فبين يديك، - أخي الكريم - درّة من درر الإمام الحافظ الفقيه زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن المعروف ب «ابن رجب» الدمشقي الحنبلي، مما جاد به قلمه، وفاض به علمه.
وهو ذاك الكتاب الحافل «لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف»، الذي لا يستغني عنه سالك طريق رب العباد، متزودا للمعاد، متأهبا للموت قبل قدومه والاستعداد؛ أو منتصب للوعظ والإرشاد، آخذ بأيدي الناس إلى خير زاد، موقظ لهم من الغفلة والسّهاد، هاد لهم إلى جنّة الله ورضوانه سالكا طريق خير هاد ﷺ .
ولأجل هذا؛ سلك مؤلّفه فيه طريقا واضحة، وجادّة سويّة، حيث إنه جمع فيه بين الصناعة الحديثيّة؛ لتكون مواعظه قائمة على أسس صحيحة، لا كحال أغلب الوعّاظ الذين يملئون مواعظهم بالغثّ والسّمين والطّيب والخبيث، وبين الصناعة الفقهيّة، والتي ينبني عليها العمل الذي هو المقصود من العلم، فإن العمل إذا لم يكن قائما على علم سليم وفهم مستقيم، كان عملا مردودا على وجه صاحبه غير مقبول منه، كما قال النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو ردّ»؛ بل يكون - والحالة هذه - بدعة وضلالة؛ والعياذ بالله.
ومع ذلك؛ فلم يخل المؤلف الكتاب من العبارات الوعظيّة، المصحوبة أحيانا بالسجع غير المتكلّف، والذي هو - بلا شكّ - يكون له تأثير في تحريك القلوب واستدرار العبرات، ثم حفز الهمم للعمل الذي هو الغاية من الوعظ، كما قال الله : ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
стр. 3
كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزّمر: ٢٣].
وقد لخّص المؤلف طريقته في الكتاب، ومسلكه فيه، ومنهجه الذي انتهجه، فقال في مقدمته:
«وقد استخرت الله في أن أجمع في هذا الكتاب وظائف شهور السّنة وما يختصّ بالشهور ومواسمها من الطاعات، كالصّلاة، والصّيام، والذّكر، والشّكر، وبذل الطّعام، وإفشاء السّلام، وغير ذلك من خصال البررة الكرام؛ ليكون ذلك عونا لنفسي ولإخواني على التزوّد للمعاد، والتأهّب للموت قبل قدومه، والاستعداد، وأفوّض أمري إلى الله، إنّ الله بصير بالعباد.
ويكون أيضا صالحا لمن يريد الانتصاب للمواعظ من المذكّرين؛ فإنّ من أفضل الأعمال عند الله لمن أراد به وجه الله إيقاظ الراقدين، وتنبيه الغافلين؛ قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذّاريات: ٥٥]، ووعد من أمر بصدقة أو معروف أو أصلح بين الناس يبتغي به وجهه، أجرا عظيما. وأخبر نبيّه ﷺ أنّ «من دعا إلى هدى فله مثل أجر من تبعه»، وكفى بذلك فضلا عميما.
وقد جعلت هذه الوظائف المتعلّقة بالشهور مجالس، مرتّبة على ترتيب شهور السّنة الهلاليّة؛ فأبدأ بالمحرّم، وأختم بذي الحجّة، وأذكر في كل شهر ما فيه من هذه الوظائف، وما لم يكن له وظيفة خاصّة لم أذكر فيه شيئا، وختمت ذلك كلّه بوظائف فصول السّنة الشّمسيّة، وهي ثلاثة
стр. 4
مجالس: في ذكر الرّبيع، والشتاء، والصيف، وختمت الكتاب كلّه بمجلس في التوبة والمبادرة بها قبل انقضاء العمر؛ فإنّ التوبة وظيفة العمر كلّه. وأبدأ قبل ذكر وظائف الشهور بمجلس في فضل التذكير بالله يتضمّن ذكر بعض ما في مجالس التذكير من الفضل».
هذا؛ وإنّي إذ أقدّم هذا الكتاب المفيد، محقّقا، موثّقا، مخدوما بتخريج أحاديثه، مذيّلا بفهارس مفيدة؛ أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا العمل كلّ من وقف عليه، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يتقبّله مني بفضله ورحمته، وأن يعينني وإخواني من أهل العلم على خدمة كتب أسلافنا على النحو اللائق بها؛ إنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير.
وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
وكتب
أبو معاذ
طارق بن عوض الله بن محمد
стр. 5
ترجمة ابن رجب الحنبلي
من «إنباء الغمر» لابن حجر (٣/ ١٧٥ - ١٧٦)
نسبه:
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغداديّ، ثم الدمشقيّ الحنبلي الحافظ، زين الدين.
مولده:
ولد ببغداد سنة ست وثلاثين وسبعمائة.
شيوخه:
وسمع بمصر من الميدومي (١)، وبالقاهرة من ابن الملوك (٢)، وبدمشق من ابن الخبّاز (٣)، وجمع جمّ.
ورافق شيخنا زين الدين العراقيّ في السماع كثيرا.
_________
(١) هو: صدر الدين أبو الفتح: محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي المتوفى سنة (٧٥٤ هـ).
(٢) هو: ناصر الدين محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب، ينتهي نسبه بالعادل الأيوبيّ، ويلقّب ب «ابن الملوك»، توفي سنة (٧٥٦ هـ).
(٣) هو: المسند المعمّر: شمس الدين محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم الدمشقي الأنصاري العبادي.
стр. 6
علمه:
ومهر في فنون الحديث: أسماء، ورجالا، وعللا، وطرقا، واطّلاعا على معانيه (١).
أشهر مؤلفاته:
صنّف: «شرح الترمذي»، فأجاد فيه، في نحو عشرة أسفار (٢).
وشرح قطعة كبيرة من البخاري (٣).
وشرح الأربعين للنووي، في مجلد (٣).
وعمل وظائف الأيام، سمّاه: «اللطائف» (٤).
وعمل طبقات الحنابلة، ذيلا على طبقات أبي يعلى (٥).
عبادته:
وكان صاحب عبادة وتهجّد.
_________
(١) ومما يمتاز به ابن رجب: سعة اطّلاعه على أقوال المتقدمين، وطول نفسه في الكلام على الأحاديث، عللا، ورجالا، وفقها.
(٢) وهذا الكتاب، فقد في جملة ما فقد من الكتب في فتنة التّتر، سنة (٨٠٣ هـ)، ولم يبق سوى قطعة من كتاب اللّباس، تقع في عشر ورقات، وشرح العلل الذي في آخر «الجامع» للترمذي.
وقد طبع «شرح العلل» عدة طبعات، ومن نظر فيه علم كم خسر المسلمون بفقدان هذا الكتاب، الذي لو سلم من الضياع، لكان فيه غناء أيّ غناء عن كل الشروح التي انتهت إلينا.
(٣) وقد طبع بتحقيقي، وهو من منشورات دار ابن الجوزي.
(٤) وهو هذا الكتاب الذي بين يديك.
(٥) مطبوع.
стр. 7
مذهبه:
ونقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية، ثم أظهر الرجوع عن ذلك، فنافره التّيميون، فلم يكن مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء. وكان قد ترك الإفتاء بأخرة (١).
ثناء العلماء عليه:
قال ابن حجّي: أتقن الفنّ، وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق.
أخلاقه:
وكان لا يخالط أحدا، ولا يتردد إلى أحد.
_________
(١) لم تكن موافقته لابن تيمية عن تعصّب له، ولا مخالفته له عن بغض ومنافرة له. وإنما هذا شأنه كشأن أيّ عالم مطّلع يتغير اجتهاده بحسب الدلائل والبراهين التي تظهر له. فهو يدور مع الدليل حيث دار، ولا بدّ لمثل هذا أن يوافق بعضا وأن يخالف بعضا، وربّما وافق في مسألة من قد خالفه في أخرى، والعكس؛ إذ ليس غرض هؤلاء العلماء الفضلاء موافقة أحد من الناس، وإنما غرضهم الوقوف على الحقّ حيث كان. والله يجزي المصيب إحسانا والمخطئ غفرانا.
وقد ترجم ابن رجب لابن تيمية في «ذيل طبقات الحنابلة» بترجمة حافلة، في عشرين صفحة (٢/ ٣٨٧ - ٤٠٨)، وهي ترجمة حافلة بالثناء والإطناب والاعتراف بمنزلة هذا الإمام، فقال في صدرها:
«الإمام الفقيه، المجتهد، المحدّث، الحافظ، المفسر، الأصولي، الزاهد، شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره». والله الهادي، لا ربّ سواه.
стр. 8
وفاته:
مات في رمضان، ﵀ (١).
تلامذته:
تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق.
***
_________
(١) وذلك سنة (٧٩٥ هـ).
وقال ابن ناصر الدين في كتابه: «الرد الوافر» (ص ١٠٧).
«حدّثني من حضر لحد ابن رجب: أنّ الشيخ زين الدين ابن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام. قال: فقال لي: احفر لي هنا لحدا، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها. قال: فحفرت له، فلما فرغ نزل في القبر، واضطجع فيه، فأعجبه، وقال: هذا جيد. ثم خرج. قال: فوالله ما شعرت به بعد أيام، إلا وقد أتي به ميتا محمولا في نعشه، فوضعته في ذلك اللحد، وواريته فيه».
стр. 9
وصف النسخ الخطّيّة
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث نسخ خطيّة، ثلاثتها من محفوظات دار الكتب المصريّة، وهي أيضا متقاربة من حيث الصّحة، وهي نسخ جيّدة يمكن الاعتماد عليها، وأخطاؤها قليلة محتملة، ليست بالكثيرة ولا الفاحشة.
النسخة الأولى (ص): وتقع في (١٨٦) ورقة، محفوظة بالدار تحت رقم (٣٠٣٩ تصوف)،
تم نسخها سنة (٨٣٦ هـ)، أي بعد وفاة المؤلف بنحو أربعين سنة، وهي أقدم النسخ الثلاث، جاء في آخرها:
«تمّ الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا. آمين.
وذلك سلخ سنة ستّ وثلاثين وثمانمائة، حسبنا الله ونعم الوكيل».
وهي أفضل النسخ الثلاث على الإطلاق كتبت بخطّ نسخي معتاد، وتمتاز بتشكيل الكلمات بالقلم، وقد سقطت منها بعض الأوراق القليلة، فتمّ نسخها في الدار بخطّ حديث.
وهي تعدّ الأصل، الذي اعتمدت عليه، وإن كنت قد خالفته في مواضع إلى ما في النسختين الأخريين أو أحدهما حيث يترجح لي خطأ
стр. 10
ما في الأصل، ثمّ إنني أشير إلى ذلك في الحاشية غالبا، وقد أكتفي بوضوح الخطإ عن أن أشير إليه.
النسخة الثانية (ب): وتقع في (٢٢٠) ورقة، تمّ نسخها سنة (١٠٩٧ هـ)،
جاء في آخرها:
«وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة يوم السبت المبارك، سابع عشر ذي الحجة سنة (١٠٩٧) على يد أفقر العباد إلى الكريم
عبد الجوّاد بن خضر الإبياري، غفر الله له .. ».
كتبت بخطّ نسخيّ معتاد، وهي جيّدة على تأخّرها.
النسخة الثالثة (أ): وتقع في (٢٤١) ورقة: محفوظة بالدار تحت رقم (١٤٧٣ تصوف).
وهي نسخة متأخّرة، تم نسخها سنة (١٢٠٤ هـ)، جاء في آخرها:
«وقت كتابته: ضحوة الإثنين، لأربع عشر ليلة مضين من جمادى الأولى، أحد شهور سنة ١٢٠٤ من الهجرة النبويّة، على مهاجرها الصلاة والسّلام».
كتبت بخطّ نسخيّ جيّد، وهي على تأخّرها جيّدة، وقد سقط من مصوّرتنا بعض أوراقها، فاستدركناها من النّسختين الأخريين.
هذا؛ وقد استفدت من النّسخة المطبوعة، وقد طبع في مصر سنة ١٣٤٣ هـ بتصحيح محمد الزهري الغمراوي، وهي طبعة جيّدة للكتاب،
стр. 11
لكن تفردت بزيادات كثيرة في مواضع متفرقة فالظاهر أنها من زيادات الناسخ؛ ولذا لم أجعلها في صلب الكتاب، بل إما أن أثبتها في الهامش مع الإشارة إلى كونها مأخوذة عن المطبوع، وإما أن أهملها كلية. وبالله التوفيق.
***
стр. 12
لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف
стр. 14
مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب
الحمد لله الملك القهّار، العزيز الجبّار، الرّحيم الغفّار، مقلّب القلوب والأبصار، مقدّر الأمور كما يشاء ويختار، مكوّر النّهار على الليل، ومكوّر اللّيل على النّهار، أسبل ذيل الليل فأظلم للسكون والاستتار، وأنار منار النّهار، فأضاء للحركة والانتشار، وجعلهما مواقيت للأعمال ومقادير للأعمار، وسخّر الشّمس والقمر يجريان بحسبان ومقدار، ويعتقبان في دارة الفلك الدوّار على تعاقب الأدوار، وجعلهما معالم ليعلم (١) بهما أوقات الليالي والأيام والشهور والأعوام في هذه الدّار، ويهتدى بهما إلى ميقات الصّلاة، والزّكاة، والحجّ، والصّيام والإفطار، حجّة قائمة قاطعة للأعذار، وحكمة بالغة من حكيم عليم ذي اقتدار.
أحمده، وحلاوة محامده تزداد مع التّكرار، وأشكره، وفضله على من شكر مدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبرئ قائلها من الشّرك بصحة الإقرار، وتبوّئ قائلها دار القرار. وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله؛ البدر جبينه إذا سرّ استنار، واليمّ يمينه فإذا سئل أعطى عطاء من لا يخشى الإقتار، والحنيفيّة دينه الدّين القيّم المختار، رفع الله ببعثته عن أمّته الأغلال والآصار، وكشف بدعوته أذى البصائر وقذى الأبصار، وفرّق بشريعته
стр. 15
بين المتّقين والفجّار، حتى امتاز أهل اليمين من أهل اليسار، وانفتحت أقفال القلوب فانشرحت بالعلم والوقار، وزال عن الأسماع أثقال الأوقار. صلّى الله عليه وعلى آله أولي الإقدام والأقدار، وعلى أصحابه أقطاب الأقطار صلاة تبلّغهم في تلك الأوطان نهاية الأوطار، وسلم تسليما.
أما بعد، فقد قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [الإسراء: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس: ٥].
فأخبر سبحانه أنّه علّق معرفة السنين والحساب على تقدير القمر منازل.
وقيل: بل على جعل الشمس ضياء والقمر نورا؛ لأن حساب السّنة والشهر يعرف بالقمر، واليوم والأسبوع يعرف بالشمس، وبهما يتمّ الحساب.
وقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ لمّا كان الشهر الهلاليّ لا يحتاج إلى عدّ لتوفيته بما بين الهلالين، لم يقل لتعلموا عدد الشهور؛ فإنّ الشهر لا يحتاج إلى عده إلاّ إذا غمّ آخره، فيكمّل عدده بالاتفاق، إلاّ في شهر شعبان إذا غمّ آخره بالنّسبة إلى صوم رمضان خاصّة، فإنّ فيه اختلافا مشهورا، وأما السّنة فلا بدّ من عددها، إذ ليس لها حدّ ظاهر في السّماء فيحتاج إلى عددها بالشهور، ولا سيّما مع تطاول السنين وتعدّدها.
وجعل الله السّنة اثني عشر شهرا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٦] وذلك بعدد البروج التي تكمل بدور الشمس فيها السنة الشمسيّة، فإذا دار القمر فيها كلّها كملت دورته السّنويّة؛ وإنما جعل الله الاعتبار بدور القمر؛ لأن ظهوره في السماء لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، بل هو أمر ظاهر يشاهد بالبصر، بخلاف سير الشمس؛
стр. 16
فإنه تحتاج معرفته إلى حساب وكتاب، فلم يحوجنا إلى ذلك، كما قال النّبيّ ﷺ : «إنا أمّة أمّيّة لا نكتب ولا نحسب، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، وأشار بأصابعه العشر، وخنس إبهامه في الثالثة، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة» (١).
وإنما علّق الله تعالى على الشمس أحكام اليوم من الصّلاة والصّيام، حيث كان ذلك أيضا مشاهدا بالبصر لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب؛ فالصّلاة تتعلّق بطلوع الفجر، وطلوع الشّمس، وزوالها، وغروبها، ومصير ظلّ الشيء مثله، وغروب الشفق. والصّيام يتوقّت بمدّة النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس.
وقوله تعالى: ﴿وَالْحِسابَ،﴾ يعني بالحساب حساب ما يحتاج إليه النّاس من مصالح دينهم ودنياهم، كصيامهم، وفطرهم، وحجّهم، وزكاتهم، ونذورهم، وكفّاراتهم، وعدد نسائهم، ومدد إيلائهم، ومدد إجاراتهم، وحلول آجال ديونهم، وغير ذلك مما يتوقّت بالشهور والسنين.
وقد قال الله : ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، فأخبر أنّ الأهلّة مواقيت للنّاس عموما، وخصّ الحجّ من بين ما يوقّت به؛ للاهتمام به وجعل الله في كلّ يوم وليلة لعباده المؤمنين وظائف موظّفة عليهم من وظائف طاعته. فمنها ما هو مفترض كالصلوات الخمس ومنها ما يندبون إليه من غير افتراض، كنوافل الصّلاة والذكر وغير ذلك.
وجعل في شهور الأهلّة وظائف موظّفة أيضا على عباده، كالصّيام،
стр. 17
والزّكاة، والحجّ. ومنه فرض مفروض عليهم، كصيام رمضان، وحجّة الإسلام. ومنه ما هو مندوب، كصيام شعبان، وشوال، والأشهر الحرم.
وجعل الله سبحانه لبعض الشهور فضلا على بعض، كما قال تعالى:
﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقال الله تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرا من ألف شهر، وأقسم بالعشر؛ وهو عشر ذي الحجّة على الصحيح، كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلاّ ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعاته، يتقرّب بها إليه، ولله فيها لطيفة من لطائف نفحاته، يصيب بها من يعود بفضله ورحمته عليه. فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والسّاعات، وتقرّب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطّاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النّفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النّار وما فيها من اللّفحات.
وقد خرّج ابن أبي الدّنيا والطّبرانيّ وغيرهما، من حديث أبي هريرة مرفوعا:
«اطلبوا الخير دهركم وتعرّضوا لنفحات رحمة ربّكم، فإنّ لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم» (١). وفي رواية للطّبراني من حديث محمد بن مسلمة مرفوعا:
стр. 18
«إنّ لله في أيام الدّهر نفحات فتعرّضوا لها، فلعلّ أحدكم أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدا» (١). وفي «مسند الإمام أحمد» عن عقبة بن عامر، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «ليس من عمل يوم إلا يختم عليه» (٢).
وروى ابن أبي الدّنيا بإسناده، عن مجاهد، قال: ما من يوم إلا يقول:
ابن ادم، قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل فيّ، فإذا انقضى طواه، ثم يختم عليه فلا يفكّ حتّى يكون الله هو الذي يفضّ ذلك الخاتم يوم القيامة، ويقول اليوم حين ينقضي: الحمد لله الذي أراحني من الدّنيا وأهلها، ولا ليلة تدخل على النّاس إلا قالت كذلك (٣).
وبإسناده عن مالك بن دينار، قال: كان عيسى ﵇، يقول: إنّ هذا الليل والنّهار خزانتان، فانظروا ما تضعون فيهما. وكان يقول: اعملوا اللّيل لما خلق له، واعملوا النّهار لما خلق له. وعن الحسن، قال: ليس يوم يأتي من أيام الدّنيا إلاّ يتكلّم، يقول: يا أيّها النّاس، إنّي يوم جديد، وإني على ما يعمل فيّ شهيد، وإنّي لو قد غربت الشّمس لم أرجع إليكم إلى يوم القيامة. وعنه أنه كان يقول: يا ابن آدم، اليوم ضيفك، والضيف مرتحل، يحمدك أو يذمّك، وكذلك ليلتك.
وبإسناده عن بكر المزني أنه قال: ما من يوم أخرجه الله إلى أهل الدّنيا إلا ينادي: ابن ادم اغتنمني، لعلّه لا يوم لك بعدي. ولا ليلة إلا تنادي: ابن آدم، اغتنمني، لعلّه لا ليلة لك بعدي. وعن عمر بن ذرّ أنه كان يقول: اعملوا
стр. 19
لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده؛ فإنّ المغبون من غبن خير اللّيل والنّهار، والمحروم من حرم خيرهما. إنّما جعلا سبيلا للمؤمنين إلى طاعة ربّهم، ووبالا على الآخرين للغفلة عن أنفسهم؛ فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيا القلوب بذكر الله .
كم من قائم لله في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه، عند ما يرى من كرامة الله للعابدين غدا. فاغتنموا ممرّ السّاعات والليالي والأيام، رحمكم الله.
وعن دواد الطائي أنه قال: إنّما اللّيل والنّهار مراحل، ينزلها النّاس مرحلة مرحلة، حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كلّ مرحلة زادا لما بين يديها فافعل؛ فإنّ انقطاع السّفر عن قريب ما هو، والأمر أجلّ (١) من ذلك فتزوّد لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنّك بالأمر قد بغتك.
قال ابن أبي الدّنيا: وأنشدنا محمود بن الحسين:
مضى أمسك الماضي شهيدا معدّلا … وأعقبه يوم عليك جديد
فيومك إن أغنيته عاد نفعه … عليك وماضي الأمس ليس يعود
فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة … فثنّ بإحسان وأنت حميد
فلا ترج فعل الخير يوما إلى غد … لعلّ غدا يأتي وأنت فقيد
وفي «تفسير عبد بن حميد» وغيره من التفاسير المسندة عن الحسن في قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان: ٦٢]، قال: من عجز بالليل كان له من أوّل النّهار
стр. 20
مستعتب، ومن عجز من النّهار كان له من الليل مستعتب (١). وعن قتادة، قال: إنّ المؤمن قد ينسى بالليل ويذكر بالنّهار، وينسى بالنّهار ويذكر بالليل.
قال: وجاء رجل إلى سلمان، قال: لا أستطيع قيام اللّيل. قال له: فلا تعجز بالنّهار. قال قتادة: فأدوا إلى الله من أعمالكم خيرا في هذا الليل والنهار؛ فإنّهما مطيّتان تقحمان النّاس إلى آجالهم، يقرّبان كلّ بعيد، ويبليان كلّ جديد، ويجيئان بكلّ موعود، إلى يوم القيامة.
***
وقد استخرت الله في أن أجمع في هذا الكتاب وظائف شهور السّنة (٢) وما يختصّ بالشهور ومواسمها من الطاعات، كالصّلاة، والصّيام، والذّكر، والشّكر، وبذل الطّعام، وإفشاء السّلام، وغير ذلك من خصال البررة الكرام؛ ليكون ذلك عونا لنفسي ولإخواني على التزوّد للمعاد، والتأهّب للموت قبل قدومه، والاستعداد، وأفوّض أمري إلى الله، إنّ الله بصير بالعباد.
ويكون أيضا صالحا لمن يريد الانتصاب للمواعظ من المذكّرين؛ فإنّ من أفضل الأعمال عند الله لمن أراد به وجه الله إيقاظ الراقدين، وتنبيه الغافلين؛ قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذّاريات: ٥٥]، ووعد من أمر بصدقة أو معروف أو أصلح بين الناس يبتغي به وجهه، أجرا عظيما. وأخبر نبيّه ﷺ أنّ «من دعا إلى هدى فله مثل أجر من تبعه» (٣)، وكفى بذلك فضلا عميما.
وقد جعلت هذه الوظائف المتعلّقة بالشهور مجالس، مرتّبة على ترتيب
стр. 21
شهور السّنة الهلاليّة؛ فأبدأ بالمحرّم، وأختم بذي الحجّة، وأذكر في كل شهر ما فيه من هذه الوظائف، وما لم يكن له وظيفة خاصّة لم أذكر فيه شيئا، وختمت ذلك كلّه بوظائف فصول السّنة الشمسيّة، وهي ثلاثة مجالس: في ذكر الرّبيع، والشتاء، والصيف، وختمت الكتاب كلّه بمجلس في التوبة والمبادرة بها قبل انقضاء العمر؛ فإنّ التوبة وظيفة العمر كلّه. وأبدأ قبل ذكر وظائف الشهور بمجلس في فضل التذكير بالله يتضمّن ذكر بعض ما في مجالس التذكير من الفضل، وسمّيته:
«لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف»
والله تعالى المسئول أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، ومقرّبا إليه وإلى داره، دار السّلام والنّعيم المقيم، وأن ينفعني به وعباده المؤمنين، وأن يوفّقنا لما يحبّ ويرضى، ويختم لنا بخير في عافية؛ فإنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، آمين.
وهذا أوان الشروع فيما أردناه والبداءة بالمجلس الأوّل كما شرطناه.
ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
***
стр. 22
مجلس في فضل التذكير بالله تعالى ومجالس الوعظ
خرّج الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبّان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قلنا يا رسول الله، ما لنا إذا كنّا عندك رقّت قلوبنا وزهدنا في الدّنيا، وكنّا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك فآنسنا أهلنا وشممنا أولادنا، أنكرنا أنفسنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «لو أنّكم إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلكم لزارتكم الملائكة في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله بخلق جديد حتى يذنبوا فيغفر لهم». قلت: يا رسول الله، ممّ خلق الخلق؟ قال: «من الماء» قلت: الجنّة ما بناؤها؟ قال: «لبنة من ذهب، ولبنة من فضّة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم» (١).
وكانت مجالس النّبيّ ﷺ مع أصحابه عامتها مجالس تذكير بالله وترغيب وترهيب؛ إمّا بتلاوة القرآن، أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليم ما ينفع في الدّين، كما أمره الله تعالى في كتابه أن يذكّر ويعظ ويقصّ، وأن يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشّر وينذر، وسمّاه مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله.
стр. 23
والتبشير والإنذار هو الترغيب والترهيب، فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه - كما ذكر أبو هريرة ﵁ في هذا الحديث - رقّة القلوب، والزّهد في الدّنيا، والرّغبة في الآخرة. فأمّا رقّة القلوب فتنشأ عن الذّكر؛ فإنّ ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقّته، ويذهب بالغفلة عنه.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرّعد: ٢٨]. وقال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ [الأنفال: ٢]. وقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]. وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]. وقال: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزّمر: ٢٣].
وقال العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون (١). وقال ابن مسعود ﵁: نعم المجلس، المجلس الذي تنشر فيه الحكمة، وترجى فيه الرّحمة (٢)؛ مجالس الذّكر.
وشكا رجل إلى الحسن قساوة قلبه فقال: ادنه من الذّكر (٣). وقال:
مجالس الذّكر محياة العلم، وتحدث في القلب الخشوع. القلوب الميتة تحيا بالذّكر، كما تحيا الأرض الميتة بالقطر.
стр. 24
بذكر الله ترتاح القلوب … ودنيانا بذكراه تطيب
وأمّا الزّهد في الدّنيا والرّغبة في الآخرة، فبما يحصل في مجالس الذّكر من ذكر عيوب الدّنيا وذمّها، والتّرهيب منها (١)، وذكر فضل الجنّة ومدحها، والترغيب فيها، وذكر النّار وأهوالها، والترهيب منها.
وفي مجالس الذّكر تنزل الرّحمة، وتغشى السّكينة، وتحفّ الملائكة، ويذكر الله أهلها فيمن عنده. وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، فربّما رحم معهم من جلس إليهم وإن كان مذنبا، وربّما بكى فيهم باك من خشية الله فوهب أهل المجلس كلّهم له. وهي رياض الجنّة، قال النّبيّ ﷺ : «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «مجالس الذّكر» (٢).
فإذا انقضى مجلس الذكر، فأهله بعد ذلك على أقسام:
فمنهم: من يرجع إلى هواه فلا يتعلّق بشيء مما سمعه في مجلس الذّكر، ولا يزداد هدى، ولا يرتدع عن ردى؛ وهؤلاء شرّ الأقسام، ويكون ما سمعوه حجّة عليهم، فتزداد به عقوبتهم؛ وهؤلاء الظالمون لأنفسهم ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [النّحل: ١٠٨].
ومنهم: من ينتفع بما سمعه، وهم على أقسام: فمنهم من يردّه ما سمعه عن المحرّمات، ويوجب له التزام الواجبات؛ وهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين. ومنهم من يرتقي عن ذلك إلى التشمير في نوافل الطاعات، والتورّع
стр. 25
عن دقائق المكروهات، ويشتاق إلى اتباع آثار من سلف من السّادات، وهؤلاء السابقون المقرّبون.
وينقسم المنتفعون بسماع مجلس الذكر في استحضار ما سمعوه في المجلس والغفلة عنه إلى أقسام ثلاثة: فقسم يرجعون إلى مصالح دنياهم المباحة فيشتغلون بها، فتذهل بذلك قلوبهم عمّا كانوا يجدونه في مجلس الذكر؛ من استحضار عظمة الله وجلاله وكبريائه، ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه، وهذا هو الذي شكاه الصحابة إلى النّبيّ ﷺ وخشوا؛ لكمال معرفتهم، وشدّة خوفهم، أن يكون نفاقا، فأعلمهم النّبيّ ﷺ أنّه ليس بنفاق.
وفي «صحيح مسلم» عن حنظلة ﵁ أنه قال: يا رسول الله، نافق حنظلة. قال: «وما ذاك؟» قال: نكون عندك تذكّرنا الجنّة والنّار كأنها رأي عين، فإذا رجعنا من عندك عافسنا الأزواج والضّيعة، ونسينا كثيرا، فقال: «لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة» (١). وفي رواية له أيضا: «لو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذّكر لصافحتكم الملائكة حتّى تسلّم عليكم في الطّرق» (٢).
ومعنى هذا أنّ استحضار ذكر الآخرة بالقلب في جميع الأحوال عزيز جدّا، ولا يقدر كثير من النّاس أو أكثرهم عليه، فيكتفى منهم بذكر ذلك أحيانا وإن وقعت الغفلة عنه في حال التّلبّس بمصالح الدّنيا المباحة، ولكنّ المؤمن لا يرضى من نفسه بذلك، بل يلوم نفسه عليه ويحزنه ذلك من نفسه. العارف
стр. 26
يتأسّف في وقت الكدر على زمن الصّفاء، ويحنّ إلى زمان القرب والوصال في حال الجفاء:
ما أذكر عيشنا الّذي قد سلفا … إلا وجف القلب وكم قد وجفا
واها لزماننا الّذي كان صفا … لو كان يردّ فانيا (١) وا أسفا
وقسم آخر يستمرّون على استحضار حال مجلس سماع الذّكر، فلا يزال تذكّر ذلك بقلوبهم ملازما لهم، وهؤلاء على قسمين:
أحدهما: من يشغله ذلك عن مصالح دنياه المباحة، فينقطع عن الخلق، فلا يقوى على مخالطتهم، ولا القيام بوفاء حقوقهم. وكان كثير من السّلف على هذه الحال؛ فمنهم من كان لا يضحك، ومنهم من كان يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد.
والثاني: من يستحضر ذكر الله وعظمته وثوابه وعقابه بقلبه، ويدخل ببدنه في مصالح دنياه من اكتساب الحلال والقيام على العيال، ويخالط الخلق فيما يوصل إليهم به النفع ممّا هو عبادة في نفسه؛ كتعليم العلم، والجهاد، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وهؤلاء أشرف القسمين، وهم خلفاء الرسل، وهم الذين قال فيهم عليّ ﵁: صحبوا الدّنيا بأبدان، أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى.
وقد كان حال النّبيّ ﷺ عند الذكر يتغيّر، ثم يرجع بعد انقضائه إلى مخالطة النّاس والقيام بحقوقهم.
ففي «مسند البزار» و «معجم الطبراني» عن جابر ﵁، قال: «كان النّبيّ
стр. 27
صلّى الله عليه وسلّم إذا نزل عليه الوحي قلت: نذير قوم، فإذا سري عنه فأكثر النّاس ضحكا، وأحسنهم خلقا (١).
وفي «مسند الإمام أحمد» عن علي أو الزّبير، قال: «كان النّبيّ ﷺ يخطبنا فيذكّرنا بأيّام الله، حتّى نعرف ذلك في وجهه وكأنّه نذير جيش يصبّحهم الأمر غدوة. وكان إذا كان حديث عهد بجبريل لم يتبسّم ضاحكا حتى يرتفع عنه» (٢).
وفي «صحيح مسلم» عن جابر ﵁، أنّ «النّبيّ ﷺ كان إذا خطب وذكر الساعة اشتدّ غضبه، وعلا صوته كأنه منذر جيش يقول: «صبّحكم ومسّاكم» (٣).
وفي «الصحيحين» عن عدي بن حاتم، أنّ النّبيّ ﷺ ، قال: «اتقوا النّار» قال: وأشاح، ثم قال: «اتقوا النّار»، ثم أعرض وأشاح - ثلاثا - حتى ظننّا أنّه ينظر إليها. ثم قال: «اتقوا النّار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» (٤).
وسئلت عائشة ﵂: «كيف كان رسول الله ﷺ إذا خلا مع نسائه؟ قالت:
كان كرجل من رجالكم، إلا أنّه كان أكرم النّاس، وأحسن النّاس خلقا، وكان ضحّاكا بسّاما» (٥). فهذه الطبقة خلفاء الرسل عاملوا الله تعالى بقلوبهم، وعاشروا الخلق بأبدانهم، كما قالت رابعة:
стр. 28
ولقد جعلتك في الفؤاد محدّثي … وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس … وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
المواعظ سياط تضرب بها القلوب، فتؤثّر في القلوب كتأثير السياط في البدن، والضرب لا يؤثّر بعد انقضائه كتأثيره في حال وجوده، لكن يبقى أثر التألّم بحسب قوته وضعفه، فكلّما قوي الضّرب كانت مدّة بقاء الألم أكثر.
كان كثير من السّلف إذا خرجوا من مجلس سماع الذّكر خرجوا وعليهم السّكينة والوقار؛ فمنهم من كان لا يستطيع أن يأكل طعاما عقيب ذلك، ومنهم من كان يعمل بمقتضى ما سمعه مدّة. أفضل الصّدقة تعليم جاهل، أو إيقاظ غافل. ما وصل المستثقل في نوم الغفلة بأفضل من ضربه بسياط الموعظة ليستيقظ. المواعظ كالسّياط تقع على نياط القلوب، فمن آلمته فصاح فلا جناح، ومن زاد ألمه فمات فدمه مباح.
قضى الله في القتلى قصاص دمائهم … ولكن دماء العاشقين جبار
وعظ عبد الواحد بن زيد يوما، فصاح به رجل: يا أبا عبيدة، كفّ، فقد كشفت بالموعظة قناع قلبي، فأتمّ عبد الواحد موعظته فمات الرجل.
صاح رجل في حلقة الشّبليّ فمات، فاستعدى أهله على الشّبليّ إلى الخليفة، فقال الشّبليّ: نفس رنت فحنت، فدعيت فأجابت، فما ذنب الشبليّ؟
فكّر في أفعاله ثمّ صاح … لا خير في الحبّ بغير افتضاح
قد جئتكم مستأمنا فارحموا … لا تقتلوني قد رميت السّلاح
إنّما يصلح التأديب بالسوط من صحيح البدن، ثابت القلب، قويّ
стр. 29
الذراعين، فيؤلم ضربه فيردع، فأمّا من هو سقيم البدن لا قوة له، فماذا ينفع تأديبه بالضّرب.
كان الحسن إذا خرج إلى النّاس فكأنّه رجل عاين الآخرة، ثم جاء يخبر عنها وكانوا إذا خرجوا من عنده خرجوا وهم لا يعدّون الدّنيا شيئا، وكان سفيان الثوري يتعزّى بمجالسه عن الدّنيا. وكان أحمد لا تذكر الدّنيا في مجالسه، ولا تذكر عنده. قال بعضهم: لا تنفع الموعظة إلاّ إذا خرجت من القلب، فإنّها تصل إلى القلب، فأمّا إذا خرجت من اللسان، فإنّها تدخل من الأذن، ثم تخرج من الأخرى. قال بعض السّلف: إنّ العالم إذا لم يرد بموعظته وجه الله زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ القطر عن الصّفا.
كان يحيى بن معاذ ينشد في مجالسه:
مواعظ الواعظ لن تقبلا … حتّى تعيها نفسه أوّلا
يا قوم من أظلم من واعظ … خالف ما قد قاله في الملا
أظهر بين النّاس إحسانه … وبارز الرّحمان لمّا خلا
العالم الذي لا يعمل بعلمه مثله كمثل المصباح، يضيء للنّاس ويحرق نفسه. قال أبو العتاهية:
وبّخت غيرك بالعمى فأفدته … بصرا وأنت محسّن لعماكا
وفتيلة المصباح تحرق نفسها … وتضيء للأعشى وأنت كذاكا
المواعظ درياق الذّنوب، فلا ينبغي أن يسقي الدّرياق إلا طبيب حاذق معافى. فأمّا لديغ الهوى فهو إلى شرب الدرياق أحوج من أن يسقيه لغيره.
في بعض الكتب السالفة: إذا أردت أن تعظ النّاس فعظ نفسك، فإن اتّعظت، وإلاّ فاستحي مني.
стр. 30
وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى … طبيب يداوي النّاس وهو سقيم
يا أيّها الرّجل المقوّم غيره … هلاّ لنفسك كان ذا التّقويم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويقتدى … بالقول منك وينفع التّعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
لمّا جلس عبد الواحد بن زيد للوعظ أتته امرأة من الصالحات فأنشدته:
يا واعظا قام لاحتساب … يزجر قوما عن الذّنوب
تنهى وأنت المريب حقّا … هذا من المنكر العجيب
لو كنت أصلحت قبل هذا … عيبك أو تبت من قريب
كان لما قلت يا حبيبي … موقع صدق من القلوب
تنهى عن الغيّ والتّمادي … وأنت في النّهي كالمريب
لمّا حاسب المتّقون أنفسهم خافوا من عاقبة الوعظ والتّذكير.
قال رجل لابن عبّاس: أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فقال له:
إن لم تخش أن تفضحك هذه الآيات الثلاث فافعل، إلا فابدأ بنفسك، ثم تلا:
﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] وقوله حكاية عن شعيب ﵇: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
قال النّخعيّ: كانوا يكرهون القصص؛ لهذه الآيات الثلاث. قيل لمورّق (١)
стр. 31
العجلي: ألا تعظ أصحابك؟ قال: أكره أن أقول ما لا أفعل. تقدّم بعض التابعين ليصلّي بالنّاس إماما، فالتفت إلى المأمومين يعدل الصّفوف، وقال:
استووا، فغشي عليه، فسئل عن سبب ذلك، فقال: لمّا قلت لهم: استقيموا، فكّرت في نفسي، فقلت لها: فأنت، هل استقمت مع الله طرفة عين؟
ما كلّ من وصف الدّواء يستعمله … ولا كلّ من وصف التّقى ذو تقى
وصفت التّقى حتّى كأنّي ذو تقى … وريح الخطايا من ثيابي تعبق
ومع هذا كلّه فلا بدّ للناس من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والوعظ والتذكير، ولو لم يعظ النّاس إلا معصوم من الزّلل، لم يعظ الناس بعد الرسول ﷺ أحد، لأنّه لا عصمة لأحد بعده.
لئن لم يعظ العاصين من هو مذنب … فمن يعظ العاصين بعد محمد؟
وروى ابن أبي الدّنيا بإسناد فيه ضعف، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كلّه، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كلّه» (١).
وقيل للحسن: إنّ فلانا لا يعظ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل. فقال الحسن: وأيّنا يفعل ما يقول؟! ودّ الشيطان أنّه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه عن منكر. وقال مالك، عن ربيعة: قال سعيد ابن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء،
стр. 32
ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟!
من ذا الّذي ما ساء قط … ومن له الحسنى فقط
خطب عمر بن عبد العزيز ﵀ يوما، فقال في موعظته: إنّي لأقول هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذّنوب أكثر ممّا أعلم عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه، وكتب إلى بعض نوّابه على بعض الأمصار كتابا يعظه فيه، فقال في آخره: وإني لأعظك بهذا، وإنّي لكثير الإسراف على نفسي، غير محكم لكثير من أمري، ولو أنّ المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم نفسه إذا لتواكل الناس الخير، وإذا لرفع الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وإذا لاستحلّت المحارم، وقلّ الواعظون والسّاعون لله بالنّصيحة في الأرض؛ فإنّ الشيطان وأعوانه يودّون أن لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر، وإذا أمرهم أحد أو نهاهم، عابوه بما فيه وبما ليس فيه، كما قيل:
وأعلنت الفواحش في البوادي … وصار النّاس أعوان المريب
إذا ما عبتهم عابوا مقالي … لما في القوم من تلك العيوب
وودّوا لو كففنا فاستوينا … فصار النّاس كالشيء المشوب
وكنّا نستطبّ إذا مرضنا … فصار هلاكنا بيد الطّبيب
كان بعض العلماء المشهورين له مجلس للوعظ، فجلس يوما فنظر إلى من حوله وهم خلق كثير، وما منهم إلاّ من قد رقّ قلبه أو دمعت عينه، فقال لنفسه فيما بينه وبينها: كيف بك إن نجا هؤلاء وهلكت أنت؟ ثم قال في نفسه:
اللهمّ، إن قضيت عليّ غدا بالعذاب فلا تعلم هؤلاء بعذابي، صيانة لكرمك لا لأجلي؛ لئلاّ يقال: عذّب من كان في الدّنيا، يدلّ عليه.
стр. 33
إلهي؛ قد قيل لنبيّك ﷺ : اقتل ابن أبيّ المنافق، فقال: لا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه، فامتنع من عقابه؛ لمّا كان في الظّاهر ينسب إليه. وأنا على كلّ حال فإليك أنسب.
زوّر رجل شفاعة إلى بعض الملوك على لسان بعض أكابر الدولة، فاطلع المزوّر عليه على الحال، فسعى عند الملك في قضاء تلك الحاجة، واجتهد حتى قضيت، ثمّ قال للمزور عليه: ما كنّا نخيّب من علّق أمله بنا، ورجا النّفع من جهتنا.
إلهي؛ فأنت أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، فلا تخيّب من علّق أمله ورجاءه بك، وانتسب إليك، ودعا عبادك إلى بابك، وإن كان متطفّلا على كرمك، ولم يكن أهلا للسّمسرة بينك وبين عبادك، لكنّه طمع في سعة جودك وكرمك، فأنت أهل الجود والكرم، وربّما استحيا الكريم من ردّ من تطفّل على سماط كرمه.
إن كنت لا أصلح للقرب … فشأنكم صفح عن الذّنب
وقوله ﷺ : «لو لم تذنبوا لجاء الله بخلق جديد حتى يذنبوا فيغفر لهم».
وخرّجه مسلم من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ : «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ثم جاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم» (١). ومن حديث أبي أيّوب، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «لولا أنّكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون، ثم يغفر لهم» (٢). وفي رواية له أيضا: «لو لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لجاء الله بقوم لهم ذنوب، فيغفرها لهم» (٣).
стр. 34
والمراد بهذا أنّ لله تعالى حكمة في إلقاء الغفلة على قلوب عباده أحيانا، حتى يقع منهم بعض الذّنوب، فإنّه لو استمرّت لهم اليقظة التي يكونون عليها في حال سماع الذّكر، لما وقع منهم ذنب.
وفي إيقاعهم في الذّنوب أحيانا فائدتان عظيمتان:
إحداهما: اعتراف المذنبين بذنوبهم وتقصيرهم في حقّ مولاهم، وتنكيس رءوس عجبهم، وهذا أحبّ إلى الله من فعل كثير من الطاعات، فإنّ دوام الطاعات قد توجب لصاحبها العجب. وفي الحديث: «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشدّ من ذلك؛ العجب» (١).
قال الحسن: لو أن ابن آدم كلّما قال أصاب، وكلما عمل أحسن، أوشك أن يجنّ من العجب. قال بعضهم: ذنب أفتقر به إليه أحبّ إليّ من طاعة أدلّ بها عليه. أنين المذنبين أحبّ إليه من زجل المسبّحين؛ لأنّ زجل المسبّحين ربّما شابه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار والافتقار.
في حديث: «إنّ الله لينفع العبد بالذّنب يذنبه» (٢). قال الحسن: إنّ العبد ليعمل الذّنب فلا ينساه، ولا يزال متخوّفا منه حتى يدخل الجنّة. المقصود من زلل
стр. 35
المؤمن ندمه، ومن تفريطه أسفه، ومن اعوجاجه تقويمه، ومن تأخّره تقديمه، ومن زلقه في هوّة الهوى أن يؤخذ بيده فينجّى إلى نجوة النجاة، كما قيل:
قرّة عيني لا بدّ منك وإن … أوحش بيني وبينك الزّلل
قرّة عيني أنا الغريق فخذ … كفّ غريق عليك يتّكل
الفائدة الثانية: حصول المغفرة والعفو من الله تعالى لعبده؛ فإنّ الله يحبّ أن يعفو ويغفر، ومن أسمائه الغفّار، والعفوّ (١)، والتّوّاب، فلو عصم الخلق فلمن كان العفو والمغفرة؟
قال بعض السّلف: أوّل ما خلق الله القلم كتب: إنّي أنا التوّاب أتوب على من تاب. قال أبو الجلد: قال رجل من العاملين لله بالطاعة: اللهم، أصلحني صلاحا لا فساد عليّ بعده. فأوحى الله تعالى إليه: إنّ عبادي المؤمنين كلّهم يسألوني مثل ما سألت، فإذا أصلحت عبادي كلّهم فعلى من أتفضّل وعلى من أجود بمغفرتي؟.
كان بعض السلف يقول: لو أعلم أحبّ الأعمال إلى الله لأجهدت نفسي فيها، فرأى في منامه قائلا يقول له: إنّك تريد ما لا يكون، إنّ الله يحبّ أن يغفر. قال يحيى بن معاذ: لو لم يكن العفو أحبّ الأشياء إليه لم يبتل بالذّنب أكرم الخلق عليه.
يا ربّ أنت رجائي … وفيك حسّنت ظنّي
يا ربّ فاغفر ذنوبي … وعافني واعف عني
العفو منك إلهي … والذّنب قد جاء منّي
والظنّ فيك جميل … حقّق بحقّك ظنّي
стр. 36
وقوله ﷺ لأبي هريرة لمّا سأله: ممّ خلق الخلق؟ فقال له: «من الماء» يدلّ على أنّ الماء أصل جميع المخلوقات ومادّتها، وجميع المخلوقات خلقت منه.
وفي «المسند» من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁، قال: «قلت:
يا رسول الله، إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني، فأنبئني عن كلّ شيء.
فقال: كلّ شيء خلق من ماء» (١).
وقد حكى ابن جرير وغيره، عن ابن مسعود ﵁ وطائفة من السّلف: أنّ أوّل المخلوقات الماء.
وروى الجوزجاني بإسناده عن عبد الله بن عمرو أنّه سئل عن بدء الخلق، فقال: من تراب وماء وطين، ومن نار وظلمة، فقيل له: فما بدء الخلق الذي ذكرت؟ قال: من ماء ينبوع.
وقد أخبر الله في كتابه أنّ الماء كان موجودا قبل خلق السماوات والأرض، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ [هود: ٧].
وفي «صحيح البخاري» عن عمران بن حصين، عن النّبيّ ﷺ ، قال:
«كان الله ولم يكن شيء قبله» - وفي رواية: «معه - وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض» (٢).
стр. 37
وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عمرو، عن النّبيّ ﷺ ، قال:
«إنّ الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السّماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١).
وروى ابن جرير وغيره، عن ابن عبّاس ﵄: إنّ الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلمّا أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء، فسما عليه فسمي سماء، ثمّ أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين، ثم استوى إلى السّماء وهي دخان، وكان ذلك الدّخان من نفس الماء حين تنفّس، ثم جعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سماوات (٢).
وعن وهب: إنّ العرش كان قبل أن تخلق السماوات والأرض على الماء، فلمّا أراد الله أن يخلق السّماوات والأرض قبض من صفاة الماء قبضة، ثم فتح القبضة فارتفعت دخانا، ثم قضاهنّ سبع سماوات في يومين، ثم أخذ طينة من الماء فوضعها في مكان البيت، ثم دحا الأرض منها (٣).
стр. 38
والآثار في هذا الباب كثيرة، وهذا كلّه يبيّن أنّ السماوات والأرض خلقت من الماء، والخلاف في أنّ الماء هل هو أول المخلوقات أم لا؟ مشهور، وحديث أبي هريرة يدلّ على أنّ الماء مادّة جميع المخلوقات، وقد دلّ القرآن على أنّ الماء مادة جميع الحيوانات، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقال: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ﴾ [النّور: ٤٥].
وقول من قال: إنّ المراد بالماء النّطفة التي يخلق منها الحيوانات بعيد؛ لوجهين:
أحدهما: أنّ النّطفة لا تسمّى ماء مطلقا بل مقيّدا؛ لقوله: ﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧]، وقوله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠].
والثاني: أنّ من الحيوانات ما يتولّد من غير نطفة، كدود الخلّ، والفاكهة
(*) أخرجه: أحمد (١٩٧، ٢/ ١٧٦)، والترمذي (٢٦٤٢)، وقد صححه الألباني في «الصحيحة» (١٠٧٦).
стр. 39
ونحو ذلك؛ فليس كلّ حيوان مخلوقا من نطفة. والقرآن دلّ على خلق جميع ما يدبّ وما فيه حياة من ماء، فعلم بذلك أنّ أصل جميعها الماء المطلق؛
ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] وقول النّبيّ ﷺ : «خلقت الملائكة من نور» (١)، فإنّ حديث أبي هريرة ﵁ دلّ على أنّ أصل النّور والنّار الماء، كما أن أصل التّراب الذي خلق منه آدم الماء، فإنّ آدم خلق من طين، والطين تراب مختلط بماء، والتّراب مخلوق من الماء كما تقدّم عن ابن عبّاس وغيره. وزعم مقاتل: أنّ الماء مخلوق من النّور، وهو مردود بحديث أبي هريرة هذا وغيره.
ولا يستنكر خلق النّار من الماء، فإنّ الله جمع بقدرته بين الماء والنّار في الشّجر الأخضر، وجعل ذلك من أدلة القدرة على البعث، وذكر الطبائعيون: أنّ الماء بانحداره يصير بخارا، والبخار ينقلب هواء، والهواء ينقلب نارا، والله أعلم.
وقوله ﷺ لأبي هريرة حين سأله عن بناء الجنّة، فقال: «لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزّعفران» (٢). وقد روي أيضا هذا عن النّبيّ ﷺ من حديث ابن عمر مرفوعا، خرجه الطبرانيّ.
فهذه أربعة أشياء:
أحدها: بناء الجنّة، ويحتمل أنّ المراد بنيان قصورها ودورها، ويحتمل أن
стр. 40
يراد بناء حائطها وسورها المحيط بها وهو أشبه. وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا وموقوفا وهو أشبه: «حائط الجنّة لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، ودرجها الياقوت واللؤلؤ» (١). قال: وكنّا نتحدّث (٢) أنّ رضراض (٣) أنهارها اللؤلؤ وترابها الزّعفران. وفي «مسند البزار» عن أبي سعيد مرفوعا: «خلق الله الجنّة لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وملاطها المسك، فقال لها تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك» (٤).
وممّا يبيّن أن المراد ببناء الجنّة في هذه الأحاديث بناء سورها المحيط بها ما في «الصحيحين» عن أبي موسى، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «جنّتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وجنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما» (٥).
وقد روي عن أبي موسى مرفوعا وموقوفا: «جنّتان من ذهب للمقرّبين، وجنّتان من فضّة لأصحاب اليمين» (٦). وفي الصحيح أيضا عن النّبيّ ﷺ ، أنّه قال: «إنّها جنان كثيرة» (٧) وقد روي أنّ بناء بعضها من درّ وياقوت.
وخرّج ابن أبي الدّنيا من حديث أنس مرفوعا: «خلق الله جنّة عدن بيده لبنة
стр. 41
من درّة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزّعفران، ثم قال لها: انطقي، قالت:
قد أفلح المؤمنون، قال: وعزّتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» (١).
وروى عطية، عن أبي سعيد، قال: إنّ الله خلق جنّة عدن من ياقوتة حمراء، ثم قال لها: تزيني فتزيّنت، ثم قال لها: تكلّمي فقالت: طوبى لمن رضيت عنه؛ ثم أطبقها وعلّقها بالعرش، فهي تفتح في كلّ سحر، فذلك برد السّحر. وعن ابن عبّاس، قال: كان عرش الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنّة، ثم اتخذ دونها أخرى، وطبّقهما بلؤلؤة واحدة لا يعلم الخلائق ما فيهما وهما اللتان لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين.
وذكر صفوان بن عمرو، عن بعض مشايخه، قال: الجنة مائة درجة:
أولها: درجة فضة، وأرضها فضة، ومساكنها فضّة، وترابها المسك. والثانية:
ذهب، وأرضها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك. وثالثها: لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤ، وترابها المسك، وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ثم تلا، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السّجدة: ١٧].
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «يقول الله : أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السّجدة: ١٧] (٢).
стр. 42
وفي «صحيح مسلم» عن المغيرة بن شعبة يرفعه: «سأل موسى ربّه، قال:
يا ربّ، ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنّة الجنّة، فيقال له: ادخل الجنّة، فيقول: يا ربّ، كيف وقد أخذ النّاس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدّنيا؟ فيقول: رضيت يا ربّ، فيقول: ذلك لك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت ربّ، فيقال: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك، فيقول: رضيت ربّ. قال: فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الّذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر. قال: ومصداقه في كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السّجدة: ١٧]» (١).
الثاني: ملاط الجنة وأنّه المسك الأذفر، وقد تقدّم مثل ذلك في غير حديث والملاط: هو الطّين، ويقال: الطّين الذي يبنى منه البنيان. والأذفر:
الخالص.
ففي «الصحيحين» عن أنس، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «دخلت الجنّة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك» (٢). والجنابذ: مثل القباب. وقد قيل: إنّه أراد بترابها ما خالطه الماء، وهو طينها، كما في «صحيح البخاري»، عن أنس، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال في الكوثر: «طينه المسك الأذفر» (٣).
وقد قيل في تأويل قوله : ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطفّفين: ٢٦] أنّ المراد بالختام ما يبقى في سفل الشراب من الثّفل، وهذا يدلّ على أنّ أنهارها تجري