← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1144

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عوض الله

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (586 стр.). Показаны 248–287 · переход к 253.

стр. 248

رمضان يجزئ بنيّة الصيام المطلق والنّفل، ويوم الشكّ هو الذي تحدّث برؤيته من لم يقبل قوله. فأمّا يوم الغيم: فمن العلماء من جعله يوم شكّ ونهى عن صيامه، وهو قول الأكثرين؛ ومنهم من صامه احتياطا، وهو قول ابن عمر، وكان الإمام أحمد يتابعه على ذلك؛ وعنه في صيامه ثلاث روايات مشهورات؛ ثالثها: لا يصام إلاّ مع الإمام وجماعة المسلمين؛ لئلا يقع الافتئات عليهم والانفراد عنهم. وقال إسحاق: لا يصام يوم الغيم، ولكن يتصبّر (١) بالأكل فيه إلى ضحوة النّهار خشية أن يشهد برؤيته بخلاف حال الصّحو؛ فإنّه يأكل فيه من غدوة. والمعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنّفل؛ فإنّ جنس الفصل بين الفرائض والنّوافل مشروع، ولهذا حرم صيام يوم العيد. ونهى النبيّ ﷺ أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتّى يفصل بينهما بسلام أو كلام، وخصوصا سنّة الفجر قبلها، فإنّه يشرع الفصل بينها وبين الفريضة، ولهذا يشرع صلاتها في البيت والاضطجاع بعدها. ولمّا رأى النبيّ ﷺ رجلا يصلي وقد أقيمت صلاة الفجر، قال له: «آلصّبح أربعا» (٢). وفي «المسند» أنّه ﷺ قال: «افصلوا بينها وبين المكتوبة ولا تجعلوها كصلاة الظهر» (٣). وفي «سنن أبي داود» أنّ رجلا صلى مع النبيّ ﷺ ، فلمّا سلّم قام يشفع،

стр. 249

فوثب إليه عمر فأخذ بمنكبيه، فهزّه، ثم قال: اجلس، فإنّه لم يهلك أهل الكتاب، إلاّ أنّه لم يكن لصلاتهم فصل، فرفع النبيّ ﷺ بصره، فقال: «أصاب الله بك يا ابن الخطّاب» (١). ومن علّل بهذا؛ فمنهم من كره وصل صوم شعبان برمضان مطلقا. وروي عن ابن عمر، قال: لو صمت الدّهر لأفطرت الذي بينهما. وروي فيه حديث مرفوع لا يصحّ. والجمهور على جواز صيام ما وافق عادة؛ لأنّ الزّيادة إنّما تخشى إذا لم يعرف سبب الصّيام. والمعنى الثالث: أنّه أمر بذلك؛ للتقوي على صيام رمضان؛ فإنّ مواصلة الصّيام قد تضعف عن صيام الفرض، فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوّي على صيام رمضان. وفي هذا التعليل نظر، فإنّه لا يكره التقدّم بأكثر من ذلك، ولا لمن صام الشهر كلّه، وهو أبلغ في معنى الضعف، لكنّ الفطر بنيّة التقوي لصيام رمضان حسن لمن أضعفه مواصلة الصيام، كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص يسرد الفطر أحيانا، ثم يسرد الصّوم ليتقوّى بفطره على صومه. ومنه قول بعض الصّحابة: إنّي أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. وفي الحديث المرفوع: «الطّاعم الشّاكر كالصّائم الصّابر» (٢). خرّجه الترمذيّ وغيره. ولربّما ظنّ بعض الجهّال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل؛ لتأخذ النّفوس حظّها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصّيام، ولهذا يقولون: هي أيّام توديع للأكل، وتسمّى تنحيسا، واشتقاقه من الأيام النّحسات. ومن قال: هو تنهيس، بالهاء، فهو خطأ منه، ذكره ابن درستويه النّحويّ، وذكر أنّ أصل

стр. 250

ذلك متلقى من النّصارى؛ فإنّهم يفعلونه عند قرب صيامهم، وهذا كلّه خطأ وجهل ممن ظنّه. وربّما لم يقتصر كثير منهم على اغتنام الشهوات المباحة، بل يتعدّى إلى المحرّمات، وهذا هو الخسران المبين. وأنشد بعضهم: إذا العشرون من شعبان ولّت … فواصل شرب ليلك بالنّهار ولا تشرب بأقداح صغار … فإنّ الوقت ضاق عن الصّغار وقال آخر: جاء شعبان منذرا بالصّيام … فاسقياني راحا بماء الغمام ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، وله نصيب من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ الآية [الأعراف: ١٧٩]. وربما تكرّه كثير منهم بصيام رمضان، حتّى إنّ بعض السّفهاء من الشّعراء كان يسبّه، وكان للرشيد ابن سفيه، فقال مرّة. دعاني شهر الصّوم لا كان من شهر … ولا صمت شهرا بعده آخر الدّهر فلو كان يعديني الأنام (١) … بقدرة على الشّهر لاستعديت جهدي على الشّهر فأخذه داء الصّرع، فكان يصرع في كلّ يوم مرّات متعددة، ومات قبل أن يدركه رمضان آخر. وهؤلاء السّفهاء يستثقلون رمضان؛ لاستثقالهم العبادات فيه؛ من الصّلاة والصّيام، فكثير من هؤلاء الجهّال لا يصلّي إلا في رمضان إذا صام، وكثير منهم لا يجتنب كبائر الذنوب إلا في رمضان؛ فيطول عليه، ويشقّ على نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يعدّ الأيّام والليالي؛ ليعود إلى المعصية؛ وهؤلاء

стр. 251

مصرّون على ما فعلوا وهم يعلمون، فهم هلكى؛ ومنهم من لا يصبر عن المعاصي، فهو يواقعها في رمضان. وحكاية محمد بن هارون البلخي مشهورة قد رويت من وجوه، وهو أنّه كان مصرّا على شرب الخمر، فجاء في آخر يوم من شعبان وهو سكران، فعاتبته أمّه وهي تسجر تنّورا، فحملها فألقاها في التنّور فاحترقت، وكان بعد ذلك قد تاب وتعبّد، فرئي له في النّوم أنّ الله قد غفر للحاجّ كلّهم سواه. فمن أراد الله به خيرا حبّب إليه الإيمان وزيّنه في قلبه، وكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، فصار من الراشدين. ومن أراد به شرّا خلّى بينه وبين نفسه، فأتبعه الشيطان، فحبّب إليه الكفر والفسوق والعصيان، فكان من الغاوين. الحذر الحذر من المعاصي، فكم سلبت من نعم، وكم جلبت من نقم، وكم خرّبت من ديار، وكم أخلت ديارا من أهلها، فما بقي منهم ديّار، كم أخذت من العصاة بالثار، كم محت لهم من آثار. يا صاحب الذّنب لا تأمن عواقبه … عواقب الذّنب تخشى وهي تنتظر فكلّ نفس ستجزى بالّذي كسبت … وليس للخلق من ديّانهم وزر أين حال هؤلاء الحمقى من قوم كان دهرهم كله رمضان، ليلهم قيام ونهارهم صيام. باع قوم من السّلف جارية، فلمّا قرب شهر رمضان رأتهم يتأهّبون له ويستعدّون بالأطمعة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيّأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلاّ رمضان؟ لقد كنت عند قوم كلّ زمانهم رمضان، ردّوني عليهم. وباع الحسن بن صالح جارية له، فلمّا انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل الدار، الصّلاة الصّلاة، قالوا: طلع الفجر؟ قالت: وأنتم لا تصلّون إلاّ

стр. 252

المكتوبة؟ ثم جاءت إلى الحسن، فقالت: بعتني على قوم سوء لا يصلّون إلا الفرائض، ردّني ردّني. قال بعض السّلف: صم الدّنيا واجعل فطرك الموت. الدّنيا كلّها شهر صيام المتقين، يصومون فيه عن الشّهوات المحرّمات، فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم، واستهلّوا عيد فطرهم. وقد صمت عن لذّات دهري كلّها … ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته، ومن تعجّل ما حرّم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته، وشاهد ذلك قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ الآية [الأحقاف: ٢٠]. وقول النبيّ ﷺ : «من شرب الخمر في الدّنيا لم يشربها في الآخرة» (١)، و «من لبس الحرير في الدّنيا لم يلبسه في الآخرة» (٢). أنت في دار شتات … فتأهّب لشتاتك واجعل الدّنيا كيوم … صمته عن شهواتك وليكن فطرك عن … د الله في يوم وفاتك في حديث مرفوع خرّجه ابن أبي الدنيا: «لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنّت أمّتي أن يكون رمضان السّنة كلّها» (٣).

стр. 253

وكان النبيّ ﷺ يبشّر أصحابه بقدوم رمضان، كما خرّجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: كان النبيّ ﷺ يبشّر أصحابه، يقول: «قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» (١). قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة النّاس بعضهم بعضا بشهر رمضان. كيف لا يبشّر المؤمن بفتح أبواب الجنان، كيف لا يبشّر المذنب بغلق أبواب النيران، كيف لا يبشّر العاقل بوقت يغلّ فيه الشيطان، من أين يشبه هذا الزمان زمان؟. وفي حديث آخر: «أتاكم رمضان سيد الشّهور، فمرحبا به وأهلا». جاء شهر الصّيام بالبركات … فأكرم به من زائر هو آت وروي أنّ النبيّ ﷺ كان يدعو ببلوغ رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب يقول: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلّغنا رمضان» (٢). خرّجه الطبراني وغيره من حديث أنس. وقال معلّى بن الفضل: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلّغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبّل منهم. وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: اللهم سلّمني إلى رمضان، وسلّم لي رمضان، وتسلّمه منّي متقبّلا.

стр. 254

بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه، ويدلّ عليه حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم، ثم مات الثالث على فراشه بعدهما، فرئي في المنام سابقا لهما، فقال النبيّ ﷺ : «أليس صلّى بعدهما كذا وكذا صلاة، وأدرك رمضان فصامه، فو الذي نفسي بيده، إنّ بينهما لأبعد ممّا بين السّماء والأرض» (١). خرّجه الإمام أحمد وغيره. من رحم في رمضان فهو المرحوم، ومن حرم خيره فهو المحروم، ومن لم يتزوّد فيه لمعاده فهو ملوم. أتى رمضان مزرعة العباد … لتطهير القلوب من الفساد فأدّ حقوقه قولا وفعلا … وزادك فاتّخذه للمعاد فمن زرع الحبوب وما سقاها … تأوّه نادما يوم الحصاد يا من طالت غيبته عنّا، قد قربت أيّام المصالحة. يا من دامت خسارته قد أقبلت أيّام التّجارة الرّابحة. من لم يربح في هذا الشّهر ففي أيّ وقت يربح؟! من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح. أناس أعرضوا عنّا … بلا جرم ولا معنى أساءوا ظنّهم فينا … فهلاّ أحسنوا الظّنّا فإن عادوا لنا عدنا … وإن خانوا فما خنّا فإن كانوا قد استغنوا … فإنّا عنهم أغنا كم ينادى: حيّ على الفلاح وأنت خاسر؟! كم تدعى إلى الصّلاح وأنت على الفساد مثابر؟!

стр. 255

إذا رمضان أتى مقبلا … فأقبل فبالخير يستقبل لعلّك تخطئه قابلا … وتأتي بعذر فلا يقبل كم ممّن أمّل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله، فصار قبله إلى ظلمة القبر. كم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومؤمّل غدا لا يدركه. إنّكم لو أبصرتم الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره. خطب عمر بن عبد العزيز آخر خطبة خطبها، فقال فيها: إنّكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإنّ لكم معادا ينزل الله فيه للفصل بين عباده، فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كلّ شيء، وحرم جنّة عرضها السّماوات والأرض. ألا ترون أنّكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون؟ كذلك حتّى تردّ إلى خير الوارثين. وفي كلّ يوم تشيّعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه، وانقضى أجله، فتودّعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير موسّد ولا ممهّد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التّراب، وواجه الحساب، غنيّا عمّا خلّف، فقيرا إلى ما أسلف؛ فاتّقوا الله عباد الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقيته، وإنّي لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذّنوب أكثر ممّا أعلم عندي، ولكني أستغفر الله وأتوب إليه. ثمّ رفع طرف ردائه وبكى حتّى شهق، ثمّ نزل فما عاد إلى المنبر بعدها حتّى مات ﵀. يا ذا الذي ما كفاه الذّنب في رجب … حتّى عصى ربّه في شهر شعبان لقد أظلّك شهر الصّوم بعدهما … فلا تصيّره أيضا شهر عصيان واتل القران وسبّح فيه مجتهدا … فإنّه شهر تسبيح وقرآن واحمل على جسد ترجو النّجاة له … فسوف تضرم أجساد بنيران

стр. 256

كم كنت تعرف ممّن صام في سلف … من بين أهل وجيران وإخوان أفناهم الموت واستبقاك بعدهم … حيّا فما أقرب القاصي من الدّاني ومعجب بثياب العيد يقطعها … فأصبحت في غد أثواب أكفان حتّى متى يعمر الإنسان مسكنه … مصير مسكنه قبر لإنسان ***

стр. 257

وظائف شهر رمضان المعظم وفيه مجالس: المجلس الأول في فضل الصيام ثبت في «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «كلّ عمل ابن آدم له؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله : إلاّ الصّيام فإنّه لي وأنا أجزي به، إنّه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي. للصّائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربّه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (١). وفي رواية: «كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصّيام فإنّه لي». وفي رواية للبخاري: «لكلّ عمل كفّارة، والصّوم لي وأنا أجزي به». وخرّجه الإمام أحمد من هذا الوجه، ولفظه: «كلّ عمل ابن آدم كفارة إلاّ الصّوم، والصّوم لي، وأنا أجزي به» (٢). فعلى الرواية الأولى: يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة، فتكون الأعمال كلّها تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلاّ الصيام فإنّه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد، بل يضاعفه الله أضعافا كثيرة بغير حصر عدد؛ فإنّ الصيام من الصّبر، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزّمر: ١٠].

стр. 258

ولهذا ورد عن النبيّ ﷺ أنّه سمّى شهر رمضان شهر الصّبر (١). وفي حديث آخر عنه ﷺ ، قال: «الصّوم نصف الصّبر» (٢). خرّجه الترمذيّ. والصّبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. وتجتمع الثلاثة كلّها في الصوم؛ فإنّ فيه صبرا على طاعة الله، وصبرا عمّا حرّم الله على الصّائم من الشّهوات، وصبرا على ما يحصل للصّائم فيه من ألم الجوع والعطش، وضعف النفس والبدن. وهذا الألم الناشئ من أعمال الطّاعات يثاب عليه صاحبه، كما قال تعالى في المجاهدين: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التّوبة: ١٢٠]. وفي حديث سلمان المرفوع الذي أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» في فضل شهر رمضان «وهو شهر الصّبر، والصّبر ثوابه الجنّة» (٣). وفي الطبراني عن ابن عمر مرفوعا: «الصّيام لله لا يعلم ثواب عمله إلاّ الله » (٤). وروي مرسلا وهو أصحّ. واعلم أنّ مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب: منها: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل، كالحرم. ولذلك تضاعف الصّلاة في مسجدي مكّة والمدينة. كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن

стр. 259

النبيّ ﷺ ، قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» (١). وفي رواية: «فإنه أفضل». وكذلك روي أنّ الصّيام يضاعف بالحرم. وفي «سنن ابن ماجه» بإسناد ضعيف، عن ابن عباس مرفوعا: «من أدرك رمضان بمكّة فصامه وقام منه ما تيسّر كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه» (٢)، وذكر له ثوابا كثيرا. ومنها: شرف الزمان، كشهر رمضان وعشر ذي الحجة. وفي حديث سلمان المرفوع الذي أشرنا إليه في فضل شهر رمضان «من تطوّع فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدّى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه» (٣). وفي الترمذي عن أنس: «سئل النبيّ ﷺ : أيّ الصّدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان» (٤). وفي «الصحيحين» عن النبي ﷺ : قال: «عمرة في رمضان تعدل حجّة» أو قال: «حجّة معي» (٥). وورد في حديث آخر: «إنّ عمل الصّائم مضاعف». وذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنّهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنّفقة؛ فإنّ النّفقة فيه مضاعفة كالنّفقة في سبيل الله، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره. وقال النّخعيّ: صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة.

стр. 260

فلمّا كان الصّيام في نفسه مضاعفا أجره بالنسبة إلى سائر الأعمال، كان صيام شهر رمضان مضاعفا على سائر الصّيام؛ لشرف زمانه، وكونه هو الصّوم الذي فرضه الله على عباده، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها. وقد يضاعف الثّواب بأسباب أخر؛ منها: شرف العامل عند الله وقربه منه، وكثرة تقواه، كما ضوعف أجر هذه الأمّة على أجور من قبلهم من الأمم، وأعطوا كفلين من الأجر. وأمّا على الرواية الثانية: فاستثناء الصّيام من بين الأعمال يرجع إلى أنّ سائر الأعمال للعباد، والصّيام اختصّه الله تعالى لنفسه من بين أعمال عباده، وأضافه إليه، وسيأتي ذكر توجيه هذا الاختصاص إن شاء الله تعالى. وأمّا على الرواية الثالثة: فالاستثناء يعود إلى التكفير بالأعمال، ومن أحسن ما قيل في معنى ذلك: ما قاله سفيان بن عيينة ﵀، قال: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها، إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده، ويردّ (١) ما عليه من المظالم من سائر عمله، حتى لا يبقى إلاّ الصّوم، فيتحمّل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصّوم الجنّة. خرّجه البيهقيّ في «شعب الإيمان» وغيره. وعلى هذا فيكون المعنى أن الصيام لله ، فلا سبيل لأحد إلى أخذ أجره من الصّيام، بل أجره مدّخر لصاحبه عند الله ، وحينئذ فقد يقال: إنّ سائر الأعمال قد يكفّر بها ذنوب صاحبها فلا يبقى لها أجر، فإنّه روي أنّه يوازن يوم القيامة بين الحسنات والسيئات، ويقصّ بعضها من بعض، فإن

стр. 261

بقي من الحسنات حسنة دخل بها صاحبها الجنّة. قاله سعيد بن جبير وغيره. وفيه حديث مرفوع خرّجه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا (١)، فيحتمل أن يقال في الصوم: إنّه لا يسقط ثوابه بمقاصّة ولا غيرها، بل يوفّر أجره لصاحبه حتّى يدخل الجنّة، فيوفّى أجره فيها. وأمّا قوله: «فإنّه لي»، فإنّ الله خصّ الصيام بإضافته إلى نفسه دون [غيره من] (٢) سائر الأعمال، وقد كثر القول في معنى ذلك من الفقهاء والصّوفية وغيرهم، وذكروا فيه وجوها كثيرة. ومن أحسن ما ذكر فيه وجهان: أحدهما: أنّ الصّيام هو مجرّد ترك حظوظ النّفس وشهواتها الأصلية التي جبلت على الميل إليها لله ، ولا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصّيام؛ لأنّ الإحرام إنّما يترك فيه الجماع ودواعيه من الطّيب دون سائر الشّهوات؛ من الأكل والشرب، وكذلك الاعتكاف مع أنّه تابع للصّيام. وأمّا الصّلاة فإنّه وإن ترك المصلّي فيها جميع الشهوات إلاّ أنّ مدّتها لا تطول، فلا يجد المصلّي فقد الطّعام والشّراب في صلاته، بل قد نهي أن يصلّي ونفسه تتوق إلى طعام بحضرته حتى يتناول منه ما يسكن نفسه، ولهذا أمر بتقديم العشاء على الصّلاة. وذهبت طائفة من العلماء إلى إباحة شرب الماء في صلاة التطوّع، وكان ابن الزبير يفعله في صلاته، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهذا بخلاف الصّيام؛ فإنّه يستوعب النّهار كلّه، فيجد الصّائم فقد هذه الشهوات، وتتوق نفسه إليها، خصوصا في نهار الصيف؛ لشدّة حرّه وطوله، ولهذا روي أنّ من خصال الإيمان الصّوم في الصّيف.

стр. 262

وقد كان رسول الله ﷺ يصوم رمضان في السّفر في شدّة الحرّ دون أصحابه، كما قال أبو الدّرداء: «كنّا مع النبيّ ﷺ في رمضان في سفر وأحدنا يضع يده على رأسه من شدّة الحرّ، وما فينا صائم إلاّ رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة» (١). وفي «الموطإ» أنّه ﷺ كان بالعرج يصبّ الماء على رأسه وهو صائم من العطش، أو الحرّ (٢). فإذا اشتدّ توقان النّفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه، ثم تركته لله في موضع لا يطّلع عليه إلاّ الله، كان ذلك دليلا على صحّة الإيمان؛ فإنّ الصّائم يعلم أن له ربّا يطّلع عليه في خلوته، وقد حرّم عليه أن يتناول شهواته المجبول على الميل إليها في الخلوة، فأطاع ربّه، وامتثل أمره، واجتنب نهيه خوفا من عقابه، ورغبة في ثوابه، فشكر الله له ذلك، واختصّ لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله؛ ولهذا قال بعد ذلك: إنّه إنّما ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي. قال بعض السّلف: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره. لمّا علم المؤمن الصّائم أنّ رضا مولاه في ترك شهواته، قدّم رضا مولاه على هواه؛ فصارت لذّته في ترك شهوته لله؛ لإيمانه باطلاع الله. وثوابه وعقابه أعظم من لذّته في تناولها في الخلوة؛ إيثارا لرضا ربّه على هوى نفسه، بل المؤمن يكره ذلك في خلوته أشدّ من كراهته لألم الضّرب. ولهذا كثير من المؤمنين لو ضرب على أن يفطر في شهر رمضان لغير عذر لم يفعل؛ لعلمه كراهة الله لفطره في هذا الشهر، وهذا من علامات الإيمان أن يكره المؤمن ما يلائمه من شهواته إذا علم أنّ الله يكرهه، فتصير لذّته فيما

стр. 263

يرضي مولاه وإن كان مخالفا لهواه، ويكون ألمه فيما يكرهه مولاه، وإن كان موافقا لهواه. وإذا كان هذا فيما حرّم لعارض الصّوم من الطّعام والشراب ومباشرة النساء، فينبغي أن يتأكّد ذلك فيما حرّم على الإطلاق، كالزّنا، وشرب الخمر، وأخذ الأموال أو الأعراض بغير حقّ، وسفك الدّماء المحرّمة؛ فإنّ هذا يسخط الله على كلّ حال وفي كلّ زمان ومكان، فإذا كمل إيمان المؤمن كره ذلك كلّه أعظم من كراهته للقتل والضّرب. ولهذا جعل النبيّ ﷺ من علامات وجود حلاوة الإيمان: أن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله، كما يكره أن يلقى في النّار. وقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. سئل ذو النون: متى أحبّ ربّي؟ قال: إذا كان ما يكرهه أمرّ عندك من الصّبر. وقال غيره: ليس من أعلام المحبّة أن تحبّ ما يكرهه حبيبك. وكثير من النّاس يمشي على العوائد دون ما يوجبه الإيمان ويقتضيه، فلهذا كثير منهم لو ضرب ما أفطر في رمضان لغير عذر. ومن جهّالهم من لا يفطر لعذر ولو تضرّر بالصّوم، مع أنّ الله يحبّ منه أن يقبل رخصته، جريا على العادة، وقد اعتاد مع ذلك ما حرّم الله من الزّنا وشرب الخمر وأخذ الأموال والأعراض أو الدّماء بغير حقّ، فهذا يجري على عوائده في ذلك كلّه لا على مقتضى الإيمان، ومن عمل بمقتضى الإيمان صارت لذّته في مصابرة نفسه عمّا تميل نفسه إليه إذا كان فيه سخط الله، وربّما يرتقي إلى أن يكره جميع ما يكرهه الله منه، وينفر منه وإن كان ملائما للنفوس، كما قيل: إن كان رضاكم في سهري … فسلام الله على وسني

стр. 264

وقال آخر: فما لجرح إذا أرضاكم ألم (١) … وقال آخر: عذابه فيك (٢) … عذب وبعده فيك قرب وأنت عندي كروحي … بل أنت منها أحبّ حسبي من الحبّ أنّي … لما تحبّ أحبّ الوجه الثاني: أنّ الصّيام سرّ بين العبد وربّه لا يطّلع عليه غيره؛ لأنّه مركّب من نيّة باطنة لا يطّلع عليها إلاّ الله، وترك لتناول الشهوات التي يستخفى بتناولها في العادة، ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة. وقيل: إنّه ليس فيه رياء، كذا قاله الإمام أحمد وغيره؛ وفيه حديث مرفوع مرسل. وهذا الوجه اختيار أبي عبيد وغيره. وقد يرجع إلى الأول؛ فإنّ من ترك ما تدعوه نفسه إليه لله حيث لا يطّلع عليه غير من أمره ونهاه، دلّ على صحّة إيمانه. والله تعالى يحبّ من عباده أن يعاملوه سرّا بينهم وبينه، وأهل محبّته يحبّون أن يعاملوه سرّا بينهم وبينه، بحيث لا يطّلع على معاملتهم إيّاه سواه، حتّى كان بعضهم يودّ لو تمكّن من عبادة لا تشعر بها الملائكة الحفظة، وقال بعضهم - لمّا اطّلع على بعض سرائره -: إنّما كانت تطيب الحياة لمّا كانت المعاملة بيني وبينه سرّا، ثم دعا لنفسه بالموت فمات.

стр. 265

المحبّون يغارون من اطلاع الأغيار على الأسرار التي بينهم وبين من يحبّهم ويحبّونه. نسيم صبا نجد متى جئت حاملا … تحيتهم فاطو الحديث عن الرّكب ولا تذع السّرّ المصون فإنّني … أغار على ذكر الأحبّة من صحبي وقوله: «ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» فيه إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه، وأنّ الصائم تقرّب (١) إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب والنّكاح، وهذه أعظم شهوات النفس. وفي التقرّب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد: منها: كسر النفس؛ فإنّ الشّبع والرّيّ ومباشرة النّساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة. ومنها: تخلّي القلب للفكر والذّكر؛ فإنّ تناول هذه الشهوات قد تقسّي القلب وتعميه، وتحول بين العبد وبين الذّكر والفكر، وتستدعي الغفلة. وخلوّ الباطن (٢) من الطعام والشراب ينوّر القلب، ويوجب رقّته، ويزيل قسوته، ويخليه للذكر والفكر. ومنها: أنّ الغنيّ يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرا من الفقراء من فضول الطّعام والشراب والنّكاح؛ فإنّه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقّة له بذلك، يتذكر به من منع من ذلك على الإطلاق، فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك. ومنها: أنّ الصّيام يضيّق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم؛

стр. 266

فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، فتسكن بالصّيام وساوس الشّيطان، وتنكسر سورة الشهوة والغضب، ولهذا جعل النبيّ ﷺ الصّوم وجاء (١)؛ لقطعه عن شهوة النّكاح. واعلم؛ أنّه لا يتمّ التقرّب إلى الله بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصّيام إلا بعد التقرّب إليه بترك ما حرّم الله في كلّ حال؛ من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبيّ ﷺ : «من لم يدع قول الزّور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (٢). خرّجه البخاريّ. وفي حديث آخر: «ليس الصّيام من الطّعام والشراب، إنّما الصّيام من اللغو والرّفث». قال الحافظ أبو موسى المدينيّ: هو على شرط مسلم. قال بعض السّلف: أهون الصّيام ترك الشراب والطعام. وقال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء. إذا لم يكن في السّمع منّي تصاون … وفي بصري غضّ وفي منطقي صمت فحظّي إذا من صومي الجوع والظّما … فإنّ قلت إنّي صمت يومي فما صمت وقال النبيّ ﷺ : «ربّ صائم حظّه من صيامه الجوع والعطش، وربّ قائم حظّه من قيامه السّهر» (٣). وسرّ هذا أنّ التقرّب إلى الله بترك

стр. 267

المباحات لا يكمل إلاّ بعد التقرّب إليه بترك المحرّمات، فمن ارتكب المحرّمات ثم تقرّب بترك المباحات، كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرّب بالنوافل، وإن كان صومه مجزئا عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته؛ لأنّ العمل إنّما يبطل بارتكاب ما نهي عنه فيه لخصوصه، دون ارتكاب ما نهي عنه لغير معنى يختصّ به. هذا هو أصل جمهور العلماء. وفي «مسند الإمام أحمد»: أنّ امرأتين صامتا في عهد النّبيّ ﷺ فكادتا أن تموتا من العطش، فذكر ذلك للنبي ﷺ فأعرض، ثم ذكرتا له فدعاهما فأمرهما أن يتقيئا، فقاءتا ملء قدح قيحا ودما وصديدا ولحما عبيطا، فقال النبي ﷺ : «إنّ هاتين صامتا عمّا أحلّ الله لهما، وأفطرتا على ما حرّم الله عليهما؛ جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا يأكلان لحوم النّاس» (١). ولهذا المعنى - والله أعلم - ورد في القرآن بعد ذكر تحريم الطعام والشّراب على الصّائم بالنّهار ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل؛ فإنّ تحريم هذا عام في كلّ زمان ومكان، بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أنّ من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه، فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل؛ فإنّه محرّم بكلّ حال لا يباح في وقت من الأوقات. وقوله ﷺ : «وللصّائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربّه»: أمّا فرحة الصّائم عند فطره؛ فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر، فرحت بإباحة ما منعت منه، خصوصا عند اشتداد الحاجة

стр. 268

إليه؛ فإنّ النفوس تفرح بذلك طبعا، فإن كان ذلك محبوبا لله كان محبوبا شرعا. والصّائم عند فطره كذلك، فكما أنّ الله تعالى حرّم على الصّائم في نهار الصّيام تناول هذه الشهوات، فقد أذن له فيها في ليل الصّيام، بل أحبّ منه المبادرة إلى تناولها في أوّل الليل وآخره، فأحبّ عباده إليه أعجلهم فطرا، والله وملائكته يصلّون على المتسحّرين. فالصّائم ترك شهواته لله بالنّهار تقرّبا إليه وطاعة له؛ وبادر إليها في اللّيل تقرّبا إلى الله وطاعة له، فما تركها إلاّ بأمر ربّه، ولا عاد إليها إلاّ بأمر ربّه؛ فهو مطيع له في الحالين. ولهذا نهي عن الوصال في الصّيام، فإذا بادر الصّائم إلى الفطر تقرّبا إلى مولاه، وأكل وشرب وحمد الله؛ فإنّه يرجى له المغفرة أو بلوغ الرّضوان بذلك. وفي الحديث: «إنّ الله ليرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشّربة فيحمده عليها» (١). وربّما استجيب دعاؤه عند ذلك، كما في الحديث المرفوع الذي خرّجه ابن ماجه: «إنّ للصّائم عند فطره دعوة ما تردّ» (٢). وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصّيام، كان مثابا على ذلك. كما أنه إذا نوى بنومه في الليل والنّهار التقوّي على العمل، كان نومه عبادة. وفي حديث مرفوع: «نوم الصّائم عبادة» (٣). قالت حفصة بنت سيرين: قال أبو العالية: «الصّائم في عبادة ما لم يغتب أحدا وإن كان نائما على

стр. 269

فراشه». قال: وكانت حفصة تقول: «يا حبّذا عبادة وأنا نائمة على فراشي». خرّجه عبد الرزاق. فالصّائم في ليله ونهاره في عبادة، ويستجاب دعاؤه في صيامه وعند فطره. فهو في نهاره صائم صابر؛ وفي ليله طاعم شاكر. وفي الحديث الذي خرّجه الترمذي وغيره: «الطّاعم الشّاكر بمنزلة الصّائم الصّابر» (١). ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقّف في معنى فرح الصّائم عند فطره؛ فإنّ فطره على الوجه المشار إليه من فضل الله ورحمته، فيدخل في قول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ﴾ [يونس: ٥٨]. ولكن شرط ذلك أن يكون فطره على حلال، فإن كان فطره على حرام كان ممّن صام عمّا أحلّ الله، وأفطر على ما حرّم الله، ولم يستجب له دعاء، كما قال النبي ﷺ في الذي يطيل السّفر: «يمدّ يديه إلى السّماء: يا ربّ، يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّي بالحرام، فأنّي يستجاب لذلك» (٢). وأمّا فرحه عند لقاء ربه؛ فبما يجده عند الله من ثواب الصّيام مدّخرا، فيجده أحوج ما كان إليه، كما قال الله تعالى: ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ [المزمّل: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزّلزلة: ٧]. وقد تقدّم قول ابن عيينة أنّ ثواب الصائم لا يأخذه الغرماء في المظالم بل

стр. 270

يدّخره الله عنده للصّائم حتى يدخله به الجنّة. وفي «المسند» عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ ، قال: «ليس من عمل يوم إلاّ يختم عليه» (١). وعن عيسى ﵇، قال: إنّ هذا الليل والنّهار خزانتان، فانظروا ما تضعون فيهما. فالأيام خزائن للناس ممتلئة بما خزنوه فيها من خير وشرّ. وفي يوم القيامة تفتح هذه الخزائن لأهلها؛ فالمتقون يجدون في خزائنهم العزّ والكرامة، والمذنبون يجدون في خزائنهم الحسرة والنّدامة. الصائمون على طبقتين: إحداهما: من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى، يرجو عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله وعامله، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولا يخيب معه من عامله، بل يربح عليه أعظم الرّبح. وقال رسول الله ﷺ لرجل: «إنّك لن تدع شيئا اتّقاء الله إلاّ آتاك الله خيرا منه» (٢). خرّجه الإمام أحمد. فهذا الصّائم يعطى في الجنة ما شاء الله من طعام وشراب ونساء، قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقّة: ٢٤]. قال مجاهد وغيره: نزلت في الصّوّام (٣). قال يعقوب بن يوسف الحنفي: بلغنا أنّ الله تعالى يقول لأوليائه يوم القيامة: يا أوليائي، طالما نظرت إليكم في الدّنيا وقد قلصت شفاهكم عن

стр. 271

الأشربة، وغارت أعينكم، وخفت بطونكم؛ كونوا اليوم في نعيمكم، وتعاطوا الكأس فيما بينكم، وكلوا واشربوا هنيئا بما أسفلتم في الأيام الخالية. وقال الحسن: تقول الحوراء لولي الله وهو متكئ معها على نهر العسل تعاطيه الكأس: إنّ الله نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين، وأنت في ظمإ هاجرة من جهد العطش، فباهى بك الملائكة، وقال: انظروا إلى عبدي ترك زوجته وشهوته ولذّته وطعامه وشرابه من أجلي، رغبة فيما عندي، اشهدوا أنّي قد غفرت له؛ فغفر لك يومئذ وزوجنيك. وفي «الصحيحين» عن النّبيّ ﷺ ، قال: «إنّ في الجنّة بابا يقال له: الرّيّان، يدخل منه الصّائمون، لا يدخل منه غيرهم» (١). وفي رواية: «فإذا دخلوا أغلق». وفي رواية: «من دخل منه شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا». وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة، عن النبي ﷺ في منامه الطويل، قال: «ورأيت رجلا من أمّتي يلهث عطشا، كلّما ورد حوضا منع، فجاءه صيام رمضان، فسقاه وأرواه» (٢). خرّجه الطبراني وغيره. وروى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف، عن أنس مرفوعا: «الصّائمون ينفح من أفواههم ريح المسك، ويوضع لهم مائدة تحت العرش؛ يأكلون منها والناس في الحساب» (٣). وعن أنس موقوفا: «إنّ لله مائدة لم تر مثلها عين، ولم تسمع أذن، ولا خطر على قلب بشر، لا يقعد عليها إلاّ الصّائمون».

стр. 272

وعن بعض السلف، قال: بلغنا أنه يوضع للصّوّام مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب، فيقولون: يا رب، نحن نحاسب وهم يأكلون؟! فيقال: إنّهم طالما صاموا وأفطرتم، وقاموا ونمتم. رأى بعضهم بشر بن الحارث في المنام وبين يديه مائدة وهو يأكل، ويقال له: كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب. كان بعض الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطع صوته فمات، فرآه بعض أصحابه الصالحين في المنام فسئل عن حاله، فضحك وأنشد: قد كسي حلّة البهاء وطافت … بأباريق حوله الخدّام ثم حلّي وقيل يا قارئ ارقا … فلعمري لقد براك الصّيام اجتاز بعض الصالحين (١) بمناد ينادي على السّحور في رمضان: ياما خبأنا للصّوّام (٢)! فتنبّه بهذه الكلمة، وأكثر من الصّيام. رأى بعض العارفين في منامه كأنه أدخل الجنّة، فسمع قائلا يقول له: هل تذكر أنّك صمت لله يوما قطّ؟ فقال: نعم. قال: فأخذتني صواني النّثار من الجنة. من ترك لله في الدنيا طعاما وشرابا وشهوة مدة يسيرة عوضه الله عنده طعاما وشرابا لا ينفد، وأزواجا لا يمتنى أبدا. شهر رمضان فيه يزوّج الصائمون. في الحديث: «إنّ الجنّة لتزخرف وتنجّد من الحول إلى الحول لدخول رمضان، فتقول الحور: يا ربّ، اجعل لنا في هذا الشهر من عبادك أزواجا تقرّ أعيننا بهم، وتقرّ أعينهم بنا» (٣). وفي حديث آخر: «إنّ الحور تنادي في شهر رمضان: هل من خاطب إلى الله فيزوّجه؟».

стр. 273

مهور الحور طول التهجّد، وهو حاصل في رمضان أكثر من غيره. كان بعض الصالحين كثير التهجد والصيام، فصلى ليلة في المسجد ودعا فغلبته عيناه، فرأى في منامه جماعة علم أنّهم ليسوا من الآدميين، بأيديهم أطباق عليها أرغفة ببياض الثلج، فوق كلّ رغيف درّ أمثال الرّمّان، فقالوا: كل، فقال: إنّي أريد الصّوم، قالوا له: يأمرك صاحب هذا البيت أن تأكل، قال: فأكلت، وجعلت آخذ ذلك الدّرّ لأحتمله. فقالوا له: دعه نغرسه لك شجرا ينبت لك خيرا من هذا. قال: أين؟ قالوا: في دار لا تخرب، وثمر لا يتغيّر، وملك لا ينقطع، وثياب لا تبلى. فيها رضوى، وعينا، وقرّة عين، أزواج رضيات مرضيات راضيات، لا يغرن ولا يغرن؛ فعليك بالانكماش فيما أنت، فإنما هي غفوة حتى ترتحل، فتنزل الدار، فما مكث بعد هذه الرؤيا إلاّ جمعتين حتّى توفي، فرآه ليلة وفاته في المنام بعض أصحابه الذين حدّثهم برؤياه وهو يقول: ألا تعجب من شجر غرس لي في يوم حدثتك وقد حمل؟! فقال له: ما حمل؟ قال: لا تسأل، لا يقدر أحد على صفته. لم ير مثل الكريم إذا حلّ به مطيع. يا قوم، ألا خاطب في هذا الشهر إلى الرحمن؟ ألا راغب فيما أعدّه الله للطائعين في الجنان؟ ألا طالب لما أخبر به من النّعيم المقيم، مع أنّه ليس الخبر كالعيان؟ من يرد ملك الجنان … فليدع عنه التّواني وليقم في ظلمة ال … ليل إلى نور القران وليصل صوما بصوم … إنّ هذا العيش فاني إنّما العيش جوار الله … في دار الأمان الطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عمّا سوى الله، فيحفظ الرأس وما حوى، ويحفظ البطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا. فهذا عيد فطره يوم لقاء ربّه وفرحه برؤيته.

стр. 274

أهل الخصوص من الصّوّم صومهم … صون اللسان عن البهتان والكذب والعارفون وأهل الأنس صومهم … صون القلوب عن الأغيار والحجب العارفون لا يسلّيهم عن رؤية مولاهم قصر، ولا يروّيهم دون مشاهدته نهر؛ هممهم أجلّ من ذلك. كبرت همّة عبد … طمعت في أن تراك من يصم عن مفطرات … فصيامي عن سواك (١) من صام عن شهواته في الدنيا، أدركها غدا في الجنّة. ومن صام عمّا سوى الله، فعيده يوم لقائه، ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. وقد صمت عن لذّات دهري كلّها … ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي رئي بشر في المنام، فسئل عن حاله، فقال: علم قلّة رغبتي في الطعام فأباحني النظر إليه. وقيل لبعضهم: أين نطلبك في الآخرة؟ قال: في زمرة النّاظرين إلى الله، قيل له: كيف علمت ذلك؟ قال: بغضّي طرفي له عن كلّ محرّم، وباجتنابي فيه كلّ منكر ومأثم؛ وقد سألته أن يجعل جنّتي النّظر إليه. يا حبيب القلوب من لي سواكا … ارحم اليوم مذنبا قد أتاكا ليس لي في الجنان مولاي رأي … غير أنّي أريدها لأراكا يا معشر التائبين، صوموا اليوم عن شهوات الهوى؛ لتدركوا عيد الفطر يوم اللّقاء، لا يطولن عليكم الأمد باستبطاء الأجل؛ فإن معظم نهار الصّيام قد ذهب، وعيد اللقاء قد اقترب.

стр. 275

إن يوما جامعا شملي بهم … ذاك عيدي ليس لي عيد سواه قوله: «ولخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك»، خلوف الفم: رائحة ما يتصاعد منه من الأبخرة؛ لخلوّ المعدة من الطعام بالصّيام. وهي رائحة مستكرهة في مشام الناس في الدّنيا، لكنّها طيّبة عند الله حيث كانت ناشئة عن طاعته، وابتغاء مرضاته. كما أنّ دم الشهيد يجيء يوم القيامة يثعب دما، لونه لون الدّم، وريحه ريح المسك. وبهذا استدلّ من كره السّواك للصّائم، أو لم يستحبه من العلماء. وأوّل من علمناه استدلّ بذلك عطاء بن أبي رباح. وروي عن أبي هريرة أنّه استدلّ به، لكن من وجه لا يثبت. وفي المسألة خلاف مشهور بين العلماء. وإنّما كرهه من كرهه في آخر نهار الصّوم؛ لأنّه وقت خلوّ المعدة وتصاعد الأبخرة. وهل يدخل وقت الكراهة بصلاة العصر، أو بزوال الشمس، أو بفعل صلاة الظهر في أوّل وقتها، على أقوال ثلاثة، والثالث هو المنصوص عن أحمد. وفي طيب ريح خلوف فم الصّائم عند الله معنيان: أحدهما: أنّ الصّيام لمّا كان سرّا بين العبد وربّه في الدنيا، أظهره الله في الآخرة علانية للخلق؛ ليشتهر بذلك أهل الصّيام، ويعرفون بصيامهم بين الناس جزاء لإخفائهم صيامهم في الدّنيا. وروى أبو الشيخ الأصبهانيّ بإسناد فيه ضعف، عن أنس مرفوعا: «يخرج الصّائمون من قبورهم يعرفون بريح أفواههم، أفواههم أطيب من ريح المسك» (١).

стр. 276

قال مكحول: يروح أهل الجنّة برائحة، فيقولون: ربّنا، ما وجدنا ريحا منذ دخلنا الجنّة أطيب من هذه الريح. فيقال: هذه رائحة أفواه الصّوّام. وقد تفوح رائحة الصيام في الدنيا وتستنشق قبل الآخرة، وهو نوعان: أحدهما: ما يدرك بالحواس الظاهرة. كان عبد الله بن غالب من العبّاد المجتهدين في الصّلاة والصّيام، فلمّا دفن كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك، فرئي في المنام، فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره، فقال: تلك رائحة التّلاوة والظمإ. والنوع الثاني: ما تستنشقه الأرواح والقلوب، فيوجب ذلك للصّائمين المخلصين المودّة والمحبّة في قلوب المؤمنين. وفي حديث الحارث الأشعريّ، عن النّبي ﷺ : «أنّ زكريّا ﵇ قال لبني إسرائيل: آمركم بالصّيام، فإنّ مثل ذلك كمثل رجل في عصابة، معه صرّة فيها مسك، فكلّهم يعجبه ريحه، وإنّ ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (١). خرّجه الترمذي وغيره. لمّا كان معاملة المخلصين بصيامهم لمولاهم سرّا بينه وبينهم، أظهر الله سرّهم لعباده فصار علانية، فصار هذا التجلّي والإظهار جزاء لذلك الصّون والإسرار. في الحديث: «ما أسرّ أحد سريرة إلاّ ألبسه الله رداءها علانية» (٢).

стр. 277

قال يوسف بن أسباط: أوحى الله تعالى إلى نبيّ من الأنبياء: قل لقومك يخفون لي أعمالهم، وعليّ إظهارها لهم. تذلّل أرباب الهوى في الهوى عزّ … وفقرهم نحو الحبيب هو الكنز وسترهم فيه السّرائر شهرة … وغير تلاف النّفس فيه هو العجز والمعنى الثاني: أنّ من عبد الله وأطاعه، طلب رضاه في الدنيا بعمل، فنشأ من عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا، فإنّ تلك الآثار غير مكروهة عند الله، بل هي محبوبة له وطيّبة عنده؛ لكونها نشأت عن طاعته واتباع مرضاته. فإخباره بذلك للعاملين في الدّنيا فيه تطييب لقلوبهم؛ لئلاّ يكره منهم ما وجد في الدنيا. قال بعض السّلف: وعد الله موسى ثلاثين ليلة أن يكلّمه على رأسها؛ فصام ثلاثين يوما، ثم وجد من فيه خلوفا، فكره أن يناجي ربّه على تلك الحال، فأخذ سواكا فاستاك به، فلمّا أتى لموعد الله إيّاه، قال له: يا موسى، أما علمت أنّ خلوف فم الصّائم أطيب عندنا من ريح المسك، ارجع فصم عشرة أخرى. ولهذا المعنى كان «دم الشّهيد ريحه يوم القيامة كريح المسك، وغبار المجاهدين في سبيل الله ذريرة أهل الجنّة». ورد في ذلك حديث مرسل. كلّ شيء ناقص في عرف النّاس في الدّنيا؛ إذا انتسب إلى طاعته ورضاه فهو الكامل في الحقيقة. خلوف أفواه الصائمين له أطيب من ريح المسك. عري المحرمين لزيارة بيته أجمل من لباس الحلل. نوح المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضل من التسبيح. انكسار المخبتين لعظمته هو الجبر. ذلّ الخائفين من سطوته هو

стр. 278

العزّ. تهتّك المحبّين في محبّته أحسن من السّتر. بذل النّفوس للقتل في سبيله هو الحياة. جوع الصّائمين لأجله هو الشّبع، عطشهم في طلب مرضاته هو الرّيّ. نصب المجتهدين في خدمته هو الرّاحة. ذلّ الفتى في الحبّ مكرمة … وخضوعه لحبيبه شرف هبّت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب. سعى سمسار المواعظ للمهجورين في الصلح. وصلت البشارة للمنقطعين بالوصل، وللمذنبين بالعفو، وللمستوجبين النار بالعتق. لمّا سلسل الشّيطان في شهر رمضان، وخمدت نيران الشّهوات بالصّيام، انعزل سلطان الهوى، وصارت الدولة لحاكم العقل بالعدل؛ فلم يبق للعاصي عذر. يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشّعي. يا شموس التقوى والإيمان اطلعي. يا صحائف أعمال الصّالحين ارتفعي. يا قلوب الصائمين اخشعي. يا أقدم المجتهدين اسجدي لربك واركعي. يا عيون المتهجدين لا تهجعي. يا ذنوب التائبين لا ترجعي. يا أرض الهوى ابلعي ماءك، ويا سماء النّفوس أقلعي. يا بروق الأشواق للعشاق المعي. يا خواطر العارفين ارتعي. يا همم المحبّين بغير الله لا تقنعي. يا جنيد اطرب. يا شبليّ احضر. يا رابعة اسمعي، قد مدّت في هذه الأيام موائد الإنعام للصّوّام، فما منكم إلاّ من دعي ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]. ويا همم المؤمنين أسرعي، فطوبى لمن أجاب فأصاب، وويل لمن طرد عن الباب وما دعي. سألتك يا بانة الأجرعي … متى رفع الحيّ من لعلعي وهل مرّ قلبي مع الظّاعني … ن أم خار ضعفا فلم يتبعي

стр. 279

رحلنا ووافقنا الصّادقون … ولم يتخلّف سوى مدّعي ليت شعري إن جئتهم يقبلوني … أم تراهم عن بابهم يصرفوني أم تراني إذا وقفت لديهم … يأذنوا بالدّخول أم يطردوني ***

стр. 280

المجلس الثاني في فضل الجود في رمضان وتلاوة القرآن في «الصحيحين» عن ابن عبّاس ﵄، قال: «كان النّبيّ ﷺ أجود النّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كلّ ليلة فيدارسه القرآن؛ فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الرّيح المرسلة» (١). وخرّجه الإمام أحمد بزيادة في آخره، وهي: «لا يسأل عن شيء إلا أعطاه». الجود هو سعة العطاء وكثرته، والله تعالى يوصف بالجود. وفي الترمذي من حديث سعد بن أبي وقّاص، عن النبيّ ﷺ : «إنّ الله جواد يحبّ الجود، كريم يحبّ الكرم» (٢). وفيه أيضا: من حديث أبي ذرّ ﵁، عن النبي ﷺ ، عن ربّه، قال: «يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم، وحيّكم وميّتكم (٣)، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كلّ إنسان منكم، ما بلغت أمنيّته، فأعطيت كلّ سائل منكم، ما نقص ذلك من ملكي إلاّ كما لو أنّ أحدكم مرّ بالبحر، فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه؛ ذلك بأنّي جواد واجد ماجد، أفعل ما أريد،

стр. 281

عطائي كلام، وعذابي كلام، إنّما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون» (١). وفي الأثر المشهور عن فضيل بن عياض: إنّ الله تعالى يقول كلّ ليلة: أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومنّي الكرم. فالله أجود الأجودين، وجوده يتضاعف في أوقات خاصّة، كشهر رمضان، وفيه أنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وفي الحديث الذي خرّجه الترمذيّ وغيره «أنّه ينادي فيه مناد: يا باغي الخير هلمّ، ويا باغي الشّرّ أقصر، ولله عتقاء من النّار، وذلك كلّ ليلة» (٢). ولمّا كان الله قد جبل نبيّه ﷺ على أكمل الأخلاق وأشرفها، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: «إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» (٣). وذكره مالك في «الموطإ» بلاغا. فكان رسول الله ﷺ أجود الناس كلّهم. وخرّج ابن عدي بإسناد فيه ضعف من حديث أنس مرفوعا: «ألا أخبركم

стр. 282

بالأجود الأجود؟ الله الأجود الأجود، وأنا أجود بني آدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علما فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمّة وحده، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله» (١). فدلّ هذا على أنّه ﷺ أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة. وكان جوده يجمع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكلّ طريق؛ من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم. ولم يزل ﷺ على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت له خديجة في أوّل مبعثه: «والله، لا يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتقري الضّيف، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحقّ». ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافا كثيرة. وفي «الصحيحين» عن أنس، قال: «كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس، وأشجع النّاس، وأجود الناس» (٢). وفي «صحيح مسلم» عنه، قال: «ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلاّ أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة» (٣). وفي رواية له: «إن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإنّ محمدا يعطي عطاء ما يخاف الفقر». قال أنس: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلاّ الدنيا، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحبّ إليه من الدنيا وما عليها».

стр. 283

وفيه أيضا: عن صفوان بن أميّة، قال: لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنّه لمن أبغض النّاس إليّ، فما برح يعطيني حتّى إنّه لأحبّ النّاس إليّ (١). قال ابن شهاب: أعطاه يوم حنين مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة. وفي «مغازي الواقدي» أنّ النبي ﷺ أعطى صفوان يومئذ واديا مملوءا إبلا ونعما، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلاّ نفس نبيّ. وفي «الصحيحين» عن جبير بن مطعم: أنّ الأعراب علقوا بالنبيّ ﷺ مرجعه من حنين يسألونه أن يقسم بينهم، فقال: «لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا» (٢). وفيهما عن جابر، قال: «ما سئل رسول الله ﷺ شيئا فقال: لا»، وأنه قال لجابر: لو جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، وقال بيديه: جميعا (٣). وخرّج البخاري من حديث سهل بن سعد: أنّ شملة أهديت للنبيّ ﷺ فلبسها وهو محتاج إليها، فسأله إيّاها رجل فأعطاه، فلامه النّاس، وقالوا: كان محتاجا إليها، وقد علمت أنّه لا يردّ سائلا، فقال: إنما سألتها لتكون كفني، فكانت كفنه (٤). وكان جوده ﷺ كلّه لله ، وفي ابتغاء مرضاته، فإنّه كان يبذل المال: إمّا لفقير، أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألّف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه. وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل

стр. 284

كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار (١)، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع. وكان قد أتاه ﷺ سبي مرّة، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادما يكفيها مئونة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال: «لا أعطيك وأدع أهل الصّفّة تطوى بطونهم من الجوع» (٢). وكان جوده ﷺ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أنّ جود ربّه يتضاعف فيه أيضا، فإنّ الله جبله على ما يحبّه من الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة. ذكر ابن إسحاق عن وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير، قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كلّ سنة شهرا، يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته، من السّنة التي بعثه فيها، وذلك الشهر شهر رمضان، خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله، حتّى إذا كانت اللّيلة التي أكرمه الله تعالى برسالته، ورحم العباد بها، جاءه جبريل من الله (٣). ثم كان بعد الرسالة جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك؛ فإنه كان يلتقي هو وجبريل ﵇، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه (٤)، وهو أشرف الكتب وأفضلها، وهو يحثّ على الإحسان ومكارم الأخلاق.

стр. 285

وقد كان رسول الله ﷺ هذا الكتاب له خلقا بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حثّ عليه، ويمتنع ممّا زجر عنه؛ فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في هذا الشهر؛ لقرب عهده بمخالطة جبريل ﵇، وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، الذي يحثّ على المكارم والجود. ولا شكّ أنّ المخالطة تؤثّر وتورث أخلاقا من المخالط. كان بعض الشعراء قد امتدح ملكا جوادا، فأعطاه جائزة سنية، فخرج بها من عنده وفرّقها كلّها على الناس، وأنشد: لمست بكفّي كفّه أبتغي الغني … ولم أدر أنّ الجود من كفّه يعدي فبلغ ذلك الملك فأضعف له الجائزة. وقد قال بعض الشعراء يمتدح بعض الأجواد ولا يصلح أن يكون ذلك إلاّ لرسول الله ﷺ : تعوّد بسط الكفّ حتّى لو أنّه … ثناها لقبض لم تجبه أنامله تراه إذا ما جئته متهلّلا … كأنّك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يكن في كفّه غير روحه … لجاد بها فليتّق الله سائله هو البحر من أيّ النّواحي أتيته … فلجّته المعروف والجود ساحله سمع الشّبليّ قائلا يقول: يا الله، يا جواد، فتأوّه وصاح، وقال: كيف يمكنني أن أصف الحقّ بالجود ومخلوق يقول في شكله، فذكر هذه الأبيات، ثم بكى، وقال: بلى يا جواد؛ فإنّك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، فأنت الجواد كلّ الجواد؛ فإنّهم يعطون عن محدود وعطاؤك لا حدّ له ولا صفة، فيا جوادا يعلو كلّ جواد، وبه جاد كلّ من جاد.

стр. 286

وفي تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة: منها: شرف الزمان، ومضاعفة أجر العمل فيه. وفي الترمذي عن أنس مرفوعا: «أفضل الصّدقة صدقة في رمضان» (١). ومنها: إعانة الصّائمين والقائمين والذّاكرين على طاعاتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم، كما أنّ من جهّز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا (٢). وفي حديث زيد بن خالد عن النبي ﷺ ، قال: «من فطّر صائما فله مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصّائم شيء» (٣). خرّجه الإمام أحمد، والنسائيّ، والترمذي، وابن ماجه. وخرّجه الطبراني من حديث عائشة، وزاد: «وما عمل الصائم من أعمال البرّ إلاّ كان لصاحب الطّعام ما دام قوة الطعام فيه» (٤). وخرّج ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث سلمان مرفوعا حديثا في فضل شهر رمضان، وفيه: «وهو شهر المواساة، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن؛ من فطّر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء». قالوا: يا رسول الله، ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم. قال: «يعطي الله هذا الثّواب لمن فطّر صائما على مذقة لبن،

стр. 287

أو تمرة، أو شربة ماء. ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنّة» (١). ومنها: أنّ شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرّحمة والمغفرة والعتق من النار، لا سيما في ليلة القدر. والله تعالى يرحم من عباده الرّحماء، كما قال ﷺ : «إنّما يرحم الله من عباده الرّحماء» (٢). فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل؛ والجزاء من جنس العمل. ومنها: أنّ الجمع بين الصّيام والصّدقة من موجبات الجنّة، كما في حديث عليّ، عن النبي ﷺ ، قال: «إنّ في الجنّة غرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن طيّب الكلام، وأطعم الطّعام، وأدام الصّيام، وصلّى بالليل والنّاس نيام» (٣). وهذه الخصال كلّها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصّيام، والقيام؛ والصّدقة، وطيب الكلام؛ فإنّه ينهى فيه الصّائم عن اللّغو والرّفث. والصّيام والصّلاة والصّدقة توصل صاحبها إلى الله ، قال بعض السّلف: الصّلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصّيام يوصله إلى باب الملك، والصّدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: من تصدّق اليوم بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن
следующие страницы →