← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1144

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عوض الله

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (586 стр.). Показаны 358–397 · переход к 363.

стр. 358

عطاء السّليمي (١): الحذر: الاتقاء على العمل أن لا يكون لله. وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ، أيقبل منهم أم لا. قال بعض السّلف: كانوا يدعون الله ستّة أشهر أن يبلّغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستّة أشهر أن يتقبّله منهم. خرج عمر بن عبد العزيز ﵀ في يوم عيد فطر، فقال في خطبته: أيّها الناس، إنّكم صمتم لله ثلاثين يوما، وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبّل منكم. كان بعض السّلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر، فيقال له: إنّه يوم فرح وسرور، فيقول: صدقتم، ولكنّي عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملا، فلا أدري أيقبله منّي أم لا؟ رأى وهيب بن الورد قوما يضحكون في يوم عيد، فقال: إن كان هؤلاء تقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كانوا لم يتقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين. وعن الحسن، قال: إنّ الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلّف آخرون فخابوا. فالعجب من اللاعب الضّاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون. لعلك غضبان وقلبي غافل … سلام على الدّارين إن كنت راضيا روي عن عليّ ﵁ أنّه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري! من هذا المقبول فنهنّيه؟ ومن هذا المحروم فنعزّيه؟. وعن ابن مسعود أنّه كان يقول: من هذا المقبول منّا فنهنّيه؟ ومن هذا المحروم منّا فنعزّيه؟ أيّها المقبول هنيئا لك، أيّها المردود جبر الله مصيبتك.

стр. 359

ليت شعري من فيه يقبل منّا … فيهنّا يا خيبة المردود من تولّى عنه بغير قبول … أرغم الله أنفه بخزي شديد ماذا فات من فاته خير رمضان؟ وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان؟ كم بين من حظّه فيه القبول والغفران، ومن كان حظّه فيه الخيبة والخسران. ربّ قائم حظّه من قيامه السّهر، وصائم حظّه من صيامه الجوع والعطش. ما أصنع؟ هكذا جرى المقدور … الجبر لغيري وأنا المكسور أسير ذنب مقيّد مهجور … هل يمكن أن يغيّر المقدور غيره: سار القوم والشّقا يقعدني … حازوا القرب والجفا يبعدني حسبي حسبي إلى متى تطردني … أعداي دائي وكلّهم يقصدني غيره: أسباب هواك أوهنت أسبابي … من بعد جفاك فالضّنى أولى بي ضاقت حيلي وأنت تدري ما بي … فارحم، فالعبد واقف بالباب شهر رمضان تكثر فيه أسباب الغفران؛ فمن أسباب المغفرة فيه: صيامه، وقيامه، وقيام ليلة القدر فيه، كما سبق. ومنها: تفطير الصّوّام، والتخفيف عن المملوك، وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع. ومنها: الذكر. وفي حديث مرفوع: «ذاكر الله في رمضان مغفور له» (١). ومنها: الاستغفار،

стр. 360

والاستغفار طلب المغفرة. ودعاء الصّائم يستجاب في صيامه وعند فطره؛ ولهذا كان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم، يا واسع المغفرة اغفر لي. وفي حديث أبي هريرة ﵁ المرفوع في فضل شهر رمضان: «ويغفر فيه إلاّ لمن أبى»، قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى؟ قال: يأبى أن يستغفر الله». ومنها: استغفار الملائكة للصّائمين حتى يفطروا، وقد تقدّم ذكره. فلما كثرت أسباب المغفرة في رمضان كان الذي تفوته المغفرة فيه محروما غاية الحرمان. في «صحيح ابن حبّان» عن أبي هريرة ﵁، «أنّ النبي ﷺ صعد المنبر فقال: آمين، آمين، آمين. قيل: يا رسول الله، إنّك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين؟ قال: إنّ جبريل أتاني، فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين. ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرّهما، فمات، فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين. ومن ذكرت عنده فلم يصلّ عليك، فمات، فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين» (١). وخرّجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبّان أيضا من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا بلفظ: «رغم أنفه» (٢). وحسّنه الترمذيّ. وقال سعيد عن قتادة: كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له فيما سواه. وفي حديث آخر: «إذا لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر؟» متى يقبل من ردّ في ليلة القدر؟ متى يصلح من لا يصلح في رمضان؟ متى يصح من كان به فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان؟ كلّ ما لا يثمر من

стр. 361

الأشجار في أوان الثمار؛ فإنّه يقطع ثمّ يوقد في النار. من فرّط في الزّرع في وقت البذار، لم يحصد يوم الحصاد غير النّدم والخسار. ترحّل الشّهر (١) … وا لهفاه وانصرما واختصّ بالفوز في الجنّات من خدما وأصبح الغافل المسكين منكسرا … مثلي فيا ويحه يا عظم ما حرما من فاته الزّرع في وقت البذار فما … تراه يحصد إلاّ الهمّ والنّدما «شهر رمضان شهر أوّله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النّار». روي هذا عن النبيّ ﷺ ، من حديث سلمان الفارسي. خرّجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٢). وروي عنه أيضا من حديث أبي هريرة ﵁، خرّجه ابن أبي الدنيا وغيره. والشهر كلّه شهر رحمة ومغفرة وعتق، ولهذا في الحديث الصحيح: «أنّه تفتح فيه أبواب الرّحمة». وفي الترمذي وغيره: «إنّ لله عتقاء من النّار، وذلك كلّ ليلة» (٣). ولكنّ الأغلب على أوّله الرحمة، وهي للمحسنين المتقين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. فيفاض على المتّقين في أوّل الشّهر خلع الرّحمة والرّضوان، ويعامل أهل الإحسان بالفضل والإحسان.

стр. 362

وأمّا أوسط الشهر، فالأغلب عليه المغفرة، فيغفر فيه للصّائمين وإن ارتكبوا بعض الذنوب الصغائر فلا يمنعهم ذلك من المغفرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرّعد: ٦]. وأمّا آخر الشهر فيعتق فيه من النار من أوبقته الأوزار، واستوجب النار بالذنوب الكبار. وفي حديث ابن عباس المرفوع: «لله في كلّ ليلة في شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار، فإذا كان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، أعتق في كل ساعة منها ألف ألف عتيق من النار، كلّهم قد استوجبوا العذاب، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره». خرّجه سلمة بن شبيب وغيره (١). وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيدا لجميع الأمة؛ لأنّه يعتق فيه أهل الكبائر من الصّائمين من النار، فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار. كما أنّ يوم النّحر هو العيد الأكبر؛ لأنّ قبله يوم عرفة، وهو اليوم الذي لا يرى في يوم من الدنيا أكثر عتقا من النار منه، فمن أعتق من النّار في اليومين فله يوم عيد، ومن فاته العتق في اليومين فله يوم وعيد. أنشد الشبلي: ليس عيد المحبّ قصد المصلّى … وانتظار الأمير والسّلطان إنّما العيد أن تكون لدى ال … لّه كريما مقرّبا في أمان ورئي بعض العارفين ليلة عيد في فلاة يبكي على نفسه وينشد: بحرمة غربتي كم ذا الصّدود … ألا تعطف عليّ ألا تجود

стр. 363

سرور العيد قد عمّ النّواحي … وحزني في ازدياد لا يبيد فإن كنت اقترفت خلال سوء … فعذري في الهوى أن لا أعود لمّا كانت المغفرة والعتق من النار كل منهما مرتّبا على صيام رمضان وقيامه، أمر الله عند إكمال العدّة بتكبيره وشكره، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فشكر من أنعم على عباده بتوفيقهم للصّيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم به، وعتقهم من النّار، أن يذكروه ويشكروه ويتّقوه حقّ تقاته. وقد فسّر ابن مسعود ﵁ تقواه حقّ تقاته بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر (١). فيا أرباب الذّنوب العظيمة، الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة؛ فما منها عوض ولا لها قيمة، فكم يعتق فيها من النّار من ذي جريرة وجريمة، فمن أعتق فيها من النّار فقد فاز بالجائزة العميمة والمنحة الجسيمة. يا من أعتقه مولاه من النّار، إيّاك أن تعود بعد أن صرت حرّا إلى رقّ الأوزار، أيبعدك مولاك عن النار وأنت تتقرّب منها؟ وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها؟! وإنّ امرأ ينجو من النّار بعد ما … تزوّد من أعمالها لسعيد إن كانت الرّحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأس منها، وإن تكن المغفرة مكتوبة للمتقين فالظّالم لنفسه غير محجوب عنها. إن كان عفوك لا يرجوه ذو خطإ … فمن يجود على العاصين بالكرم إن كان لا يرجوك إلاّ محسن … فمن الذي يرجو ويدعو المذنب

стр. 364

إن كان لا يرجوك إلا محسن … فمن يلوذ ويستجير الجاني وعلى من يعتمد المقصّر في غد … مع ما تقدّم منه من عصيان (١) لم لا يرجى العفو من ربّنا … وكيف لا يطمع في حلمه وفي «الصحيحين» أتى أنه … بعبده أرحم من أمّه ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزّمر: ٥٣]. فيا أيّها العاصي - وكلّنا ذلك -، لا تقنط من رحمة الله لسوء أعمالك، فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك. فأحسن الظّنّ بمولاك وتب إليه؛ فإنّه لا يهلك على الله إلاّ هالك. إذا أوجعتك الذّنوب فداوها … برفع يد في اللّيل واللّيل مظلم ولا تقنطن من رحمة الله إنّما … قنوطك منها من ذنوبك أعظم فرحمته للمحسنين كرامة … ورحمته للمذنبين تكرّم ينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار أن يأتي بأسباب توجب العتق من النّار، وهي متيسرة في هذا الشهر. وكان أبو قلابة يعتق في آخر الشهر جارية حسناء مزينة يرجو بعتقها العتق من النار. وفي حديث سلمان المرفوع الذي في «صحيح ابن خزيمة»: «من فطّر فيه صائما كان عتقا له من النار. ومن خفّف فيه عن مملوكه كان له عتقا من النار». وفيه أيضا: «فاستكثروا فيه من [أربع خصال]: خصلتين ترضون بهما ربّكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما. فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بهما ربّكم

стр. 365

فشهادة أن لا إله إلاّ الله، والاستغفار. وأمّا اللتان لا غناء لكم عنهما، فتسألون الله الجنّة، وتعوذون به من النار» (١). فهذه الخصال الأربع المذكورة في هذا الحديث كلّ منها سبب للعتق والمغفرة. فأمّا كلمة التوحيد؛ فإنّها تهدم الذّنوب وتمحوها محوا، ولا تبقي ذنبا، ولا يسبقها عمل. وهي تعدل عتق الرّقاب الذي يوجب العتق من النّار. ومن أتى بها أربع مرار: حين يصبح وحين يمسي، أعتقه الله من النار، ومن قالها خالصا من قلبه حرّمه الله على النار. وأمّا كلمة الاستغفار؛ فمن أعظم أسباب المغفرة، فإنّ الاستغفار دعاء بالمغفرة، ودعاء الصّائم مستجاب في حال صيامه، وعند فطره. وقد سبق حديث أبي هريرة المرفوع: «ويغفر فيه - يعني شهر رمضان - إلاّ لمن أبى». قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى؟ قال: من أبى أن يستغفر الله . قال الحسن: أكثروا من الاستغفار، فإنّكم لا تدرون متى تنزل الرّحمة. وقال لقمان لابنه: يا بني، عوّد لسانك الاستغفار؛ فإنّ لله ساعات لا يردّ فيهنّ سائلا. وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمّد: ١٩]. وفي بعض الآثار: أنّ إبليس قال: أهلكت النّاس بالذّنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار. والاستغفار ختام الأعمال الصّالحة كلّها؛ فتختم به الصّلاة والحجّ وقيام

стр. 366

الليل، ويختم به المجالس؛ فإن كانت ذكرا كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوا كان كفّارة لها، فلذلك ينبغي أن يختم صيام رمضان بالاستغفار. كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار والصّدقة، صدقة الفطر؛ فإنّ صدقة الفطر طهرة للصّائم من اللغو والرّفث. والاستغفار يرقع ما تخرّق من الصّيام باللغو والرّفث؛ ولهذا قال بعض العلماء المتقدمين: إنّ صدقة الفطر للصائم كسجدتي السّهو للصّلاة. وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه: قولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وقولوا كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، وقولوا كما قال موسى ﵇ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: الآية ١٦]، وقولوا كما قال ذو النون ﵇: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. ويروى عن أبي هريرة ﵁، قال: الغيبة تخرّق الصّيام، والاستغفار يرقّعه؛ فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقّع فليفعل. وعن ابن المنكدر: معنى ذلك: الصيام جنّة من النّار ما لم يخرقها، والكلام السيئ يخرق هذه الجنّة، والاستغفار يرقّع ما تخرق منها. فصيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع، وعمل صالح له شافع. كم نخرق صيامنا بسهام الكلام، ثم نرقّعه وقد اتّسع الخرق على الرّاقع. كم نرفو خروقه بمخيط الحسنات، ثم نقطعه بحسام السيئات القاطع. كان بعض السّلف إذا صلّى صلاة استغفر من تقصيره فيها، كما يستغفر المذنب من ذنبه. إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم، فكيف حال

стр. 367

المسيئين مثلنا في عاداتهم (١)؟ ارحموا من حسناته سيئات، وطاعاته كلّها غفلات. أستغفر الله من صيامي … طول زماني ومن صلاتي صيامنا كلّه خروق … وصلاته (٢) أيّما صلاتي مستيقظ في الدّجى ولكن … أحسن من يقظتي سباتي وقريب من هذا أمر النبي ﷺ لعائشة في ليلة القدر بسؤال العفو؛ فإنّ المؤمن يجتهد في شهر رمضان في صيامه وقيامه، فإذا قرب فراغه وصادف ليلة القدر، لم يسأل الله تعالى إلاّ العفو، كالمسيء المقصّر. كان صلة بن أشيم يحيي الليل، ثم يقول في دعائه في السّحر: اللهم، إنّي أسألك أن تجيرني من النار، ومثلي يجترئ أن يسألك الجنّة. كان مطرّف يقول في دعائه: اللهم، ارض عنّا، فإن لم ترض عنّا فاعف عنّا. قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو. إن كنت لا أصلح للقرب … فشأنكم عفو عن الذّنب أنفع الاستغفار ما قارنته التّوبة، وهي حلّ عقدة الإصرار، فمن استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد الشهر ويعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول عنه مسدود. قال كعب: من صام رمضان وهو يحدّث نفسه أنّه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنّة بغير مسألة ولا حساب. ومن صام رمضان وهو يحدّث نفسه أنّه إذا أفطر عصى ربّه، فصيامه عليه مردود. وخرّجه سلمة بن شبيب.

стр. 368

ولولا التّقى ثمّ النّهى خشية الرّدى … لعاصيت في حبّ الصّبا كلّ زاجر قضى ما قضى فيما مضى ثم لا يرى … له عودة أخرى اللّيالي الغوابر في «سنن أبي داود» وغيره عن أبي بكرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لا يقولنّ أحدكم: صمت رمضان كلّه، ولا قمت رمضان كلّه». قال أبو بكرة: فلا أدري، أكره التّزكية أم لا بدّ من غفلة (١). أين من كان إذا صام صان الصّيام، وإذا قام استقام في القيام؟ أحسنوا الإسلام ثم رحلوا بسلام، ما بقي إلاّ من إذا صام افتخر بصيامه وصال، وإذا قام أعجب بقيامه وقال: كم بين خليّ وشجيّ، وواجد وفاقد، وكاتم ومبدي. وأمّا سؤال الجنّة والاستعاذة من النار؛ فمن أهم الدعاء، وقد قال النبي ﷺ : «حولهما ندندن» (٢)، فالصّائم يرجى استجابة دعائه، فينبغي ألاّ يدعو إلاّ بأهم الأمور. قال أبو مسلم: ما عرضت لي دعوة إلاّ صرفتها إلى الاستعاذة من النار، وقال: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]. في الحديث: «تعرّضوا لنفحات رحمة ربّكم؛ فإنّ لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده» (٣)، فمن أصابته سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، فمن أعظم نفحاته مصادفة ساعة إجابة يسأل فيها العبد الجنّة والنّجاة من النّار، فيجاب سؤاله، فيفوز بسعادة الأبد. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ﴾

стр. 369

﴿النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] (١) وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود: ١٠٨، ١٠٦]. ليس السّعيد الذي دنياه تسعده … إنّ السّعيد الّذي ينجو من النّار عباد الله، إنّ شهر رمضان قد عزم على الرّحيل، ولم يبق منه إلاّ القليل. فمن كان منكم أحسن فيه فعليه التمام، ومن كان فرّط فليختمه بالحسنى؛ فالعمل بالختام، فاستمتعوا منه فيما بقي من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعوه عملا صالحا يشهد لكم به عند الملك العلاّم، وودّعوه عند فراقه بأزكى تحيّة وسلام. سلام من الرّحمن كلّ أوان … على خير شهر قد مضى وزمان سلام على شهر الصّيام فإنّه … أمان من الرحمن أيّ أمان لئن فنيت أيّامك الغرّ بغتة … فما الحزن من قلبي عليك بفان لقد ذهبت أيّامه وما أطعتم، وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم، وكأنّكم بالمشمّرين فيه وقد وصلوا وانقطعتم، أترى ما هذا التوبيخ لكم أو ما سمعتم؟! ما ضاع من أيّامنا هل يغرم … هيهات والأزمان كيف تقوّم يوم بأرواح يباع ويشترى … وأخوه ليس يسام فيه درهم قلوب المتّقين إلى هذا الشهر تحنّ، ومن ألم فراقه تئنّ. دهاك الفراق فما تصنع … أتصبر للبين أم تجزع إذا كنت تبكي وهم جيرة … فكيف تكون إذا ودّعوا

стр. 370

كيف لا يجري للمؤمن على فراقه دموع، وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع. تذكّرت أيّاما مضت ولياليا … خلت فجرت من ذكرهنّ دموع ألا هل لها يوما من الدّهر عودة … وهل لي إلى وقت الوصال رجوع وهل بعد إعراض الحبيب تواصل … وهل لبدور قد أفلن طلوع أين حرق المجتهدين في نهاره؟ أين قلق المتهجّدين في أسحاره؟ اسمع أنين العاشقي … ن إن استطعت له سماعا راح الحبيب فشيّعته … مدامعي تهمي سراعا لو كلّف الجبل الأصمّ … فراق إلف ما استطاعا إذا كان هذا جزع من ربح فيه، فكيف حال من خسر في أيّامه ولياليه؟ ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه، وقد عظمت فيه مصيبته وجلّ عزاؤه؟ كم نصح المسكين فما قبل النّصح! كم دعي إلى المصالحة فما أجاب إلى الصّلح! كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد! كم مرّت به زمر السّائرين وهو قاعد، حتى إذا ضاق به الوقت وحاق به المقت، ندم على التفريط حين لا ينفع النّدم، وطلب الاستدراك في وقت العدم. أتترك من تحبّ وأنت جار … وتطلبهم وقد بعد المزار وتبكي بعد نأيهم اشتياقا … وتسأل في المنازل أين ساروا تركت سؤالهم وهم حضور … وترجو أن تخبّرك الدّيار فنفسك لم ولا تلم المطايا … ومت كمدا فليس لك اعتذار يا شهر رمضان ترفّق، دموع المحبّين تدفّق، قلوبهم من ألم الفراق تشقّق، عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو

стр. 371

من الصّيام كلّ ما تخرّق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار يعتق، عسى رحمة المولى لها العاصي يوفّق. عسى وعسى من قبل وقت التّفرّق … إلى كلّ ما ترجو من الخير ترتقي فيجبر مكسور ويقبل تائب … ويعتق خطّاء ويسعد من شقي ***

стр. 372

وظائف شهر شوّال وفيه مجالس: المجلس الأول في صيام شوّال كله وإتباع رمضان بصيام ستة أيام من شوّال خرّج مسلم من حديث أبي أيّوب الأنصاري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستّا من شوّال، كان كصيام الدّهر» (١). وقد اختلف في هذا الحديث، ثم في العمل به؛ فمنهم من صحّحه، ومنهم من قال هو موقوف؛ قاله ابن عيينة وغيره، وإليه يميل الإمام أحمد، ومنهم من تكلّم في إسناده. وأمّا العمل به، فاستحبّ صيام ستة أيام من شوال أكثر العلماء. روي ذلك عن ابن عبّاس ﵄، وطاوس، والشعبيّ، وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق؛ وأنكر ذلك آخرون. روي عن الحسن أنّه كان إذا ذكر عنده صيام هذه الستة، قال: لقد رضي الله بهذا الشهر للسنة كلّها. ولعلّه إنما أنكر على من اعتقد وجوب صيامها وأنّه لا يكتفي بصيام رمضان عنها في الوجوب. وظاهر كلامه يدلّ على هذا.

стр. 373

وكرهها الثوريّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وعلّل أصحابهما ذلك بمشابهة أهل الكتاب، يعنون في الزّيادة في صيامهم المفروض عليهم ما ليس منه. وأكثر المتأخرين من مشايخهم قالوا: لا بأس به، وعلّلوا بأنّ الفصل (١) قد حصل بفطر يوم العيد، حكى ذلك صاحب «الكافي» منهم. وكان ابن مهدي يكرهها ولا ينهى عنها. وكرهها أيضا مالك، وذكر في «الموطإ» أنّه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها، قال: ولم يبلغني ذلك عن أحد من السّلف، وأنّ أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة لو رأوا أحدا من أهل العلم يفعل ذلك. وقد قيل: إنّه كان يصومها في نفسه، وإنما كرهها على وجه يخشى منه أن يعتقد فريضتها؛ لئلا يزاد في رمضان ما ليس منه. وأمّا الذين استحبّوا صيامها، فاختلفوا في صفة صيامها، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنّه يستحبّ صيامها من أوّل الشهر متتابعة، وهو قول الشافعي وابن المبارك. وقد روي في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «من صام ستة أيام بعد الفطر متتابعة، فكأنما صام السّنة» (٢). خرّجه الطبراني وغيره من طرق ضعيفة. وروي موقوفا، وروي عن ابن عبّاس من قوله بمعناه، بإسناد ضعيف أيضا. والثاني: أنّه لا فرق بين أن يتابعها أو يفرّقها من الشهر كلّه، وهما سواء، وهو قول وكيع وأحمد.

стр. 374

والثالث: أنه لا يصام عقيب يوم الفطر؛ فإنّها أيام أكل وشرب، ولكن يصام ثلاثة أيام قبل أيام البيض أو بعدها. وهذا قول معمر وعبد الرّزّاق. ويروى عن عطاء، حتى روي عنه أنّه كره لمن عليه صيام من قضاء رمضان أن يصومه، ثم يصله بصيام تطوّع. وأمر بالفصل بينهما؛ وهو قول شاذ. وأكثر العلماء على أنّه لا يكره صيام ثاني يوم الفطر، وقد دلّ عليه حديث عمران بن حصين ﵁، عن النبي ﷺ ، أنّه قال لرجل: «إذا أفطرت فصم». وقد ذكرناه في صيام آخر شعبان. وقد سرد طائفة من الصّحابة والتابعين الصّوم إلا يوم الفطر والأضحى. وقد روي عن أم سلمة أنّها كانت تقول لأهلها: من كان عليه [قضاء من] (١) رمضان فليصمه الغد من يوم الفطر، فمن صام الغد من يوم الفطر فكأنّما صام رمضان. وفي إسناده ضعف. وعن الشعبي، قال: لأن أصوم يوما بعد رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم الدّهر كلّه. ويروى بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعا: «من صام بعد الفطر يوما فكأنّما صام السّنة». وبإسناد ضعيف عن ابن عبّاس ﵄ مرفوعا: «الصّائم بعد رمضان كالكارّ بعد الفارّ» (٢). وأمّا صيام شوّال كلّه، ففي حديث رجل من قريش سمع النبيّ ﷺ يقول: «من صام رمضان وشوّالا والأربعاء والخميس، دخل الجنّة» (٣). خرّجه الإمام أحمد والنسائيّ. وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث مسلم

стр. 375

القرشي، عن النبي ﷺ : أنّه سئل عن صيام الدّهر، فقال: «إنّ لأهلك عليك حقّا، فصم رمضان والذي يليه، وكلّ أربعاء وخميس، فإذا أنت قد صمت الدّهر وأفطرت» (١). وخرّج ابن ماجه بإسناد منقطع أنّ أسامة بن زيد كان يصوم أشهر الحرم، فقال له رسول الله ﷺ : «صم شوّالا». فترك أشهر الحرم، ثم لم يزل يصوم شوّالا حتّى مات (٢). وخرّجه أبو يعلى الموصلي بإسناد متّصل، عن أسامة، قال: كنت أصوم شهرا من السّنة، فقال لي النبيّ ﷺ : «أين أنت من شوّال؟» فكان أسامة إذا أفطر أصبح الغد صائما من شوّال حتى يأتي على آخره. وصيام شوّال كصيام شعبان؛ لأنّ كلا الشّهرين حريم لشهر رمضان، وهما يليانه. وقد ذكرنا في فضل صيام شعبان أنّ الأظهر أنّ صيامهما أفضل من صيام الأشهر الحرم، ولا خلاف في ذلك. وإنما كان صيام رمضان واتباعه بستّ من شوّال يعدل صيام الدّهر؛ لأنّ الحسنة بعشر أمثالها، وقد جاء ذلك مفسّرا من حديث ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستّة أيام بشهرين، فذلك صيام سنة» (٣). يعني رمضان وستّة أيام بعده. خرّجه الإمام أحمد والنسائي وهذا لفظه، وابن حبّان في «صحيحه»، وصحّحه أبو حاتم الرازي. وقال الإمام أحمد: ليس في أحاديث الباب أصحّ منه. وتوقّف فيه في رواية أخرى.

стр. 376

ولا فرق في ذلك بين أن يكون شهر رمضان ثلاثين أو تسعا وعشرين. وعلى هذا حمل بعضهم قول النبي ﷺ : «شهرا عيد لا ينقصان؛ رمضان، وذو الحجّة» (١). وقال: المراد كمال آخره، سواء كان ثلاثين أو تسعا وعشرين. وأنّه إذا أتبع بستّة أيّام من شوّال، فإنّه يعدل صيام الدّهر على كلّ حال. وكره إسحاق بن راهويه أن يقال لشهر رمضان: إنّه ناقص، وإن كان تسعا وعشرين؛ لهذا المعنى، فإن قال قائل: فلو صام هذه الستة أيام من غير شوّال يحصل له هذا الفضل، فكيف خصّ صيامها من شوّال؟ قيل: صيامها من شوّال يلتحق بصيام رمضان في الفضل، فيكون له أجر صيام الدّهر فرضا. ذكر ذلك ابن المبارك، وذكر أنّه في بعض الحديث حكاه عنه الترمذي في جامعه. ولعلّه أشار إلى ما روي عن أم سلمة ﵂: أنّ من صام الغد من يوم الفطر، فكأنّما صام رمضان. وفي معاودة الصّيام بعد رمضان فوائد عديدة: منها: أنّ صيام ستة أيّام من شوّال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدّهر كلّه، كما سبق. ومنها: أنّ صيام شوّال وشعبان كصلاة السّنن الرواتب قبل الصّلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص. فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة، كما ورد ذلك عن النبي ﷺ من وجوه متعدّدة (٢).

стр. 377

وأكثر النّاس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال؛ ولهذا نهى النبي ﷺ أن يقول الرّجل: صمت رمضان كلّه، أو قمته كلّه. قال الصّحابي: فلا أدري، أكره التّزكية أم لا بدّ من غفلة (١). وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: من لم يجد ما يتصدّق به فليصم. يعني من لم يجد ما يخرجه صدقة للفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر؛ فإنّ الصّيام يقوم مقام الإطعام في التكفير للسيئات، كما يقوم مقامه في كفّارات الأيمان وغيرها من الكفّارات، مثل كفّارة القتل، والوطء في رمضان، والظّهار. ومنها: أنّ معاودة الصّيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان؛ فإنّ الله تعالى إذا تقبّل عمل عبد وفّقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى. كما أنّ من عمل حسنة، ثم أتبعها بسيئة، كان ذلك علامة ردّ الحسنة وعدم قبولها. ومنها: أنّ صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدّم من الذّنوب، كما سبق ذكره؛ وأنّ الصّائمين لرمضان يوفّون أجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز. فيكون معاودة الصّيام بعد الفطر شكرا لهذه النّعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب. كان النبي ﷺ يقوم حتى تتورّم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا؟» (٢).

стр. 378

وقد أمر الله عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره، وغير ذلك من أنواع شكره، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فمن جملة شكر العبد لربّه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه، ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرا عقيب ذلك. كان بعض السّلف إذا وفّق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهارها صائما، ويجعل صيامه شكرا للتوفيق للقيام. وكان وهيب بن الورد يسأل عن ثواب شيء من الأعمال، كالطواف ونحوه، فيقول: لا تسألوا عن ثوابه، ولكن سلوا ما الذي على من وفّق لهذا العمل من الشكر؛ للتوفيق والإعانة عليه. إذا أنت لم تزدد على كلّ نعمة … لموليكها شكرا فلست بشاكر كلّ نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا يحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدا، فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم. وحقيقة الشّكر الاعتراف بالعجز عن الشكر، كما قيل: إذا كان شكري نعمة الله نعمة … عليّ له في مثلها يجب الشّكر فكيف بلوغ الشّكر إلاّ بفضله … وإن طالت الأيّام واتّصل العمر قال أبو عمرو الشيباني: قال موسى ﵇ يوم الطّور: يا ربّ، إن أنا صليت فمن قبلك، وإن أنا تصدّقت فمن قبلك، وإن بلّغت رسالاتك فمن قبلك، فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى، الآن شكرتني. فأمّا مقابلة نعمة التوفيق لصيام رمضان بارتكاب المعاصي بعده، فهو من فعل من بدّل نعمة الله كفرا. فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة

стр. 379

المعاصي بعد انقضاء الصيام، فصيامه عليه مردود، وباب الرّحمة في وجهه مسدود. قال كعب: من صام رمضان وهو يحدّث نفسه أنّه إذا أفطر رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدّث نفسه أنّه إذا أفطر عصى ربّه، فصيامه عليه مردود. ومنها: أنّ الأعمال التي كان العبد يتقرّب بها إلى ربّه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان، بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيّا. وهذا معنى الحديث المتقدّم أنّ الصائم بعد رمضان كالكارّ بعد الفارّ، يعني كالذي يفرّ من القتال في سبيل الله ثم يعود إليه. وذلك لأنّ كثيرا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان؛ لاستثقال الصّيام وملله وطوله عليه. ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصّيام سريعا، فالعائد إلى الصّيام بعد فطره يوم الفطر يدلّ عوده على رغبته في الصيام، وأنّه لم يملّه ولم يستثقله ولا تكرّه به. وفي حديث خرّجه الترمذي مرفوعا: «أحبّ الأعمال إلى الله الحالّ المرتحل» (١). وفسّر بصاحب القرآن يضرب من أوّله إلى آخره، ومن آخره إلى أوّله، كلّما حلّ ارتحل. والعائد إلى الصّيام سريعا بعد فراغ صيامه، شبيه بقارئ القرآن إذا فرغ من قراءته ثم عاد إليه، في المعنى، والله أعلم. قيل لبشر: إنّ قوما يتعبّدون ويجتهدون في رمضان. فقال: بئس القوم قوم لا يعرفون لله حقّا إلاّ في شهر رمضان، إن الصّالح الذي يتعبّد ويجتهد السّنة كلّها. وسئل الشّبلي: أيّما أفضل، رجب أو شعبان؟ فقال: كن ربّانيّا ولا تكن شعبانيّا ثم أنشد:

стр. 380

إذا كنت في حرب الهوى متجردا … فكلّ أرض ثغر لي وطرسوس كان النبي ﷺ عمله ديمة. وسئلت عائشة ﵂: هل كان النبي ﷺ يخصّ يوما من الأيام؟ فقالت: لا، كان عمله ديمة (١). وقالت: كان النبي ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة (٢). وقد كان النبي ﷺ يقضي ما فاته من أوراده في رمضان في شوال، فترك في عام اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، ثم قضاه في شوال، فاعتكف العشر الأول منه (٣). وسأل رجلا: هل صام من سرر شعبان شيئا؟ فقال: لا، فأمره أن يصوم إذا أفطر. يعني يقضي ما فاته من صيام شعبان في شوال (٤). وقد تقدّم عن أمّ سلمة أنّها كانت تأمر أهلها: من كان عليه قضاء من رمضان أن يقضيه الغد من يوم الفطر. فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوّال؛ فإنه أسرع لبراءة ذمته، وهو أولى من التطوّع بصيام ست من شوّال. فإنّ العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض؛ هل يجوز أن يتطوّع قبله أم لا؟

стр. 381

وعلى قول من جوّز التطوّع قبل القضاء فلا يحصل مقصود صيام ستة أيّام من شوّال إلاّ لمن أكمل صيام رمضان، ثم أتبعه بستّ من شوّال. فمن كان عليه قضاء من رمضان، ثم بدأ بصيام ستّ من شوّال تطوّعا، لم يحصل له ثواب من صام رمضان، ثم أتبعه بستّ من شوال، حيث لم يكمل عدة رمضان، كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستّة أيام من شوال أجر صيام السّنة بغير إشكال. ومن بدأ بالقضاء في شوّال، ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ست من شوّال بعد تكملة قضاء رمضان كان حسنا؛ لأنّه يصير حينئذ قد صام رمضان وأتبعه بستّ من شوال. ولا يحصل له فضل صيام ستّ من شوّال بصوم قضاء رمضان؛ لأنّ صيام الست من شوّال إنما يكون بعد إكمال عدّة رمضان. عمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله. قال الحسن: إنّ الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت، ثم قرأ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. هذه الشهور والأعوام والليالي والأيام كلّها مقادير للآجال، ومواقيت للأعمال ثم تنقضي سريعا، وتمضي جميعا. والذي أوجدها وابتدعها وخصّها بالفضائل وأودعها باق لا يزول، ودائم لا يحول؛ هو في جميع الأوقات إله واحد، ولأعمال عباده رقيب مشاهد. فسبحان من قلّب عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخدم؛ ليسبغ عليهم فيها فواضل النّعم، ويعاملهم بنهاية الجود والكرم. لمّا انقضت الأشهر الثلاثة الكرام التي أولها الشهر الحرام، وآخرها شهر الصّيام، أقبلت بعدها الأشهر الثلاثة، أشهر الحج إلى البيت الحرام، فكما أنّ من صام رمضان وقامه غفر له ما تقدّم من ذنبه؛ فمن حجّ البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من

стр. 382

الساعات إلاّ ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات؛ فالمؤمن يتقلّب بين هذه الوظائف، ويتقرّب بها إلى مولاه وهو راج خائف. المحبّ لا يملّ من التقرّب بالنوافل إلى مولاه، ولا يأمل إلا قربه ورضاه. ما للمحبّ سوى إرادة حبّه … إنّ المحبّ بكلّ برّ يضرع كلّ وقت يخليه العبد من طاعة مولاه فقد خسره، وكلّ ساعة يغفل فيها عن ذكر الله تكون عليه يوم القيامة ترة. فوا أسفاه على زمان ضاع في غير طاعته! وا حسرتاه على وقت فات في غير خدمته!. من فاته أن يراك يوما … فكلّ أوقاته فوات وحيثما كنت من بلاد … فلي إلى وجهك التفات إليكم هجرتي وقصدي … وأنتم الموت والحياة أمنت أن توحشوا فؤادي … فآنسوا مقلتي ولات (١) من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها، فعلامة قبولها أن يصلها بطاعة أخرى، وعلامة ردّها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية. ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها! وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها. وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها! ذنب واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها. النكسة أصعب من المرض، وربما أهلكت. سلوا الله الثّبات على الطّاعات إلى الممات، وتعوّذوا به من تقلّب القلوب، ومن الحور بعد الكور. ما أوحش ذلّ المعصية بعد عزّ الطّاعة، وأفحش فقر الطمع بعد غنى القناعة. ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذلّ، وغنيّ قوم بالذّنوب افتقر. ترى الحيّ الأولى بانوا … على العهد كما كانوا

стр. 383

أم الدّهر بهم خانوا … ودهر المرء خوّان إذا عزّ بغير اللّ … هـ يوما معشر هانوا يا شبّان التّوبة، لا ترجعوا إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الفطام، فالرّضاع إنّما يصلح للأطفال لا للرجال. ولكن لا بدّ من الصّبر على مرارة الفطام؛ فإن صبرتم تعوّضتم عن لذّة الهوى بحلاوة الإيمان في القلوب. من ترك لله شيئا لم يجد فقده وعوّضه الله خيرا منه. ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠]. وفي الحديث: «النظر سهم مسموم من سهام إبليس؛ من تركه من خوف الله أعطاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه». خرّجه الإمام أحمد (١). وهذا الخطاب للشباب. فأمّا الشيخ إذا عاود المعاصي بعد انقضاء رمضان فهو أقبح وأقبح؛ لأنّ الشاب يؤمّل معاودة التّوبة في آخر عمره، وهو مخاطر؛ فإنّ الموت قد يعاجله، وقد يطرقه بغته. فأمّا الشيخ فقد شارف مركبه ساحل بحر المنون فماذا يؤمّل؟ نعى لك ظلّ الشّباب المشيب … ونادتك باسم سواك الخطوب فكن مستعدّا لداعي الفناء … فكلّ الّذي هو آت قريب ألسنا نرى شهوات النّفو … س تفنى وتبقى علينا الذّنوب يخاف على نفسه من يتوب … فكيف يكن حال من لا يتوب ***

стр. 384

المجلس الثاني في ذكر الحج وفضله والحث عليه في «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله، ثم جهاد في سبيل الله، ثم حجّ مبرور» (١). هذه الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين: أحدهما: الإيمان بالله ورسوله، وهو التّصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما فسّر النبيّ ﷺ الإيمان بذلك في حديث سؤال جبريل له، وفي غيره من الأحاديث. وقد ذكر الله تعالى الإيمان بهذه الأصول في مواضع كثيرة من كتابه؛ كأوّل البقرة، ووسطها، وآخرها. والعمل الثاني: الجهاد في سبيل الله تعالى. وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [الصف: ١٠ - ١١]، وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]. وقد صحّ عن النبي ﷺ من غير وجه أنّ أفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد في سبيله؛ فالإيمان المجرّد تدخل فيه أعمال الجوارح عند السّلف

стр. 385

وأهل الحديث، والإيمان المقرون بالعمل يراد به التصديق مع القول، وخصوصا إن قرن الإيمان بالله بالإيمان برسوله، كما في هذا الحديث. فالإيمان القائم بالقلوب أصل كلّ خير، وهو خير ما أوتيه العبد في الدنيا والآخرة، وبه يحصل له سعادة الدّنيا والآخرة، والنّجاة من شقاوة الدّنيا والآخرة. ومتى رسخ الإيمان في القلب انبعثت الجوارح كلّها بالأعمال الصالحة، واللسان بالكلم الطيب. كما قال النبي ﷺ : «ألا وإنّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» (١). ولا صلاح للقلب بدون الإيمان بالله، وما يدخل في مسمّاه من معرفة الله وتوحيده، وخشيته، ومحبّته، ورجائه، والإنابة إليه، والتوكّل عليه. قال الحسن: ليس الإيمان بالتمنّي، ولا بالتحلّي، ولكنّه بما وقر في الصدور، وصدقته الأعمال. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وفي هذا يقول بعضهم: ما كلّ من زوّق لي قوله … يغرّني يا صاح تزويقه من حقّق الإيمان في قلبه … لا بدّ أن يظهر تحقيقه فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان، ووجد طعمه وحلاوته، ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه، فاستحلى اللسان ذكر الله وما والاه، وأسرعت الجوارح إلى

стр. 386

طاعة الله، فحينئذ يدخل حبّ الإيمان في القلب، كما يدخل حبّ الماء البارد الشّديد برده في اليوم الشّديد حرّه للظمآن الشديد عطشه، ويصير الخروج من الإيمان أكره إلى القلوب من الإلقاء في النار، وأمرّ عليها من الصّبر. ذكر ابن المبارك عن أبي الدّرداء ﵁ أنّه دخل المدينة، فقال لهم: ما لي لا أرى عليكم يا أهل المدينة حلاوة الإيمان؟ والذي نفسي بيده، لو أنّ دبّ الغابة وجد طعم الإيمان لرئي عليه حلاوة الإيمان. لو ذاق طعم الإيمان رضوى … لكاد من وجده يميد قد حمّلوني تكليف عهد … يعجز عن حمله الحديد فالإيمان بالله ورسوله وظيفة القلب واللسان، ثم يتبعهما عمل الجوارح، وأفضلها الجهاد في سبيل الله، وهو نوعان: أفضلهما: جهاد المؤمن لعدوّه الكافر، وقتاله في سبيل الله؛ فإنّ فيه دعوة له إلى الإيمان بالله ورسوله، ليدخل في الإيمان، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. قال أبو هريرة ﵁ في هذه الآية: يجيئون بهم في السّلاسل حتّى يدخلوهم الجنّة (١). وفي الحديث المرفوع: «عجب ربّك من قوم يقادون إلى الجنّة بالسّلاسل» (٢). فالجهاد في سبيل الله دعاء الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله بالسيف واللسان، بعد دعائهم إليه بالحجة والبرهان. وقد كان النبي ﷺ في أوّل الأمر

стр. 387

لا يقاتل قوما حتى يدعوهم. فالجهاد به تعلو كلمة الإيمان، وتتسع رقعة الإسلام، ويكثر الداخلون فيه، وهو وظيفة الرّسل وأتباعهم، وبه تصير كلمة الله هي العليا. والمقصود منه أن يكون الدّين كله لله، والطاعة له، كما قال تعالى: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. والمجاهد في سبيل الله هو المقاتل لتكون كلمة الله هي العليا خاصّة. والنوع الثاني من الجهاد: جهاد النفس في طاعة الله، كما قال النبيّ ﷺ : «المجاهد من جاهد نفسه في الله». وقال بعض الصحابة لمن سأله عن الغزو: ابدأ بنفسك فاغزها، وابدأ بنفسك فجاهدها. وأعظم مجاهدة النفس على طاعة الله عمارة بيوته بالذّكر والطاعة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ [التّوبة: ١٨]. وفي حديث أبي سعيد المرفوع: «إذا رأيتم الرّجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» (١) ثم تلا هذه الآية. خرّجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه. وقال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ الآية [النور: ٣٦ - ٣٧]. والنوع الأوّل من الجهاد أفضل من هذا الثاني، قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا﴾

стр. 388

﴿يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٠]. وفي «صحيح مسلم»، عن النّعمان بن بشير، قال: «كنت عند منبر النّبي ﷺ ، فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلاّ أن أسقي الحاجّ. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام، إلاّ أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل ممّا قلتم. فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ ، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ،﴾ إلى آخر الآية [التّوبة: ١٩]» (١). فهذا الحديث الذي فيه ذكر سبب نزول هذه الآية يبين أن المراد أفضل ما يتقرب به إلى الله من أعمال النوافل والتطوع، وأنّ الآية تدلّ على أنّ أفضل ذلك الجهاد مع الإيمان. فدلّ على أنّ التطوّع بالجهاد أفضل من التطوّع بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاجّ. وعلى مثل هذا يحمل حديث أبي هريرة ﵁. هذا، وإنّ الجهاد أفضل من الحجّ المتطوّع به، فإنّ فرض الحجّ تأخّر عند كثير من العلماء إلى السّنة التاسعة، ولعلّ النبيّ ﷺ قال هذا الكلام قبل أن يفرض الحجّ بالكليّة، فكان حينئذ تطوّعا. وقد قيل: إن الجهاد كان في أوّل الإسلام فرض عين، فلا إشكال في هذا على تقديمه على الحجّ قبل افتراضه. فأما بعد أن صار الجهاد فرض كفاية والحجّ فرض عين؛ فإنّ الحجّ المفترض حينئذ يكون أفضل من الجهاد. قال

стр. 389

عبد الله بن عمرو بن العاص: حجّة قبل الغزو أفضل من عشر غزوات، وغزوة بعد حجّة أفضل من عشر حجات. وروي ذلك مرفوعا (١) من وجوه متعدّدة، في أسانيدها مقال. وقال الصّبيّ بن معبد: كنت نصرانيّا فأسلمت، فسألت أصحاب محمد ﷺ : الجهاد أفضل أم الحجّ؟ فقالوا: الحجّ. والمراد - والله أعلم - أنّ الحجّ أفضل لمن لم يحجّ حجّة الإسلام، مثل هذا الذي أسلم. وقد يكون المراد بحديث أبي هريرة ﵁ أنّ جنس الجهاد أشرف من جنس الحجّ، فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد، وهو كونه فرض عين، صار ذلك الحجّ المخصوص أفضل من الجهاد، وإلاّ فالجهاد أفضل، والله أعلم. وقد دلّ حديث أبي هريرة ﵁ على أنّ أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل الله جنس عمارة المساجد؛ بذكر الله وطاعته، فيدخل في ذلك الصلاة والذّكر والتلاوة والاعتكاف وتعليم العلم النافع واستماعه. وأفضل ذلك عمارة أفضل المساجد وأشرفها، وهو المسجد الحرام، وبالزّيارة والطّواف؛ فلهذا خصّه بالذكر وجعل قصده للحجّ أفضل الأعمال بعد الجهاد. وقد خرّجه ابن المنذر ولفظه: «ثم حجّ مبرور أو عمرة». وقد ذكر الله تعالى هذا البيت في كتابه بأعظم ذكر وأفخم تعظيم وثناء، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. الآيات. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾

стр. 390

﴿وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٦ - ٢٧]. فعمارة سائر المساجد - سوى المسجد الحرام - وقصدها للصّلاة فيها، وأنواع العبادات من الرّباط في سبيل الله تعالى، كما قال النبي ﷺ في إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة: «فذلكم الرّباط، فذلكم الرّباط، فذلكم الرّباط» (١). فأمّا المسجد الحرام بخصوصه فقصده لزيارته وعمارته بالطّواف الذي خصّه الله به من نوع الجهاد في سبيل الله . وفي «صحيح البخاري» عن عائشة ﵂، قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لكنّ أفضل الجهاد حجّ مبرور» (٢)، يعني أفضل جهاد النساء. ورواه بعضهم: «لكنّ أفضل الجهاد حجّ مبرور» فيكون صريحا في هذا المعنى. وقد خرّجه البخاري بلفظ آخر، وهو: «جهادكنّ الحجّ»؛ وهو كذلك. وفي «المسند» و «سنن ابن ماجه» عن أمّ سلمة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: «الحجّ جهاد كلّ ضعيف» (٣). وخرّج البيهقيّ وغيره من حديث

стр. 391

أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «جهاد الكبير، والضعيف، والمرأة، الحجّ والعمرة» (١). وفي حديث مرسل: «الحجّ جهاد، والعمرة تطوّع» (٢). وفي حديث آخر مرسل خرّجه عبد الرزّاق: أنّ رجلا قال للنبي ﷺ : إنّي جبان لا أطيق لقاء العدوّ. قال: أفلا أدلّك على جهاد لا قتال فيه؟ قال: بلى. قال: عليك بالحجّ والعمرة (٣). وخرّج أيضا من مراسيل علي بن الحسين أنّ رجلا سأل النبي ﷺ عن الجهاد، فقال: ألا أدلّك على جهاد لا شوكة فيه؟ الحجّ (٤). وفيه عن عمر أنّه قال: إذا وضعتم السّروج - يعني من سفر الجهاد - فشدّوا الرّحال إلى الحجّ والعمرة؛ فإنّه أحد الجهادين. وذكره البخاري تعليقا (٥). وقال ابن مسعود ﵁: إنما هو سرج ورحل؛ فالسّرج في سبيل الله، والرّحل في الحج. خرّجه الإمام أحمد في مناسكه. وإنّما كان الحجّ والعمرة جهادا؛ لأنّه يجهد المال والنفس والبدن، كما قال

стр. 392

أبو الشّعثاء: نظرت في أعمال البرّ، فإذا الصّلاة تجهد البدن دون المال، والصّيام كذلك، والحجّ يجهدهما، فرأيته أفضل. وروى عبد الرزّاق بإسناده، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنّ رجلا سأله عن الحجّ، قال: إنّ الحاجّ يشفع في أربعمائة بيت من قومه، ويبارك في أربعين من أمهات البعير الذي حمله، ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه. فقال له رجل: يا أبا موسى، إنّي كنت أعالج الحجّ، وقد كبرت وضعفت، فهل من شيء يعدل الحجّ؟ فقال له: هل تستطيع أن تعتق سبعين رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل؟ فأمّا الحلّ والرّحيل فلا أجد له عدلا، أو قال: مثلا (١). وبإسناده عن طاوس أنّه سئل: هل الحجّ بعد الفريضة أفضل أم الصّدقة؟ قال: فأين الحلّ والرّحيل، والسّهر والنّصب، والطّواف بالبيت، والصّلاة عنده، والوقوف بعرفة، وجمع ورمي الجمار؟ كأنه يقول: الحجّ أفضل (٢). وقد اختلف العلماء في تفضيل الحجّ تطوّعا على الصدقة: فمنهم: من رجّح الحجّ، كما قاله طاوس وأبو الشعثاء، وقاله الحسن أيضا. ومنهم: من رجّح الصّدقة، وهو قول النّخعي. ومنهم: من قال: إن كان ثمّ رحم محتاجة أو زمن مجاعة، فالصّدقة أفضل، وإلاّ فالحجّ؛ وهو نصّ أحمد. وروي عن الحسن معناه، وأنّ صلة الرّحم والتنفيس عن المكروب أفضل من التطوّع بالحجّ. وفي كتاب عبد الرزّاق بإسناد ضعيف: عن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ

стр. 393

سئل عن رجل حجّ فأكثر، أيجعل نفقته في صلة أو عتق؟ فقال النبي ﷺ : «طواف سبع لا لغو فيه يعدل رقبة» (١). وهذا يدلّ على تفضيل الحجّ. واستدلّ من رأى ذلك أيضا بأنّ النّفقة في الحجّ أفضل من النفقة في سبيل الله. وفي «مسند الإمام أحمد»، عن بريدة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «النفقة في الحجّ كالنّفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف» (٢). وخرّجه الطبراني من حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «النفقة في سبيل الله؛ الدّرهم فيه بسبعمائة» (٣). ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥ - ١٩٦]، ففيه دليل على أنّ النّفقة في الحجّ والعمرة تدخل في جملة النّفقة في سبيل الله. وقد كان بعض الصحابة جعل بعيره في سبيل الله، فأرادت امرأته أن تحجّ عليه، فقال لها النبي ﷺ : «حجّي عليه؛ فإنّ الحجّ في سبيل الله» (٤). وقد خرّجه أهل المسانيد والسنن من وجوه متعدّدة، وذكره البخاري تعليقا. وهذا يستدلّ به على أنّ الحجّ يصرف فيه من سهم سبيل الله المذكور في آية الزكاة، كما هو أحد قولي العلماء، فيعطى من الزّكاة من لم يحجّ ما يحجّ به. وفي إعطائه لحجّ التطوّع اختلاف بينهم أيضا.

стр. 394

وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنّه قال: «الحجّ المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة» (١). وفي «المسند» أنّ النبي ﷺ سئل: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجّة برّة تفضل سائر الأعمال ما (٢) بين مطلع الشمس إلى مغربها» (٣). وثبت عنه ﷺ أنّه قال: «من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه» (٤). فمغفرة الذنوب بالحجّ، ودخول الجنّة به مرتب على كون الحجّ مبرورا. وإنما يكون مبرورا باجتماع أمرين فيه: أحدهما: الإتيان فيه بأعمال البرّ؛ والبرّ يطلق بمعنيين: أحدهما: بمعنى الإحسان إلى الناس، كما يقال: البرّ والصّلة، وضدّه العقوق. وفي «صحيح مسلم» أنّ النبي ﷺ سئل عن البرّ، فقال: «البر: حسن الخلق» (٥). وكان ابن عمر ﵄ يقول: إنّ البرّ شيء هيّن؛ وجه طليق وكلام ليّن. وهذا يحتاج إليه في الحجّ كثيرا، أعني معاملة الناس بالإحسان بالقول والفعل. قال بعضهم: إنما سمّي السفر سفرا؛ لأنّه يسفر عن أخلاق الرجال. وفي «المسند» عن جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: «الحجّ

стр. 395

المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة. قالوا: وما برّ الحجّ يا رسول الله؟ قال: «إطعام الطعام، وإفشاء السّلام» (١). وفي حديث آخر: «وطيب الكلام» (٢). وسئل سعيد بن جبير: أيّ الحاج أفضل؟ قال: من أطعم الطعام وكفّ لسانه. قال الثوريّ: سمعت أنّه من بر الحج. وفي مراسيل خالد بن معدان عن النبي ﷺ ، قال: «ما يصنع من يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه خصال ثلاثة: ورع يحجزه عمّا حرّم الله، وحلم يضبط به جهله، وحسن صحابة لمن يصحب؛ وإلاّ فلا حاجة لله بحجّه» (٣). وقال أبو جعفر الباقر: ما يعبأ من يؤمّ هذا البيت إذا لم يأت بثلاث: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يكفّ به غضبه، وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين. فهذه الثلاثة يحتاج إليها في الأسفار، خصوصا في سفر الحجّ، فمن كمّلها فقد كمل حجّه وبرّ. ومن أجمع خصال البرّ التي يحتاج إليها الحاجّ ما وصى به النبي ﷺ أبا جريّ الهجيمي، فقال: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النّعل، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك المسلم فتسلّم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض» (٤).

стр. 396

وفي الجملة، فخير الناس أنفعهم للنّاس، وأصبرهم على أذى الناس، كما وصف الله المتّقين بذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. والحاجّ يحتاج إلى مخالطة الناس، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم. قال ربيعة: المروءة في السّفر بذل الزّاد، وقلّة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله . وجاء رجلان إلى ابن عون يودّعانه، ويسألانه أن يوصيهما، فقال لهما: عليكما بكظم الغيظ، وبذل الزّاد. فرأى أحدهما في المنام أنّ ابن عون أهدى إليهما حلّتين. والإحسان إلى الرفقة في السفر أفضل من العبادة القاصرة، لا سيّما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه. وقد كان النبي ﷺ في سفر في حرّ شديد، ومعه من هو صائم ومفطر، فسقط الصّوّام وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الرّكاب، فقال النبي ﷺ : «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (١). وروي أنّه ﷺ كان في سفر، فرأى رجلا صائما، فقال له: «ما حملك على الصّوم في السفر؟» فقال: معي ابناي يرحلان بي ويخدماني، فقال له: «ما زال لهما الفضل عليك». وفي «مراسيل أبي داود» عن أبي قلابة ﵁، قال: قدم ناس من أصحاب رسول الله ﷺ من سفر يثنون على صاحب لهم، قالوا: ما رأينا مثل فلان قطّ؛ ما كان في مسير إلاّ كان في قراءة، ولا نزلنا منزلا إلاّ كان في صلاة، قال: «فمن كان يكفيه ضيعته؟» حتى ذكر «ومن كان يعلف دابّته»، قالوا: نحن.

стр. 397

قال: «فكلّكم خير منه» (١). وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السّفر لأخدمه، فكان يخدمني. وكان كثير من السّلف يشترط على أصحابه في السّفر أن يخدمهم اغتناما لأجر ذلك؛ منهم عامر بن عبد قيس، وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما. وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السّفر الخدمة والأذان. وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره، فيشترط عليهم أن يخدمهم، فكان إذا رأى رجلا يريد أن يغسل ثوبه قال له: هذا من شرطي، فيغسله، وإذا رأى من يريد أن يغسل رأسه قال له: هذا من شرطي فيغسله. فلمّا مات نظروا في يده فإذا فيها مكتوب: من أهل الجنة، فنظروا إليها فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم. وترافق بهيم العجليّ - وكان من العابدين البكّائين - ورجل تاجر موسر في الحج، فلمّا كان يوم خروجهم للسّفر بكى بهيم حتى قطرت دموعه على صدره، ثم قطرت على الأرض. وقال: ذكرت بهذه الرّحلة الرحلة إلى الله، ثم علا صوته بالنّحيب، فكره رفيقه التاجر منه ذلك، وخشي أن يتنغّص عليه سفره معه بكثرة بكائه. فلمّا قدما من الحجّ جاء الرجل الذي رافق بينهما إليهما ليسلّم عليهما، فبدأ بالتاجر فسلّم عليه، وسأله عن حاله مع بهيم، فقال له: والله ما ظننت أنّ في هذا الخلق مثله، كان والله يتفضّل عليّ في النفقة وهو معسر وأنا موسر، ويتفضّل عليّ في الخدمة وهو شيخ ضعيف وأنا شابّ، ويطبخ لي وهو صائم وأنا مفطر.
следующие страницы →