← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1144

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عوض الله

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (586 стр.). Показаны 181–220 · переход к 186.

стр. 181

فقالت: قطّري لنا في مصباحنا من عكّة السّمن، فإنّ رسول الله ﷺ أمسى في جديد الموت. وكان عند عائشة إزار غليظ مما يصنع باليمن، وكساء من الملبّدة، فكانت تقسم بالله إنّ رسول الله ﷺ قبض فيهما. ودخلت عليه فاطمة ﵂ في مرضه، فسارّها بشيء فبكت، ثم سارّها فضحكت، فسئلت عن ذلك، فقالت: لا أفشي سرّ رسول الله ﷺ (١). فلمّا توفي سئلت، فقلت: أخبرني أنّه يموت في مرضه، فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله لحوقا به، وأنّي سيّدة نساء العالمين، فضحكت، فلمّا احتضر ﷺ اشتدّ به الأمر، فقالت عائشة: ما أغبط أحدا يهوّن عليه الموت بعد الذي رأيت من شدّة موت رسول الله ﷺ . قالت: وكان عنده قدح من ماء، فيدخل يده في القدح، ثمّ يمسح وجهه بالماء، ويقول: «اللهمّ، أعنّي على سكرات الموت» (٢)، قالت: وجعل يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات». وفي حديث مرسل أنه قال: «اللهم إنك تأخذ الرّوح من بين العصب والقصب والأنامل، اللهم فأعنّي على الموت وهوّنه عليّ». ولمّا ثقل النّبيّ ﷺ جعل تغشّاه الكرب، قالت فاطمة ﵂: وا كرب أبتاه، فقال لها: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» (٣). وفي حديث خرّجه ابن ماجه أنّه ﷺ قال لفاطمة: «إنّه قد حضر من أبيك ما ليس الله بتارك منه أحدا، الموافاة يوم القيامة» (٤).

стр. 182

ولم يقبض ﷺ حتّى خيّر مرّة أخرى بين الدّنيا والآخرة؛ قالت عائشة: كان النّبيّ ﷺ يقول: «إنّه لم يقبض نبيّ حتّى يرى مقعده من الجنّة، ثمّ يخيّر» (١). فلمّا نزل به ورأسه على فخذي، غشي عليه ساعة، ثمّ أفاق، فأشخص بصره إلى سقف البيت، ثم قال: «اللهمّ، الرفيق الأعلى» (٢). فقلت: الآن لا يختارنا، وعلمت أنّه الحديث الذي كان يحدّثناه، وهو صحيح. فكانت تلك آخر كلمة تكلّم بها. وفي رواية أنّه قال: «اللهمّ اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرّفيق الأعلى» (٣). وفي رواية أنّه أصابه بحّة شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ [النّساء: ٦٩]. قالت: فظننت أنّه خيّر (٤). وهذه الرّوايات مخرّجة في «صحيح البخاري» وغيره. وقد روي ما يدلّ على أنّه قبض، ثم رأى مقعده من الجنّة، ثمّ ردّت إليه نفسه، ثمّ خيّر. ففي «المسند» عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبيّ إلاّ تقبض نفسه، ثمّ يرى الثواب، ثمّ تردّ إليه، فيخيّر بين أن تردّ إليه أو أن يلحق». فكنت قد حفظت ذلك منه، فإنّي لمسندته إلى صدري، فنظرت إليه حتى مالت عنقه، فقلت: قد قضى. قالت: فعرفت الّذي قال: فنظرت إليه حتّى ارتفع ونظر، فقلت: إذا والله لا يختارنا، فقال: «مع الرفيق الأعلى في الجنّة ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ٦٩]» (٥).

стр. 183

وفي «صحيح ابن حبّان» عنها، قالت: أغمي على رسول الله ﷺ ، ورأسه في حجري، فجعلت أمسحه وأدعو له بالشّفاء؛ فلمّا أفاق، قال: «لا بل أسأل الله الرّفيق الأعلى، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل» (١). وفيه، وفي «المسند» عنها، أنّها كانت ترقيه في مرضه الّذي مات فيه، فقال: «ارفعي يدك فإنّها كانت تنفعني في المدّة» (٢). قال الحسن: لمّا كرهت الأنبياء الموت هوّن الله ذلك عليهم بلقاء الله ، وبكلّ ما أحبّوا من تحفة أو كرامة، حتى إنّ نفس أحدهم لتنزع من بين جنبيه وهو يحبّ ذلك، لما قد مثّل له. وفي «المسند» عن عائشة ﵂، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّه ليهوّن عليّ الموت أنّي رأيت بياض كفّ عائشة في الجنّة» (٣). وخرّجه ابن سعد وغيره مرسلا أنّه ﷺ ، قال: «لقد أريتها في الجنّة، ليهوّن بذلك عليّ موتي، كأنّي أرى كفّيها» (٤) يعني عائشة. كان النّبيّ ﷺ يحبّ عائشة ﵂ حبّا شديدا، حتّى لا يكاد يصبر عنها، فمثلت له بين يديه في الجنّة ليهوّن عليه موته؛ فإنّ العيش إنّما يطيب (٥) باجتماع الأحبّة، وقد سأله رجل: أيّ النّاس أحبّ إليك؟ فقال: «عائشة»، فقال له: فمن الرّجال؟ قال: «أبوها» (٦). ولهذا قال لها في ابتداء مرضه، لمّا قالت: وا رأساه: «وددت أنّ ذلك كان وأنا حيّ، فأصلّي عليك وأدفنك» فعظم ذلك

стр. 184

عليها، وظنّت أنّه يحبّ فراقها. وإنّما كان يريد تعجيلها بين يديه ليقرب اجتماعهما. وقد كانت عائشة مضغت له ﷺ سواكا وطيّبته بريقها، ثمّ دفعته إليه، فاستنّ به أحسن استنان، ثمّ ذهب يتناوله، فضعفت يده عنه، فسقط من يده، فكانت عائشة تقول: جمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدّنيا، وأوّل يوم من الآخرة (١). والحديث مخرّج في «الصحيحين». وفي حديث خرّجه العقيليّ أنّه ﷺ قال لها في مرضه: «ائتيني بسواك رطب، امضغيه ثم ائتيني به أمضغه لكي يختلط ريقي بريقك، لكي يهوّن به عليّ عند الموت» (٢). قال جعفر بن محمد، عن أبيه: لمّا بقي من أجل رسول الله ﷺ ثلاث نزل عليه جبريل ﵇، فقال: يا أحمد، إنّ الله قد أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا لك، وخاصة لك، يسألك عمّا هو أعلم به منك، يقول لك: كيف تجدك؟ فقال: «أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا»؛ ثم أتاه في اليوم الثاني، فقال له مثل ذلك؛ ثمّ أتاه في اليوم الثالث، فقال له مثل ذلك، ثم استأذن فيه ملك الموت، فقال جبريل: يا أحمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي كان قبلك، ولا يستأذن على آدميّ بعدك، قال: «ائذن له»، فدخل ملك الموت، فوقف بين يديه، فقال: يا رسول الله، يا أحمد، إنّ الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كلّ ما تأمر؛ إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها؟

стр. 185

قال: «وتفعل يا ملك الموت؟»، قال: بذلك أمرت أن أطيعك في كلّ ما تأمرني به. فقال جبريل: يا أحمد، إنّ الله قد اشتاق إليك. قال: «فامض يا ملك الموت لما أمرت به»، فقال جبريل ﵇: السّلام عليك يا رسول الله، هذا آخر موطئي من الأرض، إنّما كنت حاجتي من الدّنيا. وجاءت التّعزية يسمعون الصّوت والحسّ ولا يرون الشّخص: السّلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، إن في الله عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركا من كلّ فائت، فبالله فثقوا، وإيّاه فارجوا، إنّما المصاب من حرم الثّواب، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١). وكانت وفاته ﷺ في يوم الإثنين في شهر ربيع الأوّل بغير خلاف، وكان قد كشف السّتر في ذلك اليوم والنّاس في صلاة الصّبح خلف أبي بكر، فهمّ المسلمون أن يفتتنوا من فرحهم برؤيته ﷺ ، حين نظروا إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف، وظنّوا أنّه يخرج للصّلاة، فأشار إليهم: «أن مكانكم»، ثم أرخى السّتر. وتوفي ﷺ من ذلك اليوم، وظنّ المسلمون أنّه ﷺ قد برئ من مرضه لمّا أصبح يوم الإثنين مفيقا، فخرج أبو بكر إلى منزله بالسّنح خارج المدينة، فلما ارتفع الضّحى من ذلك اليوم توفي رسول الله ﷺ . وقيل: توفي حين زاغت

стр. 186

الشّمس والأوّل أصحّ، توفي حين اشتدّ الضّحى من يوم الإثنين في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة حين هاجر إليها. واختلفوا في تعيين ذلك اليوم من الشهر: فقيل: كان أوّله. وقيل: ثانيه. وقيل: ثاني عشره. وقيل: ثالث عشره. وقيل: خامس عشره. والمشهور بين النّاس أنّه كان ثاني عشر ربيع الأوّل. وقد ردّ ذلك السّهيليّ وغيره، بأن وقفة حجّة الوداع في السّنة العاشرة كانت الجمعة، وكان أوّل ذي الحجة فيها الخميس، ومتى كان كذلك لم يصحّ أن يكون يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، سواء حسبت الشّهور الثّلاثة - أعني ذا الحجّة ومحرّما وصفرا - كلها كاملة أو ناقصة، أو بعضها كاملة وبعضها ناقصة. ولكن أجيب عن هذا بجواب حسن، وهو أنّ ابن إسحاق ذكر أنّ النّبيّ ﷺ توفي لاثنتي عشرة ليلة من ربيع الأوّل، وهذا ممكن، فإنّ العرب تؤرّخ بالليالي دون الأيّام، ولكن لا تؤرّخ إلا بليلة مضى يومها، فيكون اليوم تبعا لليلة، وكلّ ليلة لم يمض يومها لم يعتدّ بها، وكذلك إذا ذكروا الليالي في عدد فإنّهم يريدون بها الليالي مع أيامهم، فإذا قالوا: عشر ليال، فمرادهم بأيّامها. ومن هنا تتبيّن صحّة قول الجمهور في أنّ عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشر ليال بأيّامها، وأنّ اليوم العاشر من جملة تمام العدّة، خلافا للأوزاعيّ. وكذلك قال الجمهور في أشهر الحجّ: إنّها شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وأنّ يوم النّحر داخل فيها لهذا المعنى، خلافا للشافعيّ. وحينئذ فيوم الإثنين الذي توفي فيه النّبيّ ﷺ كان ثالث عشر الشهر، لكن لمّا لم يكن يومه قد مضى لم يؤرّخ بليلته، إنّما أرّخوا بليلة الأحد ويومها،

стр. 187

وهو الثاني عشر، فلذلك قال ابن إسحاق: توفي لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأوّل. والله أعلم. واختلفوا في وقت دفنه: فقيل: دفن من ساعته، وفيه بعد. وقيل: من ليلة الثلاثاء. وقيل: يوم الثلاثاء. وقيل: ليلة الأربعاء. ولمّا توفي ﷺ اضطرب المسلمون؛ فمنهم من دهش فخولط؛ ومنهم من أقعد فلم يطق القيام؛ ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكليّة، وقال: إنّما بعث إليه كما بعث إلى موسى، وكان من هؤلاء عمر، وبلغ الخبر أبا بكر، فأقبل مسرعا حتّى دخل بيت عائشة ورسول الله ﷺ مسجّى، فكشف عن وجهه الثّوب وأكبّ عليه، وقبّل وجهه مرارا وهو يبكي، وهو يقول: وا نبيّاه! وا خليلاه! وا صفياه! وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله رسول الله ﷺ . وقال: والله لا يجمع الله عليك موتتين، أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد متّها. ثمّ دخل المسجد وعمر يكلّم النّاس، وهم مجتمعون عليه، فتكلّم أبو بكر وتشهّد، وحمد الله، فأقبل النّاس إليه، وتركوا عمر. فقال: من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنّ الله حيّ لا يموت، وتلا: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤]. فاستيقن النّاس كلّهم بموته وكأنّهم لم يسمعوا هذه الآية من قبل أن يتلوها أبو بكر، فتلقّاها النّاس منه، فما يسمع أحد إلاّ يتلوها (١). وقالت فاطمة ﵂: يا أبتاه، أجاب ربّا دعاه. يا أبتاه، جنّة الفردوس

стр. 188

مأواه. يا أبتاه، إلى جبريل أنعاه. يا أبتاه، من ربّه ما أدناه (١). وعاشت بعده ستة أشهر، فما ضحكت في تلك المدّة، وحقّ لها ذلك. على مثل ليلى يقتل المرء نفسه … وإن كان من ليلى على الهجر طاويا كلّ المصائب تهون عند هذه المصيبة. في «سنن ابن ماجه» أنّه ﷺ قال في مرضه: «يا أيّها النّاس، إن أحد من النّاس - أو: من المؤمنين - أصيب بمصيبة، فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإنّ أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي» (٢). قال أبو الجوزاء: كان الرّجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه، ويقول: يا عبد الله، ثق بالله، فإنّ في رسول الله ﷺ أسوة حسنة. اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد … واعلم بأنّ المرء غير مخلّد واصبر كما صبر الكرام فإنّها … نوب تنوب اليوم تكشف في غد وإذا أتتك مصيبة تشجى بها … فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد ولغيره: تذكّرت لمّا فرّق الدّهر بيننا … فعزّيت نفسي بالنّبيّ محمّد وقلت لها إنّ المنايا سبيلنا … فمن لم يمت في يومه مات في غد

стр. 189

كانت الجمادات تتصدّع من ألم مفارقة الرّسول ﷺ ، فكيف بقلوب المؤمنين؟!. لما فقده الجذع الذي كان يخطب عليه قبل اتخاذ المنبر حنّ إليه، وصاح كما يصيح الصّبيّ، فنزل إليه فاعتنقه، فجعل يهدّى كما يهدّى الصبيّ الذي يسكّن عند بكائه، فقال: «لو لم أعتنقه لحنّ إلى يوم القيامة» (١). كان الحسن إذا حدّث بهذا الحديث بكى، وقال: هذه خشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ ، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه. وروي أنّ بلالا كان يؤذّن بعد وفاة النّبيّ ﷺ قبل دفنه، فإذا قال: أشهد أنّ محمّدا رسول الله، ارتجّ المسجد بالبكاء والنّحيب، فلمّا دفن ترك بلال الأذان. ما أمرّ عيش من فارق الأحباب، خصوصا من كانت رؤيته حياة الألباب. لو ذاق طعم الفراق رضوى … لكاد من وجده يميد قد حمّلوني عذاب شوق … يعجز عن حمله الحديد لمّا دفن الرّسول ﷺ ، قالت فاطمة: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التّراب؟ قال أنس: لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كلّ شيء، فلمّا كان اليوم الذي دفن فيه أظلم منها كلّ شيء (٢)، وما نفضنا [أيدينا] (٣) عن رسول الله ﷺ ، وإنّا لفي دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا.

стр. 190

ليبك رسول الله من كان باكيا … فلا تنس قبرا بالمدينة ثاويا جزى الله عنّا كلّ خير محمّدا … فقد كان مهديّا وقد كان هاديا وكان رسول الله روحا ورحمة … ونورا وبرهانا من الله باديا وكان رسول الله بالخير آمرا … وكان عن الفحشاء والسّوء ناهيا وكان رسول الله بالقسط قائما … وكان لما استرعاه مولاه راعيا وكان رسول الله يدعو إلى الهدى … فلبّى رسول الله لبّيه داعيا أينسى أبرّ النّاس بالنّاس كلّهم … وأكرمهم بيتا وشعبا وواديا أينسى رسول الله أكرم من مشى … وآثاره بالمسجدين كما هيا تكدّر من بعد النّبيّ محمّد … عليه سلام كلّ ما كان صافيا ركنّا إلى الدّنيا الدّنيّة بعده … وكشّفت الأطماع منّا مساويا وكم من منار كان أوضحه لنا … ومن علم أمسى وأصبح عافيا إذا المرء لم يلبس ثيابا من التّقى … تقلّب عريانا وإن كان كاسيا وخير خصال المرء طاعة ربّه … ولا خير فيمن كان لله عاصيا ***

стр. 191

وظيفة شهر رجب خرّجا في «الصحيحين» من حديث أبي بكرة أنّ النبيّ ﷺ خطب في حجّة الوداع فقال في خطبته: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض، السّنة اثنا عشر شهرا؛ منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» (١) وذكر الحديث. قال الله : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. فأخبر سبحانه أنّه منذ خلق السّماوات والأرض وخلق اللّيل والنّهار يدوران في الفلك، وخلق ما في السّماء من الشّمس والقمر والنّجوم، وجعل الشّمس والقمر يسبحان في الفلك، فينشأ منهما ظلمة اللّيل وبياض النّهار؛ فمن حينئذ جعل السّنة اثني عشر شهرا بحسب الهلال. فالسنة في الشرع مقدّرة بسير القمر وطلوعه، لا بسير الشمس وانتقالها، كما يفعله أهل الكتاب. وجعل الله تعالى من هذه الأشهر أربعة أشهر حرما، وقد فسّرها النبيّ ﷺ في هذا الحديث، وذكر أنّها ثلاثة متواليات؛ ذو القعدة، وذو الحجّة، ومحرّم، وواحد فرد، وهو شهر رجب، وهذا قد يستدلّ به من يقول: إنّها من

стр. 192

سنتين. وقد روي من حديث ابن عمر مرفوعا: «أولهنّ رجب»، وفي إسناده موسى بن عبيدة، وفيه ضعف شديد من قبل حفظه. وقد حكي عن أهل المدينة أنّهم جعلوها من سنتين، وأنّ أوّلها ذو القعدة، ثم ذو الحجّة، ثم المحرّم، ثم رجب، فيكون رجب آخرها. وعن بعض المدنيين أنّ أوّلها رجب، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحجّة ثم المحرّم. وعن بعض أهل الكوفة أنّها من سنة واحدة؛ أوّلها المحرّم، ثم رجب، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحجّة. واختلف في أيّ هذه الأشهر الحرم أفضل؛ فقيل: رجب، قاله بعض الشافعية، وضعّفه النّوويّ وغيره. وقيل: المحرّم، قاله الحسن، ورجّحه النّوويّ. وقيل: ذو الحجّة، روي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو أظهر، والله أعلم. وقوله ﷺ : «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا» (١) مراده بذلك إبطال ما كانت الجاهلية تفعله من النّسيء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾ [التوبة: ٣٧]. وقد اختلف في تفسير النّسيء: فقالت طائفة: كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر، فيحرمونها بدلها، ويحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك، ولكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئا.

стр. 193

ثم من أهل هذه المقالة من قال: كانوا يحلّون المحرّم فيستحلّون القتال فيه؛ لطول مدّة التّحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرّمة، ثم يحرّمون صفر مكانه، فكأنّهم يقترضونه ثم يوفونه. ومنهم من قال: كانوا يحلّون المحرّم مع صفر من عام واحد ويسمّونهما صفرين، ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمّونهما محرّمين؛ قاله ابن زيد بن أسلم. وقيل: بل كانوا ربّما احتاجوا إلى صفر أيضا فأحلّوه وجعلوا مكانه ربيعا، ثمّ يدور كذلك التّحريم والتّحليل بالتأخير (١)، إلى أن جاء الإسلام ووافق حجّة الوداع رجوع التّحريم إلى محرّم الحقيقي، وهذا هو الذي رجّحه أبو عبيد، وعلى هذا فالتّغيير إنّما وقع في عين الأشهر الحرم خاصة. وقالت طائفة أخرى: بل كانوا يزيدون في عدد شهور السّنة، وظاهر الآية يشعر بذلك، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً﴾ [التّوبة: ٣٦] فذكر هذا توطئة لهدم النّسيء وإبطاله. ثم من هؤلاء من قال: كانوا يجعلون السّنة ثلاثة عشر شهرا، قاله مجاهد وأبو مالك؛ قال أبو مالك: كانوا يجعلون السّنة ثلاثة عشر شهرا، ويجعلون المحرّم صفرا. وقال مجاهد: كانوا يسقطون المحرّم، ثم يقولون: صفرين، لصفر وربيع الأوّل وربيع الآخر، ثم يقولون: شهرا ربيع، ثم يقولون لرمضان شعبان، ولشوال رمضان، ولذي القعدة شوال، ولذي الحجّة ذو القعدة، على وجه ما ابتدءوا وللمحرّم ذو الحجّة، فيعدّون ما ناسئوا على مستقبله، على وجه ما ابتدءوا. وعنه قال: كانت الجاهلية يحجّون في كلّ شهر من شهور السّنة عامين،

стр. 194

فوافق حجّ رسول الله ﷺ في ذي الحجّة، فقال: «هذا يوم استدار الزّمان كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض». ومن هؤلاء من قال: كانت الجاهلية يجعلون الشهور اثني عشر شهرا وخمسة أيام، قاله إياس بن معاوية. وهذا العدد قريب من عدد السّنة الرّوميّة، ولهذا جاء في مراسيل عكرمة بن خالد، أنّ النبيّ ﷺ قال في خطبته يوم النّحر: «والشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس إبهامه في الثالثة، وهكذا وهكذا وهكذا، يعني ثلاثين»، فأشار إلى أن الشّهر هلاليّ، ثم تارة ينقص وتارة يتمّ، ولعلّ أهل النّسيء، كانوا يتمّون الشّهور كلّها، ويزيدون عليها، والله أعلم. وقد قيل: إن ربيعة ومضر كانوا يحرمون أربعة أشهر من السّنة مع اختلافهم في تعيين رجب منها، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكانت بنو عوف بن لؤي يحرّمون من السّنة ثمانية أشهر، وهذا مبالغة في الزيادة على ما حرّمه الله. واختلفوا في أي عام عاد الحجّ إلى ذي الحجّة على وجهه، واستدار الزّمان فيه كهيئته: فقالت طائفة: إنّما عاد على وجهه في حجّة الوداع. فأمّا حجة أبي بكر الصدّيق ﵁، فكانت قد وقعت في ذي القعدة، هذا قول مجاهد وعكرمة بن خالد وغيرهما. وقيل: إنّه اجتمع في ذلك العام حجّ الأمم كلها في وقت واحد فلذلك سمّي يوم الحجّ الأكبر. وقالت طائفة: بل وقعت حجّة الصّديق في ذي الحجة؛ قاله الإمام أحمد، وأنكر قول مجاهد، واستدلّ بأنّ النبيّ ﷺ أمر عليّا فنادى يوم النّحر: «لا يحجّ بعد العام مشرك» (١). وفي رواية: «يوم الحجّ الأكبر». وقد قال الله تعالى:

стр. 195

﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التّوبة: ٣]. فسمّاه يوم الحج الأكبر، وهذا يدلّ على أنّ النداء وقع في ذي الحجّة. وخرّج الطّبرانيّ في «أوسطه» من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان العرب يحلّون عاما شهرا، وعاما شهرين، ولا يصيبون الحجّ إلاّ في كلّ ستة وعشرين سنة مرة واحدة، وهو النسيء الذي ذكره الله في كتابه، فلما كان عام حجّ أبو بكر الصّدّيق بالنّاس، وافق في ذلك العام الحجّ؛ فسمّاه الله يوم الحج الأكبر. ثمّ حجّ النبيّ ﷺ في العام المقبل، فاستقبل النّاس الأهلّة، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض» (١). وقيل: بل استدارة الزّمان كهيئته كان من عام الفتح. وخرّج البزار في «مسنده» من حديث سمرة بن جندب أنّ رسول الله ﷺ ، قال لهم يوم الفتح: «إنّ هذا العام الحجّ الأكبر، قد اجتمع حجّ المسلمين وحجّ المشركين في ثلاثة أيام متتابعات، واجتمع حجّ اليهود والنّصارى في ستّة أيام متتابعات، ولم يجتمع منذ خلق الله السّماوات والأرض، ولا يجتمع بعد العام حتّى تقوم السّاعة» (٢). وفي إسناده يوسف السّمتيّ، وهو ضعيف جدّا. واختلفوا لم سمّيت هذه الأشهر الأربعة حرما: فقيل: لعظم حرمتها وحرمة الذّنب فيها.

стр. 196

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: اختصّ الله أربعة أشهر جعلهنّ حرما، وعظّم حرماتهن، وجعل الذّنب فيهنّ أعظم، وجعل العمل الصالح والأجر أعظم. قال كعب: اختار الله الزمان، فأحبّه إلى الله الأشهر الحرم. وقد روي مرفوعا (١)، ولا يصحّ رفعه. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التّوبة: ٣٦]: إنّ المراد في الأشهر الحرم. وقيل: بل في جميع شهور السّنة. وقيل: إنّما سمّيت حرما لتحريم القتال فيها، وكان ذلك معروفا في الجاهلية. وقيل: إنّه كان في عهد إبراهيم ﵇. وقيل: إن سبب تحريم هذه الأشهر الأربعة بين العرب لأجل التمكّن من الحجّ والعمرة. فحرّم شهر ذي الحجّة؛ لوقوع الحجّ فيه. وحرّم معه شهر ذي القعدة؛ للسير فيه إلى الحج. وشهر المحرّم؛ للرجوع فيه من الحجّ، حتى يأمن الحاجّ على نفسه من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه. وحرّم شهر رجب للاعتمار فيه في وسط السّنة، فيعتمر فيه من كان قريبا من مكّة. وقد شرع الله في أوّل الإسلام تحريم القتال في الشهر الحرام، قال تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ [المائدة: ٢]. وقال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وخرّج ابن أبي حاتم بإسناده عن جندب بن عبد الله أنّ النبيّ ﷺ بعث رهطا وبعث عليهم عبد الله بن جحش، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أنّ ذلك من رجب أو من جمادي، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر

стр. 197

الحرام، فأنزل الله ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧] (١). وروى السّدّيّ عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود في هذه الآية، فذكروا هذه القصة مبسوطة، وقالوا فيها: فقال المشركون: يزعم محمد أنّه يتبع طاعة الله وهو أوّل من استحلّ الشهر الحرام، فقال المسلمون: إنّما قتلناه في جمادى. وقيل: في أول رجب وآخر ليلة من جمادى. وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، وأنزل الله تعالى تعييرا لأهل مكّة ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] لا يحلّ، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشّهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عن محمد وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام حين أخرجوا منه محمدا ﷺ أكبر من القتل عند الله. وقد روي عن ابن عباس هذا المعنى من رواية العوفي عنه، ومن رواية أبي سعد البقال، عن عكرمة، عنه. ومن رواية الكلبي، عن أبي صالح، عنه. وذكر ابن إسحاق أنّ ذلك كان في آخر يوم من رجب، وأنّهم خافوا إن أخّروا القتال أن يسبقهم المشركون فيدخلوا الحرم فيأمنوا، وأنّهم لمّا قدموا على النبي ﷺ قال لهم: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، ولم يأخذ من غنيمتهم شيئا. وقالت قريش: قد استحلّ محمّد وأصحابه الشهر الحرام. فقال من بمكّة من المسلمين: إنّما قتلوهم في شعبان، فلمّا أكثر النّاس في ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]، وروي

стр. 198

نحو هذا السياق عن عروة، والزّهري وغيرهما. وقيل: إنّها كانت أول غنيمة غنمها المسلمون. وقال عبد الله بن جحش في ذلك - وقيل: إنها لأبي بكر الصّديق ﵁: تعدّون قتلا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرّشد راشد صدودكم عمّا يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله … لئلا يرى في البيت لله ساجد في أبيات أخر. وقد اختلف العلماء في حكم القتال في الأشهر الحرم، هل تحريمه باق أم نسخ: فالجمهور على أنّه نسخ تحريمه، ونصّ على نسخه الإمام أحمد وغيره من الأئمة. وذهب طائفة من السّلف منهم عطاء إلى بقاء تحريمه، ورجّحه بعض المتأخرين واستدلّوا بآية المائدة، والمائدة من آخر ما نزل من القرآن. وقد روي: «أحلّوا حلالها وحرّموا حرامها». وقيل: ليس فيها منسوخ. وفي «المسند» أنّ عائشة ﵂، قالت: «هي آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه» (١). وروى الإمام أحمد في «مسنده»: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزّبير، عن جابر، قال: «لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشّهر الحرام إلاّ أن يغزى ويغزو، فإذا حضره أقام حتّى ينسلخ» (٢).

стр. 199

وذكر بعضهم أنّ النبيّ ﷺ حاصر الطائف في شوّال، فلمّا دخل ذو القعدة لم يقاتل، بل صابرهم، ثمّ رجع. وكذلك في عمرة الحديبية لم يقاتل حتّى بلغه أنّ عثمان قتل، فبايع على القتال، ثم لمّا بلغه أنّ ذلك لا حقيقة له كفّ. واستدلّ الجمهور بأنّ الصحابة اشتغلوا بعد النبي ﷺ بفتح البلاد ومواصلة القتال والجهاد، ولم ينقل عن أحد منهم أنّه توقّف عن القتال وهو طالب له في شيء من الأشهر الحرم، وهذا يدلّ على اجتماعهم على نسخ ذلك، والله أعلم. ومن عجائب الأشهر الحرم ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنّه ذكر عجائب الدنيا، فعدّ منها بأرض عاد عمود نحاس، عليه شجرة من نحاس، فإذا كان في الأشهر الحرم قطر منها الماء، فملئوا منه حياضهم، وسقوا مواشيهم وزروعهم، فإذا ذهب الأشهر الحرم انقطع الماء. وقوله ﷺ «ورجب مضر» سمّي رجب رجبا؛ لأنّه كان يرجّب، أي يعظّم، كذا قال الأصمعيّ، والمفضّل، والفرّاء. وقيل: لأنّ الملائكة تترجّب للتسبيح والتّحميد فيه، وفي ذلك حديث مرفوع إلاّ أنه موضوع. وأما إضافته إلى «مضر»، فقيل: لأنّ مضر كانت تزيد في تعظيمه واحترامه، فنسب إليهم لذلك. وقيل: بل كانت ربيعة تحرّم رمضان، وتحرّم مضر رجبا، فلذلك سمّاه رجب مضر، وحقّق ذلك بقوله: «الذي بين جمادى وشعبان». وذكر بعضهم أنّ لشهر رجب أربعة عشر اسما: شهر الله، ورجب، ورجب مضر، ومنصل الأسنّة، والأصمّ، والأصبّ، ومنفّس، ومطهّر، ومعلّى، ومقيم، وهرم، ومقشقش، ومبرئ، وفرد. وذكر غيره أنّ له سبعة عشر اسما، فزاد «رجم» بالميم، ومنصل الألّة - وهي الحربة - ومنزع الأسنّة. ويتعلّق بشهر رجب أحكام كثيرة؛ فمنها ما كان في الجاهلية، واختلف

стр. 200

العلماء في استمراره في الإسلام، كالقتال، وقد سبق ذكره، وكالذّبائح، فإنّهم كانوا في الجاهلية يذبحون ذبيحة يسمّونها العتيرة. واختلف العلماء في حكمها في الإسلام؛ فالأكثرون على أن الإسلام أبطلها. وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لا فرع ولا عتيرة» (١). ومنهم من قال: بل هي مستحبّة؛ منهم ابن سيرين. وحكاه الإمام أحمد عن أهل البصرة. ورجّحه طائفة من أهل الحديث المتأخرين. ونقل حنبل عن أحمد نحوه. وفي «سنن أبي داود والنسائيّ وابن ماجه»، عن مخنف بن سليم أن النبيّ ﷺ ، قال بعرفة: «إنّ على كلّ أهل بيت في كلّ عام أضحى وعتيرة، وهي التي يسمّونها الرّجبيّة» (٢). وفي النسائي عن نبيشة أنّهم قالوا: يا رسول الله، إنّا كنّا نعتر فيه في الجاهلية، يعني في رجب. قال: «اذبحوا لله في أي شهر كان، وبرّوا الله وأطعموا» (٣). وروى الحارث بن عمرو: أنّ النبيّ ﷺ سئل عن الفرع والعتائر، فقال: «من شاء فرّع، ومن شاء لم يفرّع؛ ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر» (٤). وفي حديث آخر، قال: «العتيرة حقّ» (٥). وفي النسائي عن أبي رزين، قال: قلت: يا رسول الله، كنّا نذبح ذبائح في

стр. 201

الجاهلية، يعني في رجب، فنأكل ونطعم من جاءنا. فقال رسول الله ﷺ : «لا بأس به» (١). وخرّج الطبراني بإسناده، عن ابن عباس، قال: استأذنت قريش رسول الله ﷺ في العتيرة، فقال: «أعتر كعتر الجاهلية، ولكن من أحبّ منكم أن يذبح لله فيأكل ويتصدّق فليفعل» (٢). وهؤلاء جمعوا بين هذه الأحاديث وبين حديث: «لا فرع ولا عتيرة» (٣) بأنّ المنهي عنه هو ما كان يفعله أهل الجاهلية من الذّبح لغير الله. وحمله سفيان بن عيينة على أنّ المراد به نفي الوجوب. ومن العلماء من قال: حديث أبي هريرة أصحّ من هذه الأحاديث وأثبت، فيكون العمل عليه دونها. وهذه طريقة الإمام أحمد. وروى مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: ليس في الإسلام عتيرة، إنما كانت العتيرة في الجاهلية، كان أحدهم يصوم رجب ويعتر فيه. ويشبه الذبح في رجب اتخاذه موسما وعيدا، كأكل الحلوى ونحوها. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنّه كان يكره أن يتّخذ رجب عيدا. وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: كان النبيّ ﷺ ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتّخذ عيدا (٤).

стр. 202

وعن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتخذوا شهرا عيدا، ولا يوما عيدا» (١). وأصل هذا؛ أنه لا يشرع أن يتّخذ المسلمون عيدا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا، وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق، وهي أعياد العام، ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع، وما عدا ذلك فاتخاذه عيدا وموسما بدعة لا أصل له في الشريعة. ومن أحكام رجب ما ورد فيه من الصّلاة والزّكاة والصّيام والاعتمار: فأما الصّلاة؛ فلم يصحّ في شهر رجب صلاة مخصوصة تختصّ به، والأحاديث المرويّة في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصحّ، وهذه الصّلاة بدعة عند جمهور العلماء. وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفّاظ أبو إسماعيل الأنصاريّ، وأبو بكر بن السّمعانيّ، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم. وإنما لم يذكرها المتقدّمون؛ لأنّها أحدثت بعدهم. وأوّل ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدّمون ولم يتكلموا فيها. وأما الصّيام؛ فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، ولكن روي عن أبي قلابة، قال: في الجنّة قصر لصوّام رجب. قال البيهقيّ: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلاّ عن بلاغ. وإنّما ورد

стр. 203

في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمّها أنّ النبيّ ﷺ قال له: «صم من الحرم واترك» (١)، قالها ثلاثا (٢). خرّجه أبو داود وغيره. وخرّجه ابن ماجه، وعنده: «صم أشهر الحرم» (٣). وقد كان بعض السّلف يصوم الأشهر الحرم كلّها، منهم ابن عمر، والحسن البصري، وأبو إسحاق السّبيعيّ. وقال الثوريّ: الأشهر الحرم أحبّ إليّ أن أصوم فيها. وجاء في حديث خرّجه ابن ماجه؛ أنّ أسامة بن زيد كان يصوم أشهر الحرم، فقال له رسول الله ﷺ : «صم شوّالا» (٤) فترك أشهر الحرم وصام شوّالا حتى مات. وفي إسناده انقطاع. وخرّج ابن ماجه أيضا بإسناد فيه ضعف، عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ ﷺ نهى عن صيام رجب (٥). والصحيح وقفه على ابن عباس. ورواه عطاء عن النبي ﷺ مرسلا، وقد سبق لفظه. وروى عبد الرزّاق في كتابه عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، قال: «ذكر لرسول الله ﷺ قوم يصومون رجبا، فقال: أين هم من شعبان؟» (٦)

стр. 204

وروى أزهر بن سعيد الجمحي عن أمه أنها سألت عائشة عن صوم رجب، فقالت: إن كنت صائمة فعليك بشعبان. وروي مرفوعا، ووقفه أصحّ. وروي عن عمر ﵁ أنّه كان يضرب أكفّ الرجال في صوم رجب حتّى يضعوها في الطعام، ويقول: ما رجب؟ إنّ رجبا كان يعظّمه أهل الجاهلية، فلمّا كان الإسلام ترك. وفي رواية: كره أن يكون صيامه سنّة. وعن أبي بكرة أنه رأى أهله يتهيئون لصيام رجب، فقال لهم: أجعلتم رجبا كرمضان، وألقى السّلال وكسر الكيزان. وعن ابن عباس أنه كره أن يصام رجب كلّه. وعن ابن عمرو ابن عباس أنهما كانا يريان أن يفطر منه أياما، وكرهه أنس أيضا، وسعيد بن جبير، وكره صيام رجب كله يحيى بن سعيد الأنصاري، والإمام أحمد، وقال: يفطر منه يوما أو يومين، وحكاه عن ابن عمر وابن عباس. وقال الشافعيّ في «القديم»: أكره أن يتّخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان، واحتجّ بحديث عائشة: «ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل شهرا قطّ إلاّ رمضان» (١). قال: وكذلك يوما من الأيام. قال: وإنما كرهته أن لا يتأسّى رجل جاهل فيظن أنّ ذلك واجب، وإن فعل فحسن. وتزول كراهة إفراد رجب بالصّوم بأن يصوم معه شهرا آخر تطوعا عند بعض أصحابنا، مثل أن يصوم الأشهر الحرم، أو يصوم رجب وشعبان، وقد تقدّم عن ابن عمر وغيره صيام الأشهر الحرم. والمنصوص عن أحمد أنّه لا يصومه بتمامه إلاّ من صام الدهر. وروي عن ابن عمر ما يدلّ عليه؛ فإنّه بلغه أنّ قوما أنكروا عليه أنّه حرّم

стр. 205

صوم رجب، فقال: كيف بمن يصوم الدّهر؟ وهذا يدلّ على أنّه لا يصام رجب إلاّ مع صوم الدّهر. وروى يوسف بن عطية، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عائشة أن النبيّ ﷺ لم يصم بعد رمضان إلاّ رجبا وشعبان؛ ويوسف ضعيف جدّا. وروى أبو يوسف القاضي، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عائشة: أنّ النبيّ ﷺ كان يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام، وربّما أخّر ذلك حتى يقضيه في رجب وشعبان. ورواه عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، فلم يذكر فيه رجبا، وهو أصحّ. وأمّا الزّكاة؛ فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزّكاة في شهر رجب، ولا أصل لذلك في السّنّة، ولا عرف عن أحد من السّلف. ولكن روي عن عثمان أنه خطب النّاس على المنبر، فقال: إنّ هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه وليزكّ ما بقي (١). خرّجه مالك في «الموطإ». وقد قيل: إن ذلك الشهر الذي كانوا يخرجون فيه زكاتهم نسي ولم يعرف وقيل: بل كان شهر المحرّم؛ لأنّه رأس الحول. وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أنّ الإمام يبعث سعاته لأخذ الزّكاة في المحرم. وقيل: بل كان شهر رمضان؛ لفضله وفضل الصّدقة فيه. وبكلّ حال فإنّما تجب الزّكاة إذا تمّ الحول على النصاب، فكلّ أحد له حول يخصّه بحسب وقت ملكه للنصاب، فإذا تمّ حوله وجب عليه إخراج زكاته في أيّ شهر كان، فإن عجّل زكاته قبل الحول أجزأه عند جمهور العلماء. وسواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل، أو لاغتنام الصّدقة على من

стр. 206

لا يجد مثله في الحاجة، أو كان لمشقة إخراج الزّكاة عليه عند تمام الحول جملة، فيكون التفريق في طول الحول أرفق به. وقد صرّح مجاهد بجواز التّعجيل على هذا الوجه، وهو مقتضى إطلاق الأكثرين، وخالف في هذه الصورة إسحاق، نقله عنه ابن منصور. وأما إذا حال الحول فليس له التأخير بعد ذلك عند الأكثرين. وعن أحمد يجوز تأخيرها؛ لانتظار قوم لا يجد مثلهم في الحاجة. وأجاز مالك وأحمد في رواية نقلها إلى بلد فاضل، فعلى قياس هذا لا يبعد جواز تأخيرها إلى زمن فاضل لا يوجد مثله كرمضان ونحوه. وروى يزيد الرّقاشيّ عن أنس أن المسلمين كانوا يخرجون زكاتهم في شعبان تقوية على الاستعداد لرمضان، وفي الإسناد ضعف. وأما الاعتمار في رجب؛ فقد روى ابن عمر ﵄، أنّ النبيّ ﷺ اعتمر في رجب، فأنكرت ذلك عائشة عليه، وهو يسمع، فسكت. واستحبّ الاعتمار في رجب عمر بن الخطاب وغيره. وكانت عائشة تفعله وابن عمر أيضا. ونقل ابن سيرين عن السّلف أنّهم كانوا يفعلونه. فإنّ أفضل الأنساك أن يؤتى بالحجّ في سفرة، والعمرة في سفرة أخرى في غير أشهر الحجّ، وذلك من جملة إتمام الحجّ والعمرة المأمور به. كذلك قاله جمهور الصّحابة كعمر وعثمان وعليّ وغيرهم ﵃. وقد روي أنّه كان في شهر رجب حوادث عظيمة، ولم يصحّ شيء من ذلك؛ فروي أنّ النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه، وأنّه بعث في السابع والعشرين منه، وقيل: في الخامس والعشرين، ولا يصحّ شيء من ذلك. وروي بإسناد لا يصحّ عن القاسم بن محمد أنّ الإسراء بالنبيّ ﷺ كان في سابع عشرين رجب، وأنكر ذلك إبراهيم الحربيّ وغيره. وروي عن قيس بن عباد، قال: في اليوم العاشر من رجب ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرّعد: ٣٩].

стр. 207

وكان أهل الجاهلية يتحرّون الدّعاء فيه على الظالم، وكان يستجاب لهم، ولهم في ذلك أخبار مشهورة قد ذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب «مجابي الدعوة» وغيره. وقد ذكر ذلك لعمر بن الخطاب، فقال عمر: إنّ الله كان يصنع بهم ذلك ليحجز بعضهم عن بعض، وأنّ الله جعل السّاعة موعدكم، والسّاعة أدهى وأمر. وروى زائدة بن أبي الرّقاد، عن زياد النّميري، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل رجب قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلّغنا رمضان» (١). وروي عن أبي إسماعيل الأنصاري أنّه قال: لم يصحّ في فضل رجب غير هذا الحديث. وفي قوله نظر؛ فإنّ هذا الإسناد فيه ضعف. وفي هذا الحديث دليل على استحباب الدّعاء بالبقاء إلى الأزمان الفاضلة؛ لإدراك الأعمال الصّالحة فيها؛ فإنّ المؤمن لا يزيده عمره إلاّ خيرا، وخير النّاس من طال عمره وحسن عمله. وكان السّلف يستحبّون أن يموتوا عقيب عمل صالح؛ من صوم رمضان، أو رجوع من حجّ، وكان يقال: من مات كذلك غفر له. كان بعض العلماء الصالحين قد مرض قبل شهر رجب، فقال: إنّي دعوت الله أن يؤخّر وفاتي إلى شهر رجب، فإنّه بلغني أنّ لله فيه عتقاء؛ فبلّغه الله ذلك ومات في شهر رجب. شهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة؛ قال أبو بكر الورّاق البلخيّ: شهر رجب شهر الزّرع، وشهر شعبان شهر السّقي للزّرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزّرع وعنه قال: مثل شهر رجب مثل الريح، ومثل شعبان مثل الغيم،

стр. 208

ومثل رمضان مثل المطر. وقال بعضهم: السّنة مثل الشّجرة؛ وشهر رجب أيّام توريقها، وشعبان أيّام تفريعها، ورمضان أيّام قطفها، والمؤمنون قطافها. جدير بمن سوّد صحيفته بالذّنوب أن يبيّضها بالتّوبة في هذا الشهر، وبمن ضيّع عمره في البطالة أن يغتنم فيه ما بقي من العمر. بيّض صحيفتك السّوداء في رجب … بصالح العمل المنجي من اللهب شهر حرام أتى من أشهر حرم … إذا دعا الله داع فيه لم يخب طوبى لعبد زكى فيه له عمل … فكفّ فيه عن الفحشاء والرّيب انتهاز الفرصة بالعمل في هذا الشهر غنيمة، واغتنام أوقاته بالطّاعات له فضيلة عظيمة. يا عبد أقبل منيبا واغتنم رجبا … فإنّ عفوي عمّن تاب قد وجبا في هذه الأشهر الأبواب قد فتحت … للتّائبين فكلّ نحونا هربا حطّوا الرّكائب في أبواب رحمتنا … بحسن ظنّ فكلّ نال ما طلبا وقد نثرنا عليهم من تعطّفنا … نثار حسن قبول فاز من نهبا ***

стр. 209

وظائف شهر شعبان ويشتمل على مجالس: المجلس الأول في صيامه خرّج الإمام أحمد والنّسائيّ من حديث أسامة بن زيد، قال: كان رسول الله ﷺ يصوم الأيّام يسرد حتى نقول لا يفطر، ويفطر الأيّام حتّى لا يكاد يصوم، إلاّ يومين من الجمعة إن كانا في صيامه، وإلاّ صامهما. ولم يكن يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان. فقلت: يا رسول الله، إنّك تصوم لا تكاد تفطر، وتفطر حتّى لا تكاد تصوم إلاّ يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما. قال: أيّ يومين؟ قلت: يوم الإثنين، ويوم الخميس. قال: ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على ربّ العالمين، وأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم. قلت: ولم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، وأحبّ أن يرفع عملي وأنا صائم (١). قد تضمّن هذا الحديث ذكر صيام رسول الله ﷺ من جميع السّنة، وصيامه من أيام الأسبوع، وصيامه من شهور السّنة، فأمّا صيامه من السنة فكان يسرد

стр. 210

الصّوم أحيانا والفطر أحيانا، فيصوم حتّى يقال لا يفطر، ويفطر حتّى يقال لا يصوم. وقد روى ذلك أيضا عائشة وابن عباس وأنس وغيرهم. ففي «الصحيحين» عن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم حتّى نقول: لا يفطر، ويفطر حتّى نقول لا يصوم» (١). وفيهما عن ابن عباس، قال: «كان رسول الله ﷺ يصوم إذا صام حتّى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر إذا أفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم». وفيهما عن أنس أنّه سئل عن صيام النبي ﷺ فقال: «ما كنت أحبّ أن أراه من الشهر صائما إلاّ رأيته، ولا مفطرا إلاّ رأيته، ولا من اللّيل قائما إلاّ رأيته، ولا نائما إلا رأيته» (٢). ولمسلم عنه، قال: كان رسول الله ﷺ يصوم حتّى يقال: قد صام قد صام، ويفطر حتّى يقال: قد أفطر (٣). وقد كان رسول الله ﷺ ينكر على من يسرد صوم الدّهر ولا يفطر منه، ويخبر عن نفسه أنّه لا يفعل ذلك. ففي «الصحيحين» عن عبد الله بن عمرو أنّ النبيّ ﷺ قال له: «أتصوم النّهار وتقوم اللّيل؟ قال: نعم، فقال النبيّ ﷺ : لكنّي أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمسّ النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي (٤). وفيهما عن أنس: أنّ نفرا من أصحاب النبي ﷺ قال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللّحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فخطب، وقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ لكنّي أصلي

стр. 211

وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس مني» (١). وخرّجه النسائي وزاد فيه: «وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر» (٢). وفي «مسند الإمام أحمد»، عن رجل من الصحابة، قال: ذكر لرسول الله ﷺ مولاة لبني عبد المطلب أنّها قامت اللّيل، وتصوم النّهار، فقال النبيّ ﷺ : «لكني أنا أنام وأصلّي، وأصوم وأفطر، فمن اقتدى بي فهو مني، ومن رغب عن سنّتي فليس منّي، إن لكلّ عمل شرّة وفترة، فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضلّ، ومن كانت فترته إلى سنّة فقد اهتدى» (٣). وفي «المسند» و «سنن أبي داود» عن عائشة ﵂ «أن عثمان بن مظعون أراد التبتّل، فقال له رسول الله ﷺ : أترغب عن سنّتي؟ قال: لا والله، ولكنّ سنّتك أريد. قال: فإنّي أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، وأنكح النّساء، فاتّق الله يا عثمان، فإنّ لأهلك عليك حقّا، وإنّ لضيفك عليك حقّا، وإنّ لنفسك عليك حقّا، فصم وأفطر، وصلّ ونم» (٤). وقد قال عكرمة وغيره: إنّ عثمان بن مظعون وعليّ بن أبي طالب والمقداد وسالما مولى أبي حذيفة في جماعة تبتّلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النّساء، وحرّموا طيبات الطّعام واللّباس، إلاّ ما يأكل ويلبس أهل السّياحة من بني إسرائيل، وهمّوا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النّهار، فنزلت فيهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧].

стр. 212

وفي «صحيح البخاري» أنّ سلمان زار أبا الدّرداء، وكان النبيّ ﷺ قد آخى بينهما، فرأى أمّ الدّرداء متبذّلة، فقال لها: ما شأنك متبذّلة؟ فقالت: إنّ أخاك أبا الدّرداء لا حاجة له في الدّنيا. فلمّا جاء أبو الدّرداء قرّب له طعاما، فقال له: كل، قال: إنّي صائم، فقال: ما أنا بآكل حتّى تأكل، فأكل. فلمّا كان اللّيل ذهب أبو الدّرداء ليقوم، فقال له سلمان: نم، ثم ذهب ليقوم، فقال له: نم، فلمّا كان من آخر اللّيل، قال سلمان: قم الآن، فقاما فصليا. فقال سلمان: إنّ لنفسك عليك حقّا، وإنّ لضيفك عليك حقّا، وإنّ لأهلك عليك حقّا، فأعط كل ذي حقّ حقّه. فأتيا النبي ﷺ ، فذكرا ذلك له، فقال: «صدق سلمان» (١). وفي رواية في غير الصحيح، قال: «ثكلت سلمان أمّه! لقد أشبع من العلم» (٢). وهكذا قال النبيّ ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص لمّا كان يصوم الدّهر، فنهاه وأمره أن يصوم صوم داود، «يصوم يوما ويفطر يوما». وقال له: «لا أفضل من ذلك». وقد ورد النهي عن صيام الدهر والتشديد فيه، وهذا كله يدلّ على أنّ أفضل الصّيام ألاّ يستدام، بل يعاقب بينه وبين الفطر، وهذا هو الصّحيح من قولي العلماء، وهو مذهب أحمد وغيره. وقيل لعمر: إنّ فلانا يصوم الدّهر، فجعل يقرع رأسه بقناة معه، ويقول: «كل يا دهر، كل يا دهر» (٣). خرّجه عبد الرّزّاق. وقد أشار النبيّ ﷺ إلى الحكمة في ذلك من وجوه:

стр. 213

منها: قوله ﷺ في صيام الدّهر: «لا صام ولا أفطر» (١)، يعني أنّه لا يجد مشقّة الصّيام ولا فقد الطّعام والشّراب والشّهوة؛ لأنّه صار الصيام له عادة مألوفة، فربما تضرّر بتركه، فإذا صام تارة وأفطر أخرى حصل له بالصيام مقصوده بترك هذه الشّهوات، وفي نفسه داعية إليها، وذلك أفضل من أن يتركها ونفسه لا تتوق إليها. ومنها: قوله ﷺ في حقّ داود ﵇: «كان يصوم يوما، ويفطر يوما، ولا يفرّ إذا لاقى» (٢)، يشير إلى أنّه كان لا يضعفه صيامه عن ملاقاة عدوه ومجاهدته في سبيل الله. ولهذا روي عن النبي ﷺ أنّه قال لأصحابه يوم الفتح وكان في رمضان: «إنّ هذا يوم قتال فأفطروا» (٣). وكان عمر إذا بعث سرية، قال لهم: لا تصوموا، فإنّ التّقوي على الجهاد أفضل من الصّوم. فأفضل الصّيام ألاّ يضعف البدن حتى يعجز عمّا هو أفضل منه؛ من القيام بحقوق الله تعالى، أو حقوق عباده اللاّزمة، فإن أضعف عن شيء من ذلك ممّا هو أفضل منه كان تركه أفضل. فالأوّل؛ مثل أن يضعف الصّيام عن الصّلاة، أو عن الذكر، أو عن العلم كما قيل في النهي عن صيام يوم الجمعة ويوم عرفة بعرفة إنّه يضعف عن الذكر والدّعاء في هذين اليومين. وكان ابن مسعود يقلّ الصّوم ويقول: إنّه يمنعني من قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحبّ إليّ. فقراءة القرآن أفضل من الصّيام. نصّ عليه سفيان الثوريّ وغيره من الأئمة. وكذلك تعلّم العلم النّافع وتعليمه أفضل من الصّيام.

стр. 214

وقد نصّ الأئمة الأربعة على أنّ طلب العلم أفضل من صلاة النّافلة، والصّلاة أفضل من الصيام المتطوّع به، فيكون العلم أفضل من الصّيام بطريق الأولى؛ فإنّ العلم مصباح يستضاء به في ظلمة الجهل والهوى، فمن سار في طريق على غير مصباح لم يأمن أن يقع في بئر بوار فيعطب. قال ابن سيرين: إنّ قوما تركوا العلم واتّخذوا محاريب فصلوا وصاموا بغير علم، والله ما عمل أحد بغير علم إلاّ كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح. والثاني؛ مثل أن يضعف الصّيام عن الكسب للعيال أو القيام بحقوق الزّوجات، فيكون تركه أفضل. وإليه الإشارة بقوله ﷺ : «إنّ لأهلك عليك حقّا» (١). ومنها: ما أشار إليه ﷺ بقوله: «إنّ لنفسك عليك حقّا فأعط كلّ ذي حق حقّه» (١) يشير إلى أنّ النفس وديعة لله عند ابن آدم، وهو مأمور أن يقوم بحقّها؛ ومن حقها اللّطف بها حتّى توصل صاحبها إلى المنزل. قال الحسن: نفوسكم مطاياكم إلى ربّكم، فأصلحوا مطاياكم توصلكم إلى ربّكم. فمن وفّى نفسه حظّها من المباح بنيّة التّقوي به على تقويتها على أعمال الطّاعات، كان مأجورا في ذلك، كما قال معاذ بن جبل: إنّي أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. ومن (٢) قصّر في حقها حتى ضعفت وتضرّرت، كان ظالما لها. وإلى هذا أشار النبيّ ﷺ بقوله لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إنّك إذا

стр. 215

فعلت ذلك نفهت له النّفس، وهجمت له العين» (١). ومعنى «نفهت»: كلّت وأعيت. ومعنى «هجمت العين»: غارت. وقال لأعرابيّ جاءه فأسلم، ثمّ أتاه من عام قابل وقد تغيّر فلم يعرفه، فلمّا عرفه سأله عن حاله، قال: ما أكلت بعدك طعاما بنهار. فقال له النبيّ ﷺ : «ومن أمرك أن تعذّب نفسك؟» (٢). فمن عذّب نفسه بأن حمّلها ما لا تطيقه من الصّيام ونحوه فربما أثّر ذلك في ضعف بدنه وعقله، فيفوته من الطّاعات الفاضلة أكثر ممّا حصله بتعذيبه نفسه بالصّيام. وكان النبيّ ﷺ يتوسّط في إعطاء نفسه حقّها ويعدل فيها غاية العدل؛ فيصوم ويفطر، ويقوم وينام، وينكح النساء، ويأكل ما يجد من الطيبات، كالحلواء والعسل ولحم الدّجاج. وتارة يجوع حتّى يربط على بطنه الحجر. وقال: «عرض عليّ ربّي أن يجعل لي بطحاء مكّة ذهبا، فقلت: لا يا ربّ، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما؛ فإذا جعت تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» (٣). فاختار لنفسه أفضل الأحوال؛ ليجمع بين مقامي الشّكر والصّبر والرّضا. ومنها: ما أشار إليه بقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: «لعلّه أن تطول بك حياة»، يعني أن من تكلّف الاجتهاد في العبادة فقد تحمله قوّة الشّباب ما دامت باقية، فإذا ذهب الشّباب وجاء المشيب والكبر عجز عن حمل ذلك، فإن صابر وجاهد واستمر فربّما هلك بدنه، وإن قطع فقد فاته أحبّ العمل إلى الله، وهو المداومة

стр. 216

على العمل. ولهذا قال ﷺ : «اكلفوا من العمل ما تطيقون، فو الله لا يملّ الله حتّى تملّوا». وقال ﷺ : «أحبّ العمل إلى الله أدومه، وإن قلّ» (١). فمن عمل عملا يقوى عليه بدنه في طول عمره، في قوّته وضعفه، استقام سيره. ومن حمل ما لا يطيق؛ فإنّه قد يحدث له مرض يمنعه من العمل بالكليّة، وقد يسأم ويضجر فيقطع العمل، فيصير كالمنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وأمّا صيام النبيّ ﷺ من الأيام - أعني أيام الأسبوع - فكان يتحرى صيام الإثنين والخميس، وكذا روي عن عائشة ﵂ أنّ النبيّ ﷺ كان يتحرّى صيام الإثنين والخميس (٢). خرّجه الإمام أحمد، والنّسائيّ، وابن ماجه، والترمذي وحسّنه. وخرّج ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، قال: كان النبيّ ﷺ يصوم الإثنين والخميس، فقيل: يا رسول الله، إنّك تصوم الإثنين والخميس؟ فقال: «إنّ يوم الإثنين والخميس يغفر الله فيهما لكلّ مسلم، إلاّ مهتجرين، فيقول: دعوهما حتى يصطلحا» (٣). وخرجه الإمام أحمد، وعنده أنّ رسول الله ﷺ «كان أكثر ما يصوم الإثنين والخميس، فقيل له، قال: إنّ الأعمال تعرض كلّ إثنين وخميس، فيغفر لكلّ مسلم، أو لكلّ مؤمن، إلاّ المتهاجرين، فيقول: أخّرهما» (٤).

стр. 217

وأخرجه الترمذي، ولفظه: قال: «تعرض الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس، فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم» (١). وروي موقوفا على أبي هريرة، ورجّح بعضهم وقفه. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة مرفوعا: «تفتح أبواب الجنّة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا، إلاّ رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، يقول: أنظروا هذين حتّى يصطلحا» (٢). ويروى بإسناد فيه ضعف عن أبي أمامة مرفوعا: «ترفع الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر للمستغفرين ويترك أهل الحقد بحقدهم» (٣). وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، قال: يكتب كلّ ما تكلّم به من خير وشرّ، حتّى إنّه ليكتب قوله: أكلت، وشربت، وذهبت، وجئت، ورأيت، حتّى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقرّ منه ما كان فيه من خير أو شرّ، وألقي سائره، فذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. خرّجه ابن أبي حاتم (٤) وغيره. فهذا يدلّ على اختصاص يوم الخميس بعرض الأعمال لا يوجد في غيره. وكان إبراهيم النّخعيّ يبكي إلى امرأته يوم الخميس وتبكي إليه، ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله . فهذا عرض خاصّ في هذين اليومين غير العرض العامّ كل يوم، فإن ذلك عرض دائم بكرة وعشيّا. ويدلّ على ذلك ما في «الصحيحين» عن أبي هريرة

стр. 218

عن النبي ﷺ ، قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنّهار، فيجتمعون في صلاة الصّبح، وصلاة العصر، فيسأل الذين باتوا فيكم - وهو أعلم -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلّون وتركناهم وهم يصلّون» (١). وفي «صحيح مسلم» عن أبي موسى الأشعريّ، قال: «قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل اللّيل قبل النّهار، وعمل النّهار قبل اللّيل، حجابه النّور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٢). ويروى عن ابن مسعود، قال: إنّ مقدار كلّ يوم من أيامكم عند ربّكم ثنتا عشرة ساعة، فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أوّل النّهار اليوم، فينظر فيها ثلاث ساعات، وذكر باقيه. كان الضحّاك يبكي آخر النّهار، ويقول: لا أدري ما رفع من عملي. يا من عمله معروض على من يعلم السّرّ وأخفى، لا تبهرج فالنّاقد بصير. السّقم على الجسم له ترداد … والعمر ينقص والذنوب تزاد (٣) ما أبعد سفرتي (٤) … وما لي زاد ما أكثر بهرجي ولي نقّاد وحديث أسامة فيه أنّ النبيّ ﷺ كان إذا سرد الفطر يصوم الإثنين والخميس، فدلّ على مواظبة النبيّ ﷺ على صيامهما، وقد كان أسامة يصومهما حضرا وسفرا لهذا.

стр. 219

وفي «مسند الإمام أحمد» و «سنن النّسائي» عن عبد الله بن عمرو أنّ النبيّ ﷺ أمره أن يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر. فقال له: إنّي أقوى على أكثر من ذلك، قال: فصم من الجمعة يوم الإثنين والخميس، قال: إنّي أقوى على أكثر من ذلك، قال: فصم صيام داود (١). وفي «مسند الإمام أحمد» من رواية عثمان بن رشيد، حدثني أنس بن سيرين، قال: أتينا أنس بن مالك في يوم خميس، فدعا بمائدته، فدعاهم إلى الغداء، فأكل بعض القوم وأمسك بعض، ثم أتوه يوم خميس، ففعل مثلها، فقال أنس: لعلّكم أثنائيّون، لعلّكم خميسيّون، كان رسول الله ﷺ يصوم حتّى يقال لا يفطر، ويفطر حتّى يقال لا يصوم (٢). وظاهر هذا الحديث يخالف حديث أسامة، وأنّ النبيّ ﷺ إنّما كان يصوم الإثنين والخميس إذا دخلا في صيامه، ولم يكن يتحرّى صيامهما في أيام سرد فطره، ولكن عثمان بن رشيد ضعيف، ضعّفه ابن معين وغيره، وحديث أسامة أصحّ منه. وقد روي من حديث أم سلمة أنّ النبيّ ﷺ كان يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام، أوّل خميس والإثنين والإثنين (٣). وفي رواية بالعكس: الإثنين والخميس والخميس. وأكثر العلماء على استحباب صيام الإثنين والخميس. وروي كراهته عن أنس بن مالك من غير وجه عنه، وكان مجاهد يفعله، ثمّ تركه وكرهه. وكره أبو جعفر محمد بن علي صيام الإثنين.

стр. 220

وكرهت طائفة صيام يوم معين كلما مرّ بالإنسان؛ روي عن عمران بن حصين، وابن عباس، والشعبيّ، والنّخعي، ونقله ابن القاسم عن مالك. وقال الشافعي في القديم: أكره ذلك، قال: وإنّما كرهته لئلا يتأسّى جاهل فيظنّ أنّ ذلك واجب، قال: فإن فعل فحسن، يعني على غير اعتقاد الوجوب. وأمّا صيام النبيّ ﷺ من أشهر السّنة فكان يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشهور. وفي «الصحيحين» عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قطّ إلاّ رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان (١). زاد البخاريّ في رواية: «كان يصوم شعبان كلّه». ولمسلم في رواية: «كان يصوم شعبان كلّه، كان يصوم شعبان إلاّ قليلا» (١). وفي رواية للنسائي عن عائشة، قالت: كان أحبّ الشّهور إلى رسول الله ﷺ أن يصوم شعبان، كان يصله برمضان (٢). وعنها وعن أمّ سلمة، قالتا: «كان رسول الله ﷺ يصوم شعبان إلاّ قليلا، بل كان يصومه كلّه» (٣). وعن أمّ سلمة قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلاّ شعبان، كان يصوم شعبان إلاّ قليلا» (٤). وعن أمّ سلمة قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلاّ شعبان ورمضان». وقد رجّح طائفة من العلماء؛ منهم ابن المبارك وغيره أنّ النبيّ ﷺ لم يستكمل صيام شعبان، وإنّما كان يصوم أكثره. ويشهد له ما في «صحيح مسلم» عن عائشة ﵂، قالت: «ما علمته - تعني النبي ﷺ صام شهرا
следующие страницы →