← Общие книги

Общие книги · id 1145

أثر العلم الشرعي في مواجهة العنف والعدوان

عبد العزيز بن فوزان بن صالح الفوزان

Полный текст (56 стр.). Показаны 36–56 · переход к 41.

стр. 36

ومن القصص المشهورة التي تدل على شناعة أمر القتل وسوء عاقبته: قصة أسامة بن زيد ﵄، ولنستمع إليه وهو يقول: «بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال لي: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا، قال: أقتلته بعد ما قال لا إلا الله؟ فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم» . فهذا الرجل كان كافرًا يقاتل المسلمين، ولما أيقن أنه مقتول أسلم في الظاهر إسلامًا فيه شبهة بينة، ومع ذلك غلَّظ النبي ﷺ في قتله تغليظًا شديدًا، وشنع على أسامة هذا التشنيع العظيم، حتى تمنى أسامة أنه فقد حسناته السالفة وسابقته في الدين وأنه سلم من مغبة قتله، وشؤم هذا الذنب وسوء عاقبته، وأنه ما أسلم إلا يومئذ.

стр. 37

ولم يكتف النبي ﷺ بما ذكر في تعظيم الدماء، وبيان خطرها، بل أكد حرمتها، وغرس في النفوس إجلالها وتعظيمها، بمقارنتها بما أجمع المسلمون على إجلاله وتعظيمه، وهو البلد الحرام والشهر الحرام، وكان ذلك في يوم مشهود، ومكان مبارك، ومجمع عظيم، شهده ما يزيد على مائة ألف مسلم، حين خطب الناس يوم النحر بمنىً في حجة الوداع. ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «ألا أي شهر تعلمونه أعظم حُرمة؟ قالوا: ألا شهرنا هذا، قال: ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا بلدنا هذا، قال: ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا، قال: فإن الله ﵎ قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرْمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت ثلاثًا؟ كل ذلك يجيبونه: ألا نعم، قال: ويحكم، أو ويلكم! لا ترجعنّ بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» . (١) بل لقد دلت السنة النبوية على أن التعدي على الحيوان بإزهاق روحه ظلمًا وعدوانًا، جريمة يستحق فاعلها دخول النار.

стр. 38

ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعْها تأكل من خشاش الأرض» . (١) وفي رواية لهما: «عذّبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها، إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» . (٢) فإذا كانت هذه عقوبة قتل الحيوان بغير حق، فكيف بقتل الآدمي المعصوم، وكيف بالمسلم، وكيف بالتقي الصالح؟!! . (٣) ومن تأمل النصوص السابقة وجد أن أكثرها جاءت عامة مطلقة، تشمل جميع المعصومين من المؤمنين والكافرين، وما نُص فيها على المؤمن، فإنما هو لعظم حقه وحرمته، ولا تدل بحال على إباحة قتل الكافر المعصوم بغير حق، ويؤكد لك ذلك أحاديث كثيرة تدل على تحريم قتل الكفار غير المحاربين من الذميين والمعاهدين والمستأمنين، ومنها ما يأتي: ١- عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عامًا» (٤) .

стр. 39

٢- وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ألا من قتل نفسًا معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر ذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا» (١) . ٣- عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل معاهدًا في غير كنهه (٢) حرم الله عليه الجنة» (٣) وفي رواية للنسائي: «من قتل نفسًا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة أن يشم ريحها» . قال العلامة الشوكاني: "المعاهد: هو الرجل من أهل دار الحرب يدخل إلى دار الإسلام بأمان، فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه، ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] . وقوله: لم يرح رائحة الجنة، بفتح الأول من يرح، وأصله راح الشيء أي وجد ريحه، ولم يرحه أي: لم يجد ريحه، ورائحة الجنة: نسيمها الطيب، وهذا كناية عن عدم دخول من قتل معاهدًا الجنة، لأنه إذا لم يشم نسيمها وهو يوجد من مسيرة أربعين عامًا لم يدخلها.

стр. 40

قوله: فقد أخفر ذمة الله بالخاء والفاء والراء أي: نقض عهده وغدر، والحديثان اشتملا على تشديد الوعيد على قاتل المعاهد، لدلالتهما على تخليده في النار وعدم خروجه منها، وتحريم الجنة عليه، مع أنه قد وقع الخلاف بين أهل العلم في قاتل المسلم هل يخلد فيها أم يخرج عنها؟ " (١) . وقد أجمع العلماء قاطبة على تحريم الغدر، ووردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تنهى عن الغدر، وتتوعد فاعله بالخزي والعذاب الأليم. (٢) وإذا كان هذا الوعيد الشديد في قتل آحاد المعاهدين والذميين والمستأمنين، فكيف بنسف بيوتهم وعماراتهم، وهدمها على رؤوسهم، وقتل من فيها من النساء والصبيان؟ مع أن قتل هؤلاء من الكفار المحاربين حرام لا يجوز بإجماع العلماء إلا لضرورة. (٣) فكيف بنساء المعصومين من الذميين والمعاهدين والمستأمنين وأطفالهم؟ وهل هذا إلا محادة لله تعالى ولرسوله ﷺ ، وغدر في العهود، ونقض للعقود، وارتكاب لجريمة من أكبر الجرائم، ومظلمة من أعظم المظالم؟! مع ما فيها من تشويه صورة الإسلام والمسلمين، والصد عن سبيل الله القويم، وتنفير الناس من الدخول في دينه الذي أنزله رحمة للعالمين.

стр. 41

المبحث الثاني تحريم إنكار المنكر إذا كان يستلزم ما هو أنكر منه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما شرعا لجلب المصالح ودرء المفاسد. ولهذا فإنهما داخلان تحت قاعدة جليلة مشهورة، تدور عليها جميع أحكام الشريعة، ألا وهي قاعدة "المصالح والمفاسد". (١) فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يفوّت مصلحة أكبر من مصلحة القيام بهما، أو يجلب مفسدة أكبر من مفسدة تركهما، كان الأمر والنهي في هذه الحال حرامًا، لأنه يناقض الحكمة التي شرعا من أجلها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أعظم الواجبات أو المستحبات، فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب، والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمر الله به فهو صلاح، وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذمّ الفساد والمفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن مما أمر الله به، وإن كان قد تُرك واجب وفُعل محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباد الله، وليس عليه هداهم". (٢)

стр. 42

ثم قال: "وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفُوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرّمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته. لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص، لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام. وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعًا أو يتركوهما جميعًا، لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل يُنظر فإن كان المعروف أكثر أُمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر.

стр. 43

ولم يُنه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصدِّ عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وزوال فعل الحسنات. وإن كان المنكر أغلب نهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرًا بمنكر، وسعيًا في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان، لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المنكر والمعروف متلازمين، وذلك في الأمور المعيّنة الواقعة. وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقًا، وينهى عن المنكر مطلقًا. وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة: يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف، فوات معروف أكبر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه، أو فوات معروف أرجح منه.

стр. 44

وإذا اشتبه الأمر استثبت المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونيّة، وإذا تركها كان عاصيًا، فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن هذا الباب: إقرار النبي ﷺ لعبد الله بن أبيّ وأمثاله من أئمة النفاق والفجور، لما لهم من الأعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمةٌ إزالة معروف أكبر من ذلك بغضب قومه وحميّتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدًا يقتل أصحابه". (١)

стр. 45

وقال ابن القيم: "إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله ﷺ في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: (لا، ما أقاموا الصلاة) . (١) وقال: «من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعنّ يدًا من طاعته» . (٢) ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها. (٣) بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت وردّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر. (٤)

стр. 46

ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه. إنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده. الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته. الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله. الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه. فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة. فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج، كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله، كرمي النّشّاب. (١) وسباق الخيل ونحو ذلك. وإذا رأيت الفسّاق قد اجتمعوا على لهو ولعب، أو سماع مكاء وتصدية. (٢) فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلًا لهم عن ذلك. وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المجون ونحوها، وخفت من نقله عنها، انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر، فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع. (٣) وبهذا نعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحرمان إذا تضمنا تفويت مصلحة أكبر، أو جلب فتنة ومفسدة أعظم.

стр. 47

فلا يجوز أن يؤدي الأمر بالمعروف إلى انتفاء معروف أكبر منه، ولا النهي عن المنكر إلى حصول منكر أنكر منه، وعند تزاحم المصالح، نحصّل أعلاها ولو بتفويت أدناها، وعند تزاحم المفاسد ندفع أعلاها ولو بارتكاب أدناها، فنختار خير الخيرين، وندفع شر الشرين. ومن الأمثلة التي تكشف هذه الحقيقة: من يعمد إلى مجمع سكني أو تجاري، أو دائرة حكومية، أو شركة خاصة، فينسفه بالمتفجرات، ويقتل من بداخله، بحجة أن فيه كفارًا، أو يُعمل فيه شئ من المنكرات، وكمن يعمد إلى محل لبيع الأغاني الماجنة، أو الأفلام الخالعة، فيحرقه أو يفجره، وهو يعلم أن وراءه سلطة تحرسه، وقانونًا يحميه، فينشأ عن ذلك من المفاسد والمناكر أضعاف أضعاف المنكر الذي قام بتغييره. وكثير من الفتن والأخطاء الفاحشة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما كانت بسبب إهمال هذا الأصل العظيم، وعدم النظر في مآلات الأمور وعواقبها ونهاياتها.

стр. 48

فهذا الأمر مزلة أقدام، ومضلة أفهام، ولا يحسنه ويوفق فيه إلا العلماء العاملون، والعقلاء المجربون، الذين فقهوا الشريعة وعرفوا مقاصدها، وسبروا غور الواقع، وفكروا في عواقب الأمور، فجمعوا في ذلك بين العلم بالشرع، والعلم بالواقع، ومعرفة مآلات الأمور وما تصير إليه. ومن الأخطاء الكبيرة في هذا الباب: ما نشاهده من بعض الشباب المتحمسين، فإنهم حين يرون المنكرات الكبرى، وكثرتها وشدة انتشارها، وإعلانها والمجاهرة بها، ودعمها وتكريسها من قبل بعض المسئولين والمتنفذين، يشتد غضبهم لله، وتثور عندهم الحمية الدينية، وتغلي دماؤهم في عروقهم، ويعتصر الألم قلوبهم، فلا يطيقون رؤيتها، ولا يرضون بالسكوت عليها، فيهبُّون لتغييرها بالقوة، وربما بشهر السلاح وجمع الأعوان، دون أن يفكروا في عواقب فعلهم، وما يترتب عليه من الأضرار والمفاسد القريبة والبعيدة، التي تضرّ بهم وبغيرهم، بل وبدينهم الذي ينتسبون إليه، وأعمالهم محسوبة عليه.

стр. 49

نعم، قد يفلح هؤلاء في تغيير منكر صغير، ولكنهم يتسببون في ضياع أنواع من المعروف كثيرة، وفي جلب أنواع من المنكر أعظم بكثير مما أزالوا، فهم كمن يبني قصرًا ويهدم مصرًا. فلا يجوز استعمال القوة إلا وفق المصلحة والحكمة، وحيث تكون المصلحة في استعمالها ظاهرة، أما أن يتحول التغيير بالقوة إلى اندفاعات عاطفية غير مدروسة، وانفعالات وقتية غير مستبصرة، وحماس أهوج يورط في أعمال تضر ولا تنفع، فليس هذا من المصلحة في شيء، بل مفسدته راجحة، وضرره ظاهر بيّن. وإن ما يجره مثل هذا العمل من هتك الحرمات، وتكثير المنكرات، والتسبب في إهانة أهل الخير، وتحجيم الدعوة إلى الله، وانحسار مدّها، وغربة أهلها، وربما قتلهم، وانتهاك خصوصياتهم، ونحو ذلك، أعظم بكثير مما أزاله من المنكر.

стр. 50

ومن تسبب في ذلك فإنه مأزور غير مأجور، ولا يغني عنه حسن قصده وسلامة نيته، وإرادته للخير، فكم من مريد للخير لم يبلغه، ولا بد مع سلامة القصد من سلامة العمل، وأن يكون على وفق الشرع، ولا يكون العمل مقبولًا عند الله تعالى يثاب عليه صاحبه حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] . (١) والمتأمل في بعض ما يفعله هؤلاء الجهلة المتعجلون، يدرك مدى الأضرار والأخطار، التي تنشأ عن أفعالهم، والتي تلحق الضرر البالغ بهم وبغيرهم، وتجلب على الأمة ألوانًا من الويلات والنكبات، فيتهدم أمنها، وتضعف مكانتها، ويتضرر اقتصادها، وتعمها الفوضى، وتسود فيها الفتن والقلاقل. (٢) والأدهى من ذلك والأمر: أن يشهروا السلاح، ويسلوا السيوف، لإنكار المنكرات ومنازلة أهل الباطل. فإن هذا لا يجوز إلا للإمام أو من ينيبه، ولا يستقل به آحاد الرعية لأنه يؤدي إلى إثارة الفتن، وهيجان الفساد، وتهدم الأمن، وكثرة الهرج والمرج. (٣)

стр. 51

قال إمام الحرمين: "ويسوغ لآحاد الرعية: أن يصدّ مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله، ما لم ينته الأمر إلى نصب قتال وشهر سلاح، فإن انتهى الأمر إلى ذلك، ربط الأمر بالسلطان". (١) وقال أيضا: "وإنما ينهى آحاد الناس عن شهر الأسلحة استبدادًا إذا كان في الزمان وزر قوّام على أهل الإسلام. (٢) ونهينا الرعايا عن الاستقلال بالأنفس من قبيل الاستحثاث على ما هو الأقرب إلى الصلاح، والأدنى إلى النجاح، فإن ما يتولاه السلطان من أمور السياسة أوقع وأنجع، وأدفع للتنافس، وأجمع للشتات، وفي تمليك الرعايا أمور الدماء، وشهر الأسلحة وجوهٌ من الخبل لا ينكره ذوو العقل. وإذا لم يصادف الناس قوّاما بأمورهم يلوذون به، فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن، عمَّ الفساد البلاد والعباد. وإذا أمروا بالتقاعد في قيام السلطان، كفاهم ذو الأمر المهمات، وأتاها على أقرب الجهات". (٣) وقال القاضي عياض: "وإن وجد من يستعين به على ذلك [أي: إنكار المنكر] استعان، ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى من له الأمر". (٤)

стр. 52

وقال ابن العربي: "فإن لم يقدر إلا بمقاتلة وسلاح فليتركه، وذلك إنما هو إلى السلطان، لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجًا إلى الفتنة، وآيلًا إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". (١) وما يحصل في واقعنا اليوم أصدق شاهد على هذا، فكم سفكت من دماء، وانتهكت من حرمات، وحصل من ظلم واعتداءات، وانتشر من خوف واضطرابات، وتعطلت من مصالح، بسبب شهر السلاح، والافتيات على ولاة الأمر، والإنكار بالقوة؟!! وقد يكون هذا الإنكار لأمور غير منكرة في الواقع، بل هي مما تقرره الشريعة، وتدعو إليه العقول السليمة، وتقتضيه مصلحة الأمة. فلله در هذه الشريعة ما أحكمها، وما أكثر محاسنها، وما أحفظها لمصالح الناس، وما أدلها على أنها تنزيل من حكيم حميد، يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير!!

стр. 53

خاتمة وبعد هذا التطواف المبارك في جوانب هذا الموضوع المهم نخلص إلى النتائج التالية: ١- أهمية الأمن، وأنه حاجة إنسانية ملحة، ومطلب فطري لا تستقيم الحياة بدونه، ولا يستغني عنه فرد أو مجتمع. ٢- أن للإسلام منهجه المتفرد في تحقيق الأمن ومكافحة العدوان والعنف. ٣- ضلال الخلق على كثرة صوره وأنواعه، وتعدد مظاهره وأشكاله، سواء كان في الأفكار والتصورات، أو الأخلاق والسلوكيات، أو الأعمال والممارسات، يعود في حقيقته إلى سببين رئيسين: الأول: الجهل أو العمى، والثاني: الظلم أو الهوى. ٤- لو تأملت في أحوال العاصين المفرطين، والمبتدعة الضالين، والغلاة الجافين، لوجدتهم إنما أتوا من قبل هذين الأمرين أو أحدهما، والجهل أصل الضلالين، وأخطر الشرين. ٥- كل علم يتوقف عليه القيام بالواجب أو ترك المحرم، فتعلمه فرض عين على كل مسلم مكلف، أما ما زاد على ذلك من العلوم الشرعية أو الدنيوية التي تحتاجها الأمة، فهذه تعلمها فرض كفاية. ٦- لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، والفرق واسع والبون شاسع بين العالم البصير والعابد الجاهل، وأسباب ذلك كثيرة ظاهرة.

стр. 54

٧- وجوب الحذر من الأئمة المضلين، والجهلة المتعالمين، والمتصدرين للفتوى وليسوا من أهلها. ٨- حين حذر النبي ﷺ من فتنة الخوارج، وأمر بقتلهم، بيَّن أنهم إنما أُتوا من قبل جهلهم، وقلة فقههم، فجنوا على أنفسهم وعلى أمتهم، ولم يشفع لهم حسن نيتهم، وسلامة قصدهم، وكثرة عبادتهم. ٩- نفس الإنسان ليست ملكًا له، وإنما هي ملك لخالقها وموجدها ، وهي أمانة عند صاحبها، ولهذا فلا يجوز له أن يقتل نفسه، ولا أن يغرر بها في غير مصلحة شرعية، ولا أن يتصرف بشيء من أجزائها إلا بما يعود عليها بالمصلحة، أو يدرأ عنها المفسدة. ١٠- الإلقاء باليد إلى التهلكة، إما أن يكون بترْك ماأمر به العبد، إذا كان تركه موجبًا أو مقاربًا لهلاك البدن أو الروح، وإما أن يكون بفعل ما يوصل إلى تلف النفس أو الروح.

стр. 55

١١- النصوص التي فيها تخليد قاتل نفسه، أو غيره ظلمًا وعدوانًا، يقال فيها: إن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء مانعه، وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سببٌ للعقوبة ومقتضٍ لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع، فبعضها بالإجماع، وبعضها بالنص، فالتوبة مانع بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص، فلا بد من إعمالها كلها. ١٢- جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، تحذر من القتل بغير حق تحذيرًا شديدًا، وتبين سوء عاقبته، وعظم عقوبة فاعله، وهي عامة في المؤمن والكافر. ١٣- لا يجوز قتل الكافرين غير المحاربين من المعاهدين والذميين والمستأمنين، بغير حق، وقد وردت نصوص كثيرة تنهى عن قتلهم، وتتوعد من يفعل ذلك بالنكال الشديد، والعذاب الأليم، وعلى ذلك أجمع العلماء، كما أجمعوا على تحريم الغدر، ونقض العهد.

стр. 56

١٤- إذا كان ذلك الوعيد الشديد في قتل آحاد المعاهدين والذميين والمستأمنين، فكيف بنسف بيوتهم وعماراتهم، وهدمها على رؤوسهم، وقتل من فيها من النساء والصبيان؟ مع أن قتل هؤلاء من الكفار المحاربين حرام لا يجوز بإجماع العلماء إلا لضرورة، فكيف بنساء المعصومين وأطفالهم؟ ١٥- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحرمان إذا تضمنا تفويت مصلحة أكبر، أو جلب فتنة ومفسدة أعظم. ١٦- لا يجوز لآحاد الرعية إشهار السلاح، لإنكار المنكرات ومنازلة أهل الباطل، فإن هذا من خصائص الإمام أو من ينيبه، ولا يستقل به آحاد الرعية، لأنه يؤدي إلى إثارة الفتن، وهيجان الفساد، وتهدم الأمن، وكثرة الهرج والمرج. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.