس وهم راجعون فاستتر لئلا يسوء ظن الناس به وقد قدمنا هذه وقال أبو بكر الصديق لرجل قال له إني لمست امرأة وقبلتها فقال تب إلى

стр. 384

الله ولا تحدث أحدا بذلك وجاء رجل إلى النبي ﷺ وقال إني أتيت من أجنبية ما دون الزنا يا رسول الله قال: "ألم تصل معنا" قال بلى يا رسول الله قال: "ألم تعلم أن الصلاتين تكفر ما بينهما" وقال رجل لبعض الصحابة إني فعلت كذا وكذا من الذنوب فقال لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك فهؤلاء قد خالفوا الشريعة وأرادوا قطع ما جبلت عليه النفوس. فصل: وقد اندس في الصوفية أهل الإباحة فتشبهوا بهم حفظا لدمائهم وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام القسم الأول كفار فمنهم قوم لا يقرون بالله ومنهم من يقر به ولكن يجحد النبوة ويرى أن ما جاء به الأنبياء محال وهؤلاء لما أرادوا أمراح أنفسهم في شهواتها لم يجدوا شيئا يحقنون به دماءهم ويستترون به وينالون فيه أغراض النفوس كمذهب التصوف فدخلوا فيه ظاهرا وهم في الباطن كفرة وليس لهؤلاء إلا السيف لعنهم الله والقسم الثاني قوم يقرون بالإسلام إلا أنهم ينقسمون قسمين القسم الأول يقلدون في أفعالهم لشيوخهم من غير اتباع دليل ولا شبهة فهم يفعلون ما يأمرونهم به وما رأوهم عليه القسم الثالث قوم عرضت لهم شبهات فعملوا بمقتضاها والأصل الذي نشأت منه شبهاتهم أنهم لما هموا بالنظر في مذاهب الناس لبس عليهم إبليس فأراهم أن الشبهة تعارض الحجج وأن التمييز يعسر وأن المقصود أجل من أن ينال بالعلم وإنما الظفر به رزق يساق إلى العبد لا بالطلب فسد عليهم باب النجاة الذي هو طلب العلم فصاروا يبغضون اسم العلم كما يبغض الرافضي اسم أبي بكر وعمر ويقولون العلم حجاب والعلماء محجوبون عن المقصود بالعلم فإن أنكر عليم عالم قالوا لأتباعهم هذا موافق لنا في الباطن وإنما يظهر ضد ما نحن فيه للعوام الضعاف العقول فإن جد في خلافهم قالوا هذا أبله مقيد بقيود الشريعة محجوب عن المقصود ثم عملوا على شبهات وقعت لهم ولو فطنوا لعلموا أن عملهم بمقتضى شبهاتهم علم فقد بطل إنكارهم العلم وأنا أذكر شبهاتهم وأكشفها إن شاء الله تعالى وهي ست شبهات: الشبهة الأولى: أنهم قالوا إذا كانت الأمور مقدرة في القدم وأن أقواما خصوا بالسعادة وأقواما بالشقاوة والسعيد لا يشقى والشقي لا يسعد والأعمال لا تراد لذاتها بل لاجتلاب السعادة ودفع الشقاوة وقد سبقنا وجود الأعمال فلا وجه لإتعاب النفس في عمل ولا نكفها عن ملذوذ لأن المكتوب في القدر واقع لا محالة. والجواب عن هذه الشبهة أن يقال لهم هذا رد لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاءوا به لأنه إذا قال في القرآن أن أقيموا الصلاة قال القائل لماذا

стр. 385

إن كنت سعيدا فمصيري إلى السعادة وان كنت شقيا فمصيري إلى الشقاوة فما تنفعني إقامة الصلاة وكذلك إذا قال ولا تقربوا الزنا يقول القائل لماذا أمنع نفسي ملذوذها والسعادة والشقاوة مقضيتان قد فرغ منهما وكان لفرعون أن يقول لموسى حين قال له: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ مثل هذا الكلام ثم يترقى إلى الخالق فيقول ما فائدة إرسالك الرسل وسيجري ما قدرته وما يفضي إلى رد الكتب وتجهيل الرسل محال باطل ولهذا كان رد الرسول ﷺ على أصحابه حين قالوا ألا نتكل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له واعلم أن للآدمي كسبا هو اختياره فعليه يقع الثواب والعقاب فإذا خالف تبين لنا أن الله قضى في السابق بأن يخالفه وإنما يعاقبه على خلافه لا على قضائه ولهذا يقتل القائل ولا يعتذر له بالقدر وإنما ردهم الرسول عن ملاحظة القدر إلى العمل لأن الأمر والنهي حال ظاهر والمقدر مكن ذلك أمر باطن وليس لنا أن نترك ما عرفناه من تكليف مالا نعلمه من المقضى وقول فكل ميسر لما خلق له إشارة إلى أسباب القدر فانه من قضى له بالعلم يسر له طلبه وحبه وفهمه ومن حكم له بالجهل نزع حب العلم من قلبه وكذلك من قضى له بولد يسر له النكاح ومن لم يقض له بولد لم ييسر له. الشبهة الثانية: أنهم قالوا إن الله مستغن عن أعمالنا غير متأثر بها معصية كانت أو طاعة فلا ينبغي أن نتعب أنفسنا في غير فائدة. وجواب هذه الشبهة أن تجيب أولا بالجواب الأول ونقول هذا رد على الشرع فيما أمر به فكأنا قلنا للرسول وللمرسل لا فائدة فيما أمرتنا به ثم نتكلم عن الشبهة فنقول من يتوهم أن الله جل وعلا ينتفع بطاعة أو يتضرر بمعصية أو ينال بذلك غرضا فما عرف الله ﷻ لأنه مقدس عن الإعراض والأغراض ومن انتفاع أو ضرر وإنما نفع الأعمال تعود على أنفسنا كما قال : ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ وإنما يأمر الطبيب المريض بالحمية لمصلحة المريض لا لمصلحة الطبيب وكما أن للبدن مصالح من الأغذية ومضار فللنفس مصالح من العلم والجهل والاعتقاد والعمل فالشرع كالطبيب فهو أعرف بما يأمر به من المصالح هذا مذهب من علل وأكثر العلماء قالوا أفعاله لا تعلل وجواب آخر وهو أنه إذا كان غنيا عن أعمالنا كان غنيا عن معرفتنا له وقد أوجب علينا معرفته فكذلك أوجب طاعته فينبغي أن تنظر إلى أمره لا إلى الغرض بأمره (١).

стр. 386

الشبهة الثالثة: قالوا قد ثبت سعة رحمة الله وهي لا تعجز عنا فلا وجه لحرمان نفوسنا مرادها. فالجواب كالجواب الأول لأن هذا القول يتضمن إطراح ما جاء به الرسل من الوعيد وتهوين ما شددت في التحذير منه في ذلك وبالغت في ذكر عقابه ومما يكشف التلبيس في هذا أن الله كما وصف نفسه بالرحمة وصفها بشديد العقاب ونحن نرى الأولياء والأنبياء يبتلون بالأمراض والجوع ويأخذون بالزلل وكيف وقد خافه من قطع له بالنجاة فالخليل يقول يوم القيامة نفسي نفسي والكليم يقول نفسي نفسي وهذا عمر ﵁ يقول الويل لعمر إن لم يغفر له واعلم أن من رجا الرحمة تعرض لأسبابها فمن أسبابها التوبة من الزلل كما أن من رجا أن يحصد زرع وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ يعني أن الرجاء بهؤلاء يليق وأما المصرون على الذنوب وهو يرجون الرحمة فرجاؤهم بعيد وقد قال ﵊ الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني وقد قال معروف الكرخي رجاؤك لرحمة لمن لا تطيعه خذلان وحمق واعلم أنه ليس في الأفعال التي تصدر من الحق ما يوجب أن يؤمن عقابه إنما في أفعاله ما يمنع اليأس من رحمته وكما لا يحسن اليأس لما يظهر من لطفه في خلقه لا يحسن الطمع لما يبدو من أخذانه وانتقامه فإن من قطع أشرف عضو بربع دينار لا يؤمن أن يكون عقابه غدا هكذا. الشبهة الرابعة: أن قوما منهم وقع لهم أن المراد رياضة النفوس لتخلص من أكدارها المردية فلما راضوها مدة ورأوا تعذر الصفاء قالوا ما لنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر فتركوا العمل وكشف هذا التلبيس أنهم ظنوا أن المراد قمع ما في البواطن من الصفات البشرية مثل قمع الشهوة والغضب وغير ذلك وليس هذا مراد الشرع ولا يتصور إزالة ما في الطبع بالرياضة وإنما خلقت الشهوات لفائدة إذ لولا شهوة الطعام هلك الإنسان ولولا شهوة النكاح انقطع النسل ولولا الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه وكذلك حب المال مركوز في الطباع لأنه يوصل إلى الشهوات وإنما المراد من الرياضة كف النفس عما يؤذي من جميع ذلك وردها إلى الاعتدال فيه وقد مدح الله من نهي النفس عن الهوى وإنما تنتهي عما تطلبه ولو كان طلبه قد زال عن طبعها ما احتاج الإنسان إلى نهبها وقد قال الله : ﴿وَالْكَاظِمِينَ

стр. 387

الغيظ﴾ وما قال والفاقدين الغيظ والكظم رد الغيظ يقال كظم البعير على جرته إذا ردها في حلقه فمدح من رد النفس عن العمل بمقتضى هيجان الغيظ فمن أدعى أن الرياضة تغير الطباع ادعى المحال وإنما المقصود بالرياضة كسر شرة شهوة النفس والغضب لا إزالة أصلها والمرتاض كالطبيب العاقل عند حضور الطعام يتناول ما يصلحه ويكف عما يؤذيه وعادم الرياضة كالصبي الجاهل يأكل ما يشتهي ولا يبالي بما جنى. الشبهة الخامسة: أن قوما منهم داموا على الرياضة مدة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا لا نبالي الآن ما عملنا وإنما الأوامر والنواهي رسوم للعوام ولو تجوهروا لسقطت عنهم قالوا وحاصل النبوة تجمع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام ولسنا من العوام فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة وهؤلاء قد رأوا أن من أثر جوهرهم ارتفاع الحمية عنهم حتى أنهم قالوا أن رتبة الكمال لا تحصل إلا لمن رأى أهله مع النبي فلم يقشعر جلده فإن اقشعر جلده فهو ملتفت إلى حظ نفسه ولم يكمل بعد إذ لو كمل لماتت نفسه فسموا الغيرة نفسا وسموا ذهاب الحمية الذي هو وصف المخانيث كمال الإيمان وقد ذكر ابن جرير في تاريخه إلى الريوندية كانوا يستجلون الحرمات فيدعو الرجل منهم الجماعة إلى بيته فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته. وكشف هذه الشبهة أنه ما دامت الأشباح قائمة فلا سبيل إلى ترك الرسوم الظاهرة من التعبد فإن هذه الرسوم وضعت لمصالح الناس وقد يغلب صفاء القلب على كدر الطبع إلا أن الكدر يرسب مع الدوام على الخير ويركد فأقل شيء يحركه كالمدرة تقع في الماء الذي تحته حمأة وما مثل هذا الطبع إلا كالماء يجري بسفينة النفس والعقل مداد ولو أن المداد مد عشرين فرسخا ثم أهمل عادت السفينة تنحدر ومن أدعى تغير طبعه كذب ومن قال أني لا أنظر إلى المستحسنات بشهوة لم يصدق كيف وهؤلاء لو فاتتهم لقمة أو شتمهم شاتم تغيروا فأين تأثير العقل والهوى يقودهم وقد رأينا أقواما منهم يصافحون النساء وقد كان رسول الله ﷺ وهو المعصوم لا يصافح المرأة وبلغنا عن جماعة منهم أنهم يؤاخون النساء ويخلون بهن ثم يدعون السلامة وقد رأوا أنهم يسلمون من الفاحشة وهيهات فأين السلامة من إثم الخلوة المحرمة والنظر الممنوع منه وأين الخلاص من جولان الفكر الردئ وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لو خلا عظمان نخران لهم أحدهما بالأخر يشير إلى الشيخ والعجوز وبإسناد عن ابن شاهين قال ومن

стр. 388

الصوفية قوما أباحوا الفروج بادعاء الأخوة فيقول أحدهم للمرأة تؤاخيني على ترك الاعتراض فيما بيننا قلت وقد روى لنا أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في كتاب رياضة النفوس قال روي لنا أن سهل بن علي المروزي كان يقول لامرأة أخيه وهي معه في الدار استتري مني زمانا ثم قال لها كوني كيف شئت قال الترمذي وكان ذلك منه حين وجد شهوته قلت أما موت الشهوة هذا لا يتصور مع حياة الآدمي وإنما يضعف والإنسان قد يضعف عن الجماع ولكنه يشتهي اللمس والنظر ثم يقدر أن جميع ذلك أرتفع عنه أليس نهى الشرع عن النظر والنظر باق وهو عام وقد أخبرنا ابن ناصر بإسناد عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قيل لأبي نصر النصراباذي أن بعض الناس يجالس النسوان ويقول أنا معصوم في رؤيتهن فقال ما دامت الأشباح قائمة فإن الأمر والنهي باق والتحليل والتحريم مخاطب به ولن يجترئ على الشبهات إلا من يتعرض للمحرمات وقد قال أبو علي الروزباري وسئل عمن يقول وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال فقال قد وصل ولكن إلى سقر وبإسناد عن الجريري يقول سمعت أبا القاسم الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال الرجل أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله فقال الجنيد أن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وهذه عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا وأن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله واليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها لأنه أوكد في معرفتي به وأقوى في حالي وبإسناد عن أبي محمد المرتعش يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم شرعي فلا تقربنه ومن رأيته يدعي حالة باطنة لايدل عليها ويشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه. الشبهة السادسة: أن أقواما بالغوا في الرياضة فرأوا ما يشبه نوع كرامات أو منامات صالحة أو فتح عليهم كلمات لطيفة أثمرها الفكر والخلوة فاعتقدوا أنهم قد وصلوا إلى المقصود وقد وصلنا فما يضرنا شيء ومن وصل إلى الكعبة أنقطع عن السير فتركوا الأعمال إلا أنهم يزينون ظواهرهم بالمرقعة والسجادة والرقص والوجد ويتكلمون بعبارات الصوفية في المعرفة والوجد والشوق وجوابهم هو جواب الذين قبلهم. قال ابن عقيل أعلم أن الناس شردوا على الله وبعدوا عن وضع الشرع إلى أوضاعهم المخترعة فمنهم من عبد سواه تعظيما له عن العبادة وجعلوا تلك وسائل على زعمهم.

стр. 389

ومنهم من وحد إلا أنه أسقط العبادات وقال هذه أشياء نصبت للعوام لعدم المعارف وهذا نوع شرك لأن الله لما عرف أن معرفته ذات قعر بعيد وجو عال وبعيد أن يتقي من لم يعرف خوف النار لأن الخلق قد عرفوا قدر لذعها وقال لأهل المعرفة: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وعلم أن المتعبدات أكثرها تقتضي الإنس بالأمثال ووضع الجهات والأمكنة والأبنية والحجارة للانساك والاستقبال فأبان عن حقائق الإيمان به فقال: ﴿َيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ فعلم أن المعول على المقاصد ولا يكفي مجرد المعارف من غير امتثال كما تعول عليه الملحدة الباطنية وشطاح الصوفية. وبإسناد عن أبي القاسم بن علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال أخبرني جماعة من أهل العم أن بشراز رجل يعرف بابن خفيف البغدادي شيخ الصوفية هناك يجتمعون إليه ويتكلم عن الخطرات والوساوس ويحضر حلقة ألوف من الناس وأنه فاره فهم حاذق فاستغوى الضعفاء من الناس إلى هذا المذهب قال فمات رجل منهم من أصحابه وخلف زوجة صوفية فاجتمع النساء الصوفيات وهن خلق كثير ولم يختلط بمأتمهن غيرهن فلما فرغوا من دفنه دخل ابن خفيف وخواص أصحابه وهم عدد كثير إلى الدار وأخذ يعزي المرأة بكلام الصوفية إلى أن قالت قد تعزيت فقال لها ههنا غير فقالت لا غير قال فما معنى إلزام النفوس آفات الغموم وتعذيبها بعذاب الهموم ولأي معنى نترك الامتزاج لتلتقي الأنوار وتصفوالأرواح ويقع الإخلافات وتنز البركات قال فقلن النساء إذا شئت قال فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم فلما كان سحر خرجوا قال المحسن قوله ههنا غير أي ههنا غير موافق المذهب فقالت لا غير أي ليس مخالف وقوله نترك الامتزاج كناية عن الممازجة في الوطء وقوله لتلتقي الأنوار عندهم أن في كل جسم نورا الهيا وقوله إخلافات أي يكون لكن خلف ممن مات أو غاب من أزواجكن قال المحسن وهذا عندي عظيم ولولا أن جماعة يخبروني يبعدون عن الكذب ما حكيته لعظمه عندي واستبعاد مثله أن يجري في دار الإسلام قال وبلغني أن هذا ومثله شاع حتى بلغ عضد الدولة فقبض على جماعة منهم وضربهم بالسياط وشرد جموعهم فكفوا. فصل: ولما قل علم الصوفية بالشرع فصدر منهم من الأفعال والأقوال ما لا يحل مثل ما قد ذكرنا ثم تشبه بهم من ليس منهم وتسمى باسمهم وصدر عنهم مثل ما قد حكينا وكان الصالح منهم نادرا ذمهم خلق من العلماء وعابوهم حتى عابهم مشائخهم.

стр. 390

وبإسناد عن عبد الملك بن زياد النصيبي قال كنا عند مالك فذكرت له صوفيين في بلادنا فقلت له يلبسون فواخر ثياب اليمن ويفعلون كذا قال ويحك ومسلمين هم قال فضحك حتى استلقى قال فقال لي بعض جلسائه يا هذا ما رأينا أعظم فتنة على هذا الشيخ منك ما رأيناه ضاحكا قط. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي يقول لو أن رجلا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق وعنه أيضا أنه قال ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد عقله إليه أبدا وأنشد الشافعي: ودعوا الذين إذا أتوك تنسكوا … واذا خلوا كانوا ذئاب حقاف وبإسناد عن حاتم قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال قال أبو سليمان ما رأيت صوفيا فيه خير إلا واحدا عبد الله بن مرزوق قال وأنا أرق لهم. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول ما رأيت صوفيا عاقلا إلا إدريس الخولاني قال السلمي هو مصري من قدماء مشايخهم قبل ذي النون. وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول صحبت الصوفية ثلاثين سنة ما رأيت فيهم عاقلا إلا مسلم الخواص وبإسناد عن أحمد بن أبي الحواري يقول حدثنا وكيع قال سمعت سفيان يقول سمعت عاصما يقول ما زلنا نعرف الصوفية بالحماق إلا أنهم يستترون بالحديث وبإسناد عن سفيان عن عاصم يقول قال لي وكيع لم تركت حديث هشام قلت صحبت قوما من الصوفية وكنت بهم معجبا فقالوا إن لم تمح حديث هشام قاطعناك فأطعتم قال إن فيهم حمقا وبإسناد عن يحيى بن يحيى قال الخوارج أحب إلي من الصوفية وبإسناد عن يحيى بن معاذ يقول اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس العلماء الغافلين والفقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين وقد ذكرنا في أول ردنا على الصوفية من هذا الكتاب ان الفقهاء بمصر أنركوا على ذي النون ما كان يتكلم به وببسطام عن أبي يزيد وأخرجوه وأخرجوا أبا سليمان الداراني وهرب من أيديهم أحمد بن أبي الحواري وسهل التستري وذلك لأن السلف كانوا ينفرون من أدنى بدعة ويهجرون عليها تمسكا بالسنة ولقد حدثني أبو الفتح بن السامري قال جلس الفقهاء في بعض الأربطة للعزاء بفقيه مات فأقبل الشيخ أبو الخطاب الكلوذاني الفقيه متوكئا على يدي حتى
следующие страницы →