← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1144

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت عوض الله

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (586 стр.). Показаны 498–537 · переход к 503.

стр. 498

وتتعب فيما سوف تكره غبّه … كذلك في الدّنيا تعيش البهائم وإنّما نهي عن صيام أيام التشريق؛ لأنّها أعياد للمسلمين مع يوم النّحر، فلا تصام بمنى ولا غيرها عند جمهور العلماء، خلافا لعطاء، في قوله: إنّ النهي مختصّ بأهل منى، وإنما نهي عن التطوّع بصيامها، سواء وافق عادة أو لم يوافق. فأمّا صيامها عن قضاء فرض أو نذر، أو صيامها بمنى للمتمتع إذا لم يجد الهدي، ففيه اختلاف مشهور بين العلماء، ولا فرق بين يوم منها ويوم عند الأكثرين، إلاّ عند مالك؛ فإنّه قال: في اليوم الثالث منها يجوز صيامه عن نذر خاصة. وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل فيها والشّرب سرّ حسن، وهو أن الله تعالى لمّا علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السّفر وتعب الإحرام وجهاد النفوس على قضاء المناسك، شرع لهم الاستراحة عقيب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل فيها من لحوم نسكهم؛ فهم في ضيافة الله فيها؛ لطفا من الله بهم، ورأفة ورحمة. وشاركهم أيضا أهل الأمصار في ذلك؛ لأنّ أهل الأمصار شاركوهم في النّصب لله والاجتهاد في عشر ذي الحجّة؛ بالصّوم والذّكر والاجتهاد في العبادات، وشاركوهم في حصول المغفرة وفي التقرّب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي، فشاركوهم في أعيادهم، واشترك الجميع في الراحة في أيام الأعياد بالأكل والشّرب، كما اشتركوا جميعا في أيام العشر في الاجتهاد في الطاعة والنّصب، وصار المسلمون كلّهم في ضيافة الله في هذه الأيام، يأكلون من رزقه، ويشكرونه على فضله. ونهوا عن صيامها؛ لأنّ الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه، فكأنّه قيل

стр. 499

للمؤمنين في هذه الأيام: قد فرغ عملكم الذي عملتموه، فما بقي لكم إلاّ الرّاحة؛ فهذه الراحة بذاك التعب، كما أريح الصائمون لله في شهر رمضان بأمرهم بإفطار يوم عيد الفطر. ويؤخذ من هذا إشارة إلى حال المؤمن في الدنيا؛ فإنّ الدّنيا كلها أيام سفر كأيّام الحجّ، وهي زمان إحرام المؤمن عمّا حرّم الله عليه من الشهوات، فمن صبر في مدّة سفره على إحرامه وكفّ عن الهوى، فإذا انتهى سفر عمره ووصل إلى منى المنى، فقد قضى تفثه ووفّى نذره، فصارت أيّامه كلّها كأيّام منى، أيّام أكل وشرب وذكر لله ، وصار في ضيافة الله في جواره أبد الأبد، ولهذا يقال لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطّور: ١٩] ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقّة: ٢٤]. وقد قيل: إنّها نزلت في الصّوّام في الدنيا. وقد صمت عن لذات دهري كلّها … ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي قال بعض السلف: صم الدنيا اجعل فطرك الموت. فصم يومك الأدنى لعلّك في غد … تفوز بعيد الفطر والنّاس صوّم من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها غدا بعد وفاته، ومن تعجّل ما حرّم عليه من لذّاته عوقب بحرمان نصيبه من الجنة وفواته؛ شاهد ذلك من شرب الخمر في الدّنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير لم يلبسه في الآخرة. أنت في دار شتات … فتأهّب لشتاتك واجعل الدّنيا كيوم … صمته عن شهواتك وليكن فطرك عند اللّ … هـ في يوم وفاتك

стр. 500

قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. الجنّة ضيافة الله أعدّها لعباده المؤمنين نزلا، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وبعث رسول الله ﷺ يدعو إليها بالإيمان والإسلام والإحسان، فمن أجابه دخل الجنّة وأكل من تلك الضيافة، ومن لم يجب حرم. خرّج الترمذي عن جابر، قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ يوما، فقال: رأيت في المنام كأنّ جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجليّ، فقال أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك؛ إنّما مثلك ومثل أمّتك كمثل ملك اتخذ دارا، ثم بنى فيها بيتا، وجعل فيها مائدة، ثم بعث رسولا يدعو النّاس إلى طعامه؛ فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله تعالى: هو الملك، والدّار هي الإسلام، والبيت الجنّة، وأنت يا محمّد رسول، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنّة، ومن دخل الجنّة أكل ما فيها» (١). وخرّجه البخاري بمعناه، ولفظه: «مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيا، فمن أجاب الدّاعي دخل الدّار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الدّاعي لم يدخل الدّار ولم يأكل من المأدبة؛ والدّار الجنة، والدّاعي محمد ﷺ » (٢).

стр. 501

في بعض الآثار الإسرائيلية يقول الله تعالى: «ابن آدم، ما أنصفتني، أذكرك وتنساني، وأدعوك إليّ فتفر منيّ إلى غيري، وأذهب عنك البلايا وأنت منعكف على الخطايا، ابن آدم، ما يكون اعتذارك غدا إذا جئتني؟». طوبى لمن أجاب مولاه، ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]. يا نفس ويحك قد أتاك هداك … أجيبي فداعي الحقّ قد ناداك كم قد دعيت إلى الرّشاد فتعرضي … وأجبت داعي الغيّ حين دعاك كلّ ما في الدنيا يذكّر بالآخرة؛ فمواسمها وأعيادها وأفراحها تذكّر بمواسم الآخرة وأعيادها وأفراحها. صنع عبد الواحد بن زيد طعاما لإخوانه، فقام عتبة الغلام على رءوس الجماعة يخدمهم وهو صائم، فجعل عبد الواحد ينظر إليه ويسارقه النظر ودموع عتبة تجري، فسأله بعد ذلك عن بكائه حينئذ، فقال: ذكرت موائد الجنّة والولدان قائمون علي رءوسهم؛ فصعق عبد الواحد. أبدان العارفين في الدنيا وقلوبهم في الآخرة. جسمي معي غير أنّ الرّوح عندكم … فالجسم في غربة والرّوح في وطن أعياد الناس تنقضي، فأمّا أعياد العارفين فدائمة. قال الحسن: كلّ يوم لا تعصي الله فيه فهو لك عيد. جاء بعضهم إلى بعض العارفين فسلّم عليه، وقال له: أريد أن أكلمك، قال: اليوم لنا عيد، فتركه، ثم جاءه يوما آخر، فقال له مثل ذلك، ثم جاء يوما آخر، فقال له مثل ذلك. فقال له: ما أكثر أعيادك! قال: يا بطّال! أما علمت أنّ كلّ يوم لا نعصي الله فيه فهو لنا عيد. أوقات العارفين كلّها فرح وسرور بمناجاة مولاهم وذكره، فهي أعياد. وكان الشّبلي ينشد:

стр. 502

إذا ما كنت لي عيدا … فما أصنع بالعيد جرى حبّك في قلبي … كجري الماء في العود وأنشد أيضا: عيدي مقيم وعيد النّاس منصرف … والقلب منّي عن اللّذات منحرف ولي قرينان ما لي منهما خلف … طول الحنين وعين دمعها يكف ***

стр. 503

المجلس الرابع في ذكر ختام العام خرّج الإمام أحمد من حديث جابر، عن النبي ﷺ ، قال: «لا تتمنّوا الموت؛ فإنّ هول المطّلع شديد، وإنّ من السّعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة» (١). تمني الموت يقع على وجوه: منها: تمنيه لضرّ دنيوي ينزل بالعبد، فينهى حينئذ عن تمني الموت. وفي «الصحيحين»: عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: «لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضرّ نزل به، فإن كان لا بدّ فاعلا، فليقل: اللهمّ، أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي» (٢). ووجه كراهته في هذه الحال أنّ المتمني للموت لضرّ نزل به، إنّما يتمنّاه تعجيلا للاستراحة من ضرّه، وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت، فلعله يصير إلى ضرّ أعظم من ضرّه، فيكون كالمستجير من الرّمضاء بالنار. وفي الحديث: عن النبي ﷺ ، قال: «إنّما يستريح من غفر له» (٣).

стр. 504

فلهذا لا ينبغي له أن يدعو بالموت إلا أن يشترط أن يكون خيرا له عند الله ، وكذلك كلّ ما لا يعلم العبد فيه الخيرة له، كالغنى والفقر وغيرهما، كما يشرع له استخارة الله تعالى فيما يريد أن يعمله مما لا يعلم وجه الخيرة فيه، وإنما يسأل الله على وجه الجزم والقطع مما يعلم أنّه خير محض، كالمغفرة والرّحمة والعفو والعافية والتّقى والهدى ونحو ذلك. ومنها: تمنيه خوف الفتنة في الدّين، فيجوز حينئذ. وقد تمنّاه ودعا به خشية فتنة الدّين خلق من الصحابة وأئمة الإسلام. وفي حديث المنام: «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» (١). ومنها: تمني الموت عند حضور أسباب الشهادة اغتناما لحصولها، فيجوز ذلك أيضا. وسؤال الصحابة الشهادة وتعرّضهم لها عند حضور الجهاد كثير مشهور، وكذلك سؤال معاذ لنفسه وأهل بيته الطاعون لمّا وقع بالشام. ومنها: تمني الموت لمن وثق بعمله شوقا إلى لقاء الله ، فهذا يجوز أيضا، وقد فعله كثير من السّلف. قال أبو الدّرداء: أحبّ الموت اشتياقا إلى ربّي. وقال أبو عنبة الخولاني: كان من قبلكم لقاء الله أحبّ إليه من الشهد. وقال بعض العارفين: طالت عليّ الأيام والليالي بالشوق إلى لقاء الله .

стр. 505

وقال بعضهم: طال شوقي إليك فعجّل قدومي عليك. وقال بعضهم: لا تطيب نفسي بالموت إلاّ إذا ذكرت لقاء الله ؛ فإنني أشتاق حينئذ إلى الموت؛ كشوق الظمآن الشديد ظمؤه في اليوم الحارّ الشديد حرّه إلى الماء البارد الشديد برده، وفي هذا يقول بعضهم: أشتاق إليك يا قريبا نائي … شوق ظام إلى زلال الماء وقد دلّ على جواز ذلك قول الله : ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] وقوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]، فدلّ ذلك على أنّ أولياء الله لا يكرهون الموت بل يتمنونه، ثم أخبر أنهم ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٧]، فدلّ على أنّه إنما يكره الموت من له ذنوب يخاف القدوم عليها، كما قال بعض السلف: ما يكره الموت إلا مريب. وفي حديث عمّار بن ياسر، عن النبي ﷺ : «أسألك لذّة النّظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك، في غير ضرّاء مضرّة، ولا فتنة مضلّة» (١). فالشوق إلى لقاء الله تعالى إنما يكون بمحبة الموت، وذلك لا يقع غالبا إلاّ عند خوف ضرّاء مضرّة في الدنيا، أو فتنة مضلّة في الدين. فأمّا إذا خلا عن ذلك، كان شوقا إلى لقاء الله ، وهو المسئول في هذا الحديث. وفي «المسند» عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: «لا يتمنين الموت إلاّ من وثق بعمله» (٢). فالمطيع لله مستأنس بربّه، فهو يحبّ لقاء الله، والله يحبّ لقاءه. والعاصي

стр. 506

مستوحش، بينه وبين مولاه وحشة الذّنوب، فهو يكره لقاء ربّه ولا بدّ له منه. قال ذو النون: كلّ مطيع مستأنس، وكلّ عاص مستوحش. وفي هذا يقول بعضهم: أمستوحش أنت مما جنيت … فأحسن إذا شئت واستأنس قال أبو بكر الصديق لعمر ﵄ في وصيته له عند الموت: إن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحبّ إليك من الموت ولا بدّ لك منه، وإن ضيعتها لم يكن غائب أكره إليك من الموت ولن تعجزه. قال أبو حازم: كلّ عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرّك متى متّ. العاصي يفرّ من الموت لكراهية لقاء الله، وأين يفرّ من هو في قبضة من يطلبه. أين المفرّ والإله الطّالب … والمجرم المغلوب ليس الغالب سئل أبو حازم: كيف القدوم على الله؟ قال: أمّا المطيع فكقدوم الغائب على أهله المشتاقين إليه، أمّا العاصي فكقدوم الآبق على سيّده الغضبان. رئي بعض الصالحين في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: خيرا، لم تر مثل الكريم إذا حلّ به المطيع. الدنيا كلّها شهر صيام المتقين، وعيد فطرهم يوم لقاء ربهم، كما قيل: وقد صمت عن لذّات دهري كلّها … ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي ومنها: تمني الموت على غير الوجوه المتقدّمة، فقد اختلف العلماء في كراهته واستحبابه، وقد رخص فيه جماعة من السلف، وكرهه آخرون، وحكى بعض أصحابنا عن أحمد في ذلك روايتين ولا يصحّ؛ فإنّ أحمد إنما نصّ على كراهة تمني الموت؛ لضرر الدنيا، وعلى جواز تمنيه خشية الفتنة في الدّين. وربما أدخل بعضهم في هذا الاختلاف القسم الذي قبله، وفي ذلك نظر.

стр. 507

واستدلّ من كرهه بعموم النّهي عنه، كما في حديث جابر الذي ذكرناه، وفي معناه أحاديث أخر يأتي بعضها إن شاء الله تعالى. وقد علّل النهي عن تمني الموت في حديث جابر بعلتين: إحداهما: أنّ هول المطّلع شديد، وهول المطّلع هو ما يكشف للميت عند حضور الموت من الأهوال التي لا عهد له بشيء منها في الدنيا؛ من رؤية الملائكة، ورؤية أعماله من خير أو شرّ، وما يبشّر به عند ذلك من الجنّة والنار، هذا مع ما يلقاه من شدّة الموت وكربه وغصصه. وفي الحديث الصحيح: «إذا حملت الجنازة وكانت صالحة، قالت: قدّموني قدّموني، وإن كانت غير ذلك، قالت: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كلّ شيء إلاّ الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق» (١). قال الحسن: لو علم ابن آدم أنّ له في الموت راحة وفرحا لشقّ عليه أن يأتيه الموت؛ لما يعلم من فظاعته وشدّته وهوله، فكيف وهو لا يعلم ما له في الموت نعيم دائم أو عذاب مقيم. بكى النّخعي عند احتضاره، وقال: أنتظر ملك الموت لا أدري يبشرني بالجنة أو النار. فالمتمني للموت كأنّه يستعجل حلول البلاء، وإنما أمرنا بسؤال العافية. وسمع ابن عمر رجلا يتمنى الموت، فقال: لا تتمنّ الموت؛ فإنّك ميت، ولكن سل الله العافية. قال إبراهيم بن أدهم: إن للموت كأسا لا يقوى عليها إلا خائف وجل مطيع لله كان يتوقّعها. وقال أبو العتاهية: ألا للموت كاس أيّ كاس … وأنت لكأسه لا بدّ حاسي

стр. 508

إلى كم والممات إلى قريب … تذكّر بالممات (١) وأنت ناسي جزع الحسن بن عليّ ﵄ عند موته، وقال: إني أريد أن أشرف على ما لم أشرف عليه قطّ. وبكى الحسن البصريّ عند موته، وقال: نفيسة ضعيفة وأمر مهول عظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقول: إنّي أريد أن أسافر سفرا ما سافرته قطّ، وأسلك طريقا ما سلكته قطّ، وأزور سيدي ومولاي وما رأيته قطّ، وأشرف على أهوال ما شاهدتها قطّ. فهذا كلّه من هول المطّلع الذي قطع قلوب الخائفين (٢)، حتى قال عمر عند موته: لو أنّ لي ما في الأرض لافتديت به من هول المطّلع. ومن هول المطّلع ما يكشف للميت عند نزوله قبره من فتنة القبر؛ فإنّ الموتى يفتنون بالمسألة في قبورهم مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدّجّال، وما يكشف لهم في قبورهم عن منازلهم من الجنة والنار، وما يلقون من ضمّة القبر وضيقته وهوله وعذابه إن لم يعاف الله من ذلك. [ولأبي العتاهية: لأبكينّ على نفسي وحقّ ليه … يا عين لا تبخلي عنّي بعبرتيه يا هول مطّلعي، يا ضيق مضطجعي … يا نأي منتجعي، يا بعد شقّتيه] (٣) رئي بعض الصّالحين في المنام بعد موته فسئل عن حاله، فأنشد: وليس يعلم ما في القبر داخله … إلاّ الإله وساكن الأجداث

стр. 509

[كان سفيان الثوري ينشد: إنّ امرأ يصفو له عيشه … لغافل عمّا تجنّ القبور نحن بنو الأرض وسكانها … منها خلقنا وإليها نصير] (١) والعلة الثانية: أنّ المؤمن لا يزيده عمره إلاّ خيرا، فمن سعادته أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة إليه، والتوبة من ذنوبه السالفة، والاجتهاد في العمل الصالح؛ فإذا تمنى الموت، فقد تمنى انقطاع عمله الصالح، فلا ينبغي له ذلك. وروى إبراهيم الحربيّ من رواية ابن لهيعة، عن ابن الهاد، عن ابن المطلب، عن أبيه أنّ النبي ﷺ ، قال: «السّعادة كلّ السّعادة طول العمر في طاعة الله » (٢). وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، ففي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لا يتمنّينّ أحدكم الموت؛ إمّا محسنا، فلعلّه يزداد خيرا، وإمّا مسيئا فلعلّه أن يستعتب» (٣). وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا يتمنّينّ أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنّه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنّه لا يزيد المؤمن عمره إلاّ خيرا» (٤). وفي «مسند الإمام أحمد» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وثق

стр. 510

بعمله؛ فإنّه إن مات أحدكم انقطع عنه عمله، وإنّه لا يزيد المؤمن عمره إلاّ خيرا» (١). وفيه عن أمّ الفضل ﵂ أن النبي ﷺ سمع العباس وهو يشتكي يتمنى الموت، فقال: «لا تتمنّ الموت؛ فإنّك إن كنت محسنا تزداد إحسانا إلى إحسانك، وإن كنت مسيئا فأن تؤخّر تستعتب من إساءتك خير لك» (٢). وفيه أيضا: عن أبي أمامة ﵁، قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكّرنا ورقّقنا، فبكى سعد بن أبي وقاص، فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني متّ. فقال النبي ﷺ : «يا سعد، إن كنت خلقت للجنّة فما طال من عمرك وحسن من عملك، فهو خير لك» (٣). وفي المعنى أحاديث أخر كثيرة، وكلّها تدلّ على النّهي عن تمني الموت بكل حال، وأنّ طول عمر المؤمن خير له، فإنّه يزداد فيه خيرا. وهذا قد قيل: إنه يدخل فيه تمنيه للشوق إلى لقاء الله، وفيه نظر، فإنّ النبي ﷺ قد تمنّاه في تلك الحال. واختلف السالكون: أيما أفضل؛ من تمنّى الموت شوقا إلى لقاء الله، أو من تمنى الحياة رغبة في طاعة الله، أو من فوّض الأمر إلى الله ورضي باختياره له ولم يختر لنفسه شيئا. واستدلّ طائفة من الصحابة على تفضيل الموت على الحياة بقول الله : ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. ولكن الأحاديث الصحيحة تدلّ على أنّ عمر المؤمن كلما طال ازداد بذلك ما له عند الله من الخير، فلا ينبغي له أن يتمنّى انقطاع ذلك، اللهم إلا أن يخشى الفتنة على

стр. 511

دينه؛ فإنه إذا خشي الفتنة على دينه، فقد خشي أن يفوته ما عند الله من الخير ويتبدّل ذلك بالشر، عياذا بالله من ذلك، والموت خير من الحياة على هذه الحال. قال ميمون بن مهران: لا خير في الحياة إلا لتائب أو رجل يعمل في الدّرجات. يعني أنّ التائب يمحو بالتوبة ما سلف من السيئات، والعامل يجتهد في علو الدّرجات، ومن عداهما فهو خاسر، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. فأقسم الله تعالى أنّ كلّ إنسان خاسر إلاّ من اتّصف بهذه الأوصاف الأربعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر على الحق. فهذه السورة ميزان للأعمال يزن المؤمن بها نفسه فيبين له بها ربحه من خسرانه، ولهذا قال الشافعي ﵁: لو فكّر النّاس كلّهم فيها لكفتهم. رأى بعض المتقدمين النبي ﷺ في منامه، فقال له: أوصني. فقال له: «من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه شرّا من أمسه فهو ملعون، ومن لم يتفقّد الزّيادة في عمله فهو في نقصان، ومن كان في نقصان فالموت خير له». قال بعضهم: كان الصّدّيقون يستحيون من الله أن يكونوا اليوم على مثل حالهم بالأمس. يشير إلى أنّهم كانوا لا يرضون كل يوم إلا بالزّيادة من عمل الخير، ويستحيون من فقد ذلك ويعدّونه خسرانا، كما قيل: أليس من الخسران أنّ لياليا … تمرّ بلا نفع وتحسب من عمري فالمؤمن القائم بشروط الإيمان لا يزداد بطول عمره إلاّ خيرا، ومن كان كذلك فالحياة خير له من الموت. وفي دعاء النبي ﷺ : «اللهم اجعل الحياة

стр. 512

زيادة لي في كلّ خير، والموت راحة لي من كلّ شرّ» (١). خرّجه مسلم. وفي «الترمذي» عنه ﷺ «أنّه سئل: أيّ النّاس خير؟ قال: من طال عمره وحسن عمله». قيل: فأيّ النّاس شرّ؟ قال: من طال عمره وساء عمله» (٢). وفي «المسند» وغيره: «أنّ نفرا ثلاثة قدموا على النبي ﷺ فأسلموا، فكانوا عند طلحة، فبعث النبي ﷺ بعثا، فخرج فيه أحدهم فاستشهد، ثم بعث بعثا آخر، فخرج آخر منهم فاستشهد، ثم مات الثالث على فراشه. قال طلحة: فرأيتهم في الجنّة، فرأيت الميّت على فراشه أمامهم، ورأيت الذي استشهد آخرا يليه، ورأيت الذي استشهد أوّلهم آخرهم. فأتيت النبيّ ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: وما أنكرت من ذلك؟ ليس أفضل عند الله من مؤمن يعمّر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله» (٣). وفي رواية، قال: «أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى، قال: وأدرك رمضان فصامه؟ قالوا: بلى. قال: وصلّى كذا وكذا سجدة في السّنة؟ قالوا: بلى. قال: فلما بينهما أبعد ما بين السّماء والأرض». قيل لبعض السّلف: طاب الموت. قال: لا تفعل، لساعة تعيش فيها تستغفر الله خير لك من موت الدّهر. وقيل لشيخ كبير منهم: تحبّ الموت؟ قال: لا. قيل: ولم؟ قال: ذهب الشباب وشرّه، وجاء الكبر وخيره؛ فإذا قمت قلت: بسم الله، وإذا قعدت قلت: الحمد لله، فأنا أحبّ أن يبقى لي هذا. وقيل لشيخ آخر منهم: ما بقي ممّا تحبّ له الحياة؟ قال: البكاء على الذنوب. ولهذا كان السّلف الصالح يتأسّفون عند موتهم على انقطاع أعمالهم عنهم بالموت.

стр. 513

وبكى معاذ عند موته وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالرّكب عند حلق الذّكر. وبكى عبد الرحمن بن الأسود عند موته، وقال: وا أسفاه على الصوم والصلاة، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات. وبكى يزيد الرقاشي عند موته، وقال: أبكي على ما يفوتني من قيام الليل وصيام النّهار، ثم بكى وقال: من يصلي لك يا يزيد بعدك؟ ومن يصوم ومن يتقرّب لك بالأعمال الصالحة؟ ومن يتوب لك من الذنوب السّالفة؟ وجزع بعضهم عند موته، وقال: إنما أبكي على أن يصوم الصائمون لله ولست فيهم، ويصلّي المصلّون ولست فيهم، ويذكر الذّاكرون ولست فيهم، فذلك الذي أبكاني. تحمّل أصحابي ولم يجدوا وجدي … وللنّاس أشجان ولي شجن وحدي أحبّكم ما دمت حيّا فإن أمت … فوا أسفي ممّن يحبّكم بعدي في «الترمذي» عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «ما من ميت مات إلا ندم؛ إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون استعتب» (١). إذا كان المحسن يندم على ترك الزّيادة، فكيف يكون حال المسيء؟ رأى بعض المتقدمين في المنام قائلا يقول له: يا خدّ إنّك إن توسّد ليّنا … وسّدت بعد الموت صمّ الجندل فاعمل لنفسك في حياتك صالحا … فلتندمنّ غدا إذا لم تفعل ورأى آخر في المنام قائلا يقول له: إن كنت لا ترتاب أنّك ميّت … ولست لبعد الموت ما أنت تعمل فعمرك ما يغني وأنت مفرّط … واسمك في الموتى معدّ محصّل

стр. 514

رئي بعض الموتى في المنام، فقال: ما عندنا أكثر من الندامة، ولا عندكم أكثر من الغفلة. وجد على قبر مكتوب: ندمت على ما كان منّي ندامة … ومن يتّبع ما تشتهي النّفس يندم ألم تعلموا أنّ الحساب أمامكم … وأنّ وراكم طالبا ليس يسأم فخافوا لكيما تأمنوا بعد موتكم … ستلقون ربّا عادلا ليس يظلم فليس لمغرور بدنياه راحة … سيندم إن زلّت به النّعل فاعلموا الموتى في قبورهم يتحسّرون على زيادة في أعمالهم بتسبيحة أو بركعة، ومنهم من يسأل الرجعة إلى الدنيا لذلك، فلا يقدرون على ذلك، قد حيل بينهم وبين العمل، وغلقت منهم الرهون. ورئي بعضهم في المنام فقال: قدمنا على أمر عظيم، نعلم ولا نعمل، وأنتم تعملون ولا تعلمون، والله لتسبيحة أو تسبيحتان، أو ركعة أو ركعتان في صحيفة أحدنا أحبّ إليه من الدنيا وما فيها. قال بعض السّلف: كلّ يوم يعيش فيه المؤمن غنيمة. وقال بعضهم: بقيّة عمر المؤمن لا قيمة له، يعني أنه يمكنه أن يمحو فيه ما سلف منه من الذنوب بالتوبة، وأن يجتهد فيه في بلوغ الدّرجات العالية بالعمل الصالح. فأمّا من فرط في بقية عمره فإنّه خاسر، فإن ازداد فيه من الذنوب فذلك هو الخسران المبين. الأعمال بالخواتيم؛ من أصلح فيما بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما بقي وما مضى. يا بائع عمره مطيعا أمله … في معصية الله كفعل الجهله إن ساومك الجهل بباقيه فقل … باقي عمر المؤمن لا قيمة له ما مضى من العمر وإن طالت أوقاته ذهبت لذّاته وبقيت تبعاته، وكأنّه لم يكن إذا جاء الموت وميقاته؛ قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ﴾

стр. 515

﴿سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]. تلا بعض السّلف هذه الآية وبكى، وقال: إذا جاء الموت لم يغن عن المرء ما كان فيه من اللذّة والنعيم. وفي هذا المعنى ما أنشده أبو العتاهية للرشيد حين بنى قصره واستدعى إليه ندماءه: عش ما بدا لك سالما … في ظلّ شاهقة القصور يسعى عليك بما اشتهيت … لدى الرّواح وفي البكور فإذا النّفوس تقعقعت … في ضيق حشرجة الصّدور فهناك تعلم موقنا … ما كنت إلاّ في غرور في «صحيح البخاري» عن النبي ﷺ ، قال: «أعذر الله إلى من بلّغه ستين من عمره» (١). وفي الترمذي: «أعمار أمّتي ما بين السّتين إلى السّبعين، وأقلّهم من يجوز ذلك» (٢). وفي رواية: «حصاد أمّتي من بلغ الخمسين، فقد تنصّف المائة فماذا ينتظر». لهفي على خمسين عاما مضت … كانت أمامي ثمّ خلفتها لو كان عمري مائة هدّني … تذكّري أنّي تنصّفتها في بعض الكتب السّالفة: إنّ لله مناديا ينادي كلّ يوم: أبناء الخمسين، زرع دنا حصاده، أبناء الستين، هلموا إلى الحساب. أبناء السّبعين، ماذا قدّمتم وماذا أخرتم؟ أبناء الثمانين: لا عذر لكم. ليت الخلق لم يخلقوا، وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا، وتجالسوا بينهم فتذاكروا ما عملوا، ألا أتتكم السّاعة

стр. 516

فخذوا حذركم. وقال وهب: إن لله مناديا ينادي في السّماء الرابعة كلّ صباح: أبناء الأربعين، زرع دنا حصاده. أبناء الخمسين: ماذا قدّمتم وماذا أخّرتم؟ أبناء الستين: لا عذر لكم. وفي حديث: «إنّ الله تعالى يقول للحفظة: ارفقوا بالعبد ما دامت حداثته، فإذا بلغ الأربعين حقّقا وتحفّظا». فكان بعض رواته يبكي عند روايته، ويقول: حين كبرت السّنّ، ورقّ العظم، وقع التحفّظ. قال مسروق: إذا أتتك الأربعون فخذ حذرك. وقال النّخعي: كان يقال لصاحب الأربعين: احتفظ بنفسك. وكان كثير من السّلف إذا بلغ الأربعين تفرّغ للعبادة. وقال عمر بن عبد العزيز: تمّت حجّة الله على ابن الأربعين، فمات لها. ورأى في منامه قائلا يقول له: إذا ما أتتك الأربعون فعندها … فاخش الإله وكن للموت حذّارا يا أبناء العشرين، كم مات من أقرانكم وتخلفتم. يا أبناء الثلاثين، أصبتم بالشباب على قرب من العهد، فما تأسفتم. يا أبناء الأربعين، ذهب الصّبا وأنتم على اللهو قد عكفتم. يا أبناء الخمسين، تنصفتم المائة وما أنصفتم. يا أبناء الستين، أنتم على معترك المنايا قد أشرفتم، أتلهون وتلعبون، لقد أسرفتم!! وإذا تكامل للفتى من عمره … خمسون وهو إلى التّقى لا يجنح عكفت عليه المخزيات فما له … متأخّر عنها ولا متزحزح وإذا رأى الشيطان غرّة وجهه … حيّا وقال فديت من لا يفلح

стр. 517

قال الفضيل لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة. قال له: أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربّك يوشك أن تصل. وإنّ امرأ قد سار ستين حجّة … إلى منهل من ورده لقريب يا من يفرح بكثرة مرور السنين عليه، إنما تفرح بنقص عمرك. قال أبو الدّرداء والحسن ﵄: إنما أنت أيام، كلّما مضى منك يوم مضى بعضك. وأنشد بعضهم: إنّا لنفرح بالأيّام نقطعها … وكلّ يوم مضى يدني من الأجل فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا … فإنّما الرّبح والخسران في العمل قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره؟! كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وحياته إلى موته؟! نجد سرورا بالهلال إذا بدا … وما هو إلاّ السّيف للحتف ينتضى إذا قيل تمّ الشّهر فهو كناية … وترجمة عن شطر عمر قد انقضى قال الحسن: الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من ورائكم. نسير إلى الآجال في كلّ لحظة … وأعمارنا تطوى وهنّ مراحل ترحّل من الدنيا بزاد من التّقى … فعمرك أيّام وهنّ قلائل (١) قال بعض الحكماء: من كانت الليالي مطاياه سارتا به وإن لم يسر. وما هذه الأيام إلاّ مراحل … يحثّ بها حاد إلى الموت قاصد وأعجب شيء لو تأمّلت أنّها … منازل تطوى والمسافر قاعد

стр. 518

[قال بعض الحكماء: قد اعتورك الليل والنّهار، يدفعك الليل إلى النهار، ويدفعك النهار إلى الليل، حتى يأتيك الموت: أيا ويح نفسي من نهار يقودها … إلى عسكر الموتى وليل يذودها] (١) يا من كلّما طال عمره ازداد ذنبه، يا من كلّما ابيضّ شعره بمرور الأيام اسودّ بالآثام قلبه. شيخ كبير له ذنوب … تعجز عن حملها المطايا قد بيّضت شعره الليالي … وسوّدت قلبه الخطايا يا من تمرّ عليه سنة بعد سنة وهو مستثقل في نوم الغفلة والسّنة. يا من يأتي عليه عام بعد عام وقد غرق في بحار الخطايا فعام (٢). يا من يشاهد الآيات والعبر كلّما توالت عليه الأعوام والشهور، ويسمع الآيات والسور، ولا ينتفع بما يسمع ولا بما يرى من عظائم الأمور، ما الحيلة فيمن سبق عليه الشقاء في الكتاب المسطور ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحجّ: ٤٦]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النّور: ٤٠]. خليليّ كم من ميت قد حضرته … ولكنّني لم أنتفع بحضوري وكم من ليالي قد أرتني عجائبا … لهنّ وأيام خلت وشهور وكم من سنين قد طوتني كثيرة … وكم من أمور قد جرت وأمور ومن لم يزده السّنّ (٣) … ما عاش عبرة فذاك الّذي لا يستنير بنور ***

стр. 519

فصل ويلتحق بوظائف شهور السنة الهلاليّة وظائف فصول السنة الشّمسيّة وفيه ثلاثة مجالس: المجلس الأول في ذكر فصل الربيع خرّجا في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض. قيل: ما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا. فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشّرّ؟ فصمت رسول الله ﷺ حتى ظننت أنه سينزل عليه. ثم جعل يمسح عن جبينه. قال: أين السائل؟ قال: أنا. قال: لا يأتي الخير إلاّ بالخير؛ إنّ هذا المال خضرة حلوة، وإنّ كلّ ما أنبت الرّبيع يقتل حبطا أو يلمّ، إلا آكلة الخضر، أكلت، حتى إذا امتدّت خاصرتاها استقبلت الشمس، فاجترّت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت؛ وإنّ هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بحقّه، ووضعه في حقّه، فنعم المعونة هو، وإن أخذه بغير حقّه كان كالذي يأكل ولا يشبع» (١).

стр. 520

كان النبي ﷺ يتخوّف على أمّته من فتح الدنيا عليهم، فيخاف عليهم الافتتان بها. ففي «الصحيحين» عن عمرو بن عوف أنّ النبي ﷺ قال للأنصار لما جاءه مال البحرين: «أبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدّنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم؛ فتنافسوها كما تنافسوها؛ فتهلككم كما أهلكتهم» (١). وكان آخر خطبة خطبها على المنبر حذّر فيها من زهرة الدنيا، ففي «الصحيحين» عن عقبة بن عامر أنّ النبي ﷺ صعد المنبر، فقال: «إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم» قال عقبة: فكان آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر (٢). وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عمرو أنّ النبيّ ﷺ ، قال: «إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم، أيّ قوم أنتم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله . فقال رسول الله ﷺ : أو غير ذلك، تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون» (٣). وفي «المسند» عن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: «لا تفتح الدنيا على أحد إلاّ ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. قال عمر: وأنا أشفق من ذلك» (٤). وفيه أيضا عن أبي ذرّ، أنّ أعرابيّا قال: يا رسول الله! أكلتنا الضّبع - يعني السّنة والجدب - فقال النبي ﷺ : «غير ذلك أخوف منّي عليكم حين تصبّ

стр. 521

عليكم الدنيا صبّا، فليت أمتي لا يلبسون الذّهب» (١). وفي رواية: «الديباج» (٢). وفيه أيضا: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: «ما أخشى عليكم الفقر، ولكنّي أخشى عليكم التكاثر» (٣). ويروى من حديث عوف بن مالك وأبي الدّرداء، عن النبي ﷺ ، قال: «آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده، لتصبّنّ عليكم الدنيا صبّا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلاّ هي» (٤). وفي رواية عوف: «فإنّ الله فاتح عليكم فارس والروم» (٥). وفي المعنى أحاديث أخر. وفي «الترمذي» أنّه ﷺ قال: «لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال» (٦) فقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض»، ثم فسّره بزهرة الدنيا؛ ومراده: ما يفتح على أمّته منها من ملك فارس والروم وغيرهم من الكفار الذين ورثت هذه الأمة ديارهم وأموالهم وأراضيهم التي تخرج منها زروعهم وثمارهم وأنهارهم ومعادنهم، وغير ذلك مما يخرج من بركات الأرض.

стр. 522

وهذا من أعظم المعجزات، وهو إخباره بظهور أمته على كنوز فارس والروم وأموالهم وديارهم. ووقع على ما أخبر به؛ ولكنّه لما سمّى ذلك «بركات الأرض» وأخبر أنه «أخوف ما يخافه عليهم» أشكل ذلك على بعض من سمعه حيث سمّاه بركة، ثم خاف منه أشدّ الخوف؛ فإنّ البركة إنّما هي خير ورحمة. وقد سمّى الله تعالى المال خيرا في مواضع كثيرة من القرآن، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، وقال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]. فلمّا سأله السائل: هل يأتي الخير بالشر؟ صمت النبيّ ﷺ حتّى ظنّوا أنّه أوحي إليه، والظاهر أنّ الأمر كان كذلك، ويدلّ عليه أنّه ورد في رواية لمسلم في هذا الحديث: «فأفاق يمسح عنه الرّحضاء» (١) وهو العرق، وكان النبي ﷺ إذا أوحي إليه يتحدّر منه مثل الجمان من العرق من شدّة الوحي وثقله عليه؛ وفي هذا دليل علي أنه ﷺ كان إذا سئل عن شيء لم يكن أوحي إليه فيه شيء انتظر الوحي فيه. ولم يتكلّم فيه بشيء حتى يوحى إليه فيه، فلمّا نزل عليه جواب ما سئل عنه، قال: أين السائل؟ قال: ها أنا، فقال النبي ﷺ : «إنّ الخير لا يأتي إلاّ بالخير». وفي رواية لمسلم، فقال: «أو خير هو؟» (١) وفي ذلك دليل على أنّ المال ليس بخير على الإطلاق، بل منه خير ومنه شرّ. ثم ضرب مثل المال ومثل من يأخذه بحقّه ويصرفه في حقه، ومن يأخذه

стр. 523

من غير حقّه ويصرفه في غير حقّه؛ فالمال في حقّ الأوّل خير، وفي حقّ الثاني شرّ، فتبيّن بهذا أنّ المال ليس بخير مطلق، بل هو خير مقيّد، فإن استعان به المؤمن على ما ينفعه في آخرته كان خيرا له، وإلاّ كان شرّا له. فأمّا المال، فقال: إنه خضرة حلوة، وقد وصف المال والدنيا بهذا الوصف في أحاديث كثيرة. ففي «الصحيحين» عن حكيم بن حزام، أنّه سأل النّبيّ ﷺ فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله، فقال له النبي ﷺ : «يا حكيم، إنّ هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه؛ وكان كالذي يأكل ولا يشبع» (١). وفي «صحيح مسلم» عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إنّ الدّنيا خضرة حلوة، وإنّ الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون؛ فاتّقوا الدنيا، واتقوا النّساء؛ فإنّ أوّل فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (٢). واستخلافهم فيها هو ما أورثهم الله منها مما كان في أيدي الأمم من قبلهم كفارس والروم، وحذّرهم من فتنة الدنيا، وفتنة النّساء خصوصا؛ فإنّ النّساء أوّل ما ذكره الله تعالى من شهوات الدنيا ومتاعها في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [آل عمران: ١٤]. وفي «المسند» و «الترمذي» عن خولة بنت قيس، عن النبي ﷺ قال: «إنّ

стр. 524

هذا المال خضرة حلوة، فمن أصابه بحقّه بورك له فيه، وربّ متخوّض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلاّ النار» (١). وفي «المسند» أيضا عن خولة بنت ثامر الأنصارية، عن النبي ﷺ ، قال: «إنّ الدّنيا خضرة حلوة، وإنّ رجالا سيتخوّضون في مال الله بغير حقّ، لهم النّار يوم القيامة» (٢). وخرّج البخاري من قوله: «إنّ رجالا» (٣)، إلى آخره. وفي «المسند» أيضا عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: «إن هذه الدنيا خضرة حلوة، فمن آتيناه منها شيئا بطيب نفس أو طيب طعمة ولا إشراف، بورك له فيه، ومن آتيناه منها شيئا بغير طيب نفس منّا وغير طيب طعمة وإشراف منه لم يبارك له فيه» (٤). وفي المعنى أحاديث أخر. وقوله ﷺ : «إن مما ينبت الربيع يقتل حبطا، أو يلمّ، إلاّ آكلة الخضر»، مثل آخر ضربه ﷺ لزهرة الدّنيا وبهجة منظرها وطيب نعيمها وحلاوته في النفوس، فمثله كمثل نبات الربيع، وهو المرعى الخضر الذي ينبت في زمان الربيع؛ فإنّه يعجب الدّوابّ التي ترعى فيه وتستطيبه وتكثر من الأكل منه أكثر من قدر حاجتها؛ لاستحلائها له؛ فإمّا أن يقتلها فتهلك وتموت حبطا - والحبط: انتفاخ البطن من كثرة الأكل - أو يقارب قتلها، ويلمّ به، فتمرض منه مرضا مخوفا مقاربا للموت.

стр. 525

فهذا مثل من يأخذ من الدنيا بشره وجوع نفس من حيث لاحت له، لا بقليل يقنع ولا بكثير يشبع، ولا يحلل ولا يحرّم، بل الحلال عنده ما حلّ بيده وقدر عليه، والحرام عنده ما منع منه وعجز عنه. فهذا هو المتخوّض في مال الله ورسوله فيما شاءت نفسه، وليس له إلاّ النّار يوم القيامة، كما في حديث خولة المتقدّم. والمراد ب «مال الله ومال رسوله» الأموال التي يجب على ولاة الأمور حفظها وصرفها في طاعة الله ورسوله من أموال الفيء والغنائم، ويتبع ذلك مال الخراج والجزية، وكذلك أموال الصّدقات التي تصرف للفقراء والمساكين، كمال الزكاة والوقف ونحو ذلك. وفي هذا تنبيه على أن من تخوّض من الدنيا في الأموال المحرم أكلها، كمال الرّبا، ومال الأيتام الذي من أكله أكل نارا، والمغصوب، والسّرقة، والغشّ في البيوع، والخداع والمكر وجحد الأمانات والدعاوى الباطلة، ونحوها من الحيل المحرمة؛ أولى أن يتخوّض صاحبها في نار جهنم غدا. فكلّ هذه الأموال وما أشبهها يتوسّع بها أهلها في الدنيا ويتلذّذون بها، ويتوصّلون بها إلى لذّات الدنيا وشهواتها، ثم ينقلب ذلك بعد موتهم فيصير جمرا من جمر جهنّم في بطونهم، فما تفي لذّتها بتبعتها، كما قيل: تفنى اللّذاذة ممّن نال لذّتها … من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبّتها … لا خير في لذّة من بعدها النّار فلهذا شبّه النبيّ ﷺ من يأخذ الدنيا بغير حقّها، ويضعها في غير حقّها، بالبهائم الراعية من خضراء الربيع حتى تنتفخ بطونها من أكله؛ فإمّا أن يقتلها، وإمّا أن يقارب قتلها. فكذلك من أخذ الدنيا من غير حقّها ووضعها في غير وجهها؛ إمّا أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه، وهو من مات على ذلك من

стр. 526

غير توبة منه وإصلاح حال، فيستحقّ النّار بعمله؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمّد: ١٢]. وهذا هو الميت حقيقة؛ فإنّ الميت من مات قلبه، كما قيل: ليس من مات فاستراح بميت … إنّما الميت ميّت الأحياء وإمّا أن يقارب موته ثم يعافى، وهو من أفاق من هذه السكرة وتاب، وأصلح عمله قبل موته. وقد قال علي ﵁ في كلامه المشهور في أقسام حملة العلم: أو منهوم باللذات سلس القياد للشهوات، أو مغرى بجمع الأموال والادخار، وليسوا من رعاة الدين أقرب شبها بهم الأنعام السارحة. وفي الأبيات المشهورة التي كان عمر بن عبد العزيز ينشدها كثيرا. نهارك يا مغرور سهو وغفلة … وليلك نوم والرّدى لك لازم وتتعب فيما سوف تكره غبّه … كذلك في الدّنيا تعيش البهائم وأمّا استثناؤه ﷺ من ذلك «آكلة الخضر» فمراده بذلك مثل المقتصد الذي يأخذ من الدنيا بحقّها مقدار حاجته، فإذا نفد واحتاج عاد إلى الأخذ منها قدر الحاجة بحقّه. و «آكلة الخضر»: دويبة تأكل من الخضر بقدر حاجتها إذا احتاجت إلى الأكل، ثم تصرفه عنها فتستقبل عين الشمس، فتصرف بذلك ما في بطنها وتخرج منه ما يؤذيها من الفضلات. وقد قيل: إنّ الخضر ليس من نبات الربيع عند العرب، إنما هو من كلإ الصيف بعد يبس العشب وهيجه واصفراره، والماشية من الإبل لا تستكثر منه، بل تأخذ منه قليلا قليلا، ولا تحبط بطونها منه. فهذا مثل المؤمن المقتصد من الدنيا؛ يأخذ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها، قدر بلغته وحاجته، ويجتزئ من متاعها بأدونه وأخشنه، ثم لا يعود

стр. 527

إلى الأخذ منها إلاّ إذا نفد ما عنده وخرجت فضلاته، فلا يوجب له هذا الأخذ ضررا ولا مرضا ولا هلاكا، بل يكون ذلك بلاغا له، ويتبلّغ به مدّة حياته، ويعينه على التزوّد لآخرته. وفي هذا إشارة إلى مدح من أخذ من حلال الدنيا بقدر بلغته وقنع بذلك، كما قال ﷺ : «قد أفلح من هداه الله إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا فقنع به» (١) وقال ﷺ : «خير الرّزق ما يكفي» (٢). وقال: «اللهم اجعل رزق آل محمّد قوتا» (٣). خذ من الرّزق ما كفى … ومن العيش ما صفا كلّ هذا سينقضي … كسراج إذا انطفا ثم قال ﷺ : «إن هذا المال خضرة حلوة» فأعاد مرّة ثانية تحذيرا من الاغترار به، فخضرته بهجة منظره، وحلاوته طيب طعمه؛ فلذلك تشتهيه النفوس وتسارع إلى طلبه، ولكن لو فكرت في عواقبه لهربت منه. الدنيا في الحال حلوة خضرة، وفي المآل مرّة كدرة؛ نعمت المرضعة، وبئست الفاطمة! إنّما الدّنيا نهار … ضوؤه ضوء معار بينما عيشك غضّ … ناعم فيه اخضرار إذ رماه زمناه … فإذا فيه اصفرار وكذاك اللّيل يأتي … ثم يمحوه النّهار

стр. 528

مثل حرام الدّنيا كشجرة الدّفلى، تعجب من رآها، وتقتل من أكلها. نرى الدّنيا وزهرتها فنصبوا … وما يخلو من الشّهوات قلب فضول العيش أكثره هموم … وأكثر ما يضرّك ما تحبّ إذا اتفق القليل وفيه سلم … فلا ترد الكثير وفيه حرب الذي بشّر أمّته بفتح الدنيا عليهم حذّرهم من الاغترار بزهرتها، وخوّفهم من خضرتها وحلاوتها، وأخبرهم بخرابها وفنائها، وأنّ بين أيديهم دارا لا تنقطع خضرتها وحلاوتها؛ فمن وقف مع زهرة هذه العاجلة انقطع وهلك، ومن لم يقف معها وسار إلى تلك، وصل ونجا. في «المسند» عن ابن عباس: «أنّ النبي ﷺ أتاه فيما يرى النائم ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: اضرب له مثلا، فقال: إنّ مثله ومثل أمّته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزّاد ما يقطعون به المفازة، ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلّة حبرة، فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أتتبعوني؟ قالوا: نعم. قال: فانطلق بهم فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألقكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتّبعوني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه، فاتّبعوني. قال: فقالت طائفة صدق والله، لنتّبعنّه. وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه (١).

стр. 529

وقد خرّجه ابن أبي الدنيا وغيره عن الحسن مرسلا بسياق أبسط من هذا، وفيه «أنّهم لما رتعوا وسمنوا وأعجبهم المنزل صاح بهم، فقال: ارتحلوا؛ فإنّ هذه الروضة ذاهبة، وإنّ هذا الماء غائر ذاهب، وإنّ أمامكم روضة أعشب من هذه، وماء أروى من هذا الماء. فكره ذلك عامّة الناس، وقالوا: ما نريد بدلا، وهم أكثر الناس. وقال آخرون: والله إنّ آخر قوله كأوّله، ارتحلوا، فأبوا، فارتحل قوم فنجوا، ولم يشعر الذين أقاموا حتى طرقهم العدوّ ليلا، فأصبحوا من بين قتيل وأسير». الدنيا خضراء الدّمن. ومعنى ذلك أن خضرتها نابتة على مزبلة منتنة. يا دني الهمّة، قنعت بروضة على مزبلة، والملك يدعوك إلى فردوسه الأعلى ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [التّوبة: ٣٨]، أرضيتم بخرابات البلى من الفردوس؟ يا لها صفقة غبن ما أخسرها! أتقنع بخسائس الحشائش والرّياض معشبة بين يديك؟ فإن حننت للحمى وروضه … فبالغضى ماء وروضات أخر وقوله ﷺ : «من أخذه بحقه ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو؛ ومن أخذه بغير حقّه، كان كالذي يأكل ولا يشبع». تقسيم لمن يأخذ المال إلى قسمين: فأحدهما: يشبه حال آكلة الخضر، وهو من أخذه بحقه ووضعه في حقّه؛ وذكر أنه نعم المعونة هو؛ فإنّه نعم العون لمن هذه صفته على الآخرة، كما في حديث عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ ، قال: «نعم المال الصّالح للرجل الصّالح» (١)، وهو الذي يأخذه بحقه ويضعه في حقه، فهذا يوصله ماله

стр. 530

إلى الله ، فمن أخذ من المال بحقّه ما يقوّيه على طاعة الله، ويستعين به عليها، كان أخذه طاعة، ونفقته طاعة. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ، قال: «إنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك» (١). وفي حديث آخر: «ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت أهلك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة» (٢). فما أخذ من الدّنيا بنيّة التقوّي على طلب الآخرة فهو داخل في قسم إرادة الآخرة والسّعي لها، لا في إرادة الدنيا والسعي لها. قال الحسن: ليس من حب الدنيا طلبك ما يصلحك فيها، ومن زهدك فيها ترك الحاجة يسدّها عنك تركها. ومن أحبّ الدنيا وسرّته ذهب خوف الآخرة من قلبه. وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور، ولكنّه بلاغ إلى ما هو خير منه. وقال بعض العارفين: كلّ ما أصبت من الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكلّ ما أصبت منها تريد به الآخرة فليس من الدنيا. وقال أبو سليمان: الدنيا حجاب عن الله لأعدائه، ومطيّة موصلة إليه لأوليائه، فسبحان من جعل شيئا واحدا سببا للاتصال به والانقطاع عنه. والقسم الثاني: يشبه حاله حال البهائم التي ترعى مما ينبت الربيع، فيقتلها حبطا أو يلمّ، وهو من يأخذ المال بغير حقّه، فيأخذه من الوجوه المحرمة، فلا

стр. 531

يقنع منه بقليل ولا بكثير، ولا تشبع نفسه منه، ولهذا قال: «وكان كالّذي يأكل ولا يشبع». و «كان النبي ﷺ يتعوّذ من نفس لا تشبع» (١). وفي حديث زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ ، قال: «من كانت الدّنيا همّه، فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدّنيا إلاّ ما كتب له» (٢). فمن كان فقره بين عينه لم يزل خائفا من الفقر، لا يستغني قلبه بشيء، ولا يشبع من الدنيا؛ فإنّ الغنى غنى القلب، والفقر فقر النفس. وفي حديث خرّجه «الطبراني» مرفوعا: «الغنى في القلب، والفقر في القلب، ومن كان الغنى في قلبه فلا يضرّه ما لقي من الدّنيا، ومن كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له منها، وإنما يضرّ نفسه» (٣). وعن عيسى ﵇، قال: مثل طالب الدنيا كشارب البحر، كلما زاد شربا منه زاد عطشا حتى يقتله. قال يحيى بن معاذ: من كان غناه في قلبه لم يزل غنيّا، ومن كان غناه في كسبه لم يزل فقيرا، ومن قصد المخلوقين لحوائجه لم يزل محروما. ويشهد لذلك كلّه الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ : «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التّراب، ويتوب الله على من تاب» (٤).

стр. 532

لو فكّر الطامع في عاقبة الدنيا لقنع، ولو تذكّر الجائع إلى فضول مآلها لشبع. هب أنّك قد ملكت الأرض طرّا … ودان لك العباد فكان ماذا أليس إذا مصيرك جوف قبر (١) … ويحثي التّرب هذا ثمّ هذا وقد ضرب الله تعالى في كتابه مثل الدنيا وخضرتها ونضرتها وبهجتها وبهجتها وسرعة تقلّبها وزوالها، وجعل مثلها كمثل نبات الأرض النابت من مطر السماء في تقلّب أحواله ومآله. قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [الزمر: ٢١]. فالدّنيا وجميع ما فيها من الخضرة والبهجة والنّضرة تتقلّب أحواله وتتبدّل،

стр. 533

ثم تصير حطاما يابسا. وقد عدّد سبحانه زينة الدّنيا ومتاعها المبهج في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]. وهذا كلّه يصير ترابا، ما خلا الذهب والفضة، ولا ينتفع بأعيانهما، بل هما قيم الأشياء، فلا ينتفع صاحبهما بإمساكهما، وإنما ينتفع بإنفاقهما، ولهذا قال الحسن: بئس الرفيق الدّرهم والدّينار، لا ينفعانك حتى يفارقانك. وأجسام بني آدم، بل وسائر الحيوانات، كنبات الأرض تتقلّب من حال إلى حال، ثم تجفّ وتصير ترابا، قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً﴾ [نوح: ١٧ - ١٨]. وما المرء إلاّ كالنّبات وزهره … يعود رفاتا بعد ما هو ساطع فينتقل ابن آدم [في أطواره إلى الشّباب، ثم ينتقل] (١) من الشباب إلى الهرم، ومن الصحة إلى السّقم، ومن الوجود إلى العدم، كما قيل: وما حالاتنا إلاّ ثلاث … شباب ثمّ شيب ثمّ موت وآخر ما يسمّى المرء شيخا … ويتلوه من الأسماء ميت مدة الشباب قصيرة كمدة زهر الربيع وبهجته ونضارته، فإذا يبس وابيضّ فقد آن ارتحاله، كما أنّ الزرع إذا ابيضّ فقد آن حصاده. وأجلّ زهور الربيع الورد، ومتى كثر فيه البياض فقد قرب زمن انتقاله. قال وهيب بن الورد: إنّ لله ملكا ينادي في السّماء كلّ يوم: أبناء الخمسين، زرع دنا حصاده.

стр. 534

وفي حديث مرفوع: «إنّ لكلّ شيء حصادا، وحصاد أمّتي ما بين السّتّين إلى السّبعين» (١). قد يبلغ الزّرع منتهاه … لا بدّ للزّرع من حصاد وقد يدرك الزرع آفة قبل بلوغ حصاده فيهلك، كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ الآية [يونس: ٢٤]. قال ميمون بن مهران لجلسائه: يا معشر الشيوخ، ما ينتظر بالزّرع إذا ابيضّ؟ قالوا: الحصاد، فنظر إلى الشباب، فقال: يا معشر الشباب، إنّ الزّرع قد تدركه الآفة قبل أن يستحصد. وقال بعضهم: أكثر من يموت الشباب، وآية ذلك أنّ الشيوخ في الناس قليل. أيا ابن آدم لا تغررك عافية … عليك ضافية فالعمر معدود ما أنت إلاّ كزرع عند خضرته … بكلّ شيء من الآفات مقصود فإن سلمت من الآفات أجمعها … فأنت عند كمال الأمر محصود كلّ ما في الدنيا فهو مذكّر بالآخرة، ودليل عليه؛ فنبات الأرض واخضرارها في الربيع بعد محولها ويبسها في الشتاء، وإيناع الأشجار واخضرارها بعد كونها خشبا يابسا يدلّ على بعث الموتى من الأرض، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه في مواضع كثيرة، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾

стр. 535

﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٩ - ١١]. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]. قال أبو رزين للنبي ﷺ : «كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: هل مررت بواد أهلك محلا، ثم مررت به يهتزّ خضرا؟ قال: نعم. قال: كذلك يخرج الله الموتى، وذلك آيته في خلقه». خرّجه الإمام أحمد (١). وقصر مدّة الزّرع والثمار وعود الأرض بعد ذلك إلى يبسها، والشجر إلى حالها الأول، كعود ابن آدم بعد كونه حيّا إلى التراب الذي خلق منه. وفصول السنة تذكّر بالآخرة؛ فشدّة حرّ الصيف يذكّر بحرّ جهنم، وهو من سمومها؛ وشدة برد الشتاء يذكّر بزمهرير جهنّم وهو من زمهريرها، والخريف يكمل فيه اجتناء الثمرات التي تبقى وتدّخر في البيوت، فهو منبّه على اجتناء ثمرات الأعمال في الآخرة. وأمّا الرّبيع فهو أطيب فصول السّنة، وهو يذكّر بنعيم الجنة وطيب عيشها، فينبغي أن يحثّ المؤمن على الاستعداد لطلب الجنّة بالأعمال الصّالحة. كان بعض السّلف يخرج في أيام الرّياحين والفواكه إلى السوق، فيقف وينظر ويعتبر، ويسأل الله الجنّة. ومرّ سعيد بن جبير بشباب من أبناء الملوك

стр. 536

جلوس في مجالسهم في زينتهم، فسلّموا عليه، فلمّا بعد عنهم بكى واشتدّ بكاؤه، وقال: ذكّرني هؤلاء شباب أهل الجنّة. تزوّج صلة بن أشيم بمعاذة العدويّة، وكانا من كبار الصالحين، فأدخله ابن أخيه الحمّام، ثم أدخله على زوجته في بيت مطيّب منجّد، فقاما يصليان إلى الصباح، فسأله ابن أخيه عن حاله، فقال: أدخلتني بالأمس بيتا أذكرتني به النّار - يعني الحمّام - وأدخلتني الليلة بيتا أذكرتني به الجنّة، فلم يزل فكري في الجنة والنار إلى الصباح. دعا عبد الواحد بن زيد إخوانه إلى طعام صنعه لهم، فقام على رءوسهم عتبة الغلام يخدمهم وهو صائم، وهم يأكلون، فجعلت عيناه تهملان. فسأله عبد الواحد عن سبب بكائه، فقال: ذكرت موائد أهل الجنّة إذا أكلوا وقام الولدان على رءوسهم، إنما خلقت الدّنيا مرآة لننظر بها إلى الآخرة لا لننظر إليها ونوقف معها. كفى حزنا أن لا أعاين بقعة … من الأرض إلاّ ازددت شوقا إليكم وإني متى ما طاب لي خفض عيشة … تذكّرت أيّاما مضت لي لديكم تدقيق النظر والفكر في حال النبات يستدلّ به المؤمن على عظمة خالقه وكمال قدرته ورحمته، فتزداد القلوب هيمانا في محبّته، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. زمان الربيع كلّه واعظ يذكّر بعظمة موجده وكمال قدرته، ويشوّق إلى طيب

стр. 537

مجاورته في دار كرامته، كما قال ابن سمعون في وصف الربيع: أرضه حرير، وأنفاسه عبير، وأوقاته كلّها وعظ وتذكير. [وقال غيره: الأرض فيه زمرّدة، والأشجار حلل ووشي، والهواء مسك، والنّسيم عبير (١)، والماء راح، والطير قيان، والكلّ دالّ على كمال الصّانع، شاهد له بالواحدنية] (٢). أنشد بعضهم في وصف زمان الربيع: يا قومنا فاح الرّبيع … ولاح للأحباب نجد الزّهر مسك والرّياض … أريضة والماء جعد والظّلّ منثور وفي … جيد الشقائق منه عقد هذا النّسيم معنبر … وضباب هذا النّوء ندّ والغصن يرقص والغدي … ر مصفّق والورق تشدو والجوّ بعض منه يا … قوت وبعض لازورد والكلّ يشهد أنّ صا … نعه قدير وهو فرد وأنشد آخر: الطّلّ في سلك الغصون كلؤلؤ … رطب يصافحه النّسيم فيسقط والطّير يقرأ والغدير صحيفة … والرّيح يكتب والغمام ينقّط رئي بعض الشعراء المتقدّمين في المنام بعد موته، فسئل عن حاله، فقال: غفر لي بأبيات قلتها في النّرجس، وهي: تفكّر في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك
следующие страницы →