﴿وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران:
٩٦ - ٩٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٦ - ٢٧].
فعمارة سائر المساجد - سوى المسجد الحرام - وقصدها للصّلاة فيها، وأنواع العبادات من الرّباط في سبيل الله تعالى، كما قال النبي ﷺ في إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة: «فذلكم الرّباط، فذلكم الرّباط، فذلكم الرّباط» (١).
فأمّا المسجد الحرام بخصوصه فقصده لزيارته وعمارته بالطّواف الذي خصّه الله به من نوع الجهاد في سبيل الله .
وفي «صحيح البخاري» عن عائشة ﵂، قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لكنّ أفضل الجهاد حجّ مبرور» (٢)، يعني أفضل جهاد النساء. ورواه بعضهم: «لكنّ أفضل الجهاد حجّ مبرور» فيكون صريحا في هذا المعنى. وقد خرّجه البخاري بلفظ آخر، وهو:
«جهادكنّ الحجّ»؛ وهو كذلك.
وفي «المسند» و «سنن ابن ماجه» عن أمّ سلمة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: «الحجّ جهاد كلّ ضعيف» (٣). وخرّج البيهقيّ وغيره من حديث
стр. 391
أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «جهاد الكبير، والضعيف، والمرأة، الحجّ والعمرة» (١).
وفي حديث مرسل: «الحجّ جهاد، والعمرة تطوّع» (٢). وفي حديث آخر مرسل خرّجه عبد الرزّاق: أنّ رجلا قال للنبي ﷺ : إنّي جبان لا أطيق لقاء العدوّ. قال: أفلا أدلّك على جهاد لا قتال فيه؟ قال: بلى. قال: عليك بالحجّ والعمرة (٣).
وخرّج أيضا من مراسيل علي بن الحسين أنّ رجلا سأل النبي ﷺ عن الجهاد، فقال: ألا أدلّك على جهاد لا شوكة فيه؟ الحجّ (٤).
وفيه عن عمر أنّه قال: إذا وضعتم السّروج - يعني من سفر الجهاد - فشدّوا الرّحال إلى الحجّ والعمرة؛ فإنّه أحد الجهادين. وذكره البخاري تعليقا (٥).
وقال ابن مسعود ﵁: إنما هو سرج ورحل؛ فالسّرج في سبيل الله، والرّحل في الحج. خرّجه الإمام أحمد في مناسكه.
وإنّما كان الحجّ والعمرة جهادا؛ لأنّه يجهد المال والنفس والبدن، كما قال
стр. 392
أبو الشّعثاء: نظرت في أعمال البرّ، فإذا الصّلاة تجهد البدن دون المال، والصّيام كذلك، والحجّ يجهدهما، فرأيته أفضل.
وروى عبد الرزّاق بإسناده، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنّ رجلا سأله عن الحجّ، قال: إنّ الحاجّ يشفع في أربعمائة بيت من قومه، ويبارك في أربعين من أمهات البعير الذي حمله، ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه. فقال له رجل: يا أبا موسى، إنّي كنت أعالج الحجّ، وقد كبرت وضعفت، فهل من شيء يعدل الحجّ؟ فقال له: هل تستطيع أن تعتق سبعين رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل؟ فأمّا الحلّ والرّحيل فلا أجد له عدلا، أو قال: مثلا (١).
وبإسناده عن طاوس أنّه سئل: هل الحجّ بعد الفريضة أفضل أم الصّدقة؟ قال: فأين الحلّ والرّحيل، والسّهر والنّصب، والطّواف بالبيت، والصّلاة عنده، والوقوف بعرفة، وجمع ورمي الجمار؟ كأنه يقول: الحجّ أفضل (٢).
وقد اختلف العلماء في تفضيل الحجّ تطوّعا على الصدقة:
فمنهم: من رجّح الحجّ، كما قاله طاوس وأبو الشعثاء، وقاله الحسن أيضا. ومنهم: من رجّح الصّدقة، وهو قول النّخعي. ومنهم: من قال: إن كان ثمّ رحم محتاجة أو زمن مجاعة، فالصّدقة أفضل، وإلاّ فالحجّ؛ وهو نصّ أحمد. وروي عن الحسن معناه، وأنّ صلة الرّحم والتنفيس عن المكروب أفضل من التطوّع بالحجّ.
وفي كتاب عبد الرزّاق بإسناد ضعيف: عن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ
стр. 393
سئل عن رجل حجّ فأكثر، أيجعل نفقته في صلة أو عتق؟ فقال النبي ﷺ :
«طواف سبع لا لغو فيه يعدل رقبة» (١). وهذا يدلّ على تفضيل الحجّ.
واستدلّ من رأى ذلك أيضا بأنّ النّفقة في الحجّ أفضل من النفقة في سبيل الله. وفي «مسند الإمام أحمد»، عن بريدة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال:
«النفقة في الحجّ كالنّفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف» (٢).
وخرّجه الطبراني من حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «النفقة في سبيل الله؛ الدّرهم فيه بسبعمائة» (٣). ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥ - ١٩٦]، ففيه دليل على أنّ النّفقة في الحجّ والعمرة تدخل في جملة النّفقة في سبيل الله.
وقد كان بعض الصحابة جعل بعيره في سبيل الله، فأرادت امرأته أن تحجّ عليه، فقال لها النبي ﷺ : «حجّي عليه؛ فإنّ الحجّ في سبيل الله» (٤). وقد خرّجه أهل المسانيد والسنن من وجوه متعدّدة، وذكره البخاري تعليقا. وهذا يستدلّ به على أنّ الحجّ يصرف فيه من سهم سبيل الله المذكور في آية الزكاة، كما هو أحد قولي العلماء، فيعطى من الزّكاة من لم يحجّ ما يحجّ به. وفي إعطائه لحجّ التطوّع اختلاف بينهم أيضا.
стр. 394
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنّه قال: «الحجّ المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة» (١).
وفي «المسند» أنّ النبي ﷺ سئل: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجّة برّة تفضل سائر الأعمال ما (٢) بين مطلع الشمس إلى مغربها» (٣). وثبت عنه ﷺ أنّه قال: «من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه» (٤).
فمغفرة الذنوب بالحجّ، ودخول الجنّة به مرتب على كون الحجّ مبرورا.
وإنما يكون مبرورا باجتماع أمرين فيه:
أحدهما: الإتيان فيه بأعمال البرّ؛ والبرّ يطلق بمعنيين:
أحدهما: بمعنى الإحسان إلى الناس، كما يقال: البرّ والصّلة، وضدّه العقوق. وفي «صحيح مسلم» أنّ النبي ﷺ سئل عن البرّ، فقال: «البر:
حسن الخلق» (٥). وكان ابن عمر ﵄ يقول: إنّ البرّ شيء هيّن؛ وجه طليق وكلام ليّن.
وهذا يحتاج إليه في الحجّ كثيرا، أعني معاملة الناس بالإحسان بالقول والفعل. قال بعضهم: إنما سمّي السفر سفرا؛ لأنّه يسفر عن أخلاق الرجال.
وفي «المسند» عن جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: «الحجّ
стр. 395
المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة. قالوا: وما برّ الحجّ يا رسول الله؟ قال:
«إطعام الطعام، وإفشاء السّلام» (١). وفي حديث آخر: «وطيب الكلام» (٢).
وسئل سعيد بن جبير: أيّ الحاج أفضل؟ قال: من أطعم الطعام وكفّ لسانه. قال الثوريّ: سمعت أنّه من بر الحج. وفي مراسيل خالد بن معدان عن النبي ﷺ ، قال: «ما يصنع من يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه خصال ثلاثة:
ورع يحجزه عمّا حرّم الله، وحلم يضبط به جهله، وحسن صحابة لمن يصحب؛ وإلاّ فلا حاجة لله بحجّه» (٣). وقال أبو جعفر الباقر: ما يعبأ من يؤمّ هذا البيت إذا لم يأت بثلاث: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يكفّ به غضبه، وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين.
فهذه الثلاثة يحتاج إليها في الأسفار، خصوصا في سفر الحجّ، فمن كمّلها فقد كمل حجّه وبرّ.
ومن أجمع خصال البرّ التي يحتاج إليها الحاجّ ما وصى به النبي ﷺ أبا جريّ الهجيمي، فقال: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النّعل، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك المسلم فتسلّم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض» (٤).
стр. 396
وفي الجملة، فخير الناس أنفعهم للنّاس، وأصبرهم على أذى الناس، كما وصف الله المتّقين بذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
والحاجّ يحتاج إلى مخالطة الناس، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.
قال ربيعة: المروءة في السّفر بذل الزّاد، وقلّة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله . وجاء رجلان إلى ابن عون يودّعانه، ويسألانه أن يوصيهما، فقال لهما: عليكما بكظم الغيظ، وبذل الزّاد. فرأى أحدهما في المنام أنّ ابن عون أهدى إليهما حلّتين.
والإحسان إلى الرفقة في السفر أفضل من العبادة القاصرة، لا سيّما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه. وقد كان النبي ﷺ في سفر في حرّ شديد، ومعه من هو صائم ومفطر، فسقط الصّوّام وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الرّكاب، فقال النبي ﷺ : «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (١).
وروي أنّه ﷺ كان في سفر، فرأى رجلا صائما، فقال له: «ما حملك على الصّوم في السفر؟» فقال: معي ابناي يرحلان بي ويخدماني، فقال له:
«ما زال لهما الفضل عليك».
وفي «مراسيل أبي داود» عن أبي قلابة ﵁، قال: قدم ناس من أصحاب رسول الله ﷺ من سفر يثنون على صاحب لهم، قالوا: ما رأينا مثل فلان قطّ؛ ما كان في مسير إلاّ كان في قراءة، ولا نزلنا منزلا إلاّ كان في صلاة، قال:
«فمن كان يكفيه ضيعته؟» حتى ذكر «ومن كان يعلف دابّته»، قالوا: نحن.
стр. 397
قال: «فكلّكم خير منه» (١). وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السّفر لأخدمه، فكان يخدمني.
وكان كثير من السّلف يشترط على أصحابه في السّفر أن يخدمهم اغتناما لأجر ذلك؛ منهم عامر بن عبد قيس، وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما. وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السّفر الخدمة والأذان.
وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره، فيشترط عليهم أن يخدمهم، فكان إذا رأى رجلا يريد أن يغسل ثوبه قال له: هذا من شرطي، فيغسله، وإذا رأى من يريد أن يغسل رأسه قال له: هذا من شرطي فيغسله. فلمّا مات نظروا في يده فإذا فيها مكتوب: من أهل الجنة، فنظروا إليها فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم.
وترافق بهيم العجليّ - وكان من العابدين البكّائين - ورجل تاجر موسر في الحج، فلمّا كان يوم خروجهم للسّفر بكى بهيم حتى قطرت دموعه على صدره، ثم قطرت على الأرض. وقال: ذكرت بهذه الرّحلة الرحلة إلى الله، ثم علا صوته بالنّحيب، فكره رفيقه التاجر منه ذلك، وخشي أن يتنغّص عليه سفره معه بكثرة بكائه. فلمّا قدما من الحجّ جاء الرجل الذي رافق بينهما إليهما ليسلّم عليهما، فبدأ بالتاجر فسلّم عليه، وسأله عن حاله مع بهيم، فقال له:
والله ما ظننت أنّ في هذا الخلق مثله، كان والله يتفضّل عليّ في النفقة وهو معسر وأنا موسر، ويتفضّل عليّ في الخدمة وهو شيخ ضعيف وأنا شابّ، ويطبخ لي وهو صائم وأنا مفطر.
стр. 398
فسأله عمّا كان يكرهه منه من كثرة بكائه؟ فقال: ألفت والله ذلك البكاء وأشرب حبّه قلبي حتّى كنت أساعده عليه، حتى تأذّى بنا الرّفقة، ثم ألفوا ذلك، فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا، ويقول بعضهم لبعض: ما الذي جعلهما أولى بالبكاء منّا والمصير واحد؟ فجعلوا والله يبكون ونبكي.
ثم خرج من عنده فدخل على بهيم، فسلّم عليه، وقال له: كيف رأيت صاحبك؟ قال: خير صاحب، كثير الذّكر لله، طويل التّلاوة للقرآن، سريع الدّمعة، متحمّل لهفوات الرّفيق، فجزاك الله عنّي خيرا.
وكان ابن المبارك يطعم أصحابه في الأسفار أطيب الطّعام وهو صائم، وكان إذا أراد الحجّ من بلده مرو جمع أصحابه، وقال: من يريد منكم الحجّ؟ فيأخذ منهم نفقاتهم فيضعها عنده في صندوق ويقفل عليه، ثم يحملهم وينفق عليهم أوسع النّفقة، ويطعمهم أطيب الطعام، ثم يشتري لهم من مكة ما يريدون من الهدايا والتحف، ثم يرجع بهم إلى بلده، فإذا وصلوا صنع لهم طعاما، ثم جمعهم عليه، ودعا بالصندوق الذي فيه نفقاتهم فردّ إلى كلّ واحد نفقته.
والمعنى الثاني: مما يراد بالبرّ فعل الطّاعات كلّها وضدّه الإثم. وقد فسّر الله تعالى البرّ بذلك في قوله: ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ١٧٧].
فتضمّنت الآية أنّ أنواع البرّ ستّة أنواع، من استكملها فقد استكمل البرّ:
أوّلها: الإيمان بأصول الإيمان الخمسة. وثانيها: إيتاء المال المحبوب لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل والسّائلين وفي الرقاب. وثالثها: إقام الصلاة ورابعها: إيتاء الزّكاة. وخامسها: الوفاء بالعهد: وسادسها: الصّبر على البأساء والضّرّاء وحين البأس.
стр. 399
وكلّها يحتاج الحاجّ إليها، فإنّه لا يصحّ حجّه بدون الإيمان، ولا يكمل حجّه ويكون مبرورا بدون إقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة؛ فإنّ أركان الإسلام بعضها مرتبط ببعض، فلا يكمل الإيمان والإسلام حتى يؤتى بها كلها، ولا يكمل برّ الحجّ بدون الوفاء بالعهود في المعاقدات والمشاركات المحتاج إليها في سفر الحجّ، وإيتاء المال المحبوب لمن يحبّ الله إيتاءه، ويحتاج مع ذلك إلى الصبر على ما يصيبه من المشاق في السّفر.
فهذه خصال البّر، ومن أهمّها للحاجّ إقام الصّلاة. فمن حجّ من غير إقام الصّلاة، لا سيّما إن كان حجّه تطوّعا، كان بمنزلة من سعى في ربح درهم، وضيّع رأس ماله وهو ألوف كثيرة. وقد كان السّلف يواظبون في الحجّ على نوافل الصّلاة، وكان النبي ﷺ يواظب على قيام الليل على راحلته في أسفاره كلها ويوتر عليها.
وحجّ مسروق، فما نام إلاّ ساجدا. وكان محمد بن واسع يصلّي في طريق مكّة ليله أجمع في محمله، يومئ إيماء، ويأمر حاديه أن يرفع صوته خلفه حتى يشغل عنه بسماع صوت الحادي، فلا يتفطّن له.
وكان المغيرة بن حكيم الصّنعاني يحجّ من اليمن ماشيا، وكان له ورد بالليل يقرأ فيه كلّ ليلة ثلث القرآن، فيقف فيصلّي حتى يفرغ من ورده، ثم يلحق بالركب متى لحق، فربما لم يلحقهم إلاّ في آخر النهار. سلام الله على تلك الأرواح، رحمة الله على تلك الأشباح، ما مثلنا ومثلهم إلاّ كما قال القائل:
نزلوا بمكّة في قبائل هاشم … ونزلت بالبيداء أبعد منزل
فنحن ما نأمر إلا بالمحافظة على الصّلاة في أوقاتها ولو بالجمع بين الصّلاتين المجموعتين في وقت إحداهما بالأرض؛ فإنّه لا يرخّص لأحد أن
стр. 400
يصلّي صلاة الليل في النّهار، ولا صلاة النّهار في الليل، ولا أن يصلّي على ظهر راحلته المكتوبة، إلاّ من خاف الانقطاع عن رفقته أو نحو ذلك ممن يخاف على نفسه.
فأمّا المريض ومن كان في ماء وطين، ففي صلاته على الرّاحلة اختلاف مشهور للعلماء، وفيه روايتان عن الإمام أحمد، وأن يكون بالطهارة الشرعيّة بالوضوء بالماء مع القدرة عليه والتيمّم عند العجز حسّا أو شرعا. ومتى علم الله من عبد حرصه على إقام الصّلاة على وجهها أعانه.
قال بعض العلماء: كنت في طريق الحجّ، وكان الأمير يقف للنّاس كلّ يوم لصلاة الفجر، فينزل فيصلّي، ثم نركب، فلمّا كان ذات يوم قرب طلوع الشّمس (١)، ولم يقفوا للنّاس فناديتهم؛ فلم يلتفتوا إلى ذلك، فتوضّأت على المحمل، ثم نزلت للصّلاة على الأرض، ووطّنت نفسي على المشي إلى وقت نزولهم للضحى، وكانوا لا ينزلون إلاّ قريب وقت الظهر، مع علمي بمشقّه ذلك عليّ وأنّي لا قدرة لي عليه، فلمّا صلّيت وقضيت صلاتي، نظرت إلى رفقتي فإذا هم وقوف، وقد كانوا لو سئلوا ذلك لم يفعلوه، فسألتهم عن سبب وقوفهم، فقالوا: لمّا نزلت تعرقلت مقاود الجمال بعضها في بعض، فنحن في تخليصها إلى الآن.
قال: فجئت وركبت وحمدت الله ، وعلمت أنّه ما قدّم أحد حقّ الله تعالى على هوى نفسه وراحتها، إلاّ ورأى سعادة الدّنيا والآخرة، ولا عكس أحد ذلك فقدّم حظّ نفسه على حقّ ربّه إلاّ ورأى الشّقاوة في الدّنيا والآخرة. واستشهد بقول القائل:
стр. 401
والله ما جئتكم زائرا … إلاّ وجدت الأرض تطوى لي
ولا ثنيت العزم عن بابكم … إلاّ تعثّرت بأذيالي
ومن أعظم أنواع برّ الحجّ كثرة ذكر الله تعالى فيه، وقد أمر الله تعالى بكثرة ذكره في إقامة مناسك الحجّ مرة بعد أخرى. وقد روي أنّ النبي ﷺ سئل: أيّ الحاج أفضل؟ قال: «أكثرهم لله ذكرا» (١). خرّجه الإمام أحمد. وروي مرسلا من وجوه متعددة.
وخصوصا كثرة الذّكر في حال الإحرام بالتلبية والتكبير. وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ قال: «أفضل الحجّ العجّ والثّجّ» (٢). وفي حديث جبير بن مطعم المرفوع: «عجوا التكبير عجّا وثجوا الإبل ثجّا» (٣). فالعجّ:
رفع الصّوت بالتكبير والتلبية. والثّجّ: إراقة دماء الهدايا والنّسك.
والهدي من أفضل الأعمال، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ [الحجّ: ٣٦]. الآية. وقال تعالى: ﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ الآية [الحجّ: ٣٢]. وأهدى النبيّ ﷺ في حجّة الوداع مائة بدنة. وكان يبعث بالهدي إلى منى، فتنحر عنه وهو مقيم بالمدينة.
الأمر الثاني مما يكمل به برّ الحجّ: اجتناب أفعال الإثم فيه؛ من الرّفث
стр. 402
والفسوق والمعاصي، قال الله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧].
وفي الحديث الصحيح: «من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه» (١). وقد سبق حديث: «من لم يكن له ورع يحجزه عن معاصي الله فليس لله حاجة في حجّه». فما تزوّد حاجّ ولا غيره أفضل من زاد التّقوى، ولا دعي للحاجّ عند توديعه بأفضل من التقوى.
وقد روي أنّ النبي ﷺ ودّع غلاما للحج، فقال له: «زوّدك الله التّقوى» (٢). قال بعض السّلف لمن ودّعه: اتق الله، فمن اتّقى الله فلا وحشة عليه. وقال آخر لمن ودّعه للحجّ: أوصيك بما وصّى به النبي ﷺ معاذا حين ودّعه: «اتّق الله حيثما كنت، وأتبع السّيئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلق حسن» (٣). وهذه وصيّة جامعة لخصال البرّ كلّها. ولأبي الدّرداء ﵁:
يريد المرء أن يوتى مناه … ويأبى الله إلاّ ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا
ومن أعظم ما يجب على الحاجّ اتقاؤه من الحرام: أن يطيّب نفقته في الحجّ، وأن لا يجعلها من كسب حرام. وقد خرّج الطبراني وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «إذا خرج الرجل حاجّا بنفقة طيّبة، ووضع رجله في
стр. 403
الغرز، فنادى: لبّيك اللهم لبّيك، ناداه مناد من السّماء: لبّيك وسعديك، زادك حلال وراحلتك حلال، وحجّك مبرور غير مأزور. وإذا خرج الرّجل بالنّفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبّيك اللهم لبّيك، ناداه مناد من السّماء: لا لبّيك ولا سعديك؛ زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجّك غير مبرور» (١).
مات رجل في طريق مكّة، فحفروا له فدفنوه، ونسوا الفأس في لحده، فكشفوا عنه التراب ليأخذوا الفأس، فإذا رأسه وعنقه قد جمعا في حلقه الفأس، فردّوا عليه التّراب ورجعوا إلى أهله فسألوهم عنه، فقالوا: صحب رجلا فأخذ ماله، فكان منه يحجّ ويغزو.
إذا حججت بمال أصله سحت … فما حججت ولكن حجّت العير
لا يقبل الله إلاّ كلّ طيّبة … ما كلّ من حجّ بيت الله مبرور
ومما يجب اجتنابه على الحاج وبه يتمّ برّ حجّه أن لا يقصد بحجّه رياء ولا سمعة ولا مباهاة ولا فخرا ولا خيلاء، ولا يقصد به إلاّ وجه الله ورضوانه، ويتواضع في حجّه ويستكين ويخشع لربّه. روي عن أنس ﵁ أنّ النبي ﷺ حجّ على رحل رثّ وقطيفة ما تساوي أربعة دراهم، وقال: «اللهم اجعلها حجّة لا رياء فيها ولا سمعة» (٢).
وقال عطاء: صلّى رسول الله ﷺ الصّبح بمنى غداة عرفة، ثم غدا إلى
стр. 404
عرفات وتحته قطيفة اشتريت له بأربعة دراهم، وهو يقول: «اللهم اجعلها حجّة مبرورة متقبّلة لا رياء فيها ولا سمعة». وقال عبد الله بن الحارث: ركب رسول الله ﷺ رحلا فاهتزّ به، فتواضع لله ، وقال: «لبّيك، لا عيش إلاّ عيش الآخرة» (١). قال رجل لابن عمر: ما أكثر الحاجّ! فقال ابن عمر:
ما أقلّهم! ثم رأى رجلا على بعير على رحل رثّ، خطامه حبل، فقال: لعلّ هذا. وقال شريح: الحاجّ قليل والركبان كثير، ما أكثر من يعمل الخير، ولكن ما أقلّ الذين يريدون وجهه!
خليلي قطّاع الفيافي إلى الحمى … كثير وأمّا الواصلون قليل
وجوه عليها للقبول علامة … وليس على كلّ الوجوه قبول
كان بعض المتقدّمين يحجّ ماشيا على قدميه كلّ عام، فكان ليلة نائما في فراشه، فطلبت منه أمّه شربة ماء، فصعب على نفسه القيام من فراشه ليسقي أمّه الماء، فتذكّر حجّه ماشيا كلّ عام، وأنّه لا يشقّ عليه، فحاسب نفسه، فرأى أنّه لا يهوّنه عليه إلاّ رؤية الناس له ومدحهم إياه، فعلم أنّه كان مدخولا.
قال بعض التابعين: ربّ محرم يقول: لبيك اللهم لبيك، فيقول الله له:
لا لبيك ولا سعديك، هذا مردود عليك. قيل له: لم؟ قال: لعلّه اشترى ناقة بخمسمائة درهم، ورحلا بمائتي درهم، ومفرشا بكذا وكذا. ثمّ ركب ناقته، ورجّل رأسه، ونظر في عطفيه، فذلك الذي يردّ عليه. ومن هنا استحبّ للحاجّ أن يكون شعثا أغبر.
وفي حديث المباهاة يوم عرفة: أنّ الله تعالى يقول لملائكته: «انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا ضاحين، اشهدوا أنّي قد غفرت لهم».
стр. 405
قال عمر يوما وهو بطريق مكّة: تشعثون وتغبرون وتتفلون وتضحون، لا تريدون بذلك شيئا من عرض الدّنيا، ما نعلم سفرا خيرا من هذا؛ يعني الحجّ. وعنه قال: «إنّما الحاجّ الشّعث التّفل» (١). وقال ابن عمر لرجل رآه قد استظلّ في إحرامه: اضح لمن أحرمت له. أي ابرز للضّحى، وهو حرّ الشمس.
أتاك الوافدون إليك شعثا … يسوقون المقلّدة الصّواف
فكم من قاصد للرّبّ رغبا … ورهبا بين منتعل وحاف
سبحان من جعل بيته الحرام مثابة للنّاس وأمنا، يتردّدون إليه، ويرجعون عنه، ولا يرون أنّه قضوا منه وطرا. لمّا أضاف الله تعالى ذلك البيت إلى نفسه ونسبه إليه، بقوله لخليله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [الحجّ: ٢٦]، تعلّقت قلوب المحبّين ببيت محبوبهم، فكلّما ذكر لهم ذلك البيت الحرام حنّوا، وكلّما تذكّروا بعدهم عنه أنّوا:
لا يذكر الرّمل إلاّ حنّ مغترب … له بذي الرّمل أوطار وأوطان
تهفو إلى البان من قلبي نوازعه … وما بي البان بل من داره البان
رأى بعض الصالحين الحاجّ في وقت خروجهم، فوقف يبكي ويقول:
وا ضعفاه! وينشد على إثر ذلك:
فقلت دعوني واتّباعي ركابكم … أكن طوع أيديكم كما يفعل العبد
ثم تنفّس وقال: هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف تكون
стр. 406
حسرة من انقطع عن الوصول إلى ربّ البيت؟! يحقّ لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق، ولمن شاهد السائرين إلى ديار الأحبّة وهو قاعد أن يحزن.
يا سائق العيس ترفّق واستمع … منّي وبلّغ إن وصلت (١) عنّي
عرّض بذكري عندهم لعلّهم … إن سمعوك سائلوك عنّي
قل: ذلك المحبوس عن قصدكم … معذّب القلب بكلّ فنّ
يقول أمّلت بأن أزوركم … في جملة الوفد فخاب ظنّي
أقعدني الحرمان عن قصدكم … ورمت أن أسعى فلم يدعني
ينبغي للمنقطعين طلب الدّعاء من الواصلين؛ لتحصل المشاركة، كما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال لعمر لما أراد العمرة: «يا أخي، أشركنا في دعائك» (٢). وفي «مسند البزار» عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «اللهم، اغفر للحاجّ، ولمن استغفر له الحاجّ» (٣). وفي الطبراني عن ابن عباس ﵄ أنّ النبي ﷺ سمع رجلا يقول في الطّواف: اللهم! اغفر لفلان بن فلان، فقال رسول الله ﷺ : «من هذا؟» قال: رجل حمّلني أن أدعو له بين الرّكن والمقام. فقال: «قد غفر لصاحبك» (٤).
стр. 407
ألا قل لزوّار دار الحبيب … هنيئا لكم في الجنان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضا … فنحن عطاش وأنتم ورود
لئن سار القوم وقعدنا، وقربوا وبعدنا، فما يؤمننا أن نكون ممّن ﴿كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ [التّوبة: ٤٦].
لله درّ ركائب سارت بهم … تطوي القفار الشّاسعات على الدّجا
رحلوا إلى البيت الحرام وقد شجا … قلب المتيّم منهم ما قد شجا
نزلوا بباب لا يخيب نزيله … وقلوبهم بين المخافة والرّجا
على أنّ المتخلّف لعذر شريك للسّائر، كما قال النبيّ ﷺ لمّا رجع من غزوة تبوك: «إنّ بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلاّ كانوا معكم، خلّفهم (١) العذر».
يا سائرين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
إنّا أقمنا على عذر وقد رحلوا … ومن أقام على عذر كمن راحا
وربّما سبق بعض من سار بقلبه وهمّته وعزمه بعض السائرين ببدنه.
رأى بعض الصالحين في منامه عشيّة عرفة بعرفة قائلا يقول له: ترى هذا الزّحام بالموقف؟ قال: نعم. قال: ما حجّ منهم إلاّ رجل تخلّف عن الموقف، فحجّ بهمّته، فوهب الله له أهل الموقف. ما الشأن فيمن سار ببدنه، إنما الشأن فيمن قعد بدنه وسار بقلبه، حتى سبق الرّكب.
стр. 408
من لي بمثل سيرك المذلّل … تمشي رويدا وتجي في الأوّل
يا سائرين إلى دار الأحباب قفوا للمنقطعين، تحمّلوا معكم رسائل المحصرين، خذوا نظرة منّي فلاقوا بها الحمى.
يا سائرين إلى الحبيب ترفّقوا … فالقلب بين رحالكم خلّفته
ما لي سوى قلبي وفيك أذبته … ما لي سوى دمعي وفيك سكبته
كان عمر بن عبد العزيز إذا رأى من يسافر إلى المدينة النبوية يقول له:
أقرئ رسول الله ﷺ منّي السّلام. وروي أنّه كان يبرد عليه البريد من الشام.
هذه الخيف وهاتيك منى … فترفّق أيّها الحادي بنا
واحبس الرّكب علينا ساعة … نندب الرّبع ونبكي الدّمنا
فلذا الموقف أعددنا البكا … ولذا اليوم الدّموع تقتنى
أتراكم في النّقا والمنحنى … أهل سلع تذكرونا ذكرنا
انقطعنا ووصلتم فاعلموا … واشكروا المنعم يا أهل منى
قد خسرنا وربحتم فصلوا … بفضول الرّبح من قد غبنا
سار قلبي خلف أحمالكم … غير أنّ العذر عاق البدنا
ما قطعتم واديا إلاّ وقد … جئته أسعى بأقدام المنى
آه! وا شوقي إلى ذاك الحمى … شوق محروم وقد ذاق العنا
سلّموا عنّي على أربابه … أخبروهم أنّني حلف الضّنا
أنا مذ غبتم على تذكاركم … أترى عندكم ما عندنا
بيننا يوم أثيلات النّقا … كان عن غير تراض بيننا
زمنا كان وكنّا جيرة … فأعاد الله ذاك الزّمنا
стр. 409
من شاهد تلك الدّيار، وعاين تلك الآثار، ثم انقطع عنها، لم يمت إلاّ بالأسف عليها، والحنين إليها.
ما أذكر عيشنا الّذي قد سلفا … إلاّ وجف القلب وكم قد وجفا
واها لزماننا الّذي كان صفا … وا أسفا [وهل يردّ فائتا] (١) وا أسفا
من يرجع دهرنا بأرض الجزع … بين الأثلاث والرّبا في سلع
قالوا اصبر وليس ذا في وسعي … يا حزن أقم وأنت سر يا دمعي
يا ليتنا بزمزم والحجر … يا جيرتنا قبيل يوم النّفر
هل يرجع صافي ما مضى من عمري … أدري ما كان، ليتني لا أدري
***
стр. 410
المجلس الثالث فيما يقوم مقام الحجّ والعمرة عند العجز عنهما يذكر بعد خروج الحاج
في «صحيح البخاري» عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء الفقراء إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: «ذهب أهل الدّثور من الأموال بالدّرجات العلى والنّعيم المقيم، يصلّون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجّون بها ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدّقون. فقال رسول الله ﷺ : «ألا أحدّثكم بما إن أخذتم به لحقتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه؛ إلاّ من عمل مثله: تسبّحون وتحمدون وتكبّرون خلف كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين» (١).
وفي «المسند» و «سنن النسائي» عن أبي الدّرداء ﵁، قال: قلنا:
يا رسول الله، ذهب الأغنياء بالأجر، يحجّون ولا نحجّ، ويجاهدون ولا نجاهد، وبكذا وبكذا. فقال رسول الله ﷺ : «ألا أدلّكم على شيء إن أخذتم به جئتم من أفضل ما يجيء به أحد منهم: أن تكبروا الله أربعا وثلاثين، وتسبحوه ثلاثا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثا وثلاثين في دبر كلّ صلاة» (٢).
стр. 411
المال لمن استعان به على طاعة الله وأنفقه في سبيل الخيرات المقرّبة إلى الله، سبب موصل له إلى الله، وهو لمن أنفقه في معاصي الله، واستعان به على نيل أغراضه المحرّمة، أو اشتغل به عن طاعة الله، سبب قاطع له عن الله، كما قال أبو سليمان الدّاراني: الدنيا حجاب عن الله لأعدائه، ومطية موصلة إليه لأوليائه، فسبحان من جعل شيئا واحدا سببا للاتصال به والانقطاع عنه.
وقد مدح الله في كتابه القسم الأول، وذمّ القسم الثاني، فقال في مدح الأولين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠]، والآيات في المعنى كثيرة جدّا.
وقال في ذمّ الآخرين: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ٩ - ١٠].
وقد قال ابن عباس ﵄: ليس أحد لا يؤتى زكاة ماله إلاّ سأل الرّجعة عند الموت، ثم تلا هذه الآية. وأخبر الله عن أهل النّار الذين يؤتى أحدهم كتابه بشماله أنّه يقول: ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩].
والأحاديث في مدح من أنفق ماله في سبيل الطاعات، وفي ذمّ من لم يؤدّ حقّ الله منه كثيرة جدّا. وقد قال ﷺ : «نعم المال الصّالح للرّجل الصّالح» (١).
стр. 412
وقال: «الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة، إلاّ من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليل ما هم» (١). وقال: «إنّ هذا المال خضرة حلوة؛ فمن أخذه بحقّه ووضعه في حقّه، فنعم المعونة هو. وإن أخذه بغير حقّه، كان كالذي يأكل ولا يشبع» (٢).
فالمؤمن الذي يأخذ المال من حقّه ويضعه في حقّه، فله أجر ذلك كلّه، وكلما أنفق منه يبتغي به وجه الله فهو له صدقة يؤجر عليها، حتى ما يطعم نفسه فهو له صدقة، وما يطعم ولده فهو له صدقة، وما يطعم أهله فهو له صدقة، وما يطعم خادمه فهو له صدقة. وكان عامة أهل الأموال من أصحاب النبي ﷺ من هذا القسم.
قال أبو سليمان: كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف خازنين من خزان الله تعالى في أرضه، ينفقان في طاعته، وكانت معاملتهما لله بقلوبهما.
ورأس المنفقين أموالهم في سبيل الله من هذه الأمة أبو بكر الصّدّيق ﵁، وفيه نزلت هذه الآية ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ١٧ - ٢٢].
وفي «صحيح الحاكم» عن ابن الزّبير، قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنّك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلدا، يمنعونك ويقومون دونك. فقال أبو بكر: يا أبت، إنّي إنّما أريد ما أريد. قال: وإنّما نزلت هذه الآيات فيه ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى﴾ [الليل: ٥] إلى آخر السورة (٣).
стр. 413
وروي من وجه آخر عن ابن الزبير، وخرّجه الإسماعيلي، ولفظه أن أبا بكر كان يبتاع الضّعفة فيعتقهم، فقال له أبو قحافة: يا بني، لو ابتعت من يمنع ظهرك. فقال: يا أبت، منع ظهري أريد. ونزلت فيه ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧]، إلى آخر السورة.
وخرّج أبو داود والترمذي من حديث عمر، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدّق، ووافق ذلك عندي مالا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما.
قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قلت:
مثله. وإنّ أبا بكر أتى بكل ما عنده، فقال: يا أبا بكر: ما أبقيت لأهلك؟ قال:
أبقيت لهم الله ورسوله. فقلت: لا أسابقه إلى شيء أبدا (١).
وخرّج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «ما نفعني مال قطّ ما نفعني مال أبي بكر». فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالي إلاّ لك يا رسول الله (٢). وخرّجه الترمذي بدون هذه الزيادة في آخره.
وكان من المنفقين أموالهم في سبيل الله، عثمان بن عفان، ففي الترمذي، عن عبد الرحمن بن خباب، قال: شهدت النّبيّ ﷺ وهو يحثّ على جيش العسرة، فقام عثمان، فقال: يا رسول الله، عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. ثم حضّ على الجيش، فقام عثمان، فقال: يا رسول الله، عليّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. ثم حضّ على الجيش، فقام عثمان، فقال: يا رسول الله، عليّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. قال:
стр. 414
فرأيت رسول الله ﷺ ينزل عن المنبر، وهو يقول: «ما على عثمان ما فعل بعد هذه، ما على عثمان ما فعل بعد هذه» (١).
وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁، أنّ عثمان جاء إلى النبي ﷺ بألف دينار حين جهّز جيش العسرة، فنثرها في حجره. قال: فرأيت النبي ﷺ يقلّبها في حجره ويقول: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد هذا اليوم، مرتين» (٢).
وكان منهم أيضا عبد الرحمن بن عوف: وفي «مسند الإمام أحمد» أنّه قدم له عير إلى المدينة، فارتجت لها المدينة، فسألت عائشة عنها، وحدثت حديثا عن النّبيّ ﷺ ، فبلغ عبد الرحمن فجعلها كلّها في سبيل الله بأقتابها وأحلاسها، وكانت سبعمائة راحلة (٣). وخرّجه ابن سعد من وجه آخر فيه انقطاع، وعنده أنّها كانت خمسمائة راحلة (٤).
وخرّج الترمذي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة ﵂، أنّ رسول الله ﷺ كان يقول - تعني لأزواجه: «إنّ أمركنّ لما يهمّني بعدي، ولن يصبر عليكنّ إلاّ الصّابرون». قال: ثم تقول عائشة لأبي سلمة:
سقى الله أباك من سلسبيل الجنّة. وكان قد وصل أزواج النّبيّ ﷺ بحديقة بيعت بأربعين ألفا. وقال: حسن غريب. وخرّجه الحاكم وصححه. وخرّج الإمام أحمد أوّله (٥).
стр. 415
وخرّج الإمام أحمد أيضا والحاكم من حديث أمّ بكر بنت المسور بن مخرمة: أنّ عبد الرحمن بن عوف باع أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسمها في فقراء بني زهرة وفي المهاجرين وأمّهات المؤمنين. قال المسور:
فأتيت عائشة ﵂ بنصيبها من ذلك، فقالت لنا: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحنو عليكنّ بعدي إلاّ الصّابرون، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنّة» (١).
وخرّج الإمام أحمد والحاكم من حديث أمّ سلمة ﵂: أنّ النبي ﷺ قال لأزواجه: «إنّ الذي يحنو عليكن بعدي هو الصّادق البارّ، اللهمّ اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنّة» (٢). وخرّجه ابن سعد (٣)، وزاد: إنّ إبراهيم بن سعد، قال: حدثني بعض أهلي من ولد عبد الرحمن بن عوف: أنّ عبد الرحمن بن عوف باع أمواله من كيدمة، وهو سهمه من بني النّضير، بأربعين ألف دينار، فقسمها على أزواج النبي ﷺ .
وخرّج الترمذي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن: أنّ أباه عبد الرحمن بن عوف أوصى بحديقة لأمّهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف. وخرّجه الحاكم، ولفظه: «بيعت بأربعين ألف دينار» (٤).
وأخبار الأجواد المنفقين أموالهم في سبيل الله من أصحاب رسول الله ﷺ يطول ذكرها جدّا، فكان الفقراء من الصّحابة كلّما رأوا أصحاب الأموال
стр. 416
منهم ينفقون أموالهم فيما يحبّه الله؛ من الحجّ والاعتمار والجهاد في سبيل الله والعتق والصّدقة والبرّ والصّلة وغير ذلك من أنواع البرّ والطاعات والقربات، حزنوا لما فاتهم من مشاركتهم في هذه الفضائل.
وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه بذلك، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢].
نزلت هذه الآية بسبب قوم من فقراء المسلمين أتوا النّبيّ ﷺ وهو يتجهّز إلى غزوة تبوك، فطلبوا منه أن يحملهم، فقال لهم: لا أجد ما أحملكم عليه، فرجعوا يبكون حزنا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله ﷺ (١). قال بعض العلماء: هذا والله بكاء الرجال، بكوا على فقدهم رواحل يتحمّلون عليها إلى الموت في مواطن تراق فيها الدّماء في سبيل الله، وتنزع فيها رءوس الرّجال عن كواهلها بالسيوف. فأمّا من بكى على فقد حظّه من الدّنيا وشهواته العاجلة، فذلك شبيه ببكاء الأطفال والنساء على فقد حظوظهم العاجلة.
سهر العيون لغير وجهك باطل … وبكاؤهنّ لغير فقدك ضائع
إنما يحسن البكاء والأسف على فوات الدّرجات العلى والنّعيم المقيم. قال بعضهم: يرى رجل في الجنّة يبكي، فيسأل عن حاله، فيقول: كانت لي نفس واحدة قتلت في سبيل الله، ووددت أنّه كانت لي نفوس كثيرة تقتل كلّها في سبيله.
стр. 417
غزا قوم في سبيل الله، فلمّا صافّوا عدوّهم واقتتلوا، رأى كلّ واحد منهم زوجته من الحور قد فتحت بابا من السّماء، وهي تستدعي صاحبها إليها وتحثّه على القتال، فقتلوا كلّهم إلاّ واحدا. وكان كلّما قتل منهم واحد غلّق باب وغابت منه المرأة، فأفلت آخرهم، فأغلقت تلك المرأة الباب الباقي. وقالت:
ما فاتك يا شقي! فكان يبكي على حاله إلى أن مات، ولكنّه أورثه ذلك طول الاجتهاد والحزن والأسف.
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه … وإن كان من ليلى على الهجر طاويا
لما سمع الصّحابة ﵃ قول الله ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] فهموا من ذلك أنّ المراد أن يجتهد كلّ واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة، والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية، فكان أحدهم إذا رأى من يعمل عملا يعجز عنه، خشي أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له، فيحزن لفوات سبقه. فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم إليها، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ [المطفّفين: ٢٦]. ثم جاء من بعدهم، فعكس الأمر، فصار تنافسهم في الدنيا الدنية وحظوظها الفانية.
قال الحسن: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدّنيا فنافسه في الآخرة. وقال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل. وقال بعض السّلف: لو أنّ رجلا سمع بأحد أطوع لله منه، كان ينبغي له أن يحزنه ذلك.
وقال غيره: لو أنّ رجلا سمع برجل أطوع لله منه فانصدع قلبه فمات، لم يكن ذلك بعجب. قال رجل لمالك بن دينار: رأيت في المنام مناديا ينادي: أيّها الناس، الرّحيل الرحيل، فما رأيت أحدا يرتحل إلاّ محمد بن واسع؛ فصاح
стр. 418
مالك وغشي عليه ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢]. قال عمر بن عبد العزيز في حجة حجّها عند دفع الناس من عرفة: ليس السّابق اليوم من سبق به بعيره، إنّما السّابق من غفر له.
كان رأس السّابقين إلى الخيرات من هذه الأمّة أبو بكر الصّدّيق ﵁، قال عمر: ما استبقنا إلى شيء من الخير إلاّ سبقنا أبو بكر، وكان سبّاقا بالخيرات.
ثم كان السّابق بعده إلى الخيرات عمر، وفي آخر حجّة حجّها عمر جاء رجل لا يعرف، كانوا يرونه من الجن، فرثاه بأبيات منها:
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة … ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق
صاحب الهمّة العالية والنفس الشريفة التوّاقة لا يرضى بالأشياء الدنية الفانية، وإنّما همّته المسابقة إلى الدّرجات الباقية الزاكية، التي لا تفنى ولا يرجع عن مطلوبه، ولو تلفت نفسه في طلبه. ومن كان في الله تلفه كان على الله خلفه. قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لم تعذّب هذا الجسد؟ قال: كرامته أريد.
وإذا كانت النّفوس كبارا … تعبت في مرادها الأجسام
قال عمر بن عبد العزيز: إنّ لي نفسا توّاقة، ما نالت شيئا إلاّ تاقت إلى ما هو أفضل منه، وإنّها لمّا نالت هذه المنزلة - يعني الخلافة - وليس في الدنيا منزلة أعلى منها، تاقت إلى ما هو أعلى من الدنيا، يعني الآخرة.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم … وتأتي على قدر الكرام المكارم
قيمة كلّ إنسان ما يطلب؛ فمن كان يطلب الدنيا فلا أدنى منه؛ فإنّ الدنيا دنيّة، وأدنى منها من يطلبها، وهي خسيسة؛ وأخسّ منها من يخطبها. قال بعضهم: القلوب جوّالة، فقلب يجول حول العرش، وقلب يجول حول
стр. 419
الحشّ. الدّنيا كلّها حشّ، وكلّ ما فيها من مطعم ومشرب يئول إلى الحشّ، وما فيها من أجسام ولباس يصير ترابا، كما قيل:
وكلّ الّذي فوق التّراب تراب
وقال بعضهم في يوم عيد لإخوانه: هل تنظرون إلاّ خرقا تبلى، أو لحما يأكله الدّود غدا. وأمّا من كان يطلب الآخرة فقدره خطير؛ لأنّ الآخرة خطيرة شريفة؛ ومن يطلبها أشرف منها، كما قيل:
أثامن بالنّفس النّفيسة ربّها … وليس لها في الخلق كلّهم ثمن
بها تدرك الأخرى فإن أنا بعتها … بشيء من الدّنيا فذاك هو الغبن
لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها … لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثّمن
وأمّا من كان يطلب الله فهو أكبر النّاس عنده، كما أنّ مطلوبه أكبر من كلّ شيء، كما قيل:
له همم لا منتهى لكبارها … وهمّته الصّغرى أجلّ من الدّهر
قال الشّبليّ: من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها، فصار رمادا تذروه الرّياح؛ ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها، فصار سبيكة ذهب ينتفع به؛ ومن ركن إلى الله أحرقه بنور التوحيد، فصار جوهرا لا قيمة له. العالي الهمّة يجتهد في نيل مطلوبه، ويبذل وسعه في الوصول إلى رضا محبوبه. فأمّا خسيس الهمّة فاجتهاده في متابعة هواه، ويتّكل على مجرّد العفو، فيفوته إن حصل له العفو منازل السّابقين المقرّبين. قال بعض السّلف: هب أنّ المسيء عفي عنه، أليس قد فاته ثواب المحسنين؟
فيا مذنبا يرجو من الله عفوه … أترضى بسبق المتقين إلى الله
стр. 420
لمّا تنافس المتنافسون في نيل الدّرجات، غبط بعضهم بعضا بالأعمال الصّالحات. قال النبي ﷺ : «لا حسد إلاّ في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في سبيل الله آناء اللّيل وآناء النّهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء اللّيل وآناء النّهار» (١).
وفي رواية: «لا تحاسد إلاّ في اثنتين؛ رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء اللّيل والنّهار، يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل؛ ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في حقّه، يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل». وهذا الحديث في «الصحيحين».
وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ ، قال: «إنّما مثل هذه الأمّة كأربعة نفر؛ رجل آتاه الله مالا وعلما، فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقّه؛ ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا، وهو يقول: لو كان لي مثل هذا لعملت فيه مثل الّذي يعمل. قال رسول الله ﷺ : فهما في الأجر سواء. ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما، فهو يخبط في ماله ينفقه في غير حقّه. ورجل لم يؤته الله علما ولا مالا، فهو يقول: لو كان لي مال هذا عملت فيه مثل الّذي يعمل. قال رسول الله ﷺ : فهما في الوزر سواء» (٢).
وروى حميد بن زنجويه بإسناده، عن زيد بن أسلم، قال: يؤتى يوم القيامة بفقير وغنيّ اصطحبا في الله، فيوجد للغني فضل عمل فيما كان يصنع في ماله، فيرفع على صاحبه، فيقول الفقير: يا ربّ، لم رفعته وإنما اصطحبنا
стр. 421
فيك، وعملنا لك؟ فيقول الله تعالى: له فضل عمل بما صنع في ماله، فيقول: يا ربّ، لقد علمت لو أعطيتني مالا لصنعت مثل ما صنع، فيقول:
صدق، فارفعوه إلى منزلة صاحبه.
ويؤتى بمريض وصحيح اصطحبا في الله، فيرفع الصّحيح بفضل عمله، فيقول المريض: لم رفعته عليّ؟ فيقول: بما كان يعمل في صحته. فيقول:
يا ربّ، لقد علمت لو أصححتني لعملت كما عمل، فيقول الله: صدق فارفعوه إلى درجة صاحبه. ويؤتى بحرّ ومملوك اصطحبا فيقول مثل ذلك.
ويؤتى بحسن الخلق وسيّئ الخلق، فيقول: يا ربّ، لم رفعته عليّ، وإنّما اصطحبنا فيك وعملنا؟ فيقول: بحسن خلقه، فلا يجد له جوابا.
العاقل يغبط من أنفق ماله في سبيل الخيرات ونيل علوّ الدّرجات، والجاهل يغبط من أنفق ماله في الشّهوات وتوصّل به إلى اللّذّات المحرّمات. قال الله تعالى حاكيا عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٠]. إلى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
فلمّا رأى النّبيّ ﷺ تأسّف أصحابه الفقراء وحزنهم على ما فاتهم من إنفاق إخوانهم الأغنياء أموالهم في سبيل الله تقرّبا إليه وابتغاء لمرضاته، طيّب قلوبهم ودلّهم على عمل يسير يدركون به من سبقهم ولا يلحقهم معه أحد بعدهم، ويكونون به خيرا ممّن هم معه إلاّ من عمل مثل عملهم، وهو الذّكر عقيب الصّلوات المفروضات، وقد اختلفت الروايات في أنواعه وعدده. والأخذ بكلّ ما ورد من ذلك حسن وله فضل عظيم.
стр. 422
وفي حديث أبي هريرة أنّهم يسبّحون ويحمدون ويكبّرون خلف كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين (١). وقد فسّره أبو صالح راويه عنه بالجمع، وهو أن يقول:
سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثا وثلاثين مرّة، فيكون جملة ذلك تسعا وتسعين.
وقد يستشكل على هذا حديث أنّ رجلا سأل النبي ﷺ عمّا يعدل الجهاد، فقال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم فلا تفطر، وتقوم ولا تفتر» (٢). وهو حديث ثابت صحيح أيضا. فلم يجعل للجهاد عدلا سوى الصّيام الدّائم والقيام الدّائم. وفي هذا الحديث قد جعل الذّكر عقيب الصّلوات عدلا له.
والجمع بين ذلك كلّه أنّ النبي ﷺ لم يجعل للجهاد في زمانه عملا يعدله، بحيث إذا انقضى الجهاد انقضى ذلك العمل، واستوى العامل مع المجاهد في الأجر، وإنّما جعل الذي يعدل الجهاد الذكر الكثير المستدام في بقية عمر المؤمن من غير قطع له حتى يأتي صاحبه أجله، فإذا استمرّ على هذا الذّكر في أوقاته إلى أن مات عليه عدل ذكره هذا الجهاد.
وقد دلّ على ذلك أيضا ما خرّجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي الدّرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ألا أنبّئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذّهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا:
стр. 423
بلى، يا رسول الله، قال: ذكر الله » (١). وخرّجه مالك في «الموطإ» موقوفا.
وخرّج الإمام أحمد والترمذي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، «أنّ النبي ﷺ سئل: أيّ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال:
الذّاكرون الله كثيرا. قلت: يا رسول الله، ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتّى ينكسر ويختصب دما، لكان الذّاكرون الله أفضل منه درجة» (٢). وقد روي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ﵁ وطائفة من الصّحابة موقوفا. وأن الذّكر لله أفضل من الصّدقة بعدّته دراهم ودنانير، ومن النفقة في سبيل الله.
وقيل لأبي الدّرداء ﵁: رجل أعتق مائة نسمة. قال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار، وأن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله . وعنه قال: لأن أقول: لا إله إلاّ الله والله أكبر مائة مرة أحبّ إليّ من أن أتصدّق بمائة دينار. ويروى مرفوعا وموقوفا من غير وجه.
من فاته اللّيل أن يكابده، وبخل بماله أن ينفقه، وجبن عن عدوّه أن يقاتله، فليكثر من: سبحان الله وبحمده؛ فإنّها أحبّ إلى الله من جبل ذهب أو فضّة ينفقه في سبيل الله ، وذكر الله من أفضل أنواع الصّدقة.
стр. 424
وخرّج الطبراني عن ابن عباس ﵄ مرفوعا: «ما صدقة أفضل من ذكر الله » (١).
وقد قال طائفة من السّلف في قول الله : ﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [الحديد: ١٨]: إنّ القرض الحسن قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وفي مراسيل الحسن، عن النبي ﷺ ، قال:
«ما أنفق عبد نفقة أفضل عند الله من قول ليس من القرآن وهو من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر».
وروى عبد الرزّاق في كتابه، عن معمر، عن قتادة، قال: «قال ناس من فقراء المؤمنين: يا رسول الله، ذهب أصحاب الدّثور بالأجور؛ يتصدّقون ولا نتصدّق، وينفقون ولا ننفق. فقال: أرأيتم لو أنّ مال الدنيا وضع بعضه على بعض أكان بالغا السّماء؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: أفلا أخبركم بشيء أصله في الأرض وفرعه في السّماء؛ أن تقولوا في دبر كلّ صلاة: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، عشر مرات؛ فإنّ أصلهنّ في الأرض وفرعهن في السّماء» (٢).
وقد كان بعض الصّحابة يظنّ أن لا صدقة إلاّ بالمال، فأخبره النّبيّ ﷺ أنّ الصّدقة لا تختصّ بالمال، وأن الذّكر وسائر أعمال المعروف صدقة، كما في «صحيح مسلم» عن أبي ذرّ ﵁، «أنّ ناسا من أصحاب النّبيّ ﷺ ، قالوا:
يا رسول الله، ذهب أهل الدّثور بالأجور، يصلّون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضول أموالهم. فقال النبيّ ﷺ : أوليس قد جعل الله لكم ما تتصدّقون به؟ إنّ بكلّ تسبيحة صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وكلّ تهليلة
стр. 425
صدقة؛ وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة؛ وفي بضع أحدكم صدقة» (١).
وفي «المسند» عنه أنّه قال: «يا رسول الله، الأغنياء يتصدّقون ولا نتصدّق. قال: وأنت فيك صدقة؛ رفعك العظم عن الطّريق صدقة، وهدايتك الطريق صدقة، وعونك الضعيف بفضل قوّتك صدقة، وبيانك عن الأرتم صدقة، ومباضعتك امرأتك صدقة» (٢).
وفي المعنى أحاديث كثيرة جدّا يطول ذكرها.
واعلم أنّ من عجز عن عمل خير، وتأسّف عليه، وتمنى حصوله، كان شريكا لفاعله في الأجر، كما تقدّم في الذي قال: «لو كان لي مال لعملت فيه ما عمل فلان» أنّهما سواء في الأجر والوزر. وقد قيل: إنّهما سواء في أصل الأجر دون المضاعفة؛ فإنّها تختصّ بالعامل، فمن هنا كان أرباب الهمم العالية لا يرضون بمجرّد هذه المشاركة، ويطلبون أن يعملوا أعمالا تقاوم الأعمال التي عجزوا عنها؛ ليفوزوا بثواب يقاوم ثواب تلك الأعمال، ويضاعف لهم كما يضاعف لأولئك، فيستووا هم وأولئك العمّال في الأجر كلّه.
وقد كان بعض من يقعد عن الجهاد من امرأة وضعيف في عهد النّبيّ ﷺ يسأله عن عمل يعدل الجهاد.
وفات بعض النساء الحجّ مع النبي ﷺ ، فلمّا قدم سألته عمّا يجزئ من تلك الحجّة، قال: «اعتمري في رمضان؛ فإنّ عمرة في رمضان تعدل حجّة»، أو «حجّة معي» (٣).
стр. 426
وقالت عائشة: «يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: جهادكنّ الحجّ والعمرة» (١).
وكان منهم من إذا تخلّف عن الغزو اجتهد في مشاركة الغزاة في أجرهم؛ فإمّا أن يخرج مكانه رجلا بماله؛ وإمّا أن يعين غازيا؛ وإمّا أن يخلفه في أهله بخير. فإنّ من فعل هذا كلّه فقد غزا.
تصدّق بعض الأغنياء بمال كثير، فبلغ ذلك طائفة من الصّالحين، فاجتمعوا في مكان، وحسبوا ما تصدّق به من الدّراهم، وصلّوا بدل كلّ درهم تصدّق به لله ركعة. هكذا يكون استباق الخيرات والتنافس في علوّ الدرجات.
كذاك الفخر يا همم الرّجال … تعالي فانظري كيف التّغالي
سبحان من فضّل هذه الأمّة وفتح لها على يدي نبيّها، نبيّ الرّحمة، أبواب الفضائل الجمّة؛ فما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعجز عنه آخرون، إلاّ وقد جعل الله عملا يقاومه، أو يفضل عليه، فتتساوى الأمّة كلّها في القدرة عليه.
لمّا كان الجهاد أفضل الأعمال ولا قدرة لكثير من النّاس عليه، كان الذّكر الكثير الدّائم يساويه ويفضل عليه، وكان العمل في عشر ذي الحجّة يفضل عليه، إلاّ من خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء.
لمّا كان الحجّ من أفضل الأعمال، والنّفوس تتوق إليه؛ لما وضع الله في القلوب من الحنين إلى ذلك البيت المعظّم، وكان كثير من النّاس يعجز عنه، ولا سيما كلّ عام، شرع الله لعباده أعمالا يبلغ أجرها أجر الحجّ، فيتعوّض بذلك العاجزون عن التطوّع بالحجّ.
стр. 427
ففي الترمذيّ، عن النبيّ ﷺ ، قال: «من صلّى الصّبح، ثمّ جلس في مصلاّه يذكر الله حتّى تطلع الشّمس، ثم صلى ركعتين، كان له مثل أجر حجة وعمرة تامّة. قال رسول الله ﷺ : تامّة، تامّة، تامّة» (١).
شهود الجمعة يعدل حجّة تطوّع؛ قال سعيد بن المسيب: هو أحبّ إليّ من حجّة نافلة. وقد جعل النّبيّ ﷺ المبكّر إليها كالمهدي هديا إلى بيت الله الحرام. وفي حديث ضعيف: «الجمعة حجّ المساكين» (٢).
وفي «تاريخ ابن عساكر»: عن الأوزاعي، قال: مرّ يونس بن ميسرة بن حلبس بمقابر «باب توما»، فقال: السّلام عليكم يا أهل القبور، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، فرحمنا الله وإياكم، وغفر لنا ولكم، فكأن قد صرنا إلى ما صرتم إليه. فردّ الله الرّوح إلى رجل منهم، فأجابه، فقال: طوبى لكم يا أهل الدنيا حين تحجّون في الشهر أربع مرار. قال: وإلى أين يرحمك الله؟ قال: إلى الجمعة، أما تعلمون أنّها حجّة مبرورة متقبّلة. قال: ما خير ما قدّمتم؟ قال: الاستغفار يا أهل الدنيا. قال: فما يمنعك أن تردّ السّلام؟ قال: يا أهل الدنيا، السّلام والحسنات قد رفعت عنّا، فلا في حسنة نزيد، ولا في سيئة ننقص؛ غلقت رهوننا، يا أهل الدنيا.
في «سنن أبي داود»، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «من تطهّر في بيته، ثم خرج إلى المسجد لأداء صلاة مكتوبة، فأجره مثل أجر الحاجّ المحرم. ومن خرج لصلاة الضحى، كان له مثل أجر المعتمر» (٣).
стр. 428
وفي حديث أنس: أنّ النبيّ ﷺ وصّى رجلا ببرّ أمّه، وقال له: «أنت حاجّ ومعتمر ومجاهد»، يعني إذا برّها.
وقال بعض الصحابة: الخروج إلى العيد يوم الفطر يعدل عمرة، ويوم الأضحى يعدل حجّة.
قال الحسن: مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجّة بعد حجّة.
وقال عقبة بن عبد الغافر: صلاة العشاء في جماعة تعدل حجّة، وصلاة الغداة في جماعة تعدل عمرة. وقال أبو هريرة لرجل: بكورك إلى المسجد أحبّ إليّ من غزوتنا مع رسول الله ﷺ . ذكره الإمام أحمد.
أداء الواجبات كلّها أفضل من التنفّل بالحجّ والعمرة وغيرهما؛ فإنّه ما تقرّب العباد إلى الله تعالى بأحبّ إليه من أداء ما افترض عليهم. وكثير من الناس يهون عليه التنفّل بالحجّ والصّدقة ولا يهون عليه أداء الواجبات من الديون وردّ المظالم، وكذلك يثقل على كثير من النّفوس التنزّه عن كسب الحرام والشبهات، ويسهل عليها إنفاق ذلك في الحجّ والصّدقة. قال بعض السّلف:
ترك دانق ممّا يكرهه الله أحبّ إليّ من خمسمائة حجّة.
كفّ الجوارح عن المحرّمات أفضل من التطوّع بالحجّ وغيره، وهو أشقّ على النفوس. قال الفضيل بن عياض: ما حجّ ولا رباط ولا جهاد أشدّ من حبس اللسان، ولو أصبحت يهمّك لسانك أصبحت في همّ شديد. ليس الاعتبار بأعمال البرّ بالجوارح، إنّما الاعتبار ببرّ القلوب وتقواها، وتطهيرها عن الآثام. سفر الدنيا يقطع بسير الأبدان، وسفر الآخرة يقطع بسير القلوب.
قال رجل لبعض العارفين: قد قطعت إليك مسافة، قال: ليس هذا الأمر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة وقد وصلت إلى مقصودك. سير القلوب
стр. 429
أبلغ من سير الأبدان. كم من واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن ربّ البيت، وكم من قاعد على فراشه في بيته وقلبه متّصل بالمحلّ الأعلى.
جسمي معي غير أنّ الرّوح عندكم … فالجسم في غربة والرّوح في وطن
قال بعض العارفين: عجبا لمن يقطع المفاوز والقفار؛ ليصل إلى البيت فيشاهد فيه آثار الأنبياء، كيف لا يقطع هواه ليصل إلى قلبه فيرى فيه أثر «ويسعني قلب عبدي المؤمن».
أيّها المؤمن، إنّ لله بين جنبيك بيتا لو طهّرته لأشرق ذلك البيت بنور ربّه وانشرح وانفسح. أنشد الشّبليّ:
إنّ بيتا أنت ساكنه … غير محتاج إلى السّرج
ومريضا أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج
وجهك المأمول حجّتنا … يوم يأتي النّاس بالحجج
تطهير القلب: تفريغه من كلّ ما يكرهه الله تعالى من أصنام النّفس والهوى، ومتى بقيت فيه من ذلك بقيّة، فالله أغنى الأغنياء عن الشّرك، وهو لا يرضى بمزاحمة الأصنام. قال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يدخله النّور وفيه شيء ممّا يكرهه الله.
أردناكم صرفا فلمّا مزجتم … بعدتم بمقدار التفاتكم عنّا
وقلنا لكم لا تسكنوا القلب غيرنا … فأسكنتم الأغيار ما أنتم منّا
إخواني، إن حبستم العام عن الحجّ فارجعوا إلى جهاد النّفوس، فهو الجهاد الأكبر، أو أحصرتم عن أداء النّسك فأريقوا على تخلّفكم من الدّموع ما تيسّر؛ فإنّ إراقة الدّماء لازمة للمحصر. ولا تحلقوا رءوس أديانكم بالذنوب؛ فإنّ الذنوب حالقة الدّين ليست حالقة الشعر. وقوموا لله باستشعار الرّجاء والخوف