← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11444

مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج

الخطيب الشربيني

Полный текст (3 252 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثُمَّ أُذُنَيْهِ. فَإِنْ عَسُرَ رَفْعُ الْعِمَامَةِ كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا، وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ ــ [مغني المحتاج] يَذْهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي ذَهَبَ مِنْهُ إذَا كَانَ لَهُ شَعْرٌ يَنْقَلِبُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الذَّهَابُ وَالرَّدُّ مَسْحَةً وَاحِدَةً لِعَدَمِ تَمَامِ الْمَسْحَةِ بِالذَّهَابِ، فَإِنْ لَمْ يُقْلَبْ شَعْرُهُ لِضَفْرِهِ أَوْ قِصَرِهِ أَوْ عَدَمِهِ لَمْ يَرُدَّ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، فَإِنْ رَدَّهُمَا لَمْ تُحْسَبْ ثَانِيَةً؛ لِأَنَّ الْمَاءَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ بِمَنْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَاوِيًا رَفْعَ الْحَدَثِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَهُوَ مُنْغَمِسٌ ثُمَّ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ فِي حَالِ انْغِمَاسِهِ فَإِنَّ حَدَثَهُ يَرْتَفِعُ ثَانِيًا. أُجِيبَ بِأَنَّ مَاءَ الْمَسْحِ تَافِهٌ فَلَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ كَقُوَّةِ هَذَا، وَلِذَلِكَ لَوْ أَعَادَ مَاءَ غَسْلِ الذِّرَاعِ مَثَلًا ثَانِيًا لَمْ تُحْسَبْ لَهُ غَسْلَةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ تَافِهٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَاءِ الِانْغِمَاسِ، وَإِذَا مَسَحَ كُلَّ رَأْسِهِ هَلْ يَقَعُ كُلُّهُ فَرْضًا أَوْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَالْبَاقِي سُنَّةٌ؟ وَجْهَانِ كَنَظِيرِهِ مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ وَإِخْرَاجِ الْبَعِيرِ عَنْ خَمْسٍ فِي الزَّكَاةِ. وَاخْتَلَفَ كَلَامُهُمَا فِي كُتُبِهِمَا فِي التَّرْجِيحِ فِي ذَلِكَ، وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْعُبَابِ أَنَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فِي الرَّأْسِ فَرْضٌ وَالْبَاقِي تَطَوُّعٌ، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ مَا أَمْكَنَ فِي التَّجَزِّي كَالرُّكُوعِ، بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ كَبَعِيرِ الزَّكَاةِ، وَجَرَى عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ شَيْخِي، هُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ (ثُمَّ) بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ يَمْسَحُ (أُذُنَيْهِ) ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ ﷺ مَسَحَ فِي وُضُوئِهِ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا وَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ وَيَأْخُذُ لِصِمَاخَيْهِ أَيْضًا مَاءً جَدِيدًا، وَأَشَارَ بِثُمَّ إلَى اشْتِرَاطِ تَرْتِيبِ الْأُذُنِ عَلَى الرَّأْسِ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي الرَّوْضَةِ، وَلَوْ أَخَذَ بِأَصَابِعِهِ مَاءً لِرَأْسِهِ فَلَمْ يَمْسَحْهُ بِمَاءِ بَعْضِهَا وَمَسَحَ بِهِ الْأُذُنَيْنِ كَفَى لِأَنَّهُ مَاءٌ جَدِيدٌ. فَائِدَةٌ: رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي نَهْرًا يُقَالُ لَهُ الْكَوْثَرُ فِي الْجَنَّةِ لَا يُدْخِلُ أَحَدٌ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ إلَّا سَمِعَ خَرِيرَ ذَلِكَ النَّهْرِ، قَالَتْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ . قَالَ: أَدْخِلِي أُصْبُعَيْكِ فِي أُذُنَيْكِ وَسُدِّي فَاَلَّذِي تَسْمَعِينَ فِيهِمَا مِنْ خَرِيرِ الْكَوْثَرِ» وَهَذَا النَّهْرُ تَتَشَعَّبُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ: وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا يُسَنُّ مَسْحُ الرَّقَبَةِ إذْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ. قَالَ وَأَمَّا خَبَرُ «مَسْحُ الرَّقَبَةِ أَمَانٌ مِنْ الْغِلِّ» فَمَوْضُوعٌ، وَأَثَرُ ابْنِ عُمَرَ: مَنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عُنُقَهُ وُقِيَ الْغِلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ (فَإِنْ عَسُرَ رَفْعُ) نَحْوِ (الْعِمَامَةِ) كَالْخِمَارِ وَالْقَلَنْسُوَةِ أَوْ لَمْ يُرِدْ رَفْعَ ذَلِكَ (كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا) وَإِنْ لَبِسَهَا عَلَى حَدَثٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ» وَسَوَاءٌ أَعَسُرَ عَلَيْهِ تَنْحِيَتُهَا أَمْ لَا كَمَا قَرَّرْتُهُ تَبَعًا لِلشَّارِحِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنْ اقْتَضَتْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ خِلَافَهُ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ كَمَّلَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِتَحْصِيلِ السُّنَّةِ أَنْ يَكُونَ التَّكْمِيلُ بَعْدُ أَوْ يَكْفِي وَلَوْ قَبْلُ؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَظَاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالتَّكْمِيلِ يَقْتَضِي التَّأَخُّرَ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ كَمَا فِي غَسْلِ الرِّجْلِ مَعَ السَّاقِ، وَظَاهِرُ التَّكْمِيلِ يَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّهُ يَمْسَحُ مَا عَدَا مُقَابِلَ الْمَمْسُوحِ مِنْ الرَّأْسِ فَيَكُونُ مُحَصِّلًا لِلسُّنَّةِ بِذَلِكَ وَهُوَ الظَّاهِرُ (وَ) مِنْ سُنَنِهِ (تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ) وَكُلُّ شَعْرٍ يَكْفِي غَسْلُ ظَاهِرِهِ بِالْأَصَابِعِ مِنْ

стр. 107

وَأَصَابِعِهِ، وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى، وَإِطَالَةُ غُرَّتِهِ وَتَحْجِيلِهِ ــ [مغني المحتاج] أَسْفَلِهِ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ» . وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» (١) أَمَّا مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ ذَلِكَ كَالْخَفِيفِ وَالْكَثِيفِ الَّذِي فِي حَدِّ الْوَجْهِ مِنْ لِحْيَةِ غَيْرِ الرَّجُلِ وَعَارِضَيْهِ فَيَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ وَمَنَابِتِهِ بِتَخْلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي سَنِّ التَّخْلِيلِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا اعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي خَادِمِهِ خِلَافًا لِابْنِ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ تَبَعًا لِلْمُتَوَلِّي، لَكِنَّ الْمُحْرِمَ يُخَلِّلُ بِرِفْقٍ لِئَلَّا يَتَسَاقَطَ مِنْهُ شَعْرٌ كَمَا قَالُوهُ فِي تَخْلِيلِ شَعْرِ الْمَيِّتِ (وَ) مِنْ سُنَنِهِ تَخْلِيلُ (أَصَابِعِهِ) أَيْ أَصَابِعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ كَمَا قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ لِخَبَرِ لَقِيطِ بْنِ صُبْرَةَ السَّابِقِ فِي الْمُبَالَغَةِ، وَالتَّخْلِيلُ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ بِالتَّشْبِيكِ بَيْنَهَا، وَفِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ يَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى يُخَلِّلُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى أَوْ الْيُمْنَى كَمَا رَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَسْفَلِ الرِّجْلِ، وَإِيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَاجِبٌ بِتَخْلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا كَانَتْ مُلْتَفَّةً لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهَا إلَّا بِالتَّخْلِيلِ أَوْ نَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مُلْتَحِمَةً لَمْ يَجُزْ فَتْقُهَا. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَمْ يَتَعَرَّضُ الْمُصَنِّفُ وَلَا غَيْرُهُ إلَى تَثْلِيثِ التَّخْلِيلِ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ «تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ بَيْنَ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ» وَمُقْتَضَى هَذَا اسْتِحْبَابُ تَثْلِيثِ التَّخْلِيلِ اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ (وَ) مِنْ سُنَنِهِ (تَقْدِيمُ الْيُمْنَى) عَلَى الْيُسْرَى مِنْ كُلِّ عُضْوَيْنِ لَا يُسَنُّ غَسْلُهُمَا مَعًا كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِخَبَرِ «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» رَوَاهُ ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا. وَلِمَا مَرَّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» : أَيْ مِمَّا هُوَ لِلتَّكْرِيمِ كَالْغَسْلِ، وَاللُّبْسِ، وَالِاكْتِحَالِ، وَالتَّقْلِيمِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الْإِبْطْ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَالسِّوَاكِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَتَحْلِيلِ الصَّلَاةِ، وَمُفَارَقَةِ الْخَلَاءِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالْمُصَافَحَةِ وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِ، وَالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ. وَالتَّيَاسُرِ فِي ضِدِّهِ كَدُخُولِ الْخَلَاءِ، وَالِاسْتِنْجَاءِ وَالِامْتِخَاطِ، وَخَلْعِ اللِّبَاسِ وَإِزَالَةِ الْقَذَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ وَكُرِهَ عَكْسُهُ. أَمَّا مَا يُسَنُّ غَسْلُهُمَا مَعًا كَالْأُذُنَيْنِ وَالْخَدَّيْنِ وَالْكَفَّيْنِ فَلَا يُسَنُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى فِيهَا، نَعَمْ مَنْ بِهِ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهَا ذَلِكَ كَأَنْ قُطِعَتْ إحْدَى يَدَيْهِ يُسَنُّ لَهُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى (وَ) مِنْ سُنَنِهِ (إطَالَةُ غُرَّتِهِ) بِغَسْلٍ زَائِدٍ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ الْوَجْهِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ، وَغَايَتُهَا غَسْلُ صَفْحَةِ الْعُنُقِ مَعَ مُقَدِّمَاتِ الرَّأْسِ (وَ) إطَالَةُ (تَحْجِيلِهِ) بِغَسْلٍ زَائِدٍ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ، وَغَايَتُهُ اسْتِيعَابُ الْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ بَقَاءِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَسُقُوطِهِ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» وَخَبَرُ مُسْلِمٍ

стр. 108

وَالْمُوَالَاةُ، وَأَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ. وَتَرْكُ الِاسْتِعَانَةِ وَالنَّفْضِ، وَكَذَا التَّنْشِيفُ فِي الْأَصَحِّ ــ [مغني المحتاج] «أَنْتُمْ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ» وَمَعْنَى غُرًّا مُحَجَّلِينَ بِيضُ الْوُجُوهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ كَالْفَرَسِ الْأَغَرِّ وَهُوَ الَّذِي فِي وَجْهِهِ بَيَاضٌ. وَالْمُحَجَّلُ: وَهُوَ الَّذِي قَوَائِمُهُ بِيضٌ، وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ الثَّانِي. وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَفِيهِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهَا (وَ) مِنْ سُنَنِهِ (الْمُوَالَاةُ) بَيْنَ الْأَعْضَاءِ فِي التَّطْهِيرِ بِحَيْثُ لَا يَجِفُّ الْأَوَّلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الثَّانِي مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ وَمِزَاجِ الشَّخْصِ نَفْسِهِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَيُقَدَّرُ الْمَمْسُوحُ مَغْسُولًا، هَذَا فِي غَيْرِ وُضُوءِ الضَّرُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ، وَإِلَّا فَتَجِبُ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَلَا يَحْتَاجُ التَّفْرِيقُ الْكَثِيرُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ عِنْدَ عُزُوبِهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ (وَأَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ) لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي قَدَمَيْهِ لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» وَدَلِيلُ الْجَدِيدِ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فِي السُّوقِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ فَدُعِيَ إلَى جِنَازَةٍ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى عَلَيْهَا» قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: وَبَيْنَهُمَا تَفْرِيقٌ كَثِيرٌ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - التَّفْرِيقُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ، فَكَذَا الْكَثِيرُ كَالْحَجِّ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي اُسْتُنِدَ إلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ. ضَعِيفٌ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي التَّفْرِيقِ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَفِي طُولِ التَّفْرِيقِ. أَمَّا بِالْعُذْرِ فَلَا يَضُرُّ قَطْعًا. وَقِيلَ: يَضُرُّ عَلَى الْقَدِيمِ، وَأَمَّا الْيَسِيرُ فَلَا يَضُرُّ إجْمَاعًا. (وَ) مِنْ سُنَنِهِ (تَرْكُ الِاسْتِعَانَةِ) بِالصَّبِّ عَلَيْهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ وَلِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ التَّنْعِيمِ وَالتَّكَبُّرِ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِالْمُتَعَبِّدِ، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ، وَهِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَقِيلَ: تُكْرَهُ. وَخَرَجَ بِقَيْدِ الصَّبِّ الِاسْتِعَانَةُ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِإِحْضَارِ الْمَاءِ فَهِيَ لَا بَأْسَ بِهَا. أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ فَلَا تَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى وَلَا مَكْرُوهَةً دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ، بَلْ قَدْ تَجِبُ الِاسْتِعَانَةُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّطَهُّرُ إلَّا بِهَا وَلَوْ بِبَذْلِ أُجْرَةٍ مَثَلًا، وَالْمُرَادُ بِتَرْكِ الِاسْتِعَانَةِ الِاسْتِقْلَالُ بِالْأَفْعَالِ، لَا طَلَبُ الْإِعَانَةِ فَقَطْ حَتَّى لَوْ أَعَانَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ سَاكِتٌ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَإِنْ اقْتَضَى التَّعْبِيرُ بِالِاسْتِعَانَةِ عَدَمَ ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ حِينَئِذٍ وَإِذَا اسْتَعَانَ بِالصَّبِّ فَلْيَقِفْ الْمُعِينُ عَلَى الْيَسَارِ؛ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ وَأَمْكَنُ وَأَحْسَنُ أَدَبًا. قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (وَ) مِنْ سُنَنِهِ تَرْكُ (النَّفْضِ) لِلْمَاءِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّبَرِّي مِنْ الْعِبَادَةِ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّحْقِيقِ. وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالْوَسِيطِ: إنَّهُ الْأَشْهَرُ، قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَبِهِ الْفَتْوَى. وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحَيْهِ وَقِيلَ: مُبَاحٌ تَرْكُهُ وَفِعْلُهُ سَوَاءٌ، وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ وَفِي الْمَجْمُوعِ وَنُكَتِ التَّنْبِيهِ (وَكَذَا التَّنْشِيفُ) بِالرَّفْعِ: أَيْ تَرْكُهُ مِنْ بَلَلِ مَاءِ الْوُضُوءِ بِلَا عُذْرٍ خِلَافُ الْأَوْلَى، (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ أَثَرَ الْعِبَادَةِ، «وَلِأَنَّهُ ﷺ بَعْدَ غَسْلِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ أَتَتْهُ مَيْمُونَةُ بِمِنْدِيلٍ فَرَدَّهُ وَجَعَلَ يَقُولُ بِالْمَاءِ هَكَذَا يَنْفُضُهُ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ لِإِبَاحَةِ النَّفْضِ فَقَدْ يَكُونُ فَعَلَهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ.

стр. 109

وَيَقُولُ بَعْدَهُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ــ [مغني المحتاج] وَالثَّانِي: فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ سَوَاءٌ. قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ. وَالثَّالِثُ: فِعْلُهُ مَكْرُوهٌ، وَلَوْ تَرَكَ. قَوْلُهُ: وَكَذَا لِيَعُودَ الْخِلَافُ إلَى النَّفْضِ كَمَا قَدَّرْتُهُ لَكَانَ أَوْلَى. أَمَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ الْتِصَاقِ نَجَاسَةٍ فَلَا كَرَاهَةَ قَطْعًا أَوْ كَانَ يَتَيَمَّمُ عَقِبَ الْوُضُوءِ لِئَلَّا يَمْنَعَ الْبَلَلَ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ التَّيَمُّمُ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا يُقَالُ إنَّهُ خِلَافُ الْمُسْتَحَبِّ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: بَلْ يَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ عِنْدَ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنَّفِ أَنْ يُعَبِّرَ بِالنَّشْفِ عَلَى زِنَةِ الضَّرْبِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ نَشِفَ بِكَسْرِ الشِّينِ عَلَى الْأَشْهَرِ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالتَّنْشِيفِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْنُونَ تَرْكُ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَلَيْسَ مُرَادًا. أُجِيبَ بِأَنَّ التَّنْشِيفَ أَخْذُ الْمَاءِ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهِمَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالتَّعْبِيرُ بِهِ هُوَ الْمُنَاسِبُ. وَأَمَّا النَّشْفُ بِمَعْنَى الشُّرْبِ فَلَا يَظْهَرُ هُنَا إلَّا بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ كَمَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَايَاتِيُّ، وَإِذَا نَشَّفَ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ بِذَيْلِهِ وَطَرَفِ ثَوْبِهِ وَنَحْوِهِمَا. قَالَ فِي الذَّخَائِرِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْفَقْرَ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يَحْمِلُ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَنَشَّفُ فِيهِ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْمُتَطَهِّرِ: قَالَهُ فِي الْحَاوِي. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَحْصُرْ سُنَنَ الْوُضُوءِ فِيمَا ذَكَرَهُ فَنَذْكُرُ شَيْئًا مِنْهَا مِمَّا تَرَكَهُ: مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَضَعَ الْمُتَوَضِّئُ إنَاءَ الْمَاءِ عَنْ يَمِينِهِ إنْ كَانَ يَغْتَرِفُ مِنْهُ، وَعَنْ يَسَارِهِ إنْ كَانَ يَصُبُّ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ كَإِبْرِيقٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنَ فِيهِمَا: قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَتَقْدِيمُ النِّيَّةِ مَعَ أَوَّلِ السُّنَنِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْوَجْهِ لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُهَا كَمَا مَرَّ، وَالتَّلَفُّظُ بِالْمَنْوِيِّ. قَالَ ابْنُ الْمُقْرِي: سِرًّا مَعَ النِّيَّةِ بِالْقَلْبِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَلْبِ كَفَى، أَوْ التَّلَفُّظُ فَلَا، أَوْ تَلَفَّظَ بِخِلَافِ مَا نَوَى فَالْعِبْرَةُ بِالنِّيَّةِ، وَاسْتِصْحَابُهَا ذِكْرًا إلَى آخِرِهِ، وَالتَّوَجُّهُ لِلْقِبْلَةِ، وَدَلْكُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَيُبَالِغُ فِي الْعَقِبِ خُصُوصًا فِي الشِّتَاءِ فَقَدْ وَرَدَ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» وَالْبُدَاءَةُ بِأَعْلَى الْوَجْهِ، وَأَنْ يَأْخُذَ مَاءَهُ بِكَفَّيْهِ مَعًا، وَأَنْ يَبْدَأَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ وَإِنْ صَبَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ فِي التَّحْقِيقِ وَاخْتَارَهُ فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ مِنْ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْمِرْفَقِ إذَا صَبَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَأَنْ يَقْتَصِدَ فِي الْمَاءِ فَيُكْرَهُ السَّرَفُ فِيهِ، وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِلَا حَاجَةٍ، وَأَنْ لَا يَلْطِمَ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ، وَأَنْ يَتَعَهَّدَ مُوقَهُ، وَهُوَ طَرَفُ الْعَيْنِ الَّذِي يَلِي الْأَنْفَ بِالسَّبَّابَةِ الْأَيْمَنَ بِالْيُمْنَى وَالْأَيْسَرَ بِالْيُسْرَى وَمِثْلُهُ اللِّحَاظُ وَهُوَ الطَّرَفُ الْآخَرُ، وَمَحِلُّ سَنِّ غَسْلِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا رَمَصٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ، إلَى مَحَلِّهِ وَإِلَّا فَغَسْلُهُمَا وَاجِبٌ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُخَافُ إغْفَالُهُ كَالْغُضُونِ، وَأَنْ يُحَرِّكَ خَاتَمًا لِيَصِلَ الْمَاءُ تَحْتَهُ، وَأَنْ يَتَوَقَّى الرَّشَاشَ، وَأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ الْفَرَاغِ (وَيَقُولُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ كَمَا قَالَهُ فِي الْعُبَابِ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إلَخْ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ) زَادَهُ التِّرْمِذِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ

стр. 110

وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْكَ. وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الْأَعْضَاءِ إذْ لَا أَصْلَ لَهُ. ــ [مغني المحتاج] وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْكَ) لِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ «مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ إلَخْ كُتِبَ فِي رَقٍّ ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ» ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا الْخَاتَمُ فَلَمْ يُكْسَرْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ إبْطَالٌ، وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ: وَصَلَّى اللَّهُ: أَيْ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَوَاوُ وَبِحَمْدِكَ زَائِدَةٌ، فَسُبْحَانَكَ مَعَ ذَلِكَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَقِيلَ: عَاطِفَةٌ أَيْ وَبِحَمْدِكَ وَسُبْحَانَكَ فَذَلِكَ جُمْلَتَانِ (وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الْأَعْضَاءِ) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ: اللَّهُمَّ احْفَظْ يَدَيَّ مِنْ مَعَاصِيكَ كُلِّهَا، وَعِنْدَ الْمَضْمَضَةِ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وَعِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ: اللَّهُمَّ أَرِحْنِي رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَعِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وَعِنْدَ غَسْلِ الْيَدِ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، وَعِنْدَ غَسْلِ الْيَدِ الْيُسْرَى اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي وَلَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، وَعِنْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ: اللَّهُمَّ حَرِّمْ شَعْرِي وَبَشَرِي عَلَى النَّارِ، وَعِنْدَ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَعِنْدَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمَيَّ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ (إذْ لَا أَصْلَ لَهُ) فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَإِنْ عَدَّهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ مِنْ السُّنَنِ، وَكَذَا فِي الشَّرْحِ. وَقَالَ وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ عَنْ السَّلَفِ وَالصَّالِحِينَ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي أَذْكَارِهِ: وَتَنْقِيحِهِ لَمْ يَجِئْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ الشَّارِحُ: وَفَاتَ الرَّافِعِيَّ وَالنَّوَوِيَّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ فِي تَارِيخِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً لِلْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَمَشَى شَيْخِي عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَأَفْتَى بِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ. فَائِدَةٌ: شَرْطُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ شَدِيدَ الضَّعْفِ، وَأَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ أَصْلٍ عَامٍّ، وَأَنْ لَا يُعْتَقَدَ سُنِّيَّتُهُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ. خَاتِمَةٌ: يُنْدَبُ إدَامَةُ الْوُضُوءِ، وَيُسَنُّ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ سَمَاعِهِ أَوْ الْحَدِيثِ أَوْ سَمَاعِهِ أَوْ رِوَايَتِهِ أَوْ حَمْلِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أَوْ الْحَدِيثِ أَوْ الْفِقْهِ وَكِتَابَتِهَا فَيُكْرَهُ مَعَ الْحَدَثِ، وَلِقِرَاءَةِ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ، وَإِقْرَائِهِ، وَلِأَذَانٍ، وَجُلُوسٍ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ دُخُولَهُ، وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالسَّعْيِ، وَلِزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِنَوْمٍ وَيَقَظَةٍ، وَعِنْدَ أَكْلٍ وَشُرْبٍ لِنَحْوُ جُنُبٍ كَحَائِضٍ بَعْدَ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا وَوَطْءٍ لِجُنُبٍ. قَالَ ﷺ : «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءًا» (١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ " فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ

стр. 111

بَابُ مَسْحِ الْخُفِّ ــ [مغني المحتاج] «كَانَ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَكَانَ ﷺ إذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» . وَقِيسَ بِالْجُنُبِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهُمَا، وَبِالْأَكْلِ الشُّرْبُ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ تَخْفِيفُ الْحَدَثِ غَالِبًا وَالتَّنْظِيفُ. وَقِيلَ: لَعَلَّهُ يَنْشَطُ لِلْغُسْلِ، فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِلَا وُضُوءٍ كُرِهَ لَهُ، نَقَلَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ: وَأَمَّا طَوَافُهُ ﷺ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بَيْنَهُمَا أَوْ تَرَكَهُ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَيُسَنُّ مِنْ مَسِّ مَيِّتٍ وَحَمْلِهِ، أَوْ مِنْ فَصْدٍ وَحَجْمٍ، وَقَيْءٍ، أَوْ أَكْلِ لَحْمِ جَزُورٍ، وَقَهْقَهَةِ مُصَلٍّ، وَكُلِّ مَسٍّ وَلَمْسٍ، أَوْ نَوْمٍ اُخْتُلِفَ فِي نَقْضِهِ لِلْوُضُوءِ، وَمِنْ لَمْسِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بَدَنَ الْخُنْثَى أَوْ أَحَدَ قُبُلَيْهِ وَعِنْدَ الْغَضَبِ وَكُلِّ كَلِمَةٍ قَبِيحَةٍ، وَلِمَنْ قَصَّ شَارِبَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَلِخُطْبَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ. وَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ، وَلَا يُنْدَبُ لِلُبْسِ ثَوْبٍ، وَصَوْمٍ، وَعَقْدِ نِكَاحٍ، وَخُرُوجٍ لِسَفَرٍ، وَلِقَاءِ قَادِمٍ، وَزِيَارَةِ وَالِدٍ وَصَدِيقٍ، وَعِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَتَشْيِيعِ جِنَازَةٍ، وَأَكْلٍ، وَشُرْبٍ لِغَيْرِ نَحْوِ جُنُبٍ، وَلَا لِدُخُولِ سُوقٍ وَلَا لِدُخُولٍ عَلَى نَحْوِ أَمِيرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَكُلَّمَا كُرِّرَ الشَّيْءُ حَلَا، وَازْدَادَ وُضُوحًا وَانْجَلَى. [بَابُ مَسْحِ الْخُفِّ] (بَابُ مَسْحِ الْخُفِّ) (١) لَمَّا كَانَ الْوَاجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ، وَالْمَسْحُ بَدَلٌ عَنْهُ عَقَّبَ بِهِ بَابَ الْوُضُوءِ وَلَمْ

стр. 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [مغني المحتاج] يُبَوِّبْ لَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ عَقِبَ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُمَا مَسْحَانِ يُبِيحَانِ الصَّلَاةَ، وَلَوْ عَبَّرَ كَالتَّنْبِيهِ بِالْخُفَّيْنِ لَكَانَ أَوْلَى، إذْ لَا يَجُوزُ غَسْلُ رِجْلٍ وَمَسْحُ أُخْرَى وَلَكِنَّهُ أَرَادَ الْجِنْسَ لَا التَّوْحِيدَ، وَأَخْبَارُهُ كَثِيرَةٌ كَخَبَرِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ

стр. 113

يَجُوزُ فِي الْوُضُوءِ ــ [مغني المحتاج] «أَنَّهُ ﷺ أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» (١) وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» (٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ: يَعْنِي أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثَ جَرِيرٍ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ الْوَارِدُ فِيهَا بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ نَاسِخًا لِلْمَسْحِ كَمَا صَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» . وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إنَّ قِرَاءَةَ الْجَرِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ. ثُمَّ النَّظَرُ فِي شَرْطِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَحُكْمِهِ وَقَدْ أَخَذَ فِي بَيَانِهَا فَقَالَ: (يَجُوزُ) الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَا عَلَى خُفِّ رِجْلٍ مَعَ غَسْلِ أُخْرَى كَمَا مَرَّ وَلَوْ فِي الْخُفِّ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَلِلْأَقْطَعِ لُبْسُ خُفٍّ فِي السَّالِمَةِ إلَّا إنْ بَقِيَ بَعْضُ الْمَقْطُوعَةِ فَلَا يَكْفِي ذَلِكَ حَتَّى يُلْبِسَ ذَلِكَ الْبَعْضَ خُفًّا، وَلَوْ كَانَتْ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلِيلَةً بِحَيْثُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا لَمْ يَجُزْ إلْبَاسُ الْأُخْرَى الْخُفَّ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ إذْ يَجِبُ التَّيَمُّمُ عَنْ الْعَلِيلَةِ فَهِيَ كَالصَّحِيحَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ (فِي الْوُضُوءِ) بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ (٣) ، فَالْوَاجِبُ عَلَى

стр. 114

لِلْمُقِيمِ ــ [مغني المحتاج] لَابِسِهِ الْغَسْلُ أَوْ الْمَسْحُ، وَأَشَارَ بِيَجُوزُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَلَا يُسَنُّ وَلَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ، وَإِلَى أَنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي آخِرِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، نَعَمْ إنْ تَرَكَ الْمَسْحَ رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ أَوْ شَكًّا فِي جَوَازِهِ أَيْ لَمْ تَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ إلَيْهِ، لَا أَنَّهُ شَكَّ هَلْ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ أَوْ لَا أَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ أَوْ عَرَفَةَ أَوْ إنْقَاذَ أَسِيرٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَالْمَسْحُ أَفْضَلُ، بَلْ يُكْرَهُ تَرْكُهُ فِي الْأَوْلَى، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الرُّخَصِ وَاللَّائِقُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ الْوُجُوبُ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَلَوْ كَانَ لَابِسُ الْخُفِّ بِشَرْطِهِ مُحْدِثًا وَدَخَلَ الْوَقْتُ وَعِنْدَهُ مَا يَكْفِي الْمَسْحَ فَقَطْ، فَعَنْ الرُّويَانِيِّ وُجُوبُهُ وَتَفَقَّهَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهُوَ فِقْهٌ حَسَنٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرْهَقَهُ الْحَدَثُ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ وَمَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لَوْ مَسَحَ وَلَا يَكْفِيهِ لَوْ غَسَلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لُبْسُ الْخُفِّ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إحْدَاثِ فِعْلٍ زَائِدٍ رُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَفُرِّقَ أَيْضًا بِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الْإِدَامَةِ تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الطَّهَارَةِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ طَهَارَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْمَاءِ بِاسْتِصْحَابِ حَالَةٍ هُوَ عَلَيْهَا، وَفِي صُورَةِ اللُّبْسِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يُوجَدْ، فَلَا وَجْهَ لِتَكْلِيفِهِ الْإِتْيَانَ بِفِعْلٍ مُسْتَأْنَفٍ لِأَجْلِ طَهَارَةٍ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ، وَخَرَجَ بِالْوُضُوءِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَالْغُسْلُ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا فَلَا مَسْحَ فِيهِمَا. أَمَّا الْغُسْلُ الْوَاجِبُ فَلِخَبَرِ الْجَنَابَةِ الْآتِي، وَأَمَّا بَاقِي الِاغْتِسَالِ وَغُسْلُ النَّجَاسَةِ فَبِالْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَكَرَّرُ تَكَرُّرَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ (لِلْمُقِيمِ) وَلَوْ عَاصِيًا بِإِقَامَتِهِ، وَلِلْمُسَافِرِ سَفَرًا قَصِيرًا أَوْ طَوِيلًا، وَهُوَ عَاصٍ بِسَفَرِهِ، وَكَذَا

стр. 115

يَوْمًا وَلَيْلَةً، ــ [مغني المحتاج] كُلُّ سَفَرٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ الْقَصْرُ (يَوْمًا وَلَيْلَةً) فَيَسْتَبِيحُ بِالْمَسْحِ مَا يَسْتَبِيحُهُ بِالْوُضُوءِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ

стр. 116

وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةً بِلَيَالِيِهَا ــ [مغني المحتاج] (وَلِلْمُسَافِرِ) سَفَرَ قَصْرٍ (١) (ثَلَاثَةً) مِنْ الْأَيَّامِ (بِلَيَالِيِهَا) فَيَسْتَبِيحُ بِالْمَسْحِ مَا يَسْتَبِيحُهُ بِالْوُضُوءِ فِي

стр. 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [مغني المحتاج] هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ الْخَبَرُ السَّابِقُ أَوَّلَ الْبَابِ. وَخَبَرُ مُسْلِمٍ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: «سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِهِنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» (١) . وَالْمُرَادُ بِلَيَالِيِهَا ثَلَاثُ لَيَالٍ مُتَّصِلَةٍ بِهَا، سَوَاءٌ أَسَبَقَ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ لَيْلَتَهُ أَمْ لَا، فَلَوْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ أَوْ الْيَوْمِ اُعْتُبِرَ قَدْرُ الْمَاضِي مِنْهُ مِنْ اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ أَوْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ يُقَالُ فِي مُدَّةِ الْمُقِيمِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَيِّدَ السَّفَرَ بِسَفَرِ الْقَصْرِ كَمَا قَيَّدْتُهُ بِهِ. أَجَابَ الشَّارِحُ بِأَنَّ مَسْحَ الْمُسَافِرِ ثَلَاثَةً يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ قَدْرَهَا وَلَوْ ذَهَابًا وَإِيَابًا اهـ. فَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ التَّقْيِيدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بَدَّ أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ مُبَاحًا، وَيَنْدَفِعُ بِقَوْلِي: وَالْمُرَادُ بِلَيَالِيِهَا إلَخْ مَا قِيلَ: إنَّ لَيْلَةَ الْيَوْمِ هِيَ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَيْهِ لَا الْمُتَأَخِّرَةُ عَنْهُ، فَالْمُسَافِرُ يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَالٍ مُطْلَقًا كَمَا يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً كَذَلِكَ، وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ التَّعْبِيرِ بِلَيَالِيِهَا إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ عِنْدَ الْغُرُوبِ دُونَ مَا إذَا كَانَ عِنْدَ الْفَجْرِ، وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ دَائِمَ الْحَدَثِ كَالْمُسْتَحَاضَةِ فَيَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى لُبْسِهِ وَالِارْتِفَاقِ بِهِ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ الصَّلَاةَ بِطَهَارَتِهِ فَيَسْتَفِيدُ الْمَسْحَ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لَهُ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ ضَعِيفَةٌ، وَالْمَسْحُ ضَعِيفٌ، فَلَا يُضَمُّ ضَعِيفٌ إلَى ضَعِيفٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِهِ غَيْرَ حَدَثِهِ الدَّائِمِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ بِوُضُوءِ اللُّبْسِ فَرْضًا مَسَحَ لِفَرِيضَةٍ وَلِنَوَافِلَ، وَإِنْ أَحْدَثَ وَقَدْ صَلَّى بِوُضُوءِ اللُّبْسِ فَرْضًا لَمْ يَمْسَحْ إلَّا لِنَفْلٍ؛ لِأَنَّ مَسْحَهُ مُرَتَّبٌ عَلَى طُهْرِهِ وَهُوَ لَا يُفِيدُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ فَرِيضَةً أُخْرَى وَجَبَ نَزْعُ الْخُفِّ وَالطُّهْرُ الْكَامِلُ؛ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا زَادَ عَلَى فَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ فَكَأَنَّهُ لَبِسَ عَلَى حَدَثٍ حَقِيقَةً فَإِنَّ طُهْرَهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَمَّا حَدَثُهُ الدَّائِمُ فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى اسْتِئْنَافِ طُهْرٍ إلَّا إذَا أَخَّرَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الطُّهْرِ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا، وَحَدَثُهُ يَجْرِي فَإِنَّ طُهْرَهُ يَبْطُلُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْحَيْضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ قِيلَ: اللُّبْسُ يَمْنَعُ الْمُبَادَرَةَ. . أُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي زَمَنِ الِاشْتِغَالِ

стр. 118

مِنْ الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسٍ. ــ [مغني المحتاج] بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ، وَالْمُتَحَيِّرَةُ تَمْسَحُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا. وَابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ (مِنْ) تَمَامِ (الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسٍ) (١) ؛ لِأَنَّ وَقْتَ جَوَازِ الْمَسْحِ أَيْ الرَّافِعِ لِلْحَدَثِ يَدْخُلُ بِذَلِكَ فَاعْتُبِرَتْ

стр. 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [مغني المحتاج] مُدَّتُهُ مِنْهُ، فَإِذَا أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ لُبْسًا عَلَى طَهَارَةٍ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ لَمْ تُحْسَبْ الْمُدَّةُ وَلَوْ بَقِيَ شَهْرًا مَثَلًا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةً، فَكَانَ ابْتِدَاءُ وَقْتِهَا مِنْ حِينِ جَوَازِ فِعْلِهَا كَالصَّلَاةِ، هَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهَذَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَرُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلَابِسِ الْخُفِّ أَنْ يُجَدِّدَ الْوُضُوءَ قَبْلَ الْحَدَثِ مَعَ أَنَّهُ قِيلَ بِجَوَازِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَقِيلَ بِاسْتِحْبَابِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْقِيحِ وَالْمَجْمُوعِ، وَيَنْدَفِعُ هَذَا التَّوَهُّمُ بِمَا

стр. 120

فَإِنْ مَسَحَ حَضَرًا ــ [مغني المحتاج] قَدَّرْتُهُ تَبَعًا لِغَيْرِي. وَقَالَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ: لَمَّا كَانَتْ مُدَّةُ جَوَازِ الْمَسْحِ هِيَ مُدَّةَ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ الْحَدَثِ لَا يُتَصَوَّرُ اسْتِنَادُ جَوَازِ الصَّلَاةِ إلَى الْمَسْحِ كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مَا ذُكِرَ فَلَا يَرِدُ الْمَسْحُ فِي الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ قَبْلَ الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ جَازَ لَيْسَ مَحْسُوبًا مِنْ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا لَيْسَ مُسْتَنَدًا إلَيْهِ اهـ. وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ حَدَثٍ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ ثُمَّ أَحْدَثَ كَانَ ابْتِدَاءُ مُدَّتِهِ مِنْ حَدَثِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ كَذَلِكَ. وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ فِي مَجْمُوعِهِ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ مِنْ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ الْأَحَادِيثِ تُعْطِيهِ. وَعُلِمَ مِنْ تَقْدِيرِ تَمَامِ أَنَّ الْمُدَّةَ لَا تُحْسَبُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْحَدَثِ وَهُوَ كَذَلِكَ نَعَمْ أَفْتَى شَيْخِي بِأَنَّ الْحَدَثَ بِالنَّوْمِ تَكُونُ الْمُدَّةُ مِنْ ابْتِدَائِهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَسْتَغْرِقُ غَالِبَ الْمُدَّةِ، وَمِثْلُهُ اللَّمْسُ وَالْمَسُّ، وَالظَّاهِرُ إطْلَاقُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ (فَإِنْ مَسَحَ) بَعْدَ الْحَدَثِ (حَضَرًا) عَلَى خُفَّيْهِ

стр. 121

ثُمَّ سَافَرَ أَوْ عَكَسَ لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ سَفَرٍ. وَشَرْطُهُ أَنْ يَلْبَسَ بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ سَاتِرًا مَحَلَّ فَرْضِهِ ــ [مغني المحتاج] أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ (ثُمَّ سَافَرَ) سَفَرَ قَصْرٍ (أَوْ عَكَسَ) أَيْ مَسَحَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ أَقَامَ (لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ سَفَرٍ) تَغْلِيبًا لِلْحَضَرِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى مُدَّةِ مُقِيمٍ فِي الْأُولَى بِقِسْمَيْهَا خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ فِي الشِّقِّ الثَّانِي مِنْهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ مَسَحَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَهُوَ عَاصٍ بِسَفَرِهِ ثُمَّ مَسَحَ الْأُخْرَى بَعْدَ تَوْبَتِهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَكَذَا فِي الثَّانِيَةِ إنْ أَقَامَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَهَا لَمْ يَمْسَحْ، وَيُجْزِئُهُ مَا مَضَى وَإِنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِيمَا ذُكِرَ بِالْمَسْحِ لَا بِاللُّبْسِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ، فَمَنْ ابْتَدَأَ بِالْمَسْحِ فِي السَّفَرِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ سَوَاءٌ أَلَبِسَ فِي الْحَضَرِ وَأَحْدَثَ فِيهِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ أَسَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَمْ لَا، وَعِصْيَانُهُ إنَّمَا هُوَ بِالتَّأْخِيرِ لَا بِالسَّفَرِ الَّذِي بِهِ الرُّخْصَةُ، وَمَنْ ابْتَدَأَهُ فِي الْحَضَرِ وَلَوْ إحْدَى خُفَّيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ. (وَشَرْطُهُ) أَيْ جَوَازِ مَسْحِ الْخُفِّ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: (أَنْ يُلْبَسَ بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ) مِنْ الْحَدَثَيْنِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، فَلَوْ لَبِسَهُ قَبْلَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ وَغَسَلَهُمَا فِيهِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ إلَّا أَنْ يَنْزِعَهُمَا مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ ثُمَّ يُدْخِلَهُمَا فِيهِ، وَلَوْ أَدْخَلَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ غَسْلِهَا ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ إلَّا أَنْ يَنْزِعَ الْأُولَى مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمِ ثُمَّ يُدْخِلَهَا فِيهِ، وَلَوْ غَسَلَهُمَا فِي سَاقِ الْخُفِّ ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا مَوْضِعَ الْقَدَمِ جَازَ الْمَسْحُ، وَلَوْ ابْتَدَأَ اللُّبْسَ بَعْدَ غَسْلِهِمَا ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ وُصُولِهِمَا إلَى مَوْضِعِ الْقَدَمِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ الْحَدَثَانِ فَغَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ الْجَنَابَةِ وَقُلْنَا بِالِانْدِرَاجِ، وَلُبْسُ الْخُفِّ قَبْلَ غَسْلِ بَاقِي بَدَنِهِ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ قَبْلَ كَمَالِ الطُّهْرِ. فَإِنْ قِيلَ لَفْظَةُ كَمَالٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الطُّهْرِ أَنْ يَكُونَ كَامِلًا، وَلِذَلِكَ اعْتَرَضَ الرَّافِعِيُّ عَلَى الْوَجِيزِ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى قَيْدِ التَّمَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا يَنْتَظِمُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَيْسَ عَلَى طُهْرٍ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِنَفْيِ مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ فِيمَا إذَا غَسَلَ رِجْلًا وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ الْأُخْرَى كَذَلِكَ، وَلِاحْتِمَالِ تَوَهُّمِ إرَادَةِ الْبَعْضِ. وَلَا يُقَالُ يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنْ دَائِمِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ ضِدَّ الْكَامِلِ النَّاقِصُ، وَطَهَارَتُهُ ضَعِيفَةٌ لَا نَاقِصَةٌ وَحُكْمُ الْمُحْتَرَزِ عَنْهُ إنَّمَا يَكُونُ ضِدَّ الْمُدَّعَى. وَشَمِلَ تَنْكِيرُ الطُّهْرِ التَّيَمُّمَ، فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لِإِعْوَازِ الْمَاءِ لَمْ يَسْتَفِدْ بِهِ الْمَسْحَ بَلْ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ لَزِمَهُ نَزْعُهُ وَالْوُضُوءُ الْكَامِلُ وَإِنْ كَانَ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَأَحْدَثَ ثُمَّ تَكَلَّفَ الْوُضُوءَ لِيَمْسَحَ فَكَذَا ثُمَّ الْحَدَثُ وَقَدْ مَرَّ حُكْمُهُ، لَكِنَّ الْإِسْنَوِيَّ تَرَدَّدَ فِي جَوَازِ هَذَا التَّكْلِيفِ: هَلْ هُوَ جَائِزٌ أَوْ لَا؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ شَيْخِي أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الضَّرَرُ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ شُفِيَ دَائِمُ الْحَدَثِ أَوْ الْمُتَيَمِّمُ لَا لِفَقْدِ الْمَاءِ لَمْ يَمْسَحْ لِبُطْلَانِ الطَّهَارَةِ الْمُرَتَّبِ هُوَ عَلَيْهَا، وَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ، وَهُوَ يُدَافِعُ الْحَدَثَ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ. الْأَمْرُ الثَّانِي: صَلَاحِيَةُ الْخُفِّ لِلْمَسْحِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا (سَاتِرًا مَحَلَّ فَرْضِهِ) وَهُوَ الْقَدَمُ بِكَعْبَيْهِ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ لَا مِنْ الْأَعْلَى، فَلَوْ رُئِيَ الْقَدَمُ مِنْ أَعْلَاهُ كَأَنْ كَانَ وَاسِعَ الرَّأْسِ

стр. 122

طَاهِرًا يُمْكِنُ تِبَاعُ الْمَشْيِ فِيهِ لِتَرَدُّدِ مُسَافِرٍ لِحَاجَاتِهِ. ــ [مغني المحتاج] لَمْ يَضُرَّ عَكْسُ سَاتِرِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهُ مِنْ الْأَعْلَى وَالْجَوَانِبِ لَا مِنْ الْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّ الْقَمِيصَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ يُتَّخَذُ لِسَتْرِ أَعْلَى الْبَدَنِ، وَالْخُفُّ يُتَّخَذُ لِسَتْرِ أَسْفَلِ الرِّجْلِ، فَإِنْ قَصُرَ عَنْ مَحِلِّ الْفَرْضِ أَوْ كَانَ بِهِ تَخَرُّقٌ فِي مَحِلِّ الْفَرْضِ ضَرَّ، وَلَوْ تَخَرَّقَتْ الْبِطَانَةُ بِكَسْرِ الْبَاءِ أَوْ الظِّهَارَةُ بِكَسْرِ الظَّاءِ وَالْبَاقِي صَفِيقٌ لَمْ يَضُرَّ وَإِلَّا ضَرَّ، وَلَوْ تَخَرَّقَتَا مِنْ مَوْضِعَيْنِ غَيْرِ مُتَحَاذِيَيْنِ لَمْ يَضُرَّ. وَالْمُرَادُ بِالسَّتْرِ هُنَا الْحَيْلُولَةُ لَا مَا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ، فَيَكْفِي الشَّفَافُ عَكْسُ سَاتِرِ الْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا مَنْعُ نُفُوذِ الْمَاءِ وَثَمَّ مَنْعُ الرُّؤْيَةِ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْخُفِّ عُسْرُ غَسْلِ الرِّجْلِ بِسَبَبِ السَّاتِرِ وَقَدْ حَصَلَ، وَالْمَقْصُودُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ سَتْرُهَا بِجِرْمٍ عَنْ الْعُيُونِ وَلَمْ يَحْصُلْ. وَمِنْ نَظَائِرِ الْمَسْأَلَةِ: رُؤْيَةُ الْمَبِيعِ مِنْ وَرَاءِ زُجَاجٍ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ نَفْيُ الْغَرَرِ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ مِنْ وَرَاءِ زُجَاجٍ يُرَى غَالِبًا عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ (طَاهِرًا) فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ اُتُّخِذَ مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ قَبْلَ الدِّبَاغِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الصَّلَاةِ فِيهِ. وَفَائِدَةُ الْمَسْحِ، وَإِنْ لَمْ تَنْحَصِرْ فِيهَا فَالْقَصْدُ الْأَصْلِيُّ مِنْهُ الصَّلَاةُ، وَغَيْرُهَا تَبَعٌ لَهَا، وَلِأَنَّ الْخُفَّ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ وَهِيَ لَا تَطْهُرُ عَنْ الْحَدَثِ مَا لَمْ تَزُلْ نَجَاسَتُهَا، فَكَيْفَ يُمْسَحُ عَلَى الْبَدَلِ وَهُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ؟ وَالْمُتَنَجِّسُ كَالنَّجِسِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِابْنِ الْمُقْرِي فِي أَنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْمَوْضِعِ الطَّاهِرِ وَيَسْتَفِيدُ بِهِ مَسَّ الْمُصْحَفِ قَبْلَ غَسْلِهِ، وَالصَّلَاةَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الْمَسْحِ وَمَا عَدَاهَا مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ كَالتَّابِعِ لَهَا، وَلِأَنَّ الْخُفَّ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمْ تَطْهُرْ عَنْ الْحَدَثِ مَعَ بَقَاءِ النَّجَسِ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ. نَعَمْ لَوْ كَانَ عَلَى الْخُفِّ نَجَاسَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهَا وَمَسَحَ مِنْ أَعْلَاهُ مَا لَا نَجَاسَةَ عَلَيْهِ صَحَّ مَسْحُهُ، فَإِنْ مَسَحَ عَلَى النَّجَاسَةِ زَادَ التَّلْوِيثُ وَلَزِمَ حِينَئِذٍ غَسْلُهُ وَغَسْلُ يَدِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ خَرَّزَ خُفَّهُ بِشَعْرٍ نَجِسٍ، وَالْخُفُّ أَوْ الشَّعْرُ رَطْبٌ طُهِّرَ بِالْغَسْلِ ظَاهِرُهُ دُونَ مَحِلِّ الْخَرَزِ وَيُعْفَى عَنْهُ فَلَا يُنَجِّسُ الرِّجْلَ الْمُبْتَلَّةِ وَيُصَلِّي فِيهِ الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي الْأَطْعِمَةِ خِلَافًا لِمَا فِي التَّحْقِيقِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ قَوِيًّا (يُمْكِنُ) لِقُوَّتِهِ (تِبَاعُ الْمَشْيِ فِيهِ لِتَرَدُّدِ مُسَافِرٍ لِحَاجَاتِهِ) عِنْدَ الْحَطِّ وَالتِّرْحَالِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَلَوْ كَانَ لَابِسُهُ مُقْعَدًا، وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الْمُتَرَدَّدِ فِيهَا، فَضَبَطَهُ الْمَحَامِلِيُّ (١) بِثَلَاثِ لَيَالٍ فَصَاعِدًا وَوَافَقَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي التَّنْقِيحِ. وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا ضَبَطَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ تَقْرِيبًا. وَقَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: لَوْ ضَبَطَ بِمَنَازِلِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لَمْ يَبْعُدْ قَالَ: وَهَلْ الْمُرَادُ الْمَشْيُ فِيهِ بِمَدَاسٍ أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ اهـ.

стр. 123

قِيلَ: وَحَلَالًا. ــ [مغني المحتاج] وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ الثَّانِي: إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَ لَكَانَ غَالِبُ الْخِفَافِ يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ اعْتِدَالُ الْأَرْضِ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً، وَالْأَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّرَدُّدَ فِيهِ بِحَوَائِجِ سَفَرِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْمُقِيمِ وَنَحْوِهِ، وَسَفَرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ سَفَرَ قَصْرٍ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ يَجِبُ نَزْعُهُ، فَقُوَّتُهُ تُعْتَبَرُ بِأَنْ يُمْكِنَ التَّرَدُّدُ فِيهِ لِذَلِكَ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُتَّخَذُ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ كَلِبَدٍ وَزُجَاجٍ وَخِرَقٍ مُطْبَقَةٍ بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ لِمَا ذُكِرَ لِثِقَلِهِ كَالْحَدِيدِ أَوْ لِتَحْدِيدِ رَأْسِهِ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ الثُّبُوتِ، أَوْ ضَعْفِهِ كَجَوْرَبِ الصُّوفِيَّةِ وَالْمُتَّخَذِ مِنْ جِلْدٍ ضَعِيفٍ، أَوْ لِغِلَظِهِ كَالْخَشَبَةِ الْعَظِيمَةِ، أَوْ لِفَرْطِ سِعَتِهِ أَوْ ضِيقِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَيْهِ إذْ لَا حَاجَةَ لِمِثْلِ ذَلِكَ وَلَا فَائِدَةَ فِي إدَامَتِهِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ إلَّا إنْ كَانَ الضَّيِّقُ يَتَّسِعُ بِالْمَشْيِ فِيهِ. قَالَ فِي الْكَافِي عَنْ قُرْبٍ كَفَى الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ (قِيلَ: وَحَلَالًا) فَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ (١) وَالرُّخْصَةُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي،

стр. 124

وَلَا يُجْزِئُ مَنْسُوجُ لَا يَمْنَعُ مَاءً فِي الْأَصَحِّ. وَلَا جُرْمُوقَانِ فِي الْأَظْهَرِ. ــ [مغني المحتاج] وَالْأَصَحُّ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ يُسْتَوْفَى بِهِ الرُّخْصَةُ لَا أَنَّهُ الْمُجَوِّزُ لِلرُّخْصَةِ بِخِلَافِ مَنْعِ الْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ إذْ الْمُجَوِّزُ لَهُ السَّفَرُ، وَلَا يَشْكُلُ ذَلِكَ بِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِجْمَارِ بِالْمُحْتَرَمِ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَمَّ لِمَعْنًى قَائِمٍ بِالْآلَةِ، بِخِلَافِهِ هُنَا، وَعَلَى هَذَا فَيَكْفِي: الْمَسْحُ عَلَى الْمَغْصُوبِ وَالدِّيبَاجِ الصَّفِيقِ وَالْمُتَّخَذِ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ لِلرَّجُلِ وَغَيْرِهِ كَالتَّيَمُّمِ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ، وَاسْتُثْنِيَ فِي الْعُبَابِ مَا لَوْ كَانَ اللَّابِسُ لِلْخُفِّ مُحْرِمًا بِنُسُكٍ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ: أَنَّ الْمُحَرَّمَ مَنْهِيٌّ عَنْ اللُّبْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لُبْسٌ فَصَارَ كَالْخُفِّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي اسْتِعْمَالِ مَالِ الْغَيْرِ، وَاسْتَثْنَى غَيْرُهُ جِلْدَ الْآدَمِيِّ إنْ اتَّخَذَ مِنْهُ خُفًّا، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. فَإِنْ قِيلَ: سَاتِرًا وَمَا بَعْدَهُ أَحْوَالٌ مُقَيَّدَةٌ لِصَاحِبِهَا فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ الْأَمْرُ بِهَا؟ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْأَمْرِ بِشَيْءٍ الْأَمْرُ بِالْمُقَيِّدِ لَهُ بِدَلِيلِ اضْرِبْ هِنْدًا جَالِسَةً. . أُجِيبَ: بِأَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَالُ مِنْ نَوْعِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَا مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ كَالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ. أَمَّا إذَا كَانَتْ مِنْ نَوْعِهِ نَحْوُ حُجَّ مُفْرِدًا أَوْ مِنْ فِعْلِهِ نَحْوُ اُدْخُلْ مَكَّةَ مُحْرِمًا فَهِيَ مَأْمُورٌ بِهَا، وَمَا هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَيُشْتَرَطُ فِي الْخُفِّ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ (وَلَا يُجْزِئُ مَنْسُوجٌ لَا يَمْنَعُ مَاءً) أَيْ نُفُوذَهُ إلَى الرِّجْلِ مِنْ غَيْرِ مَحَلِّ الْخَرَزِ لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ صَفَاقَتِهِ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْخِفَافِ أَنَّهَا تَمْنَعُ النُّفُوذَ، فَتَنْصَرِفُ إلَيْهَا النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّرَخُّصِ فَيَبْقَى الْغَسْلُ وَاجِبًا فِيمَا عَدَاهَا وَالثَّانِي: يُجْزِئُ كَالْمُتَخَرِّقِ ظِهَارَتُهُ مِنْ مَوْضِعٍ وَبِطَانَتُهُ مِنْ آخَرَ غَيْرَ مُتَحَاذِيَيْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ نَفَذَ الْبَلَلُ إلَى الرِّجْلِ لَوْ صُبَّا عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: لَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَةَ مَنْسُوجٍ وَقَالَ: لَا يُجْزِئُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَاءً لَشَمِلَ الْمَنْسُوجَ وَغَيْرَهُ. فَإِنْ قِيلَ: بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يُسَمِّيَ خُفًّا، فَلَوْ لَفَّ قِطْعَةَ أُدْمٍ عَلَى رِجْلَيْهِ وَأَحْكَمَهَا بِالشَّدِّ وَأَمْكَنَ تِبَاعُ الْمَشْيِ عَلَيْهَا لَمْ يَصِحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ لِعُسْرِ إزَالَتِهِ وَإِعَادَتِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ مَعَ اسْتِيفَازِ الْمُسَافِرِ فَلَا يَحْصُلُ الِارْتِفَاقُ الْمَقْصُودُ بِالْمَسْحِ فَيُتَّبَعُ مَوْرِدُ النَّصِّ، وَهُوَ الْخُفُّ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْبَابِ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ يَجُوزُ عَائِدٌ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ فَخَرَجَ غَيْرُهُ (وَلَا) يُجْزِئُ (جُرْمُوقَانِ) وَهُمَا خُفٌّ فَوْقَ خُفٍّ كُلٌّ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلْمَسْحِ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَسْحِ الْأَعْلَى مِنْهُمَا (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْخُفِّ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَالْجُرْمُوقُ لَا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ. وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمِيمِ

стр. 125

وَيَجُوزُ مَشْقُوقُ قَدَمٍ شُدَّ فِي الْأَصَحِّ. وَيُسَنُّ مَسْحُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ خُطُوطًا، وَيَكْفِي مُسَمَّى مَسْحٍ ــ [مغني المحتاج] فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ شَيْءٌ كَالْخُفِّ فِيهِ وُسْعٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ لِلْبَرْدِ. وَأَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ خُفٌّ فَوْقَ خُفٍّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاسِعًا لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ. وَالثَّانِي: يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ شِدَّةَ الْبَرْدِ قَدْ تُحْوِجُ إلَى لُبْسِهِ، وَفِي نَزْعِهِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ لِلْمَسْحِ عَلَى الْأَسْفَلِ مَشَقَّةٌ. وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، إذْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ بَيْنَهُمَا وَيَمْسَحَ الْأَسْفَلَ، فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلْمَسْحِ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا، وَإِنْ صَلُحَ الْأَعْلَى دُونَ الْأَسْفَلِ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَالْأَسْفَلُ كَلِفَافَةٍ، وَإِنْ صَلُحَ الْأَسْفَلُ دُونَ الْأَعْلَى، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ الْبَلَلُ لِلْأَسْفَلِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ لَا بِقَصْدِ الْأَعْلَى فَقَطْ بِأَنْ قَصَدَ الْأَسْفَلَ، وَلَوْ مَعَ الْأَعْلَى أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا كَفَى، وَيَأْتِي هَذَا التَّفْصِيلُ أَيْضًا فِي الْقَوِيَّيْنِ: كَأَنْ يَصِلَ إلَى الْأَسْفَلِ مِنْ مَحَلِّ خَرَزِ الْأَعْلَى، وَلَوْ تَخَرَّقَ الْأَسْفَلُ مِنْ الْقَوِيَّيْنِ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةِ لُبْسِهِمَا مَسَحَ الْأَعْلَى؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا لِخُرُوجِ الْأَسْفَلِ عَنْ صَلَاحِيَتِهِ لِلْمَسْحِ، أَوْ وَهُوَ مُحْدِثٌ فَلَا كَاللُّبْسِ عَلَى حَدَثٍ، أَوْ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةِ الْمَسْحِ فَوَجْهَانِ: أَظْهَرُهُمَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ، وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحِجَازِيُّ. كَلَامَهَا أَنَّهُ يَمْسَحُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى طَهَارَةِ اللُّبْسِ. قَالَ الْبَغَوِيّ: وَالْخُفُّ ذُو الطَّاقَيْنِ غَيْرِ الْمُلْتَصِقَيْنِ كَالْجُرْمُوقَيْنِ. قَالَ: وَعِنْدِي يَجُوزُ مَسْحُ الْأَعْلَى فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ خُفٌّ وَاحِدٌ، فَمَسْحُ الْأَسْفَلِ كَمَسْحِ بَاطِنِ الْخُفِّ اهـ. وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى جَبِيرَةٍ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ فَوْقَ مَمْسُوحٍ فَأَشْبَهَ الْعِمَامَةَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ وَضَعَ الْجَبِيرَةَ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ لِعَدَمِ مَا ذُكِرَ. (وَيَجُوزُ مَشْقُوقُ قَدَمٍ شُدَّ) بِالشَّرَجِ، وَهِيَ الْعُرَى بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ شَيْءٌ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ إذَا مَشَى: أَيْ فَيَكْفِي الْمَسْحُ عَلَيْهِ (فِي الْأَصَحِّ) لِحُصُولِ السَّتْرِ وَتَيَسَّرَ الْمَشْيُ فِيهِ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ فَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَفَّ عَلَى قَدَمِهِ قِطْعَةَ أُدْمٍ وَأَحْكَمَهَا بِالشَّدِّ فَإِنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ. وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِعُسْرِ الِارْتِفَاقِ بِهَا فِيمَا مَرَّ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَشْقُوقُ لَا يُسَمَّى خُفًّا بَلْ زُرْبُولًا وَقَدْ مَرَّ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْمَمْسُوحِ عَلَيْهِ يُسَمَّى خُفًّا. أُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُعَوِّلُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّسْمِيَةِ فَقَطْ بَلْ مَعَ مُرَاعَاةِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا أَخْرَجْنَا بِذَلِكَ قِطْعَةَ الْأُدْمِ وَنَحْوَهَا وَعَلَّلْنَاهَا بِعُسْرِ الِارْتِفَاقِ، فَحَيْثُ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَوْجُودُ فِي الْخُفِّ كَفَى (وَيُسَنُّ مَسْحُ) ظَاهِرِ (أَعْلَاهُ) أَيْ السَّاتِرِ لِمُشْطِ الرِّجْلِ (وَأَسْفَلِهِ) وَعَقِبِهِ وَحَرْفِهِ (خُطُوطًا) بِأَنْ يَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ الْعَقِبِ وَالْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ الْأَصَابِعِ ثُمَّ يُمِرَّ الْيُمْنَى إلَى سَاقِهِ أَيْ إلَى آخِرِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الدَّمِيرِيُّ، كَمَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ مَسْحُهُ، وَالْيُسْرَى إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ مِنْ تَحْتُ مُفَرِّجًا بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ وَلَا يَضُمُّهَا لِئَلَّا يَصِيرَ مُسْتَوْعِبًا لَهُ، وَلَا يُسَنُّ اسْتِيعَابُهُ بِالْمَسْحِ، وَيُكْرَهُ تَكْرَارُهُ وَغَسْلُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْخُفِّ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ إذَا كَانَ الْخُفُّ مِنْ نَحْوِ زُجَاجٍ وَأَمْكَنَ الْمَشْيُ فِيهِ (وَيَكْفِي مُسَمَّى مَسْحٍ) كَمَسْحِ الرَّأْسِ فَيَكْفِي بِيَدٍ وَعُودٍ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ وَرَدَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَصِحَّ فِي

стр. 126

يُحَاذِي الْفَرْضَ إلَّا أَسْفَلَ الرِّجْلِ وَعَقِبَهَا فَلَا عَلَى الْمَذْهَبِ. قُلْتُ: حَرْفُهُ كَأَسْفَلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا مَسْحَ لِشَاكٍّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ. فَإِنْ أَجْنَبَ وَجَبَ تَجْدِيدُ لُبْسٍ. ــ [مغني المحتاج] تَقْدِيرِ شَيْءٍ فَتَعَيَّنَ الِاكْتِفَاءُ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ (يُحَاذِي) أَيْ يُقَابِلُ (الْفَرْضَ) مِنْ الظَّاهِرِ لَا مِنْ بَاطِنِهِ الْمُلَاقِي لِلْبَشَرَةِ فَلَا يَكْفِي اتِّفَاقًا. فَإِنْ قِيلَ: مُقْتَضَى التَّشْبِيهِ بِالرَّأْسِ أَنَّ الْخُفَّ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ أَنَّ الْمَسْحَ يَكْفِي عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى مَسْحِ الشَّعْرِ جَزْمًا كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّشْبِيهِ أَنْ يُعْطَى الْمُشَبَّهُ حُكْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (إلَّا أَسْفَلَ الرِّجْلِ وَعَقِبَهَا فَلَا) يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا (عَلَى الْمَذْهَبِ) ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَرِدْ، وَثَبَتَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْلَى، وَالرُّخْصَةُ يَجِبُ فِيهَا الِاتِّبَاعُ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ. وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ (١) . وَالْعَقِبُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا مَعَ فَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا: مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَجَمْعُهَا أَعْقَابٌ. وَقَدْ مَرَّ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» (٢) (قُلْتُ: حَرْفُهُ كَأَسْفَلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ غَالِبًا فَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ (وَلَا مَسْحَ لِشَاكٍّ) سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ (فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ) هَلْ انْقَضَتْ أَوْ لَا وَشَكَّ الْمُسَافِرُ هَلْ ابْتَدَأَ فِي السَّفَرِ أَوْ فِي الْحَضَرِ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ بِشُرُوطٍ. مِنْهَا الْمُدَّةُ، فَإِذَا شَكَّ فِيهَا رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الْغَسْلُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ الشَّكَّ، إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ الْمَسْحِ لَا أَنَّهُ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَوْ زَالَ الشَّكُّ وَتَحَقَّقَ بَقَاءُ الْمُدَّةِ جَازَ الْمَسْحُ. فَرْعٌ: لَوْ شَكَّ مَنْ مَسَحَ بَعْدَ الْحَدَثِ هَلْ صَلَاتُهُ الرَّابِعَةُ أَوْ الثَّالِثَةُ؟ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الرَّابِعَةِ وَحُسِبَ عَلَيْهِ وَقْتُهَا، فَلَوْ أَحْدَثَ وَمَسَحَ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَشَكَّ، أَتَقَدَّمَ حَدَثُهُ وَمَسَحَهُ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَصَلَّاهَا بِهِ أَمْ تَأَخَّرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ وَلَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا عَلَيْهِ وَتُجْعَلُ الْمُدَّةُ مِنْ أَوَّلِ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَلَوْ مَسَحَ شَاكًّا فِيمَا ذُكِرَ وَصَلَّى بِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، فَإِنْ بَانَ بَقَاءُ الْمُدَّةِ أَعَادَ الْمَسْحَ وَالصَّلَاةَ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَسَحَ غَيْرَ شَاكٍّ، كَأَنْ مَسَحَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى طَهَارَتِهِ إلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ يُعِيدُ مَا صَلَّاهُ بِهِ عَلَى الشَّكِّ (فَإِنْ أَجْنَبَ) لَابِسُ الْخُفِّ أَوْ حَصَلَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ (وَجَبَ تَجْدِيدُ لُبْسٍ) بَعْدَ الْغُسْلِ إنْ أَرَادَ الْمَسْحَ بِأَنْ يَنْزِعَ وَيَتَطَهَّرَ ثُمَّ يَلْبَسَ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ غَسَّانَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَوْ سَفْرًا بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْفَاءِ: أَيْ مُسَافِرِينَ أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ»

стр. 127

وَمَنْ نَزَعَ وَهُوَ بِطُهْرِ الْمَسْحِ غَسَلَ قَدَمَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ يَتَوَضَّأُ. ــ [مغني المحتاج] صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ. دَلَّ الْأَمْرُ بِالنَّزْعِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْمَسْحِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ فَهِيَ مَانِعَةٌ مِنْ الْمَسْحِ قَاطِعَةٌ لِمُدَّتِهِ حَتَّى لَوْ اغْتَسَلَ لَابِسًا لَا يَمْسَحُ بَقِيَّتَهَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ، وَإِنْ اقْتَضَى مَا فِي الْكِفَايَةِ أَنَّهُ يَمْسَحُ بَقِيَّتَهَا لِارْتِفَاعِ الْمَانِعِ، وَقِيسَ بِالْجَنَابَةِ غَيْرُهَا مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهَا كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ لِلْإِبَاحَةِ لِمَجِيئِهِ فِي خَبَرِ النَّسَائِيّ «أَرْخَصَ لَنَا» . فَإِنْ قِيلَ الْجَبِيرَةُ إذَا وُضِعَتْ عَلَى طُهْرٍ لَا يَجِبُ نَزْعُهَا لِمَا ذُكِرَ مَعَ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَسْحًا عَلَى سَاتِرٍ لِحَاجَةٍ مَوْضُوعٍ عَلَى طُهْرٍ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَاجَةَ ثَمَّ أَشَدُّ وَالنَّزْعُ أَشَقُّ (وَمَنْ نَزَعَ) فِي الْمُدَّةِ خُفَّيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ خَرَجَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ صَلَاحِيَةِ الْمَسْحِ، أَوْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ، أَوْ شَكَّ فِي بَقَائِهَا أَوْ ظَهَرَ بَعْضُ الرِّجْلِ بِتَخَرُّقٍ أَوْ غَيْرِهِ كَانْحِلَالِ شَرَجٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (وَهُوَ بِطُهْرِ الْمَسْحِ) فِي جَمِيعِ ذَلِكَ (غَسَلَ قَدَمَيْهِ) لِبُطْلَانِ طُهْرِهِمَا بِمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ غَسْلُهُمَا، وَالْمَسْحُ بَدَلٌ، فَإِذَا زَالَ حُكْمُ الْبَدَلِ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ كَالتَّيَمُّمِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ (وَفِي قَوْلٍ يَتَوَضَّأُ) ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فَتَبْطُلُ كُلُّهَا بِبُطْلَانِ بَعْضِهَا كَالصَّلَاةِ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَيُصَلِّي بِطَهَارَتِهِ. وَخَرَجَ بِطُهْرِ الْمَسْحِ طُهْرُ الْغَسْلِ بِأَنْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ اللُّبْسِ، أَوْ أَحْدَثَ لَكِنْ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى غَسْلِ قَدَمَيْهِ. خَاتِمَةٌ: لَوْ تَنَجَّسَتْ رِجْلُهُ فِي الْخُفِّ بِدَمٍ أَوْ غَيْرِهِ بِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا وَأَمْكَنَ غَسْلُهَا فِي الْخُفِّ غَسَلَهَا وَلَمْ يَبْطُلْ مَسْحُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَجَبَ النَّزْعُ وَغَسَلَ النَّجَاسَةَ وَبَطَلَ مَسْحُهُ، وَلَوْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْمَسْحِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً، أَوْ اعْتَقَدَ طَرَيَانَ حَدَثٍ غَالِبٍ فَأَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى طَهَارَةٍ فِي الْحَالِ، وَصَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُقْتَدِي بِحَالِهِ وَيُفَارِقُهُ عِنْدَ عُرُوضِ الْمُبْطِلِ، وَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فِي صَلَاةِ نَافِلَةٍ كَانَ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَةٍ. قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ أَنْ يَنْفُضَهُ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ حَيَّةٌ أَوْ عَقْرَبٌ أَوْ شَوْكَةٌ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَلْبَسُ خُفَّهُ حَتَّى يَنْفُضَهُمَا» .

стр. 128

بَابُ الْغُسْلِ مُوجِبُهُ مَوْتٌ، وَحَيْضٌ وَنِفَاسٌ، وَكَذَا وِلَادَةٌ بِلَا بَلَلٍ فِي الْأَصَحِّ، ــ [مغني المحتاج] [بَابُ الْغُسْلِ] (بَابُ الْغُسْلِ) هُوَ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ غَسَلَ الشَّيْءَ غَسْلًا، وَالْغِسْلُ بِالْكَسْرِ مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ نَحْوِ سِدْرٍ وَخِطْمِيٍّ. وَالْغُسْلُ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِلِاغْتِسَالِ، وَاسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ، فَيَجُوزُ فِي التَّرْجَمَةِ فَتْحُ الْغَيْنِ وَضَمُّهَا، وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّهْذِيبِ، وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ إنَّمَا تَسْتَعْمِلُهُ بِالضَّمِّ، وَهُوَ لُغَةً: سَيَلَانُ الْمَاءِ عَلَى الشَّيْءِ مُطْلَقًا، وَشَرْعًا سَيَلَانُهُ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ مَعَ النِّيَّةِ (مُوجِبُهُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ خَمْسَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: (مَوْتٌ) لِمُسْلِمٍ غَيْرِ شَهِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَائِزِ، فَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ هُنَا لَكِنْ يَرِدُ عَلَى مَفْهُومِهِ السِّقْطُ الَّذِي لَمْ تَظْهَرْ أَمَارَاتُ حَيَاتِهِ وَظَهَرَ خَلْقُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْمَوْتِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ فِي تَعْرِيفِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ عَدَمُ الْحَيَاةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِمُفَارَقَةِ الرُّوحِ الْجَسَدَ، وَقِيلَ: عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ، وَقِيلَ: عَرَضٌ يُضَادُّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَعْنَى قَدَرٌ، وَالْعَدَمُ مُقَدَّرٌ. فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ الْمَوْتِ مِنْ الْمُوجِبَاتِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْغُسْلَ وَلَوْ مَعَ خُلُوِّهِ عَنْ النِّيَّةِ لَزِمَ أَنْ يَعُدُّوا مَنْ تَنَجَّسَ جَمِيعُ بَدَنِهِ أَوْ بَعْضِهِ وَاشْتَبَهَ وَلَمْ يَعُدُّوهُ، وَإِنْ أُرِيدَ الْغُسْلُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ لَزِمَ خُرُوجُ الْمَيِّتِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِي غُسْلِهِ نِيَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ. أُجِيبَ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ الشِّقُّ الْأَوَّلُ، وَالْكَلَامُ فِي الْغُسْلِ عَنْ الْأَحْدَاثِ، فَخَرَجَ مَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، وَدَخَلَ غُسْلُ الْمَيِّتِ عَلَى رَأْيِ أَنَّهُ عَنْ حَدَثٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ الشِّقُّ الْأَوَّلُ وَمُنِعَ عَدُّ تَنَجُّسِ الْبَدَنِ مِنْ الْمُوجِبَاتِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ: إنَّمَا هُوَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ فُرِضَ كَشْطُ جِلْدِهِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ ( وَ) ثَانِيهَا (حَيْضٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ الْحَيْضِ، وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» (١) ( وَ) ثَالِثُهَا: (نِفَاسٌ) ؛ لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ مُجْتَمِعٌ، وَيُعْتَبَرُ مَعَ خُرُوجِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَانْقِطَاعِهِ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ أَيْ أَوْ نَحْوِهَا كَمَا فِي الرَّافِعِيِّ وَالتَّحْقِيقِ، وَإِنْ صَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ مُوجِبَهُ الِانْقِطَاعُ فَقَطْ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَجَنَابَةٌ بِدُخُولِ حَشَفَةٍ إلَخْ أَنَّ الْمُوجِبَ الْإِيلَاجُ أَوْ الْإِنْزَالُ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ لِهَذَا الْخِلَافِ ثَمَرَةٌ فِقْهِيَّةٌ؟ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: نَعَمْ، وَهِيَ فِيمَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ وَجَبَ عَلَيْكِ غُسْلٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَذَكَرَ لَهُ فَوَائِدَ أُخَرَ لَكِنْ عَلَى ضَعْفٍ. وَرَابِعُهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَكَذَا وِلَادَةٌ) وَلَوْ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً (بِلَا بَلَلٍ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ مُنْعَقِدٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ بَلَلٍ غَالِبًا فَأُقِيمَ مَقَامَهُ كَالنَّوْمِ مَعَ الْخَارِجِ

стр. 129

وَجَنَابَةٌ بِدُخُولِ حَشَفَةٍ، أَوْ قَدْرِهَا فَرْجًا، ــ [مغني المحتاج] وَتُفْطِرُ بِهِ الْمَرْأَةُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَلْقَتْ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَلَا تُفْطِرُ بِهِ بَلْ تَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ ( وَ) خَامِسُهَا: (جَنَابَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَتَحْصُلُ لِآدَمِيٍّ حَيٍّ فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٍ بِهِ (بِدُخُولِ حَشَفَةٍ) وَلَوْ بِلَا قَصْدٍ أَوْ كَانَ الذَّكَرُ أَشَلَّ أَوْ غَيْرَ مُنْتَشِرٍ (أَوْ قَدْرِهَا) مِنْ مَقْطُوعِهَا (فَرْجًا) وَلَوْ غَيْرَ مُشْتَهًى كَأَنْ كَانَ مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ دُبُرِ ذَكَرٍ أَوْ كَانَ عَلَى الذَّكَرِ خِرْقَةٌ مَلْفُوفَةٌ وَلَوْ غَلِيظَةً. أَمَّا فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَلِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِنْزَالِ كَخَبَرِ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» (١) فَمَنْسُوخَةٌ. وَأَجَابَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالِاحْتِلَامِ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ، وَذِكْرُ الْخِتَانِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ فِي فَرْجٍ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ انْضِمَامَهُمَا لِعَدَمِ إيجَابِهِ الْغُسْلَ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ تَحَاذِيهِمَا يُقَالُ: الْتَقَى الْفَارِسَانِ إذَا تَحَاذَيَا وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّا، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِإِدْخَالِ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ؛ إذْ الْخِتَانَانِ مَحَلُّ الْقَطْعِ فِي الْخِتَانِ، وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ فَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، وَمَخْرَجُ الْبَوْلِ فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ، وَلَوْ أَوْلَجَ حَيَوَانٌ قِرْدٌ أَوْ غَيْرُهُ فِي آدَمِيٍّ وَلَا حَشَفَةَ لَهُ فَهَلْ يُعْتَبَرُ إيلَاجُ كُلِّ ذَكَرِهِ أَوْ إيلَاجُ قَدْرِ حَشَفَةٍ مُعْتَدِلَةٍ. قَالَ الْإِمَامُ: فِيهِ نَظَرٌ مَوْكُولٌ إلَى رَأْيِ الْفَقِيهِ اهـ. وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُ الثَّانِي، وَيَجْنُبُ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ أَوْلَجَا أَوْ أُولِجَ فِيهِمَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ بَعْدَ الْكَمَالِ، وَصَحَّ مِنْ مُمَيِّزٍ وَيُجْزِئُهُ وَيُؤْمَرُ بِهِ كَالْوُضُوءِ، وَإِيلَاجُ الْخُنْثَى وَمَا دُونَ الْحَشَفَةِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْغُسْلِ. وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَيَجِبُ عَلَى الْمُولَجِ فِيهِ بِالنَّزْعِ مِنْ دُبُرِهِ مُطْلَقًا، وَمِنْ قُبُلِ أُنْثَى، وَإِيلَاجُ الْحَشَفَةِ بِالْحَائِلِ جَارٍ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَإِفْسَادِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَيُخَيَّرُ الْخُنْثَى بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِإِيلَاجِهِ فِي دُبُرِ ذَكَرٍ لَا مَانِعَ مِنْ النَّقْضِ بِلَمْسِهِ، أَوْ فِي دُبُرِ خُنْثَى أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ الْمُولِجِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا جُنُبٌ بِتَقْدِيرِ ذُكُورَتِهِ فِيهِمَا، وَأُنُوثَتِهِ وَذُكُورَةِ الْآخَرِ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ مُحْدِثٌ بِتَقْدِيرِ أُنُوثَتِهِ فِيهِمَا مَعَ أُنُوثَةِ الْآخَرِ فِي الثَّانِيَةِ، فَخُيِّرَ بَيْنَهُمَا لِمَا سَيَأْتِي فِيمَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْمَنِيُّ بِغَيْرِهِ، وَكَذَا يُخَيَّرُ الذَّكَرُ إذَا أَوْلَجَ الْخُنْثَى فِي دُبُرِهِ وَلَا مَانِعَ مِنْ النَّقْضِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ وَإِنْ صَوَّبَ الْبُلْقِينِيُّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ عَلَى الذَّكَرِ وَتَخْيِيرَ الْخُنْثَى. أَمَّا إيلَاجُهُ فِي قُبُلِ خُنْثَى أَوْ فِي دُبُرِهِ وَلَمْ يُولِجْ الْآخَرَ فِي قُبُلِهِ فَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَوْ أَوْلَجَ رَجُلٌ فِي قُبُلِ خُنْثَى فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا غُسْلٌ وَلَا وُضُوءٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ، فَإِنْ أَوْلَجَ ذَلِكَ الْخُنْثَى فِي وَاضِحٍ آخَرَ أَجْنَبَ يَقِينًا وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ جَامَعَ أَوْ جُومِعَ فِيهِ بِخِلَافِ الْآخَرَيْنِ لَا جَنَابَةَ عَلَيْهِمَا وَأَحْدَثَ الْوَاضِحُ الْآخَرُ بِالنَّزْعِ مِنْهُ. أَمَّا لَوْ أَوْلَجَ الْخُنْثَى فِي الرَّجُلِ الْمُولِجِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجْنُبُ، وَمَنْ أَوْلَجَ أَحَدَ ذَكَرَيْهِ أَجْنَبَ إنْ كَانَ يَبُولُ بِهِ وَحْدَهُ وَلَا أَثَرَ لِلْآخَرِ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَنَنِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى سَنَنِهِ، أَوْ كَانَ يَبُولُ

стр. 130

وَبِخُرُوجِ مَنِيٍّ مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ. وَيُعْرَفُ بِتَدَفُّقِهِ، أَوْ لَذَّةٍ بِخُرُوجِهِ، أَوْ رِيحِ عَجِينٍ رَطْبًا، أَوْ بَيَاضِ بَيْضٍ جَافًّا، فَإِنْ فُقِدَتْ ــ [مغني المحتاج] بِكُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ لَا يَبُولُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ الِانْسِدَادُ عَارِضًا أَجْنَبَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (وَ) تَحْصُلُ أَيْضًا (بِخُرُوجِ مَنِيٍّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَسُمِعَ تَخْفِيفُهَا أَيْ مَنِيِّ الشَّخْصِ نَفْسِهِ الْخَارِجِ مِنْهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ فَرْجَ الثَّيِّبِ، بَلْ وَصَلَ إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ. أَمَّا الْبِكْرُ فَلَا بُدَّ مِنْ بُرُوزِهِ إلَى الظَّاهِرِ كَمَا أَنَّهُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ لَا بُدَّ مِنْ بُرُوزِهِ عَنْ الْحَشَفَةِ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ مُسْلِمٍ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» (١) أَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيْهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا مَعَ انْفِتَاحِ الْأَصْلِيِّ، فَإِنْ أَمْنَى مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَحَاضَ مِنْ الْآخَرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ (مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحْكِمًا (وَغَيْرِهِ) أَيْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ مُسْتَحْكِمًا مَعَ انْسِدَادِ الْأَصْلِيِّ، وَخَرَجَ مِنْ تَحْتَ الصُّلْبِ، فَالصُّلْبُ هُنَا كَالْمَعِدَةِ فِي بَابِ الْحَدَثِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الِانْسِدَادِ الْعَارِضِ وَالْخِلْقِيِّ كَمَا فُرِّقَ هُنَاكَ، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا صَوَّبَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنْ أَوْهَمَتْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَالصُّلْبُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِلرَّجُلِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَمَا بَيْنَ تَرَائِبِهَا وَهِيَ عِظَامُ الصَّدْرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] أَيْ صُلْبِ الرَّجُلِ وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ خَرَجَ غَيْرُ الْمُسْتَحْكِمِ مِنْ غَيْرِ الْمُعْتَادِ كَأَنْ خَرَجَ لِمَرَضٍ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَلَا بِخُرُوجِ مَنِيِّ غَيْرِهِ مِنْهُ وَلَا بِخُرُوجِ مَنِيِّهِ مِنْهُ بَعْدَ اسْتِدْخَالِهِ (وَيُعْرَفُ) الْمَنِيُّ (بِتَدَفُّقِهِ) بِأَنْ يَخْرُجَ بِدُفْعَاتٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ، وَسُمِّيَ مَنِيًّا؛ لِأَنَّهُ يُمْنَى: أَيْ يُصَبُّ (أَوْ لَذَّةٍ) بِالْمُعْجَمَةِ (بِخُرُوجِهِ) مَعَ فُتُورِ الذَّكَرِ وَانْكِسَارِ الشَّهْوَةِ عَقِبَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَدَفَّقْ لِقِلَّتِهِ أَوْ خَرَجَ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ (أَوْ رِيحِ عَجِينٍ) لِحِنْطَةٍ أَوْ نَحْوِهَا أَوْ طَلَعَ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (رَطْبًا أَوْ) رِيحَ (بَيَاضِ بَيْضٍ) لِدَجَاجٍ أَوْ نَحْوِهِ (جَافًّا) وَإِنْ لَمْ يَلْتَذَّ وَلَمْ يَتَدَفَّقْ كَأَنْ خَرَجَ بَاقِي مَنِيِّهِ بَعْدَ غُسْلِهِ. أَمَّا إذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ مَنِيُّ جِمَاعِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا فَلَا تُعِيدُ الْغُسْلَ إلَّا إنْ قَضَتْ شَهْوَتَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَهْوَةٌ كَصَغِيرَةٍ أَوْ كَانَ وَلَمْ تَنْقَضِ كَنَائِمَةٍ لَا إعَادَةَ عَلَيْهَا، فَإِنْ قِيلَ: إذَا قَضَتْ شَهْوَتَهَا لَمْ يُتَيَقَّنْ خُرُوجُ مَنِيِّهَا، وَيَقِينُ الطَّهَارَةِ لَا يَرْتَفِعُ بِظَنِّ الْحَدَثِ إذْ حَدَثُهَا وَهُوَ خُرُوجُ مَنِيِّهَا غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وَقَضَاءُ شَهْوَتِهَا لَا يَسْتَدْعِي خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْ مَنِيِّهَا كَمَا قَالَ فِي التَّوْشِيحِ. أُجِيبَ بِأَنَّ قَضَاءَ شَهْوَتِهَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ نَوْمِهَا فِي خُرُوجِ الْحَدَثِ فَنَزَّلُوا الْمَظِنَّةَ مَنْزِلَةَ الْمَئِنَّةِ، وَخَرَجَ بِقُبُلِ الْمَرْأَةِ مَا لَوْ وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا فَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا إعَادَةُ الْغُسْلِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَرَطْبًا وَجَافًّا حَالَانِ مِنْ الْمَنِيِّ (فَإِنْ فُقِدَتْ

стр. 131

الصِّفَاتُ فَلَا غُسْلَ. وَالْمَرْأَةُ كَرَجُلٍ. وَيَحْرُمُ بِهَا مَا حَرُمَ بِالْحَدَثِ، وَالْمُكْثُ بِالْمَسْجِدِ ــ [مغني المحتاج] الصِّفَاتُ) الْمَذْكُورَةُ فِي الْخَارِجِ (فَلَا غُسْلَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ، فَإِنْ احْتَمَلَ كَوْنَ الْخَارِجِ مَنِيًّا أَوْ غَيْرَهُ كَوَدْيٍ أَوْ مَذْيٍ تُخَيِّرَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَإِنْ جَعَلَهُ مَنِيًّا اغْتَسَلَ أَوْ غَيْرَهُ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ مَا أَصَابَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَتَى بِمُقْتَضَى أَحَدِهِمَا بَرِئَ مِنْهُ يَقِينًا، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْ الْآخَرِ، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ، بِخِلَافِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَاتَيْنِ حَيْثُ يَلْزَمُهُ فِعْلُهُمَا لِاشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ بِهِمَا جَمِيعًا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى كُلٍّ مِنْهُمَا احْتِيَاطًا قِيَاسًا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ بِتَزْكِيَةِ الْأَكْثَرِ ذَهَبًا وَفِضَّةً فِي الْإِنَاءِ الْمُخْتَلِطِ مِنْهُمَا إذَا جُهِلَ قَدْرُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحَانُهُ. وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِمَنْعِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ ثَمَّ مُمْكِنٌ بِسَبْكِهِ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ أَوْ اخْتَارَهُ لَزِمَهُ التَّرْتِيبُ وَغَسَلَ مَا أَصَابَهُ، وَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا وَفَعَلَهُ اعْتَدَّ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَفَعَلَ الْآخَرَ إذْ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِذَا اخْتَارَ أَنَّهُ مَنِيٌّ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبْلَ اغْتِسَالِهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ لِلشَّكِّ فِي الْجَنَابَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخِي. قَالَ: وَلِهَذَا مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ بِفِعْلِ مُقْتَضَى الْحَدَثَيْنِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ غَسْلَ مَا أَصَابَ ثَوْبَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ (وَالْمَرْأَةُ كَرَجُلٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِهَا فِيمَا مَرَّ مِنْ حُصُولِ الْجَنَابَةِ بِالطَّرِيقَيْنِ الْمَارَّيْنِ، وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرًا مَقْطُوعًا أَوْ قَدْرَ الْحَشَفَةِ مِنْهُ لَزِمَهَا الْغُسْلُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اسْتِدْخَالِهِ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ أَصْلِهِ أَوْ وَسَطِهِ بِجَمْعِ طَرَفَيْهِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ اهـ. وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخِي أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَى الْحَشَفَةِ حَيْثُ وُجِدَتْ، وَمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ أَنَّ مَنِيَّهَا يُعْرَفُ بِالْخَوَاصِّ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّلَذُّذِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّلَذُّذِ وَالرِّيحِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ الْمُعْتَمَدُ، وَالْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الْحَقُّ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَيُؤَيِّدُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ قَوْلُ الْمُخْتَصَرِ: وَإِذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الْمَاءَ الدَّافِقَ. فَرْعٌ: لَوْ رَأَى فِي فِرَاشِهِ أَوْ ثَوْبِهِ وَلَوْ بِظَاهِرِهِ مَنِيًّا لَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ الْغُسْلُ وَإِعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ لَا يَحْتَمِلُ خُلُوَّهَا عَنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ احْتَمَلَ خُلُوَّهَا عَنْهُ لَا إعَادَةُ الْغُسْلِ، فَإِنَّهُ لَا تُسَنُّ إعَادَتُهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ احْتَمَلَ كَوْنَهُ مِنْ آخَرَ نَامَ مَعَهُ فِي فِرَاشِهِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْغُسْلُ وَالْإِعَادَةُ. وَلَوْ أَحَسَّ بِنُزُولِ الْمَنِيِّ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ (وَيَحْرُمُ بِهَا) أَيْ بِالْجَنَابَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ دُخُولِ الْحَشَفَةِ أَوْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ. أَمَّا مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَسَيَأْتِي مُحَرَّمَاتُهُ فِي بَابِ الْحَيْضِ (مَا حَرُمَ بِالْحَدَثِ) الْأَصْغَرِ مِمَّا مَرَّ فِي بَابِهِ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ مِنْهُ (وَ) شَيْئَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا: (الْمُكْثُ) لِمُسْلِمٍ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ (بِالْمَسْجِدِ) أَوْ التَّرَدُّدُ فِيهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: أَيْ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عُبُورُ سَبِيلٍ؛ بَلْ فِي مَوَاضِعِهَا وَهُوَ الْمَسْجِدُ، وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]

стр. 132

لَا عُبُورُهُ، ــ [مغني المحتاج] الْحَجُّ] وَلِقَوْلِهِ ﵊: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» (١) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: إنَّهُ حَسَنٌ، وَخَرَجَ بِالْمُكْثِ وَالتَّرَدُّدِ الْعُبُورُ كَمَا قَالَ (لَا عُبُورُهُ) لِلْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَكَمَا لَا يَحْرُمُ لَا يُكْرَهُ إنْ كَانَ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ أَقْرَبَ طَرِيقَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ كُرِهَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ، وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُ الْأَوَّلِ حَيْثُ وَجَدَ طَرِيقًا غَيْرَهُ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْعُبُورَ يَحْرُمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِلَّا فَالثَّانِي، وَحَيْثُ عَبَّرَ لَا يُكَلَّفُ الْإِسْرَاعَ فِي الْمَشْيِ بَلْ يَمْشِي عَلَى الْعَادَةِ، وَلِهَوَاءِ الْمَسْجِدِ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ. نَعَمْ لَوْ قَطَعَ بُصَاقُهُ هَوَاءَ الْمَسْجِدِ وَوَقَعَ خَارِجَهُ لَمْ يَحْرُمْ، كَمَا لَوْ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَبِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ. نَعَمْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ عِنْدَ خَوْفِ التَّلْوِيثِ كَالْمُسْلِمَةِ، وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ، وَلَوْ غَيْرَ جُنُبٍ دُخُولُ الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ كَإِسْلَامٍ، وَسَمَاعِ قُرْآنٍ، لَا كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَنْ يَأْذَنَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الدُّخُولِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ خُصُومَةٌ، وَقَدْ قَعَدَ الْحَاكِمُ لِلْحُكْمِ فِيهِ، وَبِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ: ذُكِرَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ دُخُولُ الْمَسْجِدِ جُنُبًا، وَمَالَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَبِالْمَسْجِدِ الْمَدَارِسُ وَالرُّبُطُ وَمُصَلَّى الْعِيدِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَكَذَا مَا وُقِفَ بَعْضُهُ مَسْجِدًا شَائِعًا. لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْمُتَّجَهُ إلْحَاقُهُ بِالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ، وَفِي التَّحِيَّةِ لِلدَّاخِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ، وَكَذَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ فِيهِ لِلْمَأْمُومِ إذَا تَبَاعَدَ عَنْ إمَامِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَبِلَا عُذْرٍ مَا إذَا حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ كَأَنْ احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِإِغْلَاقِ بَابٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ أَوْ مَنْفَعَةِ ذَلِكَ أَوْ عَلَى مَالِهِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ التَّيَمُّمُ إنْ وَجَدَ غَيْرَ تُرَابِ الْمَسْجِدِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: وَيَحْسُنُ أَنْ يَتَيَمَّمَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ حَسَنٌ عَلَى أَنَّهُ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ يَحْسُنُ مُصَحَّفٌ عَنْ يَجِبُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِهِ، فَلَوْ خَالَفَ وَتَيَمَّمَ بِهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ كَالتَّيَمُّمِ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ، وَالْمُرَادُ بِتُرَابِ الْمَسْجِدِ الدَّاخِلُ فِي وَقْفِهِ لَا الْمَجْمُوعُ مِنْ الرِّيحِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْجُنُبُ الْمَاءَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ وَجَدَ تُرَابًا تَيَمَّمَ وَدَخَلَ وَاغْتَرَفَ وَخَرَجَ إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِلَّا اغْتَسَلَ فِيهِ وَلَا يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا بَحَثَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَجْمُوعِهِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ، وَإِطْلَاقُ الْأَنْوَارِ جَوَازَ الدُّخُولِ لِلِاسْتِقَاءَةِ وَالْمُكْثِ لَهَا بِقَدْرِهَا فَقَطْ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِالنَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْجُنُبِ، وَلَوْ لِغَيْرِ أَعْزَبَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ وَغَيْرَهُمْ كَانُوا يَنَامُونَ فِيهِ فِي زَمَنِهِ ﷺ . نَعَمْ إنْ ضِيقَ عَلَى الْمُصَلِّينَ أَوْ شُوِّشَ عَلَيْهِمْ حَرُمَ

стр. 133

وَالْقُرْآنُ، وَتَحِلُّ أَذْكَارُهُ لَا بِقَصْدِ قُرْآنٍ. وَأَقَلُّهُ نِيَّةُ رَفْعِ جَنَابَةٍ، ــ [مغني المحتاج] النَّوْمُ فِيهِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ: وَلَا يَحْرُمُ إخْرَاجُ الرِّيحِ فِيهِ لَكِنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ «لِقَوْلِهِ ﷺ : الْمَلَائِكَةُ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (١) (وَ) ثَانِيهِمَا: (الْقُرْآنُ) لِمُسْلِمٍ أَيْ وَيَحْرُمُ بِالْجَنَابَةِ الْقُرْآنُ بِاللَّفْظِ وَبِالْإِشَارَةِ مِنْ الْأَخْرَسِ. كَمَا قَالَ الْقَاضِي فِي فَتَاوِيهِ فَإِنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ هُنَا، وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ كَحَرْفٍ لِلْإِخْلَالِ بِالتَّعْظِيمِ، سَوَاءٌ أَقَصَدَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرَهَا أَمْ لَا، وَلِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» (٢) وَيَقْرَأُ رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى النَّهْيِ وَبِضَمِّهَا عَلَى الْخَبَرِ الْمُرَادِ بِهِ النَّهْيُ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَضَعَّفَهُ، لَكِنْ لَهُ مُتَابَعَاتٌ تَجْبُرُ ضَعْفَهُ، وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فِي ذَلِكَ كَالْجُنُبِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهُمَا فِي بَابِ الْحَيْضِ، وَلِمَنْ بِهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ إجْرَاءُ الْقُرْآنِ عَلَى قَلْبِهِ، وَنَظَرٌ فِي الْمُصْحَفِ، وَقِرَاءَةُ مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ، وَتَحْرِيكُ لِسَانِهِ وَهَمْسُهُ بِحَيْثُ لَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ. وَفَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وُجُوبًا فَقَطْ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهَا خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَتُهَا كَغَيْرِهَا. أَمَّا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا وَلَا أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ مُطْلَقًا وَلَا أَنْ تُوطَأَ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا، وَأَمَّا فَاقِدُ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ فَيَجُوزُ لَهُ إذَا تَيَمَّمَ أَنْ يَقْرَأَ وَلَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ. أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ. وَأَمَّا تَعْلِيمُهُ وَتَعَلُّمُهُ فَذَكَرْتُهُ وَفَوَائِدَ أُخَرَ فِي بَابِ الْحَدَثِ (وَتَحِلُّ) لِجُنُبٍ (أَذْكَارُهُ) وَغَيْرُهَا كَمَوَاعِظِهِ وَأَخْبَارِهِ وَأَحْكَامِهِ (لَا بِقَصْدِ قُرْآنٍ) كَقَوْلِهِ عِنْدَ الرُّكُوبِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] أَيْ مُطِيقِينَ، وَعِنْدَ الْمُصِيبَةِ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] وَلَا مَا جَرَى بِهِ لِسَانُهُ بِلَا قَصْدٍ، فَإِنْ قَصَدَ الْقُرْآنَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الذِّكْرِ حَرُمَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الدَّقَائِقِ لِعَدَمِ الْإِخْلَالِ بِحُرْمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. وَظَاهِرٌ أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ فِيمَا يُوجَدْ نَظْمُهُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ كَالْآيَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ، وَمَا لَا يُوجَدُ نَظْمُهُ إلَّا فِيهِ كَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِ مَا لَا يُوجَدُ نَظْمُهُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا شَمِلَ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ، أَمَّا إذَا قَرَأَ شَيْئًا مِنْهُ لَا عَلَى قَصْدِ الْقُرْآنِ فَيَجُوزُ، وَلَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِهَا هُنَا كَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ مَا قَدَّرْتُهُ، بَلْ أَفْتَى شَيْخِي بِأَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ جَمِيعَهُ لَا بِقَصْدِ الْقُرْآنِ جَازَ (وَأَقَلُّهُ) أَيْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَصِحُّ بِدُونِهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: (نِيَّةُ رَفْعِ جَنَابَةٍ) أَيْ رَفْعِ حُكْمِهَا إنْ كَانَ جُنُبًا، وَرَفْعِ حَدَثِ الْحَيْضِ إنْ كَانَتْ حَائِضًا، أَوْ لِتُوطَأَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، أَوْ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، فَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ، وَحَدَثُهُ الْحَيْضُ أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ نَوَى رَفْعَ جَنَابَةِ الْجِمَاعِ، وَجَنَابَتُهُ بِاحْتِلَامٍ أَوْ عَكْسُهُ صَحَّ مَعَ الْغَلَطِ دُونَ الْعَمْدِ كَنَظِيرِهِ فِي الْوُضُوءِ، ذُكِرَ ذَلِكَ فِي

стр. 134

أَوْ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إلَيْهِ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ مَقْرُونَةٍ بِأَوَّلِ فَرْضٍ. ــ [مغني المحتاج] الْمَجْمُوعِ: أَيْ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَا عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ كَالْحَيْضِ مِنْ الرَّجُلِ كَمَا قَالَ بِهِ شَيْخِي خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِمْ إيجَابَ الْغُسْلِ فِي النِّفَاسِ بِكَوْنِهِ دَمَ حَيْضٍ مُجْتَمِعٍ أَنَّهُ يَصِحُّ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ عَمْدًا أَوْ لَا، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْبَيَانِ، وَتَكْفِي نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ الْبَدَنِ. وَكَذَا مُطْلَقًا فِي الْأَصَحِّ لِاسْتِلْزَامِ رَفْعِ الْمُطْلَقِ رَفْعَ الْمُقَيَّدِ، وَلِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى حَدَثِهِ لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ، فَلَوْ نَوَى الْأَكْبَرَ كَانَ تَأْكِيدًا، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا اُجْتُمِعَا عَلَيْهِ إنْ قُلْنَا بِانْدِرَاجِ الْأَصْغَرِ وَإِلَّا وَجَبَ التَّعْيِينُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّحْقِيقِ، فَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ عَمْدًا لَمْ تَرْتَفِعْ جَنَابَتُهُ لِتَلَاعُبِهِ، أَوْ غَلَطًا ارْتَفَعَتْ عَنْ أَعْضَاءِ الْأَصْغَرِ؛ لِأَنَّ غُسْلَهَا وَاجِبٌ فِي الْحَدَثَيْنِ وَقَدْ غَسَلَهَا بِنِيَّتِهِ إلَّا الرَّأْسَ فَلَا تَرْتَفِعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ وَقَعَ عَنْ مَسْحِهِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ فِي الْأَصْغَرِ، وَهُوَ إنَّمَا نَوَى الْمَسْحَ وَهُوَ لَا يُغْنِي عَنْ الْغُسْلِ، بِخِلَافِ غَسْلِ بَاطِنِ لِحْيَةِ الرَّجُلِ الْكَثِيفَةِ فَإِنَّهُ يَكْفِي؛ لِأَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ هُوَ الْأَصْلُ، فَإِذَا غَسَلَهُ فَقَدْ أَتَى بِالْأَصْلِ. أَمَّا غَيْرُ الْأَصْغَرِ فَلَا تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَوْ اُجْتُمِعَ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلُ حَيْضٍ وَجَنَابَةٍ كَفَتْ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا قَطْعًا (أَوْ) نِيَّةُ (اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْغُسْلِ كَأَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ الطَّوَافَّ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ، فَإِنْ نَوَى مَا لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ كَالْغُسْلِ لِيَوْمِ الْعِيدِ لَمْ يَصِحَّ. وَقِيلَ: إنْ نُدِبَ لَهُ صَحَّ (أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ) أَوْ فَرْضِ الْغُسْلِ أَوْ الْغُسْلِ الْمَفْرُوضِ أَوْ أَدَاءِ الْغُسْلِ، وَكَذَا الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ، وَتَقَدَّمَ الِاسْتِشْكَالُ فِيهَا، وَالْجَوَابُ عَنْهُ فِي بَابِ الْوُضُوءِ، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْأَدَاءِ لَا يَجِبُ وَإِنْ اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ، وَأَنَّ النِّيَّةَ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذَكَرَهُ، أَمَّا إذَا نَوَى الْغُسْلَ فَقَطْ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي، وَتَقَدَّمَ شُرُوطُ نِيَّةِ الْغُسْلِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ فِي بَابِهِ (مَقْرُونَةٌ بِأَوَّلِ فَرْضٍ) وَهُوَ أَوَّلُ مَا يُغْسَلُ مِنْ الْبَدَنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَعْلَاهُ أَمْ مِنْ أَسْفَلِهِ إذْ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ، فَلَوْ نَوَى بَعْدَ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْهُ وَجَبَ إعَادَةُ غُسْلِهِ، وَفِي تَقْدِيمِهَا عَلَى السُّنَنِ وَعُزُوبِهَا قَبْلَ غَسْلِ شَيْءٍ مِنْ الْمَفْرُوضِ مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ، فَإِذَا خَلَا عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ السُّنَنِ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَتَى بِهَا مِنْ أَوَّلِ السُّنَنِ وَعَزَبَتْ قَبْلَ أَوَّلِ الْفُرُوضِ لَمْ تَكْفِ. فَإِنْ قِيلَ: السُّنَنُ الَّتِي قَبْلَهُ مِنْ مَحِلِّ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ، فَإِذَا نَوَى عِنْدَهَا رَفْعَ الْجَنَابَةِ مَثَلًا وَقَعَ فَرْضًا، بِخِلَافِ سُنَنِ الْوُضُوءِ الَّتِي قَبْلَهُ مِنْ غَسْلِ كَفَّيْهِ وَمَضْمَضَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحِلًّا لِلْفَرْضِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَقْتَرِنَ النِّيَّةُ بِسُنَّةٍ قَبْلَ الْغُسْلِ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُتَصَوَّرُ كَأَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ، وَلَمْ يَمَسَّ الْمَاءُ حُمْرَةَ شَفَتَيْهِ كَأَنْ يَتَمَضْمَضَ مِنْ إبْرِيقٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْتَدِئَ النِّيَّةَ مَعَ التَّسْمِيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ هُنَا. قَالَ: وَإِذَا اغْتَسَلَ مِنْ إنَاءٍ كَإِبْرِيقٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ غَسْلِ مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ عِنْدَهُ قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُ أَوْ يَحْتَاجُ إلَى الْمَسِّ فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ، أَوْ إلَى كُلْفَةٍ فِي لَفِّ خِرْقَةٍ عَلَى يَدِهِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَمَقْرُونَةٌ بِالرَّفْعِ فِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ، وَقِيلَ: بِالنَّصْبِ صِفَةُ نِيَّةٍ الْمُقَدَّرَةِ الْمَنْصُوبَةِ بِنِيَّةٍ الْمَلْفُوظَةِ اهـ. أَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِقَوْلِهِ " نِيَّةُ "، وَأَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى أَنَّ مَقْرُونَةً صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ

стр. 135

وَتَعْمِيمِ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ. وَلَا تَجِبُ مَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ، وَأَكْمَلُهُ إزَالَةُ الْقَذَرِ ــ [مغني المحتاج] مَحْذُوفٍ عَامِلُهُ الْمَصْدَرُ الْمَلْفُوظُ بِهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَتَقْدِيرُهُ وَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْوِيَ كَذَا نِيَّةً مَقْرُونَةً، فَنِيَّةٌ الْمُقَدَّرَةُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِ نِيَّةٌ الْمَلْفُوظَةُ، وَالْمَفْعُولُ الْمُطْلَقُ مَصْدَرٌ وَهُوَ يُنْصَبُ بِمِثْلِهِ الَّذِي هُوَ نِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ (وَ) ثَانِيهِمَا (تَعْمِيمُ شَعْرِهِ) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ كَثُفَ، وَيَجِبُ نَقْضُ الضَّفَائِرِ إنْ لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى بَاطِنِهَا إلَّا بِالنَّقْضِ، لَكِنْ يُعْفَى عَنْ بَاطِنِ الشَّعْرِ الْمَعْقُودِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الشَّعْرِ النَّابِتِ فِي الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ (وَبَشَرِهِ) حَتَّى الْأَظْفَارِ وَمَا يَظْهَرُ مِنْ صِمَاخَيْ الْأُذُنَيْنِ، وَمِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ قُعُودِهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَمَا تَحْتَ الْقَلَفَةِ مِنْ الْأَقْلَفِ، وَمَوْضِعُ شَعْرٍ نَتَفَهُ قَبْلَ غَسْلِهِ. قَالَ الْبَغَوِيّ: وَمِنْ بَاطِنِ جُدَرِيٍّ اتَّضَحَ. فَائِدَةٌ: لَوْ اتَّخَذَ لَهُ أُنْمُلَةً أَوْ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، وَمِنْ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ الْأُصْبُعِ وَالْأَنْفِ بِالْقَطْعِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ لِلْعُذْرِ فَصَارَتْ الْأُنْمُلَةُ وَالْأَنْفُ كَالْأَصْلِيَّيْنِ. (وَلَا تَجِبُ) فِي الْغُسْلِ (مَضْمَضَةٌ وَ) لَا (اسْتِنْشَاقٌ) بَلْ يُسَنُّ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْمَيِّتِ (وَأَكْمَلُهُ) أَيْ الْغُسْلِ (إزَالَةُ الْقَذَرِ) بِالْمُعْجَمَةِ طَاهِرًا كَانَ كَالْمَنِيِّ أَوْ نَجِسًا كَوَدْيٍ اسْتِظْهَارًا، وَإِنْ قُلْنَا: يَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ (ثُمَّ) بَعْدَ إزَالَةِ الْقَذَرِ (الْوُضُوءُ) كَامِلًا، وَمِنْهُ التَّسْمِيَةُ لِلِاتِّبَاعِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِ قَدَمَيْهِ عَنْ الْغُسْلِ (وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ مَيْمُونَةَ فِي صِفَةِ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ» . قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ: وَسَوَاءٌ أَقَدَّمَ الْوُضُوءَ كُلَّهُ أَمْ بَعْضَهُ أَمْ أَخَّرَهُ أَمْ فَعَلَهُ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ فَهُوَ مُحَصِّلٌ لِلسُّنَّةِ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُهُ، ثُمَّ إنْ تَجَرَّدَتْ الْجَنَابَةُ عَنْ الْحَدَثِ كَأَنْ احْتَلَمَ وَهُوَ جَالِسٌ مُتَمَكِّنٌ نَوَى سُنَّةَ الْغُسْلِ وَإِلَّا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْدَرِجُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَإِذَا أَخَّرَ الْوُضُوءَ عَنْ الْغُسْلِ هَلْ يَنْوِي بِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الِانْدِرَاجِ أَوْ سُنَّةِ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ حَدَثَهُ ارْتَفَعَ عَلَى الْأَصَحِّ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا جَمَعَ بِهِ شَيْخِي بَيْنَ عِبَارَةِ الْكِتَابِ، وَعِبَارَةِ الرَّوْضَةِ فِي الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ، وَهُوَ إنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ نَوَى الْفَرْضَ كَمَا فِي الْكِتَابِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ نَوَى الطُّهْرَ مَثَلًا، وَلَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنْ يُقَالَ هُنَا: إنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِلَّا فَسُنَّةَ الْغُسْلِ، فَإِنْ تَرَكَ الْوُضُوءَ وَالْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ كُرِهَ لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَدَارَكَ ذَلِكَ، وَلَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ غُسْلِهِ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ لَمْ يَحْتَجْ لِتَحْصِيلِ سُنَّةِ الْوُضُوءِ إلَى إعَادَتِهِ، بِخِلَافِ مَنْ غَسَلَ يَدَيْهِ فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ إلَى إعَادَةِ غَسْلِهِمَا بَعْدَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ النِّيَّةَ بَطَلَتْ بِالْحَدَثِ (ثُمَّ) بَعْدَ الْوُضُوءِ (تَعَهُّدُ مَعَاطِفِهِ) كَأَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ فَيَجْعَلَهُ عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا انْعِطَافٌ وَالْتِوَاءٌ كَالْأُذُنَيْنِ، وَطَبَقَاتِ الْبَطْنِ، وَدَاخِلِ السُّرَّةِ؛ لِأَنَّهُ

стр. 136

ثُمَّ الْوُضُوءُ، وَفِي قَوْلٍ يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ تَعَهُّدُ مَعَاطِفَهُ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُخَلِّلُهُ، ثُمَّ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، وَيُدَلِّكُ وَيُثَلِّثُ، وَتُتْبِعُ لِحَيْضٍ أَثَرَهُ مِسْكًا، وَإِلَّا فَنَحْوَهُ. ــ [مغني المحتاج] أَقْرَبُ إلَى الثِّقَةِ بِوُصُولِ الْمَاءِ، وَيَتَأَكَّدُ فِي الْأُذُنِ فَيَأْخُذُ كَفًّا مِنْ مَاءٍ وَيَضَعُ الْأُذُنَ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَعَاطِفِهِ وَزَوَايَاهُ (ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُخَلِّلُهُ) أَيْ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَكَذَا شَعْرُ لِحْيَتِهِ بِالْمَاءِ، وَلَيْسَتْ الْوَاوُ فِي عِبَارَتِهِ لِلتَّرْتِيبِ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ الْعَشْرَ فَيُشْرِبُ بِهَا أُصُولَ الشَّعْرِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ، وَأَقْرَبَ إلَى الثِّقَةِ بِوُصُولِ الْمَاءِ (ثُمَّ) يُفِيضُهُ عَلَى (شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ) ؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طَهُورِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَدْلُكُ) مَا وَصَلَتْ إلَيْهِ يَدُهُ مِنْ بَدَنِهِ احْتِيَاطًا وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْآيَةَ وَالْأَحَادِيثَ لَيْسَ فِيهِمَا تَعَرُّضٌ لِوُجُوبِهِ (وَيُثَلِّثُ) تَأَسِّيًا بِهِ ﷺ وَكَمَا فِي الْوُضُوءِ. وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّهَا عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَتَعَهَّدَ مَا ذُكِرَ، ثُمَّ يَغْسِلَ رَأْسُهُ وَيَدْلُكَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ بَاقِي جَسَدِهِ كَذَلِكَ بِأَنْ يَغْسِلَ وَيَدْلُكَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ الْمُقَدَّمَ، ثُمَّ الْمُؤَخَّرَ، ثُمَّ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ مَرَّةً، ثُمَّ ثَانِيَةً، ثُمَّ ثَالِثَةً كَذَلِكَ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ شَيْخُنَا: وَمَا قِيلَ أَيْ مَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّ الْمُتَّجَهَ إلْحَاقُهُ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ حَتَّى لَا يَنْتَقِلَ إلَى الْمُؤَخَّرِ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْمُقَدَّمِ رُدَّ بِسُهُولَةٍ مَا ذُكِرَ هُنَا عَلَى الْحَيِّ، بِخِلَافِهِ فِي الْمَيِّتِ لِمَا يَلْزَمُ فِيهِ مِنْ تَكْرِيرِ تَقْلِيبِ الْمَيِّتِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيْسَرِ، وَلَوْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا كَفَى فِي التَّثْلِيثِ أَنْ يُمِرَّ عَلَيْهِ ثَلَاثَ جَرْيَاتٍ، لَكِنْ قَدْ يَفُوتُهُ الدَّلْكُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ غَالِبًا تَحْتَ الْمَاءِ إذْ رُبَّمَا يَضِيقُ نَفَسُهُ وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا انْغَمَسَ فِيهِ ثَلَاثًا بِأَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْهُ وَيَنْقُلَ قَدَمَيْهِ، أَوْ يَنْتَقِلَ فِيهِ مِنْ مَقَامِهِ إلَى آخَرَ ثَلَاثًا، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى انْفِصَالِ جُمْلَتِهِ وَلَا رَأْسِهِ كَمَا فِي التَّسْبِيعِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ، فَإِنَّ حَرَكَتَهُ تَحْتَ الْمَاءِ كَجَرْيِ الْمَاءِ عَلَيْهِ (وَتُتْبِعُ) الْمَرْأَةُ غَيْرُ الْمُحْرِمَةِ وَالْمُحِدَّةِ (لِحَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ، وَلَوْ كَانَتْ خَلِيَّةً أَوْ بِكْرًا (أَثَرَهُ) أَيْ أَثَرَ الدَّمِ (مِسْكًا) فَتَجْعَلُهُ فِي قُطْنَةٍ وَتُدْخِلُهَا الْفَرْجَ بَعْدَ غَسْلِهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْأَثَرِ: وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانُ الثَّاءِ. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ تَسْأَلُهُ عَنْ الْغُسْلِ عَنْ الْحَيْضِ، فَقَالَ: خُذِي فُرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا، فَقَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ ﷺ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَاسْتَتَرَ بِثَوْبِهِ: تَطَهَّرِي بِهَا، فَاجْتَذَبَتْهَا عَائِشَةُ فَعَرَّفَتْهَا أَنَّهَا تَتْبَعُ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ» (١) ، وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ بِلَا عُذْرٍ كَمَا فِي التَّنْقِيحِ. وَالْمِسْكُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ: الطِّيبُ الْمَعْرُوفُ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الْمَشْمُومَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُسَمِّيهِ أَطْيَبَ الطِّيبِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ بِأَنْ لَمْ تَجِدْهُ أَوْ لَمْ تَسْمَحْ بِهِ (فَنَحْوَهُ) مِمَّا فِيهِ حَرَارَةٌ كَالْقِسْطِ وَالْأَظْفَارِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ طِيبًا فَطِينًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ كَفَى الْمَاءُ. أَمَّا الْمُحْرِمَةُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الطِّيبُ بِأَنْوَاعِهِ، وَالْمُحِدَّةُ تَسْتَعْمِلُ قَلِيلَ أَظْفَارٍ أَوْ قِسْطٍ. قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ: كُلُّ مَوْضِعٍ أَصَابَهُ الدَّمُ تَتْبَعُهُ بِالطِّيبِ. قَالَ

стр. 137

وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ، وَالْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ. وَلَا حَدَّ لَهُ. ــ [مغني المحتاج] الدَّمِيرِيُّ: وَهُوَ شَاذٌّ لَا يُعْرَفُ لِغَيْرِهِ. وَالصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ تَطْيِيبُ الْمَحَلِّ، وَدَفْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ لَا سُرْعَةَ الْعُلُوقِ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا تَسْتَعْمِلُهُ بَعْدَ الْغُسْلِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْمُسْتَحَاضَةُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ لَا تَسْتَعْمِلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِخُرُوجِ الدَّمِ، فَيَجِبُ غَسْلُهُ فَلَا تَبْقَى فِيهِ فَائِدَةٌ (وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ) أَيْ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ (بِخِلَافِ الْوُضُوءِ) فَيُسَنُّ تَجْدِيدُهُ إذَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ صَلَاةً مَا كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ النَّذْرِ مِنْ زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِمَا. فَإِنْ قِيلَ: يَتَسَلْسَلُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَيَحْصُلُ لَهُ مَشَقَّةٌ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا مُفَوَّضٌ إلَيْهِ إنْ أَرَادَ زِيَادَةَ الْأَجْرِ فَعَلَ، نَعَمْ إنْ عَارَضَهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أَوْلَى مِنْهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخِي، أَمَّا إذَا لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَلَا يُسَنُّ، فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَنُسِخَ وُجُوبُهُ وَبَقِيَ أَصْلُ الطَّلَبِ، وَيَشْمَلُ إطْلَاقَ تَجْدِيدِهِ لِمَاسِحِ الْخُفِّ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِهِ، وَالْوُضُوءَ الْمُكَمِّلَ بِالتَّيَمُّمِ لِجِرَاحَةٍ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا نَقَلَهُ مُجَلِّي عَنْ الْقَفَّالِ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ (وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ) فِي مُعْتَدِلِ الْجَسَدِ (عَنْ مُدٍّ) تَقْرِيبًا، وَهُوَ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بَغْدَادِيٌّ (وَالْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ) تَقْرِيبًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ سَفِينَةَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ» (١) . أَمَّا مَنْ لَمْ يَعْتَدِلْ جَسَدُهُ فَيُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَسَدِهِ ﷺ كَمَا قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ زِيَادَةً وَنَقْصًا (وَلَا حَدَّ لَهُ) أَيْ لِمَاءِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، فَلَوْ نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ وَأَسْبَغَ كَفَى. قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَدْ يُرْفِقُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِي، وَيَخْرِقُ بِالْكَثِيرِ فَلَا يَكْفِي. وَفِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ بِإِنَاءٍ فِيهِ قَدْرُ ثُلُثَيْ مُدٍّ» . وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ النَّقْصِ عَنْ الْمُدِّ وَالصَّاعِ لَا الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا، وَعَبَّرَ آخَرُونَ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ الْمُدُّ وَالصَّاعُ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُنْدَبُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيَدُلُّ لَهُ الْخَبَرُ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الرِّفْقَ مَحْبُوبٌ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ نَازَعَ الْإِسْنَوِيُّ ابْنَ الرِّفْعَةِ فِيمَا نَسَبَهُ لِلْأَصْحَابِ. وَلَا تَنْحَصِرُ السُّنَنُ فِيمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، بَلْ يُسَنُّ أَنْ يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ إلَى آخِرِ الْغُسْلِ، وَأَنْ لَا يَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَلَوْ كَثُرَ، أَوْ بِئْرٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، بَلْ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَهُوَ جُنُبٌ» (٢) فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ: كَيْفَ يَفْعَلُ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: قَالَ فِي الْبَيَانِ وَالْوُضُوءُ فِيهِ كَالْغُسْلِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا عَلَى وُضُوءِ الْجُنُبِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي

стр. 138

وَمَنْ بِهِ نَجَسٌ يَغْسِلُهُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَلَا تَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ، وَكَذَا فِي الْوُضُوءِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ تَكْفِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [مغني المحتاج] طَهُورِيَّةِ ذَلِكَ الْمَاءِ، أَوْ لِشِبْهِهِ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ إلَى شَيْءٍ لَازِمٍ كَمَاءِ الْوَرْدِ، فَيُقَالُ: مَاءُ عِرْقٍ أَوْ وَسَخٍ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُسْتَبْحِرِ، وَأَنْ يَكُونَ اغْتِسَالُهُ بَعْدَ بَوْلٍ لِئَلَّا يَخْرُجَ بَعْدَهُ مَنِيٌّ، وَأَنْ يَأْتِيَ بِالتَّشَهُّدِ الْمَذْكُورِ فِي الْوُضُوءِ عَقِبَهُ، وَحُكْمُ الْمُوَالَاةِ هُنَا كَحُكْمِهَا فِي الْوُضُوءِ، وَأَنْ يُرَتِّبَهُ فَيَبْدَأَ بَعْدَ الْوُضُوءِ بِأَعْضَائِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا لِشَرَفِهَا، ثُمَّ بِالرَّأْسِ، ثُمَّ بِالْبَدَنِ مُبْتَدِئًا بِأَعْلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُفِيضَ الْمَاءَ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا مُبْتَدِئًا بِالْأَيْمَنِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْأَعْلَى كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ. فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلِّمَ أَوْ يَحْلِقَ أَوْ يَسْتَحِدَّ أَوْ يُخْرِجَ دَمًا أَوْ يُبِينَ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا وَهُوَ جُنُبٌ، إذْ يُرَدُّ إلَيْهِ سَائِرُ أَجْزَائِهِ فِي الْآخِرَةِ فَيَعُودُ جُنُبًا، وَيُقَالُ: إنَّ كُلَّ شَعْرَةٍ تُطَالِبُ بِجَنَابَتِهَا. فَرْعٌ: يَجُوزُ أَنْ يَنْكَشِفَ لِلْغُسْلِ فِي خَلْوَةٍ أَوْ بِحَضْرَةِ مَنْ يَجُوزُ لَهُ نَظَرُهُ إلَى عَوْرَتِهِ، وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ «لِقَوْلِهِ ﷺ لِبَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ» (١) . فَإِنْ قِيلَ: اللَّهُ لَا يُحْجَبُ عَنْهُ شَيْءٌ فَمَا فَائِدَةٌ السَّتْرِ لَهُ؟ . أُجِيبَ بِأَنْ يُرَى مُتَأَدِّبًا بَيْنَ يَدَيْ خَالِقِهِ وَرَازِقِهِ (وَمَنْ بِهِ) أَيْ بِبَدَنِهِ شَيْءٌ (نَجِسٌ يَغْسِلُهُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّطْهِيرِ وَالنَّجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ: النَّجَاسَةُ (وَلَا تَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ) وَاحِدَةٌ (وَكَذَا فِي الْوُضُوءِ) لِأَنَّهُمَا وَاجِبَانِ مُخْتَلِفَا الْجِنْسِ فَلَا يَتَدَاخَلَانِ، وَعَلَى هَذَا تَقْدِيمُ إزَالَتِهِ شَرْطٌ لَا رُكْنٌ (قُلْتُ: الْأَصَحُّ تَكْفِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ وَحَيْضٍ، وَلِأَنَّ وَاجِبَهُمَا غَسْلُ الْعُضْوِ وَقَدْ حَصَلَ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ النَّجَسُ حُكْمِيًّا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَيَرْفَعُهُمَا الْمَاءُ مَعًا، وَلِلسَّابِعَةِ فِي الْمُغَلَّطَةِ حُكْمُ هَذِهِ الْغَسْلَةِ فَإِنْ كَانَ النَّجَسُ عَيْنًا، وَلَمْ تَزُلْ بَقِيَ الْحَدَثُ، أَمَّا غَيْرُ السَّابِعَةِ فِي النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ فَلَا يَرْتَفِعُ حَدَثُ ذَلِكَ الْمَحَلِّ لِبَقَاءِ نَجَاسَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَزَمَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ بِأَنَّ أَقَلَّ الْغُسْلِ اسْتِيعَابُ بَدَنِهِ بِالْمَاءِ بَعْدَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَعَ أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْغَسْلَةِ فِي الْمَيِّتِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تَجِبُ فِي غُسْلِهِ. أَجَابَ الشَّارِحُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَيِّ، وَتُرِكَ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَيْهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا قَدَّمَهُ. وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ مَا ذَكَرَاهُ فِي الْجَنَائِزِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ بَعْدُ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَهِيَ بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]-: أَيْ مَعَ ذَلِكَ زَنِيمٍ: أَيْ دَعِيٍّ فِي قُرَيْشٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ اسْتِيعَابُ بَدَنِهِ مَعَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا

стр. 139

وَمَنْ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ وَجُمُعَةٍ حَصَلَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا حَصَلَ فَقَطْ. قُلْتُ: وَلَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ كَفَى الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [مغني المحتاج] قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْوَقْفِ فِي قَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْكُلِّ، وَهَذَا الْجَوَابُ أَظْهَرُ، وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ غُسْلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ بِأَنَّ هَذَا آخِرُ أَحْوَالِهِ فَاحْتِيطَ لَهُ فَيُرَاعَى فِي حَقِّهِ الْأَكْمَلُ كَمَا يَجِبُ تَكْفِينُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ، حَتَّى لَوْ اتَّفَقَ الْوَرَثَةُ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَمْ يُجَابُوا إلَى ذَلِكَ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَزَمَ بِمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (وَمَنْ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ) أَوْ نَحْوِهَا كَحَيْضٍ (وَ) نَحْوِ (جُمُعَةٍ) كَعِيدٍ بِأَنْ نَوَاهُمَا (حَصَلَا) أَيْ غُسْلُهُمَا كَمَا لَوْ نَوَى الْفَرْضَ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: لَا يَحْصُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ، بِخِلَافِ التَّحِيَّةِ لِحُصُولِهَا ضِمْنًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَكْمَلُ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجَنَابَةِ ثُمَّ لِلْجُمُعَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْحَابِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ جُمَعَةٌ وَكُسُوفٌ وَقَدَّمَ الْكُسُوفَ ثُمَّ خَطَبَ وَنَوَى بِخُطْبَتِهِ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ وَالْكُسُوفِ لَمْ يَصِحَّ لِلتَّشْرِيكِ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ. أُجِيبَ بِأَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا اُشْتُرِطَ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ، فَالتَّشْرِيكُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكُسُوفِ كَالتَّشْرِيكِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَسُنَّتِهِ، بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّ مَبْنَى الطَّهَارَاتِ عَلَى التَّدَاخُلِ (أَوْ لِأَحَدِهِمَا حَصَلَ) غُسْلُهُ (فَقَطْ) اعْتِبَارًا بِمَا نَوَاهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْدَرِجْ النَّفَلُ فِي الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فَأَشْبَهَ سُنَّةَ الظُّهْرِ مَعَ فَرْضِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ نَوَى بِصَلَاتِهِ الْفَرْضَ دُونَ التَّحِيَّةِ حَصَلَتْ التَّحِيَّةُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا، أَوْ نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ حَصَلَ الْوُضُوءُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ إشْغَالُ الْبُقْعَةِ بِصَلَاةٍ وَقَدْ حَصَلَ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ هُنَا النَّظَافَةَ فَقَطْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْمَاءِ. وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ كَغُسْلَيْ جَنَابَةٍ وَحَيْضٍ كَفَاهُ الْغُسْلُ لِأَحَدِهِمَا، وَكَذَا لَوْ سُنَّ فِي حَقِّهِ سُنَّتَانِ كَغُسْلَيْ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ، وَلَا يَضُرُّ التَّشْرِيكُ بِخِلَافِ نَحْوِ الظُّهْرِ مَعَ سُنَّتِهِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الطَّهَارَاتِ عَلَى التَّدَاخُلِ كَمَا مَرَّ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ (قُلْتُ: وَلَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ) أَيْ أَجْنَبَ ثُمَّ أَحْدَثَ أَوْ أَجْنَبَ وَأَحْدَثَ مَعًا (كَفَى الْغُسْلُ) سَوَاءٌ أَنَوَى الْوُضُوءَ مَعَهُ أَمْ لَا غَسَلَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ مُرَتِّبًا أَمْ لَا (عَلَى الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِانْدِرَاجِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «أَمَّا أَنَا فَأُحْثِيَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ فَإِذَا أَنَا قَدْ طَهُرْتُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. وَلَمْ يَفْصِلْ ﷺ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَتَجَرَّدُ عَنْ الْحَدَثِ فَتَدَاخَلَتَا كَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ. وَقَدْ نَبَّهَ الرَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْجَنَابَةِ، وَأَنَّ الْأَصْغَرَ يَضْمَحِلُّ مَعَهُ أَوْ لَا يَبْقَى لَهُ حُكْمٌ. وَلِهَذَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِكَفَى. وَالثَّانِي لَا يَكْفِي وَإِنْ نَوَى مَعَهُ الْوُضُوءَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ مَعَهُ. وَالثَّالِثُ: إنْ نَوَى مَعَ الْغُسْلِ الْوُضُوءَ كَفَى، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إنْ كَانَ سَبَبُ اجْتِمَاعِهِمَا هُوَ الْجِمَاعَ كَفَى وَإِلَّا فَلَا، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ طَرِيقٌ قَاطِعٌ بِالِاكْتِفَاءِ لِتَقَدُّمِ الْأَكْبَرِ فِيهَا فَلَا يُؤَثِّرُ بَعْدَهُ الْأَصْغَرُ، فَقَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى اصْطِلَاحِهِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهَا ذَاتُ طُرُقٍ، وَأَمَّا الْأُولَى فَفِيهَا

стр. 140

بَابُ النَّجَاسَةِ ــ [مغني المحتاج] أَوْجُهٌ لَا طُرُقٌ. وَأَجَابَ الشَّارِحُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِقَوْلِهِ: فَالطَّرِيقَانِ فِي مَجْمُوعِ الصُّورَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الثَّانِيَةُ لَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: أَيْ لَا فِي جَمِيعِهِمَا فَيَكْفِي فِي صِدْقِ كَوْنِهِ فِي الْمَجْمُوعِ كَوْنُهُ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ بِخِلَافِ كَوْنِهِ فِي الْجَمِيعِ. تَتِمَّةٌ: لَوْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ جَازَ أَنْ يُتِمَّهُ وَلَا يَمْنَعُ الْحَدَثُ صِحَّتَهُ، لَكِنْ لَا يُصَلِّي بِهِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ كَمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَهُوَ مَحْمُولٌ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ عَلَى مَا إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ فَرَاغِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، أَمَّا قَبْلَ الْفَرَاغِ فَيَأْتِي بِبَقِيَّةِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مُرَتَّبَةً وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِهِ. خَاتِمَةٌ: يُبَاحُ لِلرِّجَالِ دُخُولُ الْحَمَّامِ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ غَضُّ الْبَصَرِ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ وَصَوْنُ عَوْرَتِهِمْ عَنْ الْكَشْفِ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا أَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الِاغْتِسَالِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَنَهْيُهُمْ الْغَيْرَ عَنْ كَشْفِ عَوْرَتِهِ، وَإِنْ ظَنُّوا أَنَّهُ لَا يَنْتَهِي، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ الرَّجُلَ إذَا دَخَلَ الْحَمَّامَ عَارِيًّا لَعَنَهُ مَلَكَاهُ» . رَوَاهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ دُخُولُ الْحَمَّامِ إلَّا بِمِئْزَرٍ» وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُكْرَهُ لَهُنَّ بِلَا عُذْرٍ لِخَبَرِ «مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إلَّا هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ: سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلْهَا الرِّجَالُ إلَّا بِالْإِزَارِ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» وَلِأَنَّ أَمْرَهُنَّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي السَّتْرِ وَلِمَا فِي خُرُوجِهِنَّ وَاجْتِمَاعِهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ. قَالَ شَيْخُنَا: وَالْخَنَاثَى كَالنِّسَاءِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يَزِيدَ فِي الْمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَلَا الْعَادَةِ، وَآدَابُهُ أَنْ يَقْصِدَ التَّطْهِيرَ وَالتَّنْظِيفَ لَا التَّرَفُّهَ وَالتَّنْعِيمَ، وَأَنْ يُسَلِّمَ الْأُجْرَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ وَأَنْ يُسَمِّيَ لِلدُّخُولِ ثُمَّ يَتَعَوَّذَ كَمَا فِي دُخُولِ الْخَلَاءِ، وَكَذَا فِي تَقْدِيمِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى دُخُولًا وَالْيُمْنَى خُرُوجًا، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ بِحَرَارَتِهِ حَرَارَةَ نَارِ جَهَنَّمَ لِشِبْهِهِ بِهَا، وَأَنْ لَا يَدْخُلَهُ إذَا رَأَى فِيهِ عُرْيَانًا، وَأَنْ لَا يُعَجِّلَ بِدُخُولِ الْبَيْتِ الْحَارِّ حَتَّى يَعْرَقَ فِي الْأَوَّلِ وَأَنْ لَا يُكْثِرَ الْكَلَامَ، وَأَنْ يَدْخُلَ وَقْتَ الْخَلْوَةِ أَوْ يَتَكَلَّفَ إخْلَاءَ الْحَمَّامِ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا أَهْلُ الدِّينِ فَالنَّظَرُ إلَى الْأَبْدَانِ مَكْشُوفَةً فِيهِ شَوْبٌ مِنْ قِلَّةِ الْحَيَاءِ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ - تَعَالَى - وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ، فَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ يَوْمُ الْحَمَّامِ يَوْمُ إثْمٍ، وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ قُبَيْلَ الْغُرُوبِ وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ الشَّيَاطِينِ وَلِلصَّائِمِ وَمِنْ جِهَةِ الطِّبِّ صَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الرَّأْسِ وَشُرْبُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ، وَلَا بَأْسَ بِدَلْكِ غَيْرِهِ إلَّا عَوْرَةً أَوْ مَظِنَّةَ شَهْوَةٍ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ: عَافَاكَ اللَّهُ، وَلَا بِالْمُصَافَحَةِ، وَيُسَنُّ لِمَنْ يُخَالِطُ النَّاسَ التَّنَظُّفُ بِالسِّوَاكِ وَإِزَالَةُ شَعْرٍ وَرِيحٍ كَرِيهَةٍ وَحُسْنُ الْأَدَبِ مَعَهُمْ [بَابُ النَّجَاسَةِ] (بَابُ النَّجَاسَةِ) وَفِي الْبَابِ إزَالَتُهَا وَلَوْ ذَكَرَهُ فِي التَّرْجَمَةِ أَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ كَمَا فِي التَّنْبِيهِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ

стр. 141

هِيَ: كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ. ــ [مغني المحتاج] اللَّائِقُ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ النَّجَاسَةِ فَتُذْكَرُ تَبَعًا، وَهِيَ لُغَةً كُلُّ مَا يُسْتَقْذَرْ، وَشَرْعًا مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ، وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِكُلِّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا مُطْلَقًا فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ مَعَ سُهُولَةِ تَمْيِيزِهَا وَإِمْكَانِ تَنَاوُلِهَا لَا لِحُرْمَتِهَا وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا وَلَا لِضَرَرِهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ، فَاحْتُرِزَ بِمُطْلَقًا عَمَّا يُبَاحُ قَلِيلُهُ كَبَعْضِ النَّبَاتَاتِ السُّمِّيَّةِ، الِاخْتِيَارِ عَنْ حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَيُبَاحُ فِيهَا تَنَاوُلُ النَّجَاسَةِ، وَبِسُهُولَةِ تَمْيِيزِهَا عَنْ دُودِ الْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهَا فَيُبَاحُ تَنَاوُلُهُ مَعَهَا، وَهَذَانِ الْقَيْدَانِ لِلْإِدْخَالِ لَا لِلْإِخْرَاجِ، وَبِإِمْكَانِ تَنَاوُلِهَا عَنْ الْأَشْيَاءِ الصُّلْبَةِ كَالْحَجَرِ، وَبِالْبَقِيَّةِ عَنْ الْآدَمِيِّ وَعَنْ الْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ وَعَنْ الْحَشِيشَةِ الْمُسْكِرَةِ وَالسُّمِّ الَّذِي يَضُرُّ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَالتُّرَابِ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ تَنَاوُلُهَا لِنَجَاسَتِهَا، بَلْ لِحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ وَاسْتِقْذَارِ الْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ وَضَرَرِ الْبَقِيَّةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِخْرَاجَ بِعَدَمِ الِاسْتِقْذَارِ مُضِرٌّ، فَإِنَّهُ، وَإِنْ أَخْرَجَ الْمُخَاطَ وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ غَالِبَ النَّجَاسَاتِ مِنْ الْعَذِرَةِ وَالْبَوْلِ وَالْقَيْءِ وَالْقَيْحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهَا مُسْتَقْذَرَةٌ، وَحَرُمَتْ لِاسْتِقْذَارِهَا وَكُلُّهَا نَجِسَةٌ، وَعَرَّفَهَا الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ بِالْعَدِّ فَقَالَ (هِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ) لَكِنَّ ظَاهِرَهُ حَصْرُهَا فِيمَا عَدَّهُ، وَلَيْسَ مُرَادًا؛ لِأَنَّ مِنْهَا أَشْيَاء لَمْ يَذْكُرْهَا وَسَأُنَبِّهُ عَلَى بَعْضِهَا، فَلَوْ ذَكَرَ لَهَا ضَابِطًا إجْمَالِيًّا كَمَا تَقَدَّمَ لَكَانَ أَوْلَى، بَلْ قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ فِيمَا ذَكَرَهُ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَكَيْفَ تُفَسَّرُ بِالْأَعْيَانِ، بَلْ مَا ذُكِرَ حَدٌّ لِلنَّجِسِ لَا لِلنَّجَاسَةِ اهـ. وَشَمِلَتْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ الْخَمْرَ وَهِيَ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ وَلَوْ مُحْتَرَمَةً وَبِبَاطِنِ عُنْقُودٍ وَمُثَلَّثَةً وَهِيَ الْمَغْلِيُّ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ حَتَّى صَارَ عَلَى الثُّلُثِ، وَالنَّبِيذَ: وَهُوَ الْمُتَّخَذُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ أَوْ نَحْوِهِ. أَمَّا الْخَمْرُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] وَالرِّجْسُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ هُوَ النَّجَسُ صَدَّ عَمَّا عَدَاهَا الْإِجْمَاعُ فَبَقِيَتْ هِيَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى نَجَاسَتِهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَحَمَلَ عَلَى إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ رَبِيعَةَ شَيْخِ مَالِكٍ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى طَهَارَتِهَا، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْحَسَنِ وَاللَّيْثِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى نَجَاسَتِهَا بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً لَفَاتَ الِامْتِنَانُ بِكَوْنِ شَرَابِ الْآخِرَةِ طَهُورًا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أَيْ طَاهِرًا، وَعَبَّرَ بِطَهُورًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي طَهَارَتِهِ بِخِلَافِ خَمْرِ الدُّنْيَا. وَأَمَّا النَّبِيذُ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْخَمْرِ مَعَ التَّنْفِيرِ عَنْ الْمُسْكِرِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَدَلِيلُنَا مَا ذُكِرَ. وَالْخَمْرُ الْمُحْتَرَمَةُ قَالَا فِي الْغَصْبِ هِيَ مَا عُصِرَتْ لَا بِقَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ، وَفِي الرَّهْنِ: مَا عُصِرَتْ بِقَصْدِ الْخَلِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَأَعَمُّ. وَالْخَمْرُ مُؤَنَّثَةٌ وَتَذْكِيرُهَا لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ وَتَلْحَقُهَا التَّاءُ عَلَى قِلَّةٍ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَائِعِ مِنْ زِيَادَتِهِ ذُكِرَ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ، وَخَرَجَ بِهِ الْبَنْجُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْحَشِيشِ الْمُسْكِرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا: قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ، فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَيِّدَهَا بِالْأَصَالَةِ لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ الْخَمْرُ إذَا جَمَدَتْ وَالْحَشِيشَةُ إذَا أُذِيبَتْ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْخَمْرَ مَائِعَةٌ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ حُكِمَ بِنَجَاسَتِهَا وَهِيَ مَائِعَةٌ وَلَمْ يَحْدُثْ مَا يُطَهِّرُهَا بِخِلَافِ الْحَشِيشِ الْمُذَابِ. فَائِدَةٌ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَعَنِّتِينَ: إنَّ الْكَشْكَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَخَمَّرْ كَالْبُوظَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ

стр. 142

وَكَلْبٍ، ــ [مغني المحتاج] يَكُونُ جَفَافُهُ كَالتَّخَلُّلِ (١) فِي الْخَمْرِ فَيَطْهُرُ أَوْ يَكُونُ كَالْخَمْرِ الْمَعْقُودَةِ فَلَا يَطْهُرُ؟ قَالَ شَيْخِي: لَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ صَارَ مُسْكِرًا لَكَانَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَائِعٍ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْبُوظَةَ طَاهِرَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ مُسْكِرُ الْجِنْسِ لِئَلَّا تَرِدَ عَلَيْهِ الْقَطْرَةُ مِنْ الْخَمْرِ مَثَلًا. أُجِيبَ بِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ فِي بَابِ الْأَشْرِبَةِ أَنَّ مَا أَسْكَرَهُ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ وَحُدَّ شَارِبُهُ، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ نَجَاسَةُ الْقَلِيلِ كَالْكَثِيرِ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِيمَا ذُكِرَ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَعْيَانَ جَمَادٌ وَحَيَوَانٌ، فَالْجَمَادُ كُلُّهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ أَوْ يَكْمُلُ بِالطَّهَارَةِ إلَّا مَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى نَجَاسَتِهِ: وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ: كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ. وَكَذَا الْحَيَوَانُ كُلُّهُ طَاهِرٌ لِمَا مَرَّ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ أَيْضًا، وَقَدْ نَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (وَكَلْبٍ)

стр. 143

وَخِنْزِيرٍ، ــ [مغني المحتاج] وَلَوْ مُعَلَّمًا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الطَّهَارَةَ إمَّا لِحَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ أَوْ تَكْرِمَةً وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ وَلَا تَكْرِمَةَ فَتَعَيَّنَتْ طَهَارَةُ الْخَبَثِ فَثَبَتَتْ نَجَاسَةُ فَمِهِ: وَهُوَ أَطْيَبُ أَجْزَائِهِ، بَلْ هُوَ أَطْيَبُ الْحَيَوَانِ نَكْهَةً لِكَثْرَةِ مَا يَلْهَثُ فَبَقِيَّتُهُ أَوْلَى، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﷺ دُعِيَ إلَى دَارِ قَوْمٍ فَأَجَابَ، ثُمَّ دُعِيَ إلَى دَارٍ أُخْرَى فَلَمْ يُجِبْ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ فِي دَارِ فُلَانٍ كَلْبًا، قِيلَ لَهُ: وَإِنَّ فِي دَارِ فُلَانٍ هِرَّةً فَقَالَ: إنَّ الْهِرَّةَ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ فَأَفْهَمَ أَنَّ الْكَلْبَ نَجِسٌ، وَأَدْخَلَ شَيْخُنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَوْ تَكْرِمَةً لِأَجْلِ دُخُولِ غُسْلِ الْمَيِّتِ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ وَلَيْسَتْ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ مَمْنُوعٌ، بَلْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ غُسْلُ الْمَيِّتِ تَنْظِيفًا وَإِكْرَامًا (وَخِنْزِيرٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْكَلْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَنَى

стр. 144

وَفَرْعِهِمَا، ــ [مغني المحتاج] بِحَالٍ، وَنُقِضَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِالْحَشَرَاتِ وَنَحْوِهَا؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَيْسَ لَنَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ، لَكِنْ ادَّعَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَعُورِضَ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَرِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ، وَيُرَدُّ النَّقْضُ بِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى قَتْلِهِ بِلَا ضَرَرٍ فِيهِ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِحَمْلِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وَلَا كَذَلِكَ الْحَشَرَاتُ فِيهِمَا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَالْمُرَادُ جُمْلَتُهُ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ دَخَلَ فِي عُمُومِ الْمَيْتَةِ (وَفَرْعِهِمَا) أَيْ فَرْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا

стр. 145

وَمَيْتَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَالسَّمَكِ، وَالْجَرَادِ، ــ [مغني المحتاج] مَعَ الْآخَرِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ وَلَوْ آدَمِيًّا كَالْمُتَوَلِّدِ مَثَلًا بَيْنَ ذِئْبٍ وَكَلْبَةٍ تَغْلِيبًا لِلنَّجَاسَةِ وَلِتَوَلُّدِهِ مِنْهَا، وَالْفَرْعُ يَتْبَعُ الْأَبَ فِي النَّسَبِ، وَالْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَأَشْرَفَهُمَا فِي الدِّينِ وَإِيجَابِ الْبَدَلِ وَتَقْرِيرِ الْجِزْيَةِ، وَأَخَفَّهُمَا فِي عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَأَخَسَّهُمَا فِي النَّجَاسَةِ وَتَحْرِيمِ الذَّبِيحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ (وَمَيْتَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ) وَإِنْ لَمْ يَسِلْ دَمُهَا لِحُرْمَةِ تَنَاوُلِهَا. قَالَ
следующие страницы →