وذكر الله على بهيمة الأنعام لا يختصّ بحال ذبحها، كما قال تعالى:
﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [الحجّ: ٣٧]. وقال تعالى:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ [الحجّ: ٣٤]. وأيضا فقد قال الله تعالى بعد هذا: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٨ - ٢٩]. فجعل هذا كلّه بعد ذكره في الأيّام المعلومات وقضاء التّفث، وهو شعث الحجّ وغباره ونصبه. والطّواف بالبيت إنّما يكون في يوم النّحر وما بعده، ولا يكون قبله. وقد جعل الله سبحانه هذا مرتّبا على ذكره في الأيّام المعلومات بلفظة «ثم»، فدلّ على أن المراد بالأيّام المعلومات ما قبل يوم النّحر، وهو عشر ذي الحجّة.
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ [الحجّ: ٢٨]، فقيل: إنّ المراد ذكره عند ذبحها، وهو حاصل بذكره في يوم النّحر؛ فإنّه أفضل أيّام النّحر. والأصحّ أنّه إنّما أريد ذكره شكرا على نعمة تسخير بهيمة الأنعام لعباده؛ فإنّ لله تعالى على عباده في بهيمة الأنعام نعما كثيرة قد عدّد بعضها في مواضع من القرآن.
والحاجّ لهم خصوصيّة في ذلك عن غيرهم؛ فإنّهم يسيرون عليها إلى الحرم؛ لقضاء نسكهم، كما قال تعالى: ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحجّ: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النّحل: ٧]. ويأكلون من لحومها، ويشربون من ألبانها، وينتفعون بأصوافها وأوبارها وأشعارها.
ويختصّ عشر ذي الحجّة في حقّ الحاج بأنّه زمن سوقهم للهدي الذي به يكمل فضل الحج، ويأكلون من لحومه في آخر العشر، وهو يوم النّحر.
стр. 462
وأفضل سوق الهدي من الميقات، ويشعر ويقلّد عند الإحرام، وتقارنه التلبية، وهي من الذّكر لله في الأيّام المعلومات. وفي الحديث: «أفضل الحجّ العجّ والثّجّ» (١). وفي حديث آخر: «عجّوا التّكبير عجّا، وثجّوا الإبل ثجّا» (٢).
فيكون كثرة ذكر الله في أيّام العشر شكرا على هذه النّعمة المختصّة ببهيمة الأنعام، التي بعضها يتعلّق بدين الحاج، وبعضها بدنياهم.
وأفضل الأعمال ما كثر ذكر الله تعالى فيها؛ خصوصا الحجّ. وقد أمر الله تعالى بذكره كثيرا في الحجّ؛ قال تعالى: ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]؛ فهذا الذّكر يكون في عشر ذي الحجّة. ثمّ قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وهذا يقع في يوم النّحر، وهو خاتمة العشر أيضا. ثم أمر بذكره بعد العشر في الأيام المعدودات، وهي أيّام التشريق.
وفي «السّنن» عن النبي ﷺ ، قال: «إنّما جعل الطّواف بالبيت، والسعي بين الصّفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله » (٣).
وفي «مسند الإمام أحمد»، عن معاذ بن أنس: «أنّ رجلا قال:
стр. 463
يا رسول الله، أيّ الجهاد أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله ذكرا. قال: فأيّ الصائمين أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله ذكرا. قال: ثم ذكر الصّلاة، والزّكاة، والحجّ، والصّدقة؛ كلّ ذلك ورسول الله ﷺ يقول: أكثرهم لله ذكرا. فقال أبو بكر: يا أبا حفص، ذهب الذّاكرون بكلّ خير. فقال رسول الله ﷺ :
أجل» (١).
وقد خرّجه ابن المبارك، وابن أبي الدنيا من وجوه أخر مرسلة، وفي بعضها: «أي الحاج خير؟ قال: أكثرهم ذكرا لله». وفي بعضها: «أيّ الحاج أعظم أجرا؟ قال: أكثرهم لله ذكرا»، وذكر بقية الأعمال، بمعنى ما تقدّم.
فهذا كلّه بالنسبة إلى الحاج.
فأمّا أهل الأمصار فإنّهم يشاركون الحاج في عشر ذي الحجة؛ في الذّكر، وإعداد الهدي. فأمّا إعداد الهدي فإنّ العشر تعدّ فيه الأضاحي، كما يسوق أهل الموسم الهدي، ويشاركونهم في بعض إحرامهم؛ فإنّ من دخل عليه العشر وأراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئا، كما روت ذلك أم سلمة عن النبي ﷺ . خرّج حديثها مسلم (٢)، وأخذ بذلك الشافعي، وأحمد، وعامّة فقهاء الحديث. ومنهم من شرط أن يكون قد اشترى هديه قبل العشر، وأكثرهم لم يشرطوا ذلك.
وخالف فيه مالك، وأبو حنيفة، وكثير من الفقهاء، وقالوا: لا يكره شيء من ذلك. واستدلّوا بحديث عائشة: «كنت أفتل قلائد الهدي لرسول الله ﷺ ، فلا يحرم عليه شيء أحلّه الله له» (٣).
стр. 464
وأجاب كثير من أهل القول الأول: بأنه يجمع بين الحديثين؛ فيؤخذ بحديث أم سلمة فيمن يريد أن يضحي في مصره. وبحديث عائشة فيمن أرسل بهديه مع غيره، وأقام في بلده.
وكان ابن عمر إذا ضحّى يوم النّحر حلق رأسه، ونصّ أحمد على ذلك.
واختلف العلماء في التعريف بالأمصار عشيّة عرفة، وكان الإمام أحمد لا يفعله ولا ينكر على من فعله؛ لأنّه روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة.
وأما مشاركتهم لهم في الذكر في الأيام المعلومات؛ فإنّه يشرع للنّاس كلهم الإكثار من ذكر الله ففي أيام العشر خصوصا، وقد سبق حديث ابن عمر المرفوع: «فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد».
واختلف العلماء: هل يشرع إظهار التكبير والجهر به في الأسواق في العشر، فأنكره طائفة، واستحبّه أحمد والشافعيّ، لكنّ الشافعيّ خصّه بحال رؤية بهيمة الأنعام، وأحمد يستحبّه مطلقا.
وقد ذكر البخاري في «صحيحه» عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يخرجان إلى السّوق في العشر، فيكبّران ويكبّر الناس بتكبيرهما (١). ورواه عفان: حدثنا سلام أبو المنذر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السّوق أيّام العشر فيكبّران ويكبّر الناس [بتكبيرهما] (٢) معهما، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك.
وروى جعفر الفريابي في «كتاب العيدين»، حدثنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، قال: رأيت سعيد بن جبير ومجاهدا وعبد الرحمن بن أبي ليلى، أو اثنين من هؤلاء الثلاثة، ومن رأينا من فقهاء
стр. 465
الناس، يقولون في أيام العشر: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
لما كان الله قد وضع في نفوس المؤمنين حنينا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كلّ أحد قادرا على مشاهدته في كلّ عام، فرض على المستطيع الحجّ مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركا بين السائرين والقاعدين، فمن عجز عن الحجّ في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته، يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج.
ليالي العشر أوقات الإجابه … فبادر رغبة تلحق ثوابه
ألا لا وقت للعمّال فيه … ثواب الخير أقرب للإصابه
من اوقات الليالي العشر حقّا … فشمّر واطلبن فيها الإنابه
احذروا المعاصي؛ فإنّها تحرم المغفرة في مواسم الرّحمة. روى المرّوذيّ في «كتاب الورع» بإسناده عن عبد الملك بن عمير، عن رجل؛ إمّا من الصحابة أو من التابعين، أنّ آتيا أتاه في منامه في العشر من ذي الحجة، فقال:
ما من مسلم إلاّ يغفر له في هذه الأيام، كلّ يوم خمس مرار، إلاّ أصحاب الشاه، يقولون: مات، ما موته؟! يعني أصحاب الشطرنج. فإذا كان اللعب بالشطرنج مانعا من المغفرة، فما الظنّ بالإصرار على الكبائر المجمع عليها؟
طاعة الله خير ما لزم العب … د فكن طائعا ولا تعصينّه
ما هلاك النّفوس إلاّ المعاصي … فاجتنب ما نهاك لا تقربنّه
إنّ شيئا هلاك نفسك فيه … ينبغي أن تصون نفسك عنّه
المعاصي سبب البعد والطّرد، كما أنّ الطاعات أسباب القرب والودّ.
أيضمن لي فتى ترك المعاصي … وأرهنه الكفالة بالخلاص
стр. 466
أطاع الله قوم فاستراحوا … ولم يتجرّعوا غصص المعاصي
إخوانكم في هذه الأيام قد عقدوا الإحرام، وقصدوا البيت الحرام، وملئوا الفضاء بالتّلبية والتكبير والتهليل والتحميد والإعظام، لقد ساروا وقعدنا، وقربوا وبعدنا، فإن كان لنا معهم نصيب سعدنا.
أتراكم في النّقا والمنحنى … أهل سلع تذكرونا ذكرنا
انقطعنا ووصلتم فاعلموا … واشكروا المنعم يا أهل منى
قد خسرنا وربحتم فصلوا … بفضول الرّبح من قد غبنا
سار قلبي خلف أحمالكم … غير أنّ العذر عاق البدنا
ما قطعتم واديا إلاّ وقد … جئته أسعى بأقدام المنى
أنا مذ غبتم على تذكاركم … أترى عندكم ما عندنا
القاعد لعذر شريك السّائر، وربما سبق السائر بقلبه السّائرين بأبدانهم. رأى بعضهم في المنام عشيّة عرفة في الموقف قائلا يقول له: أترى هذا الزّحام على هذا الموقف؟ فإنه لم يحجّ منهم أحد إلاّ رجل تخلّف عن الموقف، فحجّ بهمّته فوهب له أهل الموقف.
يا سائرين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
إنّا أقمنا على عذر وقد رحلوا … ومن أقام على عذر كمن راحا
الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض ولا لها قيمة. المبادرة المبادرة بالعمل، والعجل العجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرّط على ما فعل، قبل أن يسأل الرجعة ليعمل صالحا فلا يجاب إلى ما سأل، قبل أن يحول الموت بين المؤمّل وبلوغ الأمل، قبل أن يصير المرء مرتهنا في حفرته بما قدّم من عمل.
стр. 467
ليس للميت في قبره … فطر ولا أضحى ولا عشر
ناء عن الأهل على قربه … كذاك من مسكنه القبر
يا من طلع فجر شيبه بعد بلوغ الأربعين، يا من مضى عليه بعد ذلك ليالي عشر سنين حتى بلغ الخمسين، يا من هو في معترك المنايا ما بين الستين والسبعين، ما تنتظر بعد هذا الخبر إلا أن يأتيك اليقين؟ يا من ذنوبه بعدد الشّفع والوتر! أما تستحيي من الكرام الكاتبين؟ أم أنت ممن يكذّب بالدّين؟ يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسري! أما آن لقلبك أن يستنير أو يلين؟ تعرّض لنفحات مولاك في هذا العشر؛ فإنّ لله فيه نفحات يصيب بها من يشاء، فمن أصابته سعد بها آخر الدّهر.
جنحت شمس حياتي … وتدلّت للغروب
وتولّى ليل رأسي … وبدا فجر المشيب
ربّ خلّصني فقد لجج … ت في بحر الذّنوب
وأنلني العفو يا أق … رب من كلّ قريب
***
стр. 468
المجلس الثاني في فضل يوم عرفة مع عيد النّحر
في «الصحيحين» عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّ رجلا من اليهود قال له:
يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتّخذنا ذلك اليوم عيدا. فقال: أيّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]. فقال عمر: إنّي لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه؛ نزلت ورسول الله ﷺ قائم بعرفة يوم جمعة (١).
وخرّج الترمذي عن ابن عباس نحوه، وقال فيه: نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة (٢).
العيد هو موسم الفرح والسرور، وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم، إذا فازوا بإكمال طاعته، وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. قال بعض العارفين: ما فرح أحد بغير الله إلاّ بغفلته عن الله؛ فالغافل يفرح بلهوه وهواه، والعاقل يفرح بمولاه.
وأنشد سمنون في هذا المعنى:
وكان فؤادي خاليا قبل حبّكم … وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
فلمّا دعا قلبي هواك أجابه … فلست أراه عن فنائك يبرح
стр. 469
رميت ببعد منك إن كنت كاذبا … وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيء في البلاد بأسرها … إذا غبت عن عيني لعيني يملح
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل … فلست أرى قلبي لغيرك يصلح
لمّا قدم النبي ﷺ المدينة كان لهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «إنّ الله قد أبدلكم يومين خيرا منهما؛ يوم الفطر، والأضحى» (١). فأبدل الله هذه الأمة بيومي اللعب واللهو يومي الذّكر والشّكر والمغفرة والعفو.
ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد: عيد يتكرّر كلّ أسبوع، وعيدان يأتيان في كلّ عام مرّة مرة، من غير تكرر في السنة.
فأمّا العيد المتكرّر، فهو يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع، وهو مترتب على إكمال الصّلوات المكتوبات؛ فإنّ الله فرض على المؤمنين في كلّ يوم وليلة خمس صلوات، وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام، فكلّما كمل دور أسبوع من أيام الدنيا، واستكمل المسلمون صلواتهم فيه، شرع لهم في يوم استكمالهم - وهو اليوم الذي كمل فيه الخلق، وفيه خلق آدم وأدخل الجنّة وأخرج منها، وفيه ينتهي أمد الدنيا فتزول وتقوم الساعة، وفيه الاجتماع على سماع الذّكر والموعظة وصلاة الجمعة -، وجعل ذلك لهم عيدا؛ ولهذا نهي عن إفراده بالصّيام.
وفي شهود الجمعة شبه من الحجّ، وروي أنّها حجّ المساكين (٢). وقال سعيد بن المسيّب: شهود الجمعة أحبّ إليّ من حجة نافلة.
стр. 470
والتبكير إليها يقوم مقام الهدي على قدر السّبق؛ فأوّلهم كالمهدي بدنة ثم بقرة، ثم كبشا، ثم دجاجة، ثم بيضة.
وشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب إلى الجمعة الأخرى إذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر، كما أنّ الحجّ المبرور يكفّر ذنوب تلك السنة إلى الحجة الأخرى. وقد روي: «إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام» (١). وروي:
«إنّ الله تعالى يغفر يوم الجمعة لكلّ مسلم» (٢). وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة» (٣). وفي «المسند» عنه ﷺ أنّه قال في يوم الجمعة: «هو أفضل عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى» (٤).
فهذا عيد الأسبوع، وهو متعلّق بإكمال الصلوات المكتوبة، وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين.
وأمّا العيدان اللذان لا يتكرران في كلّ عام، وإنما يأتي كلّ واحد منهما في العام مرّة واحدة:
فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مرتب على إكمال صيام رمضان، وهو الرّكن الرابع (٥) من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا استكمل
стр. 471
المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم، واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار؛ فإنّ صيامه يوجب مغفرة ما تقدّم من الذنوب، وآخره عتق من النار، يعتق فيه من النار من استحقّها بذنوبه، فشرع الله تعالى لهم عقيب إكمالهم لصيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له.
وشرع لهم في ذلك العيد الصّلاة والصّدقة. وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم، ويرجعون من عيدهم بالمغفرة.
والعيد الثاني: عيد النّحر، وهو أكبر العيدين وأفضلهما، وهو مترتب على إكمال الحجّ، وهو الركن الخامس (١) من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجّهم غفر لهم. وإنما يكمل الحجّ بيوم عرفة والوقوف فيه بعرفة؛ فإنّه ركن الحجّ الأعظم، كما قال ﷺ : «الحجّ عرفة» (٢).
ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم؛ من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده؛ لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة.
وإنما لم يشترك المسلمون كلّهم في الحجّ كلّ عام، رحمة من الله وتخفيفا على عباده، فإنّه جعل الحجّ فريضة العمر لا فريضة كلّ عام، وإنما هو في كل عام فرض كفاية، بخلاف الصيام؛ فإنه فريضة كلّ عام على كلّ مسلم. فإذا كمل يوم
стр. 472
عرفة، وأعتق الله عباده المؤمنين من النار، اشترك المسلمون كلّهم في العيد عقب ذلك. وشرع للجميع التقرّب إليه بالنّسك، وهو إراقة دماء القرابين.
فأهل الموسم يرمون الجمرة، فيشرعون في التحلّل من إحرامهم بالحجّ، ويقضون تفثهم، ويوفون نذورهم، ويقرّبون قرابينهم من الهدايا، ثم يطوفون بالبيت العتيق. وأهل الأمصار يجتمعون على ذكر الله وتكبيره والصلاة له.
قال مخنف بن سليم - وهو معدود من الصحابة -: الخروج يوم الفطر يعدل عمرة، والخروج يوم الأضحى يعدل حجة. ثم ينسكون عقيب ذلك نسكهم، ويقرّبون قرابينهم بإراقة دماء ضحاياهم؛ فيكون ذلك شكرا منهم لهذه النعم.
والصلاة والنّحر الذي يجتمع في عيد النّحر أفضل من الصّلاة والصّدقة الذي في عيد الفطر، ولهذا أمر رسول الله ﷺ أن يجعل شكره لربّه على إعطائه الكوثر أن يصلّي لربّه وينحر، وقيل له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. ولهذا ورد الأمر بتلاوة هذه الآية عند ذبح الأضاحي.
والأضاحي سنّة إبراهيم ومحمد - صلّى الله عليهما وسلم -، فإنّ الله شرعها لإبراهيم حين فدى ولده الذي أمره بذبحه، بذبح عظيم. وفي حديث زيد بن أرقم، «قيل: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: سنّة إبراهيم. قيل له: فما لنا بها؟ قال: بكلّ شعرة حسنة. قيل: فالصّوف؟ قال: بكلّ شعرة من الصّوف حسنة». خرّجه ابن ماجه وغيره (١).
стр. 473
فهذه أعياد المسلمين في الدنيا، وكلّها عند إكمال طاعة مولاهم الملك الوهّاب، وحيازتهم لما وعدهم من الأجر والثواب.
مرّ قوم براهب في دير، فقالوا له: متى عيد أهل هذا الدّير؟ قال: يوم يغفر لأهله.
ليس العيد لمن لبس الجديد، إنّما العيد لمن طاعاته تزيد. ليس العيد لمن تجمّل باللباس والركوب، إنّما العيد لمن غفرت له الذنوب. في ليلة العيد تفرّق خلع العتق والمغفرة على العبيد؛ فمن ناله منها شيء فله عيد، وإلاّ فهو مطرود بعيد.
كان بعض العارفين ينوح على نفسه ليلة العيد بهذه الأبيات:
بحرمة غربتي كم ذا الصّدود … ألا تعطف عليّ ألا تجود
سرور العيد قد عمّ النّواحي … وحزني في ازدياد لا يبيد
فإن كنت اقترفت خلال سوء … فعذري في الهوى أن لا أعود
وأنشد غيره:
للناس عشر وعيد … وأنا فقير وحيد
يا غايتي ومناي … قد لذّ لي ما تريد
وأنشد الشّبليّ:
ليس عيد المحبّ قصد المصلّى … وانتظار الأمير والسلطان
إنّما العيد أن تكون لدى الح … بّ كريما مقرّبا في أمان
وأنشد:
إذا ما كنت لي عيدا … فما أصنع بالعيد
стр. 474
جرى حبّك في قلبي … كجري الماء في العود
وأنشد:
قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه … فقلت خلعة ساق حسنه برعا
صبر وفقرهما ثوبان تحتهما … قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به … يوم التزاور في الثّوب الّذي خلعا
الدّهر لي مأتم إن غبت يا أملي … والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا
وأمّا أعياد المؤمنين في الجنة فهي أيام زيارتهم لربّهم ، فيزورونه ويكرمهم غاية الكرامة، ويتجلّى لهم فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا هو أحبّ إليهم من ذلك. وهو الزّيادة التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. ليس للمحبّ عيد سوى قرب محبوبه.
إنّ يوما جامعا شملي بهم … ذاك عيد ليس لي عيد سواه
كلّ يوم كان للمسلمين عيدا في الدنيا، فإنّه عيد لهم في الجنّة، يجتمعون فيه على زيارة ربّهم، ويتجلّى لهم فيه. ويوم الجمعة يدعى في الجنّة يوم المزيد، ويوما الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة. وروي أنه يشارك النساء الرجال فيهما، كما كن يشهدن العيدين مع الرجال دون الجمعة.
فهذا لعموم أهل الجنة، فأمّا خواصّهم فكلّ يوم لهم عيد يزورون ربّهم كلّ يوم مرتين؛ بكرة وعشيّا.
الخواصّ كانت أيام الدّنيا كلّها لهم أعيادا، فصارت أيامهم في الآخرة كلّها أعيادا.
قال الحسن: كلّ يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد، كلّ يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد.
стр. 475
أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها خمسة: الشهادتان، والصّلاة، والزّكاة، وصيام رمضان، والحجّ. فأعياد عموم المسلمين في الدنيا عند إكمال دور الصلاة، وإكمال الصيام، والحج، يجتمعون عند ذلك اجتماعا عامّا. فأمّا الزّكاة فليس لها وقت معين ليتّخذ عيدا، بل كلّ من ملك نصابا فحوله بحسب ملكه. وأمّا الشهادتان فإكمالهما يحصل بتحقيقهما والقيام بحقوقهما؛ وخواصّ المؤمنين يجتهدون على ذلك في كلّ وقت، فلذلك كانت أوقاتهم كلّها أعيادا لهم في الدنيا والآخرة، كما أنشد الشّبليّ:
عيدي مقيم وعيد الناس منصرف … والقلب منّي عن اللذّات منحرف
ولي قرينان مالي منهما خلف … طول الحنين وعين دمعها يكف
ولمّا كان عيد النّحر أكبر العيدين وأفضلهما، ويجتمع فيه شرف المكان والزمان لأهل الموسم، كانت لهم فيه معه أعياد قبله وبعده؛ فقبله يوم عرفة، وبعده أيّام التشريق. وكلّ هذه الأيّام أعياد لأهل الموسم، كما في حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ ، قال: «يوم عرفة، يوم النّحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» (١) خرّجه أهل السنن وصححه الترمذي.
ولهذا لا يشرع لأهل الموسم صوم يوم عرفة؛ لأنّه أوّل أعيادهم وأكبر مجامعهم، وقد أفطره النبي ﷺ بعرفة والناس ينظرون إليه. وروي عنه أنّه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
وروي عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة، فقال: لأنهم زوّار الله وأضيافه، ولا ينبغي للكريم أن يجوّع أضيافه. وهذا
стр. 476
المعنى يوجد في العيدين وأيام التشريق أيضا؛ فإنّ الناس كلّهم فيها في ضيافة الله ، لا سيما عيد النّحر؛ فإنّ الناس يأكلون من لحوم نسكهم؛ أهل الموقف وغيرهم.
وأيام التشريق الثلاثة هي أيام عيد أيضا، ولهذا بعث النبي ﷺ من ينادي بمكّة: «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله ، فلا يصومنّ أحد». وقد يجتمع في يوم واحد عيدان، كما إذا اجتمع يوم الجمعة مع يوم عرفة أو يوم النّحر، فيزداد ذلك اليوم حرمة وفضلا؛ لاجتماع عيدين فيه. وقد كان ذلك؛ اجتمع للنبي ﷺ في حجته يوم عرفة، فكان يوم جمعة، وفيه نزلت هذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣].
وإكمال الدين في ذلك اليوم حصل من وجوه:
منها: أنّ المسلمين لم يكونوا حجّوا حجّة الإسلام بعد فرض الحجّ قبل ذلك، ولا أحد منهم؛ هذا قول أكثر العلماء أو كثير منهم؛ فكمل بذلك دينهم لاستكمالهم عمل أركان الإسلام كلّها.
ومنها: أنّ الله تعالى أعاد الحجّ على قواعد إبراهيم ﵇، ونفى الشرك وأهله، فلم يختلط بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحد. قال الشعبي:
نزلت هذه الآية على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة حين وقف موقف إبراهيم، واضمحلّ الشّرك، وهدّمت منار الجاهلية، ولم يطف بالبيت عريان. وكذا قال قتادة وغيره. وقد قيل: إنه لم ينزل بعدها تحليل ولا تحريم؛ قاله أبو بكر بن عياش.
وأمّا إتمام النّعمة فإنّما حصل بالمغفرة، فلا تتم النّعمة بدونها، كما قال لنبيه ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً﴾
стр. 477
﴿مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح: ٢]، وقال تعالى في آية الوضوء: ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ومن هنا استنبط محمد بن كعب القرظيّ أنّ الوضوء يكفّر الذنوب، كما وردت السّنّة بذلك صريحا. ويشهد له أيضا «أنّ النبيّ ﷺ سمع رجلا يدعو ويقول: اللهم إني أسألك تمام النّعمة. فقال له: تمام النّعمة النّجاة من النّار، ودخول الجنة» (١). فهذه الآية تشهد لما روي في يوم عرفة أنّه يوم المغفرة والعتق من النار.
فيوم عرفة له فضائل متعددة:
منها: أنه يوم إكمال الدّين وإتمام النّعمة.
ومنها: أنّه عيد لأهل الإسلام، كما قاله عمر بن الخطاب وابن عباس؛ فإنّ ابن عباس قال: نزلت في يوم عيدين؛ يوم جمعة ويوم عرفة (٢). وروي عن عمر أنه قال: وكلاهما بحمد الله لنا عيد. خرّجه ابن جرير في «تفسيره» (٣). ويشهد له حديث عقبة بن عامر المتقدّم، لكنّه عيد لأهل الموقف خاصّة. ويشرع صيامه لأهل الأمصار عند جمهور العلماء، وإن خالف فيه بعض السلف.
ومنها: أنّه قد قيل: إنه الشّفع الذي أقسم الله به في كتابه، وأنّ الوتر يوم النّحر. وقد روي هذا عن النبي ﷺ من حديث جابر. خرّجه الإمام أحمد والنسائي في تفسيره (٤). وقيل: إنّه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣].
стр. 478
وفي «المسند» عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا: «الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم الجمعة» (١). وخرّجه الترمذي مرفوعا. وروي ذلك عن علي من قوله. وخرّج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعريّ مرفوعا: «الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة» (٢). وعلى هذا فإذا وقع يوم عرفة في يوم جمعة فقد اجتمع في ذلك اليوم شاهد ومشهود.
ومنها: أنّه روي أنه أفضل الأيام؛ خرّجه ابن حبّان في صحيحه، من حديث جابر عن النبي ﷺ ، قال: «أفضل الأيام يوم عرفة». وذهب إلى ذلك طائفة من العلماء. ومنهم من قال: يوم النّحر أفضل الأيام؛ لحديث عبد الله بن قرط، عن النبي ﷺ ، قال: «أعظم الأيام عند الله يوم النّحر، ثم يوم القرّ» (٣). خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه، ولفظه: أفضل الأيّام.
ومنها: أنّه روي عن أنس بن مالك أنّه قال: كان يقال: يوم عرفة بعشرة آلاف يوم، يعني في الفضل. وقد ذكرناه في فضل العشر. وروي عن عطاء، قال: من صام يوم عرفة كان له كأجر ألفي يوم.
ومنها: أنّه يوم الحجّ الأكبر (٤) عند جماعة من السلف، منهم عمر وغيره.
стр. 479
وخالفهم آخرون، وقالوا: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر. وروي ذلك عن النبي (١) ﷺ .
ومنها: أنّ صيامه كفّارة سنتين، وسنذكر الحديث في ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف؛ كما في «صحيح مسلم» عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ، قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدا من النّار من يوم عرفة، وإنّه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» (٢).
وفي «المسند» عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: «إن الله تعالى يباهي ملائكته عشيّة عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا» (٣).
وفيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: «إنّ الله يباهي بأهل عرفات، يقول:
انظروا إلى عبادي شعثا غبرا». وخرّجه ابن حبان في «صحيحه» (٤). وخرّج فيه أيضا من حديث جابر عن النبي ﷺ ، قال: «ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله ﵎ إلى السّماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ضاحين، جاءوا من كلّ فجّ عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير أكثر عتيقا من النّار من يوم عرفة» (٥).
стр. 480
وخرّجه ابن منده في «كتاب التوحيد» ولفظه: «إذا كان يوم عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا من كل فجّ عميق، أشهدكم أنّي قد غفرت لهم. فتقول الملائكة: يا ربّ، فلان مرهّق، فيقول: قد غفرت لهم. فما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة» (١). وقال: إسناد حسن متصل، انتهى. ورويناه من وجه آخر بزيادة فيه، وهي: «أشهدكم يا عبادي أنّي قد غفرت لمحسنهم، وتجاوزت عن مسيئهم».
ورويناه من رواية إسماعيل بن رافع - وفيه مقال - عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: «يهبط الله إلى السماء الدنيا عشيّة عرفة، ثم يباهي بكم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثا من كلّ فجّ عميق، يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرّمل لغفرتها؛ أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم فيه» (٢).
وخرّجه البزار في «مسنده» بمعناه، من حديث مجاهد عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: لا نعلم له طريقا أحسن من هذا الطريق. وخرجه الطبراني وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ مختصرا.
ورويناه من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مريم، عن الأشياخ: أنّ النبي ﷺ قال: «إن الله يدنو إلى السّماء الدنيا عشيّة عرفة، فيقبل على ملائكته، فيقول: ألا إنّ لكلّ وفد جائزة، وهؤلاء وفدي شعثا غبرا، أعطوهم ما سألوا، وأخلفوا لهم ما أنفقوا. حتى إذا كان عند غروب
стр. 481
الشمس أقبل عليهم، فقال: ألا إنّي قد وهبت مسيئكم لمحسنكم، وأعطيت محسنكم ما سأل، أفيضوا بسم الله».
وروى إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي، حدثنا فرقد، قال: إنّ أبواب السماء تفتح كلّ ليلة ثلاث مرات، وفي ليلة الجمعة سبع مرات، وفي ليلة عرفة تسع مرات. وروينا من طريق نفيع أبي داود، عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا: «إذا كان عشية يوم عرفة لم يبق أحد في قلبه مثقال ذرّة من إيمان إلاّ غفر له. قيل له: أللمعرّف خاصّة أم للناس عامّة؟ قال: بل للناس عامّة».
وخرّجه مالك في «الموطإ» من مراسيل طلحة بن عبيد الله بن كريز أنّ النبي ﷺ ، قال: «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أدحر ولا أحقر، ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزّل الرحمة، وتجاوز الله عن الذّنوب العظام، إلاّ ما رئي يوم بدر. قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: رأى جبريل ﵇ وهو يزع الملائكة» (١).
وروى أبو عثمان الصّابوني بإسناد له عن رجل كان أسيرا ببلاد الروم، فهرب من بعض الحصون، قال: فكنت أسير بالليل وأكمن بالنّهار، فبينا أنا ذات ليلة أمشي بين جبال وأشجار إذا أنا بحسّ، فراعني ذلك، فنظرت فإذا راكب بعير، فازددت رعبا، وذلك أنّه لا يكون ببلاد الروم بعير، فقلت:
سبحان الله! في بلاد الروم راكب بعير، إنّ هذا لعجب. فلمّا انتهى إليّ قلت:
يا عبد الله، من أنت؟ قال: لا تسأل. قلت: إنّي أرى عجبا، فأخبرني. فقال:
لا تسأل. فأبيت عليه، فقال: أنا إبليس، وهذا وجهي من عرفات، وافقتهم عشيّة اليوم أطلع عليهم، فنزلت عليهم الرحمة والمغفرة، ووهب بعضهم
стр. 482
لبعض، فداخلني الهمّ والحزن والكآبة؛ وهذا وجهي إلى قسطنطينيّة أنفرج بما أسمع من الشرك بالله وادّعاء أنّ له ولدا. فقلت: أعوذ بالله منك. فلمّا قلت هذه الكلمات لم أر أحدا.
ويشهد لهذه الحكاية حديث عبّاس بن مرداس الذي خرّجه أحمد وابن ماجه في دعاء النبي ﷺ لأمّته عشيّة عرفة، ثم بالمزدلفة، فأجيب فضحك ﷺ ، وقال: «إنّ إبليس حين علم أنّ الله قد غفر لأمتي واستجاب دعائي أهوى يحثي التراب على رأسه، ويدعو بالويل والثّبور؛ فضحكت من الخبيث من جزعه» (١).
ويروى عن علي بن الموفق أنّه وقف بعرفة في بعض حجّاته، فرأى كثرة الناس، فقال: اللهم، إن كنت لم تتقبّل منهم أحدا فقد وهبته حجّي. فرأى ربّ العزّة في منامه، وقال له: يا ابن الموفق! أتتسخّى عليّ؟ قد غفرت لأهل الموقف ولأمثالهم، وشفّعت كلّ واحد منهم في أهل بيته وذريته وعشيرته، وأنا أهل التقوى وأهل المغفرة. ويروى نحوه عن غيره أيضا من الشيوخ.
فمن طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة، فليحافظ على الأسباب التي يرجى بها العتق والمغفرة:
فمنها: صيام ذلك اليوم؛ ففي «صحيح مسلم» عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ ، قال: «صيام يوم عرفة؛ أحتسب على الله أن يكفّر السّنة التي قبله والتي بعده» (٢).
стр. 483
ومنها: حفظ جوارحه عن المحرّمات في ذلك اليوم؛ ففي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنّه قال: «يوم عرفة، هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له» (١).
ومنها: الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق؛ فإنّها أصل دين الإسلام الذي أكمله الله تعالى في ذلك اليوم، وأساسه. وفي «المسند» عن عبد الله بن عمرو، قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير». وخرّجه الترمذي، ولفظه: «خير الدّعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير» (٢). وخرّجه الطبراني من حديث عليّ وابن عمر مرفوعا أيضا (٣).
وخرّج الإمام أحمد من حديث الزّبير بن العوام، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨]، ويقول: «وأنا على ذلك من الشاهدين، يا رب» (٤). ويروى من حديث عبادة بن الصامت، قال: شهدت النبي ﷺ يوم عرفة، فكان أكثر قوله: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨].
стр. 484
ثم قال: أي رب، وأنا أشهد. فتحقيق كلمة التوحيد يوجب العتق من النار، فإنّها تعدل عتق الرّقاب، وعتق الرقاب يوجب العتق من النار.
كما ثبت في الصحيح أنّ من قالها مائة مرّة كانت له عدل عشر رقاب. وثبت أيضا أنّ من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل (١).
وفي «سنن أبي داود» وغيره عن أنس عن النبي ﷺ ، قال: «من قال حين يصبح أو يمسي: اللهمّ إنّي أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت وأنّ محمدا عبدك ورسولك، أعتق الله ربعه من النّار، ومن قالها مرّتين أعتق الله نصفه من النّار، ومن قالها ثلاث مرات أعتق الله ثلاثة أرباعه من النّار، ومن قالها أربع مرار أعتقه الله من النار» (٢). ويروى من مراسيل الزّهري: «من قال في يوم عشرة آلاف مرّة لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعتقه الله من النار». كما أنه لو جاء بدية من قتله عشرة آلاف قبلت منه.
ومنها: أن يعتق رقبة إن أمكنه؛ فإنّ من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكلّ عضو منها عضوا منه من النار. كان حكيم بن حزام ﵁ يقف بعرفة ومعه مائة بدنة مقلّدة، ومائة رقيق، فيعتق رقيقه، فيضجّ الناس بالبكاء والدّعاء، ويقولون: ربّنا، هذا عبدك قد أعتق عبيده، ونحن عبيدك فأعتقنا. وجرى للناس مرّة مع الرشيد نحو هذا. وكان أبو قلابة يعتق جارية في عيد الفطر يرجو أن يعتق بذلك من النار.
стр. 485
ومنها: كثرة الدّعاء بالمغفرة، والعتق؛ فإنّه يرجى إجابة الدّعاء فيه. روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي، قال: ليس في الأرض يوم إلاّ لله فيه عتقاء من النّار، وليس يوم أكثر فيه عتقا للرقاب من يوم عرفة. فأكثر فيه أن تقول: اللهم أعتق رقبتي من النار، وأوسع لي من الرزق الحلال، واصرف عنّي فسقة الجنّ والإنس، فإنّه عامّة دعائي اليوم.
وليحذر من الذّنوب التي تمنع المغفرة فيه والعتق:
فمنها: الاختيال؛ روينا من حديث جابر عن النبي ﷺ ، قال: «ما يرى يوم أكثر عتيقا ولا عتيقة من يوم عرفة، لا يغفر الله فيه لمختال». وخرّجه البزار والطبراني وغيرهما. والمختال: هو المتعاظم في نفسه المتكبّر، قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]. وقال النبيّ ﷺ :
«إنّ الله لا ينظر إلى من جرّ ثوبه خيلاء» (١).
ومنها: الإصرار على الكبائر، روى جعفر السراج بإسناده، عن يونس بن عبد الأعلى، أنّه حجّ سنة فرأى أمير الحاج في منامه أنّ الله قد غفر لأهل الموسم سوى رجل فسق بغلام، فأمر بالنداء بذلك في الموسم. وروى ابن أبي الدنيا وغيره أنّ رجلا رأى في منامه أنّ الله قد غفر لأهل الموقف كلّهم، إلاّ رجلا من أهل بلخ، فسأل عنه حتى وقع عليه، فسأله عن حاله، فذكر أنه كان مدمنا لشرب الخمر، فجاء ليلة وهو سكران، فعاتبته أمّه وهي تسجر تنّورا، فاحتملها فألقاها فيه حتى احترقت.
يا من يطمع في العتق من النار ثم يمنع نفسه الرحمة بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار، تالله ما نصحت نفسك، ولا وقف في طريقك غيرك، توبق
стр. 486
نفسك بالمعاصي، فإذا حرمت المغفرة قلت أنّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم.
فنفسك لم ولا تلم المطايا … ومت كمدا فليس لك اعتذار
إن كنت تطمع في العتق فاشتر نفسك من الله، ف ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التّوبة: ١١١]، من كرمت عليه نفسه هان عليه كلّ ما يبذل في افتكاكها من النار.
اشترى بعض السّلف نفسه من الله ثلاث مرار أو أربعا؛ يتصدّق كلّ مرّة بوزن نفسه فضة.
واشترى عامر بن عبد الله بن الزبير نفسه من الله بديته ستّ مرات تصدّق بها. واشترى حبيب العجمي نفسه من الله بأربعين ألف درهم تصدّق بها. وكان أبو هريرة يسبّح كلّ يوم اثنتي عشر ألف تسبيحة بقدر ديته يفتكّ بذلك نفسه.
بدم المحبّ يباع وصلهم … فمن الذي يبتاع بالثمن
من عرف ما يطلب هان عليه كلّ ما يبذل. ويحك! قد رضينا منك في فكاك نفسك بالنّدم، وقنعنا منك في ثمنها بالتوبة والحزن. وفي هذا الموسم قد رخص السّعر، من ملك سمعه وبصره ولسانه غفر له. مدّ إليه يد الاعتذار، وقم على بابه بالذّلّ والانكسار، ارفع قصّة ندمك مرقومة على صحيفة خدّك بمداد الدّموع الغزار، وقل: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. قال يحيى بن معاذ: العبد يوحش فيما بينه وبين سيده بالمخالفات، ولا يفارق بابه بحال؛ لعلمه بأنّ عزّ العبيد في ظلّ مواليهم. وأنشأ يقول:
قرّة عيني لا بدّ لي منك وإن … أوحش بيني وبينك الزّلل
стр. 487
قرة عيني أنا الغريق فخذ … كفّ غريق عليك يتّكل
كانت أحوال الصّادقين في الموقف بعرفة تتنوّع؛ فمنهم من كان يغلب عليه الخوف أو الحياء. وقف مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير، وبكر المزني، بعرفة، فقال أحدهما: اللهم، لا تردّ أهل الموقف من أجلي. وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله، لولا أنّي فيهم!
وقف الفضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثّكلى المحترقة، قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلمّا كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء، وقال: وا سوءتاه منك وإن عفوت! وقال الفضيل أيضا لشعيب بن حرب بالموسم: إن كنت تظنّ أنّه شهد الموقف أحد شرّا منّي ومنك فبئس ما ظننت.
دعا بعض العارفين بعرفة، فقال: اللهم، إن كنت لم تقبل حجّي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصيبة على تركك القبول منّي. وقف بعض الخائفين بعرفة إلى أن قرب غروب الشمس، فنادى: الأمان الأمان، قد دنا الانصراف، فليت شعري ما صنعت في حاجة المساكين!
وإنّي من خوفكم والرّجا … أرى الموت والعيش فيكم عيانا
فمنّوا على تائب خائف … أتاكم ينادي الأمان الأمانا
إذا طلب الأسير الأمان من الملك الكريم أمّنه.
الأمان الأمان وزري ثقيل … وذنوبي إذا عددن تطول
أوبقتني وأوثقتني ذنوبي … فترى لي إلى الخلاص سبيل؟
وقف بعض العارفين الخائفين بعرفة، فمنعه الحياء من الدّعاء، فقيل له: لم
стр. 488
لا تدعو؟ فقال: ثمّ وحشة. فقيل له: هذا يوم العفو عن الذّنوب، فبسط يديه ووقع ميتا.
حدا بها الحادي إلى نعمان … فاستذكرت عهدا لها بالبان
فسالت الرّوح من الأجفان … تشوّقا إلى الزّمان الفاني
غيره:
قد لجّ بي الغرام حتّى قالوا … قد جنّ بهم وهكذا البلبال
الموت إذا رضيته سلسال … في مثل هواك ترخص الآجال
وقف بعض الخائفين بعرفات، وقال: إلهي، النّاس يتقرّبون إليك بالبدن، وأنا أتقرّب إليك بنفسي، ثم خرّ ميتا.
للناس حجّ ولي حجّ إلى سكني … تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي
ما يرضى المحبّون لمحبوبهم بإراقة دماء الهدايا، وإنما يهدون له الأرواح.
أرى موسم الأعياد أنس الأجانب … وما العيد عندي غير قرب الحبائب
إذا قرّبوا بدنا فقرباني الهوى … فإن قبلوا قلبي وإلاّ فقالبي
وما بدم الأنعام أقضي حقوقهم … ولكن بما بين الحشا والتّرائب
كان أبو عبيدة الخوّاص قد غلب عليه الشوق والقلق حتى يضرب على صدره في الطريق، ويقول: وا شوقاه إلى من يراني ولا أراه. وكان بعد ما كبر يأخذ بلحيته ويقول: يا ربّ، قد كبرت فأعتقني. ورئي بعرفة وقد ولع به الوله وهو يقول:
سبحان من لو سجدنا بالعيون له … على حمى الشّوك والمحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معشار نعمته … ولا العشير ولا عشرا من العشر
هو الرفيع فلا الأبصار تدركه … سبحانه من مليك نافذ القدر
стр. 489
سبحان من هو أنسي إذ خلوت به … في جوف ليلي وفي الظّلمات والسّحر
أنت الحبيب وأنت الحبّ يا أملي … من لي سواك ومن أرجوه يا ذخري
ومن العارفين من كان في الموقف يتعلّق بأذيال الرجاء؛ قال ابن المبارك:
جئت إلى سفيان الثوري عشيّة عرفة، وهو جاث على ركبتيه، وعيناه تهملان، فالتفت إليّ، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يظنّ أنّ الله لا يغفر لهم. وروي عن الفضيل أنّه نظر إلى نشيج الناس وبكائهم عشيّة عرفة، فقال: أرأيتم لو أنّ هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقا، يعني سدس درهم، أكان يردّهم؟ قالوا: لا. قال: والله، للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.
وإنّي لأدعو الله أسأل عفوه … وأعلم أنّ الله يعفو ويغفر
لئن أعظم النّاس الذّنوب فإنّها … وإن عظمت في رحمة الله تصغر
وعمّا قليل يقف إخوانكم بعرفة في ذلك الموقف، فهنيئا لمن رزقه، يجأرون إلى الله بقلوب محترقة، ودموع مستبقة؛ فكم فيهم من خائف أزعجه الخوف وأقلقه، ومحبّ ألهبه الشّوق وأحرقه، وراج أحسن الظّنّ بوعد الله وصدّقه، وتائب نصح لله في التّوبة وصدقه، وهارب لجأ إلى باب الله وطرقه؛ فكم هنالك من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه، ومن أسير للأوزار فكّه وأطلقه. وحينئذ يطّلع عليهم أرحم الرّحماء، ويباهي بجمعهم أهل السّماء، ويدنو ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟ لقد قطعنا عند وصولهم الحرمان، وأعطاهم نهاية سؤلهم الرحمن، هو الذي أعطى ومنع، ووصل وقطع.
ما أصنع هكذا جرى المقدور … الجبر لغيري وأنا المكسور
أسير ذنب مقيد ما سور … هل يمكن أن يبدل المسطور
من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقّه الذي عرفه. من عجز عن
стр. 490
المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله، وقد قرّبه وأزلفه. من لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف، فليقم لله بحقّ الرجاء والخوف. من لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى. من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد ربّ البيت؛ فإنّه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد.
نفحت في هذه الأيام نفحة من نفحات الأنس من رياض القدس على كلّ قلب أجاب إلى ما دعي، يا همم العارفين، بغير الله لا تقنعي. يا عزائم الناسكين، لجميع أنساك السالكين اجمعي، لحبّ مولاك أفردي، وبين خوفه ورجائه أقرني، وبذكره تمتعي.
يا أسرار المحبين، بكعبة الحبّ طوفي واركعي، وبين صفاء الصفا ومروة المروة اسعي وأسرعي، وفي عرفات العرفان قفي وتضرّعي، ثم إلى مزدلفة الزّلفى فادفعي، ثم إلى منى نيل المنى فارجعي. فإذا قرّب القرابين فقرّبي الأرواح ولا تمنعي؛ لقد وضح اليوم الطريق، ولكن قلّ السّالك على التحقيق وكثر المدّعي.
لئن لم أحجّ البيت إذ شطّ ربعه … حججت إلى من لا يغيب عن الذّكر
فأحرمت من وقتي بخلع نقائصي (١) … أطوف وأسعى في اللطائف والبرّ
صفاي صفائي عن صفاتي ومروتي … مروءة قلب عن سوى حبّه قفر (٢)
وفي عرفات الأنس بالله موقفي … ومزدلفي الزّلفى لديه إلى الحشر
وبتّ المنى منّي (٣) … مبيتي في منى
ورمي جماري جمر شوقي في صدري
وإشعار هديي ذبح نفسي بقهرها … وحلقي بمحق الكائنات عن السّرّ
ومن رام نفرا بعد نسك فإنّني … مقيم على نسكي حياتي بلا نفر
***
стр. 491
المجلس الثالث في أيام التشريق
خرّج مسلم في «صحيحه» من حديث نبيشة الهذلي أنّ النبي ﷺ ، قال:
«أيّام منى أيّام أكل وشرب، وذكر لله » (١). وخرّجه أهل السّنن والمسانيد من طرق متعددة عن النبي ﷺ ؛ وفي بعضها أنّ النبيّ ﷺ بعث في أيّام منى مناديا ينادي: «لا تصوموا هذه الأيام؛ فإنّها أيام أكل وشرب وذكر لله » (٢). وفي رواية للنسائي: «أيّام أكل وشرب وصلاة» (٣). وفي رواية للدّارقطني بإسناد فيه ضعف: «أيّام أكل وشرب وبعال» (٤). وفي رواية للإمام أحمد: «من كان صائما فليفطر؛ فإنّها أيام أكل وشرب» (٥). وفي رواية: «إنها ليست أيّام صيام» (٦).
أيّام منى هي الأيّام المعدودات التي قال الله فيها: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وهي ثلاثة أيام بعد يوم النّحر، وهي أيّام التشريق، هذا قول ابن عمر وأكثر العلماء. وروي عن ابن عباس وعطاء أنّها
стр. 492
أربعة أيام: يوم النّحر، وثلاثة أيّام بعده، وسمّاها عطاء أيّام التشريق؛ والأوّل أظهر.
وقد قال النبي ﷺ : «أيّام منى ثلاثة، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]». خرّجه أهل السّنن الأربعة من حديث عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي ﷺ (١)، وهذا صريح في أنّها أيام التشريق.
وأفضلها أولها، وهو يوم القرّ؛ لأنّ أهل منى يستقرون فيه، ولا يجوز فيه النّفر. وفي حديث عبد الله بن قرط عن النبي ﷺ : «أعظم الأيّام عند الله يوم النّحر، ثم يوم القر» (٢). وقد روي عن سعيد بن المسيّب أنّ يوم الحجّ الأكبر هو يوم القرّ، وهو غريب.
ثم يوم النّفر الأوّل، وهو أوسطها. ثم يوم النّفر الثاني، وهو آخرها.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
قال كثير من السّلف: يريد أن المتعجّل والمتأخّر يغفر له ويذهب عنه الإثم الذي كان عليه قبل حجّه، إذا حجّ فلم يرفث ولم يفسق، ورجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه. ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فتكون التقوى شرطا لذهاب الإثم على هذا التقدير، وتصير الآية دالّة على ما صرّح به قول النبي ﷺ : «من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه» (٣).
стр. 493
وقد أمر الله تعالى بذكره في هذه الأيّام المعدودات، كما قال النبيّ ﷺ :
«إنّها أيام أكل وشرب وذكر لله ».
وذكر الله المأمور به في أيّام التشريق أنواع متعددة:
منها: ذكر الله عقيب الصّلوات المكتوبات بالتكبير في أدبارها، وهو مشروع إلى آخر أيّام التشريق عند جمهور العلماء. وقد روي عن عمر وعلي وابن عباس. وفيه حديث مرفوع في إسناده ضعف.
ومنها: ذكره بالتّسمية والتكبير عند ذبح النّسك؛ فإنّ وقت ذبح الهدايا والأضاحي يمتدّ إلى آخر أيّام التشريق عند جماعة من العلماء، وهو قول الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، وفيه حديث مرفوع: «كلّ أيام منى ذبح» (١)، وفي إسناده مقال. وأكثر الصّحابة على أنّ الذبح يختصّ بيومين من أيّام التشريق مع يوم النّحر، وهو المشهور عن أحمد، وقول مالك، وأبي حنيفة، والأكثرين.
ومنها: ذكر الله على الأكل والشرب؛ فإنّ المشروع في الأكل والشرب أن يسمّي الله في أوله، ويحمده في آخره. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «إن الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشّربة فيحمده عليها» (٢). وقد روي أنّ من سمى على أوّل طعامه وحمد الله على آخره، فقد أدّى ثمنه، ولم يسأل بعد عن شكره.
стр. 494
ومنها: ذكره بالتكبير عند رمي الجمار في أيّام التشريق، وهذا يختصّ به أهل الموسم.
ومنها: ذكر الله تعالى المطلق؛ فإنّه يستحبّ الإكثار منه في أيّام التشريق، وقد كان عمر يكبّر بمنى في قبته، فيسمعه النّاس فيكبّرون فترتج منى تكبيرا.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠١].
وقد استحبّ كثير من السّلف كثرة الدّعاء بهذا في أيام التشريق. قال عكرمة: كان يستحبّ أن يقال في أيام التشريق: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. وعن عطاء، قال: ينبغي لكلّ من نفر أن يقول حين ينفر متوجها إلى أهله (١): ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. خرّجهما عبد بن حميد في «تفسيره».
وهذا الدعاء من أجمع الأدعية للخير، وكان النبي ﷺ يكثر منه، وروي أنّه كان أكثر دعائه (٢)، وكان إذا دعا بدعاء جعله معه؛ فإنّه يجمع خيري الدنيا والآخرة. قال الحسن: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة.
وقال سفيان: الحسنة في الدنيا العلم والرزق الطيّب، وفي الآخرة الجنة.
стр. 495
والدّعاء من أفضل أنواع ذكر الله .
وقد روى زياد الجصّاص عن أبي كنانة القرشي أنّه سمع أبا موسى الأشعريّ، يقول في خطبته يوم النّحر: بعد يوم النّحر ثلاثة أيام التي ذكر الله الأيام المعدودات لا يردّ فيهن الدّعاء، فارفعوا رغبتكم إلى الله .
وفي الأمر بالذكر عند انقضاء النّسك معنى، وهو أنّ سائر العبادات تنقضي ويفرغ منها، وذكر الله باق لا ينقضي ولا يفرغ منه، بل هو مستمر للمؤمنين في الدنيا والآخرة.
وقد أمر الله تعالى بذكره عند انقضاء الصلاة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النّساء: ١٠٣]، وقال تعالى في صلاة الجمعة: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال الله تعالى: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨].
روي عن ابن مسعود، قال: فإذا فرغت من الفرائض فانصب. وعنه في قوله تعالى: ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشّرح: ٨] قال: في المسألة، وأنت جالس.
وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوة أن يجتهد في الدّعاء والعبادة، والأعمال كلّها يفرغ منها، والذّكر لا فراغ له ولا انقضاء؛ والأعمال (١) تنقطع بانقطاع الدّنيا ولا يبقى منها شيء في الآخرة، والذّكر لا ينقطع. المؤمن يعيش على الذكر، ويموت عليه، وعليه يبعث.
أحسبتم أنّ الليالي غيّرت … عهد الهوى لا كان من يتغيّر
يفنى الزّمان وليس يفنى ذكركم … وعلى محبّتكم أموت وأحشر
стр. 496
قال ذو النون: ما طابت الدنيا إلاّ بذكره، ولا الآخرة إلاّ بعفوه، ولا الجنّة إلاّ برؤيته.
بذكر الله ترتاح القلوب … ودنيانا بذكراه تطيب
إذا ذكر المحبوب عند حبيبه … ترنّح نشوان وحنّ طروب
فأيّام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشّرب، ونعيم قلوبهم بالذّكر والشكر؛ وبذلك تتم النّعمة، وكلما أحدثوا شكرا على النّعمة كان شكرهم نعمة أخرى، فيحتاج إلى شكر آخر، ولا ينتهي الشكر أبدا.
إذا كان شكري نعمة الله نعمة … عليّ له في مثلها يجب الشّكر
فكيف بلوغ الشّكر إلاّ بفضله … وإن طالت الأيّام واتّصل العمر
وفي قول النبي ﷺ : «إنها أيام أكل وشرب وذكر لله » إشارة إلى أنّ الأكل في أيّام الأعياد والشّرب إنّما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته، وذلك من تمام شكر النّعمة أن يستعان بها على الطاعات. وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات، والشكر له [بعمل الطّاعات] (١)، فمن استعان بنعم الله على معاصيه فقد كفر نعمة الله وبدّلها كفرا، وهو جدير أن يسلبها، كما قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها … فإنّ المعاصي تزيل النّعم
وداوم عليها بشكر الإله … فشكر الإله يزيل النّقم
وخصوصا نعمة الأكل من لحوم بهيمة الأنعام، كما في أيام التشريق؛ فإنّ هذه البهائم مطيعة لله لا تعصيه، وهي مسبحة له قانتة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ﴾
стр. 497
﴿مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وأنّها تسجد له، كما أخبر بذلك في سورة «النحل» وسورة «الحج»، وربما كانت أكثر ذكرا لله من بعض بني آدم. وفي «المسند» مرفوعا: «ربّ بهيمة خير من راكبها، وأكثر لله منه ذكرا» (١).
وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنّ كثيرا من الجنّ والإنس كالأنعام بل هم أضلّ. فأباح الله ذبح هذه البهائم المطيعة الذاكرة له لعباده المؤمنين حتى تتقوّى بها أبدانهم، وتكمل لذّاتهم في أكلهم اللحوم، فإنّها من أجلّ الأغذية وألذّها، مع أنّ الأبدان تقوم بغير اللحم من النباتات وغيرها، لكن لا تكمل القوّة والعقل واللذة إلاّ باللحم، فأباح للمؤمنين قتل هذه البهائم والأكل من لحومها؛ ليكمل بذلك قوّة عباده وعقولهم، فيكون ذلك عونا لهم على علوم نافعة وأعمال صالحة يمتاز بها بنو آدم على البهائم، وعلى ذكر الله ، وهو أكثر من ذكر البهائم، فلا يليق بالمؤمن مع هذا إلاّ مقابلة هذه النّعم بالشكر عليها، والاستعانة بها على طاعة الله ، وذكره حيث فضّل الله ابن آدم على كثير من المخلوقات، وسخّر له هذه الحيوانات، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحجّ: ٣٦].
فأمّا من قتل هذه البهائم المطيعة الذّاكرة لله ، ثم استعان بأكل لحومها على معاصي الله ، ونسي ذكر الله ، فقد قلب الأمر وكفر النّعمة، فلا كان من كانت البهائم خيرا منه وأطوع.
نهارك يا مغرور سهو وغفلة … وليلك نوم والرّدى لك لازم
стр. 498
وتتعب فيما سوف تكره غبّه … كذلك في الدّنيا تعيش البهائم
وإنّما نهي عن صيام أيام التشريق؛ لأنّها أعياد للمسلمين مع يوم النّحر، فلا تصام بمنى ولا غيرها عند جمهور العلماء، خلافا لعطاء، في قوله: إنّ النهي مختصّ بأهل منى، وإنما نهي عن التطوّع بصيامها، سواء وافق عادة أو لم يوافق.
فأمّا صيامها عن قضاء فرض أو نذر، أو صيامها بمنى للمتمتع إذا لم يجد الهدي، ففيه اختلاف مشهور بين العلماء، ولا فرق بين يوم منها ويوم عند الأكثرين، إلاّ عند مالك؛ فإنّه قال: في اليوم الثالث منها يجوز صيامه عن نذر خاصة.
وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل فيها والشّرب سرّ حسن، وهو أن الله تعالى لمّا علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السّفر وتعب الإحرام وجهاد النفوس على قضاء المناسك، شرع لهم الاستراحة عقيب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل فيها من لحوم نسكهم؛ فهم في ضيافة الله فيها؛ لطفا من الله بهم، ورأفة ورحمة.
وشاركهم أيضا أهل الأمصار في ذلك؛ لأنّ أهل الأمصار شاركوهم في النّصب لله والاجتهاد في عشر ذي الحجّة؛ بالصّوم والذّكر والاجتهاد في العبادات، وشاركوهم في حصول المغفرة وفي التقرّب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي، فشاركوهم في أعيادهم، واشترك الجميع في الراحة في أيام الأعياد بالأكل والشّرب، كما اشتركوا جميعا في أيام العشر في الاجتهاد في الطاعة والنّصب، وصار المسلمون كلّهم في ضيافة الله في هذه الأيام، يأكلون من رزقه، ويشكرونه على فضله.
ونهوا عن صيامها؛ لأنّ الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه، فكأنّه قيل
стр. 499
للمؤمنين في هذه الأيام: قد فرغ عملكم الذي عملتموه، فما بقي لكم إلاّ الرّاحة؛ فهذه الراحة بذاك التعب، كما أريح الصائمون لله في شهر رمضان بأمرهم بإفطار يوم عيد الفطر.
ويؤخذ من هذا إشارة إلى حال المؤمن في الدنيا؛ فإنّ الدّنيا كلها أيام سفر كأيّام الحجّ، وهي زمان إحرام المؤمن عمّا حرّم الله عليه من الشهوات، فمن صبر في مدّة سفره على إحرامه وكفّ عن الهوى، فإذا انتهى سفر عمره ووصل إلى منى المنى، فقد قضى تفثه ووفّى نذره، فصارت أيّامه كلّها كأيّام منى، أيّام أكل وشرب وذكر لله ، وصار في ضيافة الله في جواره أبد الأبد، ولهذا يقال لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطّور:
١٩] ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقّة: ٢٤]. وقد قيل:
إنّها نزلت في الصّوّام في الدنيا.
وقد صمت عن لذات دهري كلّها … ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي
قال بعض السلف: صم الدنيا اجعل فطرك الموت.
فصم يومك الأدنى لعلّك في غد … تفوز بعيد الفطر والنّاس صوّم
من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها غدا بعد وفاته، ومن تعجّل ما حرّم عليه من لذّاته عوقب بحرمان نصيبه من الجنة وفواته؛ شاهد ذلك من شرب الخمر في الدّنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير لم يلبسه في الآخرة.
أنت في دار شتات … فتأهّب لشتاتك
واجعل الدّنيا كيوم … صمته عن شهواتك
وليكن فطرك عند اللّ … هـ في يوم وفاتك
стр. 500
قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥].
الجنّة ضيافة الله أعدّها لعباده المؤمنين نزلا، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وبعث رسول الله ﷺ يدعو إليها بالإيمان والإسلام والإحسان، فمن أجابه دخل الجنّة وأكل من تلك الضيافة، ومن لم يجب حرم.
خرّج الترمذي عن جابر، قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ يوما، فقال:
رأيت في المنام كأنّ جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجليّ، فقال أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك؛ إنّما مثلك ومثل أمّتك كمثل ملك اتخذ دارا، ثم بنى فيها بيتا، وجعل فيها مائدة، ثم بعث رسولا يدعو النّاس إلى طعامه؛ فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله تعالى: هو الملك، والدّار هي الإسلام، والبيت الجنّة، وأنت يا محمّد رسول، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنّة، ومن دخل الجنّة أكل ما فيها» (١).
وخرّجه البخاري بمعناه، ولفظه: «مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيا، فمن أجاب الدّاعي دخل الدّار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الدّاعي لم يدخل الدّار ولم يأكل من المأدبة؛ والدّار الجنة، والدّاعي محمد ﷺ » (٢).