← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1144

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عوض الله

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (586 стр.). Показаны 284–323 · переход к 289.

стр. 284

كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار (١)، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع. وكان قد أتاه ﷺ سبي مرّة، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادما يكفيها مئونة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال: «لا أعطيك وأدع أهل الصّفّة تطوى بطونهم من الجوع» (٢). وكان جوده ﷺ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أنّ جود ربّه يتضاعف فيه أيضا، فإنّ الله جبله على ما يحبّه من الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة. ذكر ابن إسحاق عن وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير، قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كلّ سنة شهرا، يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته، من السّنة التي بعثه فيها، وذلك الشهر شهر رمضان، خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله، حتّى إذا كانت اللّيلة التي أكرمه الله تعالى برسالته، ورحم العباد بها، جاءه جبريل من الله (٣). ثم كان بعد الرسالة جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك؛ فإنه كان يلتقي هو وجبريل ﵇، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه (٤)، وهو أشرف الكتب وأفضلها، وهو يحثّ على الإحسان ومكارم الأخلاق.

стр. 285

وقد كان رسول الله ﷺ هذا الكتاب له خلقا بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حثّ عليه، ويمتنع ممّا زجر عنه؛ فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في هذا الشهر؛ لقرب عهده بمخالطة جبريل ﵇، وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، الذي يحثّ على المكارم والجود. ولا شكّ أنّ المخالطة تؤثّر وتورث أخلاقا من المخالط. كان بعض الشعراء قد امتدح ملكا جوادا، فأعطاه جائزة سنية، فخرج بها من عنده وفرّقها كلّها على الناس، وأنشد: لمست بكفّي كفّه أبتغي الغني … ولم أدر أنّ الجود من كفّه يعدي فبلغ ذلك الملك فأضعف له الجائزة. وقد قال بعض الشعراء يمتدح بعض الأجواد ولا يصلح أن يكون ذلك إلاّ لرسول الله ﷺ : تعوّد بسط الكفّ حتّى لو أنّه … ثناها لقبض لم تجبه أنامله تراه إذا ما جئته متهلّلا … كأنّك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يكن في كفّه غير روحه … لجاد بها فليتّق الله سائله هو البحر من أيّ النّواحي أتيته … فلجّته المعروف والجود ساحله سمع الشّبليّ قائلا يقول: يا الله، يا جواد، فتأوّه وصاح، وقال: كيف يمكنني أن أصف الحقّ بالجود ومخلوق يقول في شكله، فذكر هذه الأبيات، ثم بكى، وقال: بلى يا جواد؛ فإنّك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، فأنت الجواد كلّ الجواد؛ فإنّهم يعطون عن محدود وعطاؤك لا حدّ له ولا صفة، فيا جوادا يعلو كلّ جواد، وبه جاد كلّ من جاد.

стр. 286

وفي تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة: منها: شرف الزمان، ومضاعفة أجر العمل فيه. وفي الترمذي عن أنس مرفوعا: «أفضل الصّدقة صدقة في رمضان» (١). ومنها: إعانة الصّائمين والقائمين والذّاكرين على طاعاتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم، كما أنّ من جهّز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا (٢). وفي حديث زيد بن خالد عن النبي ﷺ ، قال: «من فطّر صائما فله مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصّائم شيء» (٣). خرّجه الإمام أحمد، والنسائيّ، والترمذي، وابن ماجه. وخرّجه الطبراني من حديث عائشة، وزاد: «وما عمل الصائم من أعمال البرّ إلاّ كان لصاحب الطّعام ما دام قوة الطعام فيه» (٤). وخرّج ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث سلمان مرفوعا حديثا في فضل شهر رمضان، وفيه: «وهو شهر المواساة، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن؛ من فطّر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء». قالوا: يا رسول الله، ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم. قال: «يعطي الله هذا الثّواب لمن فطّر صائما على مذقة لبن،

стр. 287

أو تمرة، أو شربة ماء. ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنّة» (١). ومنها: أنّ شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرّحمة والمغفرة والعتق من النار، لا سيما في ليلة القدر. والله تعالى يرحم من عباده الرّحماء، كما قال ﷺ : «إنّما يرحم الله من عباده الرّحماء» (٢). فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل؛ والجزاء من جنس العمل. ومنها: أنّ الجمع بين الصّيام والصّدقة من موجبات الجنّة، كما في حديث عليّ، عن النبي ﷺ ، قال: «إنّ في الجنّة غرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن طيّب الكلام، وأطعم الطّعام، وأدام الصّيام، وصلّى بالليل والنّاس نيام» (٣). وهذه الخصال كلّها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصّيام، والقيام؛ والصّدقة، وطيب الكلام؛ فإنّه ينهى فيه الصّائم عن اللّغو والرّفث. والصّيام والصّلاة والصّدقة توصل صاحبها إلى الله ، قال بعض السّلف: الصّلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصّيام يوصله إلى باب الملك، والصّدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: من تصدّق اليوم بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن

стр. 288

عاد منكم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: ما اجتمعن في امرئ إلاّ دخل الجنّة» (١). ومنها: أنّ الجمع بين الصّيام والصّدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنّم والمباعدة عنها، خصوصا إن ضمّ إلى ذلك قيام الليل. فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «الصّيام جنّة» (٢). وفي رواية: «جنّة أحدكم من النّار كجنّته من القتال» (٣). وفي حديث معاذ عن النبيّ ﷺ ، قال: «الصّدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار. وقيام الرّجل من جوف الليل» (٤)، يعني أنه يطفئ الخطيئة أيضا. وقد صرّح بذلك في رواية للإمام أحمد. وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنّه قال: «اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة» (٥). كان أبو الدّرداء يقول: صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يوما شديدا حرّه لحرّ يوم النشور، تصدّقوا بصدقة لشرّ يوم عسير. ومنها: أنّ الصّيام لا بدّ أن يقع فيه خلل ونقص؛ وتكفير الصّيام للذنوب مشروط بالتحفّظ مما ينبغي التحفظ منه؛ كما ورد ذلك في حديث خرّجه ابن حبّان في صحيحه (٦). وعامّة صيام النّاس لا يجتمع في صومه التحفّظ كما ينبغي، ولهذا نهي أن

стр. 289

يقول الرجل: صمت رمضان كلّه، أو قمته كلّه. فالصّدقة تجبر ما فيه من النّقص والخلل، ولهذا وجب في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طهرة للصّائم من اللغو والرّفث. والصّيام والصّدقة لهما مدخل في كفّارات الأيمان، ومحظورات الإحرام، وكفّارة الوطء في رمضان. ولهذا كان الله تعالى قد خيّر المسلمين في ابتداء الأمر بين الصّيام وإطعام المسكين، ثم نسخ ذلك، وبقي الإطعام لمن يعجز عن الصّيام؛ لكبره. ومن أخّر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر، فإنّه يقضيه ويضمّ إليه إطعام مسكين لكل يوم، تقوية له عند أكثر العلماء، كما أفتى به الصّحابة. وكذلك من أفطر لأجل غيره، كالحامل والمرضع؛ على قول طائفة من العلماء. ومنها: أنّ الصّائم يدع طعامه وشرابه لله، فإذا أعان الصّائمين على التقوّي على طعامهم وشرابهم كان بمنزلة من ترك شهوة لله، وآثر بها، أو واسى منها. ولهذا يشرع له تفطير الصّوّام معه إذا أفطر؛ لأنّ الطّعام يكون محبوبا له حينئذ، فيواسي منه، حتى يكون ممن أطعم الطّعام على حبّه، ويكون في ذلك شكر لله على نعمة إباحة الطّعام والشّراب له، وردّه عليه بعد منعه إيّاه؛ فإنّ هذه النعمة إنما عرف قدرها عند المنع منها. وسئل بعض السّلف: لم شرع الصّيام؟ قال: ليذوق الغنيّ طعم الجوع فلا ينسى الجائع. وهذا من بعض حكم الصوم وفوائده. وقد ذكرنا فيما تقدّم حديث سلمان، وفيه: «وهو شهر المواساة» (١) فمن لم يقدر فيه على درجة الإيثار على نفسه فلا يعجز عن درجة أهل المواساة.

стр. 290

كان كثير من السّلف يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به ويطوون (١)، وكان ابن عمر يصوم، ولا يفطر إلاّ مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم (٢)، لم يتعشّ تلك الليلة. وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه، أخذ نصيبه من الطعام وقام، فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائما ولم يأكل شيئا. واشتهى بعض الصالحين من السّلف طعاما، وكان صائما، فوضع بين يديه عند فطوره، فسمع سائلا يقول: من يقرض المليّ الوفيّ الغني (٣)؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات. فقام فأخذ الصّحفة فخرج بها إليه، وبات طاويا. وجاء سائل إلى الإمام أحمد، فدفع إليه رغيفين كان يعدّهما لفطره، ثم طوى وأصبح صائما. وكان الحسن يطعم إخوانه وهو صائم تطوّعا، ويجلس يروّحهم وهم يأكلون. وكان ابن المبارك يطعم إخوانه في السّفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم. سلام الله على تلك الأرواح. رحمة الله على تلك الأشباح؛ لم يبق منهم إلاّ أخبار وآثار. كم بين من يمنع الحقّ الواجب عليه وبين أهل الإيثار. لا تعرضنّ لذكرنا في ذكرهم … ليس الصّحيح إذا مشى كالمقعد وله فوائد أخر. قال الشافعي ﵁: أحبّ للرجل الزّيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله ﷺ ، ولحاجة النّاس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصّوم والصّلاة عن مكاسبهم. وكذا قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا أيضا.

стр. 291

ودلّ الحديث أيضا على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له. وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان. وفي حديث فاطمة ﵂ عن أبيها ﷺ : «أنّه أخبرها: أنّ جبريل ﵇ كان يعارضه القرآن كلّ عام مرّة، وأنّه عارضه في عام وفاته مرّتين» (١). وفي حديث ابن عباس: «أنّ المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلا» (٢)، فدلّ على استحباب الإكثار من التّلاوة في رمضان ليلا؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبّر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمّل: ٦]. وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقد قال ابن عباس ﵄: إنّه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في ليلة القدر. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدّخان: ٣]. وقد سبق عن عبيد بن عمير أنّ النبيّ ﷺ بدئ بالوحي ونزول القرآن عليه في شهر رمضان. وفي «المسند» عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ أنّه قال: «نزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التّوراة لستّ مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» (٣).

стр. 292

وقد كان النبي ﷺ يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وقد صلّى معه حذيفة ليلة في رمضان، قال: فقرأ بالبقرة، ثم النّساء، ثم آل عمران، لا يمرّ بآية تخويف إلاّ وقف وسأل. قال: فما صلّى الرّكعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصّلاة (١). خرّجه الإمام أحمد، وخرّجه النسائي، وعنده: أنه ما صلّى إلا أربع ركعات. وكان عمر قد أمر أبيّ بن كعب وتميما الداريّ أن يقوما بالنّاس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة، حتى كانوا يعتمدون على العصيّ من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر. وفي رواية: أنّهم كانوا يربطون الحبال بين السّواري، ثم يتعلّقون بها. وروي أنّ عمر جمع ثلاثة قرّاء، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ بالنّاس ثلاثين، وأوسطهم بخمس وعشرين، وأبطأهم بعشرين. ثم كان في زمن التابعين يقرءون بالبقرة في قيام رمضان في ثمان ركعات، فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أنّه قد خفّف. قال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهويه: كم يقرأ في قيام شهر رمضان؟ فلم يرخّص في دون عشر آيات. فقيل له: إنهم لا يرضون. فقال لا رضوا، فلا تؤمّهم إذا لم يرضوا بعشر آيات من البقرة، ثم إذا صرت إلى الآيات الخفاف فبقدر عشر آيات من البقرة، يعني في كلّ ركعة، وكذلك كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات. وسئل الإمام أحمد عمّا روي عن عمر - كما تقدّم ذكره - في السّريع القراءة

стр. 293

والبطيء؟ فقال: في هذا مشقة على الناس ولا سيما في هذه الليالي القصار. وإنّما الأمر على ما يحتمله الناس. وقال أحمد لبعض أصحابه، وكان يصلّي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفى، اقرأ خمسا، ستّا، سبعا. قال: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين. وقد روي عن الحسن: أنّ الذي أمره عمر أن يصلّي بالناس كان يقرأ خمس آيات، ستّ آيات. وكلام الإمام أحمد يدلّ على أنه يراعى في القراءة حال المأمومين، فلا يشقّ عليهم. وقاله أيضا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. وقد روي عن أبي ذرّ «أنّ النبيّ ﷺ قام بهم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل. فقالوا له: لو نفّلتنا بقيّة ليلتنا؟ فقال: إنّ الرجل إذا صلّى مع الإمام حتّى ينصرف كتب له بقيّة ليلته» (١). خرّجه أهل السّنن، وحسّنه الترمذيّ. وهذا يدلّ على أنّ قيام ثلث الليل ونصفه يكتب به قيام ليلة، لكن مع الإمام. وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث ويصلّي مع الإمام حتى ينصرف، ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام. وقال بعض السّلف: من قام نصف الليل فقد قام اللّيل. وفي «سنن أبي داود»، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين» (٢). يعني أنه يكتب له قنطار من الأجر.

стр. 294

ويروى من حديث تميم وأنس مرفوعا: «من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قيام ليلة» (١). وفي إسنادهما ضعف. وروي حديث تميم موقوفا عليه، وهو أصحّ. وعن ابن مسعود، قال: «من قرأ في ليلة خمسين آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب له قنطار» (٢). ومن أراد أن يزيد في القراءة ويطيل، وكان يصلّي لنفسه فليطوّل ما شاء، كما قاله النبي ﷺ . وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته. وكان بعض السّلف يختم في قيام رمضان في كلّ ثلاث ليال، وبعضهم في كلّ سبع؛ منهم قتادة. وبعضهم في كلّ عشر؛ منهم أبو رجاء العطارديّ. وكان السّلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها؛ كان الأسود يقرأ القرآن في كلّ ليلتين في رمضان، وكان النّخعيّ يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصّة، وفي بقيّة الشّهر في ثلاث. وكان قتادة يختم في كلّ سبع دائما، وفي رمضان في كلّ ثلاث، وفي العشر الأواخر كلّ ليلة. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصّلاة. وعن أبي حنيفة نحوه. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان. وكان الزّهريّ إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام. قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على

стр. 295

تلاوة القرآن. وكانت عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أوّل النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت. وقال سفيان: كان زبيد الياميّ إذا حضر رمضان أحضر المصاحف، وجمع إليه أصحابه. وإنما ورد النّهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك. فأمّا في الأوقات المفضّلة، كشهر رمضان، خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة، كمكّة، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحبّ الإكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتناما للزمان والمكان. وهذا قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدلّ عمل غيرهم، كما سبق ذكره. واعلم أنّ المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه؛ جهاد بالنهار على الصّيام، وجهاد بالليل على القيام. فمن جمع بين هذين الجهادين، ووفّى بحقوقهما، وصبر عليهما، وفّي أجره بغير حساب. قال كعب: ينادي يوم القيامة مناد: إنّ كلّ حارث يعطى بحرثه ويزاد غير أهل القرآن والصّيام، يعطون أجورهم بغير حساب. ويشفعان له أيضا عند الله ، كما في «المسند» عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: «الصّيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصّيام: أي ربّ، منعته الطّعام والشهوات بالنّهار. ويقول القرآن: منعته النّوم باللّيل فشفّعني فيه، فيشفعّان» (١). فالصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرّمة كلّها، سواء كان تحريمها يختصّ بالصّيام، كشهوة الطعام، والشّراب، والنّكاح، ومقدماتها، أو

стр. 296

لا يختص به، كشهوة فضول الكلام المحرّم، والنظر المحرّم، والسّماع المحرّم، والكسب المحرّم؛ فإذا منعه الصّيام من هذه المحرّمات كلّها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا ربّ، منعته شهواته، فشفّعني فيه. فهذا لمن حفظ صيامه، ومنعه من شهواته. فأمّا من ضيّع صيامه ولم يمنعه ممّا حرّمه الله عليه، فإنّه جدير أن يضرب به وجه صاحبه؛ ويقول له: ضيّعك الله كما ضيعتني. كما ورد مثل ذلك في الصّلاة. قال بعض السّلف: إذا احتضر المؤمن، يقال للملك: شمّ رأسه. قال: أجد في رأسه القرآن. فيقال: شمّ قلبه. فيقول: أجد في قلبه الصّيام، فيقال: شمّ قدميه، فيقول: أجد في قدميه القيام. فيقال: حفظ نفسه حفظه الله . وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل، فإن من قرأ القرآن وقام به، فقد قام بحقّه فيشفع له. وقد ذكر النبي ﷺ رجلا، فقال: «ذاك لا يتوسّد القرآن» (١). يعني لا ينام عليه فيصير له كالوسادة. وخرّج الإمام أحمد من حديث بريدة مرفوعا: «إنّ القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشقّ عنه قبره، كالرّجل الشاحب، فيقول: هل تعرفني؟ أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وكلّ تاجر من وراء تجارته؛ فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنّة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ؛ هذّا كان أو ترتيلا» (٢).

стр. 297

وفي حديث عبادة بن الصّامت الطويل: «إن القرآن يأتي صاحبه في القبر، فيقول له: أنا الذي كنت أسهر ليلك، وأظمئ نهارك، وأمنعك شهواتك، وسمعك وبصرك؛ فستجدني من الأخلاّء خليل صدق. ثم يصعد فيسأل له فراشا ودثارا، فيؤمر له بفراش من الجنّة، وقنديل من الجنّة، وياسمين من الجنّة، ثم يدفع القرآن في قبلة القبر، فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك» (١). قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينامون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون. قال محمد بن كعب: كنّا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه. يشير إلى سهره وطول تهجّده. قال وهيب بن الورد: قيل لرجل: ألا تنام؟ قال: إنّ عجائب القرآن أطرن نومي. وصحب رجل رجلا شهرين، فلم يره نائما، فقال: ما لي لا أراك نائما؟ قال: إنّ عجائب القرآن أطرن نومي؛ ما أخرج من أعجوبة إلاّ وقعت في أخرى. قال أحمد بن أبي الحواري: إنّي لأقرأ القرآن وأنظر في آية آية، فيحير عقلي بها، وأعجب من حفّاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا، وهم يتلون كلام الله؟ أما إنّهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقّه، وتلذّذوا به، واستحلوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم فرحا بما قد رزقوا. وأنشد ذو النون المصري:

стр. 298

منع القرآن بوعده ووعيده … مقل العيون بليلها لا تهجع فهموا عن الملك العظيم كلامه … فهما تذلّ له الرّقاب وتخضع فأمّا من كان معه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار، فإنّه ينتصب القرآن خصما له، يطالبه بحقوقه التي ضيّعها. وخرّج الإمام أحمد من حديث سمرة: أنّ النبيّ ﷺ رأى في منامه رجلا مستلقيا على قفاه، ورجل قائم بيده فهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فيتدهده الحجر، فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان، فيصنع به مثل ذلك، فسأل عنه، فقيل له: هذا رجل آتاه الله القرآن فنام عنه باللّيل، ولم يعمل به بالنّهار، فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة» (١). وقد خرّجه البخاريّ بغير هذا اللفظ (٢). وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ ﷺ : «يمثّل القرآن يوم القيامة رجلا، فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره، فيتمثّل له خصما، فيقول: يا ربّ، حمّلته إياي؛ فبئس حامل تعدّى حدودي، وضيّع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي. فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتّى يكبّه على منخره في النار. ويؤتى بالرّجل الصّالح كان قد حمله وحفظ أمره، فيتمثّل خصما دونه، فيقول: يا ربّ، حمّلته إيّاي، فخير حامل؛ حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتّبع طاعتي، فلا يزال يقذف له بالحجج حتّى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتّى يلبسه حلّة الإستبرق، ويعقد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر» (٣).

стр. 299

يا من ضيّع عمره في غير الطاعة، يا من فرّط في شهره، بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط، وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممّن جعلته خصمك الشّفاعة؟! ويل لمن شفعاؤه خصماؤه … والصّور في يوم القيامة ينفخ ربّ صائم حظّه من صيامه الجوع والعطش، وقائم حظّه من قيامه السّهر. كلّ قيام لا ينهى عن الفحشاء والمنكر لا يزيد صاحبه إلا بعدا، وكلّ صيام لا يصان عن قول الزّور والعمل به لا يورث صاحبه إلاّ مقتا وردّا. يا قوم، أين آثار الصيام؟ أين أنوار القيام؟ إن كنت تنوح يا حمام البان … للبين فأين شاهد الأحزان أجفانك للدّموع أم أجفاني … لا يقبل مدّع بلا برهان هذا - عباد الله - شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفي بقيته للعابدين مستمتع، وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم ويسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا يتصدّع. ومع هذا فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان عن الحرام فينفع! ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع! قلوب خلت من التّقوى فهي خراب بلقع، وتراكمت عليها ظلمة الذّنوب فهي لا تبصر ولا تسمع. كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشدّ قسوة. وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشّقوة. لا الشّابّ منّا ينتهي عن الصّبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة. أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدّعوة، وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع

стр. 300

والأبصار؟ أفما لنا فيهم أسوة؟! كم بيننا وبين حال أهل الصّفا أبعد مما بيننا وبين الصّفا والمروة. كلما حسنت منّا الأقوال ساءت الأعمال. فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم، وحسبنا الله. يا نفس فاز الصالحون بالتّقى … وأبصروا الحقّ وقلبي قد عمي يا حسنهم واللّيل قد جنّهم … ونورهم يفوق نور الأنجم ترنّموا بالذّكر في ليلهم … فعيشهم قد طاب بالتّرنّم قلوبهم للذّكر قد تفرّغت … دموعهم كلؤلؤ منتظم أسحارهم بهم لهم قد أشرقت … وخلع الغفران خير القسم ويحك يا نفس ألا تيقّظ … ينفع قبل أن تزلّ قدمي مضى الزّمان في توان وهوى … فاستدركي ما قد بقي واغتنمي ***

стр. 301

المجلس الثالث في ذكر العشر الأوسط من شهر رمضان وذكر نصف الشهر الأخير في «الصحيحين» عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما، حتّى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه، قال: «من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر. وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كلّ وتر». فمطرت السّماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطّين من صبح إحدى وعشرين (١). هذا الحديث يدلّ على أنّ النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان؛ لابتغاء ليلة القدر فيه. وهذا السّياق يقتضي أنّ ذلك تكرّر منه. وفي رواية في «الصحيحين» في هذا الحديث: «أنه اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: إني أتيت، فقيل لي: إنها في العشر الأواخر. فمن أحبّ منكم أن يعتكف فليعتكف. فاعتكف الناس معه» (٢).

стр. 302

وهذا يدلّ على أنّ ذلك كان منه قبل أن يتبيّن له أنّها في العشر الأواخر، ثم لمّا تبيّن له ذلك اعتكف العشر الأواخر حتّى قبضه الله . كما رواه عنه عائشة وأبو هريرة وغيرهما. وروي أنّ عمر ﵁ جمع جماعة من الصحابة، فسألهم عن ليلة القدر، فقال بعضهم: كنّا نراها في العشر الأوسط، ثم بلغنا أنّها في العشر الأواخر. وسيأتي الحديث بتمامه في موضع آخر إن شاء الله تعالى. وخرّج ابن أبي عاصم في «كتاب الصيام» وغيره من حديث خالد بن مخدوج، عن أنس: أنّ النبيّ ﷺ قال: «التمسوها في أوّل ليلة، أو في تسع، أو في أربع عشرة». وخالد هذا فيه ضعف. وهذا يدلّ على أنّها تطلب في ليلتين من العشر الأول، وفي ليلة من العشر الأوسط، وهي أربع عشرة. وقد سبق من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعا: «إن الإنجيل أنزل لثلاث عشرة من رمضان». وقد ورد الأمر بطلب ليلة القدر في النصف الأواخر من رمضان، وفي أفراد ما بقي من العشر الأوسط من هذا النصف، وهما ليلتان: ليلة سبع عشرة، وليلة تسع عشرة. أمّا الأوّل: فخرّجه الطبراني من حديث عبد الله بن أنيس، أنه سأل النبيّ ﷺ عن ليلة القدر، فقال: «رأيتها ونسيتها، فتحرّها في النّصف الأواخر. ثم عاد فسأله، فقال: التمسها في ليلة ثلاث وعشرين تمضي من الشهر» (١). ولهذا المعنى - والله أعلم - كان أبيّ بن كعب يقنت في الوتر في ليالي النصف الأواخر؛ لأنّه يرجى فيه ليلة القدر.

стр. 303

وأيضا فكلّ زمان فاضل من ليل أو نهار، فإن آخره أفضل من أوّله، كيوم عرفة، ويوم الجمعة. وكذلك اللّيل والنّهار عموما؛ آخره أفضل من أوّله. ولذلك كانت الصلاة الوسطى صلاة العصر، كما دلّت الأحاديث الصّحيحة عليه، وآثار السّلف الكثيرة تدلّ عليه. وكذلك عشر ذي الحجة والمحرم؛ آخرها أفضل من أوّلهما. وأمّا الثاني: ففي «سنن أبي داود» عن ابن مسعود مرفوعا: «اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين»، ثم سكت (١). وفي رواية: «ليلة تسع عشرة». وقيل: إنّ الصحيح وقفه على ابن مسعود، فقد صحّ عنه أنّه قال: تحرّوا ليلة القدر ليلة سبع عشرة، صباحة بدر، أو إحدى وعشرين. وفي رواية عنه، قال: «ليلة سبع عشرة، فإن لم يكن ففي تسع عشرة». وخرّج الطبراني من رواية أبي المهزّم، وهو ضعيف، عن أبي هريرة مرفوعا، قال: «التمسوا ليلة القدر في سبع عشرة أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين» (٢). ففي هذا الحديث: التماسها في أفراد النصف الثاني كلّها. ويروى من حديث عائشة ﵂ «أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا كان ليلة تسع عشرة من رمضان شدّ المئزر وهجر الفراش حتى يفطر». قال البخاري: تفرّد به عمر بن مسكين، ولا يتابع عليه. وقد روي عن طائفة من الصحابة أنّها تطلب ليلة سبع عشرة، وقالوا: إن

стр. 304

صبيحتها كان يوم بدر. روي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعمرو بن حريث. ومنهم من روي عنه، أنّها ليلة تسع عشرة؛ روي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن أرقم. والمشهور عند أهل السّير والمغازي: أنّ ليلة بدر كانت ليلة سبع عشرة، وكانت ليلة جمعة. وروي ذلك عن علي، وابن عباس وغيرهما. وعن ابن عباس، رواية ضعيفة أنّها كانت ليلة الإثنين. وكان زيد بن ثابت لا يحيي ليلة من رمضان، كما يحيي ليلة سبع عشرة، ويقول: إنّ الله فرّق في صبيحتها بين الحقّ والباطل، وأذلّ في صبيحتها أئمة الكفر. وحكى الإمام أحمد هذا القول عن أهل المدينة: أنّ ليلة القدر تطلب ليلة سبع عشرة. قال في رواية أبي داود فيمن قال لامرأته: أنت طالق ليلة القدر، قال: يعتزلها إذا دخل العشر، وقبل العشر، أهل المدينة يرونها في السبع عشرة، إلاّ أنّ المثبت عن النبي ﷺ في العشر الأواخر. وحكي عن عامر بن عبد الله بن الزّبير: أنّه كان يواصل ليلة سبع عشرة. وعن أهل مكّة أنّهم كانوا لا ينامون فيها، ويعتمرون. وحكي عن أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة: أنّ ليلة القدر في النصف الأواخر من رمضان من غير تعيين لها بليلة، وإن كانت في نفس الأمر عند الله معينة. وروي عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: ليلة القدر ليلة سبع عشرة، ليلة جمعة. خرّجه ابن أبي شيبة. وظاهره أنّها إنما تكون ليلة القدر إذا كانت ليلة جمعة؛ لتوافق ليلة بدر. وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناد جيّد، عن الحسن، قال: إنّ غلاما لعثمان بن أبي العاص، قال له: يا سيدي، إن البحر يعذب في هذا الشهر في ليلة. قال: فإذا كانت تلك الليلة فأعلمني. قال: فلما كانت تلك الليلة آذنه،

стр. 305

فنظروا فوجدوه عذبا، فإذا هي ليلة سبع عشرة. وروي من حديث جابر، قال: «كان رسول الله ﷺ يأتي قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان، أيّ يوم كان». خرّجه أبو موسى المديني. وقد قيل: إنّ المعراج كان فيها أيضا. ذكر ابن سعد، عن الواقديّ، عن أشياخه: أنّ المعراج كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة إلى السماء، وأنّ الإسراء كان ليلة سبع عشرة من ربيع الأوّل قبل الهجرة بسنة إلى بيت المقدس. وهذا على قول من فرّق بين المعراج والإسراء؛ فجعل المعراج إلى السّماء، كما ذكر في سورة النجم؛ والإسراء إلى بيت المقدس خاصّة، كما ذكر في سورة سبحان. وقد قيل: إنّ ابتداء نبوّة النبي ﷺ كان في سابع عشر رمضان. قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: نزل جبريل على رسول الله ﷺ ليلة السبت وليلة الأحد، ثم ظهر له بحراء برسالة الله يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من رمضان. وأصحّ ما روي في الحوادث في هذه الليلة أنّها ليلة بدر، كما سبق أنّها كانت ليلة سبع عشرة. وقيل: تسع عشرة. والمشهور أنّها كانت ليلة سبع عشرة، كما تقدّم. وصبيحتها هو يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان. وسمي يوم الفرقان؛ لأنّ الله تعالى فرّق فيه بين الحقّ والباطل، وأظهر الحق وأهله على الباطل وحزبه، وعلت كلمة الله وتوحيده، وذلّ أعداؤه من المشركين وأهل الكتاب، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة؛ فإنّ النبي ﷺ قدم المدينة في ربيع الأول في أوّل سنة من سني الهجرة، ولم يفرض رمضان في ذلك العام. ثم صام عاشوراء. وفرض عليه رمضان في ثاني سنة. فهو أوّل رمضان صامه وصامه المسلمون معه.

стр. 306

ثم خرج النبيّ ﷺ لطلب عير لقريش قدمت من الشام إلى المدينة في يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، وأفطر ﷺ في خروجه إليها. قال ابن المسيّب: قال عمر: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوتين في رمضان يوم بدر، ويوم الفتح، وأفطرنا فيهما. وكان سبب خروجه حاجة أصحابه، خصوصا المهاجرين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. وكانت هذه العير فيها أموال كثيرة لأعدائهم الكفار الذين أخرجوهم من ديارهم وأموالهم ظلما وعدوانا، كما قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠]. فقصد النّبيّ ﷺ أن يأخذ أموال هؤلاء الكفّار الظالمين المعتدين على أولياء الله وحزبه وجنده، فيردّها على أولياء الله وحزبه المظلومين المخرجين من ديارهم وأموالهم ليتقوّوا بها على عبادة الله وطاعته وجهاد أعدائه. وهذا ممّا أحلّه الله لهذه الأمّة؛ فإنّه أحلّ لهم الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلهم. وكان عدّة من معه ثلاث مائة وبضعة عشر، وكانوا على عدّة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلاّ مؤمن. وفي «سنن أبي داود» من حديث عبد الله بن عمرو، قال: خرج رسول الله ﷺ يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة، كما خرج طالوت، فدعا لهم رسول الله ﷺ حين خرجوا، فقال: «اللهمّ، إنّهم حفاة فاحملهم، وإنّهم عراة فاكسهم، وإنّهم جياع فأشبعهم». ففتح الله يوم بدر، فانقبلوا حين انقلبوا وما فيهم رجل إلاّ وقد رجع بجمل أو جملين، واكتسوا وشبعوا (١).

стр. 307

وكان أصحاب النبي ﷺ حين خرجوا على غاية من قلّة الظهر والزّاد؛ فإنّهم لم يخرجوا مستعدّين لحرب، ولا لقتال، إنما خرجوا لطلب العير، فكان معهم نحو سبعين بعيرا يعتقبونها بينهم، كلّ ثلاثة على بعير. وكان للنبي ﷺ زميلان، فكانوا يعتقبون على بعير واحد، فكان زميلاه يقولان له: يا رسول الله، اركب حتى نمشي عنك، فيقول: «ما أنتما بأقوى على المشي منّي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما». ولم يكن معهما إلا فرسان، وقيل: ثلاثة، وقيل: فرس واحد للمقداد. وبلغ المشركين خروج النبي ﷺ لطلب العير، فأخذ أبو سفيان بالعير نحو الساحل، وبعث إلى أهل مكّة يخبرهم الخبر، ويطلب منهم أن ينفروا لحماية عيرهم، فخرجوا مستصرخين، وخرج أشرافهم ورؤساؤهم، وساروا نحو بدر. واستشار النبيّ ﷺ المسلمين في القتال، فتكلّم المهاجرون فسكت عنهم، وإنما كان قصده الأنصار؛ لأنّه ظنّ أنّهم لم يبايعوه إلاّ على نصرته على من قصده في ديارهم، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيّانا تريد - يعني الأنصار - والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا (١). وقال له المقداد: لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن نقاتل عن يمينك وشمالك، وبين يديك، ومن خلفك. فسرّ النبي ﷺ بذلك وأجمع على القتال (٢). وبات تلك الليلة الجمعة سابع عشر رمضان قائما يصلّي ويبكي ويدعو الله ويستنصره على أعدائه.

стр. 308

وفي «المسند» عن علي بن أبي طالب، قال: «لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلاّ رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلّي ويبكي حتى أصبح» (١). وفيه عنه أيضا، قال: أصابنا طشّ من مطر - يعني ليلة بدر - فانطلقنا تحت الشّجر والحجف نستظلّ بها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربّه، ويقول: «إن تهلك هذه الفئة لا تعبد»، فلمّا أن طلع الفجر نادى: الصّلاة عباد الله، فجاء الناس من تحت الشّجر والحجف، فصلّى بنا رسول الله ﷺ ، وحثّ على القتال (٢). وأمدّ الله تعالى نبيّه والمؤمنين بنصر من عنده وبجند من جنده، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]. وفي «صحيح البخاري» أنّ جبريل قال للنبيّ ﷺ : «ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها. قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة» (٣). وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وقال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧]. وروي أنّ النبي ﷺ لما رآهم قال: «اللهم، إنّ هؤلاء قريش قد جاءت بخيلائها يكذّبون رسولك، فأنجز لي ما وعدتني» (٤). فأتاه جبريل، فقال:

стр. 309

«خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فأخذ قبضة من حصباء الوادي فرمى بها نحوهم، وقال: «شاهت الوجوه» فلم يبق مشرك إلاّ دخل في عينيه ومنخره وفمه شيء، ثم كانت الهزيمة. وقال حكيم بن حزام: سمعنا يوم بدر صوتا وقع من السّماء كأنّه صوت حصاة على طست، فرمى رسول الله ﷺ تلك الرّمية، فانهزمنا. ولما قدم الخبر على أهل مكة قالوا لمن أتاهم بالخبر: كيف حال الناس؟ قال: لا شيء، والله إن كان إلاّ أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا، يقتلونا ويأسرونا كيف شاءوا، وايم الله، مع ذلك ما لمت النّاس؛ لقينا رجالا على خيل بلق بين السّماء والأرض ما يقوم لها شيء. وقتل الله صناديد كفّار قريش يومئذ؛ منهم عتبة بن ربيعة، وشيبة، والوليد بن عتبة، وأبو جهل، وغيرهم. وأسروا منهم سبعين. وقصّة بدر يطول استقصاؤها، وهي مشهورة في التفسير وكتب الصحاح والسنن والمسانيد والمغازي والتواريخ وغيرها، وإنما المقصود هاهنا التنبيه على بعض مقاصدها. وكان عدوّ الله إبليس قد جاء إلى المشركين في صورة سراقة بن مالك، وكانت يده في يد الحارث بن هشام، وجعل يشجعهم ويعدهم ويمنّيهم، فلمّا رأى الملائكة هرب وألقى نفسه في البحر. وقد أخبر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. وفي «الموطإ» حديث مرسل عن النّبيّ ﷺ ، قال: «ما رئي الشّيطان أحقر

стр. 310

ولا أدحر ولا أصغر من يوم عرفة، إلاّ ما رأى يوم بدر. قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: رأى جبريل يزع الملائكة» (١). فإبليس عدوّ الله يسعى جهده في إطفاء نور الله وتوحيده، ويغري بذلك أولياءه من الكفّار والمنافقين. فلمّا عجز عن ذلك بنصر الله نبيّه وإظهار دينه على الدّين كلّه، رضي بإلقاء الفتن بين المسلمين، واجتزى منهم بمحقّرات الذنوب حيث عجز عن ردّهم عن دينهم؛ كما قال النبي ﷺ : «إنّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (٢). خرّجه مسلم من حديث جابر. وخرّج الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن الأحوص، قال: سمعت النبي ﷺ يقول في حجة الوداع: «ألا إنّ الشّيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم، فيرضى بها» (٣). وفي «صحيح الحاكم» عن ابن عبّاس أنّ النبي ﷺ خطب في حجّة الوداع، فقال: «إنّ الشّيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكنّه يرضى أن يطاع فيما سوى ذلك؛ فيما تحاقرون من أعمالكم؛ فاحذروا، يا أيّها الناس، إنّي قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبدا: كتاب الله، وسنّة نبيّه ﷺ » (٤). ولم يعظم على إبليس شيء أكبر من بعثة محمد ﷺ ، وانتشار دعوته في مشارق الأرض ومغاربها؛ فإنّه أيس أن تعود أمّته كلّهم إلى الشرك الأكبر.

стр. 311

قال سعيد بن جبير: لمّا رأى إبليس النبيّ ﷺ قائما بمكّة يصلّي رنّ. ولمّا افتتح النبيّ ﷺ مكّة رنّ رنّة أخرى؛ اجتمعت إليه ذريته، فقال: ايئسوا أن تردّوا أمّة محمد إلى الشرك بعد يومكم هذا، ولكن افتنوهم في دينهم، وأفشوا فيهم النوح والشّعر. خرّجه ابن أبي الدنيا. وخرّج الطبرانيّ بإسناده، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: «إنّ إبليس رنّ لمّا أنزلت فاتحة الكتاب، وأنزلت بالمدينة» (١). والمعروف هذا عن مجاهد من قوله، قال: «رنّ إبليس أربع رنّات: حين لعن، وحين أهبط من الجنّة، وحين بعث محمّد ﷺ ، وحين أنزلت فاتحة الكتاب؛ وأنزلت بالمدينة. خرّجه وكيع وغيره. وقال بعض التابعين: لمّا أنزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥]، بكى إبليس. يشير إلى شدّة حزنه بنزولها؛ لما فيها من الفرح لأهل الذنوب، فهو لا يزال في همّ وغمّ وحزن منذ بعث النبيّ ﷺ ؛ لما رأى منه ومن أمّته ما يهمّه ويغيظه. قال ثابت: لمّا بعث النبيّ ﷺ ، قال إبليس لشياطينه: لقد حدث أمر فانظروا ما هو. فانطلقوا، ثم جاءوه، فقالوا: ما ندري. قال إبليس: أنا آتيكم بالخبر. فذهب وجاء، قال: قد بعث محمد ﷺ فجعل يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي ﷺ ، فيجيئون بصحفهم ليس فيها شيء. فقال: ما لكم لا تصيبون منهم شيئا؟ قالوا: ما صحبنا قوما قطّ مثل هؤلاء؛ نصيب منهم ثم يقومون إلى الصلاة، فيمحى ذلك. قال: رويدا، إنّهم عسى أن يفتح الله لهم الدنيا، هنالك تصيبون حاجتكم منهم.

стр. 312

وعن الحسن، قال إبليس: سوّلت لأمّة محمد المعاصي، فقطعوا ظهري بالاستغفار، فسوّلت لهم ذنوبا لا يستغفرون منها، يعني الأهواء. ولا يزال إبليس يرى في مواسم المغفرة والعتق من النار ما يسوؤه؛ فيوم عرفة لا يرى أصغر ولا أحقر ولا أدحر فيه منه؛ لما يرى من تنزّل الرّحمة وتجاوز الله عن الذّنوب العظام، إلا ما رئي يوم بدر. وروي أنّه لمّا رأى نزول المغفرة للأمّة في حجّة الوداع يوم النّحر بالمزدلفة، أهوى يحثي على رأسه التراب، ويدعو بالويل والثبور. فتبسّم النبي ﷺ ممّا رأى من جزع الخبيث. وفي شهر رمضان يلطف الله بأمّة محمد ﷺ فيغلّ فيه الشياطين ومردة الجنّ حتّى لا يقدروا على ما كانوا يقدرون عليه في غيره من تسويل الذنوب. ولهذا تقلّ المعاصي في شهر رمضان في الأمّة لذلك. ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «إذا دخل رمضان فتّحت أبواب السّماء، وغلّقت أبواب جهنّم، وسلسلت الشّياطين» (١). ولمسلم: «فتّحت أبواب الرّحمة». وله أيضا عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «إذا جاء رمضان فتّحت أبواب الجنّة، وغلّقت أبواب النّار، وصفّدت الشياطين». وخرّج منه البخاري ذكر فتح أبواب الجنّة. وللترمذي وابن ماجه عنه، عن النبيّ ﷺ ، قال: «إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان صفّدت الشّياطين ومردة الجنّ، وغلّقت أبواب النّار، فلم يفتح منها باب؛ وفتحت أبواب الجنّة، فلم يغلق منها باب؛ وينادي مناد: يا باغي الخير

стр. 313

أقبل، ويا باغي الشرّ أقصر، ولله عتقاء من النّار، وذلك كلّ ليلة» (١). وفي رواية للنسائي: «وتغلّ فيه مردة الشياطين» (٢). وللإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «أعطيت أمّتي في رمضان خمس خصال، لم تعطه أمّة قبلهم: خلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتّى يفطروا، ويزيّن الله كلّ يوم جنّته، ثم يقول: يوشك عبادي الصّالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، وتصفّد فيه مردة الشّياطين، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة. قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكنّ العامل إنّما يوفّى أجره إذا قضى عمله» (٣). وفي ليلة القدر تنتشر الملائكة في الأرض، فيبطل سلطان الشّياطين، كما قال الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٤ - ٥]. وفي المسند عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى» (٤). وفي «صحيح ابن حبّان»، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، قال في ليلة القدر: «لا يخرج شيطانها حتّى يخرج فجرها» (٥). وفي «المسند» من حديث

стр. 314

عبادة بن الصّامت، عن النبيّ ﷺ ، أنّه قال في ليلة القدر: «لا يحلّ لكوكب أن يرمى به حتّى يصبح، وأن أمارتها أنّ الشّمس تخرج صبيحتها مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، لا يحلّ للشّيطان أن يخرج معها يومئذ» (١). وروي عن ابن عبّاس ﵄، قال: إنّ الشيطان يطلع مع الشّمس كلّ يوم إلاّ ليلة القدر؛ وذلك أنّها تطلع لا شعاع لها. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]، قال: سلام أن يحدث فيها داء أو يستطيع شيطان العمل فيها. وعنه قال: ليلة القدر ليلة سالمة لا يحدث فيها داء، ولا يرسل فيها شيطان. وعنه قال: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا، ولا يحدث فيها أذى. وعن الضحّاك، عن ابن عباس، قال: في تلك الليلة تصفّد مردة الجنّ، وتغلّ عفاريت الجنّ، وتفتح فيها أبواب السّماء كلّها، ويقبل الله فيها التوبة لكلّ تائب؛ فلذلك قال: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]. ويروى عن أبيّ بن كعب ﵁، قال: لا يستطيع الشّيطان أن يصيب فيها أحدا بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد، ولا ينفذ فيها سحر ساحر. ويروى بإسناد ضعيف عن أنس مرفوعا: «أنّه لا تسري نجومها، ولا تنبح كلابها». وكلّ هذا يدلّ على كفّ الشّياطين فيها عن انتشارهم في الأرض، ومنعهم من استراق السّمع فيها من السّماء. ابن آدم، لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي، أنت المختار من المخلوقات، ولك أعدّت الجنّة؛ إن اتقيت فهي أقطاع المتقين، والدنيا أقطاع إبليس؛ فهو فيها من المنظرين. فكيف رضيت لنفسك بالإعراض عن أقطاعك

стр. 315

ومزاحمة إبليس على أقطاعه، وأن تكون غدا معه في النّار من جملة أتباعه؟ إنّما طردناه عن السّماء لأجلك حيث تكبّر عن السّجود لأبيك، وطلبنا قربك؛ لتكون من خاصتنا وحزبنا، فعاديتنا وواليت عدوّنا، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٠]. رعى الله من نهوى وإن كان ما رعى … حفظنا له العهد القديم فضيّعا وصاحبت قوما كنت أنهاك عنهم … وحقّك ما أبقيت للصلح موضعا أبشروا يا معاشر المسلمين، فهذه أبواب الجنّة الثمانية في هذا الشهر لأجلكم قد فتحت، ونسماتها على قلوب المؤمنين قد نفحت، وأبواب الجحيم كلّها لأجلكم مغلقة، وأقدام إبليس وذريّته من أجلكم موثقة. ففي هذا الشهر يؤخذ من إبليس بالثار، وتستخلص العصاة من أسره فما يبقى لهم عنده آثار. كانوا أفراخه، قد غذّاهم بالشهوات في أوكاره، فهجروا اليوم تلك الأوكار. نقضوا معاقل حصونه بمعاول التوبة والاستغفار. خرجوا من سجنه إلى حصن التّقوى والإيمان، فأمنوا من عذاب النار. قصموا ظهره بكلمة التوحيد؛ فهو يشكو ألم الانكسار. في كلّ موسم من مواسم الفضل يحزن؛ ففي هذا الشّهر يدعو بالويل؛ لما يرى من تنزّل الرّحمة ومغفرة الأوزار. غلب حزب الرّحمن، وهرب حزب الشّيطان؛ فما بقي له سلطان، إلاّ على الكفّار. عزل سلطان الهوى، وصارت الدولة لسلطان التّقوى؛ ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]. يا نداماي صحا القلب صحا … فاطردوا عنّي الصّبا والمرحا هزم العقل جنودا للهوى … فاسدي لا تعجبوا إن صلحا زجر الحقّ فؤادي فارعوى … وأفاق القلب منّي وصحا بادروا التّوبة من قبل الرّدى … فمناديه ينادينا الوحا

стр. 316

هذا - عباد الله - شهر رمضان قد انتصف، فمن منكم حاسب فيه نفسه لله وانتصف؟ من منكم قام في هذا الشهر بحقّه الذي عرف؟ من منكم عزم قبل غلق أبواب الجنّة أن يبني له فيها غرفا من فوقها غرف؟ ألا إنّ شهركم قد أخذ في النّقص، فزيدوا أنتم في العمل، فكأنكم به وقد انصرف. فكلّ شهر فعسى أن يكون منه خلف. وأمّا شهر رمضان فمن أين لكم منه خلف؟! تنصّف الشّهر والهفاه وانهدما … واختصّ بالفوز بالجنّات من خدما وأصبح الغافل المسكين منكسرا … مثلي فيا ويحه يا عظم ما حرما من فاته الزّرع في وقت البذار فما … تراه يحصد إلاّ الهمّ والنّدما طوبى لمن كانت التّقوى بضاعته … في شهره وبحبل الله معتصما ***

стр. 317

المجلس الرابع في ذكر العشر الأواخر من رمضان في «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله». هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: «أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ، وشدّ المئزر». وفي رواية لمسلم عنها، قالت: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره» (٢). كان النبي ﷺ يخصّ العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر: فمنها: إحياء الليل؛ فيحتمل أنّ المراد إحياء الليل كلّه. وقد روي من حديث عائشة من وجه فيه ضعف بلفظ: «وأحيا الليل كلّه». وفي «المسند» من وجه آخر عنها، قالت: كان النبي ﷺ يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر - يعني الأخير - شمّر وشدّ المئزر (٣). وخرّج الحافظ أبو نعيم بإسناد فيه ضعف، عن أنس، قال: «كان النبي ﷺ إذا شهد رمضان قام ونام، فإذا كان أربعا وعشرين لم يذق غمضا» (٤).

стр. 318

ويحتمل أن يريد بإحياء الليل إحياء غالبه. وقد روي عن بعض المتقدّمين من بني هاشم - ظنّه الراوي أبا جعفر محمد بن علي - أنّه فسّر ذلك بإحياء نصف الليل، وقال: من أحيا نصف الليل فقد أحيا الليل. وقد سبق مثل هذا في قول عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ يصوم شعبان كلّه، كان يصوم شعبان إلاّ قليلا» (١). ويؤيّده ما في «صحيح مسلم» عن عائشة، قالت: «ما أعلمه ﷺ قام ليلة حتّى الصباح» (٢). وذكر بعض الشافعية في إحياء ليلتي العيدين أنّه تحصل فضيلة الإحياء بمعظم الليل. قال: وقيل: تحصل بساعة. وقد نقل الشافعيّ في «الأم» عن جماعة من خيار أهل المدينة ما يؤيده. ونقل بعض أصحابهم عن ابن عباس أنّ إحياءها يحصل بأن يصلّي العشاء في جماعة، ويعزم على أن يصلّي الصبح في جماعة. وقال مالك في «الموطإ»: بلغني أنّ ابن المسيب قال: «من شهد العشاء ليلة القدر - يعني في جماعة - فقد أخذ بحظّه منها» (٣). وكذا قال الشافعي في القديم: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر فقد أخذ بحظّه منها. وقد روي هذا من حديث أبي هريرة مرفوعا: «من صلّى العشاء الآخرة في جماعة في رمضان، فقد أدرك ليلة القدر» (٤). خرّجه أبو الشيخ الأصبهاني. ومن طريقه أبو موسى المديني. وذكر أنه روي من وجه آخر عن أبي هريرة نحوه. ويروى من حديث عليّ بن أبي طالب مرفوعا، لكن إسناده ضعيف جدّا.

стр. 319

ويروى من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلا: أنّ النبي ﷺ قال: «من أتى عليه رمضان صحيحا مسلما؛ صام نهاره، وصلّى وردا من ليله، وغضّ بصره، وحفظ فرجه، ولسانه، ويده، وحافظ على صلاته في الجماعة؛ وبكّر إلى جمعة؛ فقد صام الشهر، واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بجائزة الرّبّ ». قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء. خرّجه ابن أبي الدنيا. ولو نذر قيام ليلة القدر لزمه أن يقوم من ليالي شهر رمضان ما يتيقّن به قيامها. فمن قال من العلماء: إنّها في جميع الشهر، يقول: يلزمه قيام جميع ليالي الشهر. ومن قال: هي في النصف الآخر من الشهر، قال: يلزمه قيام ليالي النصف الأخير منه. ومن قال: هي في العشر الأواخر من الشهر، قال: يلزمه قيام ليالي العشر كلها، وهو قول أصحابنا. وإن كان نذره كذلك، وقد مضى بعض ليالي العشر؛ فإن قلنا: إنّها لا تنتقل في العشر، أجزأه من نذره أن يقوم ما بقي من ليالي العشر، ويقوم من عام قابل من أوّل العشر إلى وقت نذره. وإن قلنا: إنّها تنتقل في العشر لم يخرج من نذره بدون قيام ليالي العشر كلّها بعد عام نذره. ولو نذر قيام ليلة غير معينة، لزمه قيام ليلة تامّة؛ فإن قام نصف ليلة ثم نام أجزأه أن يقوم من ليلة أخرى نصفها؛ قاله الأوزاعيّ، نقله عنه الوليد بن مسلم في كتاب «النذور»، وهو شبيه بقول من قال من أصحابنا وغيرهم: إنّ الكفّارة يجزئ فيها أن يعتق نصفي رقبتين. ومنها: أنّ النبي ﷺ كان يوقظ أهله للصّلاة في ليالي العشر دون غيره من الليالي. وفي حديث أبي ذرّ أنّ النبي ﷺ لما قام بهم ليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، ذكر أنّه دعا أهله ونساءه ليلة سبع وعشرين

стр. 320

خاصّة. وهذا يدلّ على أنّه يتأكد إيقاظهم في آكد الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر، وخرّج الطبراني من حديث علي «أنّ النبي ﷺ كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان وكلّ صغير وكبير يطيق الصلاة» (١). قال سفيان الثوري: أحبّ إليّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجّد بالليل، ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك. وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه كان يطرق فاطمة وعليّا ليلا فيقول لهما: «ألا تقومان فتصلّيان» (٢). وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجّده وأراد أن يوتر. وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصّلاة، ونضح الماء في وجهه. وفي «الموطإ» أن عمر بن الخطاب كان يصلّي من الليل ما شاء الله أن يصلّي، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصّلاة، يقول لهم: الصّلاة الصّلاة، ويتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ الآية [طه: ١٣٢] (٣). كانت امرأة حبيب أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا: يا نائما باللّيل كم ترقد … قم يا حبيبي قد دنا الموعد وخذ من اللّيل وأوقاته … وردا إذا ما هجع الرّقّد

стр. 321

من نام حتّى ينقضي ليله … لم يبلغ المنزل أو يجهد ومنها: أن النبيّ ﷺ كان يشدّ المئزر. واختلفوا في تفسيره؛ فمنهم من قال: هو كناية عن شدّة جدّه واجتهاده في العبادة، كما يقال: فلان يشدّ وسطه ويسعى في كذا. وهذا فيه نظر؛ فإنّها قالت: «جدّ وشدّ المئزر»، فعطفت «شدّ المئزر» على جدّه، والصحيح أنّ المراد اعتزاله للنساء، وبذلك فسّره السّلف والأئمة المتقدّمون؛ منهم سفيان الثوري. وقد ورد ذلك صريحا من حديث عائشة وأنس، وورد تفسيره بأنّه لم يأو إلى فراشه حتّى ينسلخ رمضان. وفي حديث أنس: «وطوى فراشه، واعتزل النساء» (١). وقد كان النبي ﷺ غالبا يعتكف العشر الأواخر، والمعتكف ممنوع من قربان النّساء بالنّصّ والإجماع، وقد قال طائفة من السّلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]: إنه طلب ليلة القدر. والمعنى في ذلك أنّ الله تعالى لما أباح مباشرة النّساء في ليالي الصيام، إلى أن يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر؛ لئلاّ يشتغل المسلمون في طول ليالي الشهر بالاستمتاع المباح، فيفوتهم طلب ليلة القدر، فأمر مع ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجّد من الليل، خصوصا في الليالي المرجوّ فيها ليلة القدر، فمن هاهنا كان النبيّ ﷺ يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزل نساءه ويتفرّغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر. ومنها: تأخيره للفطور إلى السّحر. روي عنه من حديث عائشة وأنس أنّه ﷺ كان في ليالي العشر يجعل عشاءه سحورا. ولفظ حديث عائشة: «كان

стр. 322

رسول الله ﷺ إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شدّ المئزر، واجتنب النساء، واغتسل بين الأذانين، وجعل العشاء سحورا» (١). أخرجه ابن أبي عاصم، وإسناده مقارب. وحديث أنس خرّجه الطبراني، ولفظه: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل النساء، وجعل عشاءه سحورا» (١). وفي إسناده حفص بن واقد، قال ابن عديّ: هذا الحديث من أنكر ما رأيت له. وروي أيضا نحوه من حديث جابر، خرّجه أبو بكر الخطيب، وفي إسناده من لا يعرف حاله. وفي «الصحيحين» ما يشهد لهذه الروايات، ففيهما عن أبي هريرة، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصّوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ فقال: وأيّكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربّي ويسقيني. فلمّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما، ثم يوما، ثم رأوا الهلال. فقال: لو تأخّر لزدتكم، كالتّنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا» (٢). فهذا يدلّ على أنّه واصل بالناس في آخر الشهر. وروى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ما واصل النبيّ ﷺ وصالكم قطّ، غير أنّه قد أخّر الفطر إلى السّحور. وإسناده لا بأس به. وخرّج الإمام أحمد من حديث علي أنّ النبي ﷺ كان يواصل إلى السّحر (٣)، وخرّجه الطبرانيّ من حديث جابر أيضا (٤).

стр. 323

وخرّج ابن جرير الطبري من حديث أبي هريرة ﵁: أنّ النبي ﷺ كان يواصل إلى السّحر، ففعل ذلك بعض أصحابه، فنهاه، فقال: أنت تفعل ذلك. فقال: «إنكم لستم مثلي، إنّي أظلّ عند ربّي يطعمني ويسقيني». وزعم ابن جرير أنّ النبي ﷺ لم يكن يواصل في صيامه إلاّ إلى السّحر خاصّة، وأن ذلك يجوز لمن قوي عليه، ويكره لغيره. وأنكر أن يكون استدامة الصّيام في الليل كلّه طاعة عند أحد من العلماء؛ قال: وإنما كان يمسك بعضهم لمعنى آخر غير الصّيام؛ إمّا ليكون أنشط له على العبادة، أو إيثارا بطعامه على نفسه، أو لخوف مقلق منعه طعامه، أو نحو ذلك. فمقتضى كلامه أنّ من واصل ولم يفطر؛ ليكون أنشط له على العبادة من غير أن يعتقد أنّ إمساك الليل قربة، أنه جائز وإن أمسك تعبّدا بالمواصلة. فإن كان إلى السّحر وقوي عليه، لم يكره، وإلاّ كره. ولذلك قال أحمد وإسحاق: لا يكره الوصال إلى السّحر. وفي «صحيح البخاري» عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: «لا تواصلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السّحر. قالوا: فإنّك تواصل يا رسول الله؟ قال: إنّي لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني» (١). وظاهر هذا يدلّ على أنّه ﷺ كان يواصل الليل كلّه، وقد يكون ﷺ إنّما فعل ذلك لأنّه رآه أنشط له على الاجتهاد في ليالي العشر، ولم يكن ذلك مضعفا له عن العمل؛ فإنّ الله كان يطعمه ويسقيه. واختلف في معنى إطعامه؛ فقيل: إنه كان يؤتى بطعام من الجنّة يأكله؛ وفي
следующие страницы →