Полный текст (274 стр.). Показаны 246–274 · переход к 251.
стр. 246
أَيْ أَقْرَعَ، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الْقُرْعَةُ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَضَاؤُهُ، فَمَنْ رَدَّ الْقُرْعَةَ فَقَدْ رَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَضَاءَهُ وَفِعْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لِمَنْ قَدْ عَلِمَ بِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُفْتِي بِخِلَافِهِ،، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وَقَالَ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] .
قَالَ حَنْبَلٌ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ: مَنْ قَالَ بِغَيْرِ الْقُرْعَةِ فَقَدْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي سُنَّتِهِ الَّتِي قَضَى بِهَا وَقَضَى بِهَا أَصْحَابُهُ بَعْدَهُ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: فِي الْقُرْعَةِ خَمْسُ سُنَنٍ، حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ: «إنَّ قَوْمًا أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوَارِيثَ وَأَشْيَاءَ دَرَسَتْ بَيْنَهُمْ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ» وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - حِينَ تَدَارَيَا فِي دَابَّةٍ - فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَحَدِيثُ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ، وَحَدِيثُ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَنْ فَعَلَهَا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَابْنَ الْمُسَيِّبِ، ثُمَّ تَعَجَّبَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَمَا يَرُدُّونَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: وَقَالَ لِي أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ - وَذَاكَرَنِي أَمْرَ الْقُرْعَةِ فَقَالَ: أَرَى أَنَّهَا مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ، وَذَكَرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وَقَوْلَهُ: ﴿فَسَاهَمَ﴾ [الصافات: ١٤١] .
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ: الْقُرْعَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: الْقُرْعَةُ قِمَارٌ قَوْمٌ جُهَّالٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا فِي السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ: أَقْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعَيْنِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ.
قَالَ: أَخْبَرَنِي، أَبِي الزُّبَيْرُ «أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَقْبَلَتْ امْرَأَةٌ تَسْعَى، حَتَّى كَادَتْ أَنْ تُشْرِفَ عَلَى الْقَتْلَى، قَالَ: فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرَاهُمْ، فَقَالَ: الْمَرْأَةَ، الْمَرْأَةَ.
قَالَ الزُّبَيْرُ: فَتَوَهَّمْت أَنَّهَا أُمِّي صَفِيَّةُ، قَالَ: فَخَرَجْت أَسْعَى، فَأَدْرَكْتُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى الْقَتْلَى قَالَ: فَلَهَزَتْ فِي صَدْرِي - وَكَانَتْ امْرَأَةً جَلْدَةً وَقَالَتْ: إلَيْك عَنِّي، لَا أُمَّ لَك، قَالَ فَقُلْت: إنَّ
стр. 247
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَزَمَ عَلَيْك، فَرَجَعَتْ وَأَخْرَجَتْ ثَوْبَيْنِ مَعَهَا، فَقَالَتْ: هَذَانِ ثَوْبَانِ جِئْت بِهِمَا لِأَخِي حَمْزَةَ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَقْتَلُهُ، فَكَفِّنُوهُ فِيهِمَا، قَالَ: فَجِئْت بِالثَّوْبَيْنِ لِيُكَفَّنَ فِيهِمَا حَمْزَةُ، فَإِذَا إلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ قَتِيلٌ، قَدْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِحَمْزَةَ، قَالَ: فَوَجَدْنَا غَضَاضَةً: أَنْ نُكَفِّنَ حَمْزَةَ فِي ثَوْبَيْنِ وَالْأَنْصَارِيُّ لَا كَفَنَ لَهُ، قُلْنَا: لِحَمْزَةَ ثَوْبٌ وَلِلْأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ، فَقَدَّرْنَاهُمَا فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنْ الْآخَرِ، فَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا فَكَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ فِي الثَّوْبِ الَّذِي طَارَ لَهُ» .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: وَحَدِيثُ الْأَجْلَحِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
[فَصَلِّ فِي كَيْفِيَّة الْقُرْعَة]
١٢٢ - (فَصْلٌ)
فِي كَيْفِيَّةِ الْقُرْعَةِ قَالَ الْخَلَّالُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُحِبُّ مِنْ الْقُرْعَةِ مَا قِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ " أَنْ يَأْخُذَ خَوَاتِيمَهُمْ، فَيَضَعَهَا فِي كُمِّهِ، فَمَنْ خَرَجَ أَوَّلًا: فَهُوَ الْقَارِعُ ".
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فِي الْقُرْعَةِ يَكْتُبُونَ رِقَاعًا؟ قَالَ: إنْ شَاءُوا رِقَاعًا، وَإِنْ شَاءُوا خَوَاتِيمَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ: كَيْفَ يُقْرَعُ؟ قَالَ: بِالْخَاتَمِ وَبِالشَّيْءِ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي الْقُرْعَةِ: يُؤْخَذُ عُودٌ شَبَهُ الْقِدْحِ، فَيُكْتَبُ عَلَيْهِ " عَبْدٌ " وَعَلَى الْآخَرِ " حُرٌّ " وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا.
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ تَكُونُ الْقُرْعَةُ؟ قَالَ: يُلْقِي خَاتَمًا، يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِنْ جَعَلَ شَيْئًا فِي طِينٍ أَوْ يَكُونُ عَلَامَةً قَدْرَ مَا يَعْرِفُ صَاحِبُهُ إذَا كَانَ لَهُ: فَهُوَ جَائِزٌ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ الْقُرْعَةُ؟ فَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقُولُ بِالْخَوَاتِيمِ، أَقْرَعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي ثَوْبٍ، فَأُخْرِجُ خَاتَمَ هَذَا وَخَاتَمَ هَذَا، قَالَ ثُمَّ يُخْرِجُونَ الْخَوَاتِيمَ، ثُمَّ تُدْفَعُ إلَى رَجُلٍ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا وَاحِدًا، قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ: تُكْتَبُ رِقَاعٌ، وَتُجْعَلُ فِي طِينٍ؟ قَالَ: وَهَذَا أَيْضًا، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: الْقُرْعَةُ هَكَذَا وَقَالَ الرَّجُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ، فَضَمَّهَا ثُمَّ فَتَحَهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: لَيْسَ هُوَ هَكَذَا.
وَقَالَ مُهَنَّا: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ الْقُرْعَةُ؟ أَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ هَذَا - وَيُخْرِجَ هَذَا وَأَشَرْت بِيَدِي بِأَصَابِعِي -؟ قَالَ: نَعَمْ.
[فَصَلِّ فِي مواضع الْقُرْعَة]
١٢٣ - (فَصْلٌ)
стр. 248
فِي مَوَاضِعِ الْقُرْعَةِ
قَالَ إِسْحَاقُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْأَعْبُدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قِيلَ فِي الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ، فَكَأَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يَعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ عِتْقُ جَمِيعِهِ عَتَقَ مِنْهُ مَا أَمْكَنَ عِتْقُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ مَالُهُ كُلُّهُ عَبْدًا وَاحِدًا، فَأَعْتَقَهُ: عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ قِيلَ: هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ الَّذِي رُدَّتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ: أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ الْوَاحِدِ: لَا يُمْكِنُ غَيْرُ جَرَيَانِ الْعِتْقِ فِي بَعْضِهِ، وَأَمَّا فِي الْأَعْبُدِ: فَتَكْمِيلُ الْحُرِّيَّةِ فِي بَعْضِهِمْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ مُمْكِنٌ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ تَنْقِيصِهَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْمَرِيضَ قَصَدَ تَكْمِيلَ الْحُرِّيَّةِ فِي الْجَمِيعِ، وَلَكِنْ مُنِعَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَكَانَ تَكْمِيلُهَا فِي الْبَعْضِ مُوَافِقًا لِمَقْصُودِ الْمُعْتِقِ؛ وَمَقْصُودُ الشَّارِعِ، أَمَّا الْمُعْتِقُ فَإِنَّهُ أَرَادَ تَخْلِيصَ جُمْلَةِ الرَّقَبَةِ، وَأَمَّا الشَّارِعُ فَإِنَّهُ مُتَشَوِّفٌ إلَى تَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ دُونَ تَشْقِيصِهَا، وَتَكْمِيلُهَا فِي الْجَمِيعِ: ضَرَرٌ بِالْوَارِثِ، وَتَكْمِيلُهَا فِي الثُّلُثِ: مَصْلَحَةٌ لِلْمُعْتِقِ وَالْوَارِثِ وَالْعَبْدِ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ. فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، وَأُصُولُ الشَّرْعِ: مَعَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَخِلَافُهُ خِلَافُ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ مَعًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ صَارَ سُدُسُ كُلِّ عَبْدٍ مِنْ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ مُسْتَحِقَّ الْإِعْتَاقِ، فَإِبْطَالُهُ إبْطَالٌ لِعِتْقٍ مُسْتَحَقٍّ؟ قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْعِتْقُ الْمُسْتَحَقُّ عِتْقُ ثُلُثِ الْأَعْبُدِ، وَهُوَ الَّذِي مَلَّكَهُ إيَّاهُ الشَّارِعُ ﷺ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ ثُلُثِهِمْ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُمَلِّكُهُ، وَمَا لَا يُمَلِّكُهُ: تَصَرُّفُهُ فِيهِ لَغْوٌ وَبَاطِلٌ، وَالْوَارِثُ إذَا لَمْ يُجِزْ إعْتَاقَ الْجَمِيعِ: كَانَ تَصَرُّفُ الْمُعْتِقِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِهِ، وَإِذَا كَانَ إنَّمَا أَعْتَقَ الثُّلُثَ حُكْمًا: أَخْرَجْنَا الثُّلُثَ بِالْقُرْعَةِ، فَأَيُّ قِيَاسٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَأَبْيَنُ؟ .
فَإِنْ قِيلَ: مَدَارُ الْحَدِيثِ عَلَى الْحَسَنِ، وَهُوَ يَرْوِيهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: لَا يَثْبُتُ لِقَاءُ الْحَسَنِ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، قَالَ: " حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ " قَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَيْنَهُمَا هَيَّاجُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ الْفُضَيْلِ التَّمِيمِيُّ الْبُرْجُمِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَجَدْت فِي كِتَابِ أَبِي - بِخَطِّهِ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلِّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حَدِيثَ الْقُرْعَةِ.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثَ أَبِي الْمُهَلِّبِ، فَقَالَ: قَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ عِمْرَانَ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ، وَقَالَ يَقُولُونَ: إنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كِتَابِ أَبِي الْمُهَلِّبِ.
стр. 249
قِيلَ: هَذَا لَا يَضُرُّ الْحَدِيثَ شَيْئًا، فَإِنَّ أَبَا الْمُهَلِّبِ قَدْ رَوَاهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ". وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلِّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ " أَنَّ رَجُلًا أُعْتِقَ " فَذَكَرَهُ.
وَقَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَحَمَّادٍ. فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو الْمُهَلِّبِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَغَايَةُ الْحَسَنِ: أَنْ يَكُونَ سَمْعُهُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَبِي: حُدِّثْت أَنَّهُ كَانَ فِي كِتَابِ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ أَبُو الْمُهَلِّبِ - حَدِيثَ الْقُرْعَةِ، وَقَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: قَالَ يَحْيَى عَنْ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَسَنُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: " حَدَّثَ أَهْلُ بَلَدِنَا: " وَلِشُهْرَةِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ قَالَ: " حَدَّثَنَا ".
وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ هَذَا فِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ، وَقَوْلُ الَّذِي يَقْتُلُهُ: " أَنْتَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ ". وَقَوْلُ أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ: " لَا يَصِحُّ " إنَّمَا أَرَادَ: قَوْلَ الْحَسَنِ " حَدَّثَنِي عِمْرَانُ " فَإِنَّ مُهَنَّا بْنَ يَحْيَى إنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ.
قَالَ: " حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ " قَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ صَحَّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ عِمْرَانَ.
قَالَ الْخَلَّالُ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيِّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الطَّحَاوِيُّ، عَنْ خَالِدٍ يَعْنِي الْحَذَّاءَ - عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ، عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَجَزَّأَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْزَاءً، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» .
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ أَحْمَدُ: مَا ظَنَنَّا أَنَّ أَحَدًا حَدَّثَ بِهَذَا إلَّا هُشَيْمٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَبُو زَيْدٍ - هَذَا - رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: كَتَبْنَاهُ عَنْ هُشَيْمٍ وَقَالَ: إلَيْهِ أَذْهَبُ.
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ نُعْمَانَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
[فَصَلِّ فِيمَنْ طلق امْرَأَة مِنْ نِسَائِهِ لَا يَدْرِي أَيَّتهنَّ هِيَ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيده]
١٢٤ - (فَصْلٌ)
стр. 250
وَمِنْ مَوَاضِعِ الْقُرْعَةِ: إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ، أَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، لَا يَدْرِي أَيَّتَهنَّ هِيَ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ يَقُومُ وَلِيُّهُ فِي هَذَا مَقَامَهُ، يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، فَأَيَّتُهُنَّ وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ لَزِمَتْهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: عَنْ رَجُلٍ أَعْتَقَ أَحَدَ غُلَامَيْهِ فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى، وَلَمْ يَدْرِ الْوَرَثَةُ أَيُّهُمَا أَعْتَقَ، قَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فِي الْقُرْعَةِ: إذَا قَالَ: أَحَدُ غُلَامِيَّ حُرٌّ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، فَأَيُّهُمَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ عَتَقَ، كَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ.
وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ، أَوْ لِعَبْدَيْنِ لَهُ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، قَالَ: قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قُلْت: تَرَى أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: وَتُجِيزُ الْقُرْعَةَ فِي الطَّلَاقِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ - فِيمَنْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، وَلَمْ يَدْرِ: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، كَذَلِكَ فِي الْأَعْبُدِ، فَإِنْ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى وَاحِدَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الَّتِي طَلَّقَ: رَجَعَتْ هَذِهِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الَّتِي ذَكَرَ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَذَاكَ شَيْءٌ قَدْ مَرَّ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ - فِي رَجُلٍ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا - يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَصَدَ إلَى وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا ثُمَّ نَسِيَهَا.
قَالَ: وَالْقُرْعَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ لِوَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا وَلَا نَوَاهَا، فَإِنَّهُ يَخْتَارُ صَرْفَ الطَّلَاقِ إلَى أَيَّتِهِنَّ شَاءَ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ لِوَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا وَنَسِيَهَا، فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ فِيهِمَا حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَلَا يُقْرِعُ، وَلَا يَخْتَارُ صَرْفَ الطَّلَاقِ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الْجَمِيعِ. وَالْقَوْلُ بِالْقُرْعَةِ: مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ وَكِيعٌ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْت أَبَا جَعْفَرٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ، لَا يَدْرِي أَيَّتَهُنَّ طَلَّقَ، فَقَالَ: عَلِيٌّ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ.
فَالْأَقْوَالُ الَّتِي قِيلَ بِهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَرْبَعَةٍ: ثَلَاثَةٌ قِيلَ بِهَا، وَوَاحِدٌ لَا يُعْلَمُ بِهِ قَائِلٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُعَيِّنُ فِي الْمُبْهَمَةِ، وَيَقِفُ فِي حَقِّ الْمَنْسِيَّةِ عَنْ الْجَمِيعِ، فَيُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ وَيَكْسُوهُنَّ، وَيَعْتَزِلُهُنَّ إلَى أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا الْمَوْتُ أَوْ يَتَذَكَّرَ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْحَرَجِ، وَالْإِضْرَارِ بِهِ وَبِالزَّوْجَاتِ، فَيَنْفِيهِ.
стр. 251
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» فَأَيُّ حَرَجٍ وَضَرَرٍ وَإِضْرَارٍ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؟
الثَّانِي: أَنْ يُطَلَّقَ عَلَيْهِ الْجَمِيعُ، مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَ وَاحِدَةً، لَا الْجَمِيعَ، فَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ بِالْجَمِيعِ - مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ الْجَمِيعَ - تَرُدُّهُ أُصُولُ الشَّرْعِ وَأَدِلَّتُهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَشْكُوكٌ فِيهَا: هَلْ هِيَ الْمُطَلَّقَةُ أَمْ لَا؟ فَلَا تَطْلُقُ بِالشَّكِّ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِوَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى بِأَنْ يُوقِعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ مِنْ الْبَعْضِ، وَالْقُرْعَةُ قَدْ تُخْرِجُ غَيْرَ الْمُطَلَّقَةِ، فَإِنَّهَا كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ يَجُوزُ أَنْ تَقَعَ عَلَى غَيْرِهَا، فَإِذَا أَخْطَأَتْ الْمُطَلَّقَةَ وَأَصَابَتْ غَيْرَهَا أَفْضَى ذَلِكَ إلَى تَحْرِيمِ مَنْ هِيَ زَوْجَةٌ، وَحِلِّ مَنْ هِيَ أَجْنَبِيَّةٌ.
وَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ كُلُّهَا تَعَيَّنَ هَذَا التَّقْرِيرُ، وَهُوَ بَقَاءُ النِّكَاحِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ، وَإِذَا كَانَ النِّكَاحُ بَاقِيًا فِيهَا، فَأَحْكَامُهُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا بَقَاءُ النِّكَاحِ وَتَحْرِيمُ الْوَطْءِ دَائِمًا: فَلَا وَجْهَ لَهُ.
فَهَذَا الْقَوْلُ: وَالْقَوْلُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى الْجَمِيعِ: مُتَقَابِلَانِ، وَأَدِلَّتُهُمَا تَكَادُ أَنْ تَتَكَافَأَ، لَا احْتِيَاطَ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِالْجَمِيعِ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ عَلَى الزَّوْجِ، وَإِبَاحَتَهُ بِالشَّكِّ لِغَيْرِهِ.
قَالَ الْمُقْرِعُونَ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْقُرْعَةَ طَرِيقًا إلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي كِتَابِهِ، وَفَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ بِهَا، وَحَكَمَ بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا، وَكُلُّ قَوْلٍ غَيْرُ الْقَوْلِ بِهَا: فَإِنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدَهُ تَرُدُّهُ.
أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْجَمِيعِ - مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْقَعَهُ عَلَى وَاحِدَةٍ - فَتَطْلِيقٌ لِغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ طَلَّقَ طَلْقَةً وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا، حَيْثُ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَوْفَى عَدَدَ الطَّلَاقِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا: هُوَ جَازِمٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ عَدَدَ الطَّلْقَاتِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قَدْ شَكَّ: هَلْ طَلَّقَهَا أَمْ لَا؟ وَغَايَتُهُ: أَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ تَحْرِيمًا فِي وَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا، فَكَيْفَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ غَيْرُهَا؟ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ اشْتَبَهَتْ الْمُحَلَّلَةُ بِالْمُحَرَّمَةِ، فَحُرِّمَتَا مَعًا، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، وَمَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ. قِيلَ: هَاهُنَا مَعَنَا أَصْلٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ الْأَصْلِيُّ، وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي سَبَبِ الْحِلِّ، فَلَا يُرْفَعُ التَّحْرِيمُ الْأَصْلِيُّ إلَّا بِالنِّكَاحِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي عَيْنٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، وَمَعَنَا أَصْلُ الْحِلِّ الْمُسْتَصْحَبِ، فَلَا يُمْكِنُ تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ، وَلَا إلْغَاؤُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إلَى تَعْيِينِ مَحَلِّهِ إلَّا بِالْقُرْعَةِ، فَتَعَيَّنَتْ طَرِيقًا.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مُعَيَّنَةٍ؛ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ
стр. 252
يَمْلِكْ الْمُطَلِّقُ صَرْفَهُ إلَى أَيَّتِهِنَّ شَاءَ، لَكِنَّ التَّعْيِينَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا، وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَيْسَ لَنَا طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَتِهِ، فَتَعَيَّنَتْ الْقُرْعَةُ.
يُوَضِّحُهُ: أَنَّ التَّعْيِينَ مِنْ الْمُطَلِّقِ لَيْسَ إنْشَاءً لِلطَّلَاقِ فِي الْمُعَيَّنَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ إنْشَاءً لَمْ يَكُنْ الْمُتَقَدِّمُ طَلَاقًا، وَلَكَانَ الْجَمِيعُ حَلَالًا لَهُ، وَلَمَا أُمِرَ بِأَنْ يُنْشِئَ الطَّلَاقَ، وَلَا افْتَقَرَ إلَى لَفْظٍ يَقَعُ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً فَهُوَ إخْبَارٌ مِنْهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْمُعَيَّنَةَ هِيَ الَّتِي أَوْقَعْتُ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ، وَهَذَا خَبَرٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ، بَلْ هُوَ خِلَافُ الْوَاقِعِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ التَّعْيِينَ إمَّا أَنْ يَكُونَ إنْشَاءً لِلطَّلَاقِ، أَوْ إخْبَارًا، وَلَا يَصْلُحُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: بَلْ هُوَ إنْشَاءٌ عِنْدَنَا فِي الْمُبْهَمَةِ، وَأَمَّا الْمَنْسِيَّةُ: فَهُوَ وَاقِعٌ مِنْ حِينِ طَلَّقَ. قِيلَ: لَا يَصِحُّ جَعْلُهُ إنْشَاءً لِلطَّلَاقِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَعَ بِإِحْدَاهُنَّ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُنْشِئَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ اسْتَحَالَ إنْشَاؤُهُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَلْزَمُكُمْ أَيْضًا، لِأَنَّكُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ مِنْ حِينِ الْإِقْرَاعِ، قِيلَ: بَلْ الطَّلَاقُ عِنْدَنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاقِعٌ مِنْ حِينِ الْإِيقَاعِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - فِي رَجُلٍ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ وَتَزَوَّجَ أُخْرَى، وَمَاتَ، وَلَمْ يَدْرِ أَيَّ الْأَرْبَعِ طَلَّقَ - فَلِهَذِهِ الْأَخِيرَةِ: رُبُعُ الثُّمُنِ، ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَ الْأَرْبَعِ، فَأَيَّتُهُنَّ قَرَعَتْ أُخْرِجَتْ، وَوَرِثَ الْبَوَاقِي.
قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ حَكَمَ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْخَامِسَةِ قَبْلَ تَعْيِينِ الْمُطَلَّقَةِ، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى، وُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِ الْإِيقَاعِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ حِينِ التَّعْيِينِ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا بِعَيْنِهِ يُرَدُّ عَلَيْكُمْ فِي التَّعْيِينِ بِالْقُرْعَةِ، وَالْجَوَابُ حِينَئِذٍ وَاحِدٌ. قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْيِينِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ تَعْيِينَ الْمُكَلَّفِ تَابِعٌ لِاخْتِيَارِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَتَعَيُّنُ الْقُرْعَةِ إلَى اللَّهِ ، وَالْعَبْدُ يَفْعَلُ الْقُرْعَةَ وَهُوَ يَنْتَظِرُ مَا يُعَيِّنُهُ لَهُ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ، شَاءَ أَمْ أَبَى. وَهَذَا هُوَ سِرُّ الْمَسْأَلَةِ وَفِقْهُهَا، فَإِنَّ التَّعْيِينَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَنَا سَبِيلٌ إلَيْهِ بِالشَّرْعِ فُوِّضَ إلَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَصَارَ الْحُكْمُ بِهِ شَرْعِيًّا قَدَرِيًّا: شَرْعِيًّا فِي فِعْلِ الْقُرْعَةِ، وَقَدَرِيًّا: فِيمَا تَخْرُجُ بِهِ، وَذَلِكَ إلَى اللَّهِ، لَا إلَى الْمُكَلَّفِ. فَلَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا وَلَا أَبْلَغَ فِي مُوَافَقَتِهِ شَرْعَ اللَّهِ وَقَدَرَهُ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، ثُمَّ أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُطَلَّقَةَ بِاخْتِيَارِهِ، فَهَكَذَا إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً لَا بِعَيْنِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: الْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ هَاهُنَا قَدْ وَقَعَ عَلَى وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا، فَإِذَا أَشْكَلَتْ لَمْ يَجُزْ
стр. 253
أَنْ يُعَيِّنَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُعَيِّنَ غَيْرَ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ، وَيَسْتَدِيمَ نِكَاحَ الَّتِي طَلَّقَهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ عَلَى إحْدَاهُنَّ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، فَلَيْسَ فِي تَعْيِينِهِ إيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقَعْ بِهَا، وَصَرْفُهُ عَمَّنْ وَقَعَ بِهَا.
قِيلَ: إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ فِي الْمَسِيسِ، وَلَا يَدْرِي عَيْنَهَا، فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ التَّعْيِينَ بِلَا سَبَبٍ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ، لَمْ يَمْلِكْهُ فِي الْأُخْرَى، وَهَذَا أَيْضًا سِرُّ الْمَسْأَلَةِ وَفِقْهُهَا، فَإِنَّ التَّعْيِينَ بِالْقُرْعَةِ تَعْيِينٌ بِسَبَبٍ قَدْ نَصَّبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ سَبَبًا لِلتَّعْيِينِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ، وَالتَّعْيِينَ بِالِاخْتِيَارِ تَعْيِينٌ بِلَا سَبَبٍ، إذْ هَذَا فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ، حَيْثُ انْتَفَتْ أَسْبَابُ التَّعْيِينِ وَعَلَامَاتُهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْيِينَ بِالسَّبَبِ الَّذِي نَصَّبَهُ الشَّرْعُ لَهُ أَوْلَى مِنْ التَّعَيُّنِ الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَنْسِيَّةُ وَالْمُشْتَبِهَةُ يَجُوزُ أَنْ تُذْكَرَ، وَتُعْلَمَ عَيْنُهَا بِزَوَالِ، الِاشْتِبَاهِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَمْلِكْ صَرْفَ الطَّلَاقِ فِيهَا إلَى مَنْ أَرَادَ، بِخِلَافِ الْمُبْهَمَةِ فَإِنَّهُ لَا يُرْجَى ذَلِكَ فِيهَا.
قِيلَ: وَكَذَلِكَ الْمَنْسِيَّةُ وَالْمُشْكِلَةُ إذَا عَدِمَ أَسْبَابَ الْعِلْمِ بِتَعْيِينِهَا، فَإِنَّهُ يَصِيرُ فِي إبْقَائِهَا إضْرَارٌ بِهِ وَبِهَا، وَوَقْفٌ لِلْأَحْكَامِ، وَجَعْلُ الْمَرْأَةِ مُعَلَّقَةً بَاقِي عُمْرِهَا، لَا ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا مُطَلَّقَةً وَهَذَا لَا عَهْدَ لَنَا بِهِ فِي الشَّرِيعَةِ.
١٢٥ - (فَصْلٌ)
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ تَعْيِينِ الْمُطَلَّقَةِ بِالْقُرْعَةِ: حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي عِتْقِ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ، فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ فِي الْجَمِيعِ لَمَّا كَانَ بَاطِلًا، جُعِلَ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ ثُلُثًا مِنْهُمْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَعَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُرْعَةِ، وَالطَّلَاقُ كَالْعَتَاقِ فِي هَذَا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إزَالَةُ مِلْكٍ مَبْنِيٍّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، فَإِذَا اشْتَبَهَ الْمَمْلُوكُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِغَيْرِهِ: لَمْ يُجْعَلْ التَّعْيِينُ إلَى اخْتِيَارِ الْمَالِكِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْعَتَاقُ أَصْلُهُ الْمِلْكُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ الْقُرْعَةُ فِي أَصْلِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ فِي حَالِ الْقِسْمَةِ، وَطَرْحِ الْقُرْعَةِ عَلَى السِّهَامِ، دَخَلَتْ لِتَمْيِيزِ الْمِلْكِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّلَاقُ، لِأَنَّ أَصْلَهُ النِّكَاحُ، وَالنِّكَاحُ لَا تَدْخُلُهُ الْقُرْعَةُ، فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ.
قِيلَ: وَمَنْ سَلَّمَ لَكُمْ أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تَدْخُلُ فِي النِّكَاحِ، بَلْ الصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. دُخُولُهَا فِيهِ، فِيمَا إذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيَّانِ، وَلَمْ يَعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فَإِنَّا نُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ حُكِمَ لَهُ بِالنِّكَاحِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْأَوَّلُ، هَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَحَنْبَلٍ.
وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ وَمُهَنَّا: لَا يُقْرَعُ فِي ذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا: فَلَا يَلْزَمُ إذَا لَمْ تَدْخُلْ الْقُرْعَةُ فِي الْحُكْمِ: أَلَّا تَدْخُلَ فِي رَفْعِهِ، فَإِنَّ حَدَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ
стр. 254
بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَيَسْقُطُ بِشَهَادَتَيْنِ، وَهُوَ مَا إذَا شُهِدَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا، فَذَكَرْت أَنَّهَا عَذْرَاءُ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ النِّسَاءُ كَذَلِكَ لَوْ قَالَ - وَقَدْ رَأَى طَائِرًا - إنْ كَانَ هَذَا غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَفُلَانٌ حُرٌّ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ؟ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ عِنْدَكُمْ أَيْضًا، فَيُحْكَمُ بِمَا خَرَجَتْ بِهِ الْقُرْعَةُ فَإِنْ قُلْتُمْ هُنَا: لَمْ تَدْخُلْ الْقُرْعَةُ فِي الطَّلَاقِ بِانْفِرَادِهِ، بَلْ دَخَلَتْ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ، وَالْقُرْعَةُ تَدْخُلُ فِي الْعِتْقِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ.
قِيلَ: إذَا دَخَلَتْ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ دَخَلَتْ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَغَيْرِهَا، وَكُلُّ مَا قُدِّرَ مِنْ الْمَانِعِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ، يَجْرِي فِي الْآخَرِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَتْ الْقُرْعَةُ تُخْرِجُ الْمُعْتَقَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِخْرَاجُهُ لِلْمُطَلَّقَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى، فَإِنَّ إخْرَاجَ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِهِ، أَسْهَلُ مِنْ إخْرَاجِ عَيْنِ الرَّقَبَةِ، وَإِبْقَاءَ الرِّقِّ فِي الْعَيْنِ أَبَدًا أَسْهَلُ مِنْ إبْقَاءِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ، وَهِيَ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ، فَإِذَا صَلَحَتْ الْقُرْعَةُ لِذَلِكَ فَهِيَ لِمَا دُونَهُ أَقْبَلُ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ. وَأَيْضًا: فَاشْتِبَاهُ الْمُطَلَّقَةِ بِغَيْرِهَا لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ الْقُرْعَةِ.
وَدَلِيلُهُ: مَسْأَلَةُ الطَّائِرِ، وَقَوْلُهُ: إنْ كَانَ غُرَابًا فَنِسَائِي طَوَالِقُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: قَدْ يُسْتَعْمَلُ الشَّيْءُ فِي حُكْمٍ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي آخَرَ، كَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ، دُونَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. يُوَضِّحُهُ: أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى سَرِقَةً، وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ: غَرَّمْنَاهُ الْمَالَ، وَلَمْ نَقْطَعْهُ، فَكَذَا هَاهُنَا: اسْتَعْمَلْنَا الْقُرْعَةَ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، دُونَ الطَّلَاقِ لِلْحَاجَةِ.
قِيلَ: الْحَاجَةُ فِي إخْرَاجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ غَيْرِهَا كَالْحَاجَةِ فِي إخْرَاجِ الْمُعْتَقِ مِنْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ، وَإِذَا دَخَلَتْ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْفَرْجِ الْمَمْلُوكِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَغَيْرِهِ: صَحَّ دُخُولُهَا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْفَرْجِ الْمَمْلُوكِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ، وَلَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْقَطْعِ وَالْغُرْمِ فِي أَنَّهُ يَثْبُتُ أَحَدُهُمَا بِمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْأَحْكَامِ وَفِيمَا يَثْبُتُ بِهِ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهُمَا، وَالْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ يَتَّفِقَانِ فِي الْأَحْكَامِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، وَيَثْبُتُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْآخَرُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْحُقُوقَ إذَا تَسَاوَتْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا إلَّا بِالْقُرْعَةِ: صَحَّ اسْتِعْمَالُهَا فِيهَا، كَمَا قُلْتُمْ فِي الشَّرِيكَيْنِ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَالٌ، فَأَرَادَ قِسْمَتَهُ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُجْزِئُهُ وَيُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ بِإِحْدَى نِسَائِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ عَبِيدَهُ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فِي مَرَضِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا تَسَاوَى الْمُدَّعِيَانِ فِي الْحُضُورِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَكَذَلِكَ الْأَوْلِيَاءُ فِي النِّكَاحِ إذَا تَسَاوَوْا فِي الدَّرَجَةِ وَتَشَاحُّوا فِي الْعَقْدِ: أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَ جَمَاعَةً فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَشَاحَّ الْأَوْلِيَاءُ فِي الْمُقْتَصِّ: أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ قَرَعَ قُتِلَ لَهُ، وَأُخِذَتْ الدِّيَةُ لِلْبَاقِينَ.
стр. 255
فَإِنْ قُلْتُمْ: التَّرَاضِي عَلَى الْقِسْمَةِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ النِّسَاءِ إذَا أَرَادَ السَّفَرَ، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا، لِأَنَّ التَّرَاضِيَ عَلَى فَسْخِ النِّكَاحِ وَنَقْلِهِ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ لَا يَجُوزُ. قُلْنَا: لَيْسَتْ الْقُرْعَةُ فِي الطَّلَاقِ نَقْلًا لَهُ عَمَّنْ اسْتَحَقَّهُ إلَى غَيْرِهِ، بَلْ هِيَ كَاشِفَةٌ عَمَّنْ تَوَجَّهَ الطَّلَاقُ إلَيْهَا وَوَقَعَ عَلَيْهَا.
١٢٦ - (فَصْلٌ)
قَالَ الْمُعَيِّنُونَ بِالِاخْتِيَارِ: قَدْ حَصَلَ التَّحْرِيمُ فِي وَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا، فَكَانَ لَهُ تَعْيِينُهَا بِاخْتِيَارِهِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ وَتَحْتَهُ خَمْسُ نِسْوَةٍ، أَوْ أُخْتَانِ: اخْتَارَ.
قَالَ أَصْحَابُ الْقُرْعَةِ: هَذَا الْقِيَاسُ مُبْطَلٌ، أَوَّلًا بِالْمَنْسِيَّةِ، فَإِنَّ الْمُحَرَّمَةَ مِنْهُنَّ بَعْدَ النِّسْيَانِ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ تَعْيِينُهَا. وَهَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ قَوِيٍّ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ هَاهُنَا وَقَعَ فِي مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ أَشْكَلَتْ، بَلْ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ، أَنْ يُقَالَ: لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ الْأُخْتُ وَالْخَامِسَةُ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ، بَلْ إذَا عَيَّنَ الْمُمْسَكَاتِ أَوْ الْمُفَارَقَاتِ: حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ حِينِ التَّعْيِينِ، وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ مِنْ حِينَئِذٍ.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الشَّارِعَ خَيَّرَهُ بَيْنَ مَنْ يُمْسِكُ وَمَنْ يُفَارِقُ؛ نَظَرًا لَهُ، وَتَوْسِعَةً عَلَيْهِ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْقُرْعَةِ هَاهُنَا فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَنْ نِكَاحِهِ مَنْ يُحِبُّهَا، وَأَبْقَتْ عَلَيْهِ مِنْ يُبْغِضُهَا، وَدُخُولُهُ فِي الْإِسْلَامِ يَقْتَضِي تَرْغِيبَهُ فِيهِ، وَتَحْبِيبُهُ إلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ: رَدُّ ذَلِكَ إلَى اخْتِيَارِهِ وَشَهْوَتِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَّقَ هُوَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ. إلَّا أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فَاسِدٌ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَنْكَسِرُ بِمَا إذَا اخْتَلَطَتْ زَوْجَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَعْيِينُ الْمُحَرَّمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَلَا إخْرَاجُهَا بِالْقُرْعَةِ. قُلْنَا: نَحْنُ لَمْ نَسْتَدِلَّ بِدَلِيلٍ يَرُدُّ عَلَيْنَا فِيهِ هَذَا، بِخِلَافِ مَنْ اسْتَدَلَّ بِمَنْ يَنْكَسِرُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: وَالتَّحْرِيمُ هَاهُنَا كَانَ فِي مُعَيَّنٍ ثُمَّ اشْتَبَهَ. قِيلَ: لَمَّا اشْتَبَهَ وَزَالَ دَلِيلُ تَعْيِينِهِ: صَارَ كَالْمُبْهَمِ، وَهَذَا حُجَّةُ مَالِكٍ عَلَيْكُمْ، حَيْثُ حَرَّمَ الْجَمِيعَ، لِإِبْهَامِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْهُنَّ.
قَالَ أَصْحَابُ التَّعْيِينِ: التَّحْرِيمُ هَاهُنَا حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِفَرْدٍ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ جُمْلَةٍ فَكَانَ الْمَرْجِعُ فِي تَعْيِينِهِ إلَى الْمُكَلَّفِ، كَمَا لَوْ بَاعَ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ.
стр. 256
وَقَالَ أَصْحَابُ الْقُرْعَةِ: الْإِبْهَامُ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْبَيْعِ، حَيْثُ تَتَسَاوَى الْأَجْزَاءُ، وَيَقُومُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا مَقَامَ الْآخَرِ فِي التَّعْيِينِ. فَلَا تُفِيدُ الْقُرْعَةُ هَاهُنَا قَدْرًا زَائِدًا عَلَى التَّعْيِينِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّلَاقُ، فَإِنَّ مَحَلَّهُ لَا تَتَسَاوَى أَفْرَادُهُ، وَلَا الْغَرَضُ مِنْهُ، فَهُوَ بِمَسْأَلَةِ الْمُسَافِرِ بِإِحْدَى الزَّوْجَاتِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِمَسْأَلَةِ الْقَفِيزِ مِنْ الصُّبْرَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التُّهْمَةَ تَلْحَقُ فِي التَّعْيِينِ هَاهُنَا، وَفِي مَسْأَلَةِ الْقِسْمَةِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ، وَلَا تَلْحَقُ فِي التَّعْيِينِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَفِيزِ مِنْ الصُّبْرَةِ الْمُتَسَاوِيَةِ؟ وَهَذَا فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي تَلْحَقُ فِيهِ التُّهْمَةُ شُرِعَتْ فِيهِ الْقُرْعَةُ نَفْيًا لَهَا وَمَا لَا تَلْحَقُ فِيهِ لَا فَائِدَةَ فِيهَا. عَلَى أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ مُنْتَقَضٌ بِمَا إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا مُبْهَمًا مِنْ عَبِيدِهِ، أَوْ أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَى نِسَائِهِ.
قَالَ أَصْحَابُ التَّعْيِينِ: لَمَّا كَانَ لَهُ تَعْيِينُ الْمُطَلَّقَةِ فِي الِابْتِدَاءِ، كَانَ لَهُ تَعْيِينُهَا فِي ثَانِي الْحَالِ بِاخْتِيَارِهِ.
قَالَ أَصْحَابُ الْقُرْعَةِ: هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالتَّعْيِينِ حَقٌّ لِغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ، وَبَعْدَ الْإِيقَاعِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُنَّ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قَدْ تَدَّعِي أَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ عَلَيْهَا، لِتَمْلِكَ بِهِ بُضْعَهَا، أَوْ وَاقِعٌ عَلَى غَيْرِهَا لِتَسْتَبْقِيَ بِهِ نَفَقَتَهَا وَكِسْوَتَهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ هُوَ تَعْيِينَهُ لِلتُّهْمَةِ، بِخِلَافِ الِابْتِدَاءِ.
قَالَ الْمُبْطِلُونَ لِلْقُرْعَةِ: الْقُرْعَةُ قِمَارٌ وَمَيْسِرٌ، وَقَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، وَإِنَّمَا كَانَتْ مَشْرُوعَةً قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الْقُرْعَةِ: قَدْ شَرَعَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ الْقُرْعَةَ، وَأَخْبَرَ بِهَا عَنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، مُقَرِّرًا لِحُكْمِهَا، غَيْرَ ذَامٍّ لَهَا، وَفَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَدْ صَانَهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ الْقِمَارِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَلَمْ يُشَرِّعْ لِعِبَادِهِ الْقِمَارَ قَطُّ، وَلَا جَاءَ بِهِ نَبِيٌّ أَصْلًا، فَالْقُرْعَةُ شَرْعُهُ وَدِينُهُ، وَسُنَّةُ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ.
وَقَالَ الْمَانِعُونَ مِنْ الْقُرْعَةِ: قَدْ اشْتَبَهَتْ الْمُحَلَّلَةُ بِالْمُحَرَّمَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ، فَلَمْ يُمْكِنْ لَهُ إخْرَاجُهَا بِالْقُرْعَةِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الْقُرْعَةِ: الْفَرْقُ أَنَّنَا هَاهُنَا نَسْتَصْحِبُ أَصْلَ التَّحْرِيمِ، وَلَا نُزِيلُهُ بِالشَّكِّ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ الْأَصْلِيَّ قَدْ زَالَ بِالنِّكَاحِ، وَشَكَكْنَا فِي وُقُوعِ التَّحْرِيمِ الطَّارِئِ بِأَيِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَقَعَ، فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ إحْدَى الصُّورَتَيْنِ بِالْأُخْرَى.
قَالَ الْمَانِعُونَ: قَدْ تُخْرِجُ الْقُرْعَةُ غَيْرَ الْمُطَلَّقَةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ لَهَا مِنْ الْعِلْمِ وَالتَّمْيِيزِ مَا تُخْرِجُ بِهِ الْمُطَلَّقَةَ بِعَيْنِهَا.
وَقَالَ الْمُقْرِعُونَ: هَذَا - أَوَّلًا - اعْتِرَاضٌ عَلَى السُّنَّةِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ التَّعْيِينَ بِهَا أَوْلَى مِنْ التَّعْيِينِ بِالِاعْتِرَاضِ وَالتَّشَهِّي، أَوْ جَعْلِ الْمَرْأَةِ مُعَلَّقَةً إلَى الْمَوْتِ، أَوْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِأَرْبَعٍ لِأَجْلِ إيقَاعِهِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
стр. 257
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْقُرْعَةَ مُزِيلَةٌ لِلتُّهْمَةِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهَا تَفْوِيضٌ إلَى اللَّهِ لِيُعَيِّنَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ مَا لَيْسَ لَنَا سَبِيلٌ إلَى تَعْيِينِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ رَجُلًا، وَلَهُ بَنَاتٌ، فَمَاتَ، وَلَمْ يَدْرِ أَيَّتَهُنَّ هِيَ؟ فَقَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُقْرِعُ عِنْدَ اخْتِلَاطِ أُخْتِهِ بِأَجْنَبِيَّةٍ.
قِيلَ: قَدْ جَعَلَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَالَ: وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّ الزَّوْجَةَ إذَا اخْتَلَطَتْ بِأَجَانِبَ أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ، لِأَنَّهُ أَجَازَ الْقُرْعَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَخَوَاتِهَا إذَا اخْتَلَطَتْ بِهِنَّ. قُلْت: هَذَا وَهْمٌ مِنْ الْقَاضِي، فَإِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يُقْرِعْ لِلْحِلِّ، وَإِنَّمَا أَقْرَعَ لِلْمِيرَاثِ وَالْعِدَّةِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ نُصُوصَهُ بِأَلْفَاظِهَا.
قَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ ": بَابُ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ أَرْبَعُ بَنَاتٍ، فَزَوَّجَ إحْدَاهُنَّ، فَمَاتَ الْأَبُ وَمَاتَ الزَّوْجُ، وَلَا يَدْرِي أَيَّتَهنَّ هِيَ الزَّوْجَةُ؟ أَنْبَأَنَا أَبُو النَّضْرِ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ - فِي رَجُلٍ لَهُ أَرْبَعُ بَنَاتٍ، فَزَوَّجَ إحْدَاهُنَّ، لَا يَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ - إنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، أَخْبَرَنِي زُهَيْرُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ رَجُلٍ، فَمَاتَ الْأَبُ وَالزَّوْجُ، وَلَا يَدْرِي الشُّهُودُ أَيَّ بَنَاتِهِ هِيَ؟ فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ وَرِثَتْ وَاعْتَدَّتْ.
وَقَالَ حَمَّادٌ: سَأَلْت حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ؟ فَقَالَ: يَرِثْنَ جَمِيعًا وَيَعْتَدِدْنَ جَمِيعًا.
وَقَالَ صَالِحٌ قَالَ أَبِي: قَدْ وَرَّثَ مَنْ لَيْسَ لَهَا مِيرَاثٌ، وَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ عَلَى مَنْ لَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ، وَاَلَّذِي يُقْرِعُ: فِي حَالٍ يَكُونُ قَدْ أَصَابَ، وَفِي حَالٍ يَكُونُ قَدْ أَخْطَأَ، وَذَاكَ لَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ وَرَّثَ مَنْ لَيْسَ لَهَا مِيرَاثٌ.
قَالَ الْخَلَّالُ: أَنَبَأَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: سَأَلْت سَعِيدًا عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ إحْدَى بَنَاتِهِ - وَسَمَّاهَا - وَمَاتَ الْأَبُ وَالزَّوْجُ، وَلَا يَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ؟ فَحَدَّثَنَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُمَا قَالَا: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَلَهَا الصَّدَاقُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْأَثْرَمُ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ - فِي رَجُلٍ زَوَّجَ إحْدَى بَنَاتِهِ رَجُلًا، فَمَاتَ، وَمَاتَ الزَّوْجُ، وَلَمْ تَدْرِ الْبَيِّنَةُ أَيَّتُهُنَّ هِيَ -؟ قَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، فَإِذَا قَرَعَتْ وَاحِدَةٌ: وَرِثَتْ، وَاعْتَدَّتْ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ قَالَا: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ.
قَالَ حَنْبَلٌ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ،
стр. 258
أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ رَجُلٍ، فَمَاتَ الزَّوْجُ، وَمَاتَ الْأَبُ، وَلَمْ يَدْرِ الشُّهُودُ: أَيُّ بَنَاتِهِ هِيَ؟ فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ﵀؟ قَالَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُنَّ، وَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْ الْقُرْعَةُ وَرِثَتْ وَاعْتَدَّتْ.
قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: فَسَأَلْت حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: يَرِثْنَ وَيَعْتَدِدْنَ جَمِيعًا.
قَالَ حَنْبَلٌ: فَسَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُنَّ عَلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: قَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: سُئِلَ قَتَادَةُ عَنْ رَجُلٍ خَطَبَ إلَى رَجُلٍ ابْنَةً لَهُ، وَلَهُ بَنَاتٌ فَأَنْكَحَهُ، وَمَاتَ الْخَاطِبُ، وَلَمْ يَدْرِ الْأَبُ أَيَّتُهُنَّ خَطَبَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ. فَلَهَا الصَّدَاقُ وَالْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ.
قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَذْهَبُ إلَى هَذَا، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي طَالِبٍ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَابِسِيُّ. قَالَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَطَرٍ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ رَجُلًا، وَلَهُ بَنَاتٌ فَمَاتَا، وَلَمْ تَدْرِ الْبَيِّنَةُ أَيَّتُهُنَّ هِيَ، قَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، فَإِذَا قَرَعَتْ وَاحِدَةٌ وَرِثَتْ، قُلْت حَمَّادٌ يَقُولُ: يَرِثْنَ جَمِيعًا، قَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ: الْقُرْعَةُ أَبْيَنُ، إذَا أَقْرَعَ فَأَعْطَى وَاحِدَةً لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ صَاحِبَتَهُ وَلَا يَدْرِي، هُوَ فِي شَكٍّ، فَإِذَا أَعْطَاهُنَّ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ أَعْطَى مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ. فَنُصُوصُ أَحْمَدَ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ سَعِيدٍ وَالْحَسَنِ: إنَّمَا فِيهِ الْقُرْعَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْمِيرَاثِ، وَهِيَ قُرْعَةٌ عَلَى مَالٍ، وَلَيْسَ فِيهِ الْقُرْعَةُ عِنْدَ اخْتِلَاطِ الزَّوْجَةِ بِغَيْرِهَا. لَكِنْ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: مَا يَدُلُّ عَلَى جَرَيَانِ الْقُرْعَةِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ فَهِيَ الَّتِي تَرِثُهُ أَيْضًا، فَهَذِهِ أَصَرْحُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ.
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، إنَّمَا هِيَ فِي الْقُرْعَةِ عَنْ الْمِيرَاثِ، كَمَا ذُكِرَ مِنْ أَلْفَاظِهِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ أَنْ يُقَالَ بِالْقُرْعَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ: تَعْيِينُ الزَّوْجَةِ بِالْقُرْعَةِ، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْإِقْرَاعِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَإِنَّ الْقُرْعَةَ تُمَيِّزُ الزَّوْجَةَ مِنْ غَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيَّانِ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَجَهِلَ السَّابِقَ مِنْهُمَا: فَإِنَّهُ يُقْرِعُ، عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَذَلِكَ لِتَمْيِيزِ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِهِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ تَمْيِيزِ الزَّوْجِ بِالْقُرْعَةِ وَتَمْيِيزِ الزَّوْجَةِ بِهَا؟ فَالْإِقْرَاعُ هَاهُنَا لَيْسَ بَعِيدًا مِنْ الْأُصُولِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: أَنَّا نُوجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ بِهَذِهِ الْقُرْعَةِ، وَالْعِدَّةُ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَلَا سِيَّمَا فَالْعِدَّةُ
стр. 259
الْوَاجِبَةُ هَاهُنَا عِدَّةٌ مِنْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، فَهِيَ مِنْ نِكَاحٍ مَحْضٍ، وَكَذَلِكَ الْمِيرَاثُ، فَإِنَّهُ لَوْلَا ثُبُوتُ النِّكَاحِ لَمَا وَرِثَتْ.
وَقَوْلُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: " يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ "، صَرِيحٌ فِي ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ بِالْقُرْعَةِ، ثُمَّ قَالَ: " وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ فَهِيَ الَّتِي تَرِثُهُ " وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ فِي حَالِ حَيَاةِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْقُرْعَةِ وَرِثَتْهُ بِحُكْمِ النِّكَاحِ، وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَإِذَا أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَأَصَابَتْ الْقُرْعَةُ إحْدَاهُنَّ: كَانَ رِضَا الزَّوْجِ بِهَا وَرِضَا وَلِيِّهَا وَرِضَاهَا تَصْحِيحًا لِلنِّكَاحِ. وَلَا يُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقُرْعَةُ أَصَابَتْ غَيْرَهَا، فَيَكُونُ جَامِعًا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، لِأَنَّ الْمَجْهُولَ كَالْمَعْدُومِ، وَلِأَنَّا نَأْمُرُهُ أَنْ يُطَلِّقَ غَيْرَ الَّتِي أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ، فَيَقُولُ: وَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ فَهِيَ طَالِقٌ احْتِيَاطًا، فَهَذَا خَيْرٌ مِنْ تَوْرِيثِ الْجَمِيعِ وَحِرْمَانِ الْجَمِيعِ؛ وَأَنْ يُوقَفَ الْأَمْرُ فِيهِنَّ أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَالُ وَيَنْكَشِفَ، وَقَدْ لَا يَتَبَيَّنُ إلَى الْيَوْمِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْقُرْعَةُ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ، شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لِلتَّمْيِيزِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، فَسُلُوكُهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الطُّرُقِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا طَلَّقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ لَا بِعَيْنِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ، وَلَهُ أَنْ يَطَأَ أَيَّتُهُنَّ شَاءَ، فَإِذَا وَطِئَ انْصَرَفَ الطَّلَاقُ إلَى الْأُخْرَى، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، فَجَعَلُوا الْوَطْءَ تَعْيِينًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّعْيِينَ بِالْقُرْعَةِ أَوْلَى مِنْ التَّعْيِينِ بِالْوَطْءِ، فَإِنَّ الْقُرْعَةَ تُخْرِجُ مِنْ قَدَّرَ اللَّهُ إخْرَاجَهُ بِهَا، وَلَا يُتَّهَمُ بِهَا، وَالْوَطْءُ تَابِعٌ لِإِرَادَتِهِ وَشَهْوَتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَهِيَ غَيْرَ مَنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ إرَادَةُ طَلَاقِهَا، فَهُوَ مُتَّهَمٌ، فَالتَّعْيِينُ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ أَوْلَى مِنْ التَّعْيِينِ بِالتَّشَهِّي وَالْإِرَادَةِ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُهُ: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَدْ قَالَ - فِيمَا إذَا أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ، ثُمًّ وَطِئَ إحْدَاهُمَا - أَنَّ الْوَطْءَ لَا يُعَيِّنُ الْمُعْتَقَةَ مِنْ غَيْرِهَا.
وَقَالَ أَصْحَابُهُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّلَاقَ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، وَذَلِكَ يَنْفِي النِّكَاحَ، فَلَمَّا وَطِئَ إحْدَاهُمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَارٌ أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَطَأُ مَنْ لَيْسَتْ زَوْجَتَهُ، وَأَمَّا الْعِتْقُ: فَإِنَّهُ - وَإِنْ أَوْجَبَ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ - فَلَا يُنَافِي مِلْكَ الْيَمِينِ، كَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ.
فَقَالَ الْمُنَازِعُونَ لَهُمْ: الطَّلَاقُ لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ عِنْدَكُمْ، فَإِنَّ الرَّجْعَةَ مُبَاحَةٌ، وَإِنَّمَا الْمُوجِبُ لِلتَّحْرِيمِ: انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَاسْتِيفَاءُ الْعَدَدِ.
وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُكُمْ بِذَلِكَ، عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ - وَإِنْ نَافَاهُ التَّحْرِيمُ - فَالْمِلْكُ يُنَافِيهِ التَّحْرِيمُ، فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي أَنَّ الْوَطْءَ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مِلْكٍ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ لِمِلْكِ الْمَوْطُوءَةِ.
[فَصَلِّ فِيمَنْ طلق إحْدَى نِسَائِهِ وَمَاتَ قَبْل الْبَيَان]
١٢٧ - (فَصْلٌ)
стр. 260
وَمِنْ مَوَاضِعِ الْقُرْعَةِ مَا إذَا طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ، وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُقْرِعُونَ بَيْنَهُنَّ، فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ لَمْ تَرِثْ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَأَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ وَمُهَنَّا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقَسَّمُ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُوقَفُ مِيرَاثُ الزَّوْجَاتِ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ عَلَيْهِ.
وَلَوَازِمُ الْقَوْلَيْنِ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالْقُرْعَةِ، فَإِنَّ لَازِمَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: تَوْرِيثُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، فَإِنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فِي حَالِ الصِّحَّةِ ثَلَاثًا، فَكَيْفَ تَرِثُ؟ وَلَازِمُ الْقَوْلِ الثَّانِي: وَقْفُ الْمَالِ، وَتَعْرِيضُهُ لِلْفَسَادِ وَالْهَلَاكِ، وَعَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا فَرُبَّمَا كَانَتْ مَئُونَتُهُ تَزِيدُ عَلَى أَضْعَافِ قِيمَتِهِ، وَهَذَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُنَّ إذَا عَلِمْنَ أَنَّ الْمَالَ يَهْلَكُ إنْ لَمْ يَصْطَلِحْنَ عَلَيْهِ: كَانَ ذَلِكَ إلْجَاءً لَهُنَّ إلَى إعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقَّةِ، فَالْقُرْعَةُ تُخَلِّصُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ الْمُسْتَحِقَّةَ لِلْمِيرَاثِ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، فَوَجَبَ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا كَمَا يُقْرِعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ إذَا أَعْتَقَهُمْ فِي الْمَرَضِ، وَبَيْنَ الزَّوْجَاتِ إذَا أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَاهُنَّ، وَالْحَاكِمُ إنَّمَا نُصِّبَ لِفَصْلِ الْأَحْكَامِ، لَا لِوَقْفِهَا وَجَعْلِهَا مُعَلَّقَةً، فَتَوْرِيثُ الْجَمِيعِ - عَلَى مَا فِيهِ - أَقْرَبُ لِلْمَصْلَحَةِ مِنْ حَبْسِ الْمَالِ وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ، مَعَ حَاجَةِ مُسْتَحَقِّيهِ إلَيْهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّا عَهِدْنَا مِنْ الشَّارِعِ أَنَّهُ لَمْ يُوقِفْ حُكُومَةً قَطُّ عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُتَخَاصِمِينَ، بَلْ يُشِيرُ عَلَيْهِمَا بِالصُّلْحِ، فَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا فَصَلَ الْخُصُومَةَ، وَبِهَذَا تَقُومُ مَصْلَحَةُ النَّاسِ.
قَالَ الْمُوَرِّثُونَ لِلْجَمِيعِ: قَدْ تَسَاوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، لِأَنَّ حُجَّةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَحُجَّةِ الْأُخْرَى، فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْإِرْثِ، كَمَا لَوْ أَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ بِالزَّوْجِيَّةِ.
وَقَالَ الْمُقْرِعُونَ: الْمُسْتَحِقَّةُ مِنْهُمَا هِيَ الزَّوْجَةُ، وَالْمُطَلَّقَةُ غَيْرُ مُسْتَحِقَّةٍ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّهُمَا اسْتَوَيَتَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ؟ عَلَى أَنَّهُمَا إذَا أَقَامَتَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا، وَصَارَتَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَقَالَ الْمُوَرِّثُونَ: قَدْ اُسْتُحِقَّ مِنْ مَالِهِ مِيرَاثُ زَوْجَتِهِ، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَنْ تَكُون هِيَ الْمُسْتَحِقَّةَ أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، فَيُقَسَّمُ الْإِرْثُ بَيْنَهُمَا، كَرَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ: فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ الْمُقْرِعُونَ: هَذِهِ هِيَ الشُّبْهَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَالْجَوَابُ وَاحِدٌ.
وَقَالَ الْمُوَرِّثُونَ لِأَصْحَابِ الْقُرْعَةِ: قَدْ تَنَاقَضْتُمْ، فَإِنَّكُمْ تُقْرِعُونِ بِإِخْرَاجِ الْمُطَلَّقَةِ فَإِذَا أَخْرَجْتُمُوهَا بِالْقُرْعَةِ أَوْجَبْتُمْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، إذَا كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً فَكَيْفَ تَعْتَدُّ
стр. 261
عِدَّةَ الْوَفَاةِ؟ وَإِذَا اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ فَكَيْفَ لَا تَرِثُ؟ .
قَالَ أَصْحَابُ الْقُرْعَةِ: يَجِبُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ مِنْهُمَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ، وَعَلَى الزَّوْجَةِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَلَكِنْ لَمَّا أَشْكَلَتْ الْمُطَلَّقَةُ مِنْ الزَّوْجَةِ أَوْجَبْنَا عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنْ تَعْتَدَّ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَدْنَى، احْتِيَاطًا لِلْعِدَّةِ.
[فَصَلِّ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا]
١٢٨ - (فَصْلٌ)
وَلَوْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا، ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا: لَمْ يَتَعَيَّنْ الطَّلَاقُ فِي الْبَاقِيَةِ وَأَقْرَعَ بَيْنَ الْمَيِّتَةِ وَالْحَيَّةِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ فِي الْبَاقِيَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَتَعَيَّنُ فِيهَا: وَلَهُ تَعْيِينُهُ فِي الْمَيْتَةِ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي التَّعْيِينِ، وَلَمْ يَبْقَ مَنْ يَصِحُّ إيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا إلَّا الْحَيَّةُ، وَمَنْ خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَفَاتَهُ أَحَدُهُمَا: تَعَيَّنَ الْآخَرُ.
وَقَالَ الْمُقْرِعُونَ: قَدْ أَقَمْنَا الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّعْيِينَ بِاخْتِيَارِهِ. وَإِنَّمَا نَمْلِكُ الْإِقْرَاعَ. وَلَمْ يَفُتْ مَحَلُّهُ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الْمُطَلَّقَةَ، فَيَتَبَيَّنُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِ التَّطْلِيقِ، لَا مِنْ حِينِ الْإِقْرَاعِ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَبْتَدِئَ فِي الْمَيِّتَةِ الطَّلَاقَ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعَيِّنَهُ فِيهَا بِالْقُرْعَةِ، كَالْأَجْنَبِيَّةِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الْقُرْعَةِ: نَحْنُ لَا نُعَيِّنُ الطَّلَاقَ فِيهَا ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا نُبَيِّنُ بِالْقُرْعَةِ أَنَّهَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً فِي حَالِ الْحَيَاةِ.
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: مَاتَتْ غَيْرَ مُطَلَّقَةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَخْرُجَ الْقُرْعَةُ عِنْدَكُمْ عَلَى الْحَيَّةِ، فَتَكُونُ هِيَ الْمُطَلَّقَةَ، دُونَ الْمَيِّتَةِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُطَلَّقَةً قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الطَّلَاقِ فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا لَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ الْمُبْتَدَأُ.
وَقَالَ الْمُقْرِعُونَ: إذَا وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ تَبَيَّنَّا أَنَّهَا هِيَ الْمُطَلَّقَةُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ.
[فَصَلِّ فِيمَا إذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى امْرَأَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا]
١٢٩ - (فَصْلٌ)
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا إذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى امْرَأَةٍ، ثُمًّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا. قِيلَ: تَعُودُ إلَيْهِ مِنْ حِينِ وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِالْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا كَانَتْ لِأَجْلِ الِاشْتِبَاهِ، وَقَدْ زَالَ بِالتَّذَكُّرِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ قَدْ تَزَوَّجَتْ، أَوْ كَانَتْ الْقُرْعَةُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ إلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
قَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي الْمَيْمُونِيُّ: أَنَّهُ نَاظَرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي مَسْأَلَةِ الَّذِي لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَطَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، ثُمَّ لَمْ يَدْرِ، قَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَعْبُدِ، قُلْت: فَإِنْ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ
стр. 262
عَلَى وَاحِدَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الَّتِي طَلَّقَ؟ قَالَ: تَرْجِعُ إلَيْهِ، وَاَلَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا، قُلْت: فَإِنْ تَزَوَّجَتْ؟ قَالَ: هُوَ إنَّمَا دَخَلَ فِي الْقُرْعَةِ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ فَذَا شَيْءٌ قَدْ مَرَّ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ؟ قَالَ: لَا أُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ فِي ذَا أَخَبَرُ مِنْهُ، فَرَأَيْته يُغَلِّظُ أَمْرَ الْحَاكِمِ إذَا دَخَلَ فِي الْإِقْرَاعِ بَيْنَهُنَّ.
وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي الْجَوَابِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، فَإِنَّهُ قَالَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، قُلْت: فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ وَأَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، ثُمَّ ذَكَرَ وَتَيَقَّنَ - بَعْدَمَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا - أَنَّ الَّتِي طَلَّقَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ: هِيَ غَيْرُ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ؟ قَالَ: اُعْفُنِي مِنْ هَذِهِ، قُلْت: فَمَا تَرَى الْعَمَلَ فِيهَا؟ قَالَ: دَعْهَا، وَلَمْ يُجِبْ فِيهَا بِشَيْءٍ.
قُلْت: أَمَّا إذَا تَزَوَّجَتْ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنَّ الْمُطَلَّقَةَ كَانَتْ غَيْرَهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الزَّوْجِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا. قِيلَ: لَا تُرَدُّ إلَيْهِ أَيْضًا، فَإِنَّ الْقُرْعَةَ تُصِيبُ طَرِيقًا إلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيمَنْ أَصَابَتْهَا، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ الْمُطَلَّقَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَالْقُرْعَةُ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا، وَتَأَكَّدَتْ الْفُرْقَةُ بِتَزْوِيجِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ. قِيلَ: أَمَّا إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَمَلَكَتْ نَفْسَهَا، فَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ عَلَيْهَا نَظَرٌ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ كَانَتْ غَيْرَهَا، فَقَدْ أَقَرَّتْ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ وَأَمَّا إذَا ذَكَرَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَلَا إشْكَالَ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، فَلَهُ عَلَيْهِ حَقُّ حَبْسِ الْعِدَّةِ، وَهِيَ مَحْبُوسَةٌ لِأَجْلِهِ، وَالْفِرَاشُ قَائِمٌ، حَتَّى وَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ فِي مُدَّةِ الْإِمْكَانِ لَحِقَهُ، فَإِذَا ذَكَرَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا، ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ؛ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ غَيْرَ مُتَّهَمَةٍ رُدَّتْ إلَيْهِ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: إنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا، فَإِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَا تُرَدُّ إلَيْهِ بَعْدَ نِكَاحِهَا، وَلَا بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ.
وَالْقِيَاسُ: أَنَّهَا لَا تُرَدُّ إلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَمِلْكِهَا نَفْسَهَا، إلَّا أَنْ تُصَدِّقَهُ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا: كُنْت رَاجَعْتُك قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ تَصْدِيقِهَا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ وَالْعِدَّةُ بَاقِيَةٌ، قُبِلَ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الرَّجْعَةِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْقُرْعَةُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ: فَإِنَّ حُكْمَهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا.
[فَصَلِّ الرَّجُل لَهُ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَةَ وَنَصْرَانِيَّة فَقَالَ فِي مَرَضه إحْدَاكُمَا طَالِق ثَلَاثًا]
١٣٠ - (فَصْلٌ)
стр. 263
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا رَوَاهُ مُهَنَّا قَالَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ مُسْلِمَةٌ وَنَصْرَانِيَّةٌ، فَقَالَ فِي مَرَضِهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمًّ أَسْلَمَتْ النَّصْرَانِيَّةُ، ثُمًّ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا جَمِيعًا؟ فَقَالَ: أَرَى أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، قُلْت لَهُ يَكُونُ لِلنَّصْرَانِيَّةِ مِنْ الْمِيرَاثِ مَا لِلْمُسْلِمَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت: إنَّهُمْ يَقُولُونَ: لِلنَّصْرَانِيَّةِ رُبُعُ الْمِيرَاثِ، وَلِلْمُسْلِمَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ؟ فَقَالَ: لِمَ؟ فَقُلْت: لِأَنَّهَا أَسْلَمَتْ رَغْبَةً فِي الْمِيرَاثِ، قُلْت: وَيَكُونُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا سَوَاءً؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَدْ نَصَّ عَلَى الْقُرْعَةِ بَيْنَهُمَا وَنَصَّ عَلَى قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَمَا فَائِدَةُ الْقُرْعَةِ؟ وَلَا يُقَالُ: الْقُرْعَةُ لِأَجْلِ الْعِدَّةِ، حَيْثُ تَعْتَدُّ الْمُطَلَّقَةُ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، فَإِنَّكُمْ صَرَّحْتُمْ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَعْتَدُّ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَدْنَاهُمَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَعَلَى هَذَا: لَا تَبْقَى لِلْقُرْعَةِ فَائِدَةٌ أَصْلًا، فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْمِيرَاثِ، وَيَتَسَاوَيَانِ فِي الْعِدَّةِ.
قِيلَ: الْإِقْرَاعُ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْمِيرَاثِ، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ، فَإِنَّ الْمَبْتُوتَةَ تَرِثُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ: أَنْ يَكُونَ قَدْ عَيَّنَ النَّصْرَانِيَّةَ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا قَبْلَ الْمَوْتِ، فَإِنَّهَا تَرِثُ، وَلَوْ طَلَّقَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَرِثَتَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الْقُرْعَةُ: فَلِإِخْرَاجِ الْمُطَلَّقَةِ؛ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ وَإِحْدَاهُمَا زَوْجَتُهُ، وَالْأُخْرَى غَيْرُ زَوْجَتِهِ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى إحْدَاهُمَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهَا الْمِيرَاثُ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ فِي الْمَرَضِ، وَالْعِدَّةُ تَابِعَةٌ لِلْمِيرَاثِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهِيَ فِيهِ أَجْنَبِيَّةٌ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا مِنْ حِينِ الطَّلَاقِ إلَى حِينِ الْمَوْتِ، لَمْ يَرْجِعْ فِي تَرِكَتِهِ بِالنَّفَقَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حِرْمَانِ النَّصْرَانِيَّةِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَرِثُ. قِيلَ: التُّهْمَةُ قَائِمَةٌ، لِأَنَّهَا يَجُوزُ أَنْ تُسْلِمَ قَبْلَ مَوْتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: لِلنَّصْرَانِيَّةِ رُبُعُ الْمِيرَاثِ، وَلِلْمُسْلِمَةِ ثَلَاثُ أَرْبَاعِهِ: فَلَا يُعْرَفُ مَنْ الْقَائِلُ بِهَذَا، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْقَوْلِ، وَتَعْلِيلُهُ بِكَوْنِهَا أَسْلَمَتْ رَغْبَةً فِي الْمِيرَاثِ: أَغْرَبُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ ثَلَاثَة نِسْوَة فطلق وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَلَمْ يَدْرِي أَيَّتهنَّ ثُمَّ مَاتَ]
١٣١ - (فَصْلٌ)
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، فَطَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، وَلَمْ يَدْرِ أَيَّتَهُنَّ، ثُمًّ مَاتَ، قَالَ: " يَنَالُهُنَّ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يَنَالُهُنَّ مِنْ الْمِيرَاثِ " وَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟
стр. 264
قِيلَ: قَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: مَعْنَاهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِنَّ، وَيَرِثْنَ جَمِيعًا.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قُلْت لِأَحْمَدَ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ " يَنَالُهُنَّ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يَنَالُهُنَّ مِنْ الْمِيرَاثِ "؟ قَالَ: أَلَيْسَ يَرِثْنَ جَمِيعًا؟ قُلْت: بَلَى، قَالَ: وَكَذَلِكَ يَقَعُ عَلَيْهِنَّ الطَّلَاقُ.
وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَلَا مَذْهَبُهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَفْسِيرًا لَا مَذْهَبًا، وَهَذَا قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى الْجَمِيعِ.
قُلْت: وَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ تَعَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا، كَمَا يُحَرِّم الْمِيرَاثُ وَاحِدَة مِنْهُنَّ، فَيَكُونُ مَا يَنَالُهُنَّ مِنْ حُكْمِ الطَّلَاقِ مِثْلَ الَّذِي يَنَالُهُنَّ مِنْ حُكْمِ الْمِيرَاثِ، وَهَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ - أَظْهَرُ: فَإِنَّ لَفْظَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ يَرِثْنَ جَمِيعًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، أَوْ كَانَ فِي الْمَرَضِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، فَكَيْفَ يُطَلِّقُ ابْنُ عَبَّاسٍ الْجَمِيعَ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ، وَيُوَرِّثُ مُطَلَّقَةً بَائِنَةً طَلُقَتْ فِي الصِّحَّةِ مَعَ زَوْجَاتٍ، وَإِذَا فُسِّرَ كَلَامُهُ بِمَا ذَكَرْنَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إشْكَالٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ مُمَالِيك عدة فَقَالَ أَحَدهمْ حُرّ وَلَمْ يُبَيِّن]
١٣٢ - (فَصْلٌ)
قَالَ حَرْبٌ: قُلْت لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ لَهُ مَمَالِيكُ عِدَّةٌ، فَقَالَ: أَحَدُهُمْ حُرٌّ، وَلَمْ يُبَيِّنْ؟ قَالَ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْتَبِهَةٌ. قُلْت: قَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ، وَبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَحَنْبَلٍ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَمُهَنَّا.
وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ " هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْتَبِهَةٌ " تَوَقُّفٌ مِنْهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالِاشْتِبَاهِ: أَنَّهَا مُشْتَبِهَةُ الْحُكْمِ، هَلْ تَعَيَّنَ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ بِالْقُرْعَةِ؟ وَلَكِنَّ مَذْهَبَهُ الْمُتَوَاتِرَ عَنْهُ: أَنَّهُ يُعَيِّنُ بِالْقُرْعَةِ.
وَيَحْتَمِلُ - وَهُوَ أَظْهَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - أَنْ يُرِيدَ الِاشْتِبَاهَ: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا عَنْ كَوْنِ أَحَدِهِمْ حُرًّا، وَأَنْ يَكُونَ إنْشَاءً لِلْحُرِّيَّةِ فِي أَحَدِهِمْ، وَالْحُكْمُ مُخْتَلِفٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " أَحَدُهُمْ حُرٌّ " إنْ كَانَ إنْشَاءً فَهُوَ عِتْقٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ كَانَ إخْبَارًا فَهُوَ خَبَرٌ عَنْ عِتْقِ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذَا وَجْهُ اشْتِبَاهِهَا.
وَبَعْدُ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ مُرَادَهُ: أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ.
[فَصَلِّ فِي الرَّجُل يَقُول أَوَّل غُلَام لِي يَطْلُع فَهُوَ حُرّ]
١٣٣ - (فَصْلٌ)
قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: أَوَّلُ غُلَامٍ لِي يَطْلُعُ فَهُوَ حُرٌّ، فَطَلَعَ غُلَامَانِ لَهُ: أَوْ طَلَعَ عَبِيدُهُ كُلُّهُمْ؟ قَالَ: قَدْ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا، قُلْت: أَخْبِرْنِي مَا تَقُولُ أَنْتَ فِيهِ؟ قَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ أُعْتِقَ.
стр. 265
قَالَ: وَسَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ - وَلَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ - أَوَّلُ امْرَأَةٍ تَطْلُعُ فَهِيَ طَالِقٌ، فَطَلَعْنَ كُلُّهُنَّ؟ قَالَ: قَدْ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا أَيْضًا، قُلْت: أَخْبِرْنِي فِيهِ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ تَطْلِيقَةً، قُلْت: أَخْبِرْنِي فِيهِ بِقَوْلِك، فَقَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ طَلُقَتْ. قُلْت: لَفْظُ " الْأَوَّلِ " يُرَادُ بِهِ مَا يَتَقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُرَادُ بِهِ مَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَعَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ: لَا يَكُونُ أَوَّلًا إلَّا إذَا تَبِعَهُ غَيْرُهُ وَتَأَخَّرَ عَنْهُ، وَعَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي: يَكُونُ أَوَّلًا، وَإِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْهُ غَيْرُهُ، فَيَصِحُّ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ: مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ إلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً، أَوْ لَمْ يُولَدْ لَهُ إلَّا وَلَدٌ وَاحِدٌ، هَذِهِ أَوَّلُ امْرَأَةٍ تَزَوَّجْتهَا، وَهَذَا أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِي. وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: أَوَّلُ مَوْلُودٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَتْ وَلَدًا، ثُمًّ لَمْ تَلِدْ بَعْدَهُ شَيْئًا، عَتَقَ ذَلِكَ الْوَلَدُ، وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ: عَتَقَ الْعَبْدُ الْمُشْتَرَى، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِ بَعْدَهُ غَيْرَهُ، وَإِذَا قَالَ: أَوَّلُ غُلَامٍ يَطْلُعُ لِي فَهُوَ حُرٌّ، أَوْ أَوَّلُ امْرَأَةٍ تَطْلُعُ فَهِيَ طَالِقٌ، فَطَلَعَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ صَالِحٌ لَأَنْ يَكُونَ أَوَّلَ، وَلَيْسَ اخْتِصَاصُ أَحَدِهِمْ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، فَيَخْرُجُ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ فَإِنَّهُ لَوْ طَلَعَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ: لَكَانَ هُوَ الْحُرَّ وَالْمُطَلَّقَةُ، فَإِذَا طَلَعَ جَمَاعَةٌ، فَاَلَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، فَيَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا تَسَاوَوْا فِي الطُّلُوعِ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَوَّلٌ، وَلِهَذَا يُقَالُ: لَمْ يَجِئْ أَحَدُهُمْ أَوَّلَ مِنْ الْآخَرِ، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فَلَا يَقَعُ الْمُعَلَّقُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ قَدْ اشْتَرَكُوا فِي الْأَوَّلِيَّةِ: وَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ.
قِيلَ: إنْ نَوَى وُقُوعَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ - إذَا اشْتَرَكُوا فِي ذَلِكَ - وَقَعَ بِالْجَمِيعِ وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِيمَا إذَا نَوَى وُقُوعَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فِي وَاحِدٍ مَوْصُوفٍ بِالْأَوَّلِيَّةِ، فَإِذَا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الصِّفَةِ: وَجَبَ إخْرَاجُ أَحَدِهِمْ بِالْقُرْعَةِ، فَإِنَّ النِّيَّةَ تُخَصِّصُ الْعَامَّ وَتُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ، فَغَايَةُ الْأَمْرِ: أَنْ يُقَالَ: قَدْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الشَّرْطِ، وَلَكِنَّهُ خَصَّصَ بِنِيَّتِهِ وَاحِدًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا لَوْ طَلَّقَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ؟ قِيلَ: لَوْ طَلَّقَ، فَإِنَّمَا يَقَعُ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ بِوَاحِدٍ لَا بِالْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ غُلَامٍ يَطْلُعُ، وَأَوَّلُ امْرَأَةٍ تَطْلُعُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فَرْدًا مِنْ جُمْلَةٍ، لَا مَجْمُوعَ الْجُمْلَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: غُلَامٌ مِنْ غِلْمَانِي، وَامْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِي، يَكُونُ أَوَّلَ مُسْتَحِقِّ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَهُوَ إنَّمَا أَوْقَعَ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ: فَيَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ.
وَمَنْ لَا يَقُولُ بِهَذَا، فَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: يُعَيَّنُ بِتَعْيِينِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فَسَادُ ذَلِكَ، وَأَنَّ التَّعْيِينَ بِمَا جَعَلَهُ
стр. 266
الشَّارِعُ طَرِيقًا لِلتَّعْيِينِ أَوْلَى مِنْ التَّعْيِينِ بِالتَّشَهِّي وَالِاخْتِيَارِ. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: يَعْتِقُ الْجَمِيعُ وَيُطَلِّقُ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ إنَّمَا أَوْقَعَ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ فِي وَاحِدٍ لَا فِي الْجَمِيعِ، وَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ وَلَا تَطْلُقُ امْرَأَةٌ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا لِوُجُودِ الْوَصْفِ، فَإِنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ بِالطُّلُوعِ، أَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ لَوَقَعَ الْمُعَلَّقُ بِهِ، وَمُشَارَكَةُ غَيْرِهِ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ الِاتِّصَافِ بِالْأَوَّلِيَّةِ، فَقَدْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الْوَصْفِ، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَيَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا لَوْ قَالَ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَتْ اثْنَيْنِ لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ الْأَوَّلُ. قِيلَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ عَتَقَ، وَهَذَا نَظِيرُ أَنْ يَطْلُعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، ثُمَّ يُشْكِلُ فِي مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ بِالطُّلُوعِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ وَلَدَتْهُمَا مَعًا، بِأَنْ تَضَعَ مِثْلَ الْكِيسِ، وَفِيهِ وَلَدَانِ أَوْ أَكْثَرُ؟ قِيلَ يَخْرُجُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ أَوَّلِ غُلَامٍ يَطْلُعُ لِي فَهُوَ حُرٌّ، فَطَلَعَا مَعًا.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعْتِقَا جَمِيعًا، لِأَنَّ الْأَوَّلِيَّةَ وُجِدَتْ فِيهِمَا جَمِيعًا فَثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِمَا، كَمَا لَوْ قَالَ فِي الْمُسَابَقَةِ: مَنْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ، فَسَبَقَ اثْنَانِ: اشْتَرَكَا فِي الْعَشَرَةِ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُعْتِقُ أَيَّهُمَا شَاءَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ فِيهِمَا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَاوٍ لِلْآخَرِ، وَمِنْ شَرْطِ الْأَوَّلِيَّةِ: سَبْقُ الْأَوَّلِ، قَالَ: وَلَنَا أَنَّ هَذَيْنِ لَمْ يَسْبِقْهُمَا غَيْرُهُمَا، فَكَانَا أَوَّلًا كَالْوَاحِدِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ سَبْقِ الْأَوَّلِ: أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ ثَانٍ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَلَكَ وَاحِدًا وَلَمْ يَمْلِكْ بَعْدَهُ شَيْئًا، وَإِذَا كَانَتْ الصِّفَةُ مَوْجُودَةً فِيهِمَا فَإِمَّا أَنْ يَعْتِقَا جَمِيعًا، أَوْ يَعْتِقَ أَحَدُهُمَا، وَتُعَيِّنُهُ الْقُرْعَةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ قَالَ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَتْ اثْنَيْنِ وَخَرَجَا مَعًا، فَالْحُكْمُ فِيهِمَا كَذَلِكَ.
١٣٤ - (فَصْلٌ)
فَإِنْ وَلَدَتْ الْأَوَّلَ مَيِّتًا وَالثَّانِي حَيًّا، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": ذَكَرَ الشَّرِيفُ: أَنَّهُ يَعْتِقُ الْحَيُّ مِنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ الشَّافِعِيُّ: لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ إنَّمَا وُجِدَ فِي الْمَيِّتِ، وَلَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْعِتْقِ، فَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ بِهِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ وُجِدَ فِيهِ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَلَدٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ حُرَّةٌ، فَوَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا عَتَقَتْ.
стр. 267
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْعِتْقَ مُسْتَحِيلٌ فِي الْمَيِّتِ، فَتَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِالْحَيِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ ضَرَبْت فُلَانًا فَعَبْدِي حُرٌّ، فَضَرَبَهُ حَيًّا عَتَقَ، وَإِنْ ضَرَبَهُ مَيِّتًا، لَمْ يَعْتِقْ، وَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَادَةِ: أَنَّهُ قَصَدَ عَقْدَ يَمِينِهِ عَلَى وَلَدٍ يَصِحُّ الْعِتْقُ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا، فَتَصِيرُ الْحَيَاةُ مَشْرُوطَةً فِيهِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ حَيًّا فَهُوَ حُرٌّ.
وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": إذَا قَالَ: إذَا وَلَدْت وَلَدًا، أَوْ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ، فَهُوَ حُرٌّ، فَوَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا، أَوْ قَالَ: آخِرُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ حُرٌّ، فَوَلَدَتْ حَيًّا ثُمَّ مَيِّتًا، ثُمَّ لَمْ تَلِدْ بَعْدَهُ شَيْئًا، فَهَلْ يَعْتِقُ الْحَيُّ؟ . عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: أَوَّلُ مَا تَلِدُهُ أَمَتِي حُرٌّ، فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ، وَأَشْكَلَ السَّابِقُ: عَتَقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، فَإِنْ بَانَ لِلنَّاسِ الَّذِي أَعْتَقَهُ أَخْطَأَتْهُ الْقُرْعَةُ عَتَقَ، وَهَلْ يَرِقُّ الْآخَرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. قُلْت: مَسْأَلَةُ الْأَوَّلِ وَالْآخَرِ: مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هَلْ يَسْقُطُ حُكْمُ الْمَيِّتِ، وَيَصِيرُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، لِامْتِنَاعِ نُفُوذِ الْعِتْقِ فِيهِ، أَوْ يُعْتَبَرُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الْحَيِّ؟
الثَّانِي: هَلْ مِنْ شَرْطِ الْأَوَّلِ: أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَكْفِيَ فِيهِ كَوْنُهُ سَابِقًا مُبْتَدَأ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ غَيْرُهُ؟ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ تَعْلِيقِ الْحُرِّيَّةِ عَلَى مُطْلَقِ الْوِلَادَةِ، فَفِيهَا إشْكَالٌ ظَاهِرٌ.
فَإِنَّ صُورَتَهَا أَنْ يَقُولَ: إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا فَهُوَ حُرٌّ.
فَإِذَا وَلَدَتْ مَيِّتًا ثُمَّ حَيًّا، فَإِمَّا أَنْ نَعْتَبِرَ حُكْمَ الْمَيِّتِ أَوْ لَا نَعْتَبِرُهُ، فَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرْهُ عَتَقَ الْحَيُّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْلُودُ، إنْ اعْتَبَرْنَاهُ وَحَكَمْنَا بِعِتْقِهِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِعِتْقِ الْحَيِّ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: " إذَا " لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَقَدْ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ بِوُجُودِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ، فَلَا يَعْتِقُ الثَّانِي. قِيلَ: هَذَا مَأْخَذُ هَذَا الْقَوْلِ: لَكِنَّ قَوْلَهُ " إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا " نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ، فَيَعُمُّ كُلَّ وَلَدٍ، وَهُوَ قَدْ جَعَلَ سَبَبَ الْعِتْقِ الْوِلَادَةَ، فَيَعُمُّ الْحُكْمُ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: عُمُومُ الْمَعْنَى وَالسَّبَبِ، وَالثَّانِي: عُمُومُ اللَّفْظِ بِوُقُوعِ النَّكِرَةِ عَامَّةً. وَهَذَا غَيْرُ اقْتِضَاءِ النَّكِرَةِ التَّكْرَارَ، بَلْ الْعُمُومُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ وُقُوعِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ الْعُمُومِ فِي " أَيَّ " وَ " مَنْ " فِي قَوْلِهِ: أَيَّ وَلَدٍ وَلَدْته، أَوْ مَنْ وَلَدْته، فَهُوَ حُرٌّ، فَهَذَا لَفْظٌ عَامٌّ، وَهَذَا عَامٌّ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُمُومَيْنِ؟
فَإِنْ قِيلَ: الْعُمُومُ هَاهُنَا فِي نَفْسِ أَدَاةِ الشَّرْطِ، وَالْعُمُومُ فِي قَوْلِهِ " إذَا وَلَدْت وَلَدًا " فِي الْمَفْعُولِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُ فِعْلِ الشَّرْطِ، لَا فِي أَدَاتِهِ.
стр. 268
قِيلَ: أَدَاةُ الشَّرْطِ فِي " مَنْ " وَ " أَيَّ " هِيَ نَفْسُ الْمَفْعُولِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُ الْفِعْلِ؛ وَلِهَذَا نَحْكُمُ عَلَى مَحَلِّ " مَنْ " بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَيَظْهَرُ فِي " أَيَّ " فَالْعُمُومُ الَّذِي فِي الْأَدَاةِ لِنَفْسِ الْمَفْعُولِ الْمَوْلُودِ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ فِي قَوْلِهِ: إذَا وَلَدْتِ وَلَدًا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّخْصِيصَ بِوَاحِدٍ، وَلَا يُرِيدُ الْعُمُومَ، فَيَبْقَى مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالنِّيَّةِ.
١٣٥ - (فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا أَشْكَلَ السَّابِقُ " إنَّهُ بَانَ أَنَّ الَّذِي أَعْتَقَهُ: أَخْطَأَتْهُ الْقُرْعَةُ: عَتَقَ " أَيْ حَكَمَ بِعِتْقِهِ مِنْ حِينِ مُبَاشَرَتِهِ لَا أَنَّهُ يُنْشِئُ فِيهِ الْعِتْقَ مِنْ حِينِ الذِّكْرِ، فَإِنَّ عِتْقَهُ مُسْتَنِدٌ إلَى سَبَبِهِ، وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى الذِّكْرِ. وَقَوْلُهُ: " هَلْ يَرِقُّ الْآخَرُ؟ " عَلَى وَجْهَيْنِ مَأْخَذُهُمَا: أَنَّ الْقُرْعَةَ كَاشِفَةٌ أَوْ مُنْشِئَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّهَا مُنْشِئَةٌ لِلْعِتْقِ: لَمْ يَرْتَفِعْ بَعْدَ إنْشَائِهِ الْعِتْقُ عَنْهُ، وَإِنْ قِيلَ: إنَّهَا كَاشِفَةٌ رَقَّ الْآخَرُ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّا خَطَأَهَا فِي الْكَشْفِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إعْمَالِهَا عِنْدَ اسْتِبْهَامِ الْأَمْرِ وَخَفَائِهِ إعْمَالُهَا عِنْدَ تَبَيُّنِهِ وَظُهُورِهِ، يُوَضِّحُهُ: أَنَّ التَّبَيُّنَ وَالظُّهُورَ لَوْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ اخْتَصَّ الْعِتْقُ بِمَنْ يُؤَثِّرُ بِهِ، فَكَذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْحَالِ.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ اسْتِمْرَارَ حُكْمِ الْقُرْعَةِ مَشْرُوطٌ بِاسْتِمْرَارِ الْإِشْكَالِ، فَإِذَا زَالَ الْإِشْكَالُ، زَالَ شَرْطُ اسْتِمْرَارِهَا، وَهَذَا أَقْيَسُ لَكِنْ يُقَالُ: قَدْ حُكِمَ بِعِتْقِهِ بِالطَّرِيقِ الَّتِي نَصَّبَهَا الشَّارِعُ طَرِيقًا إلَى الْعِتْقِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يُخْطِئَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَقَدْ عَتَقَ بِأَمْرٍ حَكَمَ الشَّارِعُ أَنْ يَعْتِقَ بِهِ، فَكَيْفَ يَرْتَفِعُ عِتْقُهُ؟ وَعَلَى هَذَا: فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ بِاسْتِمْرَارِ عِتْقِهِ، وَأَنَّ مَنْ أَخْطَأَتْهُ الْقُرْعَةُ يَبْقَى عَلَى رِقِّهِ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَتَهُ بِالْعِتْقِ قَدْ زَالَ حُكْمُهَا بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ، وَالْقُرْعَةُ نَسَخَتْ حُكْمَ الْمُبَاشَرَةِ وَأَبْطَلَتْهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وَانْتَقَلَ الْحُكْمُ إلَى الْقُرْعَةِ، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ، فَهَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ فِي الرَّجُل لَهُ امْرَأَتَانِ وَهُوَ يُرِيد أَنْ يَخْرَج بِإِحْدَاهُمَا]
١٣٦ - (فَصْلٌ)
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ - فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ امْرَأَتَانِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ بِإِحْدَاهُمَا - قَالَ: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا. فَتَخْرُجُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ، أَوْ تَخْرُجُ إحْدَاهُمَا بِرِضَا الْأُخْرَى، وَلَا يُرِيدُ الْقُرْعَةَ؟ قَالَ: إذَا خَرَجَ بِهَا فَقَدْ رَضِيَتْ، وَإِلَّا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِقْرَاعَ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ التَّشَاحِّ، فَأَمَّا إذَا رَضِيَتْ إحْدَاهُمَا بِخُرُوجِ ضَرَّتِهَا، فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ، وَإِنْ كَرِهَتْ وَقَالَتْ: لَا أَخْرُجُ إلَّا بِقُرْعَةٍ، فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَيَخْرُجُ بِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الْخُرُوجَ بِهَا، وَإِنَّمَا وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى الْقُرْعَةِ عِنْدَ مُشَاحَّةِ الضَّرَّةِ لَهَا.
[فَصَلِّ فِي الْقُرْعَة فِي الشِّرَاء وَالْبَيْع]
١٣٧ - (فَصْلٌ)
стр. 269
قَالَ حَرْبٌ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْقُرْعَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، قُلْت: الْقَوْمُ يَشْتَرُونَ الشَّيْءَ، فَيَقْتَرِعُونَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ بَخْتَانَ.
وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ الشَّيْءَ، ثُمَّ يُجَزِّئُونَهُ أَجْزَاءً، وَيَقْتَرِعُونَ عَلَى تِلْكَ الْأَنْصِبَاءِ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ نَصِيبٌ أَخَذَهُ.
[فَصَلِّ فِي الرَّجُلَيْنِ يَتَشَاحَّا فِي الْأَذَان]
١٣٨ - (فَصْلٌ)
قَالَ أَبُو دَاوُد: رَأَيْت رَجُلَيْنِ تَشَاحَّا فِي الْأَذَانِ عِنْدَ أَحْمَدَ، فَقَالَ: يَجْتَمِعُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَيَنْظُرُ مَنْ يَخْتَارُونَ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ يَقْتَرِعَانِ، فَمَنْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَذَّنَ، كَذَلِكَ فَعَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. قُلْت: وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّقْدِيمَ بِالْقُرْعَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّقْدِيمِ بِتَعْيِينِ الْجِيرَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقُولُونَ فِي الْإِمَامَةِ مِثْلَ ذَلِكَ. قِيلَ: لَا، بَلْ يُقَدَّمُ فِيهَا مَنْ يَخْتَارُ الْجِيرَانُ، فَإِنَّ الْقُرْعَةَ تُصِيبُ مَنْ يَكْرَهُونَهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ: نَازَعَنِي ابْنُ عَمِّي فِي الْأَذَانِ فَتَحَاكَمْنَا إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵀ فَقَالَ: إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَشَاحُّوا فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ ﵁، فَأَنَا أَذْهَبُ إلَى الْقُرْعَةِ، أَقْرِعَا. قُلْت: وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ تُقَسَّمَ نُوَبُ الْأَذَانِ بَيْنَهُمْ.
قَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: وَجَدْت فِي كِتَابِي، عَنْ طَلْقِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّ نَفَرًا ثَلَاثَةً اخْتَصَمُوا إلَيْهِ فِي الْأَذَانِ، فَقَضَى لِأَحَدِهِمْ بِالْفَجْرِ، وَقَضَى لِلثَّانِي بِالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَقَضَى لِلثَّالِثِ بِالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ".
[فَصَلِّ فِي الرَّجُل يَتَزَوَّج امْرَأَة عَلَى عَبْد مِنْ عَبِيده]
١٣٩ - (فَصْلٌ)
قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ، فَقَالَ: جَائِزٌ، فَقُلْت: لَهُ عَشَرَةُ أَعْبُدٍ؟ فَقَالَ: أُعْطِيهَا مَنْ أَحْسَنُهُمْ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُعْطِيهَا مَنْ أَوْسَطُهُمْ، فَقُلْت لَهُ: تَرَى أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ؛ فَقُلْت: تَسْتَقِيمُ الْقُرْعَةُ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ يُقْرِعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ.
стр. 270
قُلْت: هَاهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ، إحْدَاهَا: أَنْ يُوصِيَ لَهُ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْتِقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَصْدُقَهَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ.
فَفِي الْوَصِيَّةِ: يُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهِمْ، وَجَعَلَ الِاخْتِيَارَ لَهُمْ فِي التَّعْيِينِ. وَفِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ: يَخْرُجُ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَهْرِ: رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا: يُعْطِي الْوَسَطَ.
وَالثَّانِيَةُ: يُعْطِي وَاحِدًا بِالْقُرْعَةِ. وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، فِي رَجُلٍ أَوْصَى، فَقَالَ: أَعْتِقُوا أَحَدَ عَبْدَيْ هَذَيْنِ: يَعْتِقُ أَحَدُهُمَا، وَلَكِنْ إنْ تَشَاحَّا فِي الْعِتْقِ، يُقْرِعْ بَيْنَهُمَا.
[فَصْلٌ فِي عَبْد فِي يَد رَجُل اخْتَلَفَ عَلَيْهِ غَيْره بِالْبَيْعِ وَالْهِبَة وَغَيْر ذَلِكَ]
١٤٠ - (فَصْلٌ)
قَالَ أَبُو النَّضْرِ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدٍ فِي يَدِ رَجُلٍ لَا يَدَّعِيهِ، أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ: أَنَّ فُلَانًا بَاعَ هَذَا الْعَبْدَ مِنِّي بِكَذَا وَكَذَا، وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ فُلَانًا تَصَدَّقَ بِهَذَا الْعَبْدِ عَلَيَّ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ فُلَانًا وَهَبَ هَذَا الْعَبْدَ لِي، وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَلَمْ يُوَقِّتُوا وَقْتًا، وَالْبَيِّنَةُ عُدُولٌ كُلُّهُمْ؟ قَالَ: أَرَى الْبَيِّنَةَ هَاهُنَا تَكَاذَبَتْ. يُكَذِّبُ شُهُودُ رَجُلٍ شُهُودَ الْآخَرِ، فَاجْعَلْهُ فِي أَيْدِيهمْ، ثُمَّ أَقْرِعْ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ وَقَعَ لَهُ الْعَبْدُ أَخَذَهُ وَحَلَفَ، قُلْت: تُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَنِي هَذَا الْعَبْدَ وَهُوَ يَمْلِكُهُ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ لِي؟ قَالَ: هُوَ وَاحِدٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، قُلْت: إلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبْت فِي هَذَا؟ قَالَ: إلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أُكْرِهَ الرَّجُلَانِ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ اسْتَحَبَّاهَا فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا» . قُلْت: هَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ "، قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، وَأَنَّهَا لِأَحَدِهِمَا، لَا يَعْرِفُهُ عَيْنًا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " إذَا أَنْكَرَهُمَا مَنْ الدَّابَّةُ فِي يَدِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا عَيْنًا، أَوْ قَالَ: هِيَ لِأَحَدِكُمَا لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا عَيْنًا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ، أَحَبَّا أَمْ كَرِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَى لَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَدَ، وَالْقُرْعَةُ تَمْيِيزٌ عِنْدَ التَّسَاوِي، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ: فَعَنْهُ
стр. 271
رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ، إحْدَاهُمَا: تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي، هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْقُرْعَةَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُسَيِّبِ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرٍ، وَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشُهُودٍ عُدُولٍ عَلَى عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَسْهَمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ "، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ حُجَّتَانِ تَعَارَضَتَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَسَقَطَتَا كَالْخَبَرَيْنِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِمَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: تَقْسِيمُ الْعَيْنِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَحَمَّادٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعِيرٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي دَعْوَاهُمَا، فَتَسَاوَيَا فِي قِسْمَتِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: تُقَدَّمُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ. وَلَهُ قَوْلٌ رَابِعٌ، يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ، كَالْحَاكِمِ إذَا لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْحُكْمُ فِي الْقَضِيَّةِ.
وَلَنَا: الْخَبَرَانِ، وَإِنَّ تَعَارُضَ الْحُجَّتَيْنِ لَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ كَالْخَبَرَيْنِ بَلْ إذَا تَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ أَسْقَطْنَاهُمَا، وَرَجَعْنَا إلَى دَلِيلِ غَيْرِهِمَا.
قُلْت: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا، فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ حَلَفَ لَقَدْ شَهِدَ شُهُودُهُ بِحَقٍّ، ثُمَّ يُقْضَى لَهُ، وَكَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَرَى ذَلِكَ، وَيَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْكُوفِيُّونَ يَرْوُونَهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَحَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «اخْتَصَمَ رَجُلَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرٍ، فَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشُهَدَاءَ عُدُولٍ عَلَى عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَسْهَمَ بَيْنَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ تَقْضِي بَيْنَهُمَا، فَقَضَى لِلَّذِي خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " الْمَرَاسِيلِ "، وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشُهُودٍ، وَكَانُوا سَوَاءً، فَأَسْهَمَ بَيْنَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » فَهَذَا مُرْسَلٌ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَتَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْقُرْعَةِ، وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ.
стр. 272
وَأَمَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ، فَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ حَنَشٍ قَالَ: " أُتِيَ عَلِيٌّ بِبَغْلٍ يُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا بَغْلِي، لَمْ أَبِعْ وَلَمْ أَهَبْ، وَنَزَعَ عَلَى مَا قَالَهُ بِخَمْسَةٍ يَشْهَدُونَ، وَجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ بَغْلُهُ، وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إنَّ فِيهِ قَضَاءً وَصُلْحًا، أَمَّا الصُّلْحُ: فَيُبَاعُ الْبَغْلُ، فَيُقَسَّمُ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ، لِهَذَا خَمْسَةٌ، وَلِهَذَا اثْنَانِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ إلَّا الْقَضَاءَ بِالْحَقِّ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ بَغْلُهُ، مَا بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ فَإِنْ تَشَاحَحْتُمَا. أَيُّكُمَا يَحْلِفُ؛ أَقْرَعْت بَيْنَكُمَا عَلَى الْحَلِفِ؛ فَأَيُّكُمَا قَرَعَ حَلَفَ؛ فَقَضَى بِهَذَا وَأَتَى بِشَاهِدٍ "، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ.
فَرَأَى الصُّلْحَ بَيْنَهُمْ عَلَى قِسْمَةِ الثَّمَنِ عَلَى عَدَدِ الشُّهُودِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِالْقُرْعَةِ. وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبَانَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «إذَا جَاءَ هَذَا بِشَاهِدٍ؛ وَهَذَا بِشَاهِدٍ، أَقْرِعْ بَيْنَهُمْ؛ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ » .
وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَجُلَيْنِ: اخْتَصَمَا إلَيْهِ فِي مَتَاعٍ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ: اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ» .
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِتَسَاوِي حُجَّتِهِمَا. قُلْت: وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ هُدْبَةَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا، فَبَعَثَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا» وَلَكِنْ لِلْحَدِيثِ عِلَلٌ، مِنْهَا: أَنَّ هَمَّامًا قَالَ عَنْ قَتَادَةَ «فَبَعَثَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ» .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعِيرٍ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» وَهَكَذَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدٍ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ قَتَادَةَ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ كَذَلِكَ، فَهَذَانِ وَجْهَانِ عَنْ هَمَّامٍ فِي إرْسَالِهِ وَاتِّصَالِهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ: اتِّصَالُهُ، وَشَذَّ عَنْهُ عَبْدُ الصَّمَدِ فَأَرْسَلَهُ، فَهَذَانِ أَيْضًا وَجْهَانِ عَنْ هَمَّامٍ فِي إرْسَالِهِ وَاتِّصَالِهِ.
وَرَوَاهُ شُعْبَةُ فَأَرْسَلَهُ، قَالَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ": حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ،
стр. 273
عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فِي دَابَّةٍ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَجَعَلَهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» وَكَأَنَّ رِوَايَةَ شُعْبَةَ " أَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا " أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ قَدْ تَابَعَهُ عَنْ قَتَادَةَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، رَوَاهُ عَنْهُ رَوْحٌ وَسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ قَتَادَةَ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةُ حُفَّاظٍ، أَحَدُهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ شُعْبَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ، اتَّفَقُوا عَنْ قَتَادَةَ فِي أَنَّهُ «لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ» . فَقَدْ اضْطَرَبَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى كَمَا تَرَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَلَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُدَّعِيَيْنِ إذَا كَانَتْ أَيْدِيهمَا عَلَيْهِ سَوَاءً، أَوْ تَسَاوَتْ بَيِّنَتَاهُمَا قُسِّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، كَمَا فِي
حَدِيثِ سِمَاكٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعِيرٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آخِذٌ بِرَأْسِهِ، فَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَاهِدَيْنِ، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» .
وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عُمَيْمِ بْنِ طَرْفَةَ: أُنْبِئْتُ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعِيرٍ، وَنَزَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَاهِدَيْنِ، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» وَهَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ حَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي " كِتَابِ الْعِلَلِ ": سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ؟ فَقَالَ: مَرْجِعُ هَذَا الْحَدِيثِ إلَى سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ تَمِيمٍ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَّ سِمَاكًا قَالَ: أَنَا حَدَّثْت أَبَا بُرْدَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِرْسَالُ شُعْبَةَ لَهُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ كَالدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ قُلْت: لَكِنْ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: «لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ»
وَفِي حَدِيثِ سِمَاكٍ «أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَزَعَ بِشَاهِدَيْنِ» وَفِي لَفْظٍ: «فَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَاهِدَيْنِ» . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ رِوَايَةَ شُعْبَةَ كَأَنَّهَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَا قَضِيَّتَيْنِ، فَلَعَلَّهُ لَمَّا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَسَقَطَتَا قِيلَ: «لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ» وَقُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الْيَدِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَمِيمٌ مَجْهُولٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا وَصَفْنَا، يَعْنِي أَنَّهُ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، كَمَا تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ.
قَالَ: وَسَعِيدٌ قَالَ، وَالْحَدِيثَانِ إذَا اخْتَلَفَا فَالْحُجَّةُ فِي أَقْوَى الْحَدِيثَيْنِ، وَسَعِيدٌ مِنْ أَصَحِّ النَّاسِ مُرْسِلًا،
وَالْقُرْعَةُ أَشْبَهُ، هَذَا قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ. ثُمَّ قَالَ فِي الْجَدِيدِ: هَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ، وَأَنَا فِيهِ وَاقِفٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا يُعْطَى وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا، وَيُوقَفُ حَتَّى يَصْطَلِحَا.
стр. 274
قُلْت: وَقَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ أَصَحُّ وَأَوْلَى؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قُوَّةِ الْقُرْعَةِ وَأَدِلَّتِهَا، وَأَنَّ فِي وَقْفِ الْمَالِ حَتَّى يَصْطَلِحَا تَأْخِيرُ الْخُصُومَةِ، وَتَعْطِيلُ الْمَالِ، وَتَعْرِيضُهُ لِلتَّلَفِ وَلِكَثْرَةِ الْوَرَثَةِ، فَالْقُرْعَةُ أَوْلَى الطُّرُقِ لِلسُّلُوكِ، وَأَقْرَبُهَا إلَى فَصْلِ النِّزَاعِ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى صِحَّتِهَا مِنْ أَصَحِّ الْأَدِلَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ: هِيَ أَشْبَهُ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَمَنْ تَأَمَّلَ مَا ذَكَرْنَا فِي الْقُرْعَةِ تَبَيَّنَ لَهُ: أَنَّ الْقَوْلَ بِهَا أَوْلَى مِنْ وَقْفِ الْمَالِ أَبَدًا، حَتَّى يَصْطَلِحَ الْمُدَّعُونَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَإِمَامِ الْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.