ففي الترمذيّ، عن النبيّ ﷺ ، قال: «من صلّى الصّبح، ثمّ جلس في مصلاّه يذكر الله حتّى تطلع الشّمس، ثم صلى ركعتين، كان له مثل أجر حجة وعمرة تامّة. قال رسول الله ﷺ : تامّة، تامّة، تامّة» (١).
شهود الجمعة يعدل حجّة تطوّع؛ قال سعيد بن المسيب: هو أحبّ إليّ من حجّة نافلة. وقد جعل النّبيّ ﷺ المبكّر إليها كالمهدي هديا إلى بيت الله الحرام. وفي حديث ضعيف: «الجمعة حجّ المساكين» (٢).
وفي «تاريخ ابن عساكر»: عن الأوزاعي، قال: مرّ يونس بن ميسرة بن حلبس بمقابر «باب توما»، فقال: السّلام عليكم يا أهل القبور، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، فرحمنا الله وإياكم، وغفر لنا ولكم، فكأن قد صرنا إلى ما صرتم إليه. فردّ الله الرّوح إلى رجل منهم، فأجابه، فقال: طوبى لكم يا أهل الدنيا حين تحجّون في الشهر أربع مرار. قال: وإلى أين يرحمك الله؟ قال: إلى الجمعة، أما تعلمون أنّها حجّة مبرورة متقبّلة. قال: ما خير ما قدّمتم؟ قال: الاستغفار يا أهل الدنيا. قال: فما يمنعك أن تردّ السّلام؟ قال: يا أهل الدنيا، السّلام والحسنات قد رفعت عنّا، فلا في حسنة نزيد، ولا في سيئة ننقص؛ غلقت رهوننا، يا أهل الدنيا.
في «سنن أبي داود»، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «من تطهّر في بيته، ثم خرج إلى المسجد لأداء صلاة مكتوبة، فأجره مثل أجر الحاجّ المحرم. ومن خرج لصلاة الضحى، كان له مثل أجر المعتمر» (٣).
стр. 428
وفي حديث أنس: أنّ النبيّ ﷺ وصّى رجلا ببرّ أمّه، وقال له: «أنت حاجّ ومعتمر ومجاهد»، يعني إذا برّها.
وقال بعض الصحابة: الخروج إلى العيد يوم الفطر يعدل عمرة، ويوم الأضحى يعدل حجّة.
قال الحسن: مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجّة بعد حجّة.
وقال عقبة بن عبد الغافر: صلاة العشاء في جماعة تعدل حجّة، وصلاة الغداة في جماعة تعدل عمرة. وقال أبو هريرة لرجل: بكورك إلى المسجد أحبّ إليّ من غزوتنا مع رسول الله ﷺ . ذكره الإمام أحمد.
أداء الواجبات كلّها أفضل من التنفّل بالحجّ والعمرة وغيرهما؛ فإنّه ما تقرّب العباد إلى الله تعالى بأحبّ إليه من أداء ما افترض عليهم. وكثير من الناس يهون عليه التنفّل بالحجّ والصّدقة ولا يهون عليه أداء الواجبات من الديون وردّ المظالم، وكذلك يثقل على كثير من النّفوس التنزّه عن كسب الحرام والشبهات، ويسهل عليها إنفاق ذلك في الحجّ والصّدقة. قال بعض السّلف:
ترك دانق ممّا يكرهه الله أحبّ إليّ من خمسمائة حجّة.
كفّ الجوارح عن المحرّمات أفضل من التطوّع بالحجّ وغيره، وهو أشقّ على النفوس. قال الفضيل بن عياض: ما حجّ ولا رباط ولا جهاد أشدّ من حبس اللسان، ولو أصبحت يهمّك لسانك أصبحت في همّ شديد. ليس الاعتبار بأعمال البرّ بالجوارح، إنّما الاعتبار ببرّ القلوب وتقواها، وتطهيرها عن الآثام. سفر الدنيا يقطع بسير الأبدان، وسفر الآخرة يقطع بسير القلوب.
قال رجل لبعض العارفين: قد قطعت إليك مسافة، قال: ليس هذا الأمر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة وقد وصلت إلى مقصودك. سير القلوب
стр. 429
أبلغ من سير الأبدان. كم من واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن ربّ البيت، وكم من قاعد على فراشه في بيته وقلبه متّصل بالمحلّ الأعلى.
جسمي معي غير أنّ الرّوح عندكم … فالجسم في غربة والرّوح في وطن
قال بعض العارفين: عجبا لمن يقطع المفاوز والقفار؛ ليصل إلى البيت فيشاهد فيه آثار الأنبياء، كيف لا يقطع هواه ليصل إلى قلبه فيرى فيه أثر «ويسعني قلب عبدي المؤمن».
أيّها المؤمن، إنّ لله بين جنبيك بيتا لو طهّرته لأشرق ذلك البيت بنور ربّه وانشرح وانفسح. أنشد الشّبليّ:
إنّ بيتا أنت ساكنه … غير محتاج إلى السّرج
ومريضا أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج
وجهك المأمول حجّتنا … يوم يأتي النّاس بالحجج
تطهير القلب: تفريغه من كلّ ما يكرهه الله تعالى من أصنام النّفس والهوى، ومتى بقيت فيه من ذلك بقيّة، فالله أغنى الأغنياء عن الشّرك، وهو لا يرضى بمزاحمة الأصنام. قال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يدخله النّور وفيه شيء ممّا يكرهه الله.
أردناكم صرفا فلمّا مزجتم … بعدتم بمقدار التفاتكم عنّا
وقلنا لكم لا تسكنوا القلب غيرنا … فأسكنتم الأغيار ما أنتم منّا
إخواني، إن حبستم العام عن الحجّ فارجعوا إلى جهاد النّفوس، فهو الجهاد الأكبر، أو أحصرتم عن أداء النّسك فأريقوا على تخلّفكم من الدّموع ما تيسّر؛ فإنّ إراقة الدّماء لازمة للمحصر. ولا تحلقوا رءوس أديانكم بالذنوب؛ فإنّ الذنوب حالقة الدّين ليست حالقة الشعر. وقوموا لله باستشعار الرّجاء والخوف
стр. 430
مقام القيام بأرجاء الخيف والمشعر. ومن كان قد بعد عن حرم الله، فلا يبعد نفسه بالذنوب عن رحمة الله، فإنّ رحمة الله قريب ممّن تاب إليه واستغفر.
ومن عجز عن حجّ البيت أو (١) البيت منه بعيد، فليقصد ربّ البيت؛ فإنّه ممن دعاه ورجاه أقرب من حبل الوريد.
إليك قصدي ربّ البيت والحجر … فأنت سؤلي من حجّي ومن عمري
وفيك سعيي وتطوافي ومزدلفي … والهدي جسمي الذي يغني عن الجزر
ومسجد الخيف خوفي من تباعدكم … ومشعري ومقامي دونكم خطري
زادي رجائي لكم والشّوق راحلتي … والماء من عبراتي والهوى سفري
***
стр. 431
وظيفة شهر ذي القعدة
خرّج الإمام أحمد بإسناده عن رجل من باهلة، قال: «أتيت رسول الله ﷺ لحاجة مرّة، فقال: من أنت؟ قلت: أما تعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قلت: أنا الباهليّ الذي أتيتك عام أوّل. فقال: إنّك أتيتني وجسمك ولونك وهيئتك حسنة، فما بلغ بك ما أرى؟ قلت: والله ما أفطرت بعدك إلاّ ليلا. قال: من أمرك أن تعذّب نفسك؟ من أمرك أن تعذّب نفسك؟ ثلاث مرات، صم شهر الصّبر. قلت: إنّي أجد قوّة، وإنّي أحبّ أن تزيدني. قال: صم يوما من الشهر. قلت: إنّي أجد قوّة، وإنّي أحب أن تزيدني. قال: فيومين من الشهر.
قلت: إنّي أجد قوّة، وإني أحبّ أن تزيدني. قال: فثلاثة أيام من الشهر. قال:
وألحّ عند الرابعة فما كاد. فقلت: إنّي أجد قوّة وإني أحبّ أن تزيدني. قال:
فمن الحرم وأفطر» (١). وخرّجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بمعناه، وفي ألفاظهم زيادة ونقص. وفي بعض الروايات: «صم الحرم وأفطر».
في هذا الحديث دليل على أنّ من تكلّف من العبادة ما يشقّ عليه حتّى تأذّى بذلك جسده؛ فإنّه غير مأمور بذلك، ولذلك قال النبي ﷺ له: «من أمرك أن تعذّب نفسك؟»، وأعادها عليه ثلاث مرار. وهذا كما قال لمن رآه يمشي في الحجّ وقد أجهد نفسه: «إنّ الله لغنيّ عن تعذيب هذا نفسه، فمروه فليركب» (٢).
وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص حيث كان يصوم النّهار، ويقوم الليل،
стр. 432
ويختم القرآن في كلّ ليلة ولا ينام مع أهله، فأمره أن يصوم ويفطر، ويقرأ القرآن في كلّ سبع. وقال له: «إنّ لنفسك عليك حقّا، وإنّ لأهلك عليك حقّا، فآت كلّ ذي حقّ حقّه» (١).
ولمّا بلغه عن بعض أصحابه أنه قال: أنا أصوم ولا أفطر، وقال آخر منهم:
أنا أقوم ولا أنام، وقال آخر منهم: لا أتزوّج النّساء. فخطب، وقال: «ما بال رجال يقولون كذا وكذا، لكنّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللّحم، وأتزوّج النساء؛ فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» (٢).
وسبب هذا أنّ الله تعالى خلق ابن آدم محتاجا إلى ما يقوم به بدنه؛ من مأكل ومشرب ومنكح وملبس، وأباح له من ذلك كلّه ما هو طيّب حلال، تقوى به النفس ويصحّ به الجسد، ويتعاونان على طاعة الله ، وحرّم من ذلك ما هو ضارّ خبيث يوجب للنفس طغيانها وعماها وقسوتها وغفلتها وأشرها وبطرها، فمن أطاع نفسه في تناول ما تشتهيه ممّا حرّمه الله عليه، فقد تعدّى وطغى وظلم نفسه، ومن منعها حقّها من المباح حتى تضرّرت بذلك، فقد ظلمها ومنعها حقّها؛ فإن كان ذلك سببا لضعفها وعجزها عن أداء شيء من فرائض الله عليه، ومن حقوق الله أو حقوق عباده، كان بذلك عاصيا، وإن كان ذلك سببا للعجز عن نوافل هي أفضل ممّا فعله، كان بذاك مفرطا مغبونا خاسرا.
وقد كان رجل في زمن التابعين يصوم ويواصل حتى يعجز عن القيام؛ فكان يصلّي الفرض جالسا، فأنكروا ذلك عليه، حتى قال عمرو بن ميمون: لو أدرك
стр. 433
هذا أصحاب محمد ﷺ لرجموه. وكان ابن مسعود يقلّ الصّيام، ويقول: إنّه يضعفني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحبّ إليّ.
وأحرم رجل من الكوفة، فقدم مكّة وقد أصابه الجهد، فرآه عمر بن الخطاب وهو سيئ الهيئة، فأخذ عمر بيده وجعل يدور به الحلق، ويقول للناس: انظروا إلى ما يصنع هذا بنفسه وقد وسّع الله عليه!
فمن تكلّف من التطوّع ما يتضرّر به في جسمه، كما فعل هذا الباهليّ، أو منع به حقّا واجبا عليه، كما فعل عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره ممن عزم على ترك المباحات في عهد النبي ﷺ ؛ فإنّه ينهى عن ذلك. ومن احتمل بدنه ذلك ولم يمنعه من حقّ واجب عليه لم ينه عن ذلك إلاّ أن يمنعه عمّا هو أفضل من ذلك من النوافل؛ فإنّه يرشد إلى عمل الأفضل. وأحوال الناس تختلف فيما تحمّل أبدانهم من العمل.
كان سفيان الثوري يصوم ثلاثة أيام من الشهر فيرى أثر ذلك عليه، وكان غيره في زمنه يصوم الدّهر فلا يظهر عليه أثره. وكان كثير من المتقدّمين يحملون على أنفسهم من الأعمال ما يضرّ بأجسادهم ويحتسبون أجر ذلك عند الله، وهؤلاء قوم أهل صدق وجدّ واجتهاد فيحيّون على ذلك، ولكن لا يقتدى بهم، وإنّما يقتدى بسنّة رسول الله ﷺ ؛ فإنّ خير الهدي هديه، ومن أطاعه فقد اهتدى، ومن اقتدى به وسلك وراءه وصل إلى الله .
وقد كان النبي ﷺ ينهى عن التعسير ويأمر بالتيسير، ودينه الذي بعث به يسر. وكان يقول: «خير دينكم أيسره». ورأى رجلا يكثر الصّلاة، فقال:
«إنّكم أمّة أريد بكم اليسر». ولم يكن أكثر تطوّع النبي ﷺ وخواصّ أصحابه بكثرة الصّوم والصّلاة، بل ببرّ القلوب وطهارتها وسلامتها وقوّة
стр. 434
تعلّقها بالله، خشية له ومحبّة، وإجلالا وتعظيما، ورغبة فيما عنده، وزهدا فيما يفنى.
وفي «المسند» عن عائشة ﵂: أنّ النبي ﷺ ، قال: «إنّي أعلمكم بالله وأتقاكم له قلبا» (١).
قال ابن مسعود ﵁ لأصحابه: أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمّد ﷺ ، وهم كانوا خيرا منكم. قالوا: ولم؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدّنيا وأرغب في الآخرة. وقال بكر المزنيّ: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره. قال بعض العلماء المتقدّمين: الذي وقر في صدره هو حبّ الله والنصيحة لخلقه. وسئلت فاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر بن عبد العزيز بعد وفاته عن عمله، فقالت: والله، ما كان بأكثر الناس صلاة ولا بأكثرهم صياما، ولكن والله، ما رأيت أحدا أخوف لله من عمر، لقد كان يذكر الله في فراشه فينتفض انتفاض العصفور من شدّة الخوف، حتى نقول: ليصبحنّ الناس ولا خليفة لهم.
قال بعض السلف: ما بلغ من بلغ عندنا بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بسخاوة النفوس، وسلامة الصّدور، والنّصح للأمّة. وزاد بعضهم: واحتقار أنفسهم. وذكر لبعضهم شدّة اجتهاد بني إسرائيل في العبادة، فقال: إنّما يريد الله منكم صدق النّيّة فيما عنده. فمن كان بالله أعرف، وله أخوف، وفيما عنده أرغب؛ فهو أفضل ممّن دونه في ذلك، وإن كثر صومه وصلاته.
قال أبو الدّرداء ﵁: يا حبّذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف يسبق سهر الجاهلين وصيامهم. ولهذا المعنى كان فضل العلم النافع الدّالّ على معرفة الله
стр. 435
وخشيته ومحبّته ومحبّه ما يحبّه وكراهة ما يكرهه، لا سيما عند غلبة الجهل، والتعبّد به، أفضل من التطوّع بأعمال الجوارح.
قال ابن مسعود ﵁: أنتم في زمان العمل فيه أفضل من العلم، وسيأتي زمان العلم فيه أفضل من العمل. وقال مطرّف: فضل العلم أحبّ إليّ من فضل العبادة؛ وخير دينكم الورع.
وخرّجه الحاكم وغيره مرفوعا (١). ونصّ كثير من الأئمة على أنّ طلب العلم أفضل من صلاة النّافلة، وكذلك الاشتغال بتطهير القلوب أفضل من الاستكثار من الصّوم والصّلاة مع غشّ القلوب ودغلها. ومثل من يستكثر من الصّوم والصّلاة مع دغل القلب وغشّه، كمثل من بذر بذرا في أرض دغلة كثيرة الشّوك، فلا يزكو ما ينبت فيها من الزرع بل يمحقه دغل الأرض ويفسده، فإذا نظّفت الأرض من دغلها زكا ما ينبت فيها ونما.
قال يحيى بن معاذ: كم من مستغفر ممقوت وساكت مرحوم؛ هذا استغفر وقلبه فاجر، وهذا سكت وقلبه ذاكر. وقال غيره: ليس الشأن فيمن يقوم الليل، إنّما الشأن فيمن ينام على فراشه ثم يصبح وقد سبق الركب. من سار على طريق الرسول ﷺ ومنهاجه وإن اقتصد، فإنّه يسبق من سار على غير طريقه وإن اجتهد.
من لي بمثل سيرك المذلّل … تمشي رويدا وتجي في الأوّل
والمقصود أنّ هذا الباهليّ لمّا رآه النبيّ ﷺ وقد أنهكه الصّوم وغيّر هيئته، وأضرّ
стр. 436
به في جسده، أمره أوّلا أن يقتصر على صيام شهر الصّبر، وهو شهر رمضان؛ فإنّه الشهر الذي افترض الله صيامه على المسلمين، واكتفى منهم بصيامه من السّنة كلّها؛ وصيامه كفّارة لما بين الرّمضانين إذا اجتنبت الكبائر. فطلب منه الباهليّ أن يزيده من الصّيام ويأمره بالتطوّع، وأخبره أنّه يجد قوّة على الصّيام، فقال له: «صم يوما من الشهر»، فاستزاده، وقال: إنّي أجد قوّة، فقال: «صم يومين من الشهر»، فاستزاده، وقال: إني أجد قوّة، فقال: «صم ثلاثة أيّام من الشهر».
قال: وألحّ عند الثالثة، فما كاد، يعني ما كاد يزيده على الثلاثة أيّام من الشهر.
وهكذا قال لعبد الله بن عمرو بن العاص أيضا؛ ففي «صحيح مسلم» عنه «أنّ النبي ﷺ قال له: صم يوما - يعني من الشهر - ولك أجر ما بقي، قال:
إنّي أطيق أكثر من ذلك، قال: صم يومين ولك أجر ما بقي، قال: إنّي أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقي» (١).
ففي هذا أنّ صيام ثلاثة أيام من الشهر يحصل به أجر صيام الشهر كلّه، وكذلك صيام يومين منه. ووجه ذلك أنّ الصّيام يضاعف ما لا يضاعف غيره من الأعمال، وقد سبق ذكر ذلك عند الكلام على حديث «كلّ عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله : إلاّ الصّيام فإنّه لي وأنا أجزي به».
فالصّيام لا يعلم منتهى مضاعفته إلاّ الله . وكلّما قوي الإخلاص فيه وإخفاؤه وتنزيهه من المحرّمات والمكروهات كثرت مضاعفته، فلا يستنكر أن يصوم الرجل يوما من الشهر فيضاعف له بثواب ثلاثين يوما، فيكتب له صيام الشهر كلّه وكذلك إذا صام يومين من الشهر. وأمّا إذا صام منه ثلاثة أيام فهو ظاهر؛ لأنّ الحسنة بعشر أمثالها.
стр. 437
وخرّج الترمذي والنسائي عن أبي ذرّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام من كل شهر ثلاثة أيام كان كمن صام الدهر، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، اليوم بعشرة أيام» (١).
وفي «الصحيحين» عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
«صم من الشّهر ثلاثة أيّام؛ فإنّ الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدّهر». وفي رواية فيهما أيضا: «إنّ بحسبك أن تصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام؛ فإنّ لك بكلّ حسنة عشر أمثالها، فإذن ذلك صيام الدّهر كلّه» (٢).
وفي «المسند» عن قرّة المزني، عن النبي ﷺ ، قال: «صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر صيام الدّهر وإفطاره» (٣). يعني صيامه في مضاعفة الله، وإفطاره في رخصة الله، كما كان أبو هريرة وأبو ذرّ ﵄ يقولان ذلك، وكانا يصومان ثلاثة أيام من كلّ شهر، ويقولان في سائر أيام الشهر: نحن صيام، ويتأوّلان أنّهما صيام في مضاعفة الله، وهما مفطران في رخصة الله. وقد وصّى النبي ﷺ جماعة من أصحابه بصيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ منهم أبو هريرة وأبو الدّرداء وأبو ذرّ وغيرهم.
وفي «المسند» أنّ النبي ﷺ قال في صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر: «هو صوم حسن» (٤). وفيه أيضا عن أبي ذرّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 438
«صوم شهر الصّبر وثلاثة أيام من كلّ شهر صوم الدّهر، ويذهب مغلة الصّدر.
قلت: وما مغلة الصدر؟ قال: رجس الشيطان» (١). وفيه أيضا: عن رجل، عن النبي ﷺ ، قال: «صيام شهر الصّبر وثلاثة أيام من كلّ شهر يذهبن كثيرا من وحر الصّدر» (٢). وفي غير هذه الرواية: «وغر الصّدر»، وهما بمعنى واحد، يقال: وحر صدره ووغر، إذا كان فيه غلّ وغشّ. وقيل: الوحر:
الغلّ، والوغر: الغيظ.
وقد كان النبي ﷺ يتحرّى صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وكذلك كان إبراهيم ﵇. كما خرّجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا، قال: «صيام إبراهيم ثلاثة أيام من كلّ شهر، صام الدّهر وأفطر الدّهر».
وفي «السنن» عن حفصة ﵂: «أنّ النبي ﷺ كان يصوم العشر وعاشوراء وثلاثة أيّام من كلّ شهر» وفي إسناده اختلاف (٣).
وفي «صحيح مسلم» عن عائشة ﵂ «أنّ النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر. قيل لها: من أيّه كان يصوم؟ قالت: كان لا يبالي من أيّه صام» (٤) ففي هذا الحديث أنّه ﷺ لم يكن يبالي من أيّ الشهر صام الأيام الثلاثة.
стр. 439
وقد روي في صفة صيام النبي ﷺ للأيام الثلاثة من الشهر أنواع أخر:
أحدها: ما خرّجه الترمذي من حديث عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والإثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس (١). وقال: حديث حسن. وذكر أنّ بعضهم رواه موقوفا، يعني من فعل عائشة ﵂، غير مرفوع.
الثاني: ما خرّجه أبو داود وغيره من حديث حفصة «أنّ النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر؛ الإثنين والخميس، والإثنين من الجمعة الأخرى» (٢).
فعلى هذه الرواية كان النبي ﷺ يجعلها من أوّل الشهر ولا يوالي بينها، بل كان يتحرّى بها يوم الإثنين مرتين والخميس مرة.
الثالث: عكس الثاني؛ خرّجه النسائي من حديث حفصة أيضا أن النبي ﷺ «كان يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام؛ أوّل إثنين من الشهر، ثم الخميس، ثم الخميس الذي يليه» (٣).
وفي رواية له أيضا: أو إثنين من الشهر، وخميسين (٤). وخرّج أبو داود من حديث أم سلمة عن النبي ﷺ معنى ذلك (٥). وفي رواية في المسند «الإثنين
стр. 440
والجمعة والخميس»؛ وكأنها غير محفوظة، فإن كانت محفوظة فهي نوع رابع.
والنوع الخامس: ما خرّجه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث ابن مسعود ﵁ أنّ النبي ﷺ كان يصوم من غرّة كلّ شهر ثلاثة أيام (١)، وحسّنه الترمذي، وذكر أنّ بعضهم لم يرفعه، يعني أنه وقفه على ابن مسعود، وظاهر هذا أنّه كان يوالي بين الأيام الثلاثة من أوّل كلّ شهر.
والنوع السادس: أنه كان يصوم أيّام البيض، فخرّج النسائي عن ابن عباس ﵄، «أن النبي ﷺ كان لا يدع صيام أيام البيض في حضر ولا سفر» (٢).
وخرّج الترمذيّ والنسائي عن أبي ذرّ ﵁ أنّ النبي ﷺ أمره بصيام أيام البيض؛ ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة (٣). وفي السّنن الأربعة خلا الترمذي، عن قتادة بن ملحان، عن النبي ﷺ نحوه (٤). وخرّج النسائي من حديث جرير البجلي عن النبي ﷺ نحوه أيضا (٥).
وقد روي عن الحسن أنّه كان يصوم خمسة أيام من أولّ الشهر، ويقول:
ما يدريني لعلي لا أدرك البيض. وفي كتاب «مناقب الحسن» لأبي حيان التوحيدي أنّ رجلا سأل الحسن: لأيّ شيء استحبّ صيام أيّام البيض؟ فلم
стр. 441
يدر ما يقول. فقال أعرابي عنده: لأنّ القمر ينكسف في لياليهنّ، فيكون الناس عند حدوث الآيات على عبادة. فقال الحسن: خذوها من غير فقيه. وفي حديث الباهلي أنّه قال للنبي ﷺ بعد ذلك: إنّي أجد قوّة وإني أحبّ أن تزيدني، فقال له: «فمن الحرم وأفطر». وفي رواية: «صم الحرم وأفطر».
وفي رواية، قال: «صم الأشهر الحرم» (١).
فهذا دليل على فضل صيام الأشهر الحرم الأربعة التي ذكرها الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التّوبة: ٣٦]، وقد فسّرها النبي ﷺ في حديث أبي بكرة بأنّها ثلاثة متواليات؛ ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ وشهر رجب. وقد ذكرناه في وظيفة شهر رجب، وذكرنا عن ابن عباس ﵄ أنّ العمل الصالح والأجر في هذه الحرم أعظم. وذكرنا في وظائف المحرّم قول النبي ﷺ : «أفضل الصّيام بعد رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرّم». وسيأتي في وظائف ذي الحجة ذكر فضل صيام عشر ذي الحجة إن شاء الله تعالى.
وقد كان كثير من السّلف يصوم الأشهر الحرم كلّها؛ روي ذلك عن ابن عمر (٢) والحسن البصريّ وأبي إسحاق السّبيعيّ.
وقال سفيان الثوري: الأشهر الحرم أحبّ إليّ أن أصوم منها. وروى خلاّد الصّفّار عن أبي مسلم، قال: صيام يوم من أشهر الحجّ - أو قال: أشهر الحرم - يعدل شهرا، وصيام يوم من غير الأشهر الحرم يعدل عشرا. وروي عن النّخعي نحوه، لكنه قال: من المحرّم، فيحتمل أنه أراد جنس الأشهر المحرّمة. وروي معناه مرفوعا من حديث أنس، وإسناده ضعيف جدّا.
стр. 442
ويروى بإسناد مجهول عن أنس مرفوعا: «من صام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت، كتب الله له عبادة تسعمائة سنة» (١). وقال كعب:
اختار الله الزمان؛ فأحبّه إليه الأشهر الحرم. ويروى من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا ولا يصحّ (٢).
وعن قيس بن عباد أنّه قال: ليس في الأشهر الحرم شهر إلاّ في اليوم العاشر منه خير، قال: ففي ذي الحجّة في العاشر النّحر يوم الحجّ الأكبر، وفي المحرّم العاشر عاشوراء، وفي العاشر من رجب ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرّعد: ٣٩] قال الراوي: ونسيت ما قال في ذي القعدة.
وقد تقدّم في ذكر وظيفة رجب أنّه روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّه ذكر من عجائب الدنيا بأرض عاد عمود من نحاس، عليه شجرة من نحاس؛ فإذا كان في الأشهر الحرم قطر منها الماء، فملئوا منه حياضهم، وسقوا مواشيهم وزروعهم، فإذا ذهبت الأشهر الحرم انقطع الماء.
وذو القعدة من الأشهر الحرم بغير خلاف، وهو أوّل الأشهر الحرم المتوالية. وهل هو أول الحرم مطلقا أم لا؟ فيه اختلاف ذكرناه في وظيفة رجب. وهو أيضا من أشهر الحجّ التي قال الله تعالى فيها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقيل: إنّ تحريم ذي القعدة كان في الجاهلية لأجل السير إلى الحج، وسمّي ذا القعدة لقعودهم فيه عن القتال؛ وتحريم المحرّم لرجوع النّاس فيه من الحجّ
стр. 443
إلى بلادهم؛ وتحريم ذي الحجة لوقوع حجّهم فيه؛ وتحريم رجب كان للاعتمار فيه من البلاد القريبة.
ومن خصائص ذي القعدة: أنّ عمر النبيّ ﷺ كلّها كانت في ذي القعدة، سوى عمرته التي قرنها بحجّته، مع أنّه ﷺ أحرم بها أيضا في ذي القعدة، وفعلها في ذي الحجّة مع حجّته. وكانت عمره ﷺ أربعا: عمرة الحديبية ولم يتمّها، بل تحلّل منها ورجع. وعمرة القضاء من قابل. وعمرة الجعرّانة عام الفتح، لمّا قسم غنائم حنين؛ وقيل: إنها كانت في آخر شوال، والمشهور أنها كانت في ذي القعدة، وعليه الجمهور. وعمرته في حجّة الوداع، كما دلّت عليه النصوص الصحيحة، وعليه جمهور العلماء أيضا.
وقد روي عن طائفة من السّلف؛ منهم ابن عمر وعائشة وعطاء تفضيل عمرة ذي القعدة وشوّال على عمرة رمضان؛ لأنّ النبي ﷺ اعتمر في ذي القعدة، وفي أشهر الحجّ حيث يجب عليه الهدي إذا حجّ من عامه؛ لأنّ الهدي زيادة نسك، فيجتمع نسك العمرة مع نسك الهدي.
ولذي القعدة فضيلة أخرى، وهي أنّه قد قيل: إنّه الثلاثون يوما الذي واعد الله فيه موسى ﵇، قال ليث عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، قال: ذو القعدة ﴿وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] قال: عشر ذي الحجة.
يا من لا يقلع عن ارتكاب الحرام؛ لا في شهر حلال ولا في شهر حرام.
يا من هو في الطّاعات إلى وراء، وفي المعاصي إلى قدّام. يا من هو في كلّ يوم من عمره شرّ ممّا كان قبله من الأيام، متى تستفيق من هذا المنام؟! متى تتوب من هذا الإجرام؟! يا من أنذره الشيب بالموت وهو مقيم على الآثام، أما
стр. 444
كفاك واعظ الشّيب مع واعظ القرآن والإسلام؟ الموت خير لك من الحياة على هذه الحال، والسّلام.
يا غاديا في غفلة ورائحا … إلى متى تستحسن القبائحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفا … يستنطق الله به الجوارحا
وا عجبا منك وأنت مبصر … كيف تجنّبت الطّريق الواضحا
وكيف ترضى أن تكون خاسرا … يوم يفوز من يكون رابحا
***
стр. 445
وظائف شهر ذي الحجّة
ويشتمل على مجالس:
المجلس الأوّل في فضل عشر ذي الحجّة
خرّج البخاري من حديث ابن عبّاس ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: «ما من أيّام العمل الصّالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام - يعني أيّام العشر - قالوا:
يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلاّ رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء» (١).
الكلام في فضل عشر ذي الحجّة في فصلين: في فضل العمل فيه، وعليه دلّ هذا الحديث، وفي فضله في نفسه.
الفصل الأول في فضل العمل فيه
وقد دلّ هذا الحديث على أنّ العمل في أيّامه أحبّ إلى الله من العمل في أيّام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحبّ إلى الله فهو أفضل عنده.
وقد ورد هذا الحديث بلفظ: «ما من أيام العمل فيها أفضل من أيام العشر».
وروي بالشك في لفظه «أحبّ» أو «أفضل».
стр. 446
وإذا كان العمل في أيّام العشر أفضل وأحبّ إلى الله من العمل في غيره من أيّام السّنة كلّها، صار العمل فيه - وإن كان مفضولا - أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا؛ ولهذا قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد»، ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد؛ فإنّه ﷺ سئل: أيّ الجهاد أفضل؟ قال: «من عقر جواده وأهريق دمه» (١)، وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله.
سمع النبي ﷺ رجلا يدعو، يقول: اللهم، أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين. فقال له: «إذن يعقر جوادك وتستشهد» (٢). فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر.
وأمّا بقية أنواع الجهاد فإنّ العمل في عشر ذي الحجّة أفضل وأحبّ إلى الله منها، وكذلك سائر الأعمال، وهذا يدلّ على أنّ العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره. وقد روي في حديث ابن عبّاس ﵄ هذا زيادة: «والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة» وفي إسنادها ضعف.
وقد ورد في قدر المضاعفة روايات متعدّدة مختلفة، فخرّج الترمذي وابن ماجه من رواية النّهّاس بن قهم، عن قتادة، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما من أيّام أحبّ إلى الله أن يتعبّد له فيها من عشر ذي الحجّة، يعدل صيام كلّ يوم منها [بصيام سنة] (٣)، وقيام كلّ ليلة
стр. 447
منها بقيام ليلة القدر» (١). والنّهّاس بن قهم ضعفوه. وذكر الترمذي عن البخاري أنّ الحديث يروى عن قتادة عن سعيد مرسلا.
وروى ثوير بن أبي فاختة - وفيه ضعف - عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄، قال: «ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ليس العشر؛ فإنّ العمل فيها يعدل عمل سنة». وروى أبو عمرو النيسابوري في «كتاب الحكايات» بإسناده، عن حميد، قال: سمعت ابن سيرين وقتادة يقولان: صوم كلّ يوم من العشر يعدل سنة. وقد روي في المضاعفة أكثر من ذلك؛ فروى هارون بن موسى النّحوي، قال: سمعت الحسن يحدّث عن أنس بن مالك، قال: كان يقال في أيّام العشر: بكلّ يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف. قال الحاكم:
هذا من المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله ﷺ .
وروي في المضاعفة أقلّ من سنة، قال حميد بن زنجويه، حدثنا يحيى بن عبد الله الحرّاني، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعد: أنّ رسول الله ﷺ قال: «صيام كلّ يوم من أيّام العشر كصيام شهر» (٢). وهذا مرسل ضعيف الإسناد. وروى عبد الرزّاق في كتابه عن جعفر، عن هشام، عن الحسن، قال: صيام يوم من العشر يعدل شهرين (٣). وقال عبد الكريم عن مجاهد: العمل في العشر يضاعف.
وفي المضاعفة أحاديث أخر مرفوعة، لكنها موضوعة، فلذلك أعرضنا عنها وعمّا أشبهها من الموضوعات في فضائل العشر، وهي كثيرة. وقد دلّ حديث
стр. 448
ابن عبّاس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها.
وقد روي في خصوص صيام أيّامه وقيام لياليه وكثرة الذّكر فيه، ما يذكر مما يحسن ذكره دون ما لا يحسن؛ لعدم صحّته. وقد سبق حديث أبي هريرة في ذلك، ومرسل راشد بن سعد، وما روي عن الحسن، وابن سيرين، وقتادة في صومه.
وفي «المسند» و «السّنن» عن حفصة أنّ النبي ﷺ : «كان لا يدع صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كلّ شهر» (١)؛ وفي إسناده اختلاف.
وروي عن بعض أزواج النبي ﷺ «أنّ النبي ﷺ كان لا يدع صيام تسع ذي الحجّة» (٢).
وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر ﵄. وقد تقدّم عن الحسن وابن سيرين وقتادة ذكر فضل صيامه، وهو قول أكثر العلماء، أو كثير منهم.
وفي «صحيح مسلم» عن عائشة ﵂، قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائما العشر قطّ». وفي رواية: «في العشر قطّ» (٣).
وقد اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث؛ فأجاب مرّة بأنّه قد روي خلافه، وذكر حديث حفصة، وأشار إلى أنه اختلف في إسناد حديث عائشة؛
стр. 449
فأسنده الأعمش، ورواه منصور عن إبراهيم مرسلا، وكذلك أجاب غيره من العلماء بأنّه إذا اختلفت عائشة وحفصة في النفي والإثبات أخذ بقول المثبت؛ لأنّ معه علما خفي على النّافي.
وأجاب أحمد مرّة أخرى بأنّ عائشة أرادت أنّه لم يصم العشر كاملا، يعني وحفصة أرادت أنّه كان يصوم غالبه؛ فينبغي أن يصام بعضه ويفطر بعضه.
وهذا الجمع يصحّ في رواية من روى: «ما رأيته صائما العشر». وأمّا من روى: «ما رأيته صائما في العشر» فيبعد أو يتعذّر هذا الجمع فيه.
وكان ابن سيرين يكره أن يقال: صام العشر؛ لأنه يوهم دخول يوم النّحر فيه، وإنما يقال: صام التّسع، ولكن الصّيام إذا أضيف إلى العشر فالمراد صيام ما يجوز صومه منه. وقد سبق حديث أنّ النبي ﷺ كان يصوم العشر. ولو نذر صيام العشر، فينبغي أن ينصرف إلى التسع أيضا، فلا يلزم بفطر يوم النّحر قضاء ولا كفّارة؛ فإنّه غلب استعماله عرفا في التسع.
ويحتمل أن يخرّج في لزوم القضاء والكفّارة خلاف؛ فإنّ أحمد قال فيمن نذر صوم شوّال فأفطر يوم الفطر وصام باقيه، أنّه يلزمه قضاء يوم وكفّارة.
وقال القاضي أبو يعلى: هذا إذا نوى صوم جميعه، فأمّا إن أطلق لم يلزمه شيء؛ لأنّ يوم الفطر مستثنى شرعا. وهذه قاعدة من قواعد الفقه، وهي أنّ العموم هل يخصّ بالشرع أم لا؟ ففي المسألة خلاف مشهور.
وأمّا قيام ليالي العشر؛ فمستحبّ، وقد سبق الحديث في ذلك، وقد ورد في خصوص إحياء ليلتي العيدين أحاديث لا تصحّ، وورد إجابة الدّعاء فيهما، واستحبّه الشافعيّ وغيره من العلماء. وكان سعيد بن جبير، وهو الذي روى هذا الحديث عن ابن عبّاس ﵄، إذا دخل العشر اجتهد اجتهادا حتّى ما يكاد يقدر عليه. وروي عنه أنّه قال: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر؛ تعجبه العبادة.
стр. 450
وأمّا استحباب الإكثار من الذكر فيها؛ فقد دلّ عليه قول الله :
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ [الحجّ: ٢٨]، فإنّ الأيام المعلومات هي أيام العشر عند جمهور العلماء. وسيأتي ذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وفي «مسند الإمام أحمد» عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: «ما من أيام أعظم [عند الله] ولا أحبّ إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التّهليل والتكبير والتحميد» (١).
فإن قيل: فإذا كان العمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها، وإن كان ذلك العمل أفضل في نفسه ممّا عمل في العشر؛ لفضيلة العشر في نفسه، فيصير العمل المفضول فيه فاضلا حتى يفضل على الجهاد الذي هو أفضل الأعمال، كما دلّت على ذلك النّصوص الكثيرة، وهو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء، فينبغي أن يكون الحجّ أفضل من الجهاد؛ لأنّ الحجّ مخصوص بالعشر، وهو من أفضل ما عمل في العشر، أو أفضل ما عمل فيه. فكيف كان الجهاد أفضل من الحج؟ فإنه ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ «أنّ رجلا قال: يا رسول الله، أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قال:
ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حجّ مبرور» (٢).
قيل: التطوّع بالجهاد أفضل من التطوّع بالحجّ عند جمهور العلماء، وقد نصّ عليه الإمام أحمد، وهو مروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وروي فيه أحاديث مرفوعة، في أسانيدها مقال. وحديث أبي هريرة هذا صريح في ذلك.
стр. 451
ويمكن الجمع بينه وبين حديث ابن عبّاس بوجهين:
أحدهما: أنّ حديث ابن عبّاس قد صرّح فيه بأنّ جهاد من لا يرجع من نفسه وماله بشيء يفضل على العمل في العشر، فيمكن أن يقال: الحجّ أفضل من الجهاد، إلاّ جهاد من لم يرجع من نفسه وماله بشيء، ويكون هو المراد من حديث أبي هريرة، ويجتمع حينئذ الحديثان.
والثاني - وهو الأظهر -: أنّ العمل المفضول قد يقترن به ما يصير أفضل من الفاضل في نفسه، كما تقدّم. وحينئذ فقد يقترن بالحجّ ما يصير به أفضل من الجهاد، وقد يتجرّد عن ذلك، فيكون الجهاد حينئذ أفضل منه، فإن كان الحجّ مفروضا فهو أفضل من التطوّع بالجهاد؛ فإنّ فروض الأعيان أفضل من فروض الكفايات عند جمهور العلماء. وقد روي هذا في الحجّ والجهاد بخصوصهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وروي مرفوعا من وجوه متعدّدة، في أسانيدها لين. وقد دلّ على ذلك ما حكاه النبي ﷺ عن ربّه ، أنّه قال: «ما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه» (١).
وإن كان الحاج ليس من أهل الجهاد فحجّه أفضل من جهاده، كالمرأة.
وفي «صحيح البخاري» عن عائشة ﵂ أنّها قالت: «يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: أفضل الجهاد حجّ مبرور (٢). وفي رواية له: «جهادكنّ الحجّ». وفي رواية له أيضا: «نعم الجهاد الحجّ».
وكذلك إذا استغرق العشر كلّه عمل الحجّ وأتي به على أكمل وجوه البرّ من أداء الواجبات واجتناب المحرّمات، وانضمّ إلى ذلك الإحسان إلى الناس ببذل
стр. 452
السّلام وإطعام الطعام، وضمّ إليه كثرة ذكر الله ، والعجّ والثّجّ، وهو رفع الصّوت بالتلبية وسوق الهدي؛ فإنّ هذا الحجّ على هذا الوجه قد يفضل على الجهاد.
وإن وقع عمل الحجّ في جزء يسير من العشر ولم يؤت به على الوجه المبرور، فالجهاد أفضل منه.
وقد روي عن عمر وابن عمر وأبي موسى الأشعري ومجاهد ما يدلّ على تفضيل الحجّ على الجهاد وسائر الأعمال، وينبغي حمله على الحجّ المبرور الذي كمل برّه واستوعب فعله أيّام العشر، والله أعلم.
فإن قيل: قوله ﷺ : «ما من أيام العمل الصّالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام». هل يقتضي تفضيل كلّ عمل صالح وقع في شيء من أيام العشر على جميع ما يقع في غيرها، وإن طالت مدته أم لا؟
قيل: الظاهر - والله أعلم - أنّ المراد أنّ العمل في هذه الأيام العشر أفضل من العمل في أيام عشر غيرها، فكلّ عمل صالح يقع في هذا العشر فهو أفضل من عمل في عشرة أيام سواها، من أيّ شهر كان، فيكون تفضيلا للعمل في كلّ يوم منه على العمل في كلّ يوم من أيّام السّنة غيره.
وقد قيل: إنّما يفضل العمل فيها على الجهاد إذا كان العمل فيها مستغرقا لأيام العشر، فيفضل على جهاد في عدد تلك الأيّام من غير العشر. وإن كان العمل مستغرقا لبعض أيّام العشر، فهو أفضل من جهاد في نظير ذلك الزمان من غير العشر.
واستدلّ على ذلك بأنّ النبيّ ﷺ جعل العمل الدّائم الذي لا يفتر من صيام وصلاة معادلا للجهاد في أيّ وقت كان، فإذا وقع ذلك العمل الدّائم في العشر، كان أفضل من الجهاد في مثل أيامه؛ لفضل العشر وشرفه؛ ففي
стр. 453
«الصحيحين» عن أبي هريرة، قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال:
دلّني على عمل يعدل الجهاد. قال: لا أجده. قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟» (١). ولفظه للبخاري، ولمسلم معناه، وزاد: ثم قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصّائم القائم القانت بآيات الله، الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله». وللبخاري: «مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم». وللنسائي: «كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع السّاجد» (٢).
ويدلّ على أنّ المراد تفضيله على جهاد في مثل أيّامه خاصّة ما في صحيح ابن حبّان، عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: «ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة. فقال رجل: يا رسول الله، هو أفضل أم عدّتهن جهادا في سبيل الله؟ قال: هو أفضل من عدتهنّ جهادا في سبيل الله» (٣). فلم يفضّل العمل في العشر إلاّ على الجهاد في عدّة أيام العشر لا مطلقا.
وأمّا ما تقدّم من أنّ كلّ يوم منه يعدل سنة أو شهرين أو ألف يوم، فكلّها من أحاديث الفضائل، ليست بقوية.
ثم إنّ أكثر ما ورد ذلك في صيامها، والصيام له خصوصيّة في المضاعفة، فإنّه لله، والله يجزي به. وإن قيل: إنه لا يختص بالصّوم، بل يعمّ سائر الأعمال، فإنّما يدلّ على تفضيل كلّ عمل في العشر على مثل ذلك العمل في غيره سنة، فلا يدخل فيه إلاّ تفضيل من جاهد في العشر على ما جاهد في غيره سنة.
стр. 454
وإذا قيل: يلزم من تفضيل العمل في هذا العشر على كلّ عشر غيره أن يكون صيام هذا العشر أفضل من صوم عشر رمضان، وقيام لياليه أفضل من قيام لياليه.
قيل: أمّا صيام رمضان فأفضل من صيامه بلا شكّ؛ فإنّ صوم الفرض أفضل من النّفل بلا تردّد، وحينئذ فيكون المراد أنّ ما فعل في العشر من فرض فهو أفضل ممّا فعل في عشر غيره من فرض، فقد تضاعف صلواته المكتوبة على صلوات عشر رمضان، وما فعل فيه من نفل فهو أفضل ممّا فعل في غيره من نفل.
وقد اختلف عمر وعلي ﵄ في قضاء رمضان في عشر ذي الحجّة، فكان عمر يستحبه لفضل أيامه، فيكون قضاء رمضان فيه أفضل من غيره، وهذا يدلّ على مضاعفة الفرض فيه على النّفل. وكان عليّ ينهى عنه. وعن أحمد في ذلك روايتان. وقد علّل قول عليّ بأنّ القضاء فيه يفوت به فضل صيامه تطوّعا، وبهذا علّله الإمام أحمد وغيره.
وقد قيل: إنه يحصل به فضيلة صيام التطوّع أيضا، وهذا على قول من يقول: إن نذر صيام شهر، فصام رمضان، أجزأه عن نذره فيه، وفرضه متوجّه، وقد علّل بغير ذلك.
وأمّا قيام لياليه وتفضيل قيامه على قيام عشر رمضان، فيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
***
الفصل الثاني في فضل عشر ذي الحجّة على غيره من أعشار الشهور
قد سبق حديث ابن عمر المرفوع: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحبّ إليه العمل فيهنّ من هذه الأيام العشر». وفي «صحيح ابن حبان» عن جابر عن
стр. 455
النبي ﷺ ، قال: «ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجّة»، وقد تقدّم. ورويناه من وجه آخر بزيادة، وهي: «ولا ليالي أفضل من لياليهنّ».
قيل: يا رسول الله، هنّ أفضل من عدتهنّ جهادا في سبيل الله؟ قال: «هنّ أفضل من عدتهنّ جهادا في سبيل الله، إلاّ من عفّر وجهه تعفيرا. وما من يوم أفضل من يوم عرفة». خرّجه الحافظ أبو موسى المديني من جهة أبي نعيم الحافظ بالإسناد الذي خرّجه به ابن حبان.
وخرّج البزار وغيره من حديث جابر أيضا عن النبي ﷺ ، قال: «أفضل أيام الدّنيا أيام العشر. قالوا: يا رسول الله، ولا مثلهنّ في سبيل الله؟ قال:
ولا مثلهنّ في سبيل الله، إلاّ من عفّر وجهه بالتراب» (١). وروي مرسلا، وقيل: إنه أصحّ. وقد سبق ما روي عن ابن عمر، قال: ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة، ليس العشر. وهو يدلّ على أنّ أيامّ العشر أفضل من يوم الجمعة الذي هو أفضل الأيام.
وقال سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن كعب، قال: اختار الله الزّمان، فأحبّ الزّمان إلى الله الشهر الحرام، وأحبّ الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجّة، وأحبّ ذي الحجّة إلى الله العشر الأول. ورواه بعضهم عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، ورفعه؛ ولا يصحّ ذلك.
وقال مسروق في قوله تعالى ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢]: هي أفضل أيّام السنة (٢). خرّجه عبد الرزاق وغيره. وأيضا فأيّام هذا العشر يشتمل على يوم عرفة. وقد روي أنّه أفضل أيّام الدنيا، كما في حديث جابر الذي ذكرناه، وفيه: «يوم النّحر». وفي حديث عبد الله بن قرط، عن النبي ﷺ ، أنه قال:
стр. 456
«أعظم الأيّام عند الله يوم النّحر، ثم يوم القرّ» (١). خرّجه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما. وهذا كلّه يدلّ على أنّ عشر ذي الحجّة أفضل من غيره من الأيام من غير استثناء؛ هذا في أيامه.
فأمّا لياليه فمن المتأخرين من زعم أنّ ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه؛ لاشتمالها على ليلة القدر، وهذا بعيد جدّا.
ولو صحّ حديث أبي هريرة «قيام كلّ ليلة منها بقيام ليلة القدر» (٢) لكان صريحا في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان، فإنّ عشر رمضان فضّل بليلة واحدة فيه، وهذا جميع لياليه متساوية لها في القيام على هذا الحديث. ولكن حديث جابر الذي خرّجه أبو موسى صريح في تفضيل لياليه كتفضيل أيّامه أيضا. والأيّام إذا أطلقت دخلت فيها الليالي تبعا، وكذلك الليالي تدخل أيّامها تبعا.
وقد أقسم الله تعالى بلياليه، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]، وهذا يدلّ على فضيلة لياليه أيضا، لكن لم يثبت أنّ لياليه ولا شيئا منها يعدل ليلة القدر.
وقد زعم طوائف من أصحابنا أنّ ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر، ولكن لا يصحّ ذلك عن أحمد؛ فعلى قول هؤلاء لا يستبعد تفضيل ليالي هذا العشر على ليلة القدر.
стр. 457
والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخّرين من العلماء، أن يقال: مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها، والله أعلم.
وما تقدّم عن كعب يدلّ على أنّ شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم الأربعة، وكذا قال سعيد بن جبير؛ راوي هذا الحديث عن ابن عبّاس: «ما من الشهور شهر أعظم حرمة من ذي الحجة».
وفي «مسند البزار» عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: «سيد الشهور رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة» (١). وفي إسناده ضعف.
وفي «مسند الإمام أحمد»، عن أبي سعيد الخدري أيضا: أنّ النبي ﷺ قال في حجّة الوداع في خطبته يوم النّحر: «ألا إنّ أحرم الأيام يومكم هذا، ألا وإنّ أحرم الشّهور شهركم هذا، ألا وإنّ أحرم البلاد بلدكم هذا» (٢).
وروي ذلك أيضا عن جابر، ووابصة بن معبد، ونبيط بن شريط، وغيرهم، عن النبي ﷺ . وهذا كلّه يدلّ على أنّ شهر ذي الحجّة أفضل الأشهر الحرم، حيث كان أشدّها حرمة. وقد روي عن الحسن أنّ أفضلها المحرّم، وسنذكره عند ذكر شهر المحرّم، إن شاء الله تعالى.
وأمّا من قال: إنّ أفضلها رجب، فقوله مردود.
ولعشر ذي الحجّة فضائل أخر غير ما تقدّم؛ فمن فضائله: أنّ الله تعالى
стр. 458
أقسم به جملة، وببعضه خصوصا. قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]؛ فأمّا الفجر فقيل: إنّه أراد جنس الفجر. وقيل: المراد طلوع الفجر، أو صلاة الفجر، أو النّهار كلّه؛ فيه اختلاف بين المفسرين. وقيل: إنه أريد به فجر معين. ثم قيل: إنّه أريد به فجر أوّل يوم من عشر ذي الحجّة.
وقيل: بل أريد به فجر آخر يوم منه، وهو يوم النّحر. وعلى جميع هذه الأقوال، فالعشر يشتمل على الفجر الذي أقسم به.
وأمّا «الليالي العشر» فهي عشر ذي الحجة؛ هذا الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين من السّلف وغيرهم، وهو الصحيح عن ابن عبّاس؛ روي عنه من غير وجه. والرواية عنه «أنه عشر رمضان» إسنادها ضعيف.
وفيه حديث مرفوع خرّجه الإمام أحمد، والنّسائي في التفسير، من رواية زيد بن الحباب، حدثنا عيّاش بن عقبة، حدثنا خير بن نعيم، عن أبي الزّبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: «العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشّفع يوم النّحر» (١)، وهو إسناد حسن.
وكذا فسّر «الشّفع» و «الوتر» ابن عبّاس في رواية عكرمة وغيره. وفسّرهما أيضا بذلك عكرمة والضحاك وغير واحد. وقد قيل في «الشّفع» و «الوتر» أقوال كثيرة، وأكثرها لا يخرج عن أن يكون العشر أو بعضه مشتملا على «الشفع» و «الوتر»، أو أحدهما؛ كقول من قال: «هي الصّلاة، منها شفع
стр. 459
ومنها وتر» (١). وقد خرّجه الإمام أحمد والترمذي من حديث عمران بن حصين، عن النبي ﷺ ، وقول من قال: هي المخلوقات، منها شفع ومنها وتر، يدخل فيها أيام العشر. وقول من قال: الشّفع الخلق كلّه، والوتر الله، فإنّ أيام العشر من جملة المخلوقات.
ومن فضائله أيضا: أنّه من جملة الأربعين التي واعدها الله لموسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، لكن هل عشر ذي الحجّة خاتمة الأربعين، فيكون هو العشر الذي أتمّ به الثلاثون، أم هو أوّل الأربعين، فيكون من جملة الثلاثين التي أتمّت بعشر؛ فيه اختلاف بين المفسرين.
روى عبد الرزّاق، عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، قال:
«ما من عمل في أيّام السّنة أفضل منه في العشر من ذي الحجّة، وهي العشر التي أتمّها الله لموسى ﵇» (٢).
ومن فضائله: أنّه خاتمة الأشهر المعلومات، أشهر الحجّ التي قال الله فيها:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ وهي شوّال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجّة. وروي ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وعليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وابن الزبير وغيرهم؛ وهو قول أكثر التابعين؛ ومذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وأبي يوسف وأبي ثور وغيرهم، لكن الشافعي وطائفة
стр. 460
أخرجوا منه يوم النّحر، وأدخله فيه الأكثرون؛ لأنّه يوم الحجّ الأكبر، وفيه تقع أكثر أفعال مناسك الحج. وقالت طائفة: ذو الحجة كلّه من أشهر الحج، وهو قول مالك، والشافعي في القديم؛ ورواية عن ابن عمر أيضا؛ وروي عن طائفة من السّلف. وفيه حديث مرفوع خرّجه الطبراني، لكنه لا يصح (١). والكلام في هذه المسألة يطول، وليس هذا موضعه.
ومن فضائله: أنّه الأيّام المعلومات التي شرع الله ذكره فيها على ما رزق من بهيمة الأنعام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨].
وجمهور العلماء على أنّ هذه الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجّة؛ منهم ابن عمر وابن عبّاس والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والنّخعيّ؛ وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه.
وروي عن أبي موسى الأشعري أنّ الأيّام المعلومات هي تسع ذي الحجّة غير يوم النّحر، وأنّه قال: لا يردّ فيهنّ الدّعاء. خرّجه جعفر الفريابيّ وغيره.
وقالت طائفة: هي أيّام الذّبح. وروي عن طائفة من السّلف، وهو قول مالك وأبي يوسف، وجعلوا ذكر الله فيها ذكره على الذّبح؛ وهو قول ابن عمر ﵄. ونقل المرّوذيّ عن أحمد أنّه استحسنه. والقول الأول أظهر.
стр. 461
وذكر الله على بهيمة الأنعام لا يختصّ بحال ذبحها، كما قال تعالى:
﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [الحجّ: ٣٧]. وقال تعالى:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ [الحجّ: ٣٤]. وأيضا فقد قال الله تعالى بعد هذا: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٨ - ٢٩]. فجعل هذا كلّه بعد ذكره في الأيّام المعلومات وقضاء التّفث، وهو شعث الحجّ وغباره ونصبه. والطّواف بالبيت إنّما يكون في يوم النّحر وما بعده، ولا يكون قبله. وقد جعل الله سبحانه هذا مرتّبا على ذكره في الأيّام المعلومات بلفظة «ثم»، فدلّ على أن المراد بالأيّام المعلومات ما قبل يوم النّحر، وهو عشر ذي الحجّة.
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ [الحجّ: ٢٨]، فقيل: إنّ المراد ذكره عند ذبحها، وهو حاصل بذكره في يوم النّحر؛ فإنّه أفضل أيّام النّحر. والأصحّ أنّه إنّما أريد ذكره شكرا على نعمة تسخير بهيمة الأنعام لعباده؛ فإنّ لله تعالى على عباده في بهيمة الأنعام نعما كثيرة قد عدّد بعضها في مواضع من القرآن.
والحاجّ لهم خصوصيّة في ذلك عن غيرهم؛ فإنّهم يسيرون عليها إلى الحرم؛ لقضاء نسكهم، كما قال تعالى: ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحجّ: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النّحل: ٧]. ويأكلون من لحومها، ويشربون من ألبانها، وينتفعون بأصوافها وأوبارها وأشعارها.
ويختصّ عشر ذي الحجّة في حقّ الحاج بأنّه زمن سوقهم للهدي الذي به يكمل فضل الحج، ويأكلون من لحومه في آخر العشر، وهو يوم النّحر.
стр. 462
وأفضل سوق الهدي من الميقات، ويشعر ويقلّد عند الإحرام، وتقارنه التلبية، وهي من الذّكر لله في الأيّام المعلومات. وفي الحديث: «أفضل الحجّ العجّ والثّجّ» (١). وفي حديث آخر: «عجّوا التّكبير عجّا، وثجّوا الإبل ثجّا» (٢).
فيكون كثرة ذكر الله في أيّام العشر شكرا على هذه النّعمة المختصّة ببهيمة الأنعام، التي بعضها يتعلّق بدين الحاج، وبعضها بدنياهم.
وأفضل الأعمال ما كثر ذكر الله تعالى فيها؛ خصوصا الحجّ. وقد أمر الله تعالى بذكره كثيرا في الحجّ؛ قال تعالى: ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]؛ فهذا الذّكر يكون في عشر ذي الحجّة. ثمّ قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وهذا يقع في يوم النّحر، وهو خاتمة العشر أيضا. ثم أمر بذكره بعد العشر في الأيام المعدودات، وهي أيّام التشريق.
وفي «السّنن» عن النبي ﷺ ، قال: «إنّما جعل الطّواف بالبيت، والسعي بين الصّفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله » (٣).
وفي «مسند الإمام أحمد»، عن معاذ بن أنس: «أنّ رجلا قال:
стр. 463
يا رسول الله، أيّ الجهاد أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله ذكرا. قال: فأيّ الصائمين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله ذكرا. قال: ثم ذكر الصّلاة، والزّكاة، والحجّ، والصّدقة؛ كلّ ذلك ورسول الله ﷺ يقول: أكثرهم لله ذكرا. فقال أبو بكر: يا أبا حفص، ذهب الذّاكرون بكلّ خير. فقال رسول الله ﷺ :
أجل» (١).
وقد خرّجه ابن المبارك، وابن أبي الدنيا من وجوه أخر مرسلة، وفي بعضها: «أي الحاج خير؟ قال: أكثرهم ذكرا لله». وفي بعضها: «أيّ الحاج أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله ذكرا»، وذكر بقية الأعمال، بمعنى ما تقدّم.
فهذا كلّه بالنسبة إلى الحاج.
فأمّا أهل الأمصار فإنّهم يشاركون الحاج في عشر ذي الحجة؛ في الذّكر، وإعداد الهدي. فأمّا إعداد الهدي فإنّ العشر تعدّ فيه الأضاحي، كما يسوق أهل الموسم الهدي، ويشاركونهم في بعض إحرامهم؛ فإنّ من دخل عليه العشر وأراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئا، كما روت ذلك أم سلمة عن النبي ﷺ . خرّج حديثها مسلم (٢)، وأخذ بذلك الشافعي، وأحمد، وعامّة فقهاء الحديث. ومنهم من شرط أن يكون قد اشترى هديه قبل العشر، وأكثرهم لم يشرطوا ذلك.
وخالف فيه مالك، وأبو حنيفة، وكثير من الفقهاء، وقالوا: لا يكره شيء من ذلك. واستدلّوا بحديث عائشة: «كنت أفتل قلائد الهدي لرسول الله ﷺ ، فلا يحرم عليه شيء أحلّه الله له» (٣).
стр. 464
وأجاب كثير من أهل القول الأول: بأنه يجمع بين الحديثين؛ فيؤخذ بحديث أم سلمة فيمن يريد أن يضحي في مصره. وبحديث عائشة فيمن أرسل بهديه مع غيره، وأقام في بلده.
وكان ابن عمر إذا ضحّى يوم النّحر حلق رأسه، ونصّ أحمد على ذلك.
واختلف العلماء في التعريف بالأمصار عشيّة عرفة، وكان الإمام أحمد لا يفعله ولا ينكر على من فعله؛ لأنّه روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة.
وأما مشاركتهم لهم في الذكر في الأيام المعلومات؛ فإنّه يشرع للنّاس كلهم الإكثار من ذكر الله ففي أيام العشر خصوصا، وقد سبق حديث ابن عمر المرفوع: «فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد».
واختلف العلماء: هل يشرع إظهار التكبير والجهر به في الأسواق في العشر، فأنكره طائفة، واستحبّه أحمد والشافعيّ، لكنّ الشافعيّ خصّه بحال رؤية بهيمة الأنعام، وأحمد يستحبّه مطلقا.
وقد ذكر البخاري في «صحيحه» عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يخرجان إلى السّوق في العشر، فيكبّران ويكبّر الناس بتكبيرهما (١). ورواه عفان: حدثنا سلام أبو المنذر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السّوق أيّام العشر فيكبّران ويكبّر الناس [بتكبيرهما] (٢) معهما، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك.
وروى جعفر الفريابي في «كتاب العيدين»، حدثنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، قال: رأيت سعيد بن جبير ومجاهدا وعبد الرحمن بن أبي ليلى، أو اثنين من هؤلاء الثلاثة، ومن رأينا من فقهاء
стр. 465
الناس، يقولون في أيام العشر: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
لما كان الله قد وضع في نفوس المؤمنين حنينا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كلّ أحد قادرا على مشاهدته في كلّ عام، فرض على المستطيع الحجّ مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركا بين السائرين والقاعدين، فمن عجز عن الحجّ في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته، يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج.
ليالي العشر أوقات الإجابه … فبادر رغبة تلحق ثوابه
ألا لا وقت للعمّال فيه … ثواب الخير أقرب للإصابه
من اوقات الليالي العشر حقّا … فشمّر واطلبن فيها الإنابه
احذروا المعاصي؛ فإنّها تحرم المغفرة في مواسم الرّحمة. روى المرّوذيّ في «كتاب الورع» بإسناده عن عبد الملك بن عمير، عن رجل؛ إمّا من الصحابة أو من التابعين، أنّ آتيا أتاه في منامه في العشر من ذي الحجة، فقال:
ما من مسلم إلاّ يغفر له في هذه الأيام، كلّ يوم خمس مرار، إلاّ أصحاب الشاه، يقولون: مات، ما موته؟! يعني أصحاب الشطرنج. فإذا كان اللعب بالشطرنج مانعا من المغفرة، فما الظنّ بالإصرار على الكبائر المجمع عليها؟
طاعة الله خير ما لزم العب … د فكن طائعا ولا تعصينّه
ما هلاك النّفوس إلاّ المعاصي … فاجتنب ما نهاك لا تقربنّه
إنّ شيئا هلاك نفسك فيه … ينبغي أن تصون نفسك عنّه
المعاصي سبب البعد والطّرد، كما أنّ الطاعات أسباب القرب والودّ.
أيضمن لي فتى ترك المعاصي … وأرهنه الكفالة بالخلاص
стр. 466
أطاع الله قوم فاستراحوا … ولم يتجرّعوا غصص المعاصي
إخوانكم في هذه الأيام قد عقدوا الإحرام، وقصدوا البيت الحرام، وملئوا الفضاء بالتّلبية والتكبير والتهليل والتحميد والإعظام، لقد ساروا وقعدنا، وقربوا وبعدنا، فإن كان لنا معهم نصيب سعدنا.
أتراكم في النّقا والمنحنى … أهل سلع تذكرونا ذكرنا
انقطعنا ووصلتم فاعلموا … واشكروا المنعم يا أهل منى
قد خسرنا وربحتم فصلوا … بفضول الرّبح من قد غبنا
سار قلبي خلف أحمالكم … غير أنّ العذر عاق البدنا
ما قطعتم واديا إلاّ وقد … جئته أسعى بأقدام المنى
أنا مذ غبتم على تذكاركم … أترى عندكم ما عندنا
القاعد لعذر شريك السّائر، وربما سبق السائر بقلبه السّائرين بأبدانهم. رأى بعضهم في المنام عشيّة عرفة في الموقف قائلا يقول له: أترى هذا الزّحام على هذا الموقف؟ فإنه لم يحجّ منهم أحد إلاّ رجل تخلّف عن الموقف، فحجّ بهمّته فوهب له أهل الموقف.
يا سائرين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
إنّا أقمنا على عذر وقد رحلوا … ومن أقام على عذر كمن راحا
الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض ولا لها قيمة. المبادرة المبادرة بالعمل، والعجل العجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرّط على ما فعل، قبل أن يسأل الرجعة ليعمل صالحا فلا يجاب إلى ما سأل، قبل أن يحول الموت بين المؤمّل وبلوغ الأمل، قبل أن يصير المرء مرتهنا في حفرته بما قدّم من عمل.