← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11495

الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط البيان

ابن القيم

Полный текст (274 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَمِنْ ذَلِكَ: فِرَاسَةُ الْعَبَّاسِ ﵁ مَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدٌ قَالَ - «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ إذْ وَجَدَ رِيحًا. فَقَالَ: لِيَقُمْ صَاحِبُ هَذِهِ الرِّيحِ فَلْيَتَوَضَّأْ. فَاسْتَحْيَا الرَّجُلُ، ثُمَّ قَالَ: لِيَقُمْ صَاحِبُ هَذِهِ الرِّيحِ فَلْيَتَوَضَّأْ. فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَلَا نَقُومُ كُلُّنَا نَتَوَضَّأُ؟» . هَكَذَا رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مُرْسَلًا، وَوَصَلَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، فَقَالَ: عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَقَدْ جَرَتْ مِثْلُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي مَجْلِسِ عُمَرَ ﵁ قَالَ الشَّعْبِيُّ: " كَانَ عُمَرُ فِي بَيْتٍ، وَمَعَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ. فَوَجَدَ عُمَرُ رِيحًا. فَقَالَ: عَزَمْت عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ الرِّيحِ لَمَا قَامَ فَتَوَضَّأَ. فَقَالَ جَرِيرٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ يَتَوَضَّأُ الْقَوْمُ جَمِيعًا. فَقَالَ عُمَرُ: يَرْحَمُك اللَّهُ. نِعْمَ السَّيِّدُ كُنْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَنِعْمَ السَّيِّدُ وَأَنْتَ فِي الْإِسْلَامِ ". وَمِنْ أَحْسَنِ الْفِرَاسَةِ: فِرَاسَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ لَمَّا بَعَثَ الشَّعْبِيَّ إلَى مَلِكِ الرُّومِ فَحَسَدَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ فَبَعَثَ مَعَهُ وَرَقَةً لَطِيفَةً إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. فَلَمَّا قَرَأَهَا قَالَ: أَتَدْرِي مَا فِيهَا؟ قَالَ: فِيهَا " عَجَبٌ، كَيْفَ مَلَكَتْ الْعَرَبُ غَيْرَ هَذَا؟ " أَفَتَدْرِي مَا أَرَادَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: حَسَدَنِي عَلَيْك. فَأَرَادَ أَنِّي أَقْتُلُك، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ رَآك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا اسْتَكْبَرَنِي. فَبَلَغَ ذَلِكَ مَلِكَ الرُّومِ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَخْطَأَ مَا كَانَ فِي نَفْسِي. وَمِنْ دَقِيقِ الْفِطْنَةِ: أَنَّك لَا تَرُدُّ عَلَى الْمُطَاعِ خَطَأَهُ بَيْنَ الْمَلَأِ، فَتَحْمِلُهُ رُتْبَتُهُ عَلَى نُصْرَةِ الْخَطَإِ. وَذَلِكَ خَطَأٌ ثَانٍ، وَلَكِنْ تَلَطَّفْ فِي إعْلَامِهِ بِهِ، حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ غَيْرُهُ. وَمِنْ دَقِيقِ الْفِرَاسَةِ: أَنَّ الْمَنْصُورَ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ فَكَسَبَ مَالًا، فَدَفَعَهُ إلَى امْرَأَتِهِ، ثُمَّ طَلَبَهُ مِنْهَا. فَذَكَرَتْ أَنَّهُ سُرِقَ مِنْ الْبَيْتِ وَلَمْ يَرَ نَقْبًا وَلَا أَمَارَةً، فَقَالَ الْمَنْصُورُ: مُنْذُ كَمْ تَزَوَّجْتهَا؟ قَالَ: مُنْذُ سَنَةٍ، قَالَ: بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا؟ قَالَ: ثَيِّبًا، قَالَ: فَلَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِك؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَدَعَا لَهُ الْمَنْصُورُ بِقَارُورَةِ طِيبٍ كَانَ يُتَّخَذُ لَهُ حَادِّ الرَّائِحَةِ، غَرِيبِ النَّوْعِ، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: تَطَيَّبْ مِنْ هَذَا الطِّيبِ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ غَمَّك. فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ الْمَنْصُورُ لِأَرْبَعَةٍ مِنْ ثِقَاتِهِ: لِيَقْعُدْ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ وَاحِدٌ مِنْكُمْ فَمَنْ شَمَّ مِنْكُمْ رَائِحَةَ هَذَا الطِّيبِ مِنْ أَحَدٍ فَلْيَأْتِ بِهِ. وَخَرَجَ الرَّجُلُ بِالطِّيبِ فَدَفَعَهُ إلَى امْرَأَتِهِ، فَلَمَّا شَمَّتْهُ بَعَثَتْ بِهِ إلَى رَجُلٍ كَانَتْ تُحِبُّهُ، وَقَدْ كَانَتْ دَفَعَتْ إلَيْهِ الْمَالَ، فَتَطَيَّبَ مِنْهُ، وَمَرَّ مُجْتَازًا بِبَعْضِ أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ، فَشَمَّ الْمُوَكَّلُ بِالْبَابِ رَائِحَتَهُ عَلَيْهِ؛ فَأَتَى بِهِ الْمَنْصُورَ، فَسَأَلَهُ: مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الطِّيبُ؟ فَلَجْلَجَ فِي كَلَامِهِ. فَدَفَعَهُ إلَى وَالِي الشُّرْطَةِ،

стр. 37

فَقَالَ إنْ أَحْضَرَ لَك كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَالِ فَخَلِّ عَنْهُ، وَإِلَّا اضْرِبْهُ أَلْفَ سَوْطٍ. فَلَمَّا جُرِّدَ لِلضَّرْبِ أَحْضَرَ الْمَالَ عَلَى هَيْئَتِهِ فَدَعَا الْمَنْصُورُ صَاحِبَ الْمَالِ، فَقَالَ: أَرَأَيْت إنْ رَدَدْت عَلَيْك الْمَالَ تُحَكِّمُنِي فِي امْرَأَتِك؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَذَا مَالُك، وَقَدْ طَلَّقْت الْمَرْأَةَ مِنْك. ١٤ - فَصْلٌ وَمِنْهَا أَنَّ شَرِيكًا دَخَلَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَقَالَ لِلْخَادِمِ: هَاتِ عُودًا لِلْقَاضِي - يَعْنِي الْبَخُورَ - فَجَاءَ الْخَادِمُ بِعُودٍ يَضْرِبُ بِهِ، فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِ شَرِيكٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَبَادَرَ الْمَهْدِيُّ، وَقَالَ: هَذَا عُودٌ أَخَذَهُ صَاحِبُ الْعَسَسِ الْبَارِحَةَ، فَأَحْبَبْت أَنْ يَكُونَ كَسْرُهُ عَلَى يَدَيْك، فَدَعَا لَهُ وَكَسَرَهُ. وَمِنْ ذَلِكَ: مَا يُذْكَرُ عَنْ الْمُعْتَضِدِ بِاَللَّهِ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا يُشَاهِدُ الصُّنَّاعَ، فَرَأَى فِيهِمْ أَسْوَدَ مُنْكَرَ الْخِلْقَةِ، شَدِيدَ الْمَرَحِ، يَعْمَلُ ضِعْفَ مَا يَعْمَلُ الصُّنَّاعُ، وَيَصْعَدُ مِرْقَاتَيْنِ مِرْقَاتَيْنِ، فَأَنْكَرَ أَمْرَهُ، فَأَحْضَرَهُ وَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ؟ فَلَجْلَجَ، فَقَالَ لِبَعْضِ جُلَسَائِهِ: أَيُّ شَيْءٍ يَقَعُ لَكُمْ فِي أَمْرِهِ؟ قَالُوا: وَمَنْ هَذَا حَتَّى تَصْرِفَ فِكْرَك إلَيْهِ؟ لَعَلَّهُ لَا عِيَالَ لَهُ، وَهُوَ خَالِي الْقَلْبِ، فَقَالَ: قَدْ خَمَّنْت فِي أَمْرِهِ تَخْمِينًا، مَا أَحْسَبُهُ بَاطِلًا: إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ دَنَانِيرُ، قَدْ ظَفِرَ بِهَا دَفْعَةً، أَوْ يَكُونَ لِصًّا يَتَسَتَّرُ بِالْعَمَلِ، فَدَعَا بِهِ، وَاسْتَدْعَى بِالضَّرَّابِ فَضَرَبَهُ، وَحَلَفَ لَهُ إنْ لَمْ يَصْدُقْهُ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: لِي الْأَمَانُ، قَالَ: نَعَمْ، إلَّا فِيمَا يَجِبُ عَلَيْك بِالشَّرْعِ. فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَمَّنَهُ، فَقَالَ: قَدْ كُنْت أَعْمَلُ فِي الْآجُرِّ، فَاجْتَازَ رَجُلٌ فِي وَسْطِهِ هِمْيَانٌ، فَجَاءَ إلَى مَكَان فَجَلَسَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَكَانِي، فَحَلَّ الْهِمْيَانَ وَأَخْرَجَ مِنْهُ دَنَانِيرَ فَتَأَمَّلْته، وَإِذَا كُلُّهُ دَنَانِيرُ فَسَاوَرْتُهُ وَكَتَفْتُهُ وَشَدَدْت فَاهُ، وَأَخَذْت الْهِمْيَانَ، وَحَمَلْته عَلَى كَتِفِي وَطَرَحْته فِي الْأَتُونِ وَطَيَّنْته. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجْت عِظَامَهُ فَطَرَحْتهَا فِي دِجْلَةَ. فَأَنْفَذَ الْمُعْتَضِدُ مَنْ أَحْضَرَ الدَّنَانِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَإِذَا عَلَى الْهِمْيَانِ مَكْتُوبٌ: فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، فَنَادَى فِي الْبَلَدِ بِاسْمِهِ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: هَذَا زَوْجِي. وَلِي مِنْهُ هَذَا الطِّفْلُ، خَرَجَ وَقْتَ كَذَا وَكَذَا وَمَعَهُ أَلْفُ دِينَارٍ: فَغَابَ إلَى الْآنَ. فَسَلَّمَ الدَّنَانِيرَ إلَيْهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِ الْأَسْوَدِ، وَحَمَلَ جُثَّتَهُ إلَى ذَلِكَ الْأَتُونِ. وَكَانَ لِلْمُعْتَضِدِ مِنْ ذَلِكَ عَجَائِبُ، مِنْهَا: أَنَّهُ قَامَ لَيْلَةً، فَإِذَا غُلَامٌ قَدْ وَثَبَ عَلَى ظَهْرِ غُلَامٍ، فَانْدَسَّ بَيْنَ الْغِلْمَانِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فَجَاءَ فَجَعَلَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فُؤَادِ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ، فَيَجِدُهُ سَاكِنًا، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فُؤَادِ ذَلِكَ الْغُلَامِ، فَإِذَا بِهِ يَخْفِقُ خَفْقًا شَدِيدًا، فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ، وَاسْتَقَرَّهُ، فَأَقَرَّ، فَقَتَلَهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ رُفِعَ إلَيْهِ أَنَّ صَيَّادًا أَلْقَى شَبَكَتَهُ فِي دِجْلَةَ، فَوَقَعَ فِيهَا جِرَابٌ فِيهِ كَفٌّ مَخْضُوبَةٌ بِحِنَّاءٍ، وَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَالَهُ ذَلِكَ. وَأَمَرَ الصَّيَّادَ أَنْ يُعَاوِدَ طَرْحَ الشَّبَكَةِ هُنَالِكَ فَفَعَلَ، فَأَخْرَجَ جِرَابًا آخَرَ فِيهِ رِجْلٌ، فَاغْتَمَّ الْمُعْتَضِدُ وَقَالَ: مَعِي فِي الْبَلَدِ مَنْ يَفْعَلُ هَذَا وَلَا أَعْرِفُهُ؟ ثُمَّ أَحْضَرَ ثِقَةً لَهُ وَأَعْطَاهُ

стр. 38

الْجِرَابَ، وَقَالَ: طُفْ بِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ يَعْمَلُ الْجُرُبَ بِبَغْدَادَ. فَإِنْ عَرَفَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَاسْأَلْهُ عَمَّنْ بَاعَهُ مِنْهُ، فَإِذَا دَلَّك عَلَيْهِ فَاسْأَلْ الْمُشْتَرِي عَنْ ذَلِكَ وَنَقِّرْ عَنْ خَبَرِهِ. فَغَابَ الرَّجُلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَادَ، فَقَالَ: مَا زِلْت أَسْأَلُ عَنْ خَبَرِهِ حَتَّى انْتَهَى إلَى فُلَانٍ الْهَاشِمِيِّ، اشْتَرَاهُ مَعَ عَشَرَةِ جُرُبٍ، وَشَكَا الْبَائِعُ شَرَّهُ وَفَسَادَهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَ: إنَّهُ كَانَ يَعْشَقُ فُلَانَةَ الْمُغَنِّيَةَ وَأَنَّهُ غَيَّبَهَا، فَلَا يُعْرَفُ لَهَا خَبَرٌ، وَادَّعَى أَنَّهَا هَرَبَتْ، وَالْجِيرَانُ يَقُولُونَ: إنَّهُ قَتَلَهَا. فَبَعَثَ الْمُعْتَضِدُ مَنْ كَبَسَ مَنْزِلَ الْهَاشِمِيِّ وَأَحْضَرَهُ، وَأَحْضَرَ الْيَدَ وَالرِّجْلَ، وَأَرَاهُ إيَّاهُمَا، فَلَمَّا رَآهُمَا امْتَقَعَ لَوْنُهُ، وَأَيْقَنَ بِالْهَلَاكِ وَاعْتَرَفَ. فَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِدَفْعِ ثَمَنِ الْجَارِيَةِ إلَى مَوْلَاهَا، وَحَبَسَ الْهَاشِمِيَّ حَتَّى مَاتَ فِي الْحَبْسِ. [فَصَلِّ فِي محاسن الْفِرَاسَة] ١٥ - (فَصْلٌ) وَمِنْ مَحَاسِنِ الْفِرَاسَةِ: أَنَّ الرَّشِيدَ رَأَى فِي دَارِهِ حُزْمَةَ خَيْزُرَانٍ، فَقَالَ لِوَزِيرِهِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ عُرُوقُ الرِّمَاحِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَقُلْ الْخَيْزُرَانُ لِمُوَافَقَةِ اسْمِ أُمِّهِ. وَنَظِيرُ هَذَا: أَنَّ بَعْضَ الْخُلَفَاءِ سَأَلَ وَلَدَهُ - وَفِي يَدِهِ مِسْوَاكٌ - مَا جَمْعُ هَذَا؟ قَالَ: مَحَاسِنُك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا مِنْ الْفِرَاسَةِ فِي تَحْسِينِ اللَّفْظِ. وَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ، اعْتَنَى بِهِ الْأَكَابِرُ وَالْعُلَمَاءُ. وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ فِي السُّنَّةِ وَهُوَ مِنْ خَاصِّيَّةِ الْعَقْلِ وَالْفِطْنَةِ. فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ خَرَجَ يَعُسُّ الْمَدِينَةَ بِاللَّيْلِ، فَرَأَى نَارًا مُوقَدَةً فِي خِبَاءٍ، فَوَقَفَ وَقَالَ: " يَا أَهْلَ الضَّوْءِ ". وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ: يَا أَهْلَ النَّارِ. وَسَأَلَ رَجُلًا عَنْ شَيْءٍ: " هَلْ كَانَ؟ " قَالَ: لَا. أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَك، فَقَالَ: " قَدْ عُلِّمْتُمْ فَلَمْ تَتَعَلَّمُوا، هَلَّا قُلْت: لَا، وَأَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَك؟ ". وَسُئِلَ الْعَبَّاسُ: أَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي، وَأَنَا وُلِدْت قَبْلَهُ. وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْبَرُ مِنِّي، وَأَنَا أَسَنُّ مِنْهُ. وَكَانَ لِبَعْضِ الْقُضَاةِ جَلِيسٌ أَعْمَى، وَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ يَقُولُ: يَا غُلَامُ، اذْهَبْ مَعَ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَلَا يَقُولُ: خُذْ بِيَدِهِ، قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَخَلَّ بِهَا مَرَّةً. وَمِنْ أَلْطَفِ مَا يُحْكَى فِي ذَلِكَ: أَنَّ بَعْضَ الْخُلَفَاءِ سَأَلَ رَجُلًا عَنْ اسْمِهِ؟ فَقَالَ: سَعْدٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: أَيُّ السُّعُودِ أَنْتَ؟ قَالَ: سَعْدُ السُّعُودِ لَك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَعْدٌ الذَّابِحُ لِأَعْدَائِك، وَسَعْدٌ بَلَعَ عَلَى سِمَاطِك، وَسَعْدُ الْأَخْبِيَةِ لِسِرِّك، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ. وَيُشْبِهُ هَذَا: أَنَّ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ دَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَقَارَبَ فِي خَطْوِهِ. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: كَبِرَتْ

стр. 39

سِنُّك يَا مَعْنُ، قَالَ: فِي طَاعَتِك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: إنَّك لَجَلْدٌ. قَالَ: عَلَى أَعْدَائِك، قَالَ: وَإِنَّ فِيك لَبَقِيَّةً، قَالَ: هِيَ لَك. وَأَصْلُ هَذَا الْبَابِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] فَالشَّيْطَانُ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إذَا كَلَّمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَرُبَّ حَرْبٍ وَقُودُهَا جُثَثٌ وَهَامٌ، أَهَاجَهَا الْقَبِيحُ مِنْ الْكَلَامِ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي» وَخَبُثَتْ وَلَقِسَتْ وَغَثَّتْ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَفْظَ " الْخُبْثِ " لِبَشَاعَتِهِ، وَأَرْشَدَهُمْ إلَى الْعُدُولِ إلَى لَفْظٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَاهُ تَعْلِيمًا لِلْأَدَبِ فِي الْمَنْطِقِ، وَإِرْشَادًا إلَى اسْتِعْمَالِ الْحَسَنِ، وَهَجْرِ الْقَبِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ، كَمَا أَرْشَدَهُمْ إلَى ذَلِكَ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ. [فَصَلِّ فِي عَجَائِب الْفِرَاسَة] ١٦ - (فَصْلٌ) وَمِنْ عَجِيبِ الْفِرَاسَةِ مَا ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ: أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ فِي مَجْلِسٍ لَهُ يَتَنَزَّهُ فِيهِ، إذْ رَأَى سَائِلًا فِي ثَوْبٍ خَلِقٍ، فَوَضَعَ دَجَاجَةً فِي رَغِيفٍ وَحَلْوَى وَأَمَرَ بَعْضَ الْغِلْمَانِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَعَ فِي يَدِهِ لَمْ يَهَشَّ، وَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: جِئْنِي بِهِ، فَلَمَّا وَقَفَ قُدَّامَهُ اسْتَنْطَقَهُ، فَأَحْسَنَ الْجَوَابَ، وَلَمْ يَضْطَرِبْ مِنْ هَيْبَتِهِ، فَقَالَ: هَاتِ الْكُتُبَ الَّتِي مَعَك، وَاصْدُقْنِي مَنْ بَعَثَك، فَقَدْ صَحَّ عِنْدِي أَنَّك صَاحِبُ خَبَرٍ. وَأَحْضَرَ السِّيَاطَ، فَاعْتَرَفَ، فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: هَذَا وَاَللَّهِ السِّحْرُ، قَالَ: مَا هُوَ بِسِحْرٍ، وَلَكِنْ فِرَاسَةٌ صَادِقَةٌ، رَأَيْت سُوءَ حَالِهِ، فَوَجَّهْت إلَيْهِ بِطَعَامٍ يَشْرَهُ إلَى أَكْلِهِ الشَّبْعَانُ، فَمَا هَشَّ لَهُ، وَلَا مَدَّ يَدَهُ إلَيْهِ، فَأَحْضَرْته فَتَلَقَّانِي بِقُوَّةِ جَأْشٍ، فَلَمَّا رَأَيْت رَثَاثَةَ حَالِهِ، وَقُوَّةَ جَأْشِهِ، عَلِمْت أَنَّهُ صَاحِبُ خَبَرٍ، فَكَانَ كَذَلِكَ. وَرَأَى يَوْمًا حَمَّالًا يَحْمِلُ صِنًّا وَهُوَ يَضْطَرِبُ تَحْتَهُ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ هَذَا الِاضْطِرَابُ مِنْ ثِقَلِ الْمَحْمُولِ لَغَاصَتْ عُنُقُ الْحَمَّالِ، وَأَنَا أَرَى عُنُقَهُ بَارِزَةً، وَمَا أَرَى هَذَا الْأَمْرَ إلَّا مِنْ خَوْفٍ، فَأَمَرَ بِحَطِّ الصِّنِّ، فَإِذَا فِيهِ جَارِيَةٌ قَدْ قُتِلَتْ وَقُطِّعَتْ، فَقَالَ: اُصْدُقْنِي عَنْ حَالِهَا، فَقَالَ: أَرْبَعَةُ نَفَرٍ فِي الدَّارِ الْفُلَانِيَّةِ أَعْطَوْنِي هَذِهِ الدَّنَانِيرَ، وَأَمَرُونِي بِحَمْلِ هَذِهِ الْمَقْتُولَةِ. فَضَرَبَهُ وَقَتَلَ الْأَرْبَعَةَ.

стр. 40

وَكَانَ يَتَنَكَّرُ وَيَطُوفُ بِالْبَلَدِ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْأَئِمَّةِ فَدَعَا ثِقَتَهُ، وَقَالَ: خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ، وَأَعْطِهَا إمَامَ مَسْجِدِ كَذَا، فَإِنَّهُ فَقِيرٌ مَشْغُولُ الْقَلْبِ. فَفَعَلَ، وَجَلَسَ مَعَهُ وَبَاسَطَهُ، فَوَجَدَ زَوْجَتَهُ قَدْ ضَرَبَهَا الطَّلْقُ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَقَالَ: صَدَقَ، عَرَفْت شُغْلَ قَلْبِهِ فِي كَثْرَةِ غَلَطِهِ فِي الْقِرَاءَةِ وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ اللُّصُوصَ أَخَذُوا فِي زَمَنِ الْمُكْتَفِي مَالًا عَظِيمًا، فَأَلْزَمَ الْمُكْتَفِي صَاحِبَ الشُّرْطَةِ بِإِخْرَاجِ اللُّصُوصِ. ، أَوْ غَرَامَةِ الْمَالِ؛ فَكَانَ يَرْكَبُ وَحْدَهُ، وَيَطُوفُ لَيْلًا وَنَهَارًا، إلَى أَنْ اجْتَازَ يَوْمًا فِي زُقَاقٍ خَالٍ فِي بَعْضِ أَطْرَافِ الْبَلَدِ، فَدَخَلَهُ فَوَجَدَهُ مُنْكَرًا، وَوَجَدَهُ لَا يَنْفُذُ، فَرَأَى عَلَى بَعْضِ أَبْوَابِهِ شَوْكَ سَمَكٍ كَثِيرٍ، وَعِظَامَ الصُّلْبِ. فَقَالَ لِشَخْصٍ: كَمْ يَكُونُ تَقْدِيرُ ثَمَنِ هَذَا السَّمَكِ الَّذِي هَذِهِ عِظَامُهُ؟ قَالَ: دِينَارٌ، قَالَ: أَهْلُ الزُّقَاقِ لَا تَحْتَمِلُ أَحْوَالُهُمْ مُشْتَرِيَ مِثْلِ هَذَا، لِأَنَّهُ زُقَاقٌ بَيِّنُ الِاخْتِلَالِ إلَى جَانِبِ الصَّحْرَاءِ، لَا يَنْزِلُهُ مَنْ مَعَهُ شَيْءٌ يَخَافُ عَلَيْهِ، أَوْ لَهُ مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ هَذِهِ النَّفَقَةَ، وَمَا هِيَ إلَّا بَلِيَّةٌ، يَنْبَغِي أَنْ يُكْشَفَ عَنْهَا، فَاسْتَبْعَدَ الرَّجُلُ هَذَا، وَقَالَ: هَذَا فِكْرٌ بَعِيدٌ، فَقَالَ: اُطْلُبُوا لِي امْرَأَةً مِنْ الدَّرْبِ أُكَلِّمُهَا. فَدَقَّ بَابًا غَيْرَ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّوْكُ وَاسْتَسْقَى مَاءً، فَخَرَجَتْ عَجُوزٌ ضَعِيفَةٌ. فَمَا زَالَ يَطْلُبُ شَرْبَةً بَعْدَ شَرْبَةٍ، وَهِيَ تَسْقِيهِ، وَهُوَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ يَسْأَلُ عَنْ الدَّرْبِ وَأَهْلِهِ، وَهِيَ تُخْبِرُهُ غَيْرَ عَارِفَةٍ بِعَوَاقِبِ ذَلِكَ، إلَى أَنْ قَالَ لَهَا: وَهَذِهِ الدَّارُ مَنْ يَسْكُنُهَا؟ - وَأَوْمَأَ إلَى الَّتِي عَلَيْهَا عِظَامُ السَّمَكِ - فَقَالَتْ: فِيهَا خَمْسَةُ شَبَابٍ أَعْفَارٍ، كَأَنَّهُمْ تُجَّارٌ، وَقَدْ نَزَلُوا مُنْذُ شَهْرٍ لَا نَرَاهُمْ نَهَارًا إلَّا فِي كُلِّ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَنَرَى الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَخْرُجُ فِي الْحَاجَةِ وَيَعُودُ سَرِيعًا، وَهُمْ فِي طُولِ النَّهَارِ يَجْتَمِعُونَ فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَيَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ، وَلَهُمْ صَبِيٌّ يَخْدُمُهُمْ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ انْصَرَفُوا إلَى دَارٍ لَهُمْ بِالْكَرْخِ، وَيَدَعُونَ الصَّبِيَّ فِي الدَّارِ يَحْفَظُهَا. فَإِذَا كَانَ سَحَرًا جَاءُوا وَنَحْنُ نِيَامٌ لَا نَشْعُرُ بِهِمْ فَقَالَتْ لِلرَّجُلِ: هَذِهِ صِفَةُ لُصُوصٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: بَلَى، فَأَنْفَذَ فِي الْحَالِ، فَاسْتَدْعَى عَشَرَةً مِنْ الشُّرَطِ، وَأَدْخَلَهُمْ إلَى أَسْطِحَةِ الْجِيرَانِ، وَدَقَّ هُوَ الْبَابَ، فَجَاءَ الصَّبِيُّ فَفَتَحَ. فَدَخَلَ الشُّرَطُ مَعَهُ، فَمَا فَاتَهُ مِنْ الْقَوْمِ أَحَدٌ فَكَانُوا هُمْ أَصْحَابُ الْجِنَايَةِ بِعَيْنِهِمْ وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ بَعْضَ الْوُلَاةِ سَمِعَ فِي بَعْضِ لَيَالِي الشِّتَاءِ صَوْتًا بِدَارٍ يَطْلُبُ مَاءً بَارِدًا، فَأَمَرَ بِكَبْسِ الدَّارِ، فَأَخْرَجُوا رَجُلًا وَامْرَأَةً، فَقِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْت؟ قَالَ: الْمَاءُ لَا يُبَرَّدُ فِي الشِّتَاءِ، إنَّمَا ذَلِكَ عَلَامَةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ. وَأَحْضَرَ بَعْضُ الْوُلَاةِ شَخْصَيْنِ مُتَّهَمَيْنِ بِسَرِقَةٍ، فَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ أَلْقَاهُ عَمْدًا فَانْكَسَرَ، فَارْتَاعَ أَحَدُهُمَا، وَثَبَتَ الْآخَرُ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ، فَقَالَ لِلَّذِي انْزَعَجَ: اذْهَبْ، وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَحْضِرْ الْعُمْلَةَ. فَقِيلَ لَهُ: وَمِنْ أَيْنَ عَرَفْت ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اللِّصُّ قَوِيُّ الْقَلْبِ لَا يَنْزَعِجُ، وَالْبَرِيءُ يَرَى أَنَّهُ لَوْ تَحَرَّكَتْ فِي الْبَيْتِ فَأْرَةٌ لَأَزْعَجَتْهُ، وَمَنَعَتْهُ مِنْ السَّرِقَةِ. [فَصَلِّ فِي صُوَر للحكم بِالْفِرَاسَةِ] (فَصْلٌ)

стр. 41

وَمِنْ الْحُكْمِ بِالْفِرَاسَةِ وَالْأَمَارَاتِ: مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَاصَمَ غُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أُمَّهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَجَحَدَتْهُ، فَسَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ، فَلَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ، وَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِنَفَرٍ، فَشَهِدُوا أَنَّهَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَأَنَّ الْغُلَامَ كَاذِبٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ قَذَفَهَا. فَأَمَرَ عُمَرُ ﵁ بِضَرْبِهِ، فَلَقِيَهُ عَلِيٌّ ﵁ فَسَأَلَ عَنْ أَمْرِهِمْ، فَأُخْبِرَ فَدَعَاهُمْ، ثُمَّ قَعَدَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَسَأَلَ الْمَرْأَةَ فَجَحَدَتْ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: اجْحَدْهَا كَمَا جَحَدَتْك، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّهَا أُمِّي، قَالَ: اجْحَدْهَا، وَأَنَا أَبُوك وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ أَخَوَاك، قَالَ: قَدْ جَحَدْتهَا، وَأَنْكَرْتهَا. فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ: أَمْرِي فِي هَذِهِ الْمَرْأَةِ جَائِزٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَفِينَا أَيْضًا، فَقَالَ عَلِيٌّ: أُشْهِدُ مَنْ حَضَرَ أَنِّي قَدْ زَوَّجْت هَذَا الْغُلَامَ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْغَرِيبَةِ مِنْهُ، يَا قَنْبَرُ ائْتِنِي بِطِينَةٍ فِيهَا دِرْهَمٌ، فَأَتَاهُ بِهَا، فَعَدَّ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا، فَدَفَعَهَا مَهْرًا لَهَا. وَقَالَ لِلْغُلَامِ: خُذْ بِيَدِ امْرَأَتِك، وَلَا تَأْتِنَا إلَّا وَعَلَيْك أَثَرُ الْعُرْسِ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَتْ الْمَرْأَةُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، اللَّهَ اللَّهَ هُوَ النَّارُ، هُوَ وَاَللَّهِ ابْنِي. قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: إنَّ أَبَاهُ كَانَ زِنْجِيًّا، وَإِنَّ إخْوَتِي زَوَّجُونِي مِنْهُ، فَحَمَلْت بِهَذَا الْغُلَامِ. وَخَرَجَ الرَّجُلُ غَازِيًا فَقُتِلَ، وَبَعَثْت بِهَذَا إلَى حَيِّ بَنِي فُلَانٍ. فَنَشَأَ فِيهِمْ، وَأَنِفْت أَنْ يَكُونَ ابْنِي، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ، وَأَلْحَقَهُ بِهَا، وَثَبَتَ نَسَبَهُ. وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ رَجُلًا: كَيْفَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مِمَّنْ يُحِبُّ الْفِتْنَةَ، وَيَكْرَهُ الْحَقَّ، وَيَشْهَدُ عَلَى مَا لَمْ يَرَهُ، فَأَمَرَ بِهِ إلَى السِّجْنِ. فَأَمَرَ عَلِيٌّ بِرَدِّهِ، وَقَالَ: صَدَقَ، قَالَ: كَيْفَ صَدَّقْته؟ قَالَ: يُحِبُّ الْمَالَ وَالْوَلَدَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] وَيَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَهُوَ حَقٌّ، وَيَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَرَهُ، فَأَمَرَ عُمَرُ ﵁ بِإِطْلَاقِهِ، قَالَ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] . وَقَالَ الْأَصْبَغُ بْنُ نَبَاتَةَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى مَجْلِسِ عَلِيٍّ - وَالنَّاسُ حَوْلَهُ - فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى النَّاسِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النَّاسِ، إنَّ لِلدَّاخِلِ حَيْرَةً، وَلِلسَّائِلِ رَوْعَةً، وَهُمَا دَلِيلُ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ فَاحْتَمِلُوا زَلَّتِي إنْ كَانَتْ مِنْ سَهْوٍ نَزَلَ بِي، وَلَا تَحْسَبُونِي مِنْ شَرِّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ. فَتَبَسَّمَ عَلِيٌّ ﵁ وَأُعْجِبَ بِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنِّي وَجَدْت أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي خَرِبَةٍ بِالسَّوَادِ، فَمَا عَلَيَّ؟ وَمَا لِي؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إنْ كُنْت أَصَبْتهَا فِي خَرِبَةٍ تُؤَدِّي خَرَاجَهَا قَرْيَةٌ أُخْرَى عَامِرَةٌ بِقُرْبِهَا فَهِيَ لِأَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ، وَإِنْ كُنْت وَجَدَتْهَا فِي خَرِبَةٍ لَيْسَتْ تُؤَدِّي خَرَاجَهَا قَرْيَةٌ أُخْرَى

стр. 42

عَامِرَةٌ فَلَكَ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ، وَلَنَا خُمُسٌ. قَالَ الرَّجُلُ: أَصَبْتهَا فِي خَرِبَةٍ لَيْسَ حَوْلَهَا أَنِيسٌ، وَلَا عِنْدَهَا عُمْرَانُ، فَخُذْ الْخُمُسَ، قَالَ: قَدْ جَعَلْته لَك. وَأَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ رَجُلٌ أَسْوَدُ، وَمَعَهُ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنِّي أَغْرِسُ غَرْسًا أَسْوَدَ، وَهَذِهِ سَوْدَاءُ عَلَى مَا تَرَى، فَقَدْ أَتَتْنِي بِوَلَدٍ أَحْمَرَ، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا خُنْته، وَإِنَّهُ لَوَلَدُهُ. فَبَقِيَ عُمَرُ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَ لِلْأَسْوَدِ: إنْ سَأَلْتُك عَنْ شَيْءٍ أَتَصْدُقُنِي؟ قَالَ: أَجَلْ وَاَللَّهِ، قَالَ: هَلْ وَاقَعْت امْرَأَتَك وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، قَالَ عَلِيٌّ: اللَّهُ أَكْبَرُ، إنَّ النُّطْفَةَ إذًا خُلِطَتْ بِالدَّمِ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْهَا خَلْقًا كَانَ أَحْمَرَ، فَلَا تُنْكِرْ وَلَدَك، فَأَنْتَ جَنَيْت عَلَى نَفْسِك. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِامْرَأَةٍ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِشَابٍّ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ تَهْوَاهُ، فَلَمَّا لَمْ يُسَاعِدْهَا احْتَالَتْ عَلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بَيْضَةً فَأَلْقَتْ صُفَارَهَا، وَصَبَّتْ الْبَيَاضَ عَلَى ثَوْبِهَا وَبَيْنَ فَخْذَيْهَا، ثُمَّ جَاءَتْ إلَى عُمَرَ صَارِخَةً، فَقَالَتْ: هَذَا الرَّجُلُ غَلَبَنِي عَلَى نَفْسِي، وَفَضَحَنِي فِي أَهْلِي، وَهَذَا أَثَرُ فِعَالِهِ. فَسَأَلَ عُمَرُ النِّسَاءَ فَقُلْنَ لَهُ: إنَّ بِبَدَنِهَا وَثَوْبِهَا أَثَرَ الْمَنِيِّ. فَهَمَّ بِعُقُوبَةِ الشَّابِّ فَجَعَلَ يَسْتَغِيثُ، وَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَثَبَّتْ فِي أَمْرِي، فَوَاَللَّهِ مَا أَتَيْت فَاحِشَةً وَمَا هَمَمْت بِهَا، فَلَقَدْ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فَاعْتَصَمْت، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ مَا تَرَى فِي أَمْرِهِمَا، فَنَظَرَ عَلِيٌّ إلَى مَا عَلَى الثَّوْبِ. ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْغَلَيَانِ، فَصَبَّ عَلَى الثَّوْبِ فَجَمَدَ ذَلِكَ الْبَيَاضُ، ثُمَّ أَخَذَهُ وَاشْتَمَّهُ وَذَاقَهُ، فَعَرَفَ طَعْمَ الْبَيْضِ وَزَجَرَ الْمَرْأَةَ، فَاعْتَرَفَتْ. قُلْت: وَيُشْبِهُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا عِنِّينٌ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَإِنَّهُ يُخْلَى مَعَهَا فِي بَيْتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ مَاءَك عَلَى شَيْءٍ، فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ جُعِلَ عَلَى النَّارِ، فَإِنْ ذَابَ فَهُوَ مَنِيٌّ، وَبَطَلَ قَوْلُهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ. وَهَذَا حُكْمٌ بِالْأَمَارَاتِ الظَّاهِرَةِ، فَإِنَّ الْمَنِيَّ إذَا جُعِلَ عَلَى النَّارِ ذَابَ وَاضْمَحَلَّ، وَإِنْ كَانَ بَيَاضَ بَيْضٍ تَجَمَّعَ وَيَبِسَ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْجِزُ عَنْ إخْرَاجِ مَائِي صَحَّ قَوْلُهَا. وَيُشْبِهُ هَذَا: مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ: أَنَّ زَوْجَيْنِ تَرَافَعَا إلَيْهِ، وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا: أَنَّ الْآخَرَ عِذْيَوْطٌ يَغُوطُ عِنْدَ الْجِمَاعِ، وَتَنَاكَرَا، فَأَمَرَ أَنْ يُطْعَمَ أَحَدُهُمَا تِينًا، وَالْآخَرُ قِثَّاءً، فَعَلِمَ صَاحِبَ الْعَيْبِ بِذَلِكَ.

стр. 43

وَقَالَ الْأَصْبَغُ بْنُ نَبَاتَةَ: إنَّ شَابًّا شَكَا إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ نَفَرًا، فَقَالَ: إنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مَعَ أَبِي فِي سَفَرٍ. فَعَادُوا وَلَمْ يَعُدْ أَبِي، فَسَأَلْتهمْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، فَسَأَلْتهمْ عَنْ مَالِهِ؟ فَقَالُوا: مَا تَرَكَ شَيْئًا، وَكَانَ مَعَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، وَتَرَافَعْنَا إلَى شُرَيْحٍ، فَاسْتَحْلَفَهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَدَعَا عَلِيٌّ بِالشُّرَطِ، فَوَكَّلَ بِكُلِّ رَجُلٍ رَجُلَيْنِ، وَأَوْصَاهُمْ أَلَّا يُمَكِّنُوا بَعْضَهُمْ أَنْ يَدْنُوَ مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يَدَعُوا أَحَدًا يُكَلِّمُهُمْ، وَدَعَا كَاتِبَهُ، وَدَعَا أَحَدَهُمْ. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَبِي هَذَا الْفَتَى: فِي أَيِّ يَوْمٍ خَرَجَ مَعَكُمْ؟ وَفِي أَيِّ مَنْزِلٍ نَزَلْتُمْ؟ وَكَيْفَ كَانَ سَيْرُكُمْ؟ وَبِأَيِّ عِلَّةٍ مَاتَ؟ وَكَيْفَ أُصِيبَ بِمَالِهِ؟ وَسَأَلَهُ عَمَّنْ غَسَّلَهُ وَدَفَنَهُ؟ وَمَنْ تَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ؟ وَأَيْنَ دُفِنَ؟ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْكَاتِبُ يَكْتُبُ، ثُمَّ كَبَّرَ عَلِيٌّ فَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ، وَالْمُتَّهَمُونَ لَا عِلْمَ لَهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ قَدْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ دَعَا آخَرَ بَعْدَ أَنْ غَيَّبَ الْأَوَّلَ عَنْ مَجْلِسِهِ، فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلَ صَاحِبَهُ، ثُمَّ الْآخَرَ كَذَلِكَ، حَتَّى عَرَفَ مَا عِنْدَ الْجَمِيعِ، فَوَجَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُخْبِرُ بِضِدِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّ الْأَوَّلِ، فَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْت غَدْرَك وَكَذِبَك بِمَا سَمِعْت مِنْ أَصْحَابِك، وَمَا يُنْجِيك مِنْ الْعُقُوبَةِ إلَّا الصِّدْقُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ إلَى السِّجْنِ، وَكَبَّرَ، وَكَبَّرَ مَعَهُ الْحَاضِرُونَ، فَلَمَّا أَبْصَرَ الْقَوْمُ الْحَالَ لَمْ يَشُكُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ، فَدَعَا آخَرَ مِنْهُمْ، فَهَدَّدَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ كَارِهًا لِمَا صَنَعُوا، ثُمَّ دَعَا الْجَمِيعَ فَأَقَرُّوا بِالْقِصَّةِ، وَاسْتُدْعِيَ الَّذِي فِي السِّجْنِ، وَقِيلَ لَهُ: قَدْ أَقَرَّ أَصْحَابُك وَلَا يُنْجِيك سِوَى الصِّدْقِ، فَأَقَرَّ بِمِثْلِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْقَوْمُ، فَأَغْرَمَهُمْ الْمَالَ، وَأَقَادَ مِنْهُمْ بِالْقَتِيلِ. وَرُفِعَ إلَى بَعْضِ الْقُضَاةِ رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى هَامَتِهِ، فَادَّعَى الْمَضْرُوبُ: أَنَّهُ أَزَالَ بَصَرَهُ وَشَمَّهُ، فَقَالَ: يُمْتَحَنُ، بِأَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ إلَى قُرْصِ الشَّمْسِ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ تَثْبُتْ عَيْنَاهُ لَهَا، وَيَنْحَدِرُ مِنْهُمَا الدَّمْعُ. وَتُحْرَقُ خِرْقَةٌ وَتُقَدَّمُ إلَى أَنْفِهِ. فَإِنْ كَانَ صَحِيحَ الشَّمِّ: بَلَغَتْ الرَّائِحَةُ خَيْشُومَهُ وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ. وَرَأَيْت فِي " أَقْضِيَةِ عَلِيٍّ ﵁ " نَظِيرَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَأَنَّ الْمَضْرُوبَ ادَّعَى أَنَّهُ أَخْرَسُ. وَأَمَرَ أَنْ يُخْرِجَ لِسَانَهُ وَيُنْخَسَ بِإِبْرَةٍ، فَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ أَحْمَرَ فَهُوَ صَحِيحُ اللِّسَانِ، وَإِنْ خَرَجَ أَسْوَدَ فَهُوَ أَخْرَسُ. وَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ نَبَاتَةَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ ﵁ فِي فِدَاءِ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: نَادُوا مِنْهُمْ مَنْ كَانَتْ جِرَاحَاتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، دُونَ مَنْ كَانَتْ مِنْ وَرَائِهِ. فَإِنَّهُ فَارٌّ. قَالَ: وَأَوْصَى رَجُلٌ إلَى آخَرَ: أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفِ دِينَارٍ بِمَا أَحَبَّ، فَتَصَدَّقَ بِعُشْرِهَا، وَأَمْسَكَ الْبَاقِيَ؛ فَخَاصَمُوهُ إلَى عَلِيٍّ. وَقَالُوا: يَأْخُذُ النِّصْفَ وَيُعْطِينَا النِّصْفَ. فَقَالَ: أَنْصَفُوك؛ قَالَ: إنَّهُ قَالَ لِي: أَخْرِجْ بِهَا مَا أَحْبَبْت؛ قَالَ: فَأَخْرِجْ عَنْ الرَّجُلِ تِسْعَمِائَةٍ، وَالْبَاقِي لَك؛ قَالَ:

стр. 44

وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّ الرَّجُلَ أَمَرَك أَنْ تُخْرِجَ مَا أَحْبَبْتُ، وَقَدْ أَحْبَبْت التُّسْعُمَائَةَ، فَأَخْرَجَهَا. وَقَضَى فِي رَجُلَيْنِ حُرَّيْنِ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ؛ ثُمًّ يَهْرُبَانِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ - بِقَطْعِ أَيْدِيهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا سَارِقَانِ لِأَنْفُسِهِمَا، وَلِأَمْوَالِ النَّاسِ. قُلْت: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ الْحَقُّ، وَهُمَا أَوْلَى بِالْقَطْعِ مِنْ السَّارِقِ الْمَعْرُوفِ؛ فَإِنَّ السَّارِقَ إذَا قُطِعَ - دُونَ الْمُنْتَهِبِ وَالْمُغْتَصِبِ - لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. وَلِهَذَا قُطِعَ النَّبَّاشُ، وَلِهَذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِقَطْعِ جَاحِدِ الْعَارِيَّةِ. وَقَضَى عَلِيٌّ أَيْضًا فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ زِفَافِهَا أَدْخَلَتْ صَدِيقَهَا الْحَجَلَةَ سِرًّا، وَجَاءَ الزَّوْجُ فَدَخَلَ الْحَجَلَةَ، فَوَثَبَ إلَيْهِ الصَّدِيقُ فَاقْتَتَلَا، فَقَتَلَ الزَّوْجُ الصَّدِيقَ. فَقَامَتْ إلَيْهِ الْمَرْأَةُ فَقَتَلَتْهُ، فَقَضَى بِدِيَةِ الصَّدِيقِ عَلَى الْمَرْأَةِ، ثُمَّ قَتَلَهَا بِالزَّوْجِ، وَإِنَّمَا قَضَى بِدِيَةِ الصَّدِيقِ عَلَيْهَا: لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي عَرَّضَتْهُ لِقَتْلِ الزَّوْجِ لَهُ؛ فَكَانَتْ هِيَ الْمُتَسَبِّبَةُ فِي قَتْلِهِ، وَكَانَتْ أَوْلَى بِالضَّمَانِ مِنْ الزَّوْجِ الْمُبَاشِرِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ قَتَلَهُ قَتْلًا مَأْذُونًا فِيهِ، دَفْعًا عَنْ حُرْمَتِهِ. فَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْقَضَاءِ الَّذِي لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَضَى فِي رَجُلٍ فَرَّ مِنْ رَجُلٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَأَمْسَكَهُ لَهُ آخَرُ، حَتَّى أَدْرَكَهُ فَقَتَلَهُ؛ وَبِقُرْبِهِ رَجُلٌ يَنْظُرُ إلَيْهِمَا، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهِ، فَوَقَفَ يَنْظُرُ إلَيْهِ حَتَّى قَتَلَهُ. فَقَضَى أَنْ يُقْتَلَ الْقَاتِلُ، وَيُحْبَسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ، وَتُفْقَأَ عَيْنُ النَّاظِرِ الَّذِي وَقَفَ يَنْظُرُ وَلَمْ يُنْكِرْ. فَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ، إلَّا فِي فَقْءِ عَيْنِ النَّاظِرِ، وَلَعَلَّ عَلِيًّا رَأَى تَعْزِيرَهُ بِذَلِكَ، مَصْلَحَةً لِلْأَمَةِ، وَلَهُ مَسَاغٌ فِي الشَّرْعِ فِي مَسْأَلَةِ فَقْءِ عَيْنِ النَّاظِرِ إلَى بَيْتِ الرَّجُلِ مِنْ خُصٍّ أَوْ طَاقَةٍ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ، الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَا دَافِعَ، لِكَوْنِهِ جَنَى عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ، وَنَظَرَ نَظَرًا مُحَرَّمًا، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ. فَجَوَّزَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَخْذِفَهُ فَيَفْقَأَ عَيْنَهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.

стр. 45

وَفِي " الصَّحِيحِ ": مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَفَقَئُوا عَيْنَهُ، فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَلَا قِصَاصَ» . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلٍ: قَالَ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ فِي حُجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَنْظُرُنِي لَطَعَنْت بِهِ فِي عَيْنِك، إنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْهُ: «أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ سِتْرِ الْحُجْرَةِ، وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ مِدْرًى، فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يُنْظِرُنِي حَتَّى آتِيَهُ لَطَعَنْت بِالْمِدْرَى فِي عَيْنِهِ، وَهَلْ جُعِلَ الْإِذْنُ إلَّا مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ؟» أَيْ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَقِفُ لِي حَتَّى آتِيَهُ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِشْقَصٍ، فَذَهَبَ نَحْوَ الرَّجُلِ، يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ بِهِ، قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ بِهِ» . وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ " وَغَيْرِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى بَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَلْقَمَ

стр. 46

عَيْنَهُ خُصَاصَ الْبَابِ، فَبَصُرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَ عُودًا مُحَدَّدًا، فَوَجَأَ عَيْنَ الْأَعْرَابِيِّ فَانْقَمَعَ، فَقَالَ: لَوْ ثَبَتَ لَفَقَأْتُ عَيْنَك» . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ: مَا كَانَ عَلَيْك مِنْ جُنَاحٍ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ "، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» . وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ "، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَيْتِ رَجُلٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ» . فَالْحَقُّ: هُوَ الْأَخْذُ بِمُوجَبِ هَذِهِ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، وَالنَّاظِرُ إلَى الْقَاتِلِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ، وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَلِّصَهُ وَيَنْهَاهُ: أَعْظَمُ إثْمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَحَقُّ بِفَقْءِ الْعَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ فِي رَجُلٍ قَطَعَ فَرْجَ امْرَأَتِهِ: أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ دِيَةُ الْفَرْجِ، وَيُجْبَرُ عَلَى إمْسَاكِهَا، حَتَّى تَمُوتَ، وَإِنْ طَلَّقَهَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا. فَلِلَّهِ مَا أَحْسَنَ هَذَا الْقَضَاءَ، وَأَقْرَبَهُ مِنْ الصَّوَابِ. فَأَمَّا الْفَرْجُ: فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إنْفَاقُهُ عَلَيْهَا إنْ طَلَّقَهَا، فَلِأَنَّهُ أَفْسَدَهَا عَلَى الْأَزْوَاجِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِنَفَقَتِهَا وَمَصَالِحِهَا فَسَادًا لَا يَعُودُ، وَأَمَّا إجْبَارُهُ عَلَى إمْسَاكِهَا: فَمُعَاقَبَةٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، فَإِنَّهُ قَصَدَ التَّخَلُّصَ مِنْهَا بِأَمْرٍ مُحَرَّمٍ، وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا بِالطَّلَاقِ، أَوْ الْخُلْعِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلَى هَذِهِ الْمُثْلَةِ الْقَبِيحَةِ، فَكَانَ جَزَاؤُهُ أَنْ يُلْزَمَ بِإِمْسَاكِهَا إلَى الْمَوْتِ. وَقَضَى فِي مَوْلُودٍ وُلِدَ لَهُ رَأْسَانِ وَصَدْرَانِ فِي حِقْوٍ وَاحِدٍ، فَقَالُوا لَهُ: أَيُوَرَّثُ مِيرَاثَ اثْنَيْنِ، أَمْ مِيرَاثَ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: يُتْرَكُ حَتَّى يَنَامَ، ثُمَّ يُصَاحُ بِهِ، فَإِنْ انْتَبَهَا جَمِيعًا، كَانَ لَهُ مِيرَاثُ وَاحِدٍ، وَإِنْ انْتَبَهَ وَاحِدٌ وَبَقِيَ الْآخَرُ، كَانَ لَهُ مِيرَاثُ اثْنَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يَتَزَوَّجُ مَنْ وُلِدَ كَذَلِكَ؟ قُلْت: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ لَمْ أَرَ لَهَا ذِكْرًا فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو جَبَلَةَ: رَأَيْت بِفَارِسَ امْرَأَةً لَهَا رَأْسَانِ وَصَدْرَانِ فِي حِقْوٍ وَاحِدٍ مُتَزَوِّجَةً، تَغَارُ هَذِهِ عَلَى هَذِهِ، وَهَذِهِ عَلَى هَذِهِ.

стр. 47

وَالْقِيَاسُ: أَنَّهَا تُزَوَّجُ، كَمَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءُ، وَيَتَمَتَّعُ الزَّوْجُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْفَرْجَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي خَلْقِ الْمَرْأَةِ هَذَا إذَا كَانَ الرَّأْسَانِ عَلَى حِقْوٍ وَاحِدٍ وَرِجْلَيْنِ فَإِنْ كَانَا عَلَى حِقْوَيْنِ، وَأَرْبَعَةِ أَرْجُلٍ. فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: " أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، بِإِنْسَانٍ لَهُ رَأْسَانِ، وَفَمَانِ، وَأَرْبَعُ أَعْيُنٍ، وَأَرْبَعُ أَيْدٍ، وَأَرْبَعُ أَرْجُلٍ، وَإِحْلِيلَانِ، وَدُبُرَانِ. فَقَالُوا: كَيْفَ يَرِثُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَدَعَا بِعَلِيٍّ، فَقَالَ: فِيهِمَا قَضِيَّتَانِ، إحْدَاهُمَا: يُنْظَرُ إذَا نَامَ، فَإِذَا غَطَّ غَطِيطَ وَاحِدٍ، فَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ غَطَّ كُلٌّ مِنْهُمَا فَنَفْسَانِ، وَأَمَّا الْقَضِيَّةُ الْأُخْرَى، فَيُطْعَمَانِ وَيُسْقَيَانِ فَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَتَغَوَّطَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ بَالَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ، وَتَغَوَّطَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ فَنَفْسَانِ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَا النِّكَاحَ. فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا يَكُونُ فَرْجٌ فِي فَرْجٍ وَعَيْنٌ تَنْظُرُ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا إذْ حَدَثَتْ فِيهِمَا الشَّهْوَةُ، فَإِنَّهُمَا سَيَمُوتَانِ جَمِيعًا سَرِيعًا، فَمَا لَبِثَا أَنْ مَاتَا، وَبَيْنَهُمَا سَاعَةٌ أَوْ نَحْوُهَا. ١٨ - (فَصْلٌ) وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ زَنَتْ، فَسَأَلَهَا فَأَقَرَّتْ فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَعَلَّ لَهَا عُذْرًا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَا حَمَلَك عَلَى الزِّنَا؟ قَالَتْ: كَانَ لِي خَلِيطٌ، وَفِي إبِلِهِ مَاءٌ وَلَبَنٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِي إبِلِي مَاءٌ وَلَا لَبَنٌ فَظَمِئْت فَاسْتَسْقَيْته، فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَنِي حَتَّى أُعْطِيَهُ نَفْسِي. فَأَبَيْت عَلَيْهِ ثَلَاثًا. فَلَمَّا ظَمِئْت وَظَنَنْت أَنَّ نَفْسِي سَتَخْرُجُ أَعْطَيْته الَّذِي أَرَادَ، فَسَقَانِي، فَقَالَ عَلِيٌّ: اللَّهُ أَكْبَرُ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] . وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ "، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بِامْرَأَةٍ جَهِدَهَا الْعَطَشُ، فَمَرَّتْ عَلَى رَاعٍ فَاسْتَسْقَتْ، فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا. فَشَاوَرَ النَّاسَ فِي رَجْمِهَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ مُضْطَرَّةٌ، أَرَى أَنْ تُخْلِيَ سَبِيلَهَا، فَفَعَلَ. قُلْت: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا، لَوْ اضْطَرَّتْ الْمَرْأَةُ إلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ عِنْدَ رَجُلٍ فَمَنَعَهَا إلَّا بِنَفْسِهَا، وَخَافَتْ الْهَلَاكَ، فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ تُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهَا، أَمْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَصْبِرَ وَلَوْ مَاتَتْ؟ قِيلَ: هَذِهِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَا، الَّتِي يُقَالُ لَهَا: إنْ مَكَّنْت مِنْ نَفْسِك، وَإِلَّا قَتَلْتُك. وَالْمُكْرَهَةُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْ الْقَتْلِ بِذَلِكَ. وَلَوْ صَبَرَتْ لَكَانَ أَفْضَلَ لَهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا

стр. 48

أَنْ تُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهَا، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِ، وَإِنْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ لَمْ يَكُنْ آثِمًا. فَالْمُكْرَهَةُ عَلَى الْفَاحِشَةِ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِرَجُلٍ، وَقِيلَ لَهُ: إنْ لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِك، وَإِلَّا قَتَلْنَاك، أَوْ مُنِعَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، حَتَّى يُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهِ، وَخَافَ الْهَلَاكَ. فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّمْكِينُ؟ قِيلَ: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَيَصْبِرُ لِلْمَوْتِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ: أَنَّ الْعَارَ الَّذِي يَلْحَقُ الْمَفْعُولَ بِهِ، لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ، وَهُوَ شَرٌّ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ بِالْقَتْلِ، أَوْ مُنِعَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، حَتَّى يَمُوتَ؛ فَإِنَّ هَذَا فَسَادٌ فِي نَفْسِهِ وَعَقْلِهِ وَقَلْبِهِ وَدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَنُطْفَةُ اللُّوطِيِّ مَسْمُومَةٌ، تَسْرِي فِي الرُّوحِ وَالْقَلْبِ، فَتُفْسِدُهَا فَسَادًا عَظِيمًا، قَلَّ أَنْ يُرْجَى مَعَهُ صَلَاحٌ. فَفَسَادُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ رُوحِهِ وَبَدَنِهِ بِالْقَتْلِ، دُونَ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ لَهُ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ - أَنْ يَقْتُلَ مَنْ يُرَاوِدُهُ عَنْ نَفْسِهِ، إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ مَفْسَدَةٍ. وَلَوْ فَعَلَهُ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ بِيعَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ اسْتِدَامَةِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يُعْتَقُ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلٌ قَوِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعِتْقِ بِالْمُثْلَةِ، لَا سِيَّمَا إذَا اسْتَكْرَهَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا جَارٍ مَجْرَى الْمُثْلَةِ. وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ يُتَّهَمُ بِغُلَامِهِ. فَأَرَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ، فَدَبَّرَ غُلَامَهُ فَقَالَ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، إذَا كَانَ فَاجِرًا مُعْلِنًا. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يُبَاحُ لِلْغُلَامِ أَنْ يَهْرُبَ؟ قِيلَ: نَعَمْ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو الطَّرَسُوسِيُّ - فِي كِتَابِ تَحْرِيمِ اللِّوَاطِ: بَابُ إبَاحَةِ الْهَرَبِ لِلْمَمْلُوكِ إذَا أُرِيدَ مِنْهُ هَذَا الْبَلَاءُ - ثُمَّ سَاقَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: " أَنَّ عَبْدًا أَتَاهُ، فَقَالَ: إنِّي مَمْلُوكٌ لِهَؤُلَاءِ، يَأْمُرُونَنِي بِمَا لَا يَصْلُحُ أَوْ نَحْوِهِ. قَالَ: اذْهَبْ فِي الْأَرْضِ ". وَذُكِرَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ الرَّيَّانِ، قَالَ: سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ الْغُلَامِ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَفْضَحُوهُ؟ قَالَ يَمْنَعُ، وَيَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ: أَرَأَيْت إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُنْجِيهِ إلَّا الْقَتْلُ، أَيُقْتَلُ حَتَّى يَنْجُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. انْتَهَى. قُلْت: وَيَكُونُ مُجَاهِدًا إنْ قَتَلَ، وَشَهِيدًا إنْ قُتِلَ. فَإِنَّ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، فَكَيْفَ مَنْ قُتِلَ دُونَ هَذِهِ الْفَاحِشَةِ؟ (فَصْلٌ)

стр. 49

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ امْرَأَةً رُفِعَتْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَدْ زَنَتْ. فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَعَادَتْ ذَلِكَ وَأَيَّدَتْهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: إنَّهَا لَتَسْتَهِلُّ بِهِ اسْتِهْلَالَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَامٌ. فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ. وَهَذَا مِنْ دَقِيقِ الْفِرَاسَةِ. ٢٠ - (فَصْلٌ) وَمِنْ قَضَايَا عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ وُجِدَ فِي خَرِبَةٍ بِيَدِهِ سِكِّينٌ مُتَلَطِّخَةٌ بِدَمٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ قَتِيلٌ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ. فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: أَنَا قَتَلْته، قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاقْتُلُوهُ. فَلَمَّا ذُهِبَ بِهِ أَقْبَلَ رَجُلٌ مُسْرِعًا، فَقَالَ: يَا قَوْمُ، لَا تَعْجَلُوا. رُدُّوهُ إلَى عَلِيٍّ، فَرَدُّوهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا صَاحِبُهُ، أَنَا قَتَلْته. فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْأَوَّلِ: مَا حَمَلَك عَلَى أَنْ قُلْت: أَنَا قَاتِلُهُ، وَلَمْ تَقْتُلْهُ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصْنَعَ؟ وَقَدْ وَقَفَ الْعَسَسُ عَلَى الرَّجُلِ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، وَأَنَا وَاقِفٌ، وَفِي يَدِي سِكِّينٌ، وَفِيهَا أَثَرُ الدَّمِ، وَقَدْ أُخِذْت فِي خَرِبَةٍ؟ فَخِفْت أَلَّا يُقْبَلَ مِنِّي، وَأَنْ يَكُونَ قَسَامَةٌ، فَاعْتَرَفْت بِمَا لَمْ أَصْنَعْ، وَاحْتَسَبْت نَفْسِي عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: بِئْسَمَا صَنَعْت. فَكَيْفَ كَانَ حَدِيثُك؟ قَالَ: إنِّي رَجُلٌ قَصَّابٌ، خَرَجْت إلَى حَانُوتِي فِي الْغَلَسِ، فَذَبَحْت بَقَرَةً وَسَلَخْتهَا. فَبَيْنَمَا أَنَا أَسْلُخُهَا وَالسِّكِّينُ فِي يَدِي أَخَذَنِي الْبَوْلُ. فَأَتَيْت خَرِبَةً كَانَتْ بِقُرْبِي فَدَخَلْتهَا، فَقَضَيْت حَاجَتِي، وَعُدْت أُرِيدُ حَانُوتِي، فَإِذَا أَنَا بِهَذَا الْمَقْتُولِ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ فَرَاعَنِي أَمْرُهُ، فَوَقَفْت أَنْظُرُ إلَيْهِ وَالسِّكِّينُ فِي يَدِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إلَّا بِأَصْحَابِك قَدْ وَقَفُوا عَلَيَّ فَأَخَذُونِي، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا قَتَلَ هَذَا، مَا لَهُ قَاتِلٌ سِوَاهُ. فَأَيْقَنْت أَنَّك لَا تَتْرُكُ قَوْلَهُمْ لِقَوْلِي، فَاعْتَرَفْت بِمَا لَمْ أَجْنِهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْمُقِرِّ الثَّانِي: فَأَنْتَ كَيْفَ كَانَتْ قِصَّتُك؟ فَقَالَ أَغْوَانِي إبْلِيسٌ، فَقَتَلْت الرَّجُلَ طَمَعًا فِي مَالِهِ، ثُمَّ سَمِعْت حِسَّ الْعَسَسِ، فَخَرَجْت مِنْ الْخَرِبَةِ، وَاسْتَقْبَلْت هَذَا الْقَصَّابَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي وَصَفَ، فَاسْتَتَرْت مِنْهُ بِبَعْضِ الْخَرِبَةِ حَتَّى أَتَى الْعَسَسُ، فَأَخَذُوهُ وَأَتَوْك بِهِ. فَلَمَّا أَمَرْتَ بِقَتْلِهِ عَلِمْت أَنِّي سَأَبُوءُ بِدَمِهِ أَيْضًا، فَاعْتَرَفْت بِالْحَقِّ. فَقَالَ لِلْحَسَنِ: مَا الْحُكْمُ فِي، هَذَا؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ نَفْسًا فَقَدْ أَحْيَا نَفْسًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] ، فَخَلَّى عَلِيٌّ عَنْهُمَا، وَأَخْرَجَ دِيَةَ الْقَتِيلِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَهَذَا - إنْ وَقَعَ صُلْحًا بِرِضَا الْأَوْلِيَاءِ - فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ فَالْمَعْرُوفُ مِنْ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ. لِأَنَّ الْجَانِيَ قَدْ اعْتَرَفَ بِمَا يُوجِبُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ، فَيَتَعَيَّنُ اسْتِيفَاؤُهُ.

стр. 50

وَبَعْدُ: فَلِحُكْمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَجْهٌ قَوِيٌّ. وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْقَتْلِ. قَالَ النَّسَائِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَمَّادِ بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ ابْنُ نَصْرٍ عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ امْرَأَةً وَقَعَ عَلَيْهَا رَجُلٌ فِي سَوَادِ الصُّبْحِ - وَهِيَ تَعْمِدُ إلَى الْمَسْجِدِ - بِمَكْرُوهٍ عَلَى نَفْسِهَا، فَاسْتَغَاثَتْ بِرَجُلٍ مَرَّ عَلَيْهَا، وَفَرَّ صَاحِبُهَا. ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهَا ذَوُو عَدَدٍ. فَاسْتَغَاثَتْ بِهِمْ، فَأَدْرَكُوا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَتْ اسْتَغَاثَتْ بِهِ، فَأَخَذُوهُ. وَسَبَقَهُمْ الْآخَرُ، فَجَاءُوا بِهِ يَقُودُونَهُ إلَيْهَا، فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَغَثْتُك، وَقَدْ ذَهَبَ الْآخَرُ. فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا. وَأَخْبَرَ الْقَوْمُ: أَنَّهُمْ أَدْرَكُوهُ يَشْتَدُّ، فَقَالَ: إنَّمَا كُنْتَ أُغِيثُهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَأَدْرَكَنِي هَؤُلَاءِ فَأَخَذُونِي، فَقَالَتْ: كَذَبَ، هُوَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْطَلِقُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ. فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: لَا تَرْجُمُوهُ، وَارْجُمُونِي فَأَنَا الَّذِي فَعَلْت بِهَا الْفِعْلَ، وَاعْتَرَفَ. فَاجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا، وَاَلَّذِي أَغَاثَهَا، وَالْمَرْأَةُ - فَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ غُفِرَ لَك. وَقَالَ لِلَّذِي أَغَاثَهَا قَوْلًا حَسَنًا. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: اُرْجُمْ الَّذِي اعْتَرَفَ بِالزِّنَا. فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَا إنَّهُ قَدْ تَابَ» . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ - فَذَكَرَهُ. وَفِيهِ: «فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُرْجُمْهُ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُمْ» . وَقَالَ أَبُو دَاوُد: ((بَابٌ فِي صَاحِبِ الْحَدِّ يَجِيءُ فَيُقِرُّ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ فَارِسٍ عَنْ الْفِرْيَابِيِّ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ سِمَاكٍ - فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ - وَفِيهِ: «أَلَا تَرْجُمُهُ؟ قَالَ: لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَقُبِلَتْ مِنْهُمْ» . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا اُسْتُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَا " حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنْبَأَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّقِّيُّ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «اُسْتُكْرِهَتْ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَرَأَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَدَّ، وَأَقَامَهُ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا» . وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَهْرًا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. لَيْسَ إسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ. وَسَمِعْت مُحَمَّدًا يَقُولُ: عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنُ حُجْرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَلَا أَدْرَكَهُ، يُقَالُ: إنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ بِأَشْهُرٍ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ:

стр. 51

أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَكْرَهِ حَدٌّ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ عَنْ الْفِرْيَابِيِّ عَنْ سِمَاكٍ عَنْهُ: وَلَفْظُهُ: «أَنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُرِيدُ الصَّلَاةَ فَتَلَقَّاهَا رَجُلٌ فَتَجَلَّلَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا. فَصَاحَتْ، فَانْطَلَقَ. وَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ، فَقَالَتْ: إنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا. وَمَرَّتْ بِعِصَابَةٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَتْ: إنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، فَانْطَلَقُوا فَأَخَذُوا الرَّجُلَ الَّذِي ظَنَّتْ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا. فَأَتَوْهَا بِهِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ هُوَ هَذَا، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَمَرَ بِهِ لِيُرْجَمَ قَامَ صَاحِبُهَا الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَا صَاحِبُهَا. فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك. وَقَالَ لِلرَّجُلِ قَوْلًا حَسَنًا: وَقَالَ لِلَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا: اُرْجُمُوهُ. وَقَالَ: لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُمْ» . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحٌ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ. وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ. وَعَبْدُ الْجَبَّارِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ. قُلْت: هَذَا الْحَدِيثُ إسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ لِهَذَا الِاضْطِرَابِ الَّذِي وَقَعَ فِي مَتْنِهِ. وَالْحَدِيثُ يَدُورُ عَلَى سِمَاكٍ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي رَجْمِ الْمُعْتَرِفِ، فَقَالَ أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ سِمَاكٍ: " فَأَبَى أَنْ يَرْجُمَهُ " وَرِوَايَةُ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد ظَاهِرَةٌ فِي ذَلِكَ. وَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ رَجَمَهُ. وَهَذَا الِاضْطِرَابُ: إمَّا مِنْ سِمَاكٍ - وَهُوَ الظَّاهِرُ - وَإِمَّا مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ. وَالْأَشْبَهُ: أَنَّهُ لَمْ يَرْجُمْهُ، كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيِّ وَأَبُو دَاوُد. وَلَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَ ذَلِكَ، وَرُوَاتُهُ حَفِظُوا: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ رَجْمَهُ فَأَبَى، وَقَالَ: لَا " وَاَلَّذِي قَالَ: " إنَّهُ أَمَرَ بِرَجْمِهِ " إمَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى عَلَى الْمُعْتَادِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ بِرَجْمِ الَّذِي جَاءُوا بِهِ أَوَّلًا، فَوَهَمَ، وَقَالَ: إنَّهُ أَمَرَ بِرَجْمِ الْمُعْتَرِفِ. وَأَيْضًا فَاَلَّذِينَ رَجَمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الزِّنَا مَضْبُوطُونَ مَعْدُودُونَ، وَقِصَصُهُمْ مَحْفُوظَةٌ مَعْرُوفَةٌ. وَهُمْ سِتَّةُ نَفَرٍ: الْغَامِدِيَّةُ، وَمَاعِزٌ، وَصَاحِبَةُ الْعَسِيفِ، وَالْيَهُودِيَّانِ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ رَاوِيَ الرَّجْمِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ اسْتَبْعَدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اعْتَرَفَ بِالزِّنَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَرْجُمْهُ وَعَلِمَ أَنَّ مِنْ هَدْيِهِ: رَجْمَ الزَّانِي. فَقَالَ: " وَأَمَرَ بِرَجْمِهِ "، فَإِنْ قِيلَ: فَحَدِيثُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَقَدْ ذُكِرَ " أَنَّهُ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا ".

стр. 52

قِيلَ: لَا يَدُلُّ لَفْظُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ دَلَّ، فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَمْ يَسْمَعْهُ حَجَّاجٌ مِنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَلَا سَمِعَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ مِنْ أَبِيهِ. حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنْهُ، عَلَى أَنَّ فِي قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: " إنَّ عَبْدَ الْجَبَّارِ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ بِأَشْهُرٍ " نَظَرًا. فَإِنَّ مُسْلِمًا رَوَى فِي صَحِيحِهِ " عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: " كُنْت غُلَامًا لَا أَعْقِلُ صَلَاةَ أَبِي. .. " الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ فِي تَرْكِ رَجْمِهِ - مَعَ الِاعْتِرَافِ - مَا يُخَالِفُ أُصُولَ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَابَ بِنَصِّ النَّبِيِّ ﷺ . وَمَنْ تَابَ مِنْ حَدٍّ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فِي الْمُحَارِبِ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى مَنْ دُونَهُ، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّحَابَةِ لَمَّا فَرَّ مَاعِزٌ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ، فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؟» . فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِأَمْرِهِ بِرَجْمِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي ظَهَرَتْ بَرَاءَتُهُ، وَلَمْ يُقِرَّ، وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، بَلْ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهِ؟ قِيلَ: هَذَا - لَعَمْرُ اللَّهِ - هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ شَافٍ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُقِرَّ، بَلْ قَالَ: " أَنَا الَّذِي أَغَثْتُهَا ". فَيُقَالُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: إنَّ هَذَا مِثْلُ إقَامَةِ الْحَدِّ بِاللَّوْثِ الظَّاهِرِ الْقَوِيِّ، فَإِنَّهُ أُدْرِكَ وَهُوَ يَشْتَدُّ هَارِبًا بَيْنَ أَيْدِي الْقَوْمِ؛ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْمَرْأَةِ، وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُغِيثًا لَهَا، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: هُوَ هَذَا، وَهَذَا لَوْثٌ ظَاهِرٌ. وَقَدْ أَقَامَ الصَّحَابَةُ حَدَّ الزِّنَا وَالْخَمْرِ بِاللَّوْثِ الَّذِي هُوَ نَظِيرُ هَذَا أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ؛ وَهُوَ الْحَمْلُ، وَالرَّائِحَةُ وَجَوَّزَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى عَيْنِ الْقَاتِلِ - وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ - لِلَوْثٍ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِمْ. فَلَمَّا انْكَشَفَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ تَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ: أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَحُكِمَ بِرَجْمِهِ، فَإِذَا هِيَ عَذْرَاءُ؛ أَوْ ظَهَرَ كَذِبُهُمْ، فَإِنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ عَنْهُ، وَلَوْ حُكِمَ بِهِ، فَهَذَا مَا ظَهَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْأَحَادِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَرَأْت فِي كِتَابِ أَقْضِيَةِ عَلِيٍّ " ﵁ بِغَيْرِ إسْنَادٍ - " أَنَّ امْرَأَةً رُفِعَتْ إلَى عَلِيٍّ،

стр. 53

وَشُهِدَ عَلَيْهَا: أَنَّهَا قَدْ بَغَتْ، وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهَا أَنَّهَا كَانَتْ يَتِيمَةً عِنْدَ رَجُلٍ، وَكَانَ لِلرَّجُلِ امْرَأَةٌ؛ وَكَانَ كَثِيرَ الْغَيْبَةِ عَنْ أَهْلِهِ. فَشَبَّتْ الْيَتِيمَةُ، فَخَافَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا زَوْجُهَا؛ فَدَعَتْ نِسْوَةً حَتَّى أَمْسَكْنَهَا. فَأَخَذَتْ عُذْرَتَهَا بِأُصْبُعِهَا؛ فَلَمَّا قَدِمَ زَوْجُهَا مِنْ غَيْبَتِهِ رَمَتْهَا الْمَرْأَةُ بِالْفَاحِشَةِ، وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ مِنْ جَارَاتِهَا اللَّوَاتِي سَاعَدْنَهَا عَلَى ذَلِكَ. فَسَأَلَ الْمَرْأَةَ: أَلَك شُهُودٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. هَؤُلَاءِ جَارَاتِي يَشْهَدْنَ بِمَا أَقُولُ. فَأَحْضَرَهُنَّ عَلِيٌّ، وَأَحْضَرَ السَّيْفَ، وَطَرَحَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُنَّ. فَأَدْخَلَ كُلَّ امْرَأَةٍ بَيْتًا؛ فَدَعَا امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَأَدَارَهَا بِكُلِّ وَجْهٍ؛ فَلَمْ تَزُلْ عَنْ قَوْلِهَا. فَرَدَّهَا إلَى الْبَيْتِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ. وَدَعَا بِإِحْدَى الشُّهُودِ، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. وَقَالَ: قَدْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ مَا قَالَتْ، وَرَجَعَتْ إلَى الْحَقِّ، وَأَعْطَيْتهَا الْأَمَانَ؛ وَإِنْ لَمْ تُصْدِقِينِي لَأَفْعَلَنَّ، وَلَأَفْعَلَنَّ. فَقَالَتْ: لَا وَاَللَّهِ، مَا فَعَلْت، إلَّا أَنَّهَا رَأَتْ جَمَالًا وَهَيْبَةً، فَخَافَتْ فَسَادَ زَوْجِهَا؛ فَدَعَتْنَا وَأَمْسَكْنَاهَا لَهَا، حَتَّى افْتَضَّتْهَا بِأُصْبُعِهَا؛ قَالَ عَلِيٌّ: اللَّهُ أَكْبَرُ؛ أَنَا أَوَّلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّاهِدِينَ. فَأَلْزَمَ الْمَرْأَةَ حَدَّ الْقَذْفِ؛ وَأَلْزَمَ النِّسْوَةَ جَمِيعًا الْعُقْرَ، وَأَمَرَ الرَّجُلَ أَنْ يُطَلِّقَ الْمَرْأَةَ، وَزَوَّجَهُ الْيَتِيمَةَ، وَسَاقَ إلَيْهَا الْمَهْرَ مِنْ عِنْدِهِ. ثُمَّ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ دَانْيَالَ كَانَ يَتِيمًا، لَا أَبَ لَهُ وَلَا أُمَّ، وَأَنَّ عَجُوزًا مِنْ بَنْيِ إسْرَائِيلَ ضَمَّتْهُ وَكَفَلَتْهُ، وَأَنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ بَنْيِ إسْرَائِيلَ كَانَ لَهُ قَاضِيَانِ. وَكَانَتْ امْرَأَةً مَهِيبَةً جَمِيلَةً، تَأْتِي الْمَلِكَ فَتُنَاصِحُهُ وَتَقُصُّ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْقَاضِيَيْنِ عَشِقَاهَا. فَرَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ، فَشَهِدَا عَلَيْهَا عِنْدَ الْمَلِكِ أَنَّهَا بَغَتْ. فَدَخَلَ الْمَلِكَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ فَاشْتَدَّ غَمُّهُ، وَكَانَ بِهَا مُعْجَبًا. فَقَالَ لَهُمَا: إنَّ قَوْلَكُمَا مَقْبُولٌ، وَأَجَلُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَرْجُمُونَهَا. وَنَادَى فِي الْبَلَدِ: اُحْضُرُوا رَجْمَ فُلَانَةَ، فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الْمَلِكُ لِثِقَتِهِ: هَلْ عِنْدَك مِنْ حِيلَةٍ؟ فَقَالَ: مَاذَا عَسَى عِنْدِي؟ - يَعْنِي وَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهَا الْقَاضِيَانِ - فَخَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَإِذَا هُوَ بِغِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ، وَفِيهِمْ دَانْيَالُ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ دَانْيَالُ: يَا مَعْشَرَ الصِّبْيَانِ تَعَالَوْا حَتَّى أَكُونَ أَنَا الْمَلِكُ، وَأَنْتَ يَا فُلَانُ الْمَرْأَةُ الْعَابِدَةُ، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ الْقَاضِيَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهَا. ثُمَّ جَمَعَ تُرَابًا وَجَعَلَ سَيْفًا مِنْ قَصَبٍ، وَقَالَ لِلصِّبْيَانِ: خُذُوا بِيَدِ هَذَا الْقَاضِي إلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَفَعَلُوا، ثُمَّ دَعَا الْآخَرَ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ الْحَقَّ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ قَتَلْتُك، بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ؟ - وَالْوَزِيرُ وَاقِفٌ يَنْظُرُ وَيَسْمَعُ - فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّهَا بَغَتْ، قَالَ: مَتَى؟ قَالَ: فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: مَعَ مَنْ؟ قَالَ: مَعَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ. قَالَ: فِي أَيِّ مَكَان؟ قَالَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: رُدُّوهُ إلَى مَكَانِهِ، وَهَاتُوا الْآخَرَ. فَرَدُّوهُ إلَى مَكَانِهِ، وَجَاءُوا بِالْآخَرِ، فَقَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ؟ قَالَ: بَغَتْ. قَالَ: مَتَى؟ قَالَ: يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: مَعَ مَنْ؟ قَالَ: مَعَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، قَالَ:

стр. 54

وَأَيْنَ؟ قَالَ: فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَخَالَفَ صَاحِبَهُ، فَقَالَ دَانْيَالُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، شَهِدَا عَلَيْهَا وَاَللَّهِ بِالزُّورِ، فَاحْضُرُوا قَتْلَهُمَا. فَذَهَبَ الثِّقَةُ إلَى الْمَلِكِ مُبَادِرًا، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَبَعَثَ إلَى الْقَاضِيَيْنِ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وَفَعَلَ بِهِمَا مَا فَعَلَ دَانْيَالُ. فَاخْتَلَفَا كَمَا اخْتَلَفَ الْغُلَامَانِ. فَنَادَى الْمَلِكُ فِي النَّاسِ: أَنْ اُحْضُرُوا قَتْلَ الْقَاضِيَيْنِ، فَقَتَلَهُمَا. [فَصَلِّ فِي الحبس فِي الدِّين] ٢١ - (فَصْلٌ) وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ لَا يَحْبِسُ فِي الدَّيْنِ، وَيَقُولُ: " إنَّهُ ظُلْمٌ ". قَالَ أَبُو دَاوُد فِي غَيْرِ كِتَابِ السُّنَنِ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِي ابْنَ مُعَاوِيَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: " حَبْسُ الرَّجُلِ فِي السِّجْنِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ ظُلْمٌ ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " حَبْسُ الرَّجُلِ فِي السِّجْنِ بَعْدَ أَنْ يُعْلَمَ مَا عَلَيْهِ ظُلْمٌ ". وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقُولُ: " حَبْسُ الرَّجُلِ فِي السِّجْنِ بَعْدَ أَنْ يُعْلَمَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ ظُلْمٌ ". وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: " إنَّ عَلِيًّا كَانَ إذَا جَاءَهُ الرَّجُلُ بِغَرِيمِهِ، قَالَ: لِي عَلَيْهِ كَذَا. يَقُولُ: اقْضِهِ فَيَقُولُ: مَا عِنْدِي مَا أَقْضِيهِ، فَيَقُولُ: غَرِيمُهُ: إنَّهُ كَاذِبٌ، وَإِنَّهُ غَيَّبَ مَالَهُ. فَيَقُولُ: هَلُمَّ بَيِّنَةً عَلَى مَالِهِ يُقْضَى لَك عَلَيْهِ. فَيَقُولُ: إنَّهُ غَيَّبَهُ. فَيَقُولُ: اسْتَحْلِفْهُ بِاَللَّهِ مَا غَيَّبَ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ: لَا أَرْضَى بِيَمِينِهِ. فَيَقُولُ: فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تَحْبِسَهُ لِي، فَيَقُولُ: لَا أُعِينُك عَلَى ظُلْمِهِ، وَلَا أَحْبِسُهُ، قَالَ: إذَنْ أَلْزَمُهُ، فَيَقُولُ: إنْ لَزِمْته كُنْتَ ظَالِمًا لَهُ، وَأَنَا حَائِلٌ بَيْنَك وَبَيْنَهُ ". قُلْت: هَذَا الْحُكْمُ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ مَالِيٍّ، كَالْإِتْلَافِ وَالضَّمَانِ وَالْمَهْرِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يَحِلُّ حَبْسُهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْغَرِيمِ: إنَّهُ مَلِيءٌ، وَإِنَّهُ غَيَّبَ مَالَهُ. قَالُوا: وَكَيْف يُقْبَلُ قَوْلُ غَرِيمِهِ عَلَيْهِ، وَلَا أَصْلَ هُنَاكَ يَسْتَصْحِبُهُ وَلَا عِوَضَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ. وَأَمَّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا الدَّيْنَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ عَنْ عِوَضٍ مَالِيٍّ، كَالْقَرْضِ، وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِمَا. وَقِسْمٌ لَزِمَهُ بِالْتِزَامِهِ، كَالْكَفَالَةِ وَالْمَهْرِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ وَنَحْوِهِ، وَقِسْمٌ لَزِمَهُ بِغَيْرِ

стр. 55

الْتِزَامِهِ، وَلَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ، كَبَدَلِ الْمُتْلَفِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ، وَإِعْتَاقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَنَحْوِهِ. فَفِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ: يُسْأَلُ الْمُدَّعِي عَنْ إعْسَارِ غَرِيمِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِإِعْسَارِهِ لَمْ يُحْبَسْ لَهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ إعْسَارَهُ، وَسَأَلَ حَبْسَهُ: حُبِسَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ عِوَضِ الدَّيْنِ عِنْدَهُ، وَالْتِزَامَهُ لِلْقَسَمِ الْآخَرِ بِاخْتِيَارِهِ: يَدُلُّ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ وَهَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَةٌ بِالْإِعْسَارِ قَبْلَ الْحَبْسِ أَوْ بَعْدَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ. وَإِذَا قِيلَ: لَا تُسْمَعُ إلَّا بَعْدَ الْحَبْسِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَكُونُ مُدَّةُ الْحَبْسِ شَهْرًا، وَقِيلَ: اثْنَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ، وَقِيلَ: سِتَّةٌ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ، وَأَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْحَاكِمِ. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ: أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَظْهَرَ بِقَرِينَةٍ أَنَّهُ قَادِرٌ مُمَاطِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ دَيْنُهُ عَنْ عِوَضٍ أَوْ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَسَوَاءٌ لَزِمَهُ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. فَإِنَّ الْحَبْسَ عُقُوبَةٌ، وَالْعُقُوبَةَ إنَّمَا تَسُوغُ بَعْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِهَا، وَهِيَ مِنْ جِنْسِ الْحُدُودِ، فَلَا يَجُوزُ إيقَاعُهَا بِالشُّبْهَةِ، بَلْ يَتَثَبَّتُ الْحَاكِمُ، وَيَتَأَمَّلُ حَالَ الْخَصْمِ، وَيَسْأَلُ عَنْهُ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ مَطْلُهُ وَظُلْمُهُ ضَرَبَهُ إلَى أَنْ يُوفِيَ أَوْ يَحْبِسُهُ، وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ عَجْزُهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَوْ أَنْكَرَ غَرِيمُهُ إعْسَارَهُ، فَإِنَّ عُقُوبَةَ الْمَعْذُورِ شَرْعًا ظُلْمٌ. وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ مِنْ حَالِهِ شَيْءٌ أَخَّرَهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ حَالُهُ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي دَيْنَهُ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إذَا أَخَذُوا مَا وَجَدُوهُ إلَّا ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُمْ حَبْسُهُ وَلَا مُلَازَمَتُهُ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَبْسَ مِنْ جِنْسِ الضَّرْبِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَشَدَّ مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ الْغَرِيمُ لِلْحَاكِمِ: اضْرِبْهُ إلَى أَنْ يُحْضِرَ الْمَالَ، لَمْ يُجِبْهُ إلَى ذَلِكَ فَكَيْفَ يُجِيبُهُ إلَى الْحَبْسِ الَّذِي هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَشَدُّ. وَلَمْ يَحْبِسْ الرَّسُولُ ﷺ طُولَ مُدَّتِهِ أَحَدًا فِي دَيْنٍ قَطُّ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ ﵃؛ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ عَلِيٍّ ﵁.

стр. 56

قَالَ شَيْخُنَا ﵀: وَكَذَلِكَ لَمْ يَحْبِسْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ زَوْجًا فِي صَدَاقِ امْرَأَتِهِ أَصْلًا. وَفِي رِسَالَةِ اللَّيْثِ إلَى مَالِكٍ - الَّتِي رَوَاهَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ الْحَافِظُ فِي تَارِيخِهِ " عَنْ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ: هَذِهِ رِسَالَةُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ إلَى مَالِكٍ فَذَكَرَهَا إلَى أَنْ قَالَ: " وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقْضُونَ فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ، أَنَّهَا مَتَى شَاءَتْ أَنْ تُكَلِّمَ فِي مُؤَخَّرِ صَدَاقِهَا تَكَلَّمَتْ، فَيَدْفَعَ إلَيْهَا. وَقَدْ وَافَقَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ مِصْرَ وَلَمْ يَقْضِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مَنْ بَعْدَهُ لِامْرَأَةٍ بِصَدَاقِهَا الْمُؤَخَّرِ، إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ طَلَاقٌ، فَتَقُومَ عَلَى حَقِّهَا. قُلْت: مُرَادُهُ بِالْمُؤَخَّرِ: الَّذِي أُخِّرَ قَبْضُهُ عَنْ الْعَقْدِ، فَتُرِكَ مُسَمًّى، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ: الْمُؤَجَّلَ. فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُطَالِبُ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ، بَلْ هُوَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ: مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْمَهْرِ إلَى الْمَرْأَةِ، وَإِرْجَاءِ الْبَاقِي، كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَقَدْ دَخَلَتْ الزَّوْجَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ عَلَى تَأْخِيرِهِ إلَى الْفُرْقَةِ، وَعَدَمِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ مَا دَامَا مُتَّفِقَيْنِ. وَلِذَلِكَ لَا تُطَالِبُ بِهِ إلَّا عِنْدَ الشَّرِّ وَالْخُصُومَةِ، أَوْ تَزَوُّجِهِ بِغَيْرِهَا، وَاَللَّهُ يَعْلَمُ - وَالزَّوْجُ وَالشُّهُودُ وَالْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ - أَنَّ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ لَمْ يَدْخُلَا إلَّا عَلَى ذَلِكَ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يُسَمِّي صَدَاقًا تَتَجَمَّلُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَأَهْلُهَا، وَيَعِدُونَهُ - بَلْ يَحْلِفُونَ لَهُ - أَنَّهُمْ لَا يُطَالِبُونَ بِهِ. فَهَذَا لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْمَرْأَةِ بِهِ قَبْلَ الطَّلَاقِ، أَوْ الْمَوْتِ، وَلَا يُطَالَبُ بِهِ الزَّوْجُ وَلَا يُحْبَسُ بِهِ أَصْلًا، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهَا إنَّمَا تُطَالِبُ بِهِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ أَوْ الْمَوْتِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا تَقُومُ مَصْلَحَةُ النَّاسِ إلَّا بِهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَمِنْ حِينِ سُلِّطَ النِّسَاءُ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِالصَّدَقَاتِ الْمُؤَخَّرَةِ، وَحَبْسِ الْأَزْوَاجِ عَلَيْهَا، حَدَثَ مِنْ الشُّرُورِ وَالْفَسَادِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. وَصَارَتْ الْمَرْأَةُ إذَا أَحَسَّتْ مِنْ زَوْجِهَا بِصِيَانَتِهَا فِي الْبَيْتِ، وَمَنْعِهَا مِنْ الْبُرُوزِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ وَالذَّهَابِ حَيْثُ شَاءَتْ: تَدَّعِي بِصَدَاقِهَا، وَتَحْبِسُ الزَّوْجَ عَلَيْهِ، وَتَنْطَلِقُ حَيْثُ شَاءَتْ، فَيَبِيتُ الزَّوْجُ وَيَظَلُّ يَتَلَوَّى فِي الْحَبْسِ، وَتَبِيتُ الْمَرْأَةُ فِيمَا تَبِيتُ فِيهِ فَإِنْ قِيلَ فَالشَّرْطُ إنَّمَا يَكْتُبُهُ حَالًّا فِي ذِمَّتِهِ تُطَالِبُهُ بِهِ مَتَى شَاءَتْ. قِيلَ: لَا عِبْرَةَ بِهَذَا بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ، وَأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ عَرَفَ أَنَّ هَذَا دَيْنٌ حَالٌّ تُطَالِبُهُ بِهِ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ، وَتَحْبِسُهُ عَلَيْهِ: لَمْ يُقْدِمْ عَلَى ذَلِكَ أَبَدًا، وَإِنَّمَا دَخَلُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُسَمًّى، تَتَجَمَّلُ بِهِ الْمَرْأَةُ، وَالْمَهْرُ هُوَ مَا سَاقَ إلَيْهَا، فَإِنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا طَلَاقٌ أَوْ مَوْتٌ، طَالَبَتْهُ بِذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي نَظَرِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ وَعَوَائِدِهِمْ، وَلَا تَسْتَقِيمُ أُمُورُهُمْ إلَّا بِهِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

стр. 57

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الْحَبْسَ فِي الدَّيْنِ مِنْ جِنْسِ الضَّرْبِ بِالسِّيَاطِ وَالْعِصِيِّ فِيهِ، وَذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَا تَسُوغُ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ وَلَا تَسُوغُ بِالشُّبْهَةِ، بَلْ سُقُوطُهَا بِالشُّبْهَةِ أَقْرَبُ إلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ مِنْ ثُبُوتِهَا بِالشُّبْهَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الَأَصْبَغُ بْنُ نَبَاتَةَ: بَيْنَمَا عَلِيٌّ ﵁ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِهِ، إذْ سَمِعَ ضَجَّةً، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: رَجُلٌ سَرَقَ، وَمَعَهُ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِمْ، فَدَخَلُوا، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَيْهِ: أَنَّهُ سَرَقَ دِرْعًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي، وَيُنَاشِدُ عَلِيًّا أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي أَمْرِهِ. فَخَرَجَ عَلِيٌّ إلَى مُجْتَمَعِ النَّاسِ بِالسُّوقِ، فَدَعَا بِالشَّاهِدَيْنِ فَنَاشَدَهُمَا اللَّهَ وَخَوَّفَهُمَا، فَأَقَامَا عَلَى شَهَادَتِهِمَا. فَلَمَّا رَآهُمَا لَا يَرْجِعَانِ دَعَا بِالسِّكِّينِ وَقَالَ: لِيُمْسِكْ أَحَدُكُمَا يَدَهُ وَيَقْطَعْ الْآخَرُ، فَتَقَدَّمَا لِيَقْطَعَاهُ، فَهَاجَ النَّاسُ، وَاخْتَلَطَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَقَامَ عَلِيٌّ عَنْ الْمَوْضِعِ. فَأَرْسَلَ الشَّاهِدَانِ يَدَ الرَّجُلِ وَهَرَبَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى الشَّاهِدَيْنِ الْكَاذِبَيْنِ؟ فَلَمْ يُوقَفْ لَهُمَا عَلَى خَبَرٍ، فَخَلَّى سَبِيلَ الرَّجُلِ. وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْفِرَاسَةِ، وَأَصْدَقِهَا، فَإِنَّهُ وَلَّى الشَّاهِدَيْنِ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيَا، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَقْطَعَا بِأَيْدِيهِمَا مَنْ قَطَعَا يَدَهُ بِأَلْسِنَتِهِمَا، وَمِنْ هَاهُنَا قَالُوا: إنَّهُ يَبْدَأُ الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ إذَا شَهِدُوا بِالزِّنَا. وَجَاءَتْ إلَى عَلِيٍّ ﵁ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إنَّ زَوْجِي وَقَعَ عَلَى جَارِيَتِي بِغَيْرِ أَمْرِي، فَقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: مَا وَقَعْت عَلَيْهَا إلَّا بِأَمْرِهَا، فَقَالَ: إنْ كُنْتِ صَادِقَةً رَجَمْته، وَإِنْ كُنْت كَاذِبَةً جَلَدْتُكِ الْحَدَّ، وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، وَقَامَ لِيُصَلِّيَ، فَفَكَّرَتْ الْمَرْأَةُ فِي نَفْسِهَا، فَلَمْ تَرَ لَهَا فَرَجًا فِي أَنْ يُرْجَمَ زَوْجُهَا وَلَا فِي أَنْ تُجْلَدَ، فَوَلَّتْ ذَاهِبَةً، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهَا عَلِيٌّ. ٢٢ - (فَصْلٌ) وَمِنْ الْمَنْقُولِ عَنْ كَعْبِ بْنِ سَوْرٍ، قَاضِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ اخْتَصَمَ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ، فَانْقَلَبَتْ إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ عَلَى أَحَدِ الصَّبِيَّيْنِ فَقَتَلَتْهُ، فَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْبَاقِيَ، فَقَالَ كَعْبٌ: لَسْتُ بِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد، ثُمَّ دَعَا بِتُرَابٍ نَاعِمٍ فَفَرَشَهُ، ثُمَّ أَمَرَ الْمَرْأَتَيْنِ فَوَطِئَتَا عَلَيْهِ. ثُمَّ مَشَى الصَّبِيُّ عَلَيْهِ. ثُمَّ دَعَا الْقَائِفَ، فَقَالَ: اُنْظُرْ فِي هَذِهِ الْأَقْدَامِ، فَأَلْحَقَهُ بِإِحْدَاهُمَا. قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: وَأَتَى صَاحِبُ عَيْنِ هَجَرٍ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ لِي عَيْنًا، فَاجْعَلْ لِي خَرَاجَ مَا تَسْقِي، قَالَ: هُوَ لَك، فَقَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَفِيضُ مَاؤُهُ عَنْ أَرْضِهِ، فَيَسِيحُ فِي أَرَاضِيِ النَّاسِ، وَلَوْ حُبِسَ مَاؤُهُ فِي أَرْضِهِ لَغَرِقَتْ، فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِأَرْضِهِ وَلَا بِمَائِهِ، فَمُرْهُ فَلْيَحْبِسْ مَاءَهُ عَنْ أَرَاضِي النَّاسِ إنْ كَانَ صَادِقًا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْبِسَ مَاءَك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَكَانَتْ هَذِهِ لِكَعْبٍ. [فَصَلِّ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الرَّجُل الْوَاحِد] (فَصْلٌ)

стр. 58

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ إذَا عَرَفَ صِدْقَهُ، فِي غَيْرِ الْحُدُودِ، وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَلَّا يَحْكُمُوا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا أُمِرَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَحْفَظَ حَقَّهُ بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَبِالشَّاهِدِ فَقَطْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ» رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ هِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ شَبَابَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْهُ، وَقَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ» . رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ ". قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَالزَّبِيبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵄، وَالْقَاضِي الْعَدْلُ شُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا هُوَ السُّنَّةُ الْمَعْرُوفَةُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَذَلِكَ مِنْ السُّنَنِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِنْ الرِّوَايَةِ وَالْحَدِيثِ.

стр. 59

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاقْتِصَاصًا لِأَثَرِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ عِنْدَ مَنْ فَهِمَهُ، وَلَا بَيْنَ حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ اخْتِلَافٌ، إنَّمَا هُوَ غَلَطٌ فِي التَّأْوِيلِ، حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا ذِكْرَ الْيَمِينِ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرًا، فَظَنُّوهُ خِلَافًا. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ: لَوْ كَانَ اللَّهُ حَظَرَ الْيَمِينَ فِي ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْيَمِينِ، إنَّمَا أَثْبَتَهَا فِي الْكِتَابِ - إلَى أَنْ قَالَ: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَأَمْسَكَ. ثُمَّ فَسَّرَتْ السُّنَّةُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ. وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُفَسِّرَةٌ لِلْقُرْآنِ وَمُتَرْجِمَةٌ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ. كَقَوْلِهِ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَ: «الرَّجْمُ عَلَى الْمُحْصَنِ» . وَ «النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا» وَ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَ «قَطْعُ الْمُوَارَثَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ

стр. 60

وَأَهْلِ الْكُفْرِ» . وَ «إيجَابُهُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: مَسِيسَ الزَّوْجِ الْآخَرِ» فِي شَرَائِعَ كَثِيرَةٍ، لَا يُوجَدُ لَفْظُهَا فِي ظَاهِرِ الْكِتَابِ. وَلَكِنَّهَا سُنَنٌ شَرَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَعَلَى الْأُمَّةِ اتِّبَاعُهَا، كَاتِّبَاعِ الْكِتَابِ. وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ لَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمَا، وَإِنَّمَا فِي الْكِتَابِ: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ إذَا وُجِدَتَا، فَإِذَا عُدِمَتَا قَامَتْ الْيَمِينُ مَقَامَهُمَا، كَمَا عُلِمَ حِينَ مَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] مَعْنَاهُ: أَنْ تَكُونَ الْأَقْدَامُ بَادِيَةً. وَكَذَلِكَ لَمَّا رَجَمَ الْمُحْصَنَ فِي الزِّنَا: عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] لِلْبِكْرَيْنِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ السُّنَنِ عَلَى هَذَا فَمَا بَالُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينُ تَرِدُ مِنْ بَيْنِهَا؟ وَإِنَّمَا هِيَ ثَلَاثُ مَنَازِلَ فِي شَهَادَاتِ الْأَمْوَالِ، اثْنَتَانِ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَوَاحِدَةٌ بِتَفْسِيرِ السُّنَّةِ لَهُ. فَالْمَنْزِلَةُ الْأُولَى: الرَّجُلَانِ. وَالثَّانِيَةُ: الرَّجُلُ وَالْمَرْأَتَانِ. وَالثَّالِثَةُ: الرَّجُلُ وَالْيَمِينُ. فَمَنْ أَنْكَرَ هَذِهِ لَزِمَهُ إنْكَارُ كُلِّ شَيْءٍ ذَكَرْنَاهُ، لَا يَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَيُقَالُ لِمَنْ أَنْكَرَ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ: مَا تَقُولُ فِي الْخَصْمِ يَشْهَدُ لَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَتَانِ، وَهُوَ وَاجِدٌ لِرَجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ لَهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: الشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ. قِيلَ: لَيْسَ هَذَا أَوْلَى بِالْخِلَافِ، وَقَدْ اشْتَرَطَ الْقُرْآنُ فِيهِ أَلَّا يَكُونَ لِلْمَرْأَتَيْنِ شَهَادَةٌ إلَّا مَعَ فَقْدِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، فَإِنَّهُ

стр. 61

سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلَمْ يَقُلْ: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ. فَيَكُونُ فِيهِ الْخِيَارُ، كَمَا جَعَلَهُ فِي الْفِدْيَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَمِثْلُ مَا جَعَلَهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِإِطْعَامِ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كُسْوَتِهِمْ أَوْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ فَهَذِهِ أَحْكَامُ الْخِيَارِ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي آيَةِ الدَّيْنِ. وَلَكِنَّهُ قَالَ فِيهَا كَمَا قَالَ فِي آيَةِ الْفَرَائِضِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَقَوْلُهُ هَاهُنَا: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ﴾ [النساء: ١٢] كَقَوْلِهِ فِي آيَةِ الشَّهَادَةِ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] كَذَلِكَ قَالَ فِي آيَةِ الطُّهُورِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وَفِي آيَةِ الظِّهَارِ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] وَكَذَلِكَ فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ: أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُجْزِئُ الْوَاجِدَ. فَأَيُّ الْحُكْمَيْنِ أَوْلَى بِالْخِلَافِ: هَذَا أَمْ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مِنْ اللَّهِ اشْتِرَاطُ مَنْعٍ، إنَّمَا سَكَتَ عَنْهُ، ثُمَّ فَسَّرَتْهُ السُّنَّةُ؟ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ وَجَدْنَا فِي حُكْمِهِمْ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُهُمْ فِي رَضَاعِ الْيَتِيمِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ، وَلَهُ خَالٌ وَابْنُ عَمٍّ مُوسِرَانِ: إنَّ الْخَالَ يُجْبَرُ عَلَى رَضَاعِهِ، لِأَنَّهُ مَحْرَمٌ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ التَّنْزِيلُ غَيْرَهُ فَقَالَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ لَا مِيرَاثَ لِلْخَالِ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ، ثُمَّ لَمْ نَجِدْ هَذَا الْحُكْمَ فِي السُّنَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ وَجَدْنَا الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فِي آثَارٍ مُتَوَاتِرَةٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمِنْ التَّابِعِينَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ قَوْلًا أَسْرَفَ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ، قَالَ: أَرُدُّ حُكْمَ مَنْ حَكَمَ بِهَا، لِأَنَّهُ خَالَفَ الْقُرْآنَ. فَقُلْت لَهُ: اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت: أَحَتْمٌ مِنْ اللَّهِ أَلَّا يَجُوزَ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ؟ قَالَ: فَإِنْ قُلْته؟ قُلْت: فَقُلْهُ. قَالَ: قَدْ قُلْته. قُلْت وَتُحَدِّدُ فِي الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ أَمَرَ اللَّهُ بِهِمَا حَدًّا؟ قَالَ: نَعَمْ، حُرَّانِ مُسْلِمَانِ بَالِغَانِ عَدْلَانِ. قُلْت: وَمَنْ حَكَمَ بِدُونِ مَا قُلْت خَالَفَ حُكْمَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت لَهُ: إنْ كَانَ كَمَا زَعَمْت، خَالَفْت حُكْمَ اللَّهِ، قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْت: أَجَزْتُ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهُمْ غَيْرُ الَّذِينَ شَرَطَ اللَّهُ أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ. وَأَجَزْت شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا عَلَى الْوِلَادَةِ، وَهَذَانِ وَجْهَانِ أَعْطَيْت بِهِمَا مِنْ جِهَةِ الشَّهَادَةِ، ثُمَّ أَعْطَيْت بِغَيْرِ شَهَادَةٍ فِي الْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا. قُلْت: وَالْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ لَيْسَ يُخَالِفُ حُكْمَ اللَّهِ، بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ اللَّهِ، إذْ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى طَاعَةَ رَسُولِهِ، فَإِنْ اتَّبَعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قُبِلَتْ، كَمَا قُبِلَتْ عَنْ رَسُولِهِ. قَالَ: أَفَيُوجَدُ لِهَذَا نَظِيرٌ فِي الْقُرْآنِ؟ قُلْت: نَعَمْ. أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْوُضُوءِ بِغَسْلِ الْقَدَمَيْنِ، أَوْ مَسْحِهِمَا فَمَسَحْنَا عَلَى الْخُفَّيْنِ بِالسُّنَّةِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]

стр. 62

الْآيَةَ، فَحَرَّمْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ بِالسُّنَّةِ. وَقَالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] . فَحَرَّمْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا، وَذَكَرَ الرَّجْمَ وَنِصَابَ السَّرِقَةِ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُبَيِّنَ عَنْ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ خَاصًّا وَعَامًّا. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الْقُرْآنُ لَمْ يَذْكُرْ الشَّاهِدَيْنِ، وَالرَّجُلَ وَالْمَرْأَتَيْنِ فِي طُرُقِ الْحُكْمِ الَّتِي يَحْكُمُ بِهَا الْحَاكِمُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النَّوْعَيْنِ مِنْ الْبَيِّنَاتِ فِي الطُّرُقِ الَّتِي يَحْفَظُ بِهَا الْإِنْسَانُ حَقَّهُ. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . فَأَمَرَهُمْ سُبْحَانَهُ بِحِفْظِ حُقُوقِهِمْ بِالْكِتَابِ وَأَمَرَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنْ يُمْلِيَ الْكَاتِبَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَصِحُّ إمْلَاؤُهُ أَمْلَى عَنْهُ وَلِيُّهُ، ثُمَّ أَمَرَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَسْتَشْهِدَ عَلَى حَقِّهِ رَجُلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. ثُمَّ نَهَى الشُّهَدَاءَ الْمُتَحَمِّلِينَ لِلشَّهَادَةِ عَنْ التَّخَلُّفِ عَنْ إقَامَتِهَا إذَا طُلِبُوا لِذَلِكَ. ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ فِي التِّجَارَةِ الْحَاضِرَةِ: أَلَّا يَكْتُبُوهَا ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالْإِشْهَادِ عِنْدَ التَّبَايُعِ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ إذَا كَانُوا عَلَى سَفَرٍ - وَلَمْ يَجِدُوا كَاتِبًا - أَنْ يَسْتَوْثِقُوا بِالرِّهَانِ الْمَقْبُوضَةِ. كُلُّ هَذَا نَصِيحَةٌ لَهُمْ، وَتَعْلِيمٌ وَإِرْشَادٌ لِمَا يَحْفَظُوا بِهِ حُقُوقَهُمْ، وَمَا تُحْفَظُ بِهِ الْحُقُوقُ شَيْءٌ، وَمَا يَحْكُمُ بِهِ الْحَاكِمُ شَيْءٌ. فَإِنَّ طُرُقَ الْحُكْمِ أَوْسَعُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِالنُّكُولِ وَالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، وَلَا ذِكْرَ لَهُمَا فِي الْقُرْآنِ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَالْيَمِينِ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ، فَالْحُكْمُ بِالنُّكُولِ وَالرَّدِّ أَشَدُّ مُخَالَفَةً. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِالْقُرْعَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الصَّرِيحَةِ الصَّحِيحَةِ، وَيَحْكُمُ بِالْقَافَةِ بِالسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا، وَيَحْكُمُ بِالْقَسَامَةِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، وَيَحْكُمُ بِشَاهِدِ الْحَالِ إذَا تَدَاعَى الزَّوْجَانِ أَوْ الصَّانِعَانِ مَتَاعَ الْبَيْتِ وَالدُّكَّانِ، وَيَحْكُمُ - عِنْدَ مَنْ أَنْكَرَ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ - بِوُجُوهِ الْآجُرِّ فِي الْحَائِطِ فَيَجْعَلُهُ لِلْمُدَّعِي إذَا كَانَتْ إلَى جِهَتِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَيْفَ سَاغَ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَمْ يُجْعَلْ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ؟ وَرُدَّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَيُجْعَلُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ؟ بَلْ الْقَوْلُ مَا قَالَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ: إنَّ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ: حُكْمٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، فَهَاتَانِ قَضِيَّتَانِ ثَابِتَتَانِ بِالنَّصِّ.

стр. 63

أَمَّا الْأُولَى: فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَاءَهُ مِنْ بَعْدِهِ حَكَمُوا بِهِ وَلَا يَحْكُمُونَ بِبَاطِلٍ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] فَالْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مِمَّا أَرَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ قَطْعًا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] وَهَذَا مِمَّا حَكَمَ بِهِ. فَهُوَ عَدْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ اللَّهِ وَلَا بُدَّ. ٢٤ - (فَصْلٌ) وَاَلَّذِينَ رَدُّوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَهُمْ طُرُقٌ: الطَّرِيقُ الْأُولَى: أَنَّهَا خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ، فَلَا تُقْبَلُ وَقَدْ بَيَّنَ الْأَئِمَّةُ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ - أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ لَا يُخَالِفُهَا بِوَجْهٍ، وَإِنَّهَا لَمُوَافِقَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ. وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى مَنْ رَدَّ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِزَعْمِهِ أَنَّهَا تُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ، وَلِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ كِتَابٌ مُفْرَدٌ سَمَّاهُ كِتَابَ طَاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ ". وَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ اعْتِقَادُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّحِيحَةِ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، بَلْ السُّنَنُ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى ثَلَاثِ مَنَازِلَ. الْمَنْزِلَةُ الْأُولَى: سُنَّةٌ مُوَافِقَةٌ شَاهِدَةٌ بِنَفْسِ مَا شَهِدَ بِهِ الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ. الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ: سُنَّةٌ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ، وَتُبَيِّنُ مُرَادَ اللَّهِ مِنْهُ، وَتُقَيِّدُ مُطْلَقَهُ. الْمَنْزِلَةُ الثَّالِثَةُ: سُنَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِحُكْمٍ سَكَتَ عَنْهُ الْكِتَابُ فَتُبَيِّنُهُ بَيَانًا مُبْتَدَأً وَلَا يَجُوزُ رَدُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ لِلسُّنَّةِ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ رَابِعَةٌ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ قَالَ: " السُّنَّةُ تَقْضِي عَلَى الْكِتَابِ " فَقَالَ: بَلْ السُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ، وَاَلَّذِي يَشْهَدُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ: أَنَّهُ لَمْ تَأْتِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُنَاقِضُ كِتَابَ اللَّهِ وَتُخَالِفُهُ أَلْبَتَّةَ، كَيْفَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُبَيِّنُ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ أُنْزِلَ، وَبِهِ هَدَاهُ اللَّهُ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِتَأْوِيلِهِ وَمُرَادِهِ، وَلَوْ سَاغَ رَدُّ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا فَهِمَهُ الرَّجُلُ مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لَرُدَّتْ بِذَلِكَ أَكْثَرُ السُّنَنِ، وَبَطَلَتْ بِالْكُلِّيَّةِ. فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ

стр. 64

تُخَالِفُ مَذَاهِبَهُ وَنِحْلَتَهُ إلَّا وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَتَشَبَّثَ بِعُمُومِ آيَةٍ أَوْ إطْلَاقِهَا، وَيَقُولُ: هَذِهِ السُّنَّةُ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ فَلَا تُقْبَلُ. حَتَّى أَنَّ الرَّافِضَةَ - قَبَّحَهُمْ اللَّهُ - سَلَكُوا هَذَا الْمَسْلَكَ بِعَيْنِهِ فِي رَدِّ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَرَدُّوا قَوْلَهُ ﷺ : «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» . وَقَالُوا: هَذَا حَدِيثٌ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وَرَدَّتْ الْجَهْمِيَّةُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي إثْبَاتِ الصِّفَاتِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . وَرَدَّتْ الْخَوَارِجُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَخُرُوجِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ بِمَا فَهِمُوهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ. وَرَدَّتْ الْجَهْمِيَّةُ أَحَادِيثَ الرُّؤْيَةِ - مَعَ كَثْرَتِهَا وَصِحَّتِهَا - بِمَا فَهِمُوهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَرَدَّتْ الْقَدَرِيَّةُ أَحَادِيثَ الْقَدَرِ الثَّابِتَةِ بِمَا فَهِمُوهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ. وَرَدَّتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مَا رَدَّتْهُ مِنْ السُّنَّةِ بِمَا فَهِمُوهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فَإِمَّا أَنْ يَطَّرِدَ الْبَابُ فِي رَدِّ هَذِهِ السُّنَنِ كُلِّهَا، وَإِمَّا أَنْ يَطَّرِدَ الْبَابُ فِي قَبُولِهَا وَلَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْهَا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ. أَمَّا أَنْ يُرَدَّ بَعْضُهَا وَيُقْبَلَ بَعْضُهَا - وَنِسْبَةُ الْمَقْبُولِ إلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ كَنِسْبَةِ الْمَرْدُودِ - فَتَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ رَدَّ سُنَّةً بِمَا فَهِمَهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ إلَّا وَقَدْ قَبِلَ أَضْعَافَهَا مَعَ كَوْنِهَا كَذَلِكَ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَلَى مَنْ رَدَّ أَحَادِيثَ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ

стр. 65

بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ. وَقَدْ أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَنْ رَدَّ سُنَّتَهُ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَدَّعِ مُعَارَضَةَ الْقُرْآنِ لَهَا فَكَيْفَ يَكُونُ إنْكَارُهُ عَلَى مَنْ ادَّعَى أَنَّ سُنَّتَهُ تُخَالِفُ الْقُرْآنَ وَتُعَارِضُهُ؟ ٢٥ - (فَصْلٌ) الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَا تُشْرَعُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: قَوْلُهُ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَجُعِلَ الْيَمِينُ مِنْ جَانِبِ الْمُنْكِرِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ أَحَادِيثَ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدَيْنِ وَالْيَمِينِ أَصَحُّ وَأَصْرَحُ وَأَشْهَرُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَاوَمَهَا فِي الصِّحَّةِ وَالشُّهْرَةِ لَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ لِخُصُوصِهَا وَعُمُومِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا كَانَتْ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَيْثُ لَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبُ الْمُدَّعِي بِشَيْءٍ غَيْرِ الدَّعْوَى، فَيَكُونُ جَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْلَى بِالْيَمِينِ، لِقُوَّتِهِ بِأَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، فَكَانَ هُوَ أَقْوَى الْمُدَّعِيَيْنِ بِاسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ، فَكَانَتْ الْيَمِينُ مِنْ جِهَتِهِ. فَإِذَا تَرَجَّحَ الْمُدَّعِي بِلَوْثٍ، أَوْ نُكُولٍ، أَوْ شَاهِدٍ كَانَ أَوْلَى بِالْيَمِينِ، لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِذَلِكَ، فَالْيَمِينُ - مَشْرُوعَةٌ فِي جَانِبِ أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ، فَأَيُّهُمَا قَوِيَ جَانِبُهُ شُرِعَتْ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ بِقُوَّتِهِ وَتَأْكِيدِهِ. وَلِهَذَا لَمَّا قَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِينَ بِاللَّوْثِ شُرِعَتْ الْأَيْمَانُ فِي جَانِبِهِمْ، وَلَمَّا قَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِي بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، كَمَا حَكَمَ بِهِ الصَّحَابَةُ، وَصَوَّبَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ. وَلَمَّا قَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ: كَانَتْ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ وَكَذَلِكَ الْأُمَنَاءُ، كَالْمُودَعِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ: الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ، وَيَحْلِفُونَ، لِقُوَّةِ جَانِبِهِمْ بِالْأَيْمَانِ. فَهَذِهِ قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ الْمُسْتَمِرَّةُ، فَإِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا قَوِيَ جَانِبُهُ، فَتَرَجَّحَ عَلَى جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ إلَّا مُجَرَّدُ اسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ، وَهُوَ دَلِيلٌ ضَعِيفٌ يُدْفَعُ بِكُلِّ دَلِيلٍ يُخَالِفُهُ،

стр. 66

وَلِهَذَا يُدْفَعُ بِالنُّكُولِ وَالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ وَاللَّوْثِ وَالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ، فَدُفِعَ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَقَوِيَتْ شَهَادَتُهُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي. فَأَيُّ قِيَاسٍ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا وَأَوْضَحُ؟ مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِلنُّصُوصِ وَالْآثَارِ الَّتِي لَا تُدْفَعُ. ٢٦ - (فَصْلٌ) وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ قُضَاةِ السَّلَفِ الْعَادِلِينَ إلَى الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، إذَا عُلِمَ صِدْقُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: رَوَيْنَا عَنْ عَظِيمَيْنِ مِنْ قُضَاةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: شُرَيْحٌ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَبِي أَوْفَى رَحِمَهُمَا اللَّهُ، أَنَّهُمَا قَضَيَا بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ. وَلَا ذِكْرَ لِلْيَمِينِ فِي حَدِيثِهِمَا. حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَجَازَ شُرَيْحٌ شَهَادَتِي وَحْدِي. حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: شَهِدَ أَبُو مِجْلَزٍ عِنْدَ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: فَأَجَازَ شَهَادَتِي وَحْدِي. وَلَمْ يُصِبْ. قُلْت: لَمْ يُصِبْ عِنْدِي أَبُو مِجْلَزٍ، وَإِلَّا فَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ جَازَ لَهُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ، وَإِنْ رَأَى تَقْوِيَتَهُ بِالْيَمِينِ فَعَلَ. وَإِلَّا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ. وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا حَكَمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَمْ يَشْتَرِطْ الْيَمِينَ، بَلْ قَوَّى شَهَادَةَ الشَّاهِدِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي " السُّنَنِ ": بَابُ إذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَشْيَ، وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ، فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ، وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَهُ، فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : إنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسَ وَإِلَّا بِعْتُهُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ ابْتَعْتُهُ مِنْك؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا بِعْتُك، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلَى، قَدْ ابْتَعْتُهُ مِنْك. فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا، فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّك قَدْ بَايَعْتَهُ. فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ، فَقَالَ: بِمَ تَشْهَدُ؟ قَالَ: بِتَصْدِيقِك يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عِدَّةُ فَوَائِدَ: مِنْهَا: جَوَازُ شِرَاءِ الْإِمَامِ الشَّيْءَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ. وَمِنْهَا: مُبَاشَرَتُهُ الشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ. وَمِنْهَا: جَوَازُ الشِّرَاءِ مِمَّنْ يَجْهَلُ، وَلَا يَسْأَلُ مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا؟ وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الْبَيْعِ لَيْسَ بِلَازِمٍ.

стр. 67

وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَيَقَّنَ مِنْ غَرِيمِهِ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُهُ، إذْ هُوَ غَرِيمُهُ، وَمِنْهَا: الِاكْتِفَاءُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إذَا عَلِمَ صِدْقَهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا قَالَ لِخُزَيْمَةَ: أَحْتَاجُ مَعَك إلَى شَاهِدٍ آخَرَ، وَجَعَلَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَتَيْنِ. لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ شَهَادَتَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصِّدْقِ الْعَامِّ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ مِثْلُهُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ. وَانْفَرَدَ خُزَيْمَةُ بِشَهَادَتِهِ لَهُ بِعَقْدِ التَّبَايُعِ مَعَ الْأَعْرَابِيِّ، دُونَ الْحَاضِرِينَ، لِدُخُولِ هَذَا الْخَبَرِ فِي جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ تَصْدِيقُهُ فِيهَا، وَتَصْدِيقُهُ فِيهَا مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الدَّعْوَى، وَقَدْ قَبِلَهَا مِنْهُ وَحْدَهُ. وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِيمَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد ﵀. وَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَخْصُوصًا بِخُزَيْمَةَ، دُونَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَلَوْ شَهِدَ أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ، أَوْ عُمَرُ أَوْ عُثْمَانُ أَوْ عَلِيٌّ أَوْ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ لَكَانَ أَوْلَى بِالْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ. وَالْأَمْرُ الَّذِي لِأَجْلِهِ جَعَلَ شَهَادَتَهُ بِشَاهِدَيْنِ مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ أَقَامَ الشَّهَادَةَ وَأَمْسَكَ عَنْهَا غَيْرُهُ، وَبَادَرَ هُوَ إلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ، إذْ ذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ تَصْدِيقِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَدْ قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ وَحْدَهُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ. وَتَسْمِيَةُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ ذَلِكَ إخْبَارًا، لَا شَهَادَةً: أَمْرٌ لَفْظِيٌّ لَا يَقْدَحُ فِي الِاسْتِدْلَالِ. وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَرُدُّ قَوْلَهُ. وَأَجَازَ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي قَضِيَّةِ السَّلْبِ، وَلَمْ يُطَالِبْ الْقَائِلَ بِشَاهِدٍ آخَرَ، وَلَا اسْتَحْلَفَهُ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ. فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عَامِ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا

стр. 68

الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، قَالَ: فَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَبْته بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ، فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْت مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي. فَلَحِقْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقُلْت: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ قَالَ: فَقُمْت، ثُمَّ قُلْت: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْت، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ، فَقُمْت. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لَك يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ فَقَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَاهَا اللَّهِ إذًا لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيك سَلَبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ. فَأَعْطِهِ إيَّاهُ. قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَأَعْطَانِيهِ. فَبِعْت الدِّرْعَ، فَابْتَعْت بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُطْلَقُ عَلَى الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَلَمْ يَسْتَحْلِفْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ: أَنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِالسَّلَبِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، وَلَا مُعَارِضَ لِهَذِهِ السُّنَّةِ، وَلَا مُسَوِّغَ لِتَرْكِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرَّضَاعِ، وَقَدْ شَهِدَتْ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا، فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ: فَتَنَحَّيْت، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ قَالَ: فَكَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا» . وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَشْهَدُ عَلَى مَا لَا يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ مِنْ إثْبَاتِ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ، وَفِي الْحَمَّامِ يَدْخُلُهُ النِّسَاءُ، فَتَكُونُ بَيْنَهُنَّ جِرَاحَاتٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ فِي شَهَادَةِ الِاسْتِهْلَالِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْحَيْضِ وَالْعُذْرَةِ وَالسِّقْطِ وَالْحَمَّامِ؟ وَكُلُّ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءٌ؟ فَقَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ إذَا كَانَتْ ثِقَةً. [فَصَلِّ فِي الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُتَفَرِّدَاتٍ] ٢٧ - (فَصْلٌ) وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُتَفَرِّدَاتٍ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ.

стр. 69

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِي لَبِيدٍ " أَنَّ سَكْرَانًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا عُمَرُ ". حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ يَزِيدَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ: أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الطَّلَاقِ. وَإِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو لَبِيدٍ. وَلَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ. فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ، أَرْجَحُهَا: أَنَّهُ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُتَفَرِّقَاتٍ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرَّضَاعِ تَجُوزُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ عَلِيٌّ: سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنْ شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرَّضَاعِ تَجُوزُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ، وَمُهَنَّا، وَحَرْبٍ. وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ هَذَا. وَقَالَ هُوَ حُجَّةٌ فِي شَهَادَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ شَهَادَتَهَا وَهِيَ أَمَةٌ. وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ؟ فَقَالَ: هُوَ مَوْضِعٌ لَا يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ، وَلَكِنْ إنْ كُنَّ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَهُوَ أَجْوَدُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ الْقَابِلَةِ: أَيُقْبَلُ؟ - قَالَ: كُلَّمَا كَثُرَ كَانَ أَعْجَبَ إلَيْنَا: ثَلَاثٌ، أَوْ أَرْبَعٌ. وَقَالَ سِنْدِيٌّ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ فِي الِاسْتِهْلَالِ؟ فَقَالَ: يَجُوزُ، إنَّ هَذَا شَيْءٌ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ الرِّجَالُ. وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا فِي اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ؟ فَقَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهَا وَحْدَهَا. وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا. وَإِنْ كَانَتْ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً. فَسَأَلْت أَحْمَدَ فَقُلْت: هُوَ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؟ فَقَالَ: أَنَا لَا أَقُولُ تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدَةٍ مُسْلِمَةٍ، فَكَيْفَ أَقُولُ يَهُودِيَّةٌ؟ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي الِاسْتِهْلَالِ: هَلْ يُكْتَفَى فِيهِ بِوَاحِدَةٍ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَتَيْنِ؟ وَكَذَلِكَ الْوِلَادَةُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ - شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ فِي الْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ، هَلْ تَجُوزُ امْرَأَةٌ أَوْ امْرَأَتَانِ؟ قَالَ: امْرَأَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَلَيْسَتْ الْوَاحِدَةُ مِثْلَ الِاثْنَتَيْنِ. وَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ: أَرْبَعٌ، وَلَكِنْ امْرَأَتَانِ تُقْبَلُ فِي مِثْلِ هَذَا، إذَا كَانَ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَرَاهُ الرِّجَالُ.

стр. 70

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ: إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قِيلَ لَهُ: فَالشَّهَادَةُ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ امْرَأَتَيْنِ. وَقَالَ حَرْبٌ: سُئِلَ أَحْمَدُ، قِيلَ لَهُ: فَالشَّهَادَةُ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ لَا تُعْجِبُهُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَكُونَ امْرَأَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ: مَا تَقُولُ فِي شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ تَشْهَدُ بِالِاسْتِهْلَالِ؟ فَقَالَ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا. وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ، قَالَ: وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ. وَقَالَ هَارُونُ الْحَمَّالُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا، فَقِيلَ لَهُ: إذَا كَانَتْ مَرْضِيَّةً؟ فَقَالَ: لَا يَكُونُ إلَّا هَكَذَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ: هَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ فِي الرَّضَاعِ وَالْوِلَادَةِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، قَالَ: وَأُجَوِّزُ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا كَانَتْ ثِقَةً، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ. وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ: هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الذِّمِّيَّةِ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ؟ قَالَ: لَا، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً عَدْلَةً. ٢٨ - (فَصْلٌ) وَفِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَانِ وَأَثَرٌ وَقِيَاسٌ فَأَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ: مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. وَهُوَ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَائِنِيِّ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ» . وَأَمَّا الْأَثَرُ: فَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: " أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ " عَمَّنْ هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَلِيٍّ. قُلْت: وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ صِرْنَا إلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَنْهُ. وَتَنَاظَرَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: بِأَيِّ شَيْءٍ قَضَيْت بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا، حَتَّى وَرِثْت مِنْ خَلِيفَةٍ مَلَكَ الدُّنْيَا مَالًا عَظِيمًا؟ قَالَ: بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ

стр. 71

قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقُلْت. فَعَلِيٌّ إنَّمَا رَوَى عَنْهُ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى. وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، وَكَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقَدْ رَوَى سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَامِعٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ - وَسُوَيْدٌ هَذَا: ضَعِيفٌ - قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ: لَوْ صَحَّتْ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ عَنْ عَلِيٍّ لَقُلْنَا بِهِ. وَلَكِنْ فِي إسْنَادِهِ خَلَلٌ. قُلْت: وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ إسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ، وَرَوَاهُ عَنْ الْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيُّ وَالضَّحَّاكِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: " أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْهُ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ وَامْرَأَتَهُ، فَقَالَ: مَا كُنْت لِأُفَرِّقَ بَيْنَك وَبَيْنَهَا، وَأَنْ تَنَزَّهَ خَيْرٌ لَك، قَالَ: ثُمَّ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: تُحَدِّثُونَ عَنْ ذَلِكَ بِهَذَا عَنْ حَكَّامِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ قَائِدِ بْنِ بَكْرٍ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ. حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ الْحَارِثِ الْغَنَوِيِّ " أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِهِ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِمَا امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاَللَّهِ لَقَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَإِنَّكُمَا لَابْنَايَ. فَانْقَبَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ حَتَّى أَتَى الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الْمَرْأَةِ. فَكَتَبَ فِيهِ إلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ: أَنْ اُدْعُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، فَإِنْ كَانَ لَهَا بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَتْ فَفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ فَخَلِّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، إلَّا أَنْ يَتَنَزَّهَا؛ وَلَوْ فَتَحْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنَّاسِ لَمْ تَشَأْ امْرَأَةٌ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلَّا فَعَلَتْ ". حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْت زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ يُحَدِّثُ: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يُجِزْ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ فِي الرَّضَاعِ ". حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَحَجَّاجٌ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أُتِيَ فِي امْرَأَةٍ شَهِدَتْ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْهُمَا، فَقَالَ: لَا، قَدْ يَشْهَدُ رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَأْخُذُ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا مَالِكٌ: فَإِنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ.

стр. 72

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَقْبَلُونَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، كَالْوِلَادَةِ وَالْبَكَارَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ، وَيَقْبَلُونَ فِيهِ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَلَا يُمْكِنُ لِلرِّجَالِ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا النِّسَاءُ عَلَى الِانْفِرَادِ. فَوَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ. قَالُوا: وَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدَةِ، لِأَنَّ مَا قُبِلَ فِيهِ قَوْلُ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَدَدُ، كَالرِّوَايَةِ. قَالُوا: وَأَمَّا اسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ، وَلَا تُقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمِيرَاثِ. وَثُبُوتُ النَّسَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ يُقْبَلُ أَيْضًا، لِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ صَوْتٌ يَكُونُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ، وَتِلْكَ حَالَةٌ لَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ، فَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِنَّ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقْضِي بِأَحْكَامِ الشَّهَادَةِ، وَأَثْبَتَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ احْتِيَاطًا، وَلَمْ يُثْبِتْ الْمِيرَاثَ وَالنَّسَبَ بِشَهَادَتِهَا احْتِيَاطًا، قَالُوا: وَأَمَّا الرَّضَاعُ: فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مَتَى ثَبَتَتْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا زَوَالُ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَإِبْطَالُ الْمِلْكِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ اطِّلَاعُ الرِّجَالِ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَاحِدَةِ فِي الرَّضَاعَةِ، فَإِنَّهُمْ أَحَلُّوا الرَّضَاعَ مَحَلَّ سَائِرِ أُمُورِ النِّسَاءِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ، كَالْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَنَحْوِهِمَا. وَأَمَّا الَّذِينَ أَخَذُوا بِشَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ، أَوْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فَإِنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الرَّضَاعَةَ لَيْسَتْ كَالْفُرُوجِ الَّتِي لَا حَظَّ لِلرِّجَالِ فِي مُشَاهَدَتِهَا، وَجَعَلُوهَا مِنْ ظَوَاهِرِ أُمُورِ النِّسَاءِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْوُجُوهِ. وَاَلَّذِينَ أَجَازُوهَا بِالْمَرْأَتَيْنِ: ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الرَّضَاعَةَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّظَرُ فِي التَّحْرِيمِ كَالْعَوْرَاتِ - فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بِظُهُورِ الثَّدْيِ وَالنُّحُورِ. وَهَذِهِ مِنْ مَحَاسِنِ النِّسَاءِ الَّتِي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فَرْضَهَا السَّتْرَ عَلَى الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ، فَجَعَلُوا الْمَرْأَتَيْنِ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلَيْنِ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَاَلَّذِي عِنْدَنَا فِي هَذَا: اتِّبَاعُ السُّنَّةِ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ عِنْدَ وُرُودِ ذَلِكَ، فَإِذَا شَهِدَتْ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ بِأَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْهُ وَزَوَّجَتْهُ فَقَدْ لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ مِنْ اللَّهِ فِي اجْتِنَابِهَا، وَتَجِبُ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهَا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْتَفْتِي فِي ذَلِكَ: «دَعْهَا عَنْك» . وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ بِغَيْرِهِ،

стр. 73

إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ ﷺ حَكَمَ بَيْنَهُمَا بِالتَّفْرِيقِ حُكْمًا، مِثْلَ مَا سَنَّ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَلَا أَمْرَ فِيهِ بِالْقَتْلِ، كَاَلَّذِي تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ، وَلَكِنَّهُ غَلَّظَ عَلَيْهِ فِي الْفُتْيَا. فَنَحْنُ نَنْتَهِي إلَى مَا انْتَهَى إلَيْهِ، فَإِذَا شَهِدَتْ مَعَهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى فَكَانَتَا اثْنَتَيْنِ، فَهُنَاكَ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ عِنْدَنَا مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ: " إنَّهُ لَمْ يُجِزْ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرَّضَاعِ " وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا عَنْهُ. فَإِنَّهُ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الرَّجُلَيْنِ، أَوْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، لِمَا حُظِرَ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَحَاسِنِ النِّسَاءِ. وَعَلَى هَذَا يُوَجَّهُ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، إذْ لَمْ يُوَقِّتَا فَوْقَ ذَلِكَ وَقْتًا بِأَدْنَى مَا يَكُونُ بَعْدَ الْوَاحِدَةِ إلَّا اثْنَتَانِ مِنْ النِّسَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، أَخْبَرَهُ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، إلَّا عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا هُنَّ مِنْ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ حَمْلِهِنَّ وَحَيْضِهِنَّ ". [فَصَلِّ شَهَادَة الرَّجُل الْوَاحِد مِنْ غَيْر يَمِين عِنْد الْحَاجَة] ٢٩ - (فَصْلٌ) وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْخِرَقِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ "، فَقَالَ: وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الطَّبِيبِ الْعَدْلِ فِي الْمُوضِحَةِ، إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى طَبِيبَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْبَيْطَارُ فِي دَاءِ الدَّابَّةِ. قَالَ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي ": إذَا اخْتَلَفَا فِي الْجُرْحِ: هَلْ هُوَ مُوضِحَةٌ، أَمْ لَا؟ أَوْ فِي قَدْرِهِ، كَالْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْمَأْمُومَةِ وَالسِّمْحَاقِ أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ اخْتَلَفَا فِي دَاءٍ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْأَطِبَّاءُ، أَوْ دَاءِ الدَّابَّةِ. فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ إذَا قُدِرَ عَلَى طَبِيبَيْنِ أَوْ بَيْطَارَيْنِ لَا يُجْتَزَأُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ،

стр. 74

فَلَمْ تُقْبَلْ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى اثْنَيْنِ أَجْزَأَ وَاحِدٌ، لِأَنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ، فَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الْعُيُوبِ تَحْتَ الثِّيَابِ، تُقْبَلُ فِيهِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ، فَقَبُولُ قَوْلِ الرَّجُلِ فِي هَذَا أَوْلَى. قَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": وَيُقْبَلُ فِي مَعْرِفَةِ الْمُوضِحَةِ وَدَاءِ الدَّابَّةِ وَنَحْوِهَا طَبِيبٌ وَاحِدٌ وَبَيْطَارٌ وَاحِدٌ، إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ نَصَّ عَلَيْهِ. [فَصَلِّ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ] ٣٠ - (فَصْلٌ) فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ. فَرَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَبَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ، فَقَالَ الَّذِي ابْتَاعَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: بِالْغُلَامِ دَاءٌ لَمْ تُسَمِّهِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إنِّي بِعْته بِالْبَرَاءَةِ، فَاخْتَصَمَا إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَضَى عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِالْيَمِينِ، أَنْ يَحْلِفَ لَهُ: لَقَدْ بَاعَهُ الْغُلَامَ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ، وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ، فَبَاعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَكَمَ عُثْمَانُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فِي الْعَبْدِ الَّذِي كَانَ بَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ. فَرَدَّهُ عَلَيْهِ عُثْمَانُ حِينَ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، ثُمَّ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ حُكْمِهِ وَرَآهُ لَازِمًا. فَهَلْ يُوجَدُ إمَامَانِ أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَعْنَى حَدِيثِهِ مِنْهُمَا؟ فَذَهَبَ إلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ. وَأَمَّا رَدُّ الْيَمِينِ: فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثُونَا عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: " أَنَّ الْمِقْدَادَ اسْتَسْلَفَ مِنْ عُثْمَانَ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ. فَلَمَّا قَضَاهَا أَتَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّهَا سَبْعَةٌ، فَقَالَ الْمِقْدَادُ: مَا كَانَتْ إلَّا أَرْبَعَةً، فَمَا زَالَا حَتَّى ارْتَفَعَا إلَى عُمَرَ، فَقَالَ الْمِقْدَادُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لِيَحْلِفْ أَنَّهَا كَمَا يَقُولُ، وَلْيَأْخُذْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: أَنْصَفَك، احْلِفْ أَنَّهَا كَمَا تَقُولُ، وَخُذْهَا ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا عُمَرُ قَدْ حَكَمَ بِرَدِّ الْيَمِينِ، وَرَأَى ذَلِكَ الْمِقْدَادُ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ عُثْمَانُ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمِلُوا بِرَدِّ الْيَمِينِ. وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ شُرَيْحٍ: أَنَّهُ كَانَ إذَا قَضَى عَلَى رَجُلٍ بِالْيَمِينِ، فَرَدَّهَا عَلَى الطَّالِبِ، فَلَمْ يَحْلِفْ: لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَسْتَحْلِفْ الْآخَرَ. وَحَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ الْأَشْعَثِ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ أَبَاهُ كَانَ إذَا قَضَى عَلَى رَجُلٍ بِالْيَمِينِ، فَرَدَّهَا عَلَى الَّذِي يَدَّعِي، فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ: لَمْ يَجْعَلْ لَهُ شَيْئًا، وَقَالَ: لَا أُعْطِيك مَا لَا تَحْلِفُ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: عَلَى أَنَّ رَدَّ الْيَمِينِ لَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَاَلَّذِي فِي الْكِتَابِ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:

стр. 75

﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] . ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧] ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] . وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَسَامَةِ بِالْأَيْمَانِ عَلَى الْمُدَّعِينَ، فَقَالَ: «تَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ بِأَنْ يُقْسِمَ خَمْسُونَ: أَنَّ يَهُودًا قَتَلَتْهُ. فَقَالُوا: كَيْف نُقْسِمُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ نَحْضُرْهُ؟ قَالَ: فَيَحْلِفُ لَكُمْ خَمْسُونَ مِنْ يَهُودٍ مَا قَتَلُوهُ» . قَالَ: فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْآخَرِينَ، بَعْدَ أَنْ حَكَمَ بِهَا لِلْأَوَّلِينَ. فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي رَدِّ الْيَمِينِ. قُلْت: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ. وَصَوَّبَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: وَلَيْسَ الْمَنْقُولُ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي النُّكُولِ وَرَدِّ الْيَمِينِ بِمُخْتَلِفٍ، بَلْ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ، وَهَذَا لَهُ مَوْضِعٌ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ أَمْكَنَ الْمُدَّعِيَ مَعْرِفَتُهُ وَالْعِلْمُ بِهِ فَرَدَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ، فَإِنَّهُ إنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَهَذَا كَحُكُومَةِ عُثْمَانَ وَالْمِقْدَادِ، فَإِنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ لِعُثْمَانَ: " احْلِفْ أَنَّ الَّذِي دَفَعْته إلَيَّ كَانَ سَبْعَةَ آلَافٍ وَخُذْهَا " فَإِنَّ الْمُدَّعِي هُنَا يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ وَالْعِلْمُ بِهِ، كَيْف وَقَدْ ادَّعَى بِهِ؟ فَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِمَعْرِفَتِهِ، فَإِنَّهُ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَلَمْ تُرَدَّ عَلَى الْمُدَّعِي، كَحُكُومَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَرِيمِهِ فِي الْغُلَامِ. فَإِنَّ عُثْمَانَ قَضَى عَلَيْهِ " أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ بَاعَ الْغُلَامَ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ " وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمَهُ الْبَائِعُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا اسْتَحْلَفَهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بِهِ دَاءٌ، فَلَمَّا امْتَنَعَ مِنْ هَذِهِ الْيَمِينِ قَضَى عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ. وَعَلَى هَذَا: إذَا وَجَدَ بِخَطِّ أَبِيهِ فِي دَفْتَرِهِ: أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، فَادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ، فَنَكَلَ. وَسَأَلَهُ إحْلَافَ الْمُدَّعِي: أَنَّ أَبَاهُ أَعْطَانِي هَذَا، أَوْ أَقْرَضَنِي إيَّاهُ، لَمْ تُرَدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْلَمُ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ: أَنَّ فُلَانًا أَحَالَنِي
следующие страницы →