← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1144

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عوض الله

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (586 стр.). Показаны 149–188 · переход к 154.

стр. 149

المسلمين ويقول: إنّ هذه الأمة أئمّة بعضهم لبعض، إشارة إلى أنّه متّبع لدينهم غير ناسخ له. والشّام هي في آخر الزّمان أرض المحشر والمنشر، فيحشر النّاس إليها قبل القيامة من أقطار الأرض، فيهاجر خيار أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، وهي أرض الشّام طوعا. كما تقدّم أنّ خيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم. وقال ﷺ : «عليكم بالشّام؛ فإنّها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده» (١). خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبّان، والحاكم في «صحيحيهما». وقال أبو أمامة: لا تقوم السّاعة حتّى ينتقل خيار أهل العراق إلى الشام، وشرار أهل الشام إلى العراق (٢). خرّجه الإمام أحمد. وقد ثبت في «الصحيحين» عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لا تقوم السّاعة حتّى تخرج نار من أرض الحجاز فتضيء لها أعناق الإبل ببصرى» (٣). وقد خرجت هذه النّار بالحجاز بقرب المدينة، ورئيت أعناق الإبل من ضوئها ببصرى في سنة أربع وخمسين وستمائة، وعقيبها جرت واقعة ببغداد، وقتل بها الخليفة وعامّة من كان ببغداد. وتكامل خراب أرض العراق على أيدي التّتار، وهاجر خيار أهلها إلى الشام من حينئذ. فأمّا شرار النّاس فتخرج نار في آخر الزّمان تسوقهم إلى الشّام قهرا، حتّى يجتمع الناس كلّهم بالشّام قبل قيام السّاعة.

стр. 150

وفي «سنن أبي داود»، عن أبي الدّرداء ﵁، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «إنّ فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام» (١). وخرّجه الحاكم، ولفظه: «خير منازل المسلمين يومئذ» (٢). إخواني، من كان من هذه الأمة فهو من خير الأمم عند الله . قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال النّبيّ ﷺ : «أنتم توفّون سبعين أمّة، أنتم خيرها وأكرمها على الله » (٣). لمّا كان هذا الرّسول النّبيّ الأمّيّ خير الخلق وأفضلهم، كانت أمّته خير أمّة وأفضلها، فما يحسن بمن كان من خير الأمم، وانتسب إلى متابعة خير الخلق، وخصوصا من كان يسكن خير منازل المسلمين في آخر الزّمان، إلاّ أن يكون متّصفا بصفات الخير، مجتنبا لصفات الشّرّ، وقبيح به أن يرضى لنفسه أن يكون من شرّ النّاس مع انتسابه إلى خير الأمم. ومتابعة خير الرّسل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البيّنة: ٧]. فخير النّاس من آمن وعمل صالحا. وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقد روي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «خير النّاس من فقه في دين الله، ووصل

стр. 151

رحمه، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر» (١). وفي رواية: «خير النّاس أتقاهم للرب، وأوصلهم للرّحم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر» (٢). وقال «النّاس معادن؛ فخيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (٣). وقال: «خير النّاس من طال عمره وحسن عمله، وشرّ النّاس من طال عمره وساء عمله» (٤). وقال: «خيركم من يرجى خيره ويؤمن شرّه، وشرّكم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شرّه» (٥). وقال: «ألا أخبركم بخياركم؟»، قالوا: بلى، قال: «الّذين إذا رءوا ذكر الله، ألا أنبئكم بشراركم؟» قالوا: بلى، قال: «المشّاءون بالنّميمة، المفرّقون بين الأحبّة، الباغون للبرآء العنت» (٦). وقال: «شرّ النّاس منزلة عند الله من تركه النّاس اتّقاء فحشه» (٧). وقال: «إنّ من شرّ النّاس منزلة عند الله يوم القيامة عبدا أذهب آخرته بدنيا غيره» (٨).

стр. 152

وقال: «إنّ من شرّ النّاس منزلة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» (١). وقال: «إنّ من شرّ النّاس عند الله منزلة من يقرأ كتاب الله ثم لا يرعوي إلى ما فيه» (٢). أعمال الأمّة تعرض على نبيّها في البرزخ، فليستح عبد أن يعرض على نبيّه من عمله ما نهاه عنه. لمّا وقف ﷺ عام حجّة الوداع، قال: «إنّي فرطكم على الحوض، وإنّي مكاثر بكم الأمم، فلا تسوّدوا وجهي» (٣). يشير إلى أنّه ﷺ يستحي من سيئات أمّته إذا عرضت عليه. وقال: «ليؤخذنّ برجال من أمّتي ذات الشمال، فأقول: يا ربّ! أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدّل بعدي» (٤). خير هذه الأمّة أوّلها قرنا، كما قال النّبيّ ﷺ : «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٥). وقال: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتّى كنت من القرن الّذي كنت منه» (٦). كم قد جاء مدح أصحابه في كتابه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ﴾

стр. 153

﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. وخصّ الصّدّيق من بينهم بالصّحبة بقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]. لمّا جلى الرّسول ﷺ عروس الإسلام وأبرزها للبصائر من خدرها، أخرج أبو بكر ﵁ ماله كلّه نثارا لهذا العروس، فأخرج عمر النصف موافقة له، فقام عثمان بوليمة العرس، فجهز جيش العسرة، فعلم عليّ أنّ الدّنيا ضرّة هذه العروس، وأنّهما لا يجتمعان، فبتّ طلاقها ثلاثا. فالحمد لله الذي خصّنا بهذه الرّحمة، وأسبغ علينا هذه النّعمة، وأعطانا ببركة نبيّنا ﷺ هذه الفضائل الجمّة، فقال لنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. من أين في الأمم مثل أبي بكر الصّدّيق، أو عمر الذي ما سلك طريقا إلاّ هرب الشّيطان من ذلك الطريق، أو عثمان الصابر على مر الضيق، أو عليّ بحر العلم العميق أو حمزة والعبّاس؟ أفيهم مثل طلحة والزّبير القرينين، أو مثل سعد وسعيد، هيهات!! من أين؟ أو مثل ابن عوف وأبي عبيدة، ومن مثل الاثنين إن شبّهتم بهم فقد أبعدتم القياس. من أين في زهّاد الأمم مثل أويس، أو في عبّادهم مثل عامر بن عبد قيس، أو في خائفهم مثل عمر بن عبد العزيز؟! هيهات!! ليس ضوء الشّمس كالمقباس. أو في علمائهم مثل أبي حنيفة ومالك، والشّافعي السديد المسالك، كيف نمدحه وهو أجلّ من ذلك؟ ما أحسن بنيانه والأساس!! أثم أعلى من الحسن البصري وأنبل، أو ابن سيرين الذي بالورع تبتّل، أو سفيان الثّوريّ الذي بالخوف والعلم تسربل، أو مثل أحمد الذي بذل نفسه لله وسبّل، تالله ما في الأمم مثل ابن حنبل؛ ارفع صوتك بهذا ولا باس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 154

لاح شيب الرّأس منّي فنصح … بعد لهو وشباب ومرح إخوتي توبوا إلى الله بنا … قد لهونا وجهلنا ما صلح نحن في دار نرى الموت بها … لم يدع فيها لذي اللّبّ فرح يا بني آدم صونوا دينكم … ينبغي للدّين ألاّ يطّرح واحمدوا الله الّذي أكرمكم … بنبيّ قام فيكم فنصح بنبيّ فتح الله به … كلّ خير نلتموه ومنح مرسل لو يوزن النّاس به … في التّقى والبرّ خفّوا ورجح فرسول الله أولى بالعلى … ورسول الله أولى بالمدح ***

стр. 155

المجلس الثاني في ذكر المولد أيضا خرّج مسلم من حديث أبي قتادة الأنصاريّ ﵁ أنّ النبيّ ﷺ سئل عن صيام يوم الإثنين، فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت عليّ فيه النّبوّة» (١). أمّا ولادة النّبيّ ﷺ يوم الإثنين فكالمجمع عليه بين العلماء، وقد قاله ابن عبّاس وغيره. وقد حكي عن بعضهم أنّه ولد يوم الجمعة، وهو قول ساقط مردود، وروي عن أبي جعفر الباقر أنّه توقّف في ذلك، وقال: لا يعلم ذلك إلاّ الله. وإنّما قال هذا لأنه لم يبلغه في ذلك ما يعتمد عليه، فوقف تورّعا. وأمّا الجمهور فبلغهم في ذلك ما قالوا بحسبه. وقد روي عن أبي جعفر أيضا موافقتهم، وأنّ النبيّ ﷺ ولد يوم الإثنين، موافقة لما قاله سائر العلماء. وحديث أبي قتادة يدلّ على أنّه ﷺ ولد نهارا في يوم الإثنين. وقد روي أنّه ولد عند طلوع الفجر منه. وروى أبو جعفر بن أبي شيبة في «تاريخه»، وخرّجه من طريقه أبو نعيم في «الدلائل» بإسناد فيه ضعف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كان بمرّ الظّهران راهب يدعى عيصا من أهل الشّام، وكان يقول: يوشك أن يولد فيكم - يا أهل مكّة - مولود تدين له العرب، ويملك العجم؛ هذا زمانه. فكان لا يولد بمكّة مولود إلاّ سأل عنه. فلمّا كان صبيحة اليوم الّذي ولد فيه رسول الله ﷺ خرج عبد الله بن

стр. 156

عبد المطلب حتّى أتى عيصا فناداه: فأشرف عليه، فقال له عيصا: كن أباه، فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدّثكم عنه يوم الإثنين، ويبعث يوم الإثنين، ويموت يوم الإثنين قال: إنّه ولد لي مع الصّبح مولود، قال: فما سمّيته؟ قال: محمّد، قال: والله، لقد كنت أشتهي أن يكون هذا المولود فيكم أهل البيت، لثلاث خصال بها نعرفه، فقد أتى عليهن؛ منها: أنّه طلع نجمه البارحة، وأنّه ولد اليوم، وأنّ اسمه محمّد، انطلق إليه؛ فإنّه الذي كنت أحدّثكم عنه. وقد روي ما يدلّ على أنّه ولد ليلا، وقد سبق في المجلس الذي قبله من الآثار ما يستدلّ به لذلك. وفي «صحيح الحاكم» عن عائشة، قالت: كان بمكّة يهوديّ يتّجر فيها، فلمّا كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ، قال: يا معشر قريش، هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلمه، فقال: ولد الليلة نبيّ هذه الأمّة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنّهنّ عرف فرس، فخرجوا باليهوديّ حتّى أدخلوه على أمّه، فقالوا: أخرجي إلينا ابنك، فأخرجته، وكشفوا عن ظهره، فرأى تلك الشّامة، فوقع اليهوديّ مغشيّا عليه، فلما أفاق قالوا: ويلك! ما لك؟ قال: ذهبت والله النّبوّة من بني إسرائيل (١). وهذا الحديث يدلّ على أنّه ولد بخاتم النّبوّة بين كتفيه. وخاتم النّبوّة من علامات نبوّته التي كان يعرفه بها أهل الكتاب ويسألون عنها، ويطلبون الوقوف عليها. وقد روي أن هرقل بعث إلى النّبيّ ﷺ بتبوك من ينظر له خاتم النبوّة ثم يخبره عنه. وقد روي من حديث أبي ذرّ، وعتبة بن عبد، عن النّبيّ ﷺ ، أنّ

стр. 157

الملكين اللذين شقّا صدره وملآه حكمة هما اللّذان ختماه بخاتم النّبوّة (١)، وهذا يخالف حديث عائشة هذا. وقد روي أنّ هذا الخاتم رفع من بعد موته من بين كتفيه، ولكن إسناد هذا الحديث ضعيف. وقد روي في صفة ولادته آيات تستغرب؛ فمنها ما روي عن آمنة بنت وهب أنّها قالت: وضعته فما وقع كما يقع الصّبيان، وقع واضعا يده على الأرض، رافعا رأسه إلى السّماء. وروي أيضا أنّه قبض قبضة من التّراب بيده لمّا وقع بالأرض. فقال بعض القافة: إن صدق الفأل ليغلبنّ أهل الأرض. وروي أنّه وضع تحت جفنة، فانفلقت عنه، ووجدوه ينظر إلى السّماء. واختلفت الروايات؛ هل ولد مختونا؟ فروي أنّه ولد مختونا مسرورا، يعني مقطوع السّرّة، حتّى قال الحاكم (٢): تواترت الروايات بذلك. وروي أنّ جدّه ختنه، وتوقّف الإمام أحمد في ذلك. قال المرّوذيّ: سئل أبو عبد الله: هل ولد النّبيّ ﷺ مختونا؟ قال: الله أعلم، ثمّ قال: لا أدري. قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا: قد روي أنّه ﷺ ولد مختونا مسرورا. ولم يجترئ أبو عبد الله على تصحيح هذا الحديث. وأمّا شهر ولادته فقد اختلف فيه، فقيل: في شهر رمضان، روي عن عبد الله بن عمرو بإسناد لا يصحّ. وقيل: في رجب، ولا يصحّ. وقيل: في ربيع الأوّل، وهو المشهور بين النّاس، حتّى نقل ابن الجوزيّ وغيره عليه الاتّفاق، ولكنّه قول جمهور العلماء. ثم اختلفوا في أيّ يوم كان من الشهر،

стр. 158

فمنهم من قال: هو غير معيّن، وإنما ولد في يوم الإثنين من ربيع الأول من غير تعيين لعدد ذلك اليوم من الشهر. والجمهور على أنّه يوم معيّن منه، ثم اختلفوا، فقيل: لليلتين خلتا منه. وقيل: لثمان خلت منه. وقيل: لعشر. وقيل: لاثنتي عشرة. وقيل: لسبع عشرة. وقيل: لثماني عشرة. وقيل: لثمان بقين منه. وقيل: إنّ هذين القولين غير صحيحين عمّن حكيا عنه بالكلّيّة، والمشهور الذي عليه الجمهور أنّه ولد يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأوّل، وهو قول ابن إسحاق وغيره. وأمّا عام ولادته فالأكثرون على أنّه عام الفيل؛ وممّن قال ذلك قيس بن مخرمة، وقباث بن أشيم، وابن عبّاس، وروي عنه أنّه ولد يوم الفيل، وقيل: إنّ هذه الرواية وهم، إنّما الصحيح عنه أنّه قال: عام الفيل. ومن العلماء من حكى الاتفاق على ذلك وقال: كلّ قول يخالفه وهم. والمشهور أنّه ﷺ ولد بعد الفيل بخمسين يوما. وقيل: بعده بخمس وخمسين يوما. وقيل: بشهر. وقيل: بأربعين يوما. وقد قيل: إنّه ولد بعد الفيل بعشر سنين. وقيل: بثلاث وعشرين سنة. وقيل: بأربعين سنة. وقيل: قبل الفيل بخمس عشرة سنة. وهذه الأقوال وهم عند جمهور العلماء، ومنها ما لا يصحّ عمّن حكي عنه. قال إبراهيم بن المنذر الحزاميّ: الذي لا يشكّ فيه أحد من علمائنا أنّه ﷺ ولد عام الفيل. وقال خليفة بن خيّاط: هذا هو المجمع عليه. وكانت قصّة الفيل توطئة لنبوّته وتقدمة لظهوره وبعثته. وقد قصّ الله ذلك في كتابه فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١ - ٥].

стр. 159

فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] استفهام تقرير لمن سمع هذا الخطاب، وهذا يدلّ على اشتهار ذلك بينهم ومعرفتهم به، وأنّه ممّا لا يخفى علمه عن العرب، خصوصا قريش وأهل مكّة. وهذا أمر اشتهر بينهم وتعارفوه، وقالوا فيه الأشعار السّائرة. وقد قالت عائشة ﵂: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكّة أعميين يستطعمان. وفي هذه القصّة ما يدلّ على تعظيم مكّة، واحترامها واحترام بيت الله الذي فيها. وولادة النّبيّ ﷺ عقيب ذلك تدلّ على نبوّته ورسالته؛ فإنّه ﷺ بعث بتعظيم هذا البيت وحجّه والصّلاة إليه، وكان هذا البلد هو موطنه ومولده، فاضطرّه قومه عند دعوتهم إلى الله إلى الخروج منه كرها بما نالوه منه من الأذى، ثم إنّ الله تعالى ظفّره بهم، وأدخله عليهم قهرا، فملك البلد عنوة، وملك رقاب أهله، ثمّ منّ عليهم وأطلقهم وعفا عنهم، فكان في تسليط نبيّه ﷺ على هذا البلد وتمليكه إيّاه ولأمّته من بعده ما دلّ على صحّة نبوّته، فإنّ الله حبس عنه من يريده بالأذى وأهلكه، ثم سلّط عليه رسوله وأمّته كما قال ﷺ : «إنّ الله حبس عن مكّة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين» (١). فإنّ الرسول ﷺ وأمّته إنّما قصدهم تعظيم البيت وتكريمه واحترامه، ولهذا أنكر النّبيّ ﷺ يوم الفتح على من قال: اليوم تستحلّ الكعبة، وقال: «اليوم تعظّم الكعبة» (٢). وقد كان أهل الجاهلية غيّروا دين إبراهيم وإسماعيل بما ابتدعوه من الشّرك وتغيير بعض مناسك الحجّ، فسلّط الله رسوله وأمّته على مكّة فطهّروها من ذلك كلّه، وردّوا الأمر إلى دين إبراهيم الحنيف، وهو الذي دعا لهم مع ابنه

стр. 160

إسماعيل عند بناء البيت أن يبعث الله فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، فبعث الله فيهم محمّدا ﷺ من ولد إسماعيل بهذه الصّفة، فطهّر البيت وما حوله من الشّرك، وردّ الأمر إلى دين إبراهيم الحنيف، والتوحيد الذي لأجله بني البيت، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]. وأمّا تسليط القرامطة على البيت بعد ذلك، فإنّما كان عقوبة بسبب ذنوب النّاس، ولم يصلوا إلى هدمه ونقضه ومنع النّاس من حجّه وزيارته، كما كان يفعل أصحاب الفيل لو قدروا على هدمه وصرف النّاس عن حجّه. والقرامطة أخذوا الحجر والباب، وقتلوا الحاجّ وسلبوهم أموالهم، ولم يتمكّنوا من منع النّاس من حجّه بالكلّيّة، ولا قدروا على هدمه بالكلّيّة، كما كان أصحاب الفيل يقصدونه. ثم أذلّهم الله بعد ذلك وخذلهم وهتك أستارهم، وكشف أسرارهم. والبيت المعظّم باق على حاله من التّعظيم، والزّيارة، والحجّ، والاعتمار، والصّلاة إليه، لم يبطل شيء من ذلك عنه بحمد الله ومنّه. وغاية أمرهم أنّهم أخافوا حاجّ العراق حتّى انقطعوا بعض السّنين، ثم عادوا. ولم يزل الله يمتحن عباده المؤمنين بما يشاء من المحن، ولكن دينه قائم محفوظ لا يزال تقوم به أمّة من أمّة محمّد ﷺ لا يضرّهم من خذلهم حتّى يأتي أمر الله وهم على ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣]. وقد أخبر النّبيّ ﷺ أنّ هذا البيت يحجّ ويعتمر بعد خروج يأجوج

стр. 161

ومأجوج (١)، ولا يزال كذلك حتّى تخرّبه الحبشة (٢)، ويلقون حجارته في البحر، وذلك بعد أن يبعث الله ريحا طيبّة تقبض أرواح المؤمنين كلّهم، فلا يبقى في الأرض مؤمن ويسرى بالقرآن من الصّدور والمصاحف، فلا يبقى في الأرض قرآن، ولا إيمان، ولا شيء في الخير (٣). فبعد ذلك تقوم السّاعة، ولا تقوم إلاّ على شرار النّاس (٤) وقوله ﷺ : «ويوم أنزلت عليّ فيه النّبوّة»، يعني أنّه ﷺ نبّئ يوم الإثنين. وفي «المسند» عن ابن عبّاس، قال: ولد النّبيّ ﷺ يوم الإثنين، واستنبئ يوم الإثنين، وخرج مهاجرا من مكّة إلى المدينة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين، وتوفيّ يوم الإثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الإثنين (٥). وذكر ابن إسحاق أنّ النّبوّة نزلت يوم الجمعة، وحديث أبي قتادة يردّ هذا. واختلفوا في أيّ شهر كان ابتداء النّبوّة؟ فقيل: في رمضان. وقيل: في رجب، ولا يصحّ. وقيل: في ربيع الأوّل. وقيل: إنه نبّئ يوم الإثنين لثمان من ربيع الأوّل. وأمّا الإسراء، فقيل: كان في رجب، وضعّفه غير واحد. وقيل: كان في ربيع الأوّل، وهو قول إبراهيم الحربي وغيره. وأمّا دخوله المدينة ووفاته ﷺ فكانا في ربيع الأوّل بغير خلاف، مع الاختلاف في تعيين ذلك اليوم من أيّام الشهر.

стр. 162

وفي قول النّبيّ ﷺ لمّا سئل عن صيام يوم الإثنين: «ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت عليّ فيه النّبوّة» (١)، إشارة إلى استحباب صيام الأيّام التي تتجدّد فيها نعم الله على عباده. فإنّ أعظم نعم الله على هذه الأمّة إظهار محمد ﷺ لهم وبعثته وإرساله إليهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. فإنّ النّعمة على الأمّة بإرساله أعظم من النّعمة عليهم بإيجاد السّماء، والأرض، والشّمس، والقمر، والرّياح، والليل، والنّهار، وإنزال المطر، وإخراج النبات، وغير ذلك؛ فإنّ هذه النّعم كلّها قد عمّت خلقا من بني آدم كفروا بالله وبرسله وبلقائه، فبدّلوا نعمة الله كفرا. وأمّا النّعمة بإرسال محمد ﷺ ، فإنّ بها تمّت مصالح الدّنيا والآخرة، وكمل بسببها دين الله الذي رضيه لعباده، وكان قبوله سبب سعادتهم في دنياهم وآخرتهم، فصيام يوم تجدّدت فيه هذه النّعم من الله على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النّعم في أوقات تجدّدها بالشكر. ونظير هذا صيام يوم عاشوراء حيث أنجى الله فيه نوحا من الغرق، ونجّى فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده، وأغرقهم في اليمّ، فصامه نوح وموسى شكرا، فصامه رسول الله ﷺ متابعة لأنبياء الله، وقال لليهود: «نحن أحقّ بموسى منكم»، وصامه وأمر بصيامه. وقد روي أنّ النّبيّ ﷺ كان يتحرّى صيام يوم الإثنين ويوم الخميس، روي ذلك عنه من حديث عائشة، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد. وفي حديث أسامة أنّه سأله عن ذلك، فقال: «إنّهما يومان تعرض فيهما الأعمال على ربّ

стр. 163

العالمين، فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم» (١). وفي حديث أبي هريرة، أنّه سئل عن ذلك، فقال: «إنّه يغفر فيهما لكلّ مسلم، إلاّ مهتجرين، يقول: دعهما حتّى يصطلحا» (٢). وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة مرفوعا: «تفتح أبواب الجنّة يوم الإثنين والخميس، فيغفر لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا، إلاّ رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتّى يصطلحا» (٣). ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعا: «ترفع الأعمال يوم الإثنين والخميس، فيغفر للمستغفرين، ويترك أهل الحقد بحقدهم» (٤). وفي «المسند» عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ : «إنّ أعمال بني آدم تعرض كلّ خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم» (٥). كان بعض التابعين يبكي إلى امرأته يوم الخميس وتبكي إليه، ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله ، يا من يبهرج بعمله، على من تبهرج، والناقد بصير؟. يا من يسوّف بتطويل أمله، إلى كم تسوّف والعمر قصير؟

стр. 164

صروف الحتف مترعة الكئوس … تدار على الرّعايا والرّءوس فلا تتبع هواك فكلّ شخص … يصير إلى بلي وإلى دروس وخف من هول يوم قمطرير … مخوف شرّه ضنك عبوس فمالك غير تقوى الله زادا … وفعلك حين تقبر من أنيس فحسّنه ليعرض مستقيما … ففي الإثنين يعرض والخميس ***

стр. 165

المجلس الثالث في ذكر وفاة رسول الله ﷺ خرّجا في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، أنّ النّبيّ ﷺ جلس على المنبر، فقال: «إنّ عبدا خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده». فبكى أبو بكر، وقال: يا رسول الله، فديناك بآبائنا وأمّهاتنا، قال: فعجبنا، وقال النّاس: انظروا إلى هذا الشيخ! يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا ما شاء، وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمّهاتنا. قال: فكان رسول ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به. فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متّخذا من أهل الأرض خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام، لا تبقى في المسجد خوخة إلا سدّت، إلاّ خوخة أبي بكر، ﵁» (١). الموت مكتوب على كل حيّ من الأنبياء والرّسل وغيرهم. قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزّمر: ٣٠]. وقال: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ الآيتين (٢) [آل عمران: ١٤٤].

стр. 166

خلق الله تعالى آدم من تراب الأرض، ونفخ فيه من روحه، فكانت روحه في جسده وأرواح ذريّته في أجسادهم في هذه الدّار عاريّة، وقضى عليه وعلى ذريّته أنّه لا بدّ من أن يستردّ أرواحهم من هذه الأجساد، ويعيد أجسادهم إلى ما خلقت منه، وهو التّراب، ووعد أن يعيد الأجساد من الأرض مرّة ثانية، ثمّ يردّ إليها الأرواح مرّة ثانية تمليكا دائما لا رجعة فيه في دار البقاء. قال الله تعالى: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥]. وقال: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً﴾ [نوح: ١٧ - ١٨]. وأرانا دليلا في هذه الدار على إعادة الأجساد من التراب بإنبات الزّرع من الأرض، وإحياء الأرض بعد موتها بالمطر، ودليلا على إعادة الأرواح إلى أجسادها بعد المفارقة بقبض أرواح العباد في منامهم، وردّها إليهم في يقظتهم، كما قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزّمر: ٤٢]. وفي «مسند البزار»، عن أنس، أنّ النّبيّ ﷺ قال لهم لمّا ناموا عن الصّلاة: «إنّ هذه الأرواح عاريّة في أجساد العباد فيقبضها إذا شاء ويرسلها إذا شاء» (١). استعدّي للموت يا نفس واسعي … لنجاة فالحازم المستعدّ

стр. 167

قد تيقّنت أنّه ليس للح … يّ خلود ولا من الموت بدّ إنّما أنت مستعيرة ما سو … ف تردّين والعواري تردّ غيره: فما أهل الحياة لنا بأهل … ولا دار الحياة لنا بدار وما أموالنا والأهل فيها … ولا أولادنا إلاّ عواري وأنفسنا إلى أجل قريب … سيأخذها المعير من المعار مفارقة الجسد للرّوح لا تقع إلاّ بعد ألم عظيم تذوقه الرّوح والجسد جميعا، فإنّ الرّوح قد تعلّقت بهذا الجسد وألفته، واشتدّت ألفتها له وامتزاجها به ودخولها فيه، حتّى صارا كالشيء الواحد، فلا يتفارقان إلاّ بجهد شديد وألم عظيم، ولم يذق ابن آدم في حياته ألما مثله، وإلى ذلك الإشارة بقول الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. قال الرّبيع بن خثيم: أكثروا من ذكر هذا الموت؛ فإنّكم لم تذوقوا قبله مثله. ويتزايد الألم بمعرفة المحتضر بأنّ جسده إذا فارقته الرّوح صار جيفة مستقذرة يأكله الهوامّ، ويبليه التّراب حتّى يعود ترابا، وأنّ الرّوح المفارقة له لا تدري أين مستقرّها، هل هو في الجنّة أو النّار؟ فإن كان عاصيا مصرّا على المعصية إلى الموت، فربّما غلب على ظنّه أنّ روحه تصير إلى النّار، فتتضاعف بذلك حسرته وألمه، وربّما كشف له مع ذلك عن مقعده من النّار فيراه أو يبشّر بذلك، فيجتمع له مع كرب الموت وألمه العظيم معرفته بسوء مصيره، وهذا هو المراد بقول الله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] على ما فسّره به كثير من السّلف، فيجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت، فلا تسأل عن سوء حاله.

стр. 168

وقد سمّى الله ذلك سكرة؛ لأنّ ألم الموت مع ما ينضمّ إليه يسكر صاحبه فيغيب عقله غالبا، قال الله تعالى: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. ألا للموت كأس أيّ كأس … وأنت لكأسه لا بدّ حاسي إلى كم والممات إلى قريب … تذكّر بالممات وأنت ناسي وقد أمر النّبيّ ﷺ بكثرة ذكر الموت، فقال: «أكثروا ذكر هاذم اللّذّات، الموت» (١). وفي حديث مرسل أنّه ﷺ مرّ بمجلس قد استعلاه الضّحك، فقال: «شوبوا مجلسكم بذكر مكدّر اللّذّات» (٢) الموت. وفي الإكثار من ذكر الموت فوائد؛ منها: أنّه يحثّ على الاستعداد له قبل نزوله، ويقصّر الأمل، ويرضي بالقليل من الرّزق، ويزهّد في الدّنيا، ويرغّب في الآخرة، ويهوّن مصائب الدّنيا، ويمنع من الأشر والبطر والتّوسّع في لذّات الدّنيا. وفي حديث أبي ذرّ المرفوع الذي خرّجه ابن حبّان في «صحيحه» وغيره: «إنّ صحف موسى ﵇ كانت عبرا فيها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح! عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك! عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب! عجبت لمن رأى الدّنيا وسرعة تقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها!» (٣). وقد روي أنّ الكنز الذي كان للغلامين كان لوحا من ذهب مكتوب فيه هذا أيضا.

стр. 169

قال الحسن: إنّ هذا الموت قد أفسد على أهل النّعيم نعيمهم، فالتمسوا عيشا لا موت فيه. وقال: فضح الموت الدنيا فلم يدع لذي لبّ بها فرحا. وقال غيره: ذهب ذكر الموت بلذاذة كلّ عيش، وسرور كلّ نعيم، ثم بكى. وقال: واها لدار لا موت فيها. اذكر الموت هاذم اللّذّات … وتهيّأ لمصرع سوف ياتي غيره: يا غافل القلب عن ذكر المنيّات … عمّا قليل ستلقى بين أموات فاذكر محلّك من قبل الحلول به … وتب إلى الله من لهو ولذّات إنّ الحمام له وقت إلى أجل … فاذكر مصائب أيّام وساعات لا تطمئنّ إلى الدّنيا وزينتها … قد آن للموت يا ذا اللّبّ أن ياتي قال بعض السّلف: شيئان قطعا عنّي لذاذة الدنيا؛ ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله . وكيف يلذّ العيش من كان موقنا … بأنّ المنايا بغتة ستعاجله وكيف يلذّ العيش من كان موقنا … بأنّ إله الخلق لا بدّ سائله قال أبو الدّرداء: كفى بالموت واعظا، وكفى بالدّهر مفرّقا، اليوم في الدّور، وغدا في القبور. اذكر الموت وداوم ذكره … إنّ في الموت لذي اللّبّ عبر وكفى بالموت فاعلم واعظا … لمن الموت عليه قد قدر غفلة الإنسان عن الموت مع أنّه لا بدّ له منه من العجب. والموجب لها طول الأمل:

стр. 170

كلّنا في غفلة والموت … يغدو ويروح لبني الدّنيا من الموت … غبوق وصبوح سيصير المرء يوما … جسدا ما فيه روح بين عيني كلّ حيّ … علم الموت يلوح نح على نفسك يا مسكين … إن كنت تنوح لتموتنّ ولو عمّرت … ما عمّر نوح لمّا كان الموت مكروها بالطّبع، لما فيه من الشّدّة والمشقّة العظيمة، لم يمت نبيّ من الأنبياء حتّى يخيّر، ولذلك وقع التردّد فيه في حقّ المؤمن، كما في حديث أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ : «يقول الله : وما تردّدت عن شيء أنا فاعله، تردّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدّ له منه» (١). قال ابن أبي مليكة: لمّا قبض إبراهيم ﵇ قال الله : كيف وجدت الموت؟ قال: يا رب، كأن نفسي تنزع بالسّلى، فقال: هذا وقد هوّنا عليك الموت! وقال أبو إسحاق: قيل لموسى ﵇: كيف وجدت طعم الموت؟ قال: وجدته كسفّود أدخل في صوف فاجتذب. قال: هذا وقد هوّنّا عليك الموت! ويروى أنّ عيسى ﵇ كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دما، وكان يقول للحواريّين: ادعوا الله أن يخفّف عنّي الموت، فلقد خفت الموت خوفا أوقعني مخافة الموت على الموت.

стр. 171

كيف يطمع في البقاء وما من الأنبياء إلاّ مات؟ أم كيف يؤمن هجوم المنايا ولم يسلم الأصفياء والأحباء؟ هيهات هيهات. قد مات كلّ نبيّ … ومات كلّ نبيه ومات كلّ شريف … وعاقل وسفيه لا يوحشنك طريق … كلّ الخلائق فيه أوّل ما أعلم النّبيّ ﷺ من انقضاء عمره باقتراب أجله بنزول سورة: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النّصر: ١] (١). فإن المراد من هذه السّورة أنّك يا محمّد، إذا فتح الله عليك البلاد، ودخل النّاس في دينك الذي دعوتهم إليه أفواجا فقد اقترب أجلك. فتهيّأ للقائنا بالتّحميد والاستغفار، فإنّه قد حصل منك مقصود ما أمرت به من أداء الرّسالة والتّبليغ، وما عندنا لك خير من الدّنيا، فاستعدّ للنّقلة إلينا. قال ابن عبّاس: لمّا نزلت هذه السورة نعيت لرسول الله ﷺ نفسه، فأخذ في أشدّ ما كان اجتهادا في أمر الآخرة. وروي في حديث أنّه تعبّد حتّى صار كالشّنّ البالي، وكان يعرض القرآن كلّ عام على جبريل مرّة، فعرضه ذلك العام مرّتين، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان كلّ عام، فاعتكف في ذلك العام عشرين، وأكثر من الذّكر والاستغفار. قالت أمّ سلمة: كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد

стр. 172

ولا يذهب ولا يجيء إلاّ قال: «سبحان الله وبحمده». فذكرت ذلك له، فقال: «إنّي أمرت بذلك وتلا هذه السّورة (١). وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل موته: «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه». فقلت له: إنّك تدعو بدعاء لم تكن تدعو به قبل اليوم، قال: «إنّ ربّي أخبرني أنّي سأرى علما في أمّتي، وأنّي إذا رأيته أن أسبّح بحمده وأستغفره، وقد رأيته» (٢). ثمّ تلا هذه السورة. إذا كان سيّد المحسنين يؤمر بأن يختم أعماله بالحسنى، فكيف يكون حال المذنب المسيء المتلوّث بالذّنوب المحتاج إلى التّطهير؟ من لم ينذره باقتراب أجله وحي، أنذره الشّيب وسلب أقرانه بالموت. كفى مؤذنا باقتراب الأجل … شباب تولّى وشيب نزل وموت اللّذّات هل (٣) … بعده بقاء يؤمّله من عقل إذا ارتحلت قرناء الفتى … على حكم ريب المنون ارتحل قال وهيب بن الورد: إنّ لله ملكا ينادي في السّماء كلّ يوم وليلة أبناء الخمسين: زرع دنا حصاده، أبناء الستين: هلمّوا إلى الحساب؛ أبناء السبعين: ماذا قدّمتم، وماذا أخّرتم؟ أبناء الثمانين: لا عذر لكم. وعن وهب، قال: ينادي مناد: أبناء الستين! عدّوا أنفسكم في الموتى. وفي «صحيح البخاري»، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: «أعذر الله إلى من بلغه ستين من عمره» (٤). وفي حديث آخر: «إذا كان يوم القيامة

стр. 173

نودي: أين أبناء السّتين؟ وهو العمر الذي قال الله تعالى فيه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]» (١). وفي الترمذي عنه ﷺ ، قال: «أعمار أمّتي ما بين السّتين إلى السّبعين، وأقلّهم من يجوز ذلك» (٢). وفي حديث آخر: «معترك المنايا ما بين السّتين إلى السّبعين» (٣). وفي حديث آخر: «إنّ لكلّ شيء حصادا، وحصاد أمّتي ما بين السّتين إلى السّبعين» (٤). وفي هذا المعترك قبض النبي ﷺ . قال سفيان الثوريّ: من بلغ سنّ رسول الله ﷺ فليتّخذ لنفسه كفنا. وإنّ امرأ قد سار ستّين حجّة … إلى منهل من ورده لقريب قال الفضيل لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة. قال له: أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربّك، يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنّا لله وإنا إليه راجعون، فقال فضيل: من علم أنّه لله عبد وأنّه إليه راجع، فليعلم أنّه موقوف، وأنّه مسئول، فليعدّ للمسألة جوابا، فقال له الرّجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنّك: إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقي. خذ في جدّ فقد تولّى العمر … كم ذا التّفريط قد تدانى الأمر أقبل فعسى يقبل منك العذر … كم تبني كم تنقض كم ذا الغدر

стр. 174

وما زال ﷺ يعرّض باقتراب أجله في آخر عمره، فإنّه لمّا خطب في حجّة الوداع، قال للنّاس: «خذوا عنّي مناسككم، فلعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا» (١). وطفق يودّع النّاس، فقالوا: هذه حجّة الوداع. فلمّا رجع من حجّته إلى المدينة جمع النّاس بماء يدعى خمّا في طريقه بين مكّة والمدينة، فخطبهم وقال: «أيّها النّاس، إنّما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب» (٢) ثمّ حضّ على التّمسّك بكتاب الله، ووصّى بأهل بيته. ثمّ إنّه لما بدأ به مرض الموت خيّر بين لقاء الله وبين زهرة الدّنيا والبقاء فيها ما شاء الله، فاختار لقاء الله، وخطب النّاس وأشار إليهم بذلك إشارة من غير تصريح. وكان ابتداء مرضه في أواخر شهر صفر، وكانت مدّة مرضه ثلاثة عشر يوما في المشهور. وقيل: أربعة عشر يوما. وقيل: اثنا عشر يوما. وقيل: عشرة أيام، وهو غريب. وكانت خطبته التي خطب بها في حديث أبي سعيد هذا الذي نتكلّم عليه هاهنا في ابتداء مرضه. ففي «المسند»، «صحيح ابن حبان»، عن أبي سعيد، قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه وهو معصوب الرأس، فقام على المنبر، فقال: «إنّ عبدا عرضت عليه الدّنيا وزينتها، فاختار الآخرة». قال: فلم يفطن لها أحد من القوم إلاّ أبو بكر، فقال: بأبي وأمّي، بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. قال: ثمّ هبط عن المنبر فما رئي عليه حتّى السّاعة (٣).

стр. 175

وفي «المسند» عن أبي مويهبة، أنّ النبيّ ﷺ خرج ليلة إلى البقيع، فاستغفر لأهل البقيع، وقال: «ليهنكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح فيه النّاس، أقبلت الفتن كقطع اللّيل المظلم، يتبع بعضها بعضا، يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شرّ من الأولى». ثمّ قال: «يا أبا مويهبة، إنّي قد أعطيت خزائن الدّنيا والخلد ثم الجنّة، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربّي، فاخترت لقاء ربّي والجنّة»، ثمّ انصرف. فابتدأ وجعه الذي قبضه الله فيه (١). لمّا قويت معرفة الرّسول ﷺ بربّه، ازداد حبّه له وشوقه إلى لقائه، فلمّا خير بين البقاء في الدّنيا وبين لقاء ربّه، اختار لقاءه على خزائن الدّنيا والبقاء فيها. سئل الشّبليّ: هل يقنع المحبّ بشيء من حبيبه دون مشاهدته؟ فأنشد: والله لو أنّك توّجتني … بتاج كسرى ملك المشرق ولو بأموال الورى جدت لي … أموال من باد ومن قد بقي وقلت لي لا نلتقي ساعة … اخترت يا مولاي أن نلتقي لمّا عرّض الرسول ﷺ على المنبر باختياره اللّقاء على البقاء ولم يصرّح، خفي المعنى على كثير ممّن سمع، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ [التّوبة: الآية ٤٠]. وكان أعلم الأمّة بمقاصد الرّسول ﷺ ، فلمّا فهم المقصود من هذه الإشارة بكى، وقال: بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا، فسكّن الرسول ﷺ جزعه، وأخذ في مدحه والثّناء عليه على المنبر، ليعلم النّاس كلّهم فضله، فلا يقع عليه اختلاف في خلافته، فقال: «إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبو بكر» (٢).

стр. 176

وفي رواية أخرى أنّه قال: «ما لأحد عندنا يد إلاّ وقد كافأناه، ما خلا أبا بكر، فإنّ له عندنا يدا يكافئه الله يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قطّ ما نفعني مال أبي بكر» (١)، خرّجه الترمذيّ. ثم قال رسول الله ﷺ : «لو كنت متّخذا من أهل الأرض خليلا، لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام» (٢). لمّا كان الرّسول ﷺ خليل الله، لم يصلح له أن يخالل مخلوقا، فإنّ الخليل من جرت محبّة خليله منه مجرى الرّوح، ولا يصلح هذا لبشر، كما قيل: قد تخلّلت مسلك الرّوح منّي … وبذا سمّي الخليل خليلا ولهذا المعنى قيل: إنّ إبراهيم الخليل ﵇ أمر بذبح ولده، ولم يكن المقصود إراقة دم الولد، بل تفريغ محلّ الخلّة لمن لا يصلح أن يزاحمه فيها أحد أروح وقد ختمت على فؤادي … بحبّك أن يحلّ به سواكا فلو أنّي استطعت غضضت طرفي … فلم أنظر به حتّى أراكا ثم قال ﷺ : «لا يبقينّ خوخة في المسجد إلا سدّت إلاّ خوخة أبي بكر» (٢). وفي رواية: «سدّوا هذه الأبواب الشّارعة في المسجد إلاّ باب أبي بكر» (٣). وفي هذا إشارة إلى أنّ أبا بكر هو الإمام بعده؛ فإنّ الإمام يحتاج إلى سكنى

стр. 177

المسجد والاستطراق فيه، بخلاف غيره، وذلك من مصالح المسلمين المصلّين في المسجد، ثمّ أكّد هذا المعنى بأمره صريحا أن يصلّي بالناس أبو بكر، فروجع في ذلك فغضب، وقال: «مروا أبا بكر يصلّي بالنّاس» (١)، فولاّه إمامة الصّلاة دون غيره، وأبقى استطراقه من داره إلى مكان الصلاة، وسدّ استطراق غيره. وفي هذا إشارة واضحة إلى استخلافه على الأمّة دون غيره، ولهذا قالت الصّحابة ﵃ عند بيعة أبي بكر: رضيه رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا. ولما قال أبو بكر: قد أقلتكم بيعتي، قال عليّ: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله ﷺ فمن ذا يؤخرك؟ لمّا انطوى بساط النّبوّة من الأرض بوفاة رسول الله ﷺ ، لم يبق على وجه الأرض أكمل من درجة الصّدّيقيّة، وأبو بكر رأس الصّدّيقين، فلهذا استحقّ خلافة الرّسول ﷺ والقيام مقامه. وكان النّبيّ ﷺ قد عزم على أن يكتب لأبي بكر كتابا لئلا يختلف عليه، ثمّ أعرض عن ذلك، لعلمه أنّه لا يقع غيره، وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٢) وربّما كان ترك ذلك لئلا يتوهّم متوهّم أنّ نصّه على خلافته كانت مكافأة ليده التي كانت له. والولايات كلّها لا يقصد بها مصلحة المولّي، بل مصلحة المسلمين عامّة. وكان أوّل ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من مرضه وجع رأسه، ولهذا خطب وقد عصب رأسه بعصابة دسماء، وكان صداع الرّأس والشّقيقة يعتريه كثيرا في حياته، ويتألّم منه أياما. وصداع الرأس من علامات أهل الإيمان وأهل الجنة.

стр. 178

وقد روي عن النّبيّ ﷺ أنه وصف أهل النّار فقال: «هم الذين لا يألمون رءوسهم» (١) ودخل عليه أعرابيّ، فقال له: «يا أعرابي، هل أخذك هذا الصّداع؟»، فقال: وما الصّداع؟ قال: «عروق تضرب على الإنسان في رأسه»، فقال: ما وجدت هذا. فلمّا ولّى الأعرابيّ، قال النبيّ ﷺ : «من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل النّار فلينظر إلى هذا» (٢). خرّجه الإمام أحمد، والنسائيّ. وقال كعب: أجد في التوراة: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حديد لا يصّدّع أبدا. وفي «المسند» عن عائشة ﵂، قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه، فقلت: وا رأساه! فقال: «وددت أنّ ذلك كان وأنا حيّ، فهيّأتك ودفنتك»، فقلت - غيرى -: كأنّي بك في ذلك اليوم عروسا ببعض نسائك، فقال: «أنا وا رأساه، وادعوا إليّ أباك وأخاك حتّى أكتب لأبي بكر كتابا، فإنّي أخاف أن يقول قائل ويتمنّى متمنّ، ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر» (٣). وخرّجه البخاريّ بمعناه، ولفظه: أنّ عائشة ﵂، قالت: وا رأساه فقال النبي ﷺ : «ذاك لو كان وأنا حيّ، فأستغفر لك وأدعو لك»، قالت عائشة: وا ثكلاه! والله إنّي لأظنّك تحبّ موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرّسا

стр. 179

ببعض أزواجك. فقال النّبيّ ﷺ : «بل أنا وا رأساه!» (١)، وذكر بقيّة الحديث. وفي «المسند» أيضا عنها، قالت: كان رسول الله ﷺ . إذا مرّ ببابي ربما يلقي الكلمة ينفع الله بها، فمرّ ذات يوم فلم يقل شيئا، مرتين، أو ثلاثا. قلت: يا جارية، ضعي لي وسادة على الباب، وعصبت رأسي، فمرّ بي فقال: «يا عائشة، ما شأنك؟»، فقلت: أشتكي رأسي، فقال: «أنا وا رأساه!»، فذهب فلم يلبث إلاّ يسيرا حتّى جيء به محمولا في كساء، فدخل عليّ، فبعث إلى النساء، وقال: «إنّي اشتكيت، وإنّي لا أستطيع أن أدور بينكنّ، فأذنّ لي فلأكن عند عائشة» (٢). وفيه أيضا عنها، قالت: رجع إليّ رسول الله ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه! قال: «بل أنا وا رأساه!»، ثمّ قال: «ما ضرّك لو متّ قبلي فغسّلتك وكفّنتك، ثم صلّيت عليك ودفنتك؟»، فقلت: لكأنّي بك والله لو فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسّم رسول الله ﷺ ثمّ بدئ في وجعه الذي مات فيه (٣). فقد تبيّن أنّ أوّل مرضه كان صداع الرأس، والظّاهر أنّه كان مع حمّى، فإنّ الحمّى اشتدّت به في مرضه، فكان يجلس في مخضب، ويصبّ عليه الماء من سبع قرب، لم تحلل أوكيتهنّ؛ يتبرّد بذلك. وكان عليه قطيفة، فكانت حرارة

стр. 180

الحمّى تصيب من وضع يده عليه من فوقها، فقيل له في ذلك، فقال: «إنّا كذلك يشدّد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر» (١). وقال: «إنّي أوعك كما يوعك رجلان منكم» (٢). ومن شدّة وجعه كان يغمى عليه في مرضه، ثم يفيق، وحصل له ذلك غير مرّة، فأغمي عليه مرّة وظنّوا أنّ وجعه ذات الجنب، فلدّوه، فلمّا أفاق أنكر ذلك، وأمر أن يلدّ من لدّه، وقال: «إنّ الله لم يكن ليسلّطها عليّ» يعني ذات الجنب، «ولكنّه من الأكلة الّتي أكلتها يوم خيبر»، يعني أنّه نقض عليه سمّ الشّاة التي أهدتها له اليهوديّة، فأكل منها يومئذ، فكان ذلك يثور عليه أحيانا، فقال في مرض موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري» (٣) فكان ابن مسعود وغيره. يقولون: إنّه مات شهيدا من السّمّ. وقالت عائشة: ما رأيت أحدا كان أشدّ عليه الوجع من رسول الله ﷺ ، وكان عنده في مرضه سبعة دنانير؛ فكان يأمرهم بالصّدقة بها، ثم يغمى عليه، فيشتغلون بوجعه، فدعا بها فوضعها في كفّه، وقال: «ما ظنّ محمّد بربّه لو لقي الله وعنده هذه؟» (٤)، ثمّ تصدّق بها كلّها، فكيف يكون حال من لقي الله وعنده دماء المسلمين وأموالهم المحرّمة؟! وما ظنّه بربّه ولم يكن عندهم في مرضه دهن للمصباح يوقد فيه. فلمّا اشتدّ وجعه ليلة الاثنين أرسلت عائشة بالمصباح إلى امرأة من النّساء،

стр. 181

فقالت: قطّري لنا في مصباحنا من عكّة السّمن، فإنّ رسول الله ﷺ أمسى في جديد الموت. وكان عند عائشة إزار غليظ مما يصنع باليمن، وكساء من الملبّدة، فكانت تقسم بالله إنّ رسول الله ﷺ قبض فيهما. ودخلت عليه فاطمة ﵂ في مرضه، فسارّها بشيء فبكت، ثم سارّها فضحكت، فسئلت عن ذلك، فقالت: لا أفشي سرّ رسول الله ﷺ (١). فلمّا توفي سئلت، فقلت: أخبرني أنّه يموت في مرضه، فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله لحوقا به، وأنّي سيّدة نساء العالمين، فضحكت، فلمّا احتضر ﷺ اشتدّ به الأمر، فقالت عائشة: ما أغبط أحدا يهوّن عليه الموت بعد الذي رأيت من شدّة موت رسول الله ﷺ . قالت: وكان عنده قدح من ماء، فيدخل يده في القدح، ثمّ يمسح وجهه بالماء، ويقول: «اللهمّ، أعنّي على سكرات الموت» (٢)، قالت: وجعل يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات». وفي حديث مرسل أنه قال: «اللهم إنك تأخذ الرّوح من بين العصب والقصب والأنامل، اللهم فأعنّي على الموت وهوّنه عليّ». ولمّا ثقل النّبيّ ﷺ جعل تغشّاه الكرب، قالت فاطمة ﵂: وا كرب أبتاه، فقال لها: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» (٣). وفي حديث خرّجه ابن ماجه أنّه ﷺ قال لفاطمة: «إنّه قد حضر من أبيك ما ليس الله بتارك منه أحدا، الموافاة يوم القيامة» (٤).

стр. 182

ولم يقبض ﷺ حتّى خيّر مرّة أخرى بين الدّنيا والآخرة؛ قالت عائشة: كان النّبيّ ﷺ يقول: «إنّه لم يقبض نبيّ حتّى يرى مقعده من الجنّة، ثمّ يخيّر» (١). فلمّا نزل به ورأسه على فخذي، غشي عليه ساعة، ثمّ أفاق، فأشخص بصره إلى سقف البيت، ثم قال: «اللهمّ، الرفيق الأعلى» (٢). فقلت: الآن لا يختارنا، وعلمت أنّه الحديث الذي كان يحدّثناه، وهو صحيح. فكانت تلك آخر كلمة تكلّم بها. وفي رواية أنّه قال: «اللهمّ اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرّفيق الأعلى» (٣). وفي رواية أنّه أصابه بحّة شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ [النّساء: ٦٩]. قالت: فظننت أنّه خيّر (٤). وهذه الرّوايات مخرّجة في «صحيح البخاري» وغيره. وقد روي ما يدلّ على أنّه قبض، ثم رأى مقعده من الجنّة، ثمّ ردّت إليه نفسه، ثمّ خيّر. ففي «المسند» عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبيّ إلاّ تقبض نفسه، ثمّ يرى الثواب، ثمّ تردّ إليه، فيخيّر بين أن تردّ إليه أو أن يلحق». فكنت قد حفظت ذلك منه، فإنّي لمسندته إلى صدري، فنظرت إليه حتى مالت عنقه، فقلت: قد قضى. قالت: فعرفت الّذي قال: فنظرت إليه حتّى ارتفع ونظر، فقلت: إذا والله لا يختارنا، فقال: «مع الرفيق الأعلى في الجنّة ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ٦٩]» (٥).

стр. 183

وفي «صحيح ابن حبّان» عنها، قالت: أغمي على رسول الله ﷺ ، ورأسه في حجري، فجعلت أمسحه وأدعو له بالشّفاء؛ فلمّا أفاق، قال: «لا بل أسأل الله الرّفيق الأعلى، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل» (١). وفيه، وفي «المسند» عنها، أنّها كانت ترقيه في مرضه الّذي مات فيه، فقال: «ارفعي يدك فإنّها كانت تنفعني في المدّة» (٢). قال الحسن: لمّا كرهت الأنبياء الموت هوّن الله ذلك عليهم بلقاء الله ، وبكلّ ما أحبّوا من تحفة أو كرامة، حتى إنّ نفس أحدهم لتنزع من بين جنبيه وهو يحبّ ذلك، لما قد مثّل له. وفي «المسند» عن عائشة ﵂، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّه ليهوّن عليّ الموت أنّي رأيت بياض كفّ عائشة في الجنّة» (٣). وخرّجه ابن سعد وغيره مرسلا أنّه ﷺ ، قال: «لقد أريتها في الجنّة، ليهوّن بذلك عليّ موتي، كأنّي أرى كفّيها» (٤) يعني عائشة. كان النّبيّ ﷺ يحبّ عائشة ﵂ حبّا شديدا، حتّى لا يكاد يصبر عنها، فمثلت له بين يديه في الجنّة ليهوّن عليه موته؛ فإنّ العيش إنّما يطيب (٥) باجتماع الأحبّة، وقد سأله رجل: أيّ النّاس أحبّ إليك؟ فقال: «عائشة»، فقال له: فمن الرّجال؟ قال: «أبوها» (٦). ولهذا قال لها في ابتداء مرضه، لمّا قالت: وا رأساه: «وددت أنّ ذلك كان وأنا حيّ، فأصلّي عليك وأدفنك» فعظم ذلك

стр. 184

عليها، وظنّت أنّه يحبّ فراقها. وإنّما كان يريد تعجيلها بين يديه ليقرب اجتماعهما. وقد كانت عائشة مضغت له ﷺ سواكا وطيّبته بريقها، ثمّ دفعته إليه، فاستنّ به أحسن استنان، ثمّ ذهب يتناوله، فضعفت يده عنه، فسقط من يده، فكانت عائشة تقول: جمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدّنيا، وأوّل يوم من الآخرة (١). والحديث مخرّج في «الصحيحين». وفي حديث خرّجه العقيليّ أنّه ﷺ قال لها في مرضه: «ائتيني بسواك رطب، امضغيه ثم ائتيني به أمضغه لكي يختلط ريقي بريقك، لكي يهوّن به عليّ عند الموت» (٢). قال جعفر بن محمد، عن أبيه: لمّا بقي من أجل رسول الله ﷺ ثلاث نزل عليه جبريل ﵇، فقال: يا أحمد، إنّ الله قد أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا لك، وخاصة لك، يسألك عمّا هو أعلم به منك، يقول لك: كيف تجدك؟ فقال: «أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا»؛ ثم أتاه في اليوم الثاني، فقال له مثل ذلك؛ ثمّ أتاه في اليوم الثالث، فقال له مثل ذلك، ثم استأذن فيه ملك الموت، فقال جبريل: يا أحمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي كان قبلك، ولا يستأذن على آدميّ بعدك، قال: «ائذن له»، فدخل ملك الموت، فوقف بين يديه، فقال: يا رسول الله، يا أحمد، إنّ الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كلّ ما تأمر؛ إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها؟

стр. 185

قال: «وتفعل يا ملك الموت؟»، قال: بذلك أمرت أن أطيعك في كلّ ما تأمرني به. فقال جبريل: يا أحمد، إنّ الله قد اشتاق إليك. قال: «فامض يا ملك الموت لما أمرت به»، فقال جبريل ﵇: السّلام عليك يا رسول الله، هذا آخر موطئي من الأرض، إنّما كنت حاجتي من الدّنيا. وجاءت التّعزية يسمعون الصّوت والحسّ ولا يرون الشّخص: السّلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، إن في الله عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركا من كلّ فائت، فبالله فثقوا، وإيّاه فارجوا، إنّما المصاب من حرم الثّواب، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١). وكانت وفاته ﷺ في يوم الإثنين في شهر ربيع الأوّل بغير خلاف، وكان قد كشف السّتر في ذلك اليوم والنّاس في صلاة الصّبح خلف أبي بكر، فهمّ المسلمون أن يفتتنوا من فرحهم برؤيته ﷺ ، حين نظروا إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف، وظنّوا أنّه يخرج للصّلاة، فأشار إليهم: «أن مكانكم»، ثم أرخى السّتر. وتوفي ﷺ من ذلك اليوم، وظنّ المسلمون أنّه ﷺ قد برئ من مرضه لمّا أصبح يوم الإثنين مفيقا، فخرج أبو بكر إلى منزله بالسّنح خارج المدينة، فلما ارتفع الضّحى من ذلك اليوم توفي رسول الله ﷺ . وقيل: توفي حين زاغت

стр. 186

الشّمس والأوّل أصحّ، توفي حين اشتدّ الضّحى من يوم الإثنين في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة حين هاجر إليها. واختلفوا في تعيين ذلك اليوم من الشهر: فقيل: كان أوّله. وقيل: ثانيه. وقيل: ثاني عشره. وقيل: ثالث عشره. وقيل: خامس عشره. والمشهور بين النّاس أنّه كان ثاني عشر ربيع الأوّل. وقد ردّ ذلك السّهيليّ وغيره، بأن وقفة حجّة الوداع في السّنة العاشرة كانت الجمعة، وكان أوّل ذي الحجة فيها الخميس، ومتى كان كذلك لم يصحّ أن يكون يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، سواء حسبت الشّهور الثّلاثة - أعني ذا الحجّة ومحرّما وصفرا - كلها كاملة أو ناقصة، أو بعضها كاملة وبعضها ناقصة. ولكن أجيب عن هذا بجواب حسن، وهو أنّ ابن إسحاق ذكر أنّ النّبيّ ﷺ توفي لاثنتي عشرة ليلة من ربيع الأوّل، وهذا ممكن، فإنّ العرب تؤرّخ بالليالي دون الأيّام، ولكن لا تؤرّخ إلا بليلة مضى يومها، فيكون اليوم تبعا لليلة، وكلّ ليلة لم يمض يومها لم يعتدّ بها، وكذلك إذا ذكروا الليالي في عدد فإنّهم يريدون بها الليالي مع أيامهم، فإذا قالوا: عشر ليال، فمرادهم بأيّامها. ومن هنا تتبيّن صحّة قول الجمهور في أنّ عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشر ليال بأيّامها، وأنّ اليوم العاشر من جملة تمام العدّة، خلافا للأوزاعيّ. وكذلك قال الجمهور في أشهر الحجّ: إنّها شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وأنّ يوم النّحر داخل فيها لهذا المعنى، خلافا للشافعيّ. وحينئذ فيوم الإثنين الذي توفي فيه النّبيّ ﷺ كان ثالث عشر الشهر، لكن لمّا لم يكن يومه قد مضى لم يؤرّخ بليلته، إنّما أرّخوا بليلة الأحد ويومها،

стр. 187

وهو الثاني عشر، فلذلك قال ابن إسحاق: توفي لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأوّل. والله أعلم. واختلفوا في وقت دفنه: فقيل: دفن من ساعته، وفيه بعد. وقيل: من ليلة الثلاثاء. وقيل: يوم الثلاثاء. وقيل: ليلة الأربعاء. ولمّا توفي ﷺ اضطرب المسلمون؛ فمنهم من دهش فخولط؛ ومنهم من أقعد فلم يطق القيام؛ ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكليّة، وقال: إنّما بعث إليه كما بعث إلى موسى، وكان من هؤلاء عمر، وبلغ الخبر أبا بكر، فأقبل مسرعا حتّى دخل بيت عائشة ورسول الله ﷺ مسجّى، فكشف عن وجهه الثّوب وأكبّ عليه، وقبّل وجهه مرارا وهو يبكي، وهو يقول: وا نبيّاه! وا خليلاه! وا صفياه! وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله رسول الله ﷺ . وقال: والله لا يجمع الله عليك موتتين، أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد متّها. ثمّ دخل المسجد وعمر يكلّم النّاس، وهم مجتمعون عليه، فتكلّم أبو بكر وتشهّد، وحمد الله، فأقبل النّاس إليه، وتركوا عمر. فقال: من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنّ الله حيّ لا يموت، وتلا: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤]. فاستيقن النّاس كلّهم بموته وكأنّهم لم يسمعوا هذه الآية من قبل أن يتلوها أبو بكر، فتلقّاها النّاس منه، فما يسمع أحد إلاّ يتلوها (١). وقالت فاطمة ﵂: يا أبتاه، أجاب ربّا دعاه. يا أبتاه، جنّة الفردوس

стр. 188

مأواه. يا أبتاه، إلى جبريل أنعاه. يا أبتاه، من ربّه ما أدناه (١). وعاشت بعده ستة أشهر، فما ضحكت في تلك المدّة، وحقّ لها ذلك. على مثل ليلى يقتل المرء نفسه … وإن كان من ليلى على الهجر طاويا كلّ المصائب تهون عند هذه المصيبة. في «سنن ابن ماجه» أنّه ﷺ قال في مرضه: «يا أيّها النّاس، إن أحد من النّاس - أو: من المؤمنين - أصيب بمصيبة، فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإنّ أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي» (٢). قال أبو الجوزاء: كان الرّجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه، ويقول: يا عبد الله، ثق بالله، فإنّ في رسول الله ﷺ أسوة حسنة. اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد … واعلم بأنّ المرء غير مخلّد واصبر كما صبر الكرام فإنّها … نوب تنوب اليوم تكشف في غد وإذا أتتك مصيبة تشجى بها … فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد ولغيره: تذكّرت لمّا فرّق الدّهر بيننا … فعزّيت نفسي بالنّبيّ محمّد وقلت لها إنّ المنايا سبيلنا … فمن لم يمت في يومه مات في غد
следующие страницы →