خاصّة. وهذا يدلّ على أنّه يتأكد إيقاظهم في آكد الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر، وخرّج الطبراني من حديث علي «أنّ النبي ﷺ كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان وكلّ صغير وكبير يطيق الصلاة» (١).
قال سفيان الثوري: أحبّ إليّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجّد بالليل، ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك. وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه كان يطرق فاطمة وعليّا ليلا فيقول لهما: «ألا تقومان فتصلّيان» (٢).
وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجّده وأراد أن يوتر. وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصّلاة، ونضح الماء في وجهه. وفي «الموطإ» أن عمر بن الخطاب كان يصلّي من الليل ما شاء الله أن يصلّي، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصّلاة، يقول لهم: الصّلاة الصّلاة، ويتلو هذه الآية:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ الآية [طه: ١٣٢] (٣).
كانت امرأة حبيب أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا:
يا نائما باللّيل كم ترقد … قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من اللّيل وأوقاته … وردا إذا ما هجع الرّقّد
стр. 321
من نام حتّى ينقضي ليله … لم يبلغ المنزل أو يجهد
ومنها: أن النبيّ ﷺ كان يشدّ المئزر. واختلفوا في تفسيره؛ فمنهم من قال:
هو كناية عن شدّة جدّه واجتهاده في العبادة، كما يقال: فلان يشدّ وسطه ويسعى في كذا. وهذا فيه نظر؛ فإنّها قالت: «جدّ وشدّ المئزر»، فعطفت «شدّ المئزر» على جدّه، والصحيح أنّ المراد اعتزاله للنساء، وبذلك فسّره السّلف والأئمة المتقدّمون؛ منهم سفيان الثوري. وقد ورد ذلك صريحا من حديث عائشة وأنس، وورد تفسيره بأنّه لم يأو إلى فراشه حتّى ينسلخ رمضان.
وفي حديث أنس: «وطوى فراشه، واعتزل النساء» (١).
وقد كان النبي ﷺ غالبا يعتكف العشر الأواخر، والمعتكف ممنوع من قربان النّساء بالنّصّ والإجماع، وقد قال طائفة من السّلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]: إنه طلب ليلة القدر.
والمعنى في ذلك أنّ الله تعالى لما أباح مباشرة النّساء في ليالي الصيام، إلى أن يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر؛ لئلاّ يشتغل المسلمون في طول ليالي الشهر بالاستمتاع المباح، فيفوتهم طلب ليلة القدر، فأمر مع ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجّد من الليل، خصوصا في الليالي المرجوّ فيها ليلة القدر، فمن هاهنا كان النبيّ ﷺ يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزل نساءه ويتفرّغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.
ومنها: تأخيره للفطور إلى السّحر. روي عنه من حديث عائشة وأنس أنّه ﷺ كان في ليالي العشر يجعل عشاءه سحورا. ولفظ حديث عائشة: «كان
стр. 322
رسول الله ﷺ إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شدّ المئزر، واجتنب النساء، واغتسل بين الأذانين، وجعل العشاء سحورا» (١). أخرجه ابن أبي عاصم، وإسناده مقارب.
وحديث أنس خرّجه الطبراني، ولفظه: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل النساء، وجعل عشاءه سحورا» (١). وفي إسناده حفص بن واقد، قال ابن عديّ: هذا الحديث من أنكر ما رأيت له. وروي أيضا نحوه من حديث جابر، خرّجه أبو بكر الخطيب، وفي إسناده من لا يعرف حاله.
وفي «الصحيحين» ما يشهد لهذه الروايات، ففيهما عن أبي هريرة، قال:
«نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصّوم، فقال له رجل من المسلمين:
إنك تواصل يا رسول الله؟ فقال: وأيّكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربّي ويسقيني. فلمّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما، ثم يوما، ثم رأوا الهلال. فقال: لو تأخّر لزدتكم، كالتّنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا» (٢). فهذا يدلّ على أنّه واصل بالناس في آخر الشهر.
وروى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ما واصل النبيّ ﷺ وصالكم قطّ، غير أنّه قد أخّر الفطر إلى السّحور. وإسناده لا بأس به. وخرّج الإمام أحمد من حديث علي أنّ النبي ﷺ كان يواصل إلى السّحر (٣)، وخرّجه الطبرانيّ من حديث جابر أيضا (٤).
стр. 323
وخرّج ابن جرير الطبري من حديث أبي هريرة ﵁: أنّ النبي ﷺ كان يواصل إلى السّحر، ففعل ذلك بعض أصحابه، فنهاه، فقال: أنت تفعل ذلك.
فقال: «إنكم لستم مثلي، إنّي أظلّ عند ربّي يطعمني ويسقيني».
وزعم ابن جرير أنّ النبي ﷺ لم يكن يواصل في صيامه إلاّ إلى السّحر خاصّة، وأن ذلك يجوز لمن قوي عليه، ويكره لغيره. وأنكر أن يكون استدامة الصّيام في الليل كلّه طاعة عند أحد من العلماء؛ قال: وإنما كان يمسك بعضهم لمعنى آخر غير الصّيام؛ إمّا ليكون أنشط له على العبادة، أو إيثارا بطعامه على نفسه، أو لخوف مقلق منعه طعامه، أو نحو ذلك. فمقتضى كلامه أنّ من واصل ولم يفطر؛ ليكون أنشط له على العبادة من غير أن يعتقد أنّ إمساك الليل قربة، أنه جائز وإن أمسك تعبّدا بالمواصلة. فإن كان إلى السّحر وقوي عليه، لم يكره، وإلاّ كره. ولذلك قال أحمد وإسحاق: لا يكره الوصال إلى السّحر.
وفي «صحيح البخاري» عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، قال: «لا تواصلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السّحر. قالوا: فإنّك تواصل يا رسول الله؟ قال: إنّي لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني» (١).
وظاهر هذا يدلّ على أنّه ﷺ كان يواصل الليل كلّه، وقد يكون ﷺ إنّما فعل ذلك لأنّه رآه أنشط له على الاجتهاد في ليالي العشر، ولم يكن ذلك مضعفا له عن العمل؛ فإنّ الله كان يطعمه ويسقيه.
واختلف في معنى إطعامه؛ فقيل: إنه كان يؤتى بطعام من الجنّة يأكله؛ وفي
стр. 324
هذا نظر؛ فإنّه لو كان كذلك لم يكن مواصلا، وقد أقرّهم على قولهم له: إنّك تواصل. لكن روى عبد الرّزّاق في كتابه عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار: أنّ النبي ﷺ نهى عن الوصال، قالوا: فإنّك تواصل؟ قال: وما يدريكم لعلّ ربّي يطعمني ويسقيني (١). وهذا مرسل.
وفي رواية لمسلم، من حديث أنس: «إنّي أظلّ يطعمني ربّي ويسقيني» (٢) وإنما يقال: ظلّ يفعل كذا، إذا كان نهارا، ولو كان أكلا حقيقيّا كان منافيا للصّيام، والصحيح أنّه إشارة إلى ما كان الله يفتحه عليه في صيامه وخلوته بربّه، لمناجاته وذكره من موادّ أنسه ونفحات قدسه، فكان يرد بذلك على قلبه من المعارف الإلهية والمنح الربانية ما يغذّيه ويغنيه عن الطّعام والشراب. كما قيل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الطعام وتلهيها عن الزّاد
لها بوجهك نور تستضيء به … وقت المسير وفي أعقابها حادي
إذا شكت من كلال السّير أوعدها … روح القدوم فتحيا عند ميعاد
الذّكر قوت قلوب العارفين، يغنيهم عن الطعام والشراب، كما قيل:
أنت ريّي إذا ظمئت إلى الماء … وقوتي إذا أردت الطّعاما
لمّا جاع المجتهدون شبعوا من طعام المناجاة. فأفّ لمن باع لذّة المناجاة بفضل لقمة.
يا من لحشا المحبّ بالشّوق حشا … ذا سرّ سراك في الدّجا كيف فشا
هذا المولى إلى المماليك مشا … لا كان عيشا أورث القلب غشا
ويتأكّد تأخير الفطر في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر. قال زرّ بن حبيش
стр. 325
في ليلة سبع وعشرين: من استطاع منكم أن يؤخّر فطره فليفعل وليفطر على ضياح لبن. ورواه بعضهم عن زرّ، عن أبيّ بن كعب مرفوعا، ولا يصح.
وضياح اللبن، وروي «ضيح» بالضاد المعجمة والياء آخر الحروف، هو اللبن الخاثر الممزوج بالماء.
وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن علي، قال: إن وافق ليلة القدر وهو يأكل، أورثه داء لا يفارقه حتّى يموت. وخرّجه من طريقه أبو موسى المديني.
وكأنّه يريد: إذا وافق دخولها أكله، والله أعلم.
ومنها: اغتساله بين العشاءين، وقد تقدّم من حديث عائشة: «واغتسل بين الأذانين». والمراد: أذان المغرب والعشاء.
وروي من حديث علي أنّ النبيّ ﷺ كان يغتسل بين العشاءين كلّ ليلة، يعني من العشر الأواخر. وفي إسناده ضعف. وروي عن حذيفة أنّه قام مع النبي ﷺ ليلة من رمضان، فاغتسل النبيّ ﷺ وستره حذيفة، وبقيت فضلة فاغتسل بها حذيفة وستره النبيّ ﷺ . خرّجه ابن أبي عاصم. وفي رواية أخرى عن حذيفة، قال: قام النبيّ ﷺ ذات ليلة من رمضان في حجرة من جريد النّخل، فصبّ عليه دلوا من ماء.
وقال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كلّ ليلة من ليالي العشر الأواخر. وكان النّخعيّ يغتسل في العشر كلّ ليلة، ومنهم من كان يغتسل ويتطيّب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر، فأمر زر بن حبيش بالاغتسال ليلة سبع وعشرين من رمضان. وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه إذا كان ليلة أربع وعشرين اغتسل وتطيّب ولبس حلّة إزارا ورداء، فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل.
وكان أيوب السّختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، ويلبس ثوبين جديدين، ويستجمر ويقول: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة أهل المدينة،
стр. 326
والتي تليها ليلتنا، يعني البصريين. وقال حمّاد بن سلمة: كان ثابت البناني، وحميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيّبان، ويطيّبون المسجد بالنّضوح والدّخنة في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر. وقال ثابت: كان لتميم الداريّ حلّة اشتراها بألف درهم، كان يلبسها في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر.
فتبيّن بهذا أنّه يستحبّ في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظّف والتزيّن، والتطيب بالغسل والطّيب واللباس الحسن، كما يشرع ذلك في الجمع والأعياد، وكذلك يشرع أخذ الزّينة بالثياب في سائر الصّلوات، كما قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وقال ابن عمر:
«الله أحقّ أن يتزيّن له». وروي عنه مرفوعا.
ولا يكمل التزيّن الظاهر إلا بتزين الباطن؛ بالتّوبة والإنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها؛ فإنّ زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئا. قال الله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التّقى … تقلّب عريانا وإن كان كاسيا
لا يصلح لمناجاة الملوك في الخلوات إلاّ من زيّن ظاهره وباطنه، وطهّرهما خصوصا لملك الملوك الذي يعلم السّرّ وأخفى، وهو لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن وقف بين يديه فليزيّن له ظاهره باللباس، وباطنه بلباس التّقوى. أنشد الشّبليّ:
قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه … فقلت خلعة ساق حبّه جرعا
فقر وصبر هما ثوبان تحتهما … قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به … يوم التّزاور في الثّوب الذي خلعا
الدّهر لي مأثم إن غبت يا أملي … والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا
стр. 327
ومنها: الاعتكاف: ففي «الصحيحين» عن عائشة ﵂، «أنّ النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتّى توفّاه الله» (١). وفي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ يعتكف في كلّ رمضان عشرة أيام. فلمّا كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين» (٢).
وإنما كان يعتكف النبي ﷺ في هذه العشر التي يطلب فيها ليلة القدر، قطعا لأشغاله، وتفريغا لباله، وتخلّيا لمناجاة ربّه وذكره ودعائه. وكان يحتجر حصيرا يتخلى فيها عن الناس، فلا يخالطهم، ولا يشتغل بهم؛
ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحبّ له مخالطة النّاس، حتّى ولا لتعليم علم، وإقراء قرآن، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلّي بمناجاة ربّه وذكره ودعائه. وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشّرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلاّ يترك به الجمع والجماعات؛ فإنّ الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهيّ عنها.
سئل ابن عبّاس عن رجل يصوم النّهار ويقوم الليل، ولا يشهد الجمعة والجماعة؟ قال: هو في النار.
فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد، خصوصا في شهر رمضان، خصوصا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي ﷺ يفعله.
فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كلّ شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربّه وما يقرّبه منه، فما بقي له همّ سوى الله، وما يرضيه عنه. كما كان داود الطّائيّ يقول في ليله: همّك عطّل عليّ
стр. 328
الهموم، وحالف بيني وبين السّهاد، وشوقي إلى النّظر إليك أوبق منيّ اللّذات، وحال بيني وبين الشّهوات.
ما لي شغل سواه ما لي شغل … ما يصرف عن قلبي هواه عذل
ما أصنع إن جفا وخاب الأمل … منّي بدل ومنه ما لي بدل
فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلّما قويت المعرفة بالله والمحبّة له، والأنس به، أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كلّ حال.
كان بعضهم لا يزال منفردا في بيته، خاليا بربّه، فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: «أنا جليس من ذكرني»! (١).
أوحشتني خلواتي … بك من كلّ أنيسي
وتفرّدت فعاينتك … بالغيب جليسي
يا ليلة القدر للعابدين اشهدي، يا أقدام القانتين اركعي لربّك واسجدي، يا ألسنة السّائلين جدّي في المسألة واجتهدي.
يا رجال اللّيل جدّوا … ربّ داع لا يردّ
ما يقوم اللّيل إلاّ … من له عزم وجدّ
ليلة القدر عند المحبّين ليلة الحظوة بأنس مولاهم وقربه، وإنما يفرّون من ليالي البعد والهجر. كان ببغداد موضعان يقال لأحدهما دار الملك، والأخرى القطيعة، فجاز بعض العارفين بملاّح في سفينة، فقال له: احملني معك إلى
стр. 329
دار الملك، فقال له الملاح: ما أقصد إلاّ القطيعة، فصاح العارف: لا بالله، لا بالله، منها أفرّ.
وليلة بتّ بأكنافها … تعدل عندي ليلة القدر
كانت سلاما لسروري بها … بالوصل حتّى مطلع الفجر
يا من ضاع عمره في لا شيء، استدرك ما فاتك في ليلة القدر؛ فإنّها تحسب بالعمر.
وليلة وصل بات منجز وعده … سميري فيها بعد طول مطال
شفيت بها قلبا أطيل عليله … زمانا فكانت ليلة بليالي
قال الله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ - ٣] (١).
قال مالك: بلغني أنّ رسول الله ﷺ أري أعمار النّاس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنّه تقاصر أعمار أمّته ألاّ يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر (٢). وروي عن مجاهد،
стр. 330
أنّ النبيّ ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السّلاح ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك؛ فأنزل الله تعالى هذه السورة ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ الذي لبس فيها ذلك الرجل السّلاح في سبيل الله ألف شهر. وقال النّخعيّ: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر.
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» (١). وفي «المسند» عن عبادة بن الصّامت، عن النبي ﷺ ، قال: «من قامها ابتغاءها، ثم وقعت له غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر» (٢). وفي «المسند» و «النسائي» عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه قال في شهر رمضان: «فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» (٣).
قال جويبر: قلت للضحّاك: أرأيت النفساء والحائض والمسافر والنّائم لهم في ليلة القدر نصيب؟ قال: نعم، كل من تقبّل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر.
إخواني، المعوّل على القبول لا على الاجتهاد، والاعتبار ببرّ القلوب لا بعمل الأبدان. ربّ قائم حظّه من قيامه السّهر؛ كم من قائم محروم، ومن نائم مرحوم؛ هذا نام وقلبه ذاكر، وهذا قام وقلبه فاجر.
إنّ المقادير إذا ساعدت … ألحقت النّائم بالقائم
стр. 331
لكنّ العبد مأمور بالسّعي في اكتساب الخيرات والاجتهاد في الأعمال الصالحات؛ وكلّ ميسّر لما خلق له. أمّا أهل السعادة فييسّرون لعمل أهل السعادة، وأمّا أهل الشّقاوة فييسّرون لعمل أهل الشقاوة، ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. فالمبادرة المبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر، فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر.
تولّى العمر في سهو … وفي لهو وفي خسر
فيا ضيعة ما أنفق … ت في الأيّام من عمري
وما لي في الّذي ضيّغ … ت من عمري من عذر
فما أغفلنا عن وا … جبات الحمد والشكر
أما قد خصّنا الله … بشهر أيّما شهر
بشهر أنزل الرّحما … ن فيه أشرف الذّكر
وهل يشبهه شهر … وفيه ليلة القدر
فكم من خبر صحّ … بما فيها من الخير
روينا عن ثقات أنّ … ها تطلب في الوتر
فطوبى لامرئ يطلب … ها في هذه العشر
ففيها تنزل الأملا … ك بالأنوار والبرّ
وقد قال: سلام هـ … ي حتّى مطلع الفجر
ألا فادّخروها إنّ … ها من أنفس الذّخر
فكم من معتق فيها … من النّار ولا يدري
***
стр. 332
المجلس الخامس في ذكر السّبع الأواخر من رمضان
في «الصحيحين» عن ابن عمر ﵄: أنّ رجالا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السّبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأت في السّبع الأواخر، فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السّبع الأواخر» (١). وفي «صحيح مسلم» عنه، عن النبي ﷺ قال: «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبنّ على السّبع البواقي» (٢).
قد ذكرنا فيما تقدّم أنّ النبي ﷺ كان يجتهد في شهر رمضان على طلب ليلة القدر، وأنّه اعتكف مرّة العشر الأول منه، ثم طلبها فاعتكف بعد ذلك العشر الأوسط في طلبها وأنّ ذلك تكرّر منه غير مرّة، ثم استقرّ أمره على اعتكاف العشر الأواخر في طلبها، وأمر بطلبها فيه؛ ففي «الصحيحين» عن عائشة ﵂ أنّ النبي ﷺ قال: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (٣).
وفي رواية للبخاري: «في الوتر من العشر الأواخر من رمضان». وله من حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان» (٤). ولمسلم من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: «التمسوها في العشر الغوابر» (٥). والأحاديث في المعنى كثيرة.
стр. 333
وكان يأمر بالتماسها في أوتار العشر الأواخر. ففي «صحيح البخاري» عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: «التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان؛ في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى» (١). وفي رواية له: «هي في العشر؛ في سبع يمضين، أو سبع يبقين».
وخرّج الإمام أحمد والنّسائي والترمذيّ من حديث أبي بكرة، قال: ما أنا بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله ﷺ إلاّ في العشر الأواخر؛ فإنّي سمعته يقول: «التمسوها في تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث يبقين، أو آخر ليلة» (٢). وكان أبو بكرة يصلّي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السّنة، فإذا دخل العشر اجتهد، ثم بعد ذلك أمر بطلبها في السّبع الأواخر.
وفي «المسند» وكتاب النسائي عن أبي ذرّ، قال: «كنت أسأل الناس عنها - يعني ليلة القدر - فقلت: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر، أفي رمضان هي، أو في غيره؟ قال: بل هي في رمضان. قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبضوا رفعت، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة. قلت: في أيّ رمضان هي؟ قال: التمسوها في العشر الأول والعشر الأواخر. قلت: في أي العشرين هي؟ قال: في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها. ثم حدّث رسول الله ﷺ ، ثم اهتبلت غفلته، فقلت: يا رسول الله، أقسمت عليك بحقّي لما أخبرتني، في أيّ العشر هي؟ فغضب عليّ غضبا لم يغضب مثله منذ صحبته، وقال: التمسوها في
стр. 334
السّبع الأواخر؛ لا تسألني عن شيء بعدها» (١). وخرّجه ابن حبّان في «صحيحه» والحاكم.
وفي رواية لهما: أنّه قال: «ألم أنهك أن تسألني عنها؟ إن الله لو أذن لي أن أخبركم بها لأخبرتكم، لا آمن أن تكون في السّبع الأواخر» (٢). ففي هذه الرواية أنّ بيان النبي ﷺ لليلة القدر انتهى إلى أنّها في السّبع الأواخر، ولم يزد على ذلك شيئا، وهذا ممّا يستدلّ به من رجّح ليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين على ليلة إحدى وعشرين؛ فإنّ ليلة إحدى وعشرين ليست من السّبع الأواخر بلا تردّد.
وقد روي عن النبي ﷺ من وجوه أخر أنّه بيّن أنّها ليلة سبع وعشرين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
واختلف في أوّل السّبع الأواخر: فمنهم من قال: أوّل السّبع ليلة ثلاث وعشرين، على حساب نقصان الشّهر دون تمامه؛ لأنّه المتيقّن. وروي هذا عن ابن عباس، وسيأتي كلامه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وفي «صحيح البخاري» عن بلال ﵁، قال: إنّها أوّل السّبع من العشر الأواخر (٣). وخرّجه ابن أبي شيبة (٤)، وعنده قال: ليلة ثلاث وعشرين.
وهذا قول مالك، قال: أرى - والله أعلم - أنّ التاسعة ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين.
وتأوّله عبد الملك بن حبيب على أنّه إنما يحسب كذلك إذا كان الشهر ناقصا،
стр. 335
وليس هذا بشيء؛ فإنّه إنّما أمر بالاجتهاد في هذه الليالي على هذا الحساب، وهذا لا يمكن أن يكون مراعى بنقصان الشهر في آخره.
وكان أيّوب السّختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين، ويمسّ طيبا، وليلة أربع وعشرين، ويقول: ليلة ثلاث وعشرين ليلة أهل المدينة، وليلة أربع وعشرين ليلتنا - يعني أهل البصرة. وكذلك كان ثابت وحميد يفعلان.
وكانت طائفة تجتهد ليلة أربع وعشرين، روي عن أنس والحسن، وروي عنه، قال: رقبت الشّمس عشرين سنة، ليلة أربع وعشرين، فكانت تطلع لا شعاع لها. وروي عن ابن عباس ذكره البخاري عنه. وقيل: إن المحفوظ عنه أنّها ليلة ثلاث وعشرين، كما سبق. وقد تقدّم حديث «إنزال القرآن في ليلة أربع وعشرين». وكذلك أبو سعيد الخدريّ، وأبو ذرّ، حسبا الشهر تامّا، فيكون عندهما أوّل السّبع الأواخر ليلة أربع وعشرين.
وممّن اختار هذا القول ابن عبد البر، واستدلّ بأنّ الأصل تمام الشهر، ولهذا أمر النبي ﷺ بإكماله إذا غمّ، مع احتمال نقصانه. وكذلك رجّحه بعض أصحابنا. وقد تقدّم من حديث أنس ﵁ أنّ النبي ﷺ كان إذا كان ليلة أربع وعشرين لم يذق غمضا، وإسناده ضعيف.
وقد روي عن النبي ﷺ ما يدلّ على أنّ أول السّبع البواقي ليلة ثلاث وعشرين. ففي مسند الإمام أحمد، عن جابر: أنّ عبد الله بن أنيس سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، وقد خلت اثنتان وعشرون ليلة، فقال رسول الله ﷺ : «التمسوها في هذه السّبع الأواخر التي بقين من الشهر» (١).
وفيه أيضا عن عبد الله بن أنيس أنّهم سألوا النبي ﷺ عن ليلة القدر، وذلك
стр. 336
مساء ليلة ثلاث وعشرين، فقال: «التمسوها هذه الليلة». فقال رجل من القوم: فهي إذن يا رسول الله أولى ثمان؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنّها ليست بأولى ثمان، ولكنها أولى سبع؛ إنّ الشّهر لا يتمّ» (١). وفيه أيضا عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبيّ ﷺ ، قال: «كم مضى من الشهر؟» قلنا: مضت ثنتان وعشرون، وبقي ثمان. فقال رسول الله ﷺ : «لا، بل مضت ثنتان وعشرون، وبقي سبع، اطلبوها الليلة» (٢).
وقد يحمل هذا على شهر خاصّ اطّلع النبيّ ﷺ على نقصانه، وهو بعيد.
ويدلّ على خلافه أنّه روي في تمام حديث أبي هريرة ﵁: ثم قال رسول الله ﷺ : «الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم خنس إبهامه في الثالثة». فهذا يدلّ على أنّه تشريع عامّ، وأنّه حسب الشّهر على تقدير نقصانه أبدا؛ لأنّه المتيقّن. كما ذهب إليه أيّوب ومالك وغيرهما، وعلى قولهما تكون ليلة سابعة تبقى ليلة ثلاث وعشرين، وليلة خامسة تبقى ليلة خمس وعشرين، وليلة تاسعة تبقى ليلة إحدى وعشرين.
وقد روي عن النّعمان بن بشير ﵁ أنّه أنكر أن تحسب ليلة القدر بما مضى من الشهر، وأخبر أنّ الصّحابة يحسبونها بما بقي منه، وهذا الاحتمال إنّما يكون في مثل قول النبي ﷺ : «التمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة» (٣). وقد خرّجه «البخاري» من حديث عبادة ﵁، ومسلم من حديث أبي سعيد؛ فإنّه يحتمل أن يراد به التاسعة والسابعة والخامسة، مما يبقى ومما يمضي.
стр. 337
فأمّا حديث ابن عبّاس وأبي بكرة وما في معناهما؛ فإنّها مقيدة بالباقي من الشهر، فلا يحتمل أن يراد به الماضي، وحينئذ يتوجّه الاختلاف السّابق في أنّه: هل يحسب على تقدير تمام الشهر أو نقصانه؟ وحديث ابن عبّاس قد روي بالشكّ فيما مضى أو يبقى. وقد خرّجه البخاري بالوجهين.
وحديث أبي ذرّ في قيام النبي ﷺ بهم أفراد العشر الأواخر قد خرّجه أبو داود الطيالسي بلفظ صريح أنّه قام بهم أشفاع العشر الأواخر، وحسبها أوتارا بالنسبة إلى ما يبقى من الشهر، وقدّره تامّا، وجعل الليلة التي قامها حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح ليلة ثمان وعشرين، وهي الثالثة مما يبقى. وقد قيل:
إن ذلك من تصرّف بعض الرّواة بما فهمه من المعنى، والله أعلم.
وعلى قياس من حسب الليالي الباقية من الشهر - على تقدير نقصان الشهر - ينبغي أن يكون عنده أوّل العشر الأواخر ليلة العشرين؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصا، فلا يتحقّق كونها عشر ليال، بدون إدخال ليلة العشرين فيها.
وقد يقال: بل العشر الأواخر عبارة عمّا بعد انقضاء العشرين الماضية من الشّهر، وسواء كانت تامّة أو ناقصة، فهي المعبّر عنها بالعشر الأواخر، وقيامها هو قيام العشر الأواخر. وهذا كما يقال: صام عشر ذي الحجة، وإنما يصام منه تسعة أيام؛ ولهذا كان ابن سيرين يكره أن يقال: صام عشر ذي الحجة، وقال: إنّما يقال: صام التسع. ومن لم يكرهه، وهم الجمهور، فقد يقولون:
الصّيام المضاف إلى العشر هو صيام ما يمكن منه، وهو ما عدا يوم النحر.
ويطلق على ذلك: العشر؛ لأنّه أكثر العشر؛ والله أعلم.
وقد اختلف الناس في ليلة القدر اختلافا كثيرا، فحكي عن بعضهم أنّها رفعت؛ وحديث أبي ذرّ يردّ ذلك. وروي عن محمد ابن الحنفيّة أنّها في كلّ
стр. 338
سبع سنين مرّة، وفي إسناده ضعف. وعن بعضهم أنّها في كلّ السّنة، حكي عن ابن مسعود وطائفة من الكوفيين، وروي عن أبي حنيفة. وقال الجمهور:
هي في رمضان كلّ سنة، ثم منهم من قال: هي في الشّهر كلّه. وحكي عن بعض المتقدّمين أنّها أوّل ليلة منه. وقالت طائفة: هي في النصف الثاني منه.
وقد حكي عن أبي يوسف ومحمّد - وقد تقدّم - قول من قال: إنّها ليلة بدر، على اختلافهم؛ هل هي ليلة سبع عشرة، أو تسع عشرة.
وقال الجمهور: هي منحصرة في العشر الأواخر، واختلفوا في أي ليالي العشر أرجى؛ فحكي عن الحسن ومالك أنّها تطلب في جميع ليالي العشر؛ أشفاعه وأوتاره، ورجّحه بعض أصحابنا، وقال: لأنّ قول النبي ﷺ :
«التمسوها في تاسعة تبقى، أو سابعة تبقى، أو خامسة تبقى» إن حملناه على تقدير كمال الشهر، كانت أشفاعا، وإن حملناه على ما يبقى منه حقيقة كان الأمر موقوفا على كمال الشهر، فلا يعلم قبله. فإن كان تامّا كانت الليالي المأمور بطلبها أشفاعا، وإن كان ناقصا كانت أوتارا. فيوجب ذلك الاجتهاد في القيام في كلا الليلتين؛ الشّفع منها والوتر.
قال الأكثرون: بل بعض لياليه أرجى من بعض، وقالوا: الأوتار أرجى في الجملة. ثم اختلفوا: أيّ أوتاره أرجى؛ فمنهم من قال: ليلة إحدى وعشرين، وهو المشهور عن الشافعي؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ، وقد ذكرناه فيما سبق. وحكي عنه أنّها تطلب ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، قال في «القديم»: كأني رأيت - والله أعلم - أقوى الأحاديث فيه ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين. وقد جاء في ليلة سبع عشرة، وليلة أربع وعشرين، وليلة سبع وعشرين. انتهى. وقد روي عن علي وابن مسعود ﵄ أنّها تطلب ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين.
стр. 339
وحكي للشافعي قول آخر أنّ أرجاها ليلة ثلاث وعشرين. وهذا قول أهل المدينة. وحكاه سفيان الثوريّ عن أهل مكّة والمدينة. وممن روي عنه «أنّه كان يوقظ أهله فيها» ابن عباس وعائشة، وهو قول مكحول. وروى رشدين بن سعد، عن زهرة بن معبد، قال: أصابني احتلام في أرض العدوّ وأنا في البحر ليلة ثلاث وعشرين في رمضان، فذهبت لأغتسل فسقطت في الماء، فإذا الماء عذب، فناديت أصحابي أعلمهم أنّي في ماء عذب. قال ابن عبد البرّ: هذه الليلة تعرف بليلة الجهنيّ بالمدينة، يعني عبد الله بن أنيس؛ وقد روي عنه أن النبي ﷺ أمره بقيامها.
وفي «صحيح مسلم» عنه أنّ النبي ﷺ قال في ليلة القدر: «أريت أنّي أسجد صبيحتها في ماء وطين. فانصرف النبي ﷺ من صلاة الصبح يوم ثلاث وعشرين وعلى جبهته أثر الماء والطّين» (١).
وقال سعيد بن المسيّب: كان النبي ﷺ في نفر من أصحابه، فقال: ألا أخبركم بليلة القدر؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، فسكت ساعة، قال: لقد قلت لكم ما قلت آنفا، وأنا أعلمها، ثم أنسيتها، أرأيتم يوما كنّا بموضع كذا وكذا، أيّ ليلة هي؟ في غزوة غزاها، فقالوا: سرنا فقفلنا حتى استقام ملأ القوم على أنّها ليلة ثلاث وعشرين. خرّجه عبد الرزاق في كتابه (٢).
ورجّحت طائفة ليلة أربع وعشرين، وهم الحسن وأهل البصرة؛ وقد روي عن أنس. وكان حميد وأيّوب وثابت يحتاطون فيجمعون بين الليلتين، أعني ليلة ثلاث وأربع.
ورجّحت طائفة ليلة سبع وعشرين، وحكاه الثوريّ عن أهل الكوفة، وقال:
стр. 340
نحن نقول: هي ليلة سبع وعشرين؛ لما جاءنا عن أبيّ بن كعب. وممّن قال بهذا أبيّ بن كعب - وكان يحلف عليه ولا يستثني - وزرّ بن حبيش، وعبدة بن أبي لبابة.
وروي عن قنان بن عبد الله النهمي، قال: سألت زرّا عن ليلة القدر، فقال:
كان عمر وحذيفة وأناس من أصحاب النبي ﷺ لا يشكّون أنّها ليلة سبع وعشرين. خرّجه ابن أبي شيبة (١)، وهو قول أحمد وإسحاق.
وذهب أبو قلابة وطائفة إلى أنّها تنتقل في ليالي العشر. وروي عنه أنّها تنتقل في أوتاره خاصّة. وممن قال بانتقالها في ليالي العشر: المزنيّ، وابن خزيمة.
وحكاه ابن عبد البرّ عن مالك والثوريّ والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور؛ وفي صحّة ذلك عنهم بعد؛ وإنّما قول هؤلاء أنّها في العشر، وتطلب في لياليه كلّه.
واختلفوا في أرجى لياليه كما سبق، واستدلّ من رجّح ليلة سبع وعشرين بأنّ أبيّ بن كعب كان يحلف على ذلك، ويقول: بالآية أو بالعلامة التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ أنّ الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها. خرّجه مسلم (٢).
وخرّجه أيضا بلفظ آخر عن أبيّ بن كعب ﵁، قال: والله، إنّي لأعلم أيّ ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين.
وفي «مسند الإمام أحمد» عن ابن عبّاس ﵄ أنّ رجلا قال: يا رسول الله، إنّي شيخ كبير عليل يشقّ عليّ القيام، فمرني بليلة توفّقني فيها لليلة القدر.
قال: «عليك بالسابعة» (٣). وإسناده على شرط البخاري.
стр. 341
وروى الإمام أحمد أيضا، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان منكم متحرّيها فليتحرّها ليلة سبع وعشرين»، أو قال: «تحرّوها ليلة سبع وعشرين»، يعني ليلة القدر (١). ورواه شبابة ووهب بن جرير، عن شعبة مثله. ورواه أسود بن عامر عن شعبة مثله، وزاد «في السبع البواقي».
قال شعبة: وأخبرني رجل ثقة عن سفيان أنّه إنّما قال: «في السّبع البواقي»، يعني لم يقل «ليلة سبع وعشرين». قال أحمد في رواية ابنه صالح: الثقة هو يحيى بن سعيد. قال شعبة: فلا أدري أيّهما. قال: ورواه عمرو، عن شعبة، وقال في حديثه: «ليلة سبع وعشرين»، أو قال: «في السّبع الأواخر» بالشّكّ، فرجع الأمر إلى أنّ شعبة شكّ في لفظه.
ورواه حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا لا يزالون يقصّون على النبي ﷺ أنّها الليلة السابعة من العشر الأواخر. فقال رسول الله ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأت أنّها ليلة السابعة في العشر الأواخر، فمن كان متحرّيها فليتحرّها ليلة السابعة من العشر الأواخر». كذا رواه حنبل بن إسحاق، عن عارم، عن حمّاد، وكذا خرّجه الطحاويّ (٢)، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارم.
ورواه البخاري في «صحيحه» عن عارم، إلاّ أنّه لم يذكر لفظة: «ليلة السابعة»، بل قال: من كان متحرّيها فليتحرّها في العشر الأواخر (٣).
ورواه عبد الرزّاق في كتابه عن معمر، عن أيّوب، عن نافع، عن ابن
стр. 342
عمر ﵄، قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني رأيت في النوم ليلة القدر كأنّها ليلة سابعة، فقال رسول الله ﷺ : إني أرى رؤياكم قد تواطأت أنّها ليلة سابعة، فمن كان متحرّيها منكم فليتحرّها في ليلة سابعة». قال معمر: فكان أيّوب يغتسل في ليلة ثلاث وعشرين (١)، يشير إلى أنّه حملها على سابعة تبقى.
وخرّجه الثعلبيّ في «تفسيره» من طريق الحسن بن عبد الأعلى، عن عبد الرزّاق بهذا الإسناد، وقال في حديثه: «ليلة سابعة تبقى»، فقال رسول الله ﷺ : «إنّي أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين، فمن كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين». وهذه الألفاظ غير محفوظة في الحديث، والله أعلم.
وفي «سنن أبي داود» بإسناد رجاله كلّهم رجال الصحيح، عن معاوية، عن النبي ﷺ في ليلة القدر ليلة سبع وعشرين. وخرّجه ابن حبّان في صحيحه (٢)، وصحّحه ابن عبد البرّ؛ وله علّة، وهي وقفه على معاوية. وهو أصحّ عند الإمام أحمد والدّارقطني. وقد اختلف أيضا عليه في لفظه.
وفي «المسند» عن ابن مسعود ﷺ «أنّ رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال: متى ليلة القدر؟ فقال: من يذكر منكم ليلة الصّهباوات؟ قال عبد الله: أنا، بأبي أنت وأمّي، وإنّ في يدي لتمرات أتسحّر بهنّ مستترا بمؤخرة رحلي من الفجر، وذلك حين طلع القمر» (٣). وخرّجه يعقوب بن شيبة في مسنده، وزاد:
«وذلك ليلة سبع وعشرين». وقال: صالح الإسناد.
стр. 343
والصّهباوات: موضع بقرب خيبر.
وفي «المسند» أيضا من وجه آخر عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «إنّ ليلة القدر في النصف من السّبع الأواخر من رمضان» (١).
وإذا حسبنا أوّل السّبع الأواخر ليلة أربع وعشرين، كانت ليلة سبع وعشرين نصف السبع؛ لأنّ قبلها ثلاث ليال، وبعدها ثلاث.
وممّا يرجّح أنّ ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أنّها من السّبع الأواخر التي أمر النّبي ﷺ بالتماسها فيها، بالاتفاق. وفي دخول الثالثة والعشرين في السّبع اختلاف سبق ذكره. ولا خلاف أنّها آكد من الخامسة والعشرين.
ومما يدلّ على ذلك أيضا حديث أبي ذرّ في قيام النبي ﷺ بهم في أفراد السّبع الأواخر، وأنّه قام بهم في الثالثة والعشرين إلى ثلث الليل، وفي الخامسة إلى نصف الليل، وفي السابعة إلى آخر الليل؛ حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح.
وجمع أهله ليلتئذ، وجمع النّاس.
وهذا كلّه يدلّ على تأكّدها على سائر أفراد السبع والعشر. ومما يدلّ على ذلك ما استشهد به ابن عبّاس بحضرة عمر ﵁ والصحابة معه، واستحسنه عمر ﵁. وقد روي من وجوه متعددة:
فروى عبد الرزّاق في كتابه (٢) عن معمر، عن قتادة وعاصم، أنّهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عبّاس ﵄: دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمد ﷺ ، فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا أنّها في العشر الأواخر. قال ابن عبّاس:
فقلت لعمر ﵁: إنّي لأعلم - أو إنّي لأظنّ - أي ليلة هي. قال عمر: وأي
стр. 344
ليلة هي؟ قلت: سابعة تمضي، أو سابعة تبقى من العشر الأواخر. فقال عمر ﵁: ومن أين علمت ذلك؟ قال: فقلت: إنّ الله خلق سبع سموات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وأنّ الدّهر يدور على سبع، وخلق الله الإنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطّواف بالبيت سبع، ورمي الجمار سبع، لأشياء ذكرها. فقال عمر ﵁: لقد فطنت لأمر ما فطنّا له.
وكان قتادة يزيد على ابن عباس في قوله: «يأكل من سبع»، قال: هو قول الله : ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٢٧ - ٣١]. ولكن في هذه الرواية أنها في سبع تمضي أو تبقى، بالترديد في ذلك.
وخرّجه ابن شاهين من رواية عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، حدثني لاحق بن حميد وعكرمة، قالا: قال عمر ﵁: من يعلم ليلة القدر؟ فذكر الحديث بنحوه. وزاد أنّ ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «هي في العشر؛ سبع تمضي أو سبع تبقى». فخالف في إسناده وجعله مرسلا، ورفع آخره.
روى ابن عبد البر بإسناد صحيح من طريق سعيد بن جبير، قال: كان ناس من المهاجرين وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس، فجمعهم ثم سألهم عن ليلة القدر، فأكثروا فيها، فقال بعضهم: كنّا نراها في العشر الأوسط، ثم بلغنا أنّها في العشر الأواخر، فأكثروا فيها؛ فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين.
وقال بعضهم: ليلة ثلاث وعشرين. وقال بعضهم: ليلة سبع وعشرين. فقال عمر ﵁: يا ابن عبّاس، تكلّم، فقال: الله أعلم. قال عمر: قد نعلم أنّ الله يعلم، وإنّما نسألك عن علمك. فقال ابن عباس ﵄: إنّ الله وتر يحبّ الوتر، خلق من خلقه سبع سماوات فاستوى عليهن، وخلق الأرض سبعا، وجعل عدّة الأيّام سبعا، ورمي الجمار سبعا، وخلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع. فقال عمر: خلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من
стр. 345
سبع، هذا أمر ما فهمته. فقال: إنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] حتى بلغ آخر الآيات، وقرأ ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً﴾ إلى قوله: ﴿وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢]، ثم قال: والأبّ للدوابّ.
وخرجه ابن سعد في «طبقاته» عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، فذكره بمعناه، وزاد في آخره: «قال: وأمّا ليلة القدر فما نراها إن شاء الله، إلا ليلة ثلاث وعشرين يمضين، أو سبع يبقين». والظاهر أنّ هذا سمعه سعيد بن جبير من ابن عبّاس، فيكون متّصلا.
وروى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عبّاس ﵄، قال: دعا عمر الأشياخ من أصحاب محمّد ﷺ ذات يوم، فقال لهم: إنّ رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر ما قد علمتم: «التمسوها في العشر الأواخر وترا»، ففي أي الوتر ترونها؟ فقال رجل برأيه: إنها تاسعة، سابعة، خامسة، ثالثة. ثم قال:
يا ابن عبّاس، تكلّم. فقلت: أقول برأيي؟ قال: عن رأيك أسألك. فقلت:
إنّي سمعت الله أكثر من ذكر السّبع، وذكر باقيه بمعنى ما تقدّم. وفي آخره:
قال عمر ﵁: أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الذي لم تستو شئون رأسه؟! خرّجه الإسماعيلي في مسند عمر، والحاكم (١)، وقال: صحيح الإسناد. وخرّجه الثعلبي في «تفسيره» وزاد: «قال ابن عباس: فما أراها إلا ليلة ثلاث وعشرين لسبع يبقين». وخرّج علي بن المديني في «كتاب العلل» المرفوع منه، وقال: هو صالح، وليس مما يحتج به.
وروى مسلم الملائي - وهو ضعيف - عن مجاهد، عن ابن عبّاس ﵄، أنّ
стр. 346
عمر قال له: أخبرني برأيك عن ليلة القدر، فذكر معنى ما تقدّم وفيه أنّ ابن عباس قال: لا أراها إلا في سبع يبقين من رمضان، فقال عمر: وافق رأيي رأيك.
وروي بإسناد فيه ضعف، عن محمد بن كعب، عن ابن عبّاس: أنّ عمر ﵁ جلس في رهط من أصحاب النبي ﷺ ، فتذاكروا ليلة القدر، فذكر معنى ما تقدّم، وزاد فيه: عن ابن عباس أنه قال: وأعطي من المثاني سبعا، ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع، وقسم الميراث في كتابه على سبع، ونقع في السّجود من أجسادنا على سبع؛ وقال: فأراها في السبع الأواخر من رمضان.
وليس في شيء من هذه الروايات أنّها ليلة سبع وعشرين جزما، بل في بعضها الترديد بين ثلاث وسبع، وفي بعضها أنّها ليلة ثلاث وعشرين؛ لأنّها أوّل السّبع الأواخر على رأيه.
وقد صحّ عن ابن عبّاس أنّه كان ينضح على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين (١). خرّجه عبد الرزّاق، وخرّجه ابن أبي عاصم مرفوعا، والموقوف أصحّ.
وقد استنبط طائفة من المتأخرين من القرآن أنّها ليلة سبع وعشرين من موضعين:
أحدهما: أنّ الله تعالى ذكر ليلة القدر في سورة القدر في ثلاثة مواضع منها، وليلة القدر حروفها تسع حروف، والتسع إذا ضربت في ثلاثة فهي سبع وعشرون.
والثاني: أنّه قال: «سلام هي» فكلمة «هي» هي الكلمة السابعة والعشرون من السورة؛ فإنّ كلماتها كلّها ثلاثون كلمة.
стр. 347
قال ابن عطية: هذا من ملح التفسير لا من متين العلم، وهو كما قال.
ومما استدلّ به من رجّح ليلة سبع وعشرين بالآيات والعلامات التي رئيت فيها قديما وحديثا؛ وبما وقع فيها من إجابة الدعوات، فقد تقدّم عن أبي بن كعب أنّه استدلّ على ذلك بطلوع الشّمس في صبيحتها لا شعاع لها.
وكان عبدة بن أبي لبابة يقول: هي ليلة سبع وعشرين، ويستدلّ على ذلك بأنّه قد جرّب ذلك بأشياء وبالنجوم (١). خرّجه عبد الرزّاق. وروي عن عبدة أنه ذاق ماء البحر ليلة سبع وعشرين، فإذا هو عذب؛ ذكره الإمام أحمد بإسناده.
وطاف بعض السّلف ليلة سبع وعشرين بالبيت الحرام، فرأى الملائكة في الهواء طائفين فوق رءوس الناس. وروى أبو موسى المديني من طريق أبي الشيخ الأصبهاني بإسناد له عن حمّاد بن شعيب، عن رجل منهم، قال:
كنت بالسّواد، فلمّا كان في العشر الأواخر جعلت أنظر بالليل، فقال لي رجل منهم: إلى أيّ شيء تنظر؟ قلت: إلى ليلة القدر. قال: فنم، فإنّي سأخبرك.
فلما كان ليلة سبع وعشرين جاء وأخذ بيدي، فذهب بي إلى النخل، فإذا النّخل واضع سعفه في الأرض، فقال: لسنا نرى هذا في السّنة كلّها إلاّ في هذه الليلة. وذكر أبو موسى بأسانيد له أنّ رجلا مقعدا دعا الله ليلة سبع وعشرين فأطلقه. وعن امرأة مقعدة كذلك. وعن رجل بالبصرة كان أخرس ثلاثين سنة، فدعا الله ليلة سبع وعشرين، فأطلق لسانه فتكلّم.
وذكر الوزير أبو المظفّر بن هبيرة أنّه رأى ليلة سبع وعشرين - وكانت ليلة جمعة - بابا في السّماء مفتوحا، شاميّ الكعبة، قال: فظننته حيال الحجرة النّبويّة المقدّسة، قال: ولم يزل كذلك إلى أن التفتّ إلى المشرق لأنظر طلوع
стр. 348
الفجر، ثم التفتّ إليه فوجدته قد غاب. قال: وإن وقع في ليلة من أوتار العشر ليلة جمعة، فهي أرجى من غيرها.
واعلم؛ أنّ جميع هذه العلامات لا توجب القطع بليلة القدر.
وقد روى سلمة بن شبيب في كتاب «فضائل رمضان»: حدثنا إبراهيم ابن الحكم، حدثني أبي، قال: حدثني فرقد: أنّ ناسا من الصحابة كانوا في المسجد فسمعوا كلاما من السّماء، ورأوا نورا من السّماء، وبابا من السّماء، وذلك في شهر رمضان، فأخبروا رسول الله ﷺ بما رأوا، فزعم أنّ رسول الله ﷺ قال: «أمّا النّور فنور ربّ العزّة تعالى، وأمّا الباب فباب السّماء، والكلام كلام الأنبياء، فكلّ شهر رمضان على هذه الحال، ولكن هذه ليلة كشف غطاؤها». وهذا مرسل ضعيف.
وأما العمل في ليلة القدر؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ أنّه قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه». وقيامها إنّما هو إحياؤها بالتهجّد فيها والصّلاة، وقد أمر عائشة بالدّعاء فيها أيضا.
قال سفيان الثوريّ: الدّعاء في تلك الليلة أحبّ إليّ من الصّلاة. قال: وإذا كان يقرأ وهو يدعو ويرغب إلى الله في الدّعاء والمسألة لعله يوافق. انتهى.
ومراده أنّ كثرة الدّعاء أفضل من الصّلاة التي لا يكثر فيها الدّعاء، وإن قرأ ودعا كان حسنا.
وقد كان النبي ﷺ يتهجّد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتّلة، لا يمرّ بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلاّ تعوّذ، فيجمع بين الصّلاة والقراءة والدّعاء والتفكّر. وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها، والله أعلم.
стр. 349
وقد قال الشعبيّ في ليلة القدر: ليلها كنهارها. وقال الشافعي في «القديم»: أستحبّ أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها. وهذا يقتضي استحباب الاجتهاد في جميع زمان العشر الأواخر، ليله ونهاره، والله أعلم.
المحبّون تطول عليهم الليالي فيعدّونها عدّا لانتظار ليالي العشر في كلّ عام، فإذا ظفروا بها نالوا مطلوبهم وخدموا محبوبهم.
قد مزّق الحبّ قميص الصّبر … وقد غدوت حائرا في أمري
آه على تلك الليالي الغرّ … ما كنّ إلاّ كليالي القدر
إن عدن لي من بعد هذا الهجر … وفّيت لله بكلّ نذر
وقام بالحمد خطيب شكري
رياح هذه الأسحار تحمل أنين المذنبين، وأنفاس المحبّين، وقصص التائبين، ثم تعود بردّ الجواب بلا كتاب.
أعلمتم أنّ النّسيم إذا سرى … حمل الحديث إلى الحبيب كما جرى
جهل العذول بأنّني في حبّهم … سهر الدّجي عندي ألذّ من الكرى
فإذا ورد بريد برد السّحر يحمل ملطفات الألطاف، لم يفهمها غير من كتبت إليه.
نسيم صبا نجد متى جئت حاملا … تحيتهم فاطو الحديث عن الرّكب
ولا تذع السّرّ المصون فإنّني … أغار على ذكر الأحبّة من صحبي
يا يعقوب الهجر، قد هبّت ريح يوسف الوصل، فلو استنشقت لعدت بعد العمى بصيرا، ولوجدت ما كنت لفقده فقيرا.
стр. 350
كان لي قلب أعيش به … ضاع منّي في تقلّبه
ربّ! فاردده عليّ فقد … عيل صبري في تطلّبه
وأغثني ما دام بي رمق … يا غياث المستغيث به
لو قام المذنبون في هذه الأسحار على أقدام الانكسار، ورفعوا قصص الاعتذار مضمونها: ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ [يوسف: ٨٨] لبرز لهم التوقيع عليها ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
أشكو إلى الله كما قد شكى … أولاد يعقوب إلى يوسف
قد مسّني الضّرّ وأنت الّذي … تعلم حالي وترى موقفي
بضاعتي المزجاة محتاجة … إلى سماح من كريم وفي
فقد أتى المسكين مستمطرا … جودك فارحم ذلّه واعطف
فأوف كيلي وتصدّق على … هذا المقلّ البائس الأضعف
قالت عائشة ﵂ للنبيّ ﷺ : أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم، إنّك عفوّ تحبّ العفو فاعف عنّي» (١).
العفوّ من أسماء الله تعالى، وهو المتجاوز عن سيّئات عباده، الماحي لآثارها عنهم. وهو يحبّ العفو؛ فيحبّ أن يعفو عن عباده، ويحبّ من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض؛ فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه، وعفوه أحبّ إليه من عقوبته.
стр. 351
وكان النبي ﷺ يقول: «أعوذ برضاك من سخطك، وعفوك من عقوبتك» (١) قال يحيى بن معاذ: لو لم يكن العفو أحبّ الأشياء إليه لم يبتل بالذّنب أكرم النّاس عليه. يشير إلى أنّه ابتلى كثيرا من أوليائه وأحبابه بشيء من الذنوب؛ ليعاملهم بالعفو؛ فإنه يحبّ العفو. قال بعض السّلف الصالح:
لو علمت أحبّ الأعمال إلى الله تعالى لأجهدت نفسي فيه. فرأى قائلا يقول له في منامه: إنّك تريد ما لا يكون، إنّ الله يحبّ أن يعفو ويغفر؛ وإنما أحبّ أن يعفو؛ ليكون العباد كلّهم تحت عفوه، ولا يدلّ عليه أحد منهم بعمل.
وقد جاء في حديث ابن عبّاس مرفوعا: «إن الله ينظر ليلة القدر إلى المؤمنين من أمة محمّد ﷺ فيعفو عنهم ويرحمهم، إلا أربعة: مدمن خمر، وعاقّا، ومشاحنا، وقاطع رحم».
لمّا عرف العارفون جلاله خضعوا، ولمّا سمع المذنبون بعفوه طمعوا، ما ثم إلاّ عفو الله أو النار. لولا طمع المذنبين في العفو لاحترقت قلوبهم باليأس من الرّحمة، ولكن إذا ذكرت عفو الله استروحت إلى برد عفوه. كان بعض المتقدّمين يقول في دعائه: اللهم، إنّ ذنوبي قد عظمت فجلّت عن الصّفة، وإنها صغيرة في جنب عفوك؛ فاعف عنّي. وقال آخر منهم: جرمي عظيم، وعفوك كبير؛ فاجمع بين جرمي وعفوك يا كريم.
يا كبير الذّنب عفو اللّ … هـ من ذنبك أكبر
أكبر الأوزار في جن … ب عفو الله يصغر
وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي
стр. 352
ليالي العشر؛ لأنّ العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا، ولا حالا، ولا مقالا، فيرجعون إلى سؤال العفو، كحال المذنب المقصّر. قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
إن كنت لا أصلح للقرب … فشأنكم عفو عن الذّنب
كان مطرّف يقول في دعائه: اللهم، ارض عنّا، فإن لم ترض عنّا فاعف عنّا. من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرّضا، وكان غاية أمله أن يطمع في العفو. ومن كملت معرفته لم ير نفسه إلاّ في هذه المنزلة.
يا ربّ عبدك قد أتا … ك وقد أساء وقد هفا
يكفيه منك حياؤه … من سوء ما قد أسلفا
حمل الذّنوب على الذّنو … ب الموبقات وأسرفا
وقد استجار بذيل عف … وك من عقابك ملحفا
يا ربّ فاعف وعافه … فلأنت أولى من عفا
***
стр. 353
المجلس السادس في وداع رمضان
في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه. ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» (١). وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة أيضا ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» (٢). وللنسائي في رواية: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» (٣).
وقد سبق في قيام ليلة القدر مثل ذلك من رواية عبادة بن الصّامت.
والتكفير بصيامه قد ورد مشروطا بالتحفّظ ممّا ينبغي أن يتحفّظ منه. ففي «المسند» و «صحيح ابن حبّان» عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ ، قال:
«من صام رمضان فعرف حدوده وتحفّظ ممّا ينبغي له أن يتحفّظ منه، كفّر ذلك ما قبله» (٤).
стр. 354
والجمهور على أن ذلك إنّما يكفّر الصغائر، ويدلّ عليه ما خرّجه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: «الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفّرات لما بينهنّ، ما اجتنبت الكبائر» (١).
وفي تأويله قولان:
أحدهما: أن تكفير هذه الأعمال مشروط باجتناب الكبائر، فمن لم يجتنب الكبائر لم تكفّر له هذه الأعمال كبيرة ولا صغيرة.
والثاني: أنّ المراد أنّ هذه الفرائض تكفّر الصغائر خاصّة بكلّ حال، وسواء اجتنبت الكبائر أو لم تجتنب، وأنّها لا تكفّر الكبائر بحال (٢).
وقد قال ابن المنذر في قيام ليلة القدر: إنّه يرجى به مغفرة الذنوب؛ كبائرها وصغائرها. وقال غيره مثل ذلك في الصّوم أيضا. والجمهور على أنّ الكبائر لا بدّ لها من توبة نصوح. وهذه المسائل قد ذكرناها مستوفاة في مواضع أخر.
فدلّ حديث أبي هريرة ﵁ على أنّ هذه الأسباب الثلاثة كلّ واحد منها مكفّر لما سلف من الذّنوب، وهي صيام رمضان، وقيامه، وقيام ليلة القدر.
فقيام ليلة القدر بمجرده يكفّر الذنوب لمن وقعت له، كما في حديث عبادة بن الصّامت، وقد سبق ذكره. وسواء كانت في أوّل العشر أو أوسطه أو آخره، وسواء شعر بها أو لم يشعر. ولا يتأخّر تكفير الذنوب بها إلى انقضاء الشّهر.
وأمّا صيام رمضان وقيامه، فيتوقّف التكفير بهما على تمام الشهر، فإذا تمّ
стр. 355
الشّهر فقد كمل للمؤمن صيام رمضان وقيامه، فيترتّب له على ذلك مغفرة ما تقدّم من ذنبه بتمام السّببين، وهما صيام رمضان وقيامه.
وقد يقال: إنه يغفر لهم عند استكمال القيام في آخر ليلة من رمضان، بقيام رمضان قبل تمام نهارها، وتتأخّر المغفرة بالصيام إلى إكمال النهار بالصّوم، فيغفر لهم بالصوم في ليلة الفطر.
ويدلّ على ذلك ما خرّجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطها أمّة غيرهم: خلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتّى يفطروا، ويزيّن الله كلّ يوم جنّته، ويقول: يوشك عبادي أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، وتصفّد فيه مردة الشّياطين؛ فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة، فقيل له: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكنّ العامل إنما يوفّى أجره إذا قضى عمله» (١).
وقد روي أنّ الصّائمين يرجعون يوم الفطر مغفورا لهم، وأنّ يوم الفطر يسمّى يوم الجوائز (٢)؛ وفيه أحاديث ضعيفة. وقال الزّهريّ: إذا كان يوم الفطر خرج النّاس إلى الجبّان اطّلع الله عليهم، فقال: عبادي، لي صمتم، ولي قمتم، ارجعوا مغفورا لكم. قال مورّق العجليّ لبعض إخوانه في المصلّى يوم الفطر: يرجع هذا اليوم قوم كما ولدتهم أمّهاتهم.
وفي حديث أبي جعفر الباقر المرسل: «من أتى عليه رمضان فصام نهاره،
стр. 356
وصلّى وردا من ليله، وغضّ بصره، وحفظ فرجه ولسانه ويده، وحافظ على صلاته في الجماعة، وبكّر إلى جمعة، فقد صام الشّهر واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بجائزة الرّبّ». قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء.
إذا كمّل الصائمون صيام رمضان وقيامه، فقد وفّوا ما عليهم من العمل، وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة؛ فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصّلاة قسّمت عليهم أجورهم، فرجعوا إلى منازلهم وقد استوفوا الأجر واستكملوه، كما في حديث ابن عباس ﵄ المرفوع: «إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض، فيقومون على أفواه السّكك ينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله، إلاّ الجنّ والإنس، يقولون: يا أمّة محمد، اخرجوا إلى ربّ كريم يعطي الجزيل، ويغفر الذّنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاّهم، يقول الله لملائكته: يا ملائكتي، ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيّدنا، أن توفّيه أجره، فيقول: إنّي أشهدكم أنّي قد جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي، انصرفوا مغفورا لكم» (١). خرّجه سلمة بن شبيب في كتاب «فضائل رمضان» وغيره. وفي إسناده مقال. وقد روي من وجه آخر عن عكرمة، عن ابن عبّاس ﵄ موقوفا بعضه. وقد روي معناه مرفوعا من وجوه أخر فيها ضعف؛
من وفّى ما عليه من العمل كاملا وفّي له الأجر كاملا، ومن سلّم ما عليه موفّرا تسلّم ماله نقدا لا مؤخّرا.
ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم … ولا أسلّمها إلاّ يدا بيد
ومن نقص من العمل الذي عليه نقّص من الأجر بحسب نقصه، فلا يلم إلاّ
стр. 357
نفسه. قال سلمان: الصّلاة مكيال، فمن وفى وفّي له، ومن طفّف فقد علمتم ما قيل في المطفّفين. فالصّيام وسائر الأعمال على هذا المنوال؛ من وفّاها فهو من خيار عباد الله الموفّين، ومن طفّف فيها فويل للمطفّفين. أما يستحيي من يستوفي مكيال شهواته. ويطفّف في مكيال صيامه وصلاته، ألا بعدا لمدين.
في الحديث: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته» (١). إذا كان الويل لمن طفّف مكيال الدّنيا، فكيف حال من طفّف مكيال الدّين! ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
غدا توفّى النفوس ما كسبت … ويحصد الزّارعون ما زرعوا
إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم … وإن أساءوا فبئس ما صنعوا
كان السّلف الصّالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمّون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من ردّه، وهؤلاء الذين ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. روي عن علي ﵁، قال: كونوا لقبول العمل أشدّ اهتماما منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله يقول: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. وعن فضالة بن عبيد، قال: لأن أكون أعلم أنّ الله قد تقبّل منّي مثقال حبّة من خردل أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها؛ لأنّ الله يقول:
﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وقال مالك بن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبّل أشدّ من العمل. وقال
стр. 358
عطاء السّليمي (١): الحذر: الاتقاء على العمل أن لا يكون لله. وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ، أيقبل منهم أم لا.
قال بعض السّلف: كانوا يدعون الله ستّة أشهر أن يبلّغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستّة أشهر أن يتقبّله منهم.
خرج عمر بن عبد العزيز ﵀ في يوم عيد فطر، فقال في خطبته: أيّها الناس، إنّكم صمتم لله ثلاثين يوما، وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبّل منكم. كان بعض السّلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر، فيقال له: إنّه يوم فرح وسرور، فيقول: صدقتم، ولكنّي عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملا، فلا أدري أيقبله منّي أم لا؟
رأى وهيب بن الورد قوما يضحكون في يوم عيد، فقال: إن كان هؤلاء تقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كانوا لم يتقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين. وعن الحسن، قال: إنّ الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلّف آخرون فخابوا. فالعجب من اللاعب الضّاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون.
لعلك غضبان وقلبي غافل … سلام على الدّارين إن كنت راضيا
روي عن عليّ ﵁ أنّه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري! من هذا المقبول فنهنّيه؟ ومن هذا المحروم فنعزّيه؟. وعن ابن مسعود أنّه كان يقول: من هذا المقبول منّا فنهنّيه؟ ومن هذا المحروم منّا فنعزّيه؟ أيّها المقبول هنيئا لك، أيّها المردود جبر الله مصيبتك.
стр. 359
ليت شعري من فيه يقبل منّا … فيهنّا يا خيبة المردود
من تولّى عنه بغير قبول … أرغم الله أنفه بخزي شديد
ماذا فات من فاته خير رمضان؟ وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان؟ كم بين من حظّه فيه القبول والغفران، ومن كان حظّه فيه الخيبة والخسران. ربّ قائم حظّه من قيامه السّهر، وصائم حظّه من صيامه الجوع والعطش.
ما أصنع؟ هكذا جرى المقدور … الجبر لغيري وأنا المكسور
أسير ذنب مقيّد مهجور … هل يمكن أن يغيّر المقدور
غيره:
سار القوم والشّقا يقعدني … حازوا القرب والجفا يبعدني
حسبي حسبي إلى متى تطردني … أعداي دائي وكلّهم يقصدني
غيره:
أسباب هواك أوهنت أسبابي … من بعد جفاك فالضّنى أولى بي
ضاقت حيلي وأنت تدري ما بي … فارحم، فالعبد واقف بالباب
شهر رمضان تكثر فيه أسباب الغفران؛ فمن أسباب المغفرة فيه: صيامه، وقيامه، وقيام ليلة القدر فيه، كما سبق. ومنها: تفطير الصّوّام، والتخفيف عن المملوك، وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع. ومنها: الذكر. وفي حديث مرفوع: «ذاكر الله في رمضان مغفور له» (١). ومنها: الاستغفار،