← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1144

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عوض الله

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (586 стр.). Показаны 215–254 · переход к 220.

стр. 215

فعلت ذلك نفهت له النّفس، وهجمت له العين» (١). ومعنى «نفهت»: كلّت وأعيت. ومعنى «هجمت العين»: غارت. وقال لأعرابيّ جاءه فأسلم، ثمّ أتاه من عام قابل وقد تغيّر فلم يعرفه، فلمّا عرفه سأله عن حاله، قال: ما أكلت بعدك طعاما بنهار. فقال له النبيّ ﷺ : «ومن أمرك أن تعذّب نفسك؟» (٢). فمن عذّب نفسه بأن حمّلها ما لا تطيقه من الصّيام ونحوه فربما أثّر ذلك في ضعف بدنه وعقله، فيفوته من الطّاعات الفاضلة أكثر ممّا حصله بتعذيبه نفسه بالصّيام. وكان النبيّ ﷺ يتوسّط في إعطاء نفسه حقّها ويعدل فيها غاية العدل؛ فيصوم ويفطر، ويقوم وينام، وينكح النساء، ويأكل ما يجد من الطيبات، كالحلواء والعسل ولحم الدّجاج. وتارة يجوع حتّى يربط على بطنه الحجر. وقال: «عرض عليّ ربّي أن يجعل لي بطحاء مكّة ذهبا، فقلت: لا يا ربّ، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما؛ فإذا جعت تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» (٣). فاختار لنفسه أفضل الأحوال؛ ليجمع بين مقامي الشّكر والصّبر والرّضا. ومنها: ما أشار إليه بقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: «لعلّه أن تطول بك حياة»، يعني أن من تكلّف الاجتهاد في العبادة فقد تحمله قوّة الشّباب ما دامت باقية، فإذا ذهب الشّباب وجاء المشيب والكبر عجز عن حمل ذلك، فإن صابر وجاهد واستمر فربّما هلك بدنه، وإن قطع فقد فاته أحبّ العمل إلى الله، وهو المداومة

стр. 216

على العمل. ولهذا قال ﷺ : «اكلفوا من العمل ما تطيقون، فو الله لا يملّ الله حتّى تملّوا». وقال ﷺ : «أحبّ العمل إلى الله أدومه، وإن قلّ» (١). فمن عمل عملا يقوى عليه بدنه في طول عمره، في قوّته وضعفه، استقام سيره. ومن حمل ما لا يطيق؛ فإنّه قد يحدث له مرض يمنعه من العمل بالكليّة، وقد يسأم ويضجر فيقطع العمل، فيصير كالمنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وأمّا صيام النبيّ ﷺ من الأيام - أعني أيام الأسبوع - فكان يتحرى صيام الإثنين والخميس، وكذا روي عن عائشة ﵂ أنّ النبيّ ﷺ كان يتحرّى صيام الإثنين والخميس (٢). خرّجه الإمام أحمد، والنّسائيّ، وابن ماجه، والترمذي وحسّنه. وخرّج ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، قال: كان النبيّ ﷺ يصوم الإثنين والخميس، فقيل: يا رسول الله، إنّك تصوم الإثنين والخميس؟ فقال: «إنّ يوم الإثنين والخميس يغفر الله فيهما لكلّ مسلم، إلاّ مهتجرين، فيقول: دعوهما حتى يصطلحا» (٣). وخرجه الإمام أحمد، وعنده أنّ رسول الله ﷺ «كان أكثر ما يصوم الإثنين والخميس، فقيل له، قال: إنّ الأعمال تعرض كلّ إثنين وخميس، فيغفر لكلّ مسلم، أو لكلّ مؤمن، إلاّ المتهاجرين، فيقول: أخّرهما» (٤).

стр. 217

وأخرجه الترمذي، ولفظه: قال: «تعرض الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس، فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم» (١). وروي موقوفا على أبي هريرة، ورجّح بعضهم وقفه. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة مرفوعا: «تفتح أبواب الجنّة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا، إلاّ رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، يقول: أنظروا هذين حتّى يصطلحا» (٢). ويروى بإسناد فيه ضعف عن أبي أمامة مرفوعا: «ترفع الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر للمستغفرين ويترك أهل الحقد بحقدهم» (٣). وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، قال: يكتب كلّ ما تكلّم به من خير وشرّ، حتّى إنّه ليكتب قوله: أكلت، وشربت، وذهبت، وجئت، ورأيت، حتّى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقرّ منه ما كان فيه من خير أو شرّ، وألقي سائره، فذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. خرّجه ابن أبي حاتم (٤) وغيره. فهذا يدلّ على اختصاص يوم الخميس بعرض الأعمال لا يوجد في غيره. وكان إبراهيم النّخعيّ يبكي إلى امرأته يوم الخميس وتبكي إليه، ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله . فهذا عرض خاصّ في هذين اليومين غير العرض العامّ كل يوم، فإن ذلك عرض دائم بكرة وعشيّا. ويدلّ على ذلك ما في «الصحيحين» عن أبي هريرة

стр. 218

عن النبي ﷺ ، قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنّهار، فيجتمعون في صلاة الصّبح، وصلاة العصر، فيسأل الذين باتوا فيكم - وهو أعلم -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلّون وتركناهم وهم يصلّون» (١). وفي «صحيح مسلم» عن أبي موسى الأشعريّ، قال: «قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل اللّيل قبل النّهار، وعمل النّهار قبل اللّيل، حجابه النّور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٢). ويروى عن ابن مسعود، قال: إنّ مقدار كلّ يوم من أيامكم عند ربّكم ثنتا عشرة ساعة، فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أوّل النّهار اليوم، فينظر فيها ثلاث ساعات، وذكر باقيه. كان الضحّاك يبكي آخر النّهار، ويقول: لا أدري ما رفع من عملي. يا من عمله معروض على من يعلم السّرّ وأخفى، لا تبهرج فالنّاقد بصير. السّقم على الجسم له ترداد … والعمر ينقص والذنوب تزاد (٣) ما أبعد سفرتي (٤) … وما لي زاد ما أكثر بهرجي ولي نقّاد وحديث أسامة فيه أنّ النبيّ ﷺ كان إذا سرد الفطر يصوم الإثنين والخميس، فدلّ على مواظبة النبيّ ﷺ على صيامهما، وقد كان أسامة يصومهما حضرا وسفرا لهذا.

стр. 219

وفي «مسند الإمام أحمد» و «سنن النّسائي» عن عبد الله بن عمرو أنّ النبيّ ﷺ أمره أن يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر. فقال له: إنّي أقوى على أكثر من ذلك، قال: فصم من الجمعة يوم الإثنين والخميس، قال: إنّي أقوى على أكثر من ذلك، قال: فصم صيام داود (١). وفي «مسند الإمام أحمد» من رواية عثمان بن رشيد، حدثني أنس بن سيرين، قال: أتينا أنس بن مالك في يوم خميس، فدعا بمائدته، فدعاهم إلى الغداء، فأكل بعض القوم وأمسك بعض، ثم أتوه يوم خميس، ففعل مثلها، فقال أنس: لعلّكم أثنائيّون، لعلّكم خميسيّون، كان رسول الله ﷺ يصوم حتّى يقال لا يفطر، ويفطر حتّى يقال لا يصوم (٢). وظاهر هذا الحديث يخالف حديث أسامة، وأنّ النبيّ ﷺ إنّما كان يصوم الإثنين والخميس إذا دخلا في صيامه، ولم يكن يتحرّى صيامهما في أيام سرد فطره، ولكن عثمان بن رشيد ضعيف، ضعّفه ابن معين وغيره، وحديث أسامة أصحّ منه. وقد روي من حديث أم سلمة أنّ النبيّ ﷺ كان يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام، أوّل خميس والإثنين والإثنين (٣). وفي رواية بالعكس: الإثنين والخميس والخميس. وأكثر العلماء على استحباب صيام الإثنين والخميس. وروي كراهته عن أنس بن مالك من غير وجه عنه، وكان مجاهد يفعله، ثمّ تركه وكرهه. وكره أبو جعفر محمد بن علي صيام الإثنين.

стр. 220

وكرهت طائفة صيام يوم معين كلما مرّ بالإنسان؛ روي عن عمران بن حصين، وابن عباس، والشعبيّ، والنّخعي، ونقله ابن القاسم عن مالك. وقال الشافعي في القديم: أكره ذلك، قال: وإنّما كرهته لئلا يتأسّى جاهل فيظنّ أنّ ذلك واجب، قال: فإن فعل فحسن، يعني على غير اعتقاد الوجوب. وأمّا صيام النبيّ ﷺ من أشهر السّنة فكان يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشهور. وفي «الصحيحين» عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قطّ إلاّ رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان (١). زاد البخاريّ في رواية: «كان يصوم شعبان كلّه». ولمسلم في رواية: «كان يصوم شعبان كلّه، كان يصوم شعبان إلاّ قليلا» (١). وفي رواية للنسائي عن عائشة، قالت: كان أحبّ الشّهور إلى رسول الله ﷺ أن يصوم شعبان، كان يصله برمضان (٢). وعنها وعن أمّ سلمة، قالتا: «كان رسول الله ﷺ يصوم شعبان إلاّ قليلا، بل كان يصومه كلّه» (٣). وعن أمّ سلمة قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلاّ شعبان، كان يصوم شعبان إلاّ قليلا» (٤). وعن أمّ سلمة قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلاّ شعبان ورمضان». وقد رجّح طائفة من العلماء؛ منهم ابن المبارك وغيره أنّ النبيّ ﷺ لم يستكمل صيام شعبان، وإنّما كان يصوم أكثره. ويشهد له ما في «صحيح مسلم» عن عائشة ﵂، قالت: «ما علمته - تعني النبي ﷺ صام شهرا

стр. 221

كلّه إلاّ رمضان» (١). وفي رواية له أيضا عنها قالت: «ما رأيته صام شهرا كاملا، منذ قدم المدينة، إلاّ أن يكون رمضان» (١). وفي رواية له أيضا أنّها قالت: «لا أعلم نبيّ الله ﷺ قرأ القرآن كلّه في ليلة، ولا صام شهرا كاملا غير رمضان» (٢). وفي رواية له أيضا، قالت: «ما رأيته قام ليلة حتّى الصّباح، ولا صام شهرا متتابعا إلاّ رمضان» (٢). وفي «الصحيحين» عن ابن عباس، قال: «ما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا غير رمضان» (٣). وكان ابن عباس يكره أن يصوم شهرا كاملا غير رمضان. وروى عبد الرزّاق في «كتابه» عن ابن جريج، عن عطاء، قال: «كان ابن عبّاس ينهى عن صيام الشّهر كاملا، ويقول: ليصمه إلاّ أيّاما؛ وكان ينهى عن إفراد اليوم كلّما مرّ به، وعن صيام الأيّام المعلومة، وكان يقول: لا تصم أيّاما معلومة» (٤). فإن قيل: فكيف كان النبيّ ﷺ يخصّ شعبان بصيام التّطوّع فيه مع أنّه قال: «أفضل الصّيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرّم»؟ فالجواب: أنّ جماعة من النّاس أجابوا عن ذلك بأجوبة غير قوية؛ لاعتقادهم أنّ صيام المحرّم والأشهر الحرم أفضل من صيام شعبان، كما صرّح به الشافعية وغيرهم، والأظهر خلاف ذلك، وأنّ صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم. ويدلّ على ذلك ما خرّجه الترمذيّ من حديث أنس: سئل النبيّ ﷺ : أي الصّيام أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان (٥)، تعظيما لرمضان. وفي إسناده مقال.

стр. 222

وفي «سنن ابن ماجه» أنّ أسامة كان يصوم الأشهر الحرم، فقال له رسول الله ﷺ : «صم شوّالا»، فترك الأشهر الحرم، فكان يصوم شوّالا حتى مات (١). وفي إسناده إرسال. وقد روي من وجه آخر يعضده. فهذا نصّ في تفضيل صيام شوّال على صيام الأشهر الحرم، وإنّما كان كذلك لأنّه يلي رمضان من بعده، كما أنّ شعبان يليه من قبله، وشعبان أفضل؛ لصيام النبيّ ﷺ له دون شوّال، فإذا كان صيام شوّال أفضل من الأشهر الحرم فلأن يكون صوم شعبان أفضل بطريق الأولى. فظهر بهذا أنّ أفضل التّطوّع ما كان قريبا من رمضان؛ قبله وبعده، وذلك يلتحق بصيام رمضان؛ لقربه منه، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السّنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، فيلتحق بالفرائض في الفضل، وهي تكملة لنقص الفرائض. وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده. فكما أنّ السّنن الرّواتب أفضل من التّطوّع المطلق بالصّلاة، فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه، ويكون قوله: «أفضل الصّيام بعد رمضان المحرّم» (٢) محمولا على التّطوّع المطلق بالصّيام. فأمّا ما قبل رمضان وبعده فإنّه يلتحق به في الفضل، كما أنّ قوله في تمام الحديث: «وأفضل الصّلاة بعد المكتوبة قيام اللّيل» (٢) إنّما أريد به تفضيل قيام اللّيل على التّطوّع المطلق دون السّنن الرواتب عند جمهور العلماء، خلافا لبعض الشافعية. والله أعلم. فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : «أفضل الصّيام صيام داود؛ كان يصوم يوما ويفطر يوما» ولم يصم كذلك، بل كان يصوم سردا ويفطر سردا، ويصوم شعبان وكلّ إثنين وخميس؟.

стр. 223

قيل: صيام داود الذي فضّله النبيّ ﷺ على الصيام، قد فسره النبيّ ﷺ في حديث آخر بأنه صوم شطر الدهر، وكان صيام النبيّ ﷺ إذا جمع يبلغ صيام نصف الدّهر أو يزيد عليه، وقد كان يصوم مع ما سبق ذكره يوم عاشوراء، وتسع ذي الحجّة، وإنّما كان يفرّق صيامه ولا يصوم يوما ويفطر يوما؛ لأنّه كان يتحرّى صيام الأوقات الفاضلة، ولا يضرّ تفريق الصّيام والفطر أكثر من يوم ويوم، إذا كان القصد به التّقوّي على ما هو أفضل من الصّيام؛ من أداء الرّسالة وتبليغها، والجهاد عليها، والقيام بحقوقها، فكان صيام يوم وفطر يوم يضعفه عن ذلك. ولهذا لما سئل النبيّ ﷺ في حديث أبي قتادة عمّن يصوم يوما ويفطر يومين، قال: «وددت أنّي طوّقت ذلك» (١). وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص لمّا كبر يسرد الفطر أحيانا ليتقوّى به على الصّيام، ثمّ يعود فيصوم ما فاته محافظة على ما فارق عليه النبيّ ﷺ من صيام شطر الدّهر، فحصل للنبيّ ﷺ أجر صيام شطر الدّهر، وأزيد منه بصيامه المتفرّق، وحصل له أجر تتابع الصّيام بتمنّيه لذلك، وإنّما عاقه عنه الاشتغال بما هو أهمّ منه وأفضل. والله أعلم. وقد ظهر بما ذكرناه وجه صيام النبيّ ﷺ لشعبان دون غيره من الشّهور، وفيه معان أخر؛ وقد ذكر منها النبيّ ﷺ في حديث أسامة معنيين: أحدهما: أنّه شهر يغفل النّاس عنه بين رجب ورمضان؛ يشير ﷺ إلى أنّه لمّا اكتنفه شهران عظيمان؛ الشهر الحرام، وشهر الصّيام، اشتغل النّاس بهما عنه، فصار مغفولا عنه. وكثير من النّاس يظنّ أنّ صيام رجب أفضل من صيامه لأنّه شهر حرام، وليس كذلك. وروى ابن وهب، قال: حدثنا معاوية بن

стр. 224

صالح، عن أزهر بن سعد، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ذكر لرسول الله ﷺ ناس يصومون رجبا، فقال: «فأين هم عن شعبان» (١). وفي قوله: «يغفل النّاس عنه بين رجب ورمضان» إشارة إلى أنّ بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه؛ إمّا مطلقا أو لخصوصيّة فيه لا يتفطّن لها أكثر النّاس. فيشتغلون بالمشهور عنه، ويفوّتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم. وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة النّاس بالطّاعة، وأنّ ذلك محبوب لله ، كما كان طائفة من السّلف يستحبّون إحياء ما بين العشاءين بالصّلاة، ويقولون: هي ساعة غفلة، وكذلك فضل القيام في وسط اللّيل؛ لشمول الغفلة لأكثر النّاس فيه عن الذّكر، وقد قال النبيّ ﷺ : «إن استطعت أن تكون ممّن يذكر الله في تلك السّاعة فكن». ولهذا المعنى كان النبي ﷺ يريد أن يؤخّر العشاء إلى نصف اللّيل، وإنّما علّل ترك ذلك لخشية المشقّة على النّاس. ولمّا خرج ﷺ على أصحابه وهم ينتظرونه لصلاة العشاء قال لهم: «ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم» (٢). وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرّد بذكر الله في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر له. ولهذا ورد في فضل الذكر في الأسواق ما ورد من الحديث المرفوع والآثار الموقوفة، حتّى قال أبو صالح: إنّ الله ليضحك ممّن يذكره في السّوق، وسبب ذلك أنّه ذكر في موطن الغفلة بين أهل الغفلة.

стр. 225

وفي حديث أبي ذرّ المرفوع: «ثلاثة يحبّهم الله؛ قوم ساروا ليلتهم، حتّى إذا كان النّوم أحبّ إليهم ممّا يعدل به فوضعوا رءوسهم، فقام أحدهم يتملّقني ويتلو آياتي، وقوم كانوا في سريّة فانهزموا، فتقدّم أحدهم فلقي العدوّ فصبر حتّى قتل»، وذكر «أيضا قوما جاءهم سائل فسألهم فلم يعطوه، فانفرد أحدهم حتّى أعطاه سرّا» (١) فهؤلاء الثّلاثة انفردوا عن رفقتهم بمعاملة الله سرّا بينهم وبينه، فأحبّهم الله. فكذلك من يذكر الله في غفلة النّاس، أو من يصوم في أيّام غفلة النّاس عن الصّيام. وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطّاعة فوائد: منها: أنّه يكون أخفى، وإخفاء النّوافل وإسرارها أفضل، لا سيّما الصيام؛ فإنّه سرّ بين العبد وربّه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء. وقد صام بعض السّلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان، فيتصدّق بهما ويصوم، فيظنّ أهله أنّه أكلهما، ويظنّ أهل سوقه أنّه أكل في بيته. وكانوا يستحبّون لمن صام أن يظهر ما يخفي به صيامه. فعن ابن مسعود أنّه قال: «إذا أصبحتم صياما فأصبحوا مدّهنين». وقال قتادة: يستحبّ للصائم أن يدّهن حتّى تذهب عنه غبرة الصّيام. وقال أبو التيّاح: أدركت أبي ومشيخة الحيّ، إذا صام أحدهم ادّهن ولبس صالح ثيابه. ويروى أنّ عيسى بن مريم ﵇ قال: إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته، وليمسح شفتيه من دهنه حتّى ينظر النّاظر إليه فيرى أنّه ليس بصائم.

стр. 226

اشتهر بعض الصّالحين بكثرة الصّيام، فكان يجتهد في إظهار فطره للنّاس حتّى كان يقوم يوم الجمعة والنّاس مجتمعون في مسجد الجامع، فيأخذ إبريقا، فيضع بلبلته في فيه ويمصّه ولا يزدرد منه شيئا، ويبقى ساعة كذلك لينظر النّاس إليه فيظنّون أنّه يشرب الماء، وما دخل إلى حلقه منه شيء. كم ستر الصّادقون أحوالهم وريح الصّدق ينمّ عليهم. ريح الصّيام أطيب من ريح المسك تستنشقه قلوب المؤمنين وإن خفي، وكلّما طالت عليه المدّة ازداد قوّة ريحه. كم أكتم حبّكم عن الأغيار … والدّمع يذيع في الهوى أسراري كم أستركم هتكتم أستار … من يخفي في الهوى لهيب النّار ما أسرّ أحد سريرة إلاّ ألبسه الله رداءها علانية. وهبني كتمت السّرّ أو قلت غيره … أتخفى على أهل القلوب السّرائر أبى ذاك أنّ السّرّ في الوجه ناطق … وأنّ ضمير القلب في العين ظاهر ومنها: أنّه أشقّ على النّفوس؛ وأفضل الأعمال أشقّها على النّفوس، وسبب ذلك أنّ النّفوس تتأسّى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة النّاس وطاعاتهم كثر أهل الطّاعة؛ لكثرة المقتدين بهم، فسهلت الطّاعات. وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسّى بهم عموم النّاس، فيشقّ على نفوس المتيقظين طاعاتهم؛ لقلّة من يقتدون بهم فيها. ولهذا المعنى قال النبيّ ﷺ : «للعامل منهم أجر خمسين منكم، إنّكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون» (١). وقال: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود

стр. 227

غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء» (١). وفي رواية: «قيل: ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد النّاس» (٢). وفي «صحيح مسلم» من حديث معقل بن يسار، عن النبي ﷺ ، قال: «العبادة في الهرج كالهجرة إليّ» (٣). وخرّجه الإمام أحمد، ولفظه: «العبادة في الفتنة كالهجرة إليّ» (٣). وسبب ذلك أنّ الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين، فيكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسّك بدينه ويعبد ربّه ويتّبع مراضيه، ويجتنب مساخطه، كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله ﷺ مؤمنا به، متّبعا لأوامره، مجتنبا لنواهيه. ومنها: أنّ المنفرد بالطّاعة بين أهل المعاصي والغفلة قد يدفع به البلاء عن النّاس كلّهم، فكأنّه يحميهم ويدافع عنهم. وفي حديث ابن عمر الذي رويناه في «جزء ابن عرفة» مرفوعا: «ذاكر الله في الغافلين كالذي يقاتل عن الفارّين، وذاكر الله في الغافلين كالشّجرة الخضراء في وسط الشّجر الذي تحاتّ ورقة من الصّريد - والصّريد: البرد الشّديد - وذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كلّ رطب ويابس، وذاكر الله في الغافلين يعرف مقعده في الجنّة» (٤). قال بعض السّلف: ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة، ولولا من يذكر الله في غفلة النّاس لهلك النّاس.

стр. 228

رأى جماعة من المتقدمين في منامهم كأنّ ملائكة نزلت إلى بلاد شتّى، فقال بعضهم لبعض: اخسفوا بهذه القرية، فقال بعضهم: كيف نخسف بها وفلان فيها قائم يصلّي؟ ورأى بعض المتقدّمين في منامه من ينشد ويقول: لولا الّذين لهم ورد يصلّونا … وآخرون لهم سرد يصومونا لدكدكت أرضكم من تحتكم سحرا … لأنّكم قوم سوء ما تطيعونا وفي «مسند البزّار» عن أبي هريرة مرفوعا: «مهلا عن الله مهلا، فلولا عباد ركّع، وأطفال رضّع، وبهائم رتّع، لصبّ عليكم العذاب صبّا» (١). ولبعضهم في هذا المعنى: لولا عباد للإله ركّع … وصبية من اليتامى رضّع ومهملات في الفلاة رتّع … صبّ عليكم العذاب الموجع وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]: إنه يدخل فيها دفعه عن العصاة بأهل الطّاعة. وجاء في الآثار: إنّ الله يدفع بالرّجل الصالح عن أهله وولده وذريّته ومن حوله. وفي بعض الآثار: «يقول الله : أحبّ العباد إليّ المتحابّون بجلالي المشّاءون في الأرض بالنّصيحة، المشّاءون على أقدامهم إلى الجمعات» (٢).

стр. 229

وفي رواية: «المعلّقة قلوبهم بالمساجد، والمستغفرون بالأسحار، فإذا أردت إنزال عذاب بأهل الأرض فنظرت إليهم صرفت العذاب عن الناس» (١). وقال مكحول: ما دام في النّاس خمسة عشر يستغفر كلّ منهم الله كلّ يوم خمسا وعشرين مرّة لم يهلكوا بعذاب عامّة. الآثار في هذا المعنى كثيرة جدّا. وقد روي في صيام النبيّ ﷺ شعبان معنى آخر، وهو أنّه تنسخ فيه الآجال، فروي بإسناد فيه ضعف عن عائشة، قالت: «كان أكثر صيام رسول الله ﷺ في شعبان، فقلت: يا رسول الله، أرى أكثر صيامك في شعبان. قال: إنّ هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت من يقبض، فأنا لا أحبّ أن ينسخ اسمي إلاّ وأنا صائم» (٢). وقد روي مرسلا، وقيل: إنّه أصحّ. وفي حديث آخر مرسل: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتّى إنّ الرّجل لينكح ويولد له ولقد خرج اسمه في الموتى» (٣). وروي في ذلك معنى آخر، وهو أنّ النبيّ ﷺ كان يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام، وربّما أخّر ذلك حتّى يصوم شعبان (٤). رواه ابن أبي ليلى، عن أخيه

стр. 230

عيسى، عن أبيهما، عن عائشة. خرّجه الطبرانيّ. ورواه غيره، وزاد «قالت عائشة: فربّما أردت أن أصوم فلم أطق، حتّى إذا صام صمت معه». وقد يشكل على هذا ما في «صحيح مسلم» عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر، لا يبالي من أيّه كان» (١). وفيه أيضا عنها، قالت: «ما علمته - تعني النبيّ ﷺ صام شهرا كاملا إلاّ رمضان، ولا أفطره كلّه حتّى يصوم منه، حتّى مضى لسبيله» (٢). وقد يجمع بينهما بأنّه قد يكون صومه في بعض الشّهور لا يبلغ ثلاثة أيّام، فيكمل ما فاته من ذلك في شعبان، أو أنّه كان يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام مع الإثنين والخميس، فيؤخّر الثلاثة خاصّة حتّى يقضيها في شعبان مع صومه الإثنين والخميس. وبكلّ حال فكان النبيّ ﷺ عمله ديمة، وكان إذا فاته شيء من نوافله قضاه، كما كان يقضي ما فاته من سنن الصّلاة وما فاته من قيام الليل بالنّهار. وكان إذا دخل شعبان وعليه بقيّة من صيام تطوّع لم يصمه؛ قضاه في شعبان حتّى يستكمل نوافله بالصّوم قبل دخول رمضان، فكانت عائشة حينئذ تغتنم قضاءه لنوافله فتقضي ما عليها من فرض رمضان حينئذ لفطرها فيه بالحيض، وكانت في غيره من الشّهور مشتغلة بالنبيّ ﷺ ؛ فإنّ المرأة لا تصوم وبعلها شاهد إلاّ بإذنه. فمن دخل عليه شعبان وقد بقي عليه من نوافل صيامه في العام شيء استحبّ له قضاؤها فيه حتّى يكمل نوافل صيامه بين الرّمضانين. ومن كان عليه شيء من قضاء رمضان وجب عليه قضاؤه مع القدرة، ولا يجوز له تأخيره إلى

стр. 231

ما بعد رمضان آخر لغير ضرورة، فإن فعل ذلك وكان تأخيره لعذر مستمرّ بين الرّمضانين، كان عليه قضاؤه بعد رمضان الثاني، ولا شيء عليه مع القضاء. وإن كان ذلك لغير عذر؛ فقيل: يقضي ويطعم مع القضاء لكلّ يوم مسكينا، وهو قول مالك والشّافعيّ وأحمد اتباعا لآثار وردت بذلك. وقيل: يقضي ولا إطعام عليه، وهو قول أبي حنيفة. وقيل: يطعم ولا يقضي، وهو ضعيف. وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر، وهو أنّ صيامه كالتّمرين على صيام رمضان؛ لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقّة وكلفة، بل يكون قد تمرّن على الصّيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصّيام ولذّته، فيدخل في صيام رمضان بقوّة ونشاط. ولمّا كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصّيام وقراءة القرآن؛ ليحصل التّأهّب لتلقّي رمضان، وترتاض النّفوس بذلك على طاعة الرّحمن. روينا بإسناد ضعيف عن أنس، قال: كان المسلمون إذا دخل شعبان أكبّوا على المصاحف فقرءوها، وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضّعيف والمسكين على صيام رمضان. وقال سلمة بن كهيل: كان يقال: شهر شعبان شهر القرّاء. وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القرّاء. وكان عمرو بن قيس الملائيّ إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرّغ لقراءة القرآن. قال الحسن بن سهيل: قال شعبان: يا ربّ، جعلتني بين شهرين عظيمين، فما لي؟ قال: جعلت فيك قراءة القرآن. يا من فرّط في الأوقات الشريفة وضيّعها وأودعها الأعمال السيئة، وبئس ما استودعها. مضى رجب وما أحسنت فيه … وهذا شهر شعبان المبارك

стр. 232

فيا من ضيّع الأوقات جهلا … بحرمتها أفق واحذر بوارك فسوف تفارق اللّذّات قهرا … ويخلي الموت كرها منك دارك تدارك ما استطعت من الخطايا … بتوبة مخلص واجعل مدارك على طلب السّلامة من جحيم … فخير ذوي الجرائم من تدارك ***

стр. 233

المجلس الثاني في نصف شعبان خرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذيّ والنّسائيّ وابن ماجه وابن حبان في «صحيحه» والحاكم من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان» (١)، وصحّحه الترمذيّ وغيره. واختلف العلماء في صحة هذا الحديث، ثمّ في العمل به: فأمّا تصحيحه؛ فصحّحه غير واحد، منهم الترمذيّ وابن حبان والحاكم والطّحاويّ وابن عبد البر، وتكلّم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا: هو حديث منكر؛ منهم عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وأبو زرعة الرازيّ، والأثرم. وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثا أنكر منه، وردّه بحديث «لا تقدّموا رمضان بصوم يوم أو يومين» (٢) فإنّ مفهومه جواز التّقدّم بأكثر من يومين. وقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه؛ يشير إلى أحاديث صيام النبيّ ﷺ شعبان كلّه ووصله برمضان، ونهيه عن التقدّم على رمضان بيومين، فصار الحديث حينئذ شاذّا مخالفا للأحاديث الصّحيحة.

стр. 234

وقال الطّحاويّ: هو منسوخ، وحكى الإجماع على ترك العمل به. وأكثر العلماء على أنّه لا يعمل به، وقد أخذ به آخرون؛ منهم الشافعيّ وأصحابه، ونهوا عن ابتداء التطوّع بالصّيام بعد نصف شعبان لمن ليس له عادة، ووافقهم بعض المتأخرين من أصحابنا. ثمّ اختلفوا في علّة النّهي: فمنهم من قال: خشية أن يزاد في شهر رمضان ما ليس منه، وهذا بعيد جدّا فيما بعد النصف، وإنّما يحتمل هذا في التّقدم بيوم أو يومين. ومنهم من قال: النهي للتّقوّي على صيام رمضان شفقة أن يضعفه ذلك عن صيام رمضان؛ وروي ذلك عن وكيع. ويردّ هذا صيام النبيّ ﷺ شعبان كلّه أو أكثره ووصله برمضان. هذا كلّه في الصيام بعد نصف شعبان. فأمّا صيام يوم النّصف منه فغير منهيّ عنه، فإنّه من جملة أيّام البيض الغرّ المندوب إلى صيامها من كلّ شهر. وقد ورد الأمر بصيامه من شعبان بخصوصه، ففي «سنن ابن ماجه» بإسناد ضعيف عن عليّ عن النبي ﷺ : «إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإنّ الله تعالى ينزل فيها لغروب الشّمس إلى السماء الدّنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا، حتّى يطلع الفجر» (١). وفي فضل ليلة نصف شعبان أحاديث أخر متعدّدة، وقد اختلف فيها، فضعّفها الأكثرون، وصحّح ابن حبّان بعضها وخرّجه في «صحيحه». ومن أمثلها: حديث عائشة، قالت: «فقدت النبيّ ﷺ ، فخرجت فإذا هو

стр. 235

بالبقيع رافع رأسه إلى السّماء، فقال: أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ فقلت: يا رسول الله، ظننت أنّك أتيت بعض نسائك. فقال: «إنّ الله ﵎ ينزل ليلة النّصف من شعبان إلى سماء الدّنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب» (١) خرّجه الإمام أحمد والترمذيّ وابن ماجه، وذكر الترمذيّ عن البخاريّ أنّه ضعّفه. وخرّج ابن ماجه من حديث أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: «إنّ الله ليطّلع ليلة النّصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلاّ لمشرك أو مشاحن» (٢). وخرّج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: «إنّ الله ليطّلع إلى خلقه ليلة النّصف من شعبان فيغفر لعباده إلاّ اثنين: مشاحن، وقاتل نفس» (٣). وخرّجه ابن حبّان في «صحيحه» من حديث معاذ مرفوعا (٤). ويروى من حديث عثمان بن أبي العاص مرفوعا: «إذا كان ليلة النّصف من شعبان نادى مناد: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ فلا يسأل أحد شيئا إلاّ أعطيه، إلاّ زانية بفرجها أو مشركا» (٥). وفي الباب أحاديث أخر فيها ضعف.

стр. 236

ويروى عن نوف البكالي أنّ عليّا ﵁ خرج ليلة النّصف من شعبان فأكثر الخروج فيها، ينظر إلى السّماء، فقال: إنّ داود ﵇ خرج ذات ليلة في مثل هذه السّاعة فنظر إلى السّماء، فقال: إنّ هذه السّاعة ما دعا الله أحد إلاّ أجابه، ولا استغفره أحد في هذه الليلة إلاّ غفر له، ما لم يكن عشّارا أو ساحرا أو شاعرا أو كاهنا أو عريفا أو شرطيّا أو جابيا أو صاحب كوبة أو عرطبة. قال نوف: الكوبة: الطبل، والعرطبة: الطّنبور. اللهم ربّ داود، اغفر لمن دعاك في هذه الليلة ولمن استغفرك فيها. وليلة النّصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام - كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم - يعظّمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنّه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلمّا اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف النّاس في ذلك؛ فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها؛ منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم. وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز؛ منهم عطاء وابن أبي مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كلّه بدعة. واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين: أحدهما: أنّه يستحبّ إحياؤها جماعة في المساجد، كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخّرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله عنه حرب الكرمانيّ في مسائله. والثاني: أنّه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصّلاة والقصص والدّعاء،

стр. 237

ولا يكره أن يصلي الرجل فيها بخاصة نفسه، وهذا قول الأزواعيّ إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنّه كتب إلى عامله بالبصرة: عليك بأربع ليال من السّنة؛ فإنّ الله يفرغ فيهن الرّحمة إفراغا؛ أول ليلة من رجب، وليلة النّصف من شعبان، وليلة الفطر، وليلة الأضحى؛ وفي صحته عنه نظر. وقال الشافعي: بلغنا أنّ الدّعاء يستجاب في خمس ليال: ليلة الجمعة، والعيدين، وأوّل رجب، ونصف شعبان. قال: وأستحبّ كل ما حكيت في هذه الليالي. ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان. ويخرّج في استحباب قيامها عنه روايتان، من الروايتين عنه: في قيام ليلة العيد، فإنّه في رواية لم يستحبّ قيامها جماعة؛ لأنّه لم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه. واستحبّها في رواية لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين. فكذلك قيام ليلة النصف لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام. وروي عن كعب، قال: إنّ الله تعالى يبعث ليلة النصف من شعبان جبريل ﵇ إلى الجنّة، فيأمرها أن تتزيّن، ويقول: إنّ الله تعالى قد أعتق في ليلتك هذه عدد نجوم السّماء وعدد أيّام الدّنيا ولياليها، وعدد ورق الشّجر، وزنة الجبال، وعدد الرّمال. وروى سعيد بن منصور، حدثنا أبو معشر، عن أبي حازم ومحمد بن قيس، عن عطاء بن يسار، قال: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من شعبان، ينزل الله ﵎ إلى السّماء الدّنيا فيغفر لعباده كلهم، إلاّ لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم.

стр. 238

فيا من أعتق فيها من النّار، هنيئا لك هذه المنحة الجسيمة، ويا أيّها المردود فيها، جبر الله مصيبتك؛ فإنّها مصيبة عظيمة. بكيت على نفسي وحقّ أن أبكي … وما أنا من تضييع عمري في شكّ لئن قلت إني في صنيعي محسن … فإنّي في قولي لذلك ذو إفك ليالي شعبان وليلة نصفه … بأيّة حال قد تنزّل لي صكّي وحقّ لعمري أن أديم تضرّعي … لعلّ إله الخلق يسمح بالفكّ فينبغي للمؤمن أن يتفرّغ في تلك الليلة لذكر الله ودعائه بغفران الذّنوب وستر العيوب وتفريج الكروب، وأن يقدّم على ذلك التّوبة؛ فإنّ الله تعالى يتوب فيها على من يتوب. فقم ليلة النّصف الشّريف مصلّيا … فأشرف هذا الشّهر ليلة نصفه فكم من فتى قد بات في النّصف آمنا (١) … وقد نسخت فيه صحيفة حتفه فبادر بفعل الخير قبل انقضائه … وحاذر هجوم الموت فيه بصرفه وصم يومها لله واحسن رجاءه … لتظفر عند الكرب منه بلطفه ويتعيّن على المسلم أن يجتنب الذنوب التي تمنع من المغفرة وقبول الدعاء في تلك الليلة. وقد روي أنّها: الشرك، وقتل النفس، والزّنا؛ وهذه الثلاثة أعظم الذنوب عند الله، كما في حديث ابن مسعود المتّفق على صحته، «أنّه سأل النبيّ ﷺ : أيّ الذّنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قال: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال: ثم أيّ؟ قال: أن تزاني حليلة جارك فأنزل الله تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]» (٢).

стр. 239

ومن الذنوب المانعة من المغفرة أيضا: الشحناء، وهي حقد المسلم على أخيه بغضا له؛ لهوى نفسه، وذلك يمنع أيضا من المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة؛ كما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «تفتح أبواب الجنّة يوم الإثنين والخميس، فيغفر لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا، إلاّ رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتّى يصطلحا» (١). وقد فسّر الأوزاعيّ هذه الشّحناء المانعة بالذي في قلبه شحناء لأصحاب النبي ﷺ ، ولا ريب أنّ هذه الشّحناء أعظم جرما من مشاحنة الأقران بعضهم بعضا. وعن الأوزاعي أنّه قال: المشاحن كلّ صاحب بدعة فارق عليها الأمّة. وكذا قال ابن ثوبان: المشاحن هو التارك لسنّة نبيّه ﷺ ، الطاعن على أمّته، السّافك دماءهم. وهذه الشّحناء - أعني شحناء البدعة - توجب الطّعن على جماعة المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم، كبدع الخوارج والرّوافض ونحوهم. فأفضل الأعمال: سلامة الصّدر من أنواع الشّحناء كلّها، وأفضلها السّلامة من شحناء أهل الأهواء والبدع التي تقتضي الطّعن على سلف الأمّة، وبغضهم والحقد عليهم، واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم؛ ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشّحناء لعموم المؤمنين، وإرادة الخير لهم، ونصيحتهم، وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه وقد وصف الله تعالى المؤمنين عموما بأنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وفي «المسند» عن أنس أنّ النبيّ ﷺ قال لأصحابه ثلاثة أيام: «يطلع عليكم

стр. 240

الآن رجل من أهل الجنّة» فيطلع رجل واحد، فاستضافه عبد الله بن عمرو، فنام عنده ثلاثا لينظر عمله، فلم ير له في بيته كبير عمل، فأخبره بالحال، فقال له: هو ما ترى، إلاّ أني أبيت وليس في قلبي شيء على أحد من المسلمين. فقال عبد الله: بهذا بلغ ما بلغ (١). وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو، قال: «قيل: يا رسول الله، أيّ الناس أفضل؟ قال: كلّ مخموم القلب، صدوق اللّسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التّقيّ النّقيّ الذي لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غلّ، ولا حسد» (٢). قال بعض السّلف: أفضل الأعمال سلامة الصّدور، وسخاوة النّفوس، والنّصيحة للأمّة؛ وبهذه الخصال بلغ من بلغ، لا بكثرة الاجتهاد في الصّوم والصّلاة. إخواني، اجتنبوا الذّنوب التي تحرم العبد مغفرة مولاه الغفّار في مواسم الرّحمة والتوبة والاستغفار: أمّا الشّرك: فإنّه ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. وأما القتل: فلو اجتمع أهل السّماوات وأهل الأرض على قتل رجل مسلم بغير حقّ لأكبّهم الله جميعا في النار. وأمّا الزّنا: فحذار حذار من التعرّض لسخط الجبّار. الخلق كلّهم عبيده وإماؤه، والله تعالى يغار، لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، فمن أجل ذلك حرّم الفواحش وأمر بغضّ الأبصار.

стр. 241

وأمّا الشّحناء: فيا من أضمر لأخيه السّوء وقصد له الإضرار ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، يكفيك حرمان المغفرة في أوقات مغفرة الأوزار. خاب عبد بارز المو … لى بأسباب المعاصي ويحه ممّا جناه … لم يخف يوم القصاص يوم فيه ترعد الأقدا … م من شيب النّواصي لي ذنوب في ازدياد … وحياة في انتقاص فمتى أعمل ما أع … لم لي فيه خلاصي وقد روي عن عكرمة وغيره من المفسّرين في قوله تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدّخان: ٤]. أنّها ليلة النّصف من شعبان. والجمهور على أنّها ليلة القدر، وهو الصحيح. وقال عطاء بن يسار: إذا كان ليلة النّصف من شعبان دفع إلى ملك الموت صحيفة، فيقال: اقبض من في هذه الصحيفة، فإنّ العبد ليغرس الغراس، وينكح الأزواج، ويبني البنيان، وإنّ اسمه قد نسخ في الموتى ما ينتظر به ملك الموت إلاّ أن يؤمر به فيقبضه. يا مغرورا بطول الأمل، يا مسرورا بسوء العمل، كن من الموت على وجل، فما تدري متى يهجم الأجل. كلّ امرئ مصبّح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله قال بعض السّلف: كم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومن مؤمل غدا لا يدركه، إنّكم لو رأيتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره. أؤمّل أن أخلّد والمنايا … تدور عليّ من كلّ النّواحي

стр. 242

وما أدري وإن أمسيت يوما … لعلّي لا أعيش إلى الصّباح كم ممّن راح في طلب الدنيا أو غدا، أصبح من سكان القبور غدا. كأنّك بالمضيّ إلى سبيلك … وقد جدّ المجهّز في رحيلك وجيء بغاسل فاستعجلوه … بقولهم له افرغ من غسيلك ولم تحمل سوى كفن وقطن … إليهم من كثيرك أو قليلك وقد مدّ الرّجال إليك نعشا … فأنت عليه ممدود بطولك وصلّوا ثمّ إنّهم تداعوا … لحملك من بكورك أو أصيلك فلمّا أسلموك نزلت قبرا … ومن لك بالسّلامة في نزولك أعانك يوم تدخله رحيم … رءوف بالعباد على دخولك فسوف تجاور الموتى طويلا … فذرني من قصيرك أو طويلك أخيّ لقد نصحتك فاستمع لي … وبالله استعنت على قبولك ألست ترى المنايا كلّ حين … تصيبك في أخيك وفي خليلك ***

стр. 243

المجلس الثالث في صيام آخر شعبان ثبت في «الصحيحين» عن عمران بن حصين: أنّ النبيّ ﷺ قال لرجل: «هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت فصم يومين» (١). وفي رواية للبخاري: أظنه يعني رمضان. وفي رواية لمسلم، وعلّقها البخاري: «هل صمت من سرر شعبان شيئا؟». وفي رواية: «فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه». وفي رواية: يوما أو يومين، شكّ شعبة. وروي «من سرار هذا الشهر». وقد اختلف في تفسير «السّرار»، والمشهور أنّه آخر الشّهر؛ يقال: سرار الشهر وسراره، بكسر السين وفتحها، ذكره ابن السكيت وغيره. وقيل: إن الفتح أفصح، قاله الفراء. وسمي آخر الشهر سرارا لاستسرار القمر فيه. وممن فسّر السّرار بآخر الشهر أبو عبيد وغيره من الأئمة. وكذلك بوّب عليه البخاريّ صيام آخر الشهر. وأشكل هذا على كثير من العلماء؛ فإنّ في «الصحيحين» أيضا، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لا تقدّموا رمضان بيوم أو يومين، إلاّ من كان يصوم صوما فليصمه» (٢). فقال كثير من العلماء، كأبي عبيد، ومن تابعه، كالخطّابي، وأكثر شرّاح

стр. 244

الحديث: إنّ هذا الرجل الذي سأله النبيّ ﷺ كان يعلم أنّ له عادة بصيامه، أو كان قد نذره، فلذلك أمره بقضائه. وقالت طائفة: حديث عمران يدلّ على أنّه يجوز صيام يوم الشكّ وآخر شعبان مطلقا، سواء وافق عادة أو لم يوافق. وإنما ينهى عنه إذا صامه بنيّة الرّمضانية احتياطا، وهذا مذهب مالك، وذكر أنّه القول الذي أدرك عليه أهل العلم، حتى قال محمد بن مسلمة من أصحابه: يكره الأمر بفطره؛ لئلا يعتقد وجوب الفطر قبل الشهر كما وجب بعده. وحكى ابن عبد البر هذا القول عن أكثر علماء الأمصار، وذكر محمد بن ناصر الحافظ أنّ هذا هو مذهب أحمد أيضا، وغلط في نقله هذا عن أحمد. ولكن يشكل على هذا حديث أبي هريرة ﵁، وقوله: «إلاّ من كان يصوم صوما فليصمه». وقد ذكر الشافعيّ في كتاب «مختلف الحديث» احتمالا في معنى قوله: «إلا من كان يصوم صوما فليصمه». وفي رواية: «إلاّ أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم»: أنّ المراد بموافقة العادة صيامه على عادة النّاس في التطوع بالصّيام دون صيامه بنيّة الرّمضانية للاحتياط. وقالت طائفة: سرّ الشهر: أوله. وخرّج أبو داود في «باب تقدّم رمضان» من حديث معاوية أنّه قال: إنّي متقدّم الشهر، فمن شاء فليتقدّم، فسئل عن ذلك، فقال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «صوموا الشهر وسرّه» (١). ثم حكى أبو داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أنّ سرّ الشهر أوّله. قال أبو داود: وقال بعضهم: سرّه: وسطه. وفرّق الأزهريّ بين سرار الشهر وسره، فقال: سراره وسرره: آخره، وسرّه: وسطه، وهي أيّام البيض، وسرّ كلّ شيء جوفه.

стр. 245

وفي رواية لمسلم في حديث عمران بن حصين المذكور «هل صمت من سرّة هذا الشهر» (١)، وفسّر ذلك بأيّام البيض. قلت: لا يصحّ أن يفسّر سرر الشهر وسراره بأوّله؛ لأنّ أوّل الشهر يشتهر فيه الهلال ويرى من أوّل الليل، ولذلك سمّي الشهر شهرا؛ لاشتهاره وظهوره. فتسمية ليالي الاشتهار ليالي السّرار قلب للّغة والعرف. وقد أنكر العلماء ما حكاه أبو داود عن الأوزاعي، منهم الخطّابيّ، وروى بإسناده عن الوليد، عن الأوزاعيّ، قال: سرّ الشهر: آخره. وقال الهرويّ: المعروف أنّ سرّ الشهر آخره. وفسّر الخطّابيّ حديث معاوية: «صوموا الشهر وسرّه» بأنّ المراد بالشهر الهلال، فيكون المعنى: صوموا أوّل الشهر وآخره، فلذلك أمر معاوية بصيام آخر الشهر. قلت: لمّا روى معاوية: «صوموا الشهر وسرّه» وصام آخر الشهر، علم أنّه فسّر السرّ بالآخر. والأظهر أنّ المراد بالشهر شهر رمضان كلّه، والمراد بسرّه آخر شعبان، كما في رواية البخاري في حديث عمران «أظنه يعني رمضان». وأضاف السّرر إلى رمضان، وإن لم يكن منه، كما سمّي رمضان شهر عيد وإن كان العيد ليس منه، لكنّه يعقبه، فدلّ حديث عمران وحديث معاوية على استحباب صيام آخر شعبان. وإنّما أمر بقضائه في أوّل شوّال؛ لأنّ كلاّ من الوقتين صيام يلي شهر رمضان، فهو ملتحق برمضان في الفضل، فمن فاته ما قبله صامه فيما بعده، كما كان النبيّ ﷺ يصوم شعبان، وندب إلى صيام شوال. وإنما يشكل على هذا حديث أبي هريرة ﵁ في نهي النّبيّ ﷺ عن تقدّم

стр. 246

رمضان بيوم أو يومين، إلاّ من له عادة أو من كان يصوم صوما. وأكثر العلماء على أنّه نهى عن التقدّم إلاّ لمن كانت له عادة بالتطوّع فيه، وهو ظاهر الحديث. ولم يذكر أكثر العلماء في تفسيره بذلك اختلافا، وهو الذي اختاره الشافعيّ في تفسيره ولم يرجّح ذلك الاحتمال المتقدّم. وعلى هذا فيرجّح حديث أبي هريرة على حديث عمران؛ فإنّ حديث أبي هريرة فيه نهي عامّ للأمّة عموما، فهو تشريع عامّ للأمّة، فيعمل به. وأمّا حديث عمران فهي قضيّة عين في حقّ رجل معيّن، فيتعيّن حمله على صورة صيام لا ينهى عن التقدّم به جمعا بين الحديثين. وأحسن ما حمل عليه أنّ هذا الرّجل الذي سأله النبيّ ﷺ كان قد علم منه ﷺ أنّه كان يصوم شعبان أو أكثره موافقة لصيام النبيّ ﷺ ، وكان قد أفطر فيه بعضه، فسأله عن صيام آخره، فلمّا أخبره أنّه لم يصم آخره أمره بأن يصوم بدله بعد يوم الفطر؛ لأنّ صيام أوّل شوال كصيام آخر شعبان، وكلاهما حريم لرمضان. وفيه دليل على استحباب قضاء ما فات من التطوّع بالصيام، وأن يكون في أيام مشابهة للأيّام التي فات فيها الصّيام في الفضل، وفيه دليل على أنّه يجوز لمن صام شعبان أو أكثره أن يصله برمضان من غير فصل بينهما. فصيام آخر شعبان له ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصومه بنيّة الرّمضانيّة احتياطا لرمضان، فهذا منهيّ عنه، وقد فعله بعض الصحابة، وكأنّهم لم يبلغهم النهي عنه؛ وفرّق ابن عمر بين يوم الغيم والصّحو في يوم الثلاثين من شعبان، وتبعه الإمام أحمد. والثاني: أن يصام بنيّة النذر أو قضاء عن رمضان أو عن كفّارة ونحو ذلك، فجوّزه الجمهور. ونهى عنه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم مطلقا، وهم طائفة من السّلف. وحكي كراهته أيضا عن أبي حنيفة والشافعي، وفيه نظر.

стр. 247

والثالث: أن يصام بنيّة التطوّع المطلق، فكرهه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بالفطر؛ منهم الحسن، وإن وافق صوما كان يصومه، ورخّص فيه مالك ومن وافقه، وفرّق الشافعيّ والأوزاعيّ وأحمد وغيرهم بين أن يوافق عادة أو لا، وكذلك يفرق بين من تقدّم صيامه بأكثر من يومين ووصله برمضان، فلا يكره أيضا إلاّ عند من كره الابتداء بالتطوّع بالصّيام بعد نصف شعبان؛ فإنّه ينهى عنه إلاّ أن يبتدئ الصيام قبل النصف ثم يصله برمضان. وفي الجملة فحديث أبي هريرة هو المعمول به في هذا الباب عند كثير من العلماء، وأنّه يكره التقدّم قبل رمضان بالتطوّع بالصيام بيوم أو يومين لمن ليس له به عادة، ولا سبق منه صيام قبل ذلك في شعبان متصلا بآخره. ولكراهة التقدّم ثلاثة معان: أحدها: أنّه على وجه الاحتياط لرمضان، فينهى عن التقدّم قبله؛ لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه، كما نهي عن صيام يوم العيد لهذا المعنى، حذرا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم. وخرّج الطبرانيّ وغيره عن عائشة ﵂، قالت: إنّ ناسا كانوا يتقدّمون الشهر فيصومون قبل النبيّ ﷺ ، فأنزل الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. قالت عائشة: إنّما الصوم صوم النّاس، والفطر فطر النّاس. ومع هذا فكان من السّلف من يتقدّم للاحتياط، والحديث حجّة عليه، ولهذا نهي عن صيام يوم الشكّ. قال عمّار: من صامه فقد عصى أبا القاسم ﷺ . ويوم الشكّ: هو اليوم الذي يشكّ فيه؛ هل هو من رمضان أو غيره؟ فكان من المتقدّمين من يصومه احتياطا، ورخّص فيه بعض الحنفيّة للعلماء في أنفسهم خاصّة دون العامّة؛ لئلا يعتقدوا وجوبه بناء على أصلهم في أنّ صوم

стр. 248

رمضان يجزئ بنيّة الصيام المطلق والنّفل، ويوم الشكّ هو الذي تحدّث برؤيته من لم يقبل قوله. فأمّا يوم الغيم: فمن العلماء من جعله يوم شكّ ونهى عن صيامه، وهو قول الأكثرين؛ ومنهم من صامه احتياطا، وهو قول ابن عمر، وكان الإمام أحمد يتابعه على ذلك؛ وعنه في صيامه ثلاث روايات مشهورات؛ ثالثها: لا يصام إلاّ مع الإمام وجماعة المسلمين؛ لئلا يقع الافتئات عليهم والانفراد عنهم. وقال إسحاق: لا يصام يوم الغيم، ولكن يتصبّر (١) بالأكل فيه إلى ضحوة النّهار خشية أن يشهد برؤيته بخلاف حال الصّحو؛ فإنّه يأكل فيه من غدوة. والمعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنّفل؛ فإنّ جنس الفصل بين الفرائض والنّوافل مشروع، ولهذا حرم صيام يوم العيد. ونهى النبيّ ﷺ أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتّى يفصل بينهما بسلام أو كلام، وخصوصا سنّة الفجر قبلها، فإنّه يشرع الفصل بينها وبين الفريضة، ولهذا يشرع صلاتها في البيت والاضطجاع بعدها. ولمّا رأى النبيّ ﷺ رجلا يصلي وقد أقيمت صلاة الفجر، قال له: «آلصّبح أربعا» (٢). وفي «المسند» أنّه ﷺ قال: «افصلوا بينها وبين المكتوبة ولا تجعلوها كصلاة الظهر» (٣). وفي «سنن أبي داود» أنّ رجلا صلى مع النبيّ ﷺ ، فلمّا سلّم قام يشفع،

стр. 249

فوثب إليه عمر فأخذ بمنكبيه، فهزّه، ثم قال: اجلس، فإنّه لم يهلك أهل الكتاب، إلاّ أنّه لم يكن لصلاتهم فصل، فرفع النبيّ ﷺ بصره، فقال: «أصاب الله بك يا ابن الخطّاب» (١). ومن علّل بهذا؛ فمنهم من كره وصل صوم شعبان برمضان مطلقا. وروي عن ابن عمر، قال: لو صمت الدّهر لأفطرت الذي بينهما. وروي فيه حديث مرفوع لا يصحّ. والجمهور على جواز صيام ما وافق عادة؛ لأنّ الزّيادة إنّما تخشى إذا لم يعرف سبب الصّيام. والمعنى الثالث: أنّه أمر بذلك؛ للتقوي على صيام رمضان؛ فإنّ مواصلة الصّيام قد تضعف عن صيام الفرض، فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوّي على صيام رمضان. وفي هذا التعليل نظر، فإنّه لا يكره التقدّم بأكثر من ذلك، ولا لمن صام الشهر كلّه، وهو أبلغ في معنى الضعف، لكنّ الفطر بنيّة التقوي لصيام رمضان حسن لمن أضعفه مواصلة الصيام، كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص يسرد الفطر أحيانا، ثم يسرد الصّوم ليتقوّى بفطره على صومه. ومنه قول بعض الصّحابة: إنّي أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. وفي الحديث المرفوع: «الطّاعم الشّاكر كالصّائم الصّابر» (٢). خرّجه الترمذيّ وغيره. ولربّما ظنّ بعض الجهّال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل؛ لتأخذ النّفوس حظّها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصّيام، ولهذا يقولون: هي أيّام توديع للأكل، وتسمّى تنحيسا، واشتقاقه من الأيام النّحسات. ومن قال: هو تنهيس، بالهاء، فهو خطأ منه، ذكره ابن درستويه النّحويّ، وذكر أنّ أصل

стр. 250

ذلك متلقى من النّصارى؛ فإنّهم يفعلونه عند قرب صيامهم، وهذا كلّه خطأ وجهل ممن ظنّه. وربّما لم يقتصر كثير منهم على اغتنام الشهوات المباحة، بل يتعدّى إلى المحرّمات، وهذا هو الخسران المبين. وأنشد بعضهم: إذا العشرون من شعبان ولّت … فواصل شرب ليلك بالنّهار ولا تشرب بأقداح صغار … فإنّ الوقت ضاق عن الصّغار وقال آخر: جاء شعبان منذرا بالصّيام … فاسقياني راحا بماء الغمام ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، وله نصيب من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ الآية [الأعراف: ١٧٩]. وربما تكرّه كثير منهم بصيام رمضان، حتّى إنّ بعض السّفهاء من الشّعراء كان يسبّه، وكان للرشيد ابن سفيه، فقال مرّة. دعاني شهر الصّوم لا كان من شهر … ولا صمت شهرا بعده آخر الدّهر فلو كان يعديني الأنام (١) … بقدرة على الشّهر لاستعديت جهدي على الشّهر فأخذه داء الصّرع، فكان يصرع في كلّ يوم مرّات متعددة، ومات قبل أن يدركه رمضان آخر. وهؤلاء السّفهاء يستثقلون رمضان؛ لاستثقالهم العبادات فيه؛ من الصّلاة والصّيام، فكثير من هؤلاء الجهّال لا يصلّي إلا في رمضان إذا صام، وكثير منهم لا يجتنب كبائر الذنوب إلا في رمضان؛ فيطول عليه، ويشقّ على نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يعدّ الأيّام والليالي؛ ليعود إلى المعصية؛ وهؤلاء

стр. 251

مصرّون على ما فعلوا وهم يعلمون، فهم هلكى؛ ومنهم من لا يصبر عن المعاصي، فهو يواقعها في رمضان. وحكاية محمد بن هارون البلخي مشهورة قد رويت من وجوه، وهو أنّه كان مصرّا على شرب الخمر، فجاء في آخر يوم من شعبان وهو سكران، فعاتبته أمّه وهي تسجر تنّورا، فحملها فألقاها في التنّور فاحترقت، وكان بعد ذلك قد تاب وتعبّد، فرئي له في النّوم أنّ الله قد غفر للحاجّ كلّهم سواه. فمن أراد الله به خيرا حبّب إليه الإيمان وزيّنه في قلبه، وكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، فصار من الراشدين. ومن أراد به شرّا خلّى بينه وبين نفسه، فأتبعه الشيطان، فحبّب إليه الكفر والفسوق والعصيان، فكان من الغاوين. الحذر الحذر من المعاصي، فكم سلبت من نعم، وكم جلبت من نقم، وكم خرّبت من ديار، وكم أخلت ديارا من أهلها، فما بقي منهم ديّار، كم أخذت من العصاة بالثار، كم محت لهم من آثار. يا صاحب الذّنب لا تأمن عواقبه … عواقب الذّنب تخشى وهي تنتظر فكلّ نفس ستجزى بالّذي كسبت … وليس للخلق من ديّانهم وزر أين حال هؤلاء الحمقى من قوم كان دهرهم كله رمضان، ليلهم قيام ونهارهم صيام. باع قوم من السّلف جارية، فلمّا قرب شهر رمضان رأتهم يتأهّبون له ويستعدّون بالأطمعة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيّأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلاّ رمضان؟ لقد كنت عند قوم كلّ زمانهم رمضان، ردّوني عليهم. وباع الحسن بن صالح جارية له، فلمّا انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل الدار، الصّلاة الصّلاة، قالوا: طلع الفجر؟ قالت: وأنتم لا تصلّون إلاّ

стр. 252

المكتوبة؟ ثم جاءت إلى الحسن، فقالت: بعتني على قوم سوء لا يصلّون إلا الفرائض، ردّني ردّني. قال بعض السّلف: صم الدّنيا واجعل فطرك الموت. الدّنيا كلّها شهر صيام المتقين، يصومون فيه عن الشّهوات المحرّمات، فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم، واستهلّوا عيد فطرهم. وقد صمت عن لذّات دهري كلّها … ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجّل ما حرّم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته، وشاهد ذلك قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ الآية [الأحقاف: ٢٠]. وقول النبيّ ﷺ : «من شرب الخمر في الدّنيا لم يشربها في الآخرة» (١)، و «من لبس الحرير في الدّنيا لم يلبسه في الآخرة» (٢). أنت في دار شتات … فتأهّب لشتاتك واجعل الدّنيا كيوم … صمته عن شهواتك وليكن فطرك عن … د الله في يوم وفاتك في حديث مرفوع خرّجه ابن أبي الدنيا: «لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنّت أمّتي أن يكون رمضان السّنة كلّها» (٣).

стр. 253

وكان النبيّ ﷺ يبشّر أصحابه بقدوم رمضان، كما خرّجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: كان النبيّ ﷺ يبشّر أصحابه، يقول: «قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» (١). قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة النّاس بعضهم بعضا بشهر رمضان. كيف لا يبشّر المؤمن بفتح أبواب الجنان، كيف لا يبشّر المذنب بغلق أبواب النيران، كيف لا يبشّر العاقل بوقت يغلّ فيه الشيطان، من أين يشبه هذا الزمان زمان؟. وفي حديث آخر: «أتاكم رمضان سيد الشّهور، فمرحبا به وأهلا». جاء شهر الصّيام بالبركات … فأكرم به من زائر هو آت وروي أنّ النبيّ ﷺ كان يدعو ببلوغ رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب يقول: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلّغنا رمضان» (٢). خرّجه الطبراني وغيره من حديث أنس. وقال معلّى بن الفضل: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلّغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبّل منهم. وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: اللهم سلّمني إلى رمضان، وسلّم لي رمضان، وتسلّمه منّي متقبّلا.

стр. 254

بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه، ويدلّ عليه حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم، ثم مات الثالث على فراشه بعدهما، فرئي في المنام سابقا لهما، فقال النبيّ ﷺ : «أليس صلّى بعدهما كذا وكذا صلاة، وأدرك رمضان فصامه، فو الذي نفسي بيده، إنّ بينهما لأبعد ممّا بين السّماء والأرض» (١). خرّجه الإمام أحمد وغيره. من رحم في رمضان فهو المرحوم، ومن حرم خيره فهو المحروم، ومن لم يتزوّد فيه لمعاده فهو ملوم. أتى رمضان مزرعة العباد … لتطهير القلوب من الفساد فأدّ حقوقه قولا وفعلا … وزادك فاتّخذه للمعاد فمن زرع الحبوب وما سقاها … تأوّه نادما يوم الحصاد يا من طالت غيبته عنّا، قد قربت أيّام المصالحة. يا من دامت خسارته قد أقبلت أيّام التّجارة الرّابحة. من لم يربح في هذا الشّهر ففي أيّ وقت يربح؟! من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح. أناس أعرضوا عنّا … بلا جرم ولا معنى أساءوا ظنّهم فينا … فهلاّ أحسنوا الظّنّا فإن عادوا لنا عدنا … وإن خانوا فما خنّا فإن كانوا قد استغنوا … فإنّا عنهم أغنا كم ينادى: حيّ على الفلاح وأنت خاسر؟! كم تدعى إلى الصّلاح وأنت على الفساد مثابر؟!
следующие страницы →