Полный текст (328 стр.). Показаны 316–328 · переход к 321.
стр. 316
هذه أعيان وسائلي التي نافرت إليها عتبك، واستعفيت من جحدها علمك، فأما ما يأخذه التخلق ويكون مثله على بعض الإخوان من بعض الشبهة من إيثار الهوى، وتحري الموافقة، والصبر على الجفوة، فذاك الذي إن ضرب لي سهم في إنصافك فقد ينال ذلك بأقل مما كنت تدعينه، وأما الغيبة فيما بيني وبينك، فقد أمكنك من ذلك الاعتداد به، ومحاكمتك إلى ما هو أرجى منه.
كاتب: واعلم أن الشجر يتفاضل في الثمر، فرب شجرة طيبة الحمل قليلته، وأخرى خبيثة الحمل كثيرته، وكذلك العلماء، فلا يمنعك من عالم وعليك بحسن الاقتباس، والصبر على الناس، فإنك إن كنت لا تصحب إلا المهذبين من أهل العقول، ولم تصبر من الناس على الفضول، عدمت الحلم، ونسيت العلم، واعلم أن في الناس حكمة، ومجالستهم تجلو بعض الظلمة، فاحتملهم على المخالفة وتمويه المصادقة، واقتبس منهم المحاسن، وتجاف عن المساوئ، واعلم أن الأخلاء ثلاثة أصناف: فرع بائن من أصله، وأصل متصل بفرعه، وفرع ليس له أصل، فأما الفرع البائن من أصله فإخاء بني على مودة ثم انقضت فحافظ على ذمام الصحبة، وأما الأصل المتصل بفرعه فإخاء أصله الكرم، وأغصانه الهوى، وأما الفرع الذي ليس له أصل فالمموه الظاهر الذي ليس له باطن، ولهذه الصنوف علامات تدل عليها هذه الحالات.
ومن الإخوان كالجوهر، منه مموه مصنوع، وبعضه خالص مطبوع، فاعرف الرجال بالخبر، كما تسبر الجوهر بالبصر، واعلم أن ثقات الإخوان، بقدر ما يستوجبون من الائتمان، فإن ميزان الكرام عادل، وصاعهم كامل،
стр. 317
يوفيان الحالات فروضها، ولا يبخسانها حقوقها، فلو بلغت لرجل فوق قسطه في الإخاء خفتا على ذي الفضل، أو قصرت بآخر عن الوفاء، وأزرت بأهل العدل، واعلم أن لأهل الفضل حظوظاً مقسومة، ومنازل معلومة، بعضها أشرف من بعض، ولكل منزلة حماها، لهم الفعال فليست تصلح إلا لهم، واعلم أن أبناء الكرام بمنزلة سيل الغمام، ينسبون إلى الكرم ما لم يبلهم الخبر، كما ينسب الغيث إلى المنفعة ما لم يبدر له ضرر، فإذا بلوا حمد المحمود، وذم المنكود.
أبو الربيع: ما إن بلوت أحداً إلا ردني إليك ابتلاؤه، ولا قفوت أثراً إلا عطفني عليك اقتفاؤه، ولئن امتحنت سريرة قلبي بالشكر على إحسانك، كما امتحنت عزيمة رأيي بالصبر على حرمانك، لتهجمن بك شهود من ظاهر فعال على عيون تبصر بها باطن وفاء، وأن تحملني حفاظك، وتلبسني ذمامك، ويشتمل علي وفاؤك، وينفعني اليوم ما سلفت فيك بالأمس أكن وكيلاً لسمعك في قلبي، وأميناً لعينك علي، فإني خفيف المؤونة، لطيف المعونة، لا قابل غنماً، ولا سائل أكلاً، ولا ساخط منك منزلة فويق العامة، ودوين الخاصة، ما لم ترفعني فوقها، وتجب لي ضعفها.
стр. 318
كاتب: ما إن يكلفني على معروفه من الثمن، إلا الإقرار له بالمنن، وله علي المنة والنعمة، والطول والحجة، فيما ترك وصنع، وأعطى ومنع، والله لقد بذل فكان بذله طويلاً يربي على حقي، ومنع فكان منعه أدباً يعطفني على حظي، وعاتب فكان عتابه تجديداً لنعمه عندي، وتحضيضاً على تقوية نيته في نفعي.
يوسف بن القاسم بن صبيح إلى محمد بن زياد: حفظك الله وحاطك، رأيتك - أكرمك الله - في خرجتك هذه رغبت عن مواصلتنا بكتبك، وإبلاغنا طيب خبرك، وقطعتنا قطع ذي السلوة، أو أخي الملة، حتى كأنك كنت إلى مفارقتنا مشتاقاً، وغلى البعد منا تواقاً، فوقع بعدك بحيث توخيت من جهتين: إحداهما حلاوة الولاية، والأخرى لذة الراحة، فإن يكن ذلك كما رجمناه قاطعناك مجملين، أو لبسناك على يقين، وإن يكن إدلالاً بهدية أعددتها لنا من ناحية عملك، فليس قدر الهدايا وإن كثرت، ولا الفوائد وإن جلت احتمال لؤم الإخوان إذا كانت الهدايا إنما تراد لهم، والفوائد إنما تنال بهم، والمباهاة بأعراض الدنيا تؤثر بخلطائهم، وما أدري ما أقول في اختيارك ترك المكاتبة المحدثة عن الغيب بالأسرار المكتومة، والرسائل المعلومة، والأمور المفهومة، حتى كأنها محادثة والحضور، على تنائي الدور، والقلوب بها مشاهدة، وإن كانت الأبدان
стр. 319
متباعدة، ولئن كذب فيك الرجاء، لقد نمى عن الوفاء، وقد أصبتك من مرارة العتاب بما لا يقيم بعده على قطيعة ولا جفاء، فلا تتوهمن أني أردت إعتابك لعتابي، ولا إزراءك بكتابي، فإن وصلت فمشكور، وإن قطعت فمعذور.
الأخوص:
فإني للمودة ذو حفاظ ... أواصل من يهش إلى وصالي
وقال الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي:
لست أصفي الود مني فاعلمي ... من إذا راجعه حتى اعتراض
كم سقيم الود قد أبرأته ... وعرفت الداء من عرق نبض
آخر:
عجبت لصون الود في مضمر الحشا ... لمن هو فيما قد بدا لي واتر
ومن طلبي بالود تبلى ولم يكن ... ليدرك تبلاً بالمودة ثائر
ابن الدمينة:
ولقد منحتك لو جزيت مودة ... وخلائقك ليست بذات غوائل
стр. 320
عبد الله بن معاوية:
أكافي خليلي ما استقام بوده ... وأمنحه ودي إذا يتجنب
فما الحب إلا من لك وده ... ومن هو ذو نصح وأنت مغيب
كثير:
وقد أصفيت سعدى طريف مودتي ... ودام على العهد الكريم تليدها
آخر:
لعمرك ما ود اللسان بنافع ... إذا لم يكن أصل المودة في الصدر
الأحوص:
وقد ثبتت في الصدر منها مودة ... كما ثبتت في الراحتين الأصابع
آخر:
لا خير في ود من تواصله ... وأنت من وده على وجل
آخر:
أيجزون بالود المضاعف مثله ... فإن الكريم من جزى الود بالود
جميل:
إن المودة مني غير زائلة ... عن حالها فقفي إن شئت أوسيري
الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي:
فإلا تجازيني بمثل مودتي ... فما أنا من حب بأول هالك
стр. 321
آخر:
أني تودكم نفسي وأمنحكم ... ودي ورب محب غير محبوب
وللفضل:
لقد أعطيتكم ممنوع ود ... وصفواً لم أكدره بمن
أنشد ثعلب:
ولقد بلوت الناس ثم خبرتهم ... وعلمت ما فيهم من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً ... وإذا المودة أشبك الأنساب
آخر:
كم صديق عرفته بصديق ... كان أحظى من الصديق العتيق
ورفيق صحبته في طريق ... صار بعد الطريق خير رفيق
وقال ابن دريد فيما روى لنا المرزباني عنه قال حكيم: المودة تعاطف القلوب، وائتلاف الأرواح، وحنين النفوس إلى مباثة السرائر، والاسترواح للمستكنات في الغرائز من وحشة الأشخاص عند تباين الالتقاء، وظاهر السرو بكثرة التزاور.
بكر بن النطاح:
بعثت إليك نصائحي ومودتي ... قبل اللقاء مشاهد الأرواح
стр. 322
الحارث بن خالد:
ووجدي بالأحبة يوم بانوا ... كوجد الصاد بالماء التفاخ
ووجدي دائم وعهدي ... متين ما يعود إلى انفساخ
آخر:
ترى حرمت كتب الأخلاء بينهم ... ابن لي، أم القرطاس أصبح غاليا
فما كان لو راعيتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا
فهبك عدوي لا صديقي فربما ... رأيت الأعادي يرحمون الأعاديا
آخر:
وتركي مواساة الأخلاء بالذي ... تنال يدي ظلم لهم وعقوق
وإني لأستحيي من الله أن أرى ... بحال اتساع والصديق مضيق
وقال أعرابي في وصف آخر: لسانه سلم موادع، وقلبه حرب منازع.
كتب سويد بن منجوف إلى مصعب بن الزبير:
فأبلغ مصعباً عني رسولاً ... وهل يلقى النصيح بكل واد
تعلم أن أكثر من تناجي ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي
العنبري:
ما أبالي إذا حملت عن الإخوان ثقلي ودنت بالتخفيف
ورفضت الكثير من كل شيء ... وتقنعت بالقليل الطفيف
стр. 323
ورآني الأنام طراً بعيني ... زاهد في وضيعهم والشريف
كيف كانت حالي إذا كان لا يعرف ميلي الرجال من تثقيفي
أنا عبد الصديق ما صدق الود وبعض الأقوام عبد الرغيف
قال أبو العيناء: مودة الكريم غراس، وشكر الشريف أحسن لباس.
شاعر:
تدلي بودي إذا لاقيتني كذباً ... وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه
آخر:
أعاذلتي كم من أخ لي أوده ... كريم علي لم يلدني والده
إذا ما التقينا لم يريني وكده ... ولكنني مثن عليه وزائده
وآخر أصلي في التناسب أصله ... يباعدني في رايه وأباعده
يود لو أني فقدت أول فاقد ... وأيضاً أود الود أني فاقده
آخر:
إذا كان في صدر ابن عمك إحنة ... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها
طرفة:
وصاحب قد كنت صاحبته ... لا ترك الله له واضحه
فكلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه
شاعر:
خير الصديق من الصدوق مقاله ... وكذا شرهم المنون الأكذب
стр. 324
فإذا غدوت له تريد نجازه ... بالوعد راغ كما يروغ الثعلب
آخر:
احذر مغايظ أقوام ذوي أنف ... إن المغيظ جهول السيف مجنون
آخر:
اصحب الأخيار وارغب فيهم ... رب من صاحبته مثل الجرب
وقال الحسن بن وهب:
ما أحسن العفو من القادر ... لا سيما عن غير ذي ناصر
إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فما له غيرك من غافر
أعوذ بالود الذي بيننا ... أن يفسد الأول بالآخر
قال ابن عباس: إن الذباب ليقع على صديقي فيشق علي.
وقال ابن سيرين: لا تلق أخاك بما يكره.
وقال حبيب بن أبي ثابت: ليس من الأخوة أن يسر الرجل عن أخيه الحديث.
وقال أعرابي: آخ منيعاً يكن عدوك صريعاً.
وقال أعرابي: الصاحب كالرقعة في الثوب فلينظر الرجل بما يرقعه.
وقال بعض السلف: شر الإخوان من تتكلف له.
شاعر:
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح؟
وقال بعض السلف: روح العاقل في لقاء الإخوان.
стр. 325
وقال أعرابي: اعتبر الناس بإخوانهم.
وقال معن بن أوس:
ألا من لمولى لا يزال كأنه ... صفا فيه صدع لا يدانيه شاعب
يدب دباب الغش تحت ضلوعه ... لأهل الندى من قومه والعقارب
أنشد ابن الأعرابي:
يا رب مولى حاسد مباغض ... علي ذي ضغن وضب قارض
له قرؤ كقرؤ الحائض
أبو دهبل الجمحي:
وأعلم بأني لمن عاديت مضطغن ... ضباً وأني عليك اليوم محسود
كاتب: عرفني وقتك أوافقك فيه خالياً، لا تزاحمني الألسن فيه على محادثتك، ولا الأعين عن النظر إليك لأقضي حق المودة، وآخذ بثأر الشوق.
الأخطل:
стр. 326
بني أمية إني ناصح لكم ... فلا يبتن فيكم آمناً زفر
واتخذوه عدواً إن ظاهره ... وما يغيب من أخلاقه دعر
مسكين الدارمي:
إذا ما خليلي خانني وائتمنته ... فذاك وداعيه وذاك وداعها
رددت عليه وده وتركته ... مطلقة لا يستطاع رجاعها
وإني امرؤ مني الحياء الذي ترى ... أعيش بأخلاق قليل خداعها
قيس بن الخطيم:
إذا ضيع الإخوان سراً فإنني كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ائتمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
شاعر:
ارى قوماً وجوههم حسان ... إذا كانت حوائجهم إلينا
فإن كانت حوائجنا إليهم ... تغير حسن أوجههم علينا
ومنهم من سمنع ما لديه ... ويغضب حين نمنع ما لدينا
فإن يك فعلهم سمجاً وفعلي ... قبيحاً مثله فقد استوينا
قيل لأعرابي: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت بين حاذف وقاذف، وبين ستوق وزائف.
стр. 327
شاعر قديم:
أناجي أخي في كل حق وباطل ... وأرغمه حتى يمل ملائلي
فإن رامه بالظلم غيري وجدتني ... له باذلاً من ذاك نفس مقاتلي
فأظلمه جهدي وأمنع ظلمه ... بجهدولا أخليه شحمة آكل
فإن سيم خسفاً أو هواناً تربدت ... قسائم وجهي واعترتني أفاكلي
وخضت غمار الموت دون مناله ... حفاظاً ولم أسلم أخي للمناضل
وهذه أبيات تصلح للحفظ لما فيها من شرف اللفظ، وحسن الرونق، وصحة المعنى، وطراز العرب غير طراز المتشبهين بهم، ولعمري إن حسبية الطبع أكثر ماء، وأبهى نضارة من مثقف التكلف، والجواهر تشرف بمعادنها، والفروع تزدهي بأصولها، والنجوم بأفلاكها، ومن الغي أن يقال: الأفلاك بنجومها.
قال عبد الله بن طاهر:
طلبت أخاً محضاً صحيحاً مسلماً ... نقياً من الآفات في كل موسم
لأمنحه ودي فلم أجد الذي ... طلبت، ومن لي بالصحيح المسلم
فلما بدا لي أنني غير مبتلى ... من الناس إلا بالمريض المسقم
صبرت ومن يصبر يجد غب ضره ... ألذ وأشهى من جنى النحل في الفم
ومن لم يطب نفساً ويستبق صاحباً ... ويغفر لأهل الود يصرم ويصرم
стр. 328
تفقد هذا النحت لهذا المحدث من ذلك النحت لذلك الأعرابي، فإنك تجد بين الديباجتين، بالحسن الصحيح، فرقاً يشهد لك بتقدم الدعي على الصريح.
قد تكرر اعتذاري من طول هذه الرسالة، هذا وكان ظني في أولها أنها تكون لطيفة خفيفة، يسهل انتساخها وقراءتها، فماجت بشجون الحديث، وروادف من الطيب والخبيث، فاقبل حاطك الله هذا العذر الذي قد بدأته وأعدته، ونشرته وطويته، على أنك لو علمت في أي وقت ارتفعت هذه الرسالة، وعلى أي حال تمت، لتعجبت، وما كان يقل في عينك منها، يكثر في نفسك، وما يصغر منها ينقدك، يكبر بعقلك، والله أسأل خاتمة مقرونة بغنيمة، وعاقبة مفضية إلى كرامة، فقد بلغت شمسي رأس الحائط، والله أستعين على كل ما هم النفس، ووزع الفكر، وأدنى من الوسواس، إنه نعم المعين، على أمور الدنيا والدين، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على نبيه المصطفى محمد وآله الطيبين، والطاهرين أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.