Полный текст (1 221 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
يَدْعُو النَّاسَ إلَى طَعَامِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ الرَّسُولَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ، فَاَللَّهُ هُوَ الْمَلِكُ، وَالرَّسُولُ مُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ، فَمَنْ أَجَابَهُ دَخَلَ الْإِسْلَامَ، وَمَنْ دَخَلَ الْإِسْلَامَ دَخَلَ دَارَ الْمَلِكِ وَأَكَلَ مِنْهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبْهُ لَمْ يَدْخُلْ دَارِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا» .
، وَفِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ ضَرَبَ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، عَلَى كَنَفَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ لَهُمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اُدْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تَعْرُجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ، لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، فَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ، فَلَا يَقَعُ أَحَدٌ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ حَتَّى يَكْشِفَ السِّتْرَ، وَالدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» فَلْيَتَأَمَّلْ الْعَارِفُ قَدْرَ هَذَا الْمَثَلِ، وَلْيَتَدَبَّرْهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ، وَيَزِنْ بِهِ نَفْسَهُ، وَيَنْظُرْ أَيْنَ هُوَ مِنْهُ؟ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ: «مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنِي دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ لَوْلَا مَوْضِعُ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، فَكُنْتُ أَنَا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ عَنْهُ ﷺ : «إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ مِنْ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا. وَمَثَّلَ مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ بِالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ الرَّامَهُرْمُزِيّ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْحَرَّانِيُّ ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَابْلُتِّيُّ ثنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثني سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَأُوتِيتُ الْحِكْمَةَ، وَضُرِبَ لِي مِنْ الْأَمْثَالِ مَثَلُ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إذْ أَتَانِي مَلَكَانِ فَقَامَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَقَامَ الْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، فَقَالَ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: اضْرِبْ مَثَلًا وَأَنَا أُفَسِّرُهُ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي وَأَهْوَى إلَيَّ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلِتَسْمَعْ أُذُنُكَ وَلِيَعِ قَلْبُكَ، قَالَ: فَكُنْتُ كَذَلِكَ، أَمَّا الْأُذُنُ فَتَسْمَعُ، وَأَمَّا الْقَلْبُ فَيَعِي، وَأَمَّا الْعَيْنُ فَتَنَامُ، قَالَ: فَضَرَبَ مَثَلًا فَقَالَ: بِرْكَةٌ فِيهَا شَجَرَةٌ ثَابِتَةٌ، وَفِي الشَّجَرَةِ غُصْنٌ خَارِجٌ، فَجَاءَ ضَارِبٌ فَضَرَبَ الشَّجَرَةَ، فَوَقَعَ الْغُصْنُ وَوَقَعَ مَعَهُ وَرَقٌ كَثِيرٌ، كُلُّ ذَلِكَ فِي الْبِرْكَةِ لَمْ يَعْدُهَا، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ، فَوَقَعَ وَرَقٌ كَثِيرٌ، كُلُّ ذَلِكَ فِي الْبِرْكَةِ لَمْ يَعُدْهَا، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ فَوَقَعَ وَرِقٌ كَثِيرٌ، لَا أَدْرِي مَا وَقَعَ فِيهَا أَكْثَرُ أَوْ مَا خَرَجَ مِنْهَا، قَالَ: فَفَسَّرَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلِي، فَقَالَ: أَمَّا الْبِرْكَةُ فَهِيَ الْجَنَّةُ، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ فَهِيَ الْأُمَّةُ، وَأَمَّا الْغُصْنُ فَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَمَّا الضَّارِبُ فَمَلَكُ الْمَوْتِ: ضَرَبَ الضَّرْبَةَ الْأُولَى فِي الْقَرْنِ
стр. 177
الْأَوَّلِ فَوَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَهْلُ طَبَقَتِهِ، وَضَرَبَ الثَّانِيَةَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي، فَوَقَعَ كُلُّ ذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ فَلَا أَدْرِي مَا وَقَعَ فِيهَا أَكْثَرُ أَمْ مَا خَرَجَ مِنْهَا» .
وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، ثُمَّ يَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَيَقْرِنُ بَيْنَ أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» .
وَفِي حَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ «بُعِثْتُ فِي نَفَسِ السَّاعَةِ سَبَقْتُهَا كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ» ، وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْهُ «، إنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: يَا قَوْمِ إنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنِي، وَأَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوَا، وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، وَكَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنْ الْحَقِّ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ: «مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَزَرَعُوا وَسَقَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً أُخْرَى مِنْهَا إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دَيْنِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «وَاَللَّهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إلَّا بِالْخَيْرِ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يَلُمْ، إلَّا آكِلَةُ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى إذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ اجْتَرَّتْ وَعَادَتْ فَأَكَلَتْ، فَمَنْ أَخَذَ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» .
وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ اتَّقَى اللَّهَ فِيهَا وَأَصْلَحَ، وَإِلَّا فَهُوَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَبَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ كَبُعْدِ الْكَوْكَبَيْنِ أَحَدُهُمَا يَطْلُعُ فِي الْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ يَغِيبُ فِي الْمَغْرِبِ، وَمَثَّلَ نَفْسَهُ ﷺ فِي الدُّنْيَا بِرَاكِبٍ مَرَّ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَرَأَى شَجَرَةً، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَهَا، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» . وَفِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْهُ «مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا كَمَا يَضَعُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟» ، «وَمَرَّ مَعَ الصَّحَابَةِ بِسَخْلَةٍ مَنْبُوذَةٍ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِهَا، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا» .
وَقَالَ: «إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ
стр. 178
سَلَكُوا مَفَازَةً غَبْرَاءَ لَا يَدْرُونَ مَا قَطَعُوا مِنْهَا أَكْثَرُ أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهَا، فَحَسِرَتْ ظُهُورُهُمْ، وَنَفَدَ زَادُهُمْ، وَسَقَطُوا بَيْنَ ظَهْرَيْ الْمَفَازَةِ، فَأَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ فِي حُلَّةٍ يَقْطُرُ رَأْسُهُ، فَقَالُوا: إنَّ هَذَا لَحَدِيثُ عَهْدٍ بِرِيفٍ، فَانْتَهَى إلَيْهِمْ، فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ، مَا شَأْنُكُمْ؟ فَقَالُوا: مَا تَرَى كَيْفَ حَسِرَتْ ظُهُورُنَا وَنَفَذَتْ أَزْوَادُنَا بَيْنَ ظَهْرَيْ هَذِهِ الْمَفَازَةِ لَا نَدْرِي مَا قَطَعْنَا مِنْهَا أَكْثَرُ أَمْ مَا بَقِيَ؟ فَقَالَ: مَا تَجْعَلُونَ لِي إنْ أَوْرَدْتُكُمْ مَاءً رَوَاءً وَرِيَاضًا خُضْرًا؟ قَالُوا: حُكْمُكَ، قَالَ: تُعْطُونِي عُهُودَكُمْ وَمَوَاثِيقَكُمْ أَلَّا تَعْصُونِي، فَفَعَلُوا، فَمَالَ بِهِمْ فَأَوْرَدَهُمْ مَاءً رُوَاءٍ وَرِيَاضًا خُضْرًا، فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ قَالَ: هَلُمُّوا إلَى رِيَاضٍ أَعْشَبَ مِنْ رِيَاضِكُمْ هَذِهِ وَمَاءٍ أَرْوَى مِنْ مَائِكُمْ هَذَا، فَقَالَ جُلُّ الْقَوْمِ: مَا قَدَرْنَا عَلَى هَذَا حَتَّى كِدْنَا أَنْ لَا نَقْدِرَ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: أَلَسْتُمْ قَدْ جَعَلْتُمْ هَذَا الرَّجُلَ عُهُودَكُمْ وَمَوَاثِيقَكُمْ أَنْ لَا تَعْصُوهُ؟ فَقَدْ صَدَقَكُمْ فِي أَوَّلِ حَدِيثِهِ، فَآخِرُ حَدِيثِهِ مِثْلُ أَوَّلِهِ، فَرَاحَ وَرَاحُوا مَعَهُ فَأَوْرَدَهُمْ رِيَاضًا خُضْرًا، وَمَاءً رَوَاءً، وَأَتَى الْآخَرِينَ الْعَدُوَّ مِنْ لَيْلَتِهِمْ فَأَصْبَحُوا مَا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ» ، وَقَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ النَّخْلَةِ أَكَلَتْ طَيِّبًا وَوَضَعَتْ طَيِّبًا، وَإِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْقِطْعَةِ الْجَيِّدَةِ مِنْ الذَّهَبِ أُدْخِلَتْ فِي النَّارِ فَنُفِخَ عَلَيْهَا فَخَرَجَتْ جَيِّدَةً» .
وَرَوَى لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ - أَوْ النَّحْلَةِ - إنْ شَاوَرْتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ مَاشِيَتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ شَارَكْتَهُ نَفَعَكَ» ، وَقَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالْإِيمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي آخِيَّتِهِ يَجُولُ مَا يَجُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى أَخِيَّتِهِ؛ وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَفْتَرِقُ مَا يَفْتَرِقُ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى الْإِيمَانِ» ، وَقَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إذَا اشْتَكَى شَيْءٌ مِنْهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» ، وَقَالَ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ، تَكُرُّ إلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً» ، وَقَالَ: «مَثَلُ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إنْ تَعَهَّدَ صَاحِبُهَا عَقْلَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَغْفَلَهَا ذَهَبَتْ، وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ بِهِ ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ» ، وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ مَاعِزِ بْنِ سُوَيْد الْعَرْجِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُتِمُّ صَلَاتَهُ مَثَلُ الْمَرْأَةِ الَّتِي حَمَلَتْ حَتَّى إذَا دَنَا نِفَاسُهَا أَسْقَطَتْ، فَلَا حَامِلُ وَلَا ذَاتُ رَضَاعٍ؛ وَمَثَلُ الْمُصَلِّي كَمَثَلِ التَّاجِرِ لَا يَخْلُصُ لَهُ الرِّبْحُ حَتَّى يَخْلُصَ لَهُ رَأْسُ الْمَالِ وَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ نَافِلَةً حَتَّى يُؤَدِّيَ الْفَرِيضَةَ» .
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ
стр. 179
«مَثَلُ الَّذِي يَسْمَعُ الْحِكْمَةَ وَلَا يَحْمِلُ إلَّا شَرَّهَا كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى رَاعِيًا فَقَالَ: آجِرْنِي شَاةً مِنْ غَنَمِكَ، فَقَالَ: انْطَلِقْ فَخُذْ بِأُذُنِ شَاةٍ مِنْهَا، فَذَهَبَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلْبِ الْغَنَمِ» ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا بَقِيَ مِنْ الدُّنْيَا بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ، وَإِنَّمَا مَثَلُ عَمَلِ أَحَدِكُمْ كَمَثَلِ الْوِعَاءِ إذَا طَابَ أَعْلَاهُ طَابَ أَسْفَلُهُ، وَإِذَا خَبُثَ أَعْلَاهُ خَبُثَ أَسْفَلُهُ» . وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اسْتَضَافَ قَوْمًا فَأَضَافُوهُ، وَلَهُمْ كَلْبَةٌ تَنْبَحُ، قَالَ: فَقَالَتْ الْكَلْبَةُ: وَاَللَّهِ لَا أَنْبَحُ ضَيْفَ أَهْلِي اللَّيْلَةَ، قَالَ: فَعَوَى جِرَاؤُهَا فِي بَطْنِهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيًّا لَهُمْ أَوْ قَيْلًا لَهُمْ، فَقَالَ: مَثَلُ هَذِهِ مَثَلُ أُمَّةٍ تَكُونُ بَعْدَكُمْ يَقْهَرُ سُفَهَاؤُهَا حُكَمَاءَهَا وَيَغْلِبُ سُفَهَاؤُهَا عُلَمَاءَهَا» .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْقَائِمِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُّوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ هُمْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» .
وَفِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ هَذَا بِعُودٍ وَهَذَا بِعُودٍ، حَتَّى حَمَلُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذُ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكُهُ»
، وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يَرْفَعُهُ «إنَّ مَطْعَمَ بْنَ آدَمَ ضَرَبَ مَثَلًا لِلدُّنْيَا، فَانْظُرْ مَا يَخْرُجُ مِنْ ابْنِ آدَمَ وَإِنَّ فَرْخَهُ وَمِلْحَهُ قَدْ عَلِمَ إلَى مَا يَصِيرُ» .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلَّادٍ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْدَانَ ثنا يُوسُفُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمِصِّيصِيُّ ثنا حَجَّاجٌ الْأَعْوَرُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنِّي ضَرَبْتُ لِلدُّنْيَا مَثَلًا، وَلِابْنِ آدَمَ عِنْدَ الْمَوْتِ، مَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَخِلَّاءَ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِأَحَدِهِمْ: إنَّكَ كُنْتَ لِي خَلِيلًا، وَكُنْتَ أَبَرَّ الثَّلَاثَةَ عِنْدِي، وَقَدْ نَزَلَ بِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى، فَمَاذَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: يَقُولُ: وَمَاذَا عِنْدِي؟ وَهَذَا أَمْرُ اللَّهِ قَدْ غَلَبَنِي، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنَفِّسَ كُرْبَتَكَ، وَلَا أُفَرِّجَ غَمَّكَ، وَلَا أُؤَخِّرَ سَاعَتَكَ، وَلَكِنْ هَا أَنَا ذَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَخُذْنِي زَادًا تَذْهَبُ بِهِ مَعَكَ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ، قَالَ: ثُمَّ دَعَا الثَّانِيَ فَقَالَ: إنَّكَ كُنْتَ لِي خَلِيلًا، وَكُنْتَ أَبَرَّ الثَّلَاثَةِ عِنْدِي، وَقَدْ نَزَلَ بِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى، فَمَاذَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: يَقُولُ: وَمَاذَا عِنْدِي؟ وَهَذَا أَمْرُ اللَّهِ غَلَبَنِي، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنَفِّسَ كُرْبَتَكَ، وَلَا أُفَرِّجَ غَمَّكَ، وَلَا أُؤَخِّرَ سَاعَتَكَ، وَلَكِنْ سَأَقُومُ عَلَيْكَ فِي مَرَضِكَ، فَإِذَا مِتَّ أَنْقَيْتُ غُسْلَكَ وَجَدَّدْتُ كِسْوَتَكَ وَسَتَرْتُ جَسَدَكَ وَعَوْرَتَكَ قَالَ: ثُمَّ دَعَا الثَّالِثَ فَقَالَ: قَدْ نَزَلَ
стр. 180
بِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى، وَكُنْتَ أَهْوَنَ الثَّلَاثَةِ عَلَيَّ، وَكُنْتُ لَكَ مُضَيِّعًا، وَفِيكَ زَاهِدًا، فَمَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: عِنْدِي أَبِي قَرِينُكَ وَحَلِيفُكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَدْخُلُ مَعَكَ قَبْرَكَ حِين تَدْخُلُهُ، وَأَخْرُجُ مِنْهُ حِينَ تَخْرُجُ مِنْهُ، وَلَا أُفَارِقُكَ أَبَدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا مَالُهُ وَأَهْلُهُ وَعَمَلُهُ، أَمَّا الْأَوَّلُ الَّذِي قَالَ خُذْنِي زَادًا فَمَالُهُ، وَالثَّانِي أَهْلُهُ، وَالثَّالِثُ عَمَلُهُ» .
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا بِسِيَاقِ آخَرَ مِنْ حَدِيثِ أُبَيٍّ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ أَتَدْرُونَ مَا مَثَلُ أَحَدِكُمْ وَمَثَلُ مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَعَمَلِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: إنَّمَا مَثَلُ أَحَدِكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَعَمَلِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا بَعْضَ إخْوَتِهِ فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِي مِنْ الْأَمْرِ مَا تَرَى، فَمَالِي عِنْدَكَ؟ وَمَا لَدَيْكَ؟ فَقَالَ: لَكَ عِنْدِي أَنْ أُمْرِضَكَ وَلَا أُزَايِلَكَ، وَأَنْ أَقُومَ بِشَأْنِكَ، فَإِذَا مِتَّ غَسَّلْتُكَ وَكَفَّنْتُكَ وَحَمَلْتُكَ مَعَ الْحَامِلِينَ، أَحْمِلُكَ طَوْرًا وَأُمِيطُ عَنْكَ طَوْرًا، فَإِذَا رَجَعْتُ أَثْنَيْتُ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ هُنَا عِنْدَ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْكَ، هَذَا أَخُوهُ الَّذِي هُوَ أَهْلُهُ، فَمَا تَرَوْنَهُ؟ قَالُوا: لَا نَسْمَعُ طَائِلًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْأَخِ الْآخَرِ: أَتَرَى مَا قَدْ نَزَلَ بِي؟ فَمَالِي لَدَيْكَ؟ وَمَالِي عِنْدَكَ؟ فَيَقُولُ: لَيْسَ عِنْدِي غَنَاءٌ إلَّا وَأَنْتَ فِي الْأَحْيَاءِ، فَإِذَا مِتَّ ذَهَبَ بِكَ مَذْهَبٌ وَذَهَبَ بِي مَذْهَبٌ، هَذَا أَخُوهُ الَّذِي هُوَ مَالُهُ، كَيْف تَرَوْنَهُ؟ قَالُوا: لَا نَسْمَعُ طَائِلًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ يَقُولُ لِأَخِيهِ الْآخَرِ: أَتَرَى مَا قَدْ نَزَلَ بِي وَمَا رَدَّ عَلَيَّ أَهْلِي وَمَالِي؟ فَمَالِي عِنْدَكَ؟ وَمَا لِي لَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ فِي لَحْدِكَ، وَأَنِيسُكَ فِي وَحْشَتِكَ، وَأَقْعُدُ يَوْمَ الْوَزْنِ فِي مِيزَانِكَ فَأُثَقِّلُ مِيزَانَكَ. هَذَا أَخُوهُ الَّذِي هُوَ عَمَلُهُ، كَيْفَ تَرَوْنَهُ؟ قَالُوا: خَيْرُ أَخٍ وَخَيْرُ صَاحِبٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَإِنَّ الْأَمْرَ هَكَذَا» .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ مَثَلُ صَاحِبِ الْمِسْكِ، إمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَمَثَلُ جَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْكِيرِ، إنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْ شَرَرِهِ أَصَابَكَ مِنْ رِيحِهِ» ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْبَخِيلِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ - أَوْ جُنَّتَانِ - مِنْ حَدِيدٍ مِنْ لَدُنْ ثَدْيِهِمَا إلَى تَرَاقِيِهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يُنْفِقَ سَبَغَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يَجُرَّ بَنَانَهُ وَيَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ قُلِّصَتْ وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ» ، وَقَالَ: «مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي وَيَتَعَجَّلُونَ أُجُورَهُمْ كَمَثَلِ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا» .
[فَصْلٌ فَائِدَةُ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ]
قَالُوا: فَهَذِهِ وَأَمْثَالُهَا مِنْ الْأَمْثَالِ الَّتِي ضَرَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِتَقْرِيبِ الْمُرَادِ، وَتَفْهِيمِ الْمَعْنَى، وَإِيصَالِهِ إلَى ذِهْنِ السَّامِعِ، وَإِحْضَارِهِ فِي نَفْسِهِ بِصُورَةِ الْمِثَالِ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ
стр. 181
يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى تَعَقُّلِهِ وَفَهْمِهِ وَضَبْطِهِ وَاسْتِحْضَارِهِ لَهُ بِاسْتِحْضَارِ نَظِيرِهِ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ تَأْنَسُ بِالنَّظَائِرِ وَالْأَشْبَاهِ الْأُنْسَ التَّامَّ، وَتَنْفِرُ مِنْ الْغُرْبَةِ وَالْوَحْدَةِ وَعَدَمِ النَّظِيرِ؛ فَفِي الْأَمْثَالِ مِنْ تَأْنِيسِ النَّفْسِ وَسُرْعَةِ قَبُولِهَا وَانْقِيَادِهَا لِمَا ضُرِبَ لَهَا مَثَلُهُ مِنْ الْحَقِّ أَمْرٌ لَا يَجْحَدُهُ أَحَدٌ، وَلَا يُنْكِرُهُ، وَكُلَّمَا ظَهَرَتْ لَهَا الْأَمْثَالُ ازْدَادَ الْمَعْنَى ظُهُورًا وَوُضُوحًا، فَالْأَمْثَالُ شَوَاهِدُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَمُزَكِّيَةٌ لَهُ، فَهِيَ ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ، وَهِيَ خَاصَّةُ الْعَقْلِ وَلُبُّهُ وَثَمَرَتُهُ.
[فَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ]
وَلَكِنْ أَيْنَ فِي الْأَمْثَالِ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهِمْنَا أَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ عَشَرَةٍ قِيَاسًا وَتَمْثِيلًا عَلَى أَقَلِّ مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ؟ هَذَا بِالْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِي أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ لِلْفَهْمِ، كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ فِي جَامِعِهِ الصَّحِيحِ: بَابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُمَا لِيُفْهِمَ السَّامِعَ، فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ هَذِهِ الْأَمْثَالَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا نَجْهَلُ مَا أُرِيدَ بِهَا، وَإِنَّمَا نُنْكِرُ أَنْ يُسْتَفَادَ وُجُوبُ الدَّمِ عَلَى مَنْ قَطَعَ مِنْ جَسَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ أَوْ أَرْبَعَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَأَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ: «صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعٌ مِنْ زَبِيبٍ» ، يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَعْطَى صَاعًا مِنْ إهْلِيلِجٍ جَازَ، وَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ وَالِاعْتِبَارِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ، يُسْتَفَادُ مِنْهُ وَمِنْ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ الْوَلِيُّ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي - وَهُوَ بِأَقْصَى الشَّرْقِ وَهِيَ بِأَقْصَى الْغَرْبِ - فَقَالَ: قَبِلْتُ هَذَا التَّزْوِيجَ وَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَقَدْ صَارَتْ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: " قَبِلْتُ هَذَا التَّزْوِيجَ " وَمَعَ هَذَا لَوْ كَانَتْ لَهُ سُرِّيَّةٌ يَطَؤُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا لَهُ، وَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ وَيَسْتَلْحِقَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ فَلَيْسَ بِوَلَدِهِ.
وَأَيْنَ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ» ، أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ بِحَجَرِ الْمَنْجَنِيقِ أَوْ بُكُورِ الْحَدَّادِ أَوْ بِمَرَازِبِ الْحَدِيدِ الْعِظَامِ حَتَّى خَلَطَ دِمَاغَهُ بِلَحْمِهِ وَعَظْمِهِ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ شِبْهُ عَمْدٍ لَا يُوجِبُ قَوَدًا، وَأَيْنَ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» ، أَنَّ مِنْ عَقَدَ عَلَى أُمِّهِ أَوْ ابْنَتِهِ أَوْ أُخْتِهِ وَوَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَأَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ
стр. 182
بِالشُّبُهَاتِ» ، فَهَذَا فِي مَعْنَى الشُّبْهَةِ الَّتِي تُدْرَأُ بِهَا الْحُدُودُ، وَهِيَ الشُّبْهَةُ فِي الْمَحَلِّ، أَوْ فِي الْفَاعِلِ، أَوْ فِي الِاعْتِقَادِ، وَلَوْ عَرَضَ هَذَا عَلَى فَهْمٍ مِنْ فَرْضٍ مِنْ الْعَالَمِينَ لَمْ يَفْهَمْهُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَأَنَّ مَنْ يَطَأُ خَالَتَهُ أَوْ عَمَّتَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا خَالَتُهُ أَوْ عَمَّتُهُ، وَتَحْرِيمِ اللَّهِ لِذَلِكَ، وَيُفْهَمُ هَذَا مِنْ «، ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ، وَأَضْعَافُ أَضْعَافِ هَذَا مِمَّا لَا يَكَادُ يَنْحَصِرُ.
فَهَذَا التَّمْثِيلُ وَالتَّشْبِيهُ هُوَ الَّذِي نُنْكِرُهُ، وَنُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَهْمِهِ بِوَجْهٍ مَا.
قَالُوا: وَمِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦] ، وَمِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] ، تَحْرِيمُ بَيْعِ الْكِشْكِ بِاللَّبَنِ، وَبَيْعِ الْخَلِّ بِالْعِنَبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ .
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] ، وَلَمْ يَقُلْ " إلَى قِيَاسَاتِكُمْ وَآرَائِكُمْ " وَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ أَرَاءَ الرِّجَالِ وَأَقْيِسَتَهَا حَاكِمَةً بَيْنَ الْأُمَّةِ أَبَدًا.
وَقَالُوا: وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، فَإِنَّمَا مَنَعَهُمْ مِنْ الْخِيَرَةِ عِنْدَ حُكْمِهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ، لَا عِنْدَ آرَاءِ الرِّجَالِ وَأَقْيِسَتِهِمْ وَظُنُونِهِمْ، وَقَدْ أَمَرَ - سُبْحَانَهُ - رَسُولَهُ بِاتِّبَاعِ مَا أَوْحَاهُ إلَيْهِ خَاصَّةً وَقَالَ: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] ، وَقَالَ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] ، قَالُوا: فَدَلَّ هَذَا النَّصُّ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ مِنْ الدِّينِ فَهُوَ شَرْعُ غَيْرِهِ الْبَاطِلِ.
قَالُوا: وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ ﵎ أَنَّ كُلَّ مَا سَكَتَ عَنْ إيجَابِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ فَهُوَ عَفْوٌ عَفَا عَنْهُ لِعِبَادِهِ، يُبَاحُ إبَاحَةُ الْعَفْوِ؛ فَلَا يَجُوزُ تَحْرِيمُهُ وَلَا إيجَابُهُ قِيَاسًا عَلَى مَا أَوْجَبَهُ أَوْ حَرَّمَهُ بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ هَذَا الْقِسْمِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلْغَاءَهُ؛ إذْ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَرَّمِ شَبَهٌ وَوَصْفٌ جَامِعٌ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ، فَلَوْ جَازَ إلْحَاقُهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قِسْمٌ قَدْ عُفِيَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَا سَكَتَ عَنْهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ، بَلْ يَكُونُ مَا سَكَتَ عَنْهُ قَدْ حَرَّمَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا حَرَّمَهُ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَى دَفْعِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ تَحْرِيمُ مَا سَكَتَ عَنْهُ تَبْدِيلًا لِحُكْمِهِ، وَقَدْ ذَمَّ - تَعَالَى - مَنْ بَدَّلَ غَيْرَ الْقَوْلِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ؛ فَمَنْ بَدَّلَ غَيْرَ الْحُكْمِ
стр. 183
الَّذِي شَرَعَ لَهُ فَهُوَ أَوْلَى بِالذَّمِّ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» فَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَنْ تَسَبَّبَ إلَى تَحْرِيمِ الشَّارِعِ صَرِيحًا بِمَسْأَلَتِهِ عَنْ حُكْمِ مَا سَكَتَ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ حَرَّمَ السُّكُوتَ عَنْهُ بِقِيَاسِهِ وَبِرَأْيِهِ؟ .
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ لَمَّا كَانَ عَفْوًا عَفَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ عَنْهُ، وَكَانَ الْبَحْثُ عَنْهُ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ إيَّاهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُقْتَضَى التَّحْرِيمِ، لَا لِمُجَرَّدِ السُّؤَالِ عَنْ حُكْمِهِ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَفَا عَنْ ذَلِكَ وَسَامَحَ بِهِ عِبَادَهُ كَمَا يَعْفُو عَمَّا فِيهِ مَفْسَدَةٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ؛ فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ ذِكْرِ لَفْظٍ عَامٍّ يُحَرِّمُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَفْوٌ عَنْهُ، فَمَنْ حَرَّمَهُ بِسُؤَالِهِ عَنْ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وَقِيَاسِهِ عَلَى الْمُحَرَّمِ بِالنَّصِّ كَانَ أَدْخَلَ فِي الذَّمِّ مِمَّنْ سَأَلَهُ عَنْ حُكْمِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ فَحَرُمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ، بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبْحَثَ عَنْهُ، وَلَا يَسْأَلَ عَنْ حُكْمِهِ، اكْتِفَاءً بِسُكُوتِ اللَّهِ عَنْ عَفْوِهِ عَنْهُ؛ فَهَكَذَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحَرِّمَ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ بِغَيْرِ النَّصِّ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ أَصْلَهُ الَّذِي يُلْحَقُ بِهِ.
قَالُوا: وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا كِتَابُ اللَّهِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢] ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِكَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوهُ مِنْ السُّؤَالِ مَا تَرَكَهُمْ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ أَنْ نَتْرُكَهُ ﷺ وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، فَلَا نَقُولَ لَهُ: لِمَ حَرَّمَتْ كَذَا؟ لِنُلْحِقَ بِهِ مَا سَكَتَ عَنْهُ، بَلْ هَذَا أَبْلَغُ فِي الْمَعْصِيَةِ مِنْ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ حُكْمِ شَيْءٍ لَمْ يَحْكُمْ فِيهِ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ وَاضِحٌ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ «وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، فَجَعَلَ الْأُمُورَ ثَلَاثَةً، لَا رَابِعَ لَهَا: مَأْمُورٌ بِهِ، فَالْفَرْضُ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَالْفَرْضُ عَلَيْهِمْ اجْتِنَابُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَسْكُوتٌ عَنْهُ؛ فَلَا يُتَعَرَّضُ لِلسُّؤَالِ وَالتَّفْتِيشِ عَنْهُ. وَهَذَا حُكْمٌ لَا يَخْتَصُّ بِحَيَاتِهِ فَقَطْ، وَلَا يَخُصُّ الصَّحَابَةَ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ، بَلْ فُرِضَ عَلَيْنَا نَحْنُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَاجْتِنَابُ نَهْيِهِ، وَتَرْكُ الْبَحْثِ وَالتَّفْتِيشِ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ التَّرْكُ جَهْلًا وَتَجْهِيلًا لِحُكْمِهِ، بَلْ إثْبَاتٌ لِحُكْمِ الْعَفْوِ
стр. 184
وَهُوَ الْإِبَاحَةُ الْعَامَّةُ وَرَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ فَاعِلِهِ، فَقَدْ اسْتَوْعَبَ الْحَدِيثُ أَقْسَامَ الدِّينِ كُلَّهَا، فَإِنَّهَا إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا حَرَامٌ وَإِمَّا مُبَاحٌ؛ وَالْمَكْرُوهُ وَالْمُسْتَحَبُّ فَرْعَانِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ خَارِجَيْنِ عَنْ الْمُبَاحِ؛ وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ، فَوَكَلَ بَيَانَهُ إلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - لَا إلَى الْقَيَّاسِينَ والأرائيين، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] ، فَقَسَّمَ الْحُكْمَ إلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٍ أَذِنَ فِيهِ وَهُوَ الْحَقُّ وَقِسْمٍ اُفْتُرِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، فَأَيْنَ أَذِنَ لَنَا أَنْ نَقِيسَ الْبَلُّوطَ عَلَى التَّمْرِ فِي جَرَيَانِ الرِّبَا فِيهِ؟ وَأَنْ نَقِيسَ الْقَصْدِيرَ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْخَرْدَلَ عَلَى الْبُرِّ؟ فَإِنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَّانَا بِهَذَا فَسَمْعًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِلَّا فَإِنَّا قَائِلُونَ لِمُنَازِعِينَا: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤] فَمَا لَمْ تَأْتِنَا بِهِ وَصِيَّةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ فَهُوَ عَيْنُ الْبَاطِلِ، وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ بِرَدِّ مَا تَنَازَعْنَا فِيهِ إلَيْهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ؛ فَلَمْ يُبِحْ لَنَا قَطُّ أَنْ نَرُدَّ ذَلِكَ إلَى رَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا تَقْلِيدِ إمَامٍ وَلَا مَنَامٍ وَلَا كُشُوفٍ وَلَا إلْهَامٍ وَلَا حَدِيثِ قَلْبٍ وَلَا اسْتِحْسَانٍ وَلَا مَعْقُولٍ وَلَا شَرِيعَةِ الدِّيوَانِ وَلَا سِيَاسَةِ الْمُلُوكِ، وَلَا عَوَائِدِ النَّاسِ الَّتِي لَيْسَ عَلَى شَرَائِعِ الْمُسْلِمِينَ أَضَرُّ مِنْهَا، فَكُلُّ هَذِهِ طَوَاغِيتُ، مَنْ تَحَاكَمَ إلَيْهَا أَوْ دَعَا مُنَازِعَهُ إلَى التَّحَاكُمِ إلَيْهَا فَقَدْ حَاكَمَ إلَى الطَّاغُوتِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] ، قَالُوا: وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَقَّ التَّأَمُّلِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا نَصٌّ عَلَى إبْطَالِ الْقِيَاسِ وَتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ كُلَّهُ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ لِلدَّيْنِ، وَتَمْثِيلُ مَا لَا نَصَّ فِيهِ بِمَا فِيهِ نَصٌّ، وَمَنْ مَثَّلَ مَا لَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ إيجَابِهِ بِمَا حَرَّمَهُ أَوْ أَوْجَبَهُ فَقَدْ ضَرَبَ لِلَّهِ الْأَمْثَالَ، وَلَوْ عَلِمَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّ الَّذِي سَكَتَ عَنْهُ مِثْلُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ لَأَعْلَمَنَا بِهِ، وَلَمَا أَغْفَلَهُ - سُبْحَانَهُ - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ، وَلْيُبَيِّنْ لَنَا مَا نَتَّقِي كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ إذْ يَقُولُ - سُبْحَانَهُ -: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وَلَمَّا وَكَلَهُ إلَى آرَائِنَا وَمَقَايِيسِنَا الَّتِي يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَهَذَا يَقِيسُ مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ عَلَى مَا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَظِيرُهُ فَيَجِيءُ مُنَازِعُهُ فَيَقِيسُ ضِدَّ قِيَاسِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَيُبْدِي مِنْ الْوَصْفِ الْجَامِعِ مِثْلَ مَا أَبْدَاهُ مُنَازِعُوهُ أَوْ أَظْهَرَ مِنْهُ، وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسَانِ مَعًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، فَلَيْسَا مِنْ عِنْدِهِ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي إبْطَالِ الْقِيَاسِ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] ، وَقَالَ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، فَكُلُّ مَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَنْ رَبِّهِ - سُبْحَانَهُ - بَيَّنَهُ بِأَمْرِهِ وَإِذْنِهِ، وَقَدْ عَلِمْنَا يَقِينًا وُقُوعَ كُلِّ اسْمٍ فِي اللُّغَةِ عَلَى مُسَمَّاهُ فِيهَا، وَأَنَّ
стр. 185
اسْمَ الْبُرِّ لَا يَتَنَاوَلُ الْخَرْدَلَ، وَاسْمَ التَّمْرِ لَا يَتَنَاوَلُ الْبَلُّوطَ، وَاسْمَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْقَصْدِيرَ، وَأَنَّ تَقْدِيرَ نِصَابِ السَّرِقَةِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ تَقْدِيرُ الْمَهْرِ، وَأَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الطَّيِّبَ عِنْدَ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا إذَا مَاتَ صَارَ نَجَسًا خَبِيثًا، وَأَنَّ هَذَا عَنْ الْبَيَانِ الَّذِي وَلَّاهُ اللَّهُ رَسُولَهُ وَبَعَثَهُ بِهِ أَبْعَدَ شَيْءٍ وَأَشَدَّهُ مُنَافَاةً لَهُ، فَلَيْسَ هُوَ مِمَّا بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ قَطْعًا، فَلَيْسَ إذًا مِنْ الدِّينِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «، مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» ، وَلَوْ كَانَ الرَّأْيُ وَالْقِيَاسُ خَيْرًا لَهُمْ لَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ، وَأَرْشَدَهُمْ إلَيْهِ، وَلَقَالَ لَهُمْ: إذَا أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ شَيْئًا أَوْ حَرَّمْتُهُ فَقِيسُوا عَلَيْهِ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَصْفٌ جَامِعٌ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، أَوْ قَالَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَلَمَا حَذَّرَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْحَذَرِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ -، وَقَدْ أَحْكَمَ اللِّسَانُ كُلَّ اسْمٍ عَلَى مُسَمَّاهُ لَا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْعَرَبِيَّةِ الَّتِي يَفْهَمُهَا الْعَرَبُ مِنْ لِسَانِهَا، فَإِذَا نَصَّ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ نَصَّ رَسُولُهُ عَلَى اسْمٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمًا مِنْ الْأَحْكَامِ وَجَبَ أَلَّا يُوقَعَ ذَلِكَ الْحُكْمُ إلَّا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ ذَلِكَ الِاسْمُ، وَلَا يَتَعَدَّى بِهِ الْوَضْعَ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيهِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ شَيْءٌ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الِاسْمُ؛ فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ، وَالنَّقْصُ مِنْهُ نَقْصٌ فِي الدِّينِ؛ فَالْأَوَّلُ الْقِيَاسُ، وَالثَّانِي التَّخْصِيصُ الْبَاطِلُ، وَكِلَاهُمَا لَيْسَ مِنْ الدِّينِ، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَ النُّصُوصِ فَإِنَّهُ تَارَةً يَزِيدُ فِي النَّصِّ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَيَقُولُ: هَذَا قِيَاسٌ، وَمَرَّةً يَنْقُصُ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَقْتَضِيهِ وَيُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِهِ وَيَقُولُ: هَذَا تَخْصِيصٌ، وَمَرَّةً يَتْرُكُ النَّصَّ جُمْلَةً وَيَقُولُ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ، أَوْ يَقُولُ: هَذَا خِلَافُ الْقِيَاسِ، أَوْ خِلَافُ الْأُصُولِ.
قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ مِنْ الدِّينِ لَكَانَ أَهْلُهُ أَتْبَعَ النَّاسِ لِلْأَحَادِيثِ، وَكَانَ كُلَّمَا تَوَغَّلَ فِيهِ الرَّجُلُ [فِيهِ] كَانَ أَشَدَّ اتِّبَاعًا لِلْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ.
قَالُوا: وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ كُلَّمَا اشْتَدَّ تَوَغُّلُ الرَّجُلِ فِيهِ اشْتَدَّتْ مُخَالَفَتُهُ لِلسُّنَنِ، وَلَا نَرَى خِلَافَ السُّنَنِ وَالْأُثَّارِ إلَّا عِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ، فَلِلَّهِ كَمْ مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ قَدْ عُطِّلَتْ بِهِ؟ ، وَكَمْ مِنْ أَثَرٍ دُرِسَ حُكْمُهُ بِسَبَبِهِ؟
فَالسُّنَنُ وَالْآثَارُ عِنْدَ والأرائيين وَالْقِيَاسِيِّينَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، مُعَطَّلَةٌ أَحْكَامُهَا، مَعْزُولَةٌ عَنْ سُلْطَانِهَا وَوِلَايَتِهَا، لَهَا الِاسْمُ وَلِغَيْرِهَا الْحُكْمُ، مِنْهَا السِّكَّةُ وَالْخُطْبَةُ وَلِغَيْرِهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَإِلَّا فَلِمَاذَا تُرِكَ حَدِيثُ الْعَرَايَا، وَحَدِيثُ قَسْمِ الِابْتِدَاءِ وَأَنَّ لِلزَّوْجَةِ حَقَّ الْعَقْدِ سَبْعَ لَيَالٍ إنْ كَانَتْ بِكْرًا وَثَلَاثًا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ثُمَّ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَحَدِيثُ تَغْرِيبِ الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ.
وَحَدِيثُ الِاشْتِرَاطِ فِي الْحَجِّ وَجَوَازِ التَّحَلُّلِ
стр. 186
بِالشَّرْطِ، وَحَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَنَّ كَلَامَ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَحَدِيثُ دَفْعِ اللُّقَطَةِ إلَى مَنْ جَاءَ فَوَصَفَ وِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، وَحَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ، وَحَدِيثُ الْقُرْعَةِ بَيْنَ الْعَبِيدِ إذَا أُعْتِقُوا فِي الْمَرَضِ وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ، وَحَدِيثُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَحَدِيثُ إتْمَامِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَحَدِيثُ إتْمَامِ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِمَنْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَقَدْ صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً، وَحَدِيثُ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ، وَحَدِيثُ الْحَجِّ عَنْ الْمَرِيضِ الْمَأْيُوسِ مِنْ بُرْئِهِ، وَحَدِيثُ الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ.
وَحَدِيثُ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَحَدِيثُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، وَحَدِيثُ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ، وَحَدِيثُ الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ إذَا كَانَ مِنْ أَمَةٍ وَهُوَ سَبَبُ الْحَدِيثِ، وَحَدِيثُ تَخْيِيرِ الْغُلَامِ بَيْنَ أَبَوَيْهِ إذَا افْتَرَقَا، وَحَدِيثُ قَطْعِ السَّارِقِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ وَحَدِيثُ رَجْمِ الْكِتَابِيَّيْنِ فِي الزِّنَا، وَحَدِيثُ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أُمِرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ وَأَخْذِ مَالِهِ، وَحَدِيثُ " لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ "، وَحَدِيثُ " لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ "، وَحَدِيثُ " لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ ".
وَحَدِيثُ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ، وَحَدِيثُ " أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا " وَحَدِيثُ أَصْدِقْهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ "، وَحَدِيثُ إبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ، وَحَدِيثُ " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ "، وَحَدِيثُ " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ "، وَحَدِيثُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ، وَحَدِيثُ " ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ "، وَحَدِيثُ الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ، وَحَدِيثُ قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةٌ، وَحَدِيثُ " لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ "، وَأَحَادِيثُ حُرْمَةِ الْمَدِينَةِ، وَحَدِيثُ إشْعَارِ الْهَدْيِ، وَحَدِيثُ " إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُحْرِمُ الْإِزَارَ فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ "، وَحَدِيثُ مَنْعِ الرَّجُلِ مِنْ تَفْضِيلِ بَعْضِ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَّهُ جَوْرٌ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ " أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ "، وَحَدِيثُ الْقَسَامَةِ، وَحَدِيثُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَأَحَادِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ.
وَحَدِيثُ الْأَمْرِ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لِمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَحَدِيثُ " مَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ "، وَحَدِيثُ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ، وَحَدِيثُ الْجَهْرِ بِآمِينَ فِي الصَّلَاةِ، وَحَدِيثُ جَوَازِ رُجُوعِ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ وَلَا يَرْجِعُ غَيْرُهُ، وَحَدِيثُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَحَدِيثُ الْخُرُوجِ إلَى الْعِيدِ مِنْ الْغَدِ إذَا عَلِمَ بِالْعِيدِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَحَدِيثُ نَضْحِ بَوْلِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ، وَحَدِيثُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، وَحَدِيثُ مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ.
وَحَدِيثُ بَيْعِ جَابِرٍ بَعِيرَهُ وَاشْتِرَاطِ ظَهْرِهِ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَحَدِيثُ لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ، وَحَدِيثُ أَنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوُفُّوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجُ، وَحَدِيثُ مَنْ بَاعَ عَبْدًا
стр. 187
وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، وَحَدِيثُ إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ اخْتَارَ أَيَّتَهمَا شَاءَ، وَحَدِيثُ الْوِتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَحَدِيثُ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ، وَحَدِيثُ مِنْ السُّنَّةِ وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ، وَحَدِيثُ لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ مِنْ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَأَحَادِيثُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَأَحَادِيثُ الِاسْتِفْتَاحِ.
وَحَدِيثُ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَكْتَتَانِ فِي الصَّلَاةِ وَحَدِيثُ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ، وَحَدِيثُ حَمْلِ الصِّبْيَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَحَادِيثُ الْقُرْعَةِ، وَأَحَادِيثُ الْعَقِيقَةِ، وَحَدِيثُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنِكَ، وَحَدِيثُ أَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضِمُهَا كَمَا يَقْضِمُ الْفَحْلُ، وَحَدِيثُ إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الذَّبْحِ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ، وَحَدِيثُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ، وَحَدِيثُ الْمُحْرِمُ إذَا مَاتَ لَمْ يُخَمَّرْ رَأْسُهُ وَلَمْ يُقَرَّبْ طِيبًا، إلَى أَضْعَافِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي كَانَ تَرْكُهَا مِنْ أَجْلِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ؟ .
فَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ أَهْلُهُ أَتْبَعَ الْأُمَّةِ لِلْأَحَادِيثِ وَلَا حُفِظَ لَهُمْ تَرْكُ حَدِيثٍ وَاحِدٍ إلَّا لِنَصٍّ نَاسِخٍ لَهُ، فَحَيْثُ رَأَيْنَا كُلَّ مَنْ كَانَ أَشَدَّ تَوَغُّلًا فِي الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ كَانَ أَشَدَّ مُخَالَفَةً لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ عَلِمْنَا أَنَّ الْقِيَاسَ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ، وَأَنَّ شَيْئًا تُتْرَكُ لَهُ السُّنَنُ لَأَبْيَنُ شَيْءٍ مُنَافَاةً لِلدِّينِ، فَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَطَابَقَ السُّنَّةَ أَعْظَمَ مُطَابَقَةٍ، وَلَمْ يُخَالِفْ أَصْحَابُهُ حَدِيثًا وَاحِدًا مِنْهَا، وَلَكَانُوا أَسْعَدَ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَلْيُرُوا أَهْلَ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ حَدِيثًا وَاحِدًا صَحِيحًا قَدْ خَالَفُوهُ كَمَا أَرَيْنَاهُمْ آنِفًا مَا خَالَفُوهُ مِنْ السُّنَّةِ بِجَرِيرَةِ الْقِيَاسِ.
قَالُوا: وَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَلَيْنَا بَعْدَهُمْ أَنْ لَا نَقُولَ عَلَى اللَّهِ إلَّا الْحَقَّ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَقْيِسَةُ الْمُتَعَارِضَةُ الْمُتَنَاقِضَةُ الَّتِي يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِحَيْثُ لَا يَدْرِي النَّاظِرُ فِيهَا أَيُّهَا الصَّوَابُ حَقًّا لَكَانَتْ مُتَّفِقَةً يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَالسُّنَّةِ الَّتِي يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [يونس: ٨٢] ، لَا بِآرَائِنَا وَلَا مَقَايِيسِنَا، وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] ، فَمَا لَمْ يَقُلْهُ - سُبْحَانَهُ - وَلَا هَدَى إلَيْهِ فَلَيْسَ مِنْ الْحَقِّ، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] ، فَقَسَّمَ الْأُمُورَ إلَى قِسْمَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إتْبَاعٌ لِمَا دَعَا إلَيْهِ الرَّسُولُ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى.
стр. 188
[فَصْلٌ لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ بِالْقِيَاسِ بَلْ نَهَى عَنْهُ]
وَالرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَدَعْ أُمَّتَهُ إلَى الْقِيَاسِ قَطُّ، بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ وَأُسَامَةَ مَحْضَ الْقِيَاسِ فِي شَأْنِ الْحُلَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَرْسَلَ بِهِمَا إلَيْهِمَا فَلَبِسَهَا أُسَامَةُ قِيَاسًا لِلُّبْسِ عَلَى التَّمَلُّكِ وَالِانْتِفَاعِ وَالْبَيْعِ وَكِسْوَتِهَا لِغَيْرِهِ، وَرَدَّهَا عُمَرُ قِيَاسًا لِتَمَلُّكِهَا عَلَى لُبْسِهَا، فَأُسَامَةُ أَبَاحَ، وَعُمَرُ حَرَّمَ قِيَاسًا، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسَيْنِ، «وَقَالَ لِعُمَرَ: إنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا» ، «وَقَالَ لِأُسَامَةَ إنِّي لَمْ أَبْعَثْهَا إلَيْكَ لِتَلْبِسَهَا، وَلَكِنْ بَعَثْتُهَا إلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا لِنِسَائِكَ» ، وَالنَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ فِي الْحَرِيرِ بِالنَّصِّ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِهِ فَقَطْ، فَقَاسَا قِيَاسًا أَخْطَأ فِيهِ، فَأَحَدُهُمَا قَاسَ اللُّبْسَ عَلَى الْمِلْكِ، وَعُمَرُ قَاسَ التَّمَلُّكَ عَلَى اللُّبْسِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ أَنَّ مَا حَرَّمَهُ مِنْ اللُّبْسِ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَمَا أَبَاحَهُ مِنْ التَّمَلُّكِ لَا يَتَعَدَّى إلَى اللُّبْسِ، وَهَذَا عَيْنُ إبْطَالِ الْقِيَاسِ.
وَصَحَّ عَنْهُ مَا رَوَاهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «، إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» ، وَهَذَا الْخِطَابُ كَمَا يَعُمُّ أَوَّلُهُ لِلصَّحَابَةِ وَلِمَنْ بَعْدَهُمْ فَهَكَذَا آخِرُهُ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَبْحَثَ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ لِيُحَرِّمَهُ أَوْ يُوجِبَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، أَعْظَمُهَا فِتْنَةً عَلَى أُمَّتِي قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ، وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ» . قَالَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ، فَذَكَرَهُ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ إلَّا جَرِيرَ بْنَ عُثْمَانَ فَإِنَّهُ كَانَ مُنْحَرِفًا عَنْ عَلِيٍّ، وَمَعَ هَذَا فَاحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِمَّا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ الِانْحِرَافِ عَنْ عَلِيٍّ، وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ إمَامٌ جَلِيلٌ، وَكَانَ سَيْفًا عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صِحَّةٌ تَقْرُبُ مِنْ التَّوَاتُرِ أَنَّهُ قَالَ «، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِكَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، فَتَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَمَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ
стр. 189
حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ مُبَاحٌ فَبَطَلَ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ؛ فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَالْمَقِيسُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ بِلَا رَيْبٍ؛ فَيَكُونُ عَفْوًا بِلَا رَيْبٍ، فَإِلْحَاقُهُ بِالْمُحَرَّمِ تَحْرِيمٌ لِمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ.
، وَفِي قَوْلِهِ «، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ» بَيَانٌ جَلِيٌّ أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا وَاجِبٍ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ أَوَامِرَهُ عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَجِيءَ مَا يَرْفَعُ ذَلِكَ، أَوْ يُبَيِّنُ أَنَّ مُرَادَهُ النَّدْبُ، وَأَنَّ مَا لَا نَسْتَطِيعُهُ فَسَاقِطٌ عَنَّا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُغَلِّسِ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثنا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ ثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ثنا سَيْفُ بْنُ هَارُونَ الْبُرْجُمِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقَالَ: الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» ، وَهَذَا إسْنَادٌ جَيِّدٌ مَرْفُوعٌ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
[فَصْلٌ نهى الصَّحَابَةُ عَنْ الْقِيَاسِ]
فَصْلٌ [الصَّحَابَةُ نَهَوْا عَنْ الْقِيَاسِ أَيْضًا]
وَأَمَّا الصَّحَابَةُ ﵃ فَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا جَاءَكَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا تَضْرِبْ لَهُ الْأَمْثَالَ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ» ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ «، لَا تُسَمِّينَ غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا رَبَاحًا وَلَا نَجِيحًا وَلَا أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَيُقَالُ: لَا، إنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ» .
قَالُوا: فَلَمْ يُجِزْ سَمُرَةُ أَنْ يَنْهَى عَمَّا عَدَا الْأَرْبَعَ قِيَاسًا عَلَيْهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ زِيَادَةً فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَرْبَعِ بِالْقِيَاسِ التَّسْمِيَةَ بِسَعْدٍ وَفَرَجٍ وَخَيْرٍ وَبَرَكَةٍ وَنَحْوِهَا، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْقِيَاسِيِّينَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي سَكَتَ عَنْهَا النَّصُّ أَوْلَى بِالنَّهْيِ؛ فَيَكُونُ إلْحَاقُهَا بِقِيَاسِ الْأُولَى أَوْ مِثْلِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَعَلَّ قَوْلَهُ «، إنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ» ، مَرْفُوعٌ مِنْ نَفْسِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ لَعَلَّ سَمُرَةَ أَرَادَ بِهَا إنَّمَا حَفِظْتُ هَذِهِ الْأَرْبَعَ فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ فِي الرِّوَايَةِ.
قِيلَ: أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ فَصَرِيحٌ فِي إبْطَالِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَمَعَ هَذَا فَخَصَّ النَّهْيَ بِالْأَرْبَعِ، وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي فَقَوْلُهُ " إنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ " يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الرِّوَايَةِ وَالْحُكْمِ بِهَا، وَنَفْيَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا رِوَايَةً وَحُكْمًا؛ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
стр. 190
وَقَالَ شُعْبَةُ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ فَيْرُوزَ قَالَ: «قُلْتُ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: حَدِّثْنِي مَا كَرِهَ أَوْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةَ الْقَرْنِ أَوْ الْأُذُنِ، قَالَ: فَمَا كَرِهْتُ مِنْهُ فَدَعْهُ، وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أَحَدٍ» ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْقِيَاسِ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَلَمْ يَقِسْ عَلَيْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا، فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ وَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ؛ فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: قَدْ وَضَحَتْ الْأُمُورُ، وَتَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ، وَلَمْ يُتْرَكْ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ مُتَكَلِّمٌ إلَّا أَنْ يَضِلَّ عَبْدٌ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ أَتَى الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ فَقَدْ بُيِّنَ لَهُ، وَإِلَّا فَوَاَللَّهِ مَا لَنَا طَاقَةٌ بِكُلِّ مَا تُحْدِثُونَ، وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ مِنْ الدَّيْنِ لَكَانَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ طَاقَةٌ بِقِيَاسِ كُلِّ مَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ عَلَى نَظِيرِهِ بِوَصْفٍ جَامِعٍ شَبَهِيٍّ، وَإِذَا كَانَ الْقِيَاسِيُّونَ لَا يَعْجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ الصَّحَابَةُ؟ وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ مِنْ الدِّينِ لَكَانَ الْجَمِيعُ مُبَيَّنًا، وَلَمَّا قَسَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ إلَى مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ وَإِلَى مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى قَوْلِكُمْ قَدْ بَيَّنَ الْجَمِيعَ بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَنْقَلِبُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - قَدْ بَيَّنَ الْجَمِيعَ.
قُلْنَا: مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - نُطْقًا فَقَدْ بَيَّنَ حُكْمَهُ، وَمَا لَمْ يُبَيِّنْهُ نُطْقًا بَلْ سَكَتَ عَنْهُ فَقَدْ بَيَّنَ لَنَا أَنَّهُ عَفْوٌ، وَأَمَّا الْقِيَاسِيُّونَ فَيَقُولُونَ: مَا سَكَتَ عَنْهُ فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَفَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَنَحْنُ أَسْعَدُ بِالْبَيَانِ النُّطْقِيِّ وَالسُّكُوتِيِّ مِنْكُمْ لِتَعْمِيمِنَا الْبَيَانَيْنِ وَعَدَمِ تَنَاقُضِنَا فِيهِمَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَيْسَ عَامٌ إلَّا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، لَا أَقُولُ عَامٌ أَمْطُرُ مِنْ عَامٍ، وَلَا عَامٌ أَخْصَبُ مِنْ عَامٍ، وَلَا أَمِيرٌ خَيْرٌ مِنْ أَمِيرٍ، وَلَكِنْ ذَهَابُ خِيَارِكُمْ وَعُلَمَائِكُمْ، ثُمَّ يَحْدُثُ قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ فَيَنْهَدِمُ الْإِسْلَامُ وَيَنْثَلِمُ.
وَتَقَدَّمَ قَوْلُ عُمَرَ: الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: كِتَابٌ نَاطِقٌ، وَسُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، وَلَا أَدْرِي، وَقَوْلُهُ لِأَبِي الشَّعْثَاءِ: لَا تُفْتِيَنَّ إلَّا بِكِتَابٍ نَاطِقٍ، أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى
стр. 191
يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ الْأَخْضَرِ، قُلْتُ: فَالْأَبْيَضُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي» ، وَلَمْ يَقُلْ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْأَخْضَرِ وَالْأَبْيَضِ كَمَا يُبَادِرُ إلَيْهِ الْقِيَاسِيُّونَ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا تُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقِيَاسَ خَارِجٌ عَنْ كِلَيْهِمَا.
وَتَقَدَّمَ قَوْلُ مُعَاذٍ: تَكُونُ فِتَنٌ يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ، وَيُفْتَحُ الْقُرْآنُ، حَتَّى يَقْرَأَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَيَقْرَأَهُ الرَّجُلُ فَلَا يَتَّبِعُ، فَيَقُولَ: وَاَللَّهِ لَأَقْرَأَنَّهُ عَلَانِيَةً، فَيَقْرَأَهُ عَلَانِيَةً فَلَا يَتَّبِعُ، فَيَتَّخِذُ مَسْجِدًا وَيَبْتَدِعُ، فَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ: عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّكُمْ إنْ عَمِلْتُمْ فِي دِينِكُمْ بِالْقِيَاسِ أَحْلَلْتُمْ كَثِيرًا مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَحَرَّمْتُمْ كَثِيرًا مِمَّا أُحِلَّ لَكُمْ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ أَحْدَثَ رَأْيًا لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَدْرِ عَلَى مَا هُوَ مِنْهُ إذَا لَقِيَ اللَّهَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ الْمُكَايَلَةِ، يَعْنِي الْمُقَايَسَةِ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَعْفَرُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إيَّاكَ وَالْمُكَايَلَةَ، يَعْنِي الْمُقَايَسَةَ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ سَتُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مُحْدِثًا فَعَلَيْكُمْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
[فَصْلٌ ذَمِّ التَّابِعُونَ لِلْقِيَاسِ]
فَصْلٌ [التَّابِعُونَ يُصَرِّحُونَ بِذَمِّ الْقِيَاسِ]
وَكَذَلِكَ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ وَتَابِعُوهُمْ يُصَرِّحُونَ بِذَمِّ الْقِيَاسِ، وَإِبْطَالِهِ، وَالنَّهْيِ عَنْهُ
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: ثنا ابْنِ عُلَيَّةَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عِمْرَانَ ثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الطَّائِفِيُّ حَدَّثَنِي دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: الْقِيَاسُ شُؤْمٌ، وَأَوَّلُ مَنْ قَاسَ إبْلِيسُ فَهَلَكَ، وَإِنَّمَا عُبِدَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِالْمَقَايِيسِ.
стр. 192
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ شُرَيْحًا الْكِنْدِيَّ هُوَ الْقَاضِي قَالَ: إنَّ السُّنَّةَ سَبَقَتْ قِيَاسَكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ ثنا وَهْبُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ دَاوُد الْأَوْدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ: احْفَظْ عَنِّي ثَلَاثًا لَهَا بَيَانٌ، إذَا سُئِلْتَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَبْتَ فِيهَا فَلَا تَتَّبِعْ مَسْأَلَتَكَ أَرَأَيْتَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَةِ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةُ إذَا سُئِلْتَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَلَا تَقِسْ شَيْئًا بِشَيْءٍ، فَرُبَّمَا حَرَّمْتَ حَلَالًا أَوْ حَلَّلْتَ حَرَامًا، وَإِذَا سُئِلْتَ عَمَّا لَا تَعْلَمُ فَقُلْ: لَا أَعْلَمُ، وَأَنَا شَرِيكُكَ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عِيسَى عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: إيَّاكُمْ وَالْمُقَايَسَةَ؛ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنْ أَخَذْتُمْ بِالْمُقَايَسَةِ لَتُحِلُّنَّ الْحَرَامَ وَلَتُحَرِّمُنَّ الْحَلَالَ، وَلَكِنْ مَا بَلَغَكُمْ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاحْفَظُوهُ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: ثنا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيُّ ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: السُّنَّةُ لَمْ تُوضَعْ بِالْقِيَاسِ.
وَقَالَ الْخُشَنِيُّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا صَالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ لِي عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ يَوْمًا، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدَيْ: إنَّمَا هَلَكْتُمْ حِينَ تَرَكْتُمْ الْآثَارَ وَأَخَذْتُمْ بِالْمَقَايِيسِ.
وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيُّ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ يُبْطِلُ الْقِيَاسَ، فَقَالَ: أَخَذَ هَذَا عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيّ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ أَخْبَرْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكَّارَ الْقُرَشِيُّ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الرَّبَعِيُّ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَقِسْ فَإِنَّا غَدًا نَقِفُ نَحْنُ وَمَنْ خَالَفَنَا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ فَنَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ اللَّهُ، وَتَقُولُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ: رَأَيْنَا، وَقِسْنَا، فَيَفْعَلُ اللَّهُ بِنَا وَبِكُمْ مَا يَشَاءُ.
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ إلَى ابْنِ شُبْرُمَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَكُنْتُ لَهُ صَدِيقًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ عَلَى جَعْفَرِ وَقُلْتُ لَهُ: أَمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَلَهُ فِقْهٌ وَعَقْلٌ، فَقَالَ لِي جَعْفَرٌ: لَعَلَّهُ الَّذِي يَقِيسُ الدِّينَ بِرَأْيِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: أَهُوَ النُّعْمَانُ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: نَعَمْ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَقِسْ الدِّينَ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَاسَ إبْلِيسُ؛ إذْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، فَقَالَ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]
стр. 193
ثُمَّ قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: أَخْبِرْنِي عَنْ كَلِمَةٍ أَوَّلُهَا شِرْكٌ وَآخِرُهَا إيمَانٌ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ جَعْفَرٌ: هِيَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَلَوْ قَالَ " لَا إلَهَ " ثُمَّ أَمْسَكَ كَانَ مُشْرِكًا؛ فَهَذِهِ كَلِمَةٌ أَوَّلُهَا شِرْكٌ وَآخِرُهَا إيمَانٌ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، أَيُّهُمَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ الزِّنَا؟ قَالَ: بَلْ قَتْلُ النَّفْسِ، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: إنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ فِي قَتْلِ النَّفْسِ شَاهِدَيْنِ وَلَمْ يَقْبَلْ فِي الزِّنَا إلَّا أَرْبَعَةً، فَكَيْفَ يَقُومُ لَكَ قِيَاسٌ؟ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهُمَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ: الصَّوْمُ، أَوْ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: بَلْ الصَّلَاةُ، قَالَ: فَمَا بَالُ الْمَرْأَةِ إذَا حَاضَتْ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ اتَّقِ اللَّهَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، وَلَا تَقِسْ، فَإِنَّا نَقِفُ غَدًا نَحْنُ وَأَنْتَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ فَنَقُولُ: قَالَ اللَّهُ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَقُولُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ: قِسْنَا، وَرَأَيْنَا، فَيَفْعَلُ اللَّهُ بِنَا وَبِكُمْ مَا يَشَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: الْزَمْ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَمْرَانِ تَرَكْتُهُمَا فِيكُمْ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ» .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَقَالَ مَالِكٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إمَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَيِّدَ الْعَالَمِينَ، يُسْأَلُ عَنْ الشَّيْءِ فَلَا يُجِيبُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْوَحْيُ مِنْ السَّمَاءِ» ، فَإِذَا كَانَ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يُجِيبُ إلَّا بِالْوَحْيِ، وَإِلَّا لَمْ يُجِبْ، فَمِنْ الْجُرْأَةِ الْعَظِيمَةِ إجَابَةُ مَنْ أَجَابَ بِرَأْيِهِ، أَوْ قِيَاسُ، أَوْ تَقْلِيدُ مَنْ يُحْسَنُ بِهِ الظَّنُّ، أَوْ عُرْفٌ، أَوْ عَادَةٌ، أَوْ سِيَاسَةٌ، أَوْ ذَوْقٌ، أَوْ كَشْفٌ، أَوْ مَنَامٌ، أَوْ اسْتِحْسَانٌ، أَوْ خَرْصٌ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو: ثنا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ يَقُولُ لِيَحْيَى بْنِ صَالِحٍ الْوُحَاظِيِّ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا، احْذَرْ الرَّأْيَ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ أَحْسَنُ مِنْ بَعْضِ قِيَاسِهِمْ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ لِي حَمَّادُ بْنُ أَبِي حَنِيفَةَ: قَالَ أَبِي: مَنْ لَمْ يَدَعْ الْقِيَاسَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لَمْ يَفْقَهْ.
فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّهُ لَا يَفْقَهُ مَنْ لَمْ يَدَعْ الْقِيَاسَ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَجْلِسُ الْقَضَاءِ، قَالُوا: فَتَبًّا لِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَفْقَهُ الْمَرْءُ إلَّا بِتَرْكِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ: مَا عُبِدَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إلَّا بِالْمَقَايِيسِ.
وَقَالَ دَاوُد بْنُ الزِّبْرِقَانِ عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: ثنا الشَّعْبِيُّ يَوْمًا قَالَ: يُوشِكُ أَنْ يَصِيرَ الْجَهْلُ عِلْمًا وَالْعِلْمُ جَهْلًا، قَالُوا: وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ: كُنَّا نَتَّبِعُ الْآثَارَ وَمَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
стр. 194
وَقَالَ وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا عِيسَى الْخَيَّاطُ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَأَنْ أَتَعَنَّى بِعَنِيَّةٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ بِرَأْيٍ. قُلْتُ: رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَعَنِيَّةٌ بِوَزْنِ غَنِيَّةٍ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنَّ الْعَنِيَّةَ أَخْلَاطٌ تُنْقَعُ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ. حِينًا حَتَّى تُطْلَى بِهَا الْإِبِلُ مِنْ الْجَرَبِ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: لَا أَقِيسُ شَيْئًا بِشَيْءٍ، قِيلَ: لِمَ؟ قَالَ: أَخْشَى أَنْ تَزِلَّ رِجْلِي. وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقِيلَ لَهُ: فَقِسْ لَنَا بِرَأْيِكَ، فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ تَزِلَّ قَدَمِي. وَكَانَ يَقُولُ: إيَّاكُمْ وَالْقِيَاسَ وَالرَّأْيَ؛ فَإِنَّ الرَّأْيَ قَدْ يَزِلُّ.
. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ: لَا تُجَالِسْ أَصْحَابَ الْقِيَاسِ فَتُحِلَّ حَرَامًا أَوْ تُحَرِّمَ حَلَالًا.
وَقَالَ الْخَلَّالُ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُنْكِرُ عَلَى أَصْحَابِ الْقَرَائِنِ، وَيَتَكَلَّمُ فِيهِ بِكَلَامٍ شَدِيدٍ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ ثنا صَالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَقَدْ بَغَّضَ إلَيَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ هَذَا الْمَسْجِدَ، حَتَّى لَهُوَ أَبْغَضُ إلَيَّ مِنْ كُنَاسَةِ دَارِي، قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الأرائيون أَرَأَيْتَ أَرَأَيْتَ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ قَالَ: تَرَكَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ الْآثَارَ وَاَللَّهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خَاقَانَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ فِي آخِرِ خَرْجَةٍ خَرَجَ، فَقُلْنَا لَهُ: أَوْصِنَا، فَقَالَ: لَا تَتَّخِذُوا الرَّأْيَ إمَامًا
[فَصْلٌ الْقِيَاسُ يُعَارِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا]
فَصْلٌ:
[الْقِيَاسُ يُعَارِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا]
قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حُجَّةً لَمَا تَعَارَضَتْ الْأَقْيِسَةُ، وَنَاقَضَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَتَرَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَنَازِعِينَ مِنْ أَرْبَابِ الْقِيَاسِ يَزْعُمُ أَنَّ قَوْلَهُ هُوَ الْقِيَاسُ، فَيُبْدِي مُنَازِعُهُ قِيَاسًا آخَرَ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ هُوَ الْقِيَاسُ، وَحُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ لَا تَتَعَارَضُ، وَلَا تَتَهَافَتُ.
قَالُوا: فَلَوْ جَازَ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ فِي الدِّينِ لَأَفْضَى إلَى وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ الَّذِي حَذَّرَ اللَّهُ مِنْهُ وَرَسُولُهُ، بَلْ عَامَّةُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْأُمَّةِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ إذَا ظَهَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ
стр. 195
مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ قِيَاسٌ مُقْتَضَاهُ نَقِيضُ حُكْمِ الْآخَرِ اخْتَلَفَ، وَلَا بُدَّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا صَرِيحٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
الثَّانِي: أَنَّ الِاخْتِلَافَ سَبَبُهُ اشْتِبَاهُ الْحَقِّ وَخَفَاؤُهُ، وَهَذَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - ذَمَّ الِاخْتِلَافَ فِي كِتَابِهِ، وَنَهَى عَنْ التَّفَرُّقِ وَالتَّنَازُعِ، فَقَالَ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وَقَالَ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وَقَالَ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] وَقَالَ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] وَالزُّبُرُ: الْكُتُبُ، أَيْ كُلُّ فِرْقَةٍ صَنَّفُوا كُتُبًا أَخَذُوا بِهَا وَعَمِلُوا بِهَا وَدَعَوْا إلَيْهَا دُونَ كُتُبِ الْآخَرِينَ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ سَوَاءٌ، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِائْتِلَافِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» وَقَالَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا» وَكَانَ التَّنَازُعُ وَالِاخْتِلَافُ أَشَدَّ شَيْءٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ إذَا رَأَى مِنْ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافًا يَسِيرًا فِي فَهْمِ النُّصُوصِ يَظْهَرُ فِي وَجْهِهِ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِيهِ حَبُّ الرُّمَّانِ وَيَقُولُ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ» وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بَعْدَهُ أَشَدَّ عَلَيْهِ الِاخْتِلَافَ مِنْ عُمَرَ ﵁، وَأَمَّا الصِّدِّيقُ فَصَانَ اللَّهُ خِلَافَتَهُ عَنْ الِاخْتِلَافِ الْمُسْتَقِرِّ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ، وَأَمَّا خِلَافَةُ عُمَرَ فَتَنَازَعَ الصَّحَابَةُ تَنَازُعًا يَسِيرًا فِي قَلِيلٍ مِنْ الْمَسَائِلِ جِدًّا، وَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى اجْتِهَادِهِ مِنْ غَيْرِ ذَمٍّ وَلَا طَعْنٍ، فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ عُثْمَانَ اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ يَسِيرَةٍ صَحِبَ الِاخْتِلَافَ فِيهَا بَعْضُ الْكَلَامِ وَاللَّوْمِ، كَمَا لَامَ عَلِيٌّ عُثْمَانَ فِي أَمْرِ الْمُتْعَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَامَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَائِشَةُ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ قِسْمَةِ الْأَمْوَالِ وَالْوِلَايَاتِ، فَلَمَّا أَفَضَتْ الْخِلَافَةُ إلَى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فِي الْجَنَّةِ صَارَ الِاخْتِلَافُ بِالسَّيْفِ.
[الِاخْتِلَافُ مَهْلَكَةٌ]
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ مُنَافٍ لِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، قَالَ عُمَرُ ﵁: لَا تَخْتَلِفُوا؛ فَإِنَّكُمْ إنْ اخْتَلَفْتُمْ كَانَ مَنْ بَعْدَكُمْ أَشَدَّ اخْتِلَافًا. وَلَمَّا سَمِعَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ يَخْتَلِفَانِ فِي صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أَوْ الثَّوْبَيْنِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَقَالَ: رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ اخْتَلَفَا، فَعَنْ أَيِّ فُتْيَاكُمْ يَصْدُرُ الْمُسْلِمُونَ؟ لَا أَسْمَعُ اثْنَيْنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ
стр. 196
مَقَامِي هَذَا إلَّا صَنَعْتُ وَصَنَعْتُ.
وَقَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ - فِي خِلَافَتِهِ لِقُضَاتِهِ: اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ، فَإِنِّي أَكْرَهُ الْخِلَافَ، وَأَرْجُو أَنْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي.
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَلَاكَ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِنَا إنَّمَا كَانَ بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَنَسٌ وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ، قَالَ: ثُمَّ انْتَهَرَنَا، قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَا تُهَيِّجُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَهَجَ النَّارِ، ثُمَّ قَالَ: أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَوَ لَيْسَ عَنْ هَذَا نُهِيتُمْ؟ إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا» وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنَيْ الْعَاصِ أَنَّهُمَا قَالَا: «جَلَسْنَا مَجْلِسًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّهُ أَشَدُّ اغْتِبَاطًا، فَإِذَا رِجَالٌ عِنْدَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ يَتَرَاجَعُونَ فِي الْقَدَرِ، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُمْ اعْتَزَلْنَاهُمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَ الْحُجْرَةِ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُغْضَبًا يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: يَا قَوْمِ بِهَذَا ضَلَّتْ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ، بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَضَرْبِهِمْ الْكِتَابَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِتَضْرِبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَلَكِنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، مَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا تَشَابَهَ فَآمِنُوا بِهِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَآنِي أَنَا وَأَخِي جَالِسَيْنِ، فَغَبَطْنَا أَنْفُسَنَا أَنْ لَا يَكُونَ رَآنَا مَعَهُمْ» . قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَعَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحُمَيْدِيَّ وَإِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: أَجْمَعَ آلُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَنَّهَا صَحِيفَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
[لَيْسَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ]
[إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَقْيِسَةُ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِينَ]
قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَقْيِسَةُ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِينَ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ؛ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ وَضِدُّهُ صَوَابًا، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّوَابُ، وَلَكِنْ لَيْسَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَلَا سِيَّمَا قِيَاسُ الشَّبَهِ فَإِنَّ الْفَرْعَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ وَصْفَانِ شَبِيهَانِ لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ، فَلَيْسَ جَعْلُ أَحَدِهِمَا صَوَابًا دُونَ الْآخَرِ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَتْ لِي الْحِكْمَةُ اخْتِصَارًا» وَجَوَامِعُ الْكَلِمِ: هِيَ الْأَلْفَاظُ الْكُلِّيَّةُ الْعَامَّةُ الْمُتَنَاوِلَةُ لِأَفْرَادِهَا، فَإِذَا انْضَافَ ذَلِكَ إلَى بَيَانِهِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى رُتَبِ الْبَيَانِ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ الْكَلِمَةِ الْجَامِعَةِ الَّتِي فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ إلَى لَفْظٍ أَطْوَلَ مِنْهَا وَأَقَلَّ بَيَانًا، مَعَ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْجَامِعَةَ تُزِيلُ الْوَهْمَ وَتَرْفَعُ الشَّكَّ وَتُبَيِّنُ الْمُرَادَ.
فَكَانَ يَقُولُ: «لَا تَبِيعُوا كُلَّ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ بِمِثْلِهِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فَهَذَا أَخْصَرُ وَأَبْيَنُ
стр. 197
وَأَدُلُّ وَأَجْمَعُ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ سِتَّةَ أَنْوَاعٍ، وَيَدُلَّ بِهَا عَلَى مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الْأَنْوَاعِ، فَكَمَالُ عِلْمِهِ ﷺ وَكَمَالُ شَفَقَتِهِ وَنُصْحِهِ وَكَمَالُ فَصَاحَتِهِ وَبَيَانِهِ يَأْبَى ذَلِكَ.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَحُكْمُ الْقِيَاسِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لَهَا؛ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَمْ يُفِدْ الْقِيَاسُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ مُتَحَقِّقٌ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهَا امْتَنَعَ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا مُتَيَقَّنَةٌ فَلَا تُرْفَعُ بِأَمْرٍ لَا تُتَيَقَّنُ صِحَّتُهُ؛ إذْ الْيَقِينُ يَمْتَنِعُ رَفْعُهُ بِغَيْرِ يَقِينٍ.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّ غَالِبَ الْقِيَاسَاتِ الَّتِي رَأَيْنَا الْقِيَاسِيِّينَ يَسْتَعْمِلُونَهَا رَجْمٌ بِالظُّنُونِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ فِي شَيْءٍ، وَلَا مَصْلَحَةَ لِلْأُمَّةِ فِي اقْتِحَامِهِمْ وَرَطَاتِ الرَّجْمِ بِالظُّنُونِ حَتَّى يُخْبَطُوا فِيهَا خَبْطَ عَشْوَاءَ فِي ظَلْمَاءَ، وَيَحْكُمُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَقَوْلُ الْقِيَاسِيِّ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ هُوَ خَبَرٌ عَنْ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهُ أَحَلَّ كَذَا وَحَرَّمَهُ، وَأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ، فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ خَبَرُهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ هُوَ وَلَا رَسُولُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] .
قَالُوا: وَأَيْضًا فَالْقِيَاسُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَالْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَنَا طَرِيقٌ إلَى الْعِلْمِ بِعِلَّتِهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَنَا طَرِيقٌ، وَإِذَا كَانَ لَنَا طَرِيقٌ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُعَلَّلٍ، وَإِذَا كَانَ مُعَلَّلًا احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ هَذِهِ الْمُعَيَّنَةُ وَأَنْ تَكُونَ جُزْءَ عِلَّةٍ وَأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ غَيْرَهَا، وَإِذَا ظَهَرَتْ الْعِلَّةُ احْتَمَلَ أَنْ لَا تَكُونَ فِي الْفَرْعِ، وَإِذَا كَانَتْ فِيهِ احْتَمَلَ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهَا لِمُعَارِضٍ آخَرَ، وَمَا هَذَا شَأْنُهُ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ وَبَيِّنَاتِهِ وَأَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي هَدَى اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ؟
قَالُوا: وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حُجَّةً لَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ مُحَالٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَرَدَّدُ فَرْعٌ بَيْنَ أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا التَّحْرِيمُ وَالْآخَرُ الْإِبَاحَةُ، فَإِذَا ظَهَرَ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ شَبَهُ الْفَرْعِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَزِمَ الْحُكْمُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَلَيْسَ قِيَاسُ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ فِي تَعْدِيَةِ حُكْمِهِ إلَيْهِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ ثُبُوتِهِ بِغَيْرِ النَّصِّ، فَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ: حُكْمُ الْفَرْعِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَلَا يَجُوزُ ثُبُوتُهُ بِغَيْرِ النَّصِّ كَحُكْمِ الْأَصْلِ، فَمَا الَّذِي جَعَلَ قِيَاسَكُمْ أَوْلَى مِنْ هَذَا؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَقْرَبُ إلَى النُّصُوصِ وَأَشَدُّ مُوَافَقَةً لَهَا مِنْ قِيَاسِكُمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَحُكْمُ اللَّهِ بِإِيجَابِ الشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ مَحَبَّتَهُ، وَإِرَادَتَهُ لِوُجُودِهِ، وَعِلْمَهُ بِأَنَّهُ
стр. 198
أَوْجَبَهُ، وَكَلَامَهُ الطَّلَبِيَّ وَالْخَبَرِيَّ، وَجَعَلَ فِعْلَهُ سَبَبًا لِمَحَبَّتِهِ لِعَبْدِهِ وَرِضَاهُ عَنْهُ وَإِثَابَتِهِ عَلَيْهِ، وَتَرْكَهُ سَبَبًا لِضِدِّ ذَلِكَ، وَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى الْعِلْمِ بِهَذَا إلَّا مِنْ خَبَرِ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ خَبَرِ رَسُولِهِ عَنْهُ، فَكَيْفَ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِقِيَاسٍ أَوْ رَأْيٍ؟ هَذَا ظَاهِرُ الِامْتِنَاعِ.
[لَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ حُجَّةً فِي زَمَنِ الرَّسُولِ]
[لَمْ يَكُنْ الْقِيَاسِ حُجَّةً فِي زَمَنِ الرَّسُولِ] قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ وَأَدِلَّةِ أَحْكَامِهِ لَكَانَ حُجَّةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَسَائِرِ الْحُجَجِ، فَلِمَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي زَمَنِهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً بَعْدَهُ.
وَتَقْرِيرُ هَذِهِ الْحُجَّةِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقِيسُ عَلَى مَا سَمِعَ مِنْهُ ﷺ مَا لَمْ يَسْمَعْ، وَلَوْ كَانَ هُوَ مَعْقُولَ النُّصُوصِ لَكَانَ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِهِ وَشُمُولُ الْمَعْنَى كَتَعْدِيَةِ الْحُكْمِ بِاللَّفْظِ وَشُمُولِهِ لِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، فَلَمَّا قُلْتُمْ لَا يَكُونُ الْقِيَاسُ فِي زَمَنِ النَّصِّ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَعَلُّقَ النُّصُوصِ بِالصَّحَابَةِ كَتَعَلُّقِهَا بِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَوُجُوبُ اتِّبَاعِهَا عَلَى الْجَمِيعِ وَاحِدٌ.
قَالُوا: وَلِأَنَّا لَسْنَا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ عَدَمِ تَعْلِيقِ الشَّارِعِ الْحُكْمَ بِالْوَصْفِ الَّذِي يُبْدِ بِهِ الْقِيَاسِيُّونَ وَأَنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالِاسْمِ بِحَيْثُ يُوجَدُ بِوُجُودِهِ وَيَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِ بَلْ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ تَعْلِيقٌ بِمَا لَنَا طَرِيقٌ إلَى الْعِلْمِ بِهِ طَرْدًا وَعَكْسًا، بِخِلَافِ تَعْلِيقِهِ بِالْوَصْفِ الشَّبَهِيِّ فَإِنَّهُ خَرْصٌ وَخَزْرٌ، وَمَا كَانَ هَكَذَا لَمْ تَرِدْ بِهِ الشَّرِيعَةُ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَمَلِ بِالظُّنُونِ إلَّا فِيمَا تَيَقَّنَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ عَلَيْنَا الْعَمَلَ بِهِ؛ لِلْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ اتِّبَاعِ الظُّنُونِ، فَمَنْعُهُ مَنْعٌ يَقِينِيٌّ مِنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ، فَلَا تَتْرُكُهُ إلَّا بِيَقِينٍ يُوجِبُ اتِّبَاعَهُ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ تَشَابُهَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ يَقْتَضِي أَلَّا يَثْبُتَ الْفَرْعُ إلَّا بِمَا يَثْبُتَ بِهِ الْأَصْلُ، فَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَزِمَ تَوَقُّفُ الْفَرْعِ فِي ثُبُوتِهِ عَلَى النَّصِّ كَالْأَصْلِ؛ فَالْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ مِنْ أَبْيَنِ الْأَدِلَّةِ عَلَى بُطْلَانِ الْقِيَاسِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالِاسْمِ وَحْدَهُ، أَوْ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ وَحْدَهُ، أَوْ بِهِمَا، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالِاسْمِ وَحْدَهُ أَوْ بِهِمَا بَطَلَ الْقِيَاسُ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا لَزِمَ أَمْرَانِ مَحْذُورَانِ:
أَحَدُهُمَا: إلْغَاءُ الِاسْمِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ، فَإِنَّ الْوَصْفَ إذَا كَانَ أَعَمَّ مِنْهُ وَكَانَ هُوَ الْمُسْتَقِلَّ بِالْحُكْمِ كَانَ الْأَخَصُّ وَهُوَ الِاسْمُ عَدِيمَ التَّأْثِيرِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا كَانَ الِاسْمُ عَدِيمَ التَّأْثِيرِ لَمْ يَكُنْ جَعْلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ أَصْلًا لِمَا سَكَتَ عَنْهُ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ؛ إذْ التَّأْثِيرُ
стр. 199
لِلْوَصْفِ وَحْدَهُ، بَلْ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ فَرْعٌ وَأَصْلٌ، بَلْ تَكُونَ الصُّورَتَانِ فَرْدَيْنِ مِنْ أَفْرَادِ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ، كَمَا يَكُونَ أَفْرَادُ الْعَامِّ لَفْظًا كَذَلِكَ لَيْسَ بَعْضُهَا أَصْلًا لِبَعْضٍ.
قَالُوا: وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْبَيَانَ بِالْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ أَعْلَى مِنْ الْبَيَانِ بِالْقِيَاسِ، فَكَيْفَ يَعْدِلُ الشَّارِعُ - مَعَ كَمَالِ حِكْمَتِهِ - عَنْ الْبَيَانِ الْجَلِيِّ إلَى الْبَيَانِ الْأَخْفَى؟ قَالُوا: وَنَسْأَلُ الْقِيَاسِيَّ عَنْ مَحَلِّ الْقِيَاسِ، أَيَجِبُ فِي الشَّيْئَيْنِ إذَا تَشَابَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَمْ إذَا اشْتَبَهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي بَعْضِهَا؟ فَإِنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ تَرَكَ قَوْلَهُ وَادَّعَى مُحَالًا، إذْ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إلَّا وَبَيْنَهُمَا جَامِعٌ وَفَارِقٌ، وَإِنْ قَالَ بِالثَّانِي قِيلَ لَهُ: فَهَلَّا حَكَمْتَ لِلْفَرْعِ بِضِدِّ حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ أَجْلِ الْوَجْهِ الَّذِي خَالَفَهُ فِيهِ؟ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ جِهَةَ وِفَاقٍ تَدُلُّ عَلَى الِائْتِلَافِ فَهَذِهِ جِهَةُ افْتِرَاقٍ تَدُلُّ عَلَى الِاخْتِلَافِ؛ فَلَيْسَ إلْحَاقُ صُوَرِ النِّزَاعِ بِمُوجَبِ الْوِفَاقِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِمُوجَبِ الِافْتِرَاقِ.
قَالُوا: وَلَا يَنْفَعُهُ الِاعْتِذَارُ بِأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الِاتِّفَاقُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي ثَبَتَ الْحُكْمُ مِنْ أَجْلِهِ عَدَّيْتُ - الْحُكْمَ، وَإِلَّا فَلَا.
قِيلَ لَهُ: إذَا كَانَ فِي الْأَصْلِ عِدَّةُ أَوْصَافٍ فَتَعْيِينُكَ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ شُرِعَ الْحُكْمُ قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ، وَقَدْ عَارَضَكَ فِيهِ مُنَازِعُوكَ فَادَّعَوْا أَنَّ الْحُكْمَ شُرِعَ لِغَيْرِ مَا ذَكَرْتَ.
مِثَالُهُ أَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا نَصَّ عَلَى رِبَا الْفَضْلِ فِي الْأَعْيَانِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ فَقَالَ قَائِلٌ: إنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حَرُمَ التَّفَاضُلُ لِأَجْلِهِ هُوَ الْكَيْلُ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْوَزْنُ فِي الْمَوْزُونَاتِ، قَالَ لَهُ مُنَازِعُهُ: لَا، بَلْ كَوْنُهَا مَطْعُومَةً فَقَالَ آخَرُ: لَا، بَلْ هُوَ كَوْنُهَا مُقْتَاتَةً وَمُدَّخَرَةً، فَقَالَ آخَرُ: لَا، بَلْ كَوْنُهَا تَجْرِي فِيهَا الزَّكَاةُ، فَقَالَ آخَرُ: لَا بَلْ كَوْنُهَا جِنْسًا وَاحِدًا، وَكُلُّ فَرِيقٍ يَزْعُمُ أَنَّ الصَّوَابَ مَا ادَّعَاهُ دُونَ مُنَازَعَةٍ، وَيَقْدَحُ فِيمَا ادَّعَاهُ الْآخَرُ، وَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ قَدَحٌ فِي قَوْلِ مُنَازِعِهِ، إلَّا وَيَتَهَيَّأُ لِمُنَازَعِهِ مِثْلُهُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ أَوْ دُونُهُ، فَلَوْ ظَنَّ آخَرُونَ فَقَالُوا: الْعِلَّةُ كَوْنُهُ مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا تُنْبِتُهُ لَهُمْ الْأَرْضُ، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَقَالَ: إنَّ مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ فِيهِ أَنْ لَا يُبَاعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا لَكَانَ قَوْلُهُ وَاحْتِجَاجُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْآخَرِينَ وَاحْتِجَاجِهِمْ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ الدِّينِ بِسَبِيلٍ؟ ،
قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ النَّصُّ فِي الْأَصْلِ قَدْ دَلَّ عَلَى شَيْئَيْنِ: ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ نُطْقًا، وَتَعْدِيَتُهُ إلَى مَا فِي مَعْنَاهُ بِالْعِلَّةِ، فَإِذَا نُسِخَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ هَلْ يَبْقَى الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ أَوْ يَزُولُ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ " يَبْقَى " فَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ قُلْتُمْ " يَزُولُ " تَنَاقَضْتُمْ؛ إذْ مِنْ أَصْلِكُمْ أَنَّ نَسْخَ
стр. 200
بَعْضَ مَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ لَا يُوجِبُ نَسْخَ جَمِيعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ كَالْعَامِّ إذَا خُصَّ بَعْضُ أَفْرَادِهِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَخْصِيصَ غَيْرِهِ؛ فَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ قَدْ دَلَّ عَلَى شَيْئَيْنِ فَارْتَفَعَ أَحَدُهُمَا فَمَا الْمُوجِبُ لِارْتِفَاعِ الثَّانِي؟ وَإِنْ قُلْتُمْ " يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ وَيَرْتَفِعُ بِالْقِيَاسِ " قِيلَ: إنَّمَا أَثْبَتُّمُوهُ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ عِنْدَكُمْ، وَالْعِلَّةُ لَمْ تَزُلْ بِالنَّسْخِ، وَهِيَ سَبَبُ ثُبُوتِهِ، وَمَا دَامَ السَّبَبُ قَائِمًا فَالْمُسَبِّبُ كَذَلِكَ، وَلَوْ زَالَتْ الْعِلَّةُ بِالنَّسْخِ لَأَمْكَنَ تَصْحِيحُ قَوْلِكُمْ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: نَسْخُ حُكْمِ الْأَصْلِ يَقْتَضِي نَسْخَ كَوْنِ الْعِلَّةِ عِلَّةً.
قِيلَ: هَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ النَّصَّ اقْتَضَى ثُبُوتَ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَكَوْنُ وَصْفِ كَذَا عِلَّةَ مُقْتَضَى التَّعْدِيَةِ عَلَى قَوْلِكُمْ، فَهُمَا حُكْمَانِ مُتَغَايِرَانِ؛ فَزَوَالُ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَلْزِمُ زَوَالَ الْآخَرِ.
قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ مِنْ الدِّينِ لَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ: " إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ أَوْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَقِيسُوا عَلَيْهِ مَا كَانَ مِثْلَهُ أَوْ شِبْهَهُ " وَلَكَانَ هَذَا أَكْثَرَ شَيْءٍ فِي كَلَامِهِ، وَطُرُقُ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ مُتَنَوِّعَةٌ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ غُلَاةِ الْقِيَاسِيِّينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ النُّصُوصَ لَا تَفِي بِعُشْرِ مِعْشَارِ الْحَوَادِثِ، وَعَلَى قَوْلِ هَذَا الْغَالِي الْجَافِي عَنْ النُّصُوصِ فَالْحَاجَةُ إلَى الْقِيَاسِ أَعْظَمُ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى النُّصُوصِ، فَهَلَّا جَاءَتْ الْوَصِيَّةُ بِاتِّبَاعِهِ وَمُرَاعَاتِهِ، وَالْوَصِيَّةُ بِحِفْظِ حُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَأَنْ لَا تُتَعَدَّى.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - حَدَّ لِعِبَادِهِ حُدُودَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِكَلَامِهِ، وَذَمَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاَلَّذِي أَنْزَلَهُ هُوَ كَلَامُهُ، فَحُدُودُ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُوَ الْوُقُوفُ عِنْدَ حَدِّ الِاسْمِ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُنَزِّلُ عَلَى رَسُولِهِ وَحْدَهُ بِمَا وُضِعَ لَهُ لُغَةً أَوْ شَرْعًا، بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُ مَوْضُوعِهِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ مَوْضُوعِهِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ حَدَّ الْبُرِّ لَا يَتَنَاوَلُ الْخَرْدَلَ، وَحَدَّ التَّمْرِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْبَلُّوطُ، وَحَدَّ الذَّهَبِ لَا يَتَنَاوَلُ الْقُطْنَ؛ وَلَا يَخْتَلِفُ النَّاسُ أَنَّ حَدَّ الشَّيْءِ مَا يَمْنَعُ دُخُولَ غَيْرِهِ فِيهِ، وَيَمْنَعُ خُرُوجَ بَعْضِهِ مِنْهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذَا وَأَعَدْنَاهُ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَإِنَّ أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِالدِّينِ أَعْلَمُهُمْ بِحُدُودِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي عُلِّقَ بِهَا الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ.
وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي لَهَا حُدُودٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَمَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ عَلَى غَيْرِ مُسَمَّاهَا أَوْ خَصَّهَا بِبَعْضِهِ أَوْ أَخْرَجَ مِنْهَا بَعْضَهُ فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَهَا.
وَنَوْعٌ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّقْوَى وَنَظَائِرِهَا، فَحُكْمُهَا فِي تَنَاوُلِهَا لِمُسَمَّيَاتِهَا الشَّرْعِيَّةِ كَحُكْمِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فِي تَنَاوُلِهِ لِمُسَمَّاهُ اللُّغَوِيِّ.
وَنَوْعٌ لَهُ حَدٌّ فِي الْعُرْفِ لَمْ يَحُدَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
стр. 201
بِحَدٍّ غَيْرِ الْمُتَعَارَفِ، وَلَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلتَّرَخُّصِ وَالسَّفَهِ وَالْجُنُونِ الْمُوجِبِ لِلْحَجْرِ وَالشِّقَاقِ الْمُوجِبِ لِبَعْثِ الْحَكَمَيْنِ وَالنُّشُوزِ الْمُسَوِّغِ لِهَجْرِ الزَّوْجَةِ وَضَرْبِهَا وَالتَّرَاضِي الْمُسَوِّغِ لِحَلِّ التِّجَارَةِ وَالضِّرَارِ الْمُحَرَّمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَهَذَا النَّوْعُ فِي تَنَاوُلِهِ لِمُسَمَّاهُ الْعُرْفِيِّ كَالنَّوْعَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي تَنَاوُلِهِمَا لِمُسَمَّاهُمَا.
وَمَعْرِفَةُ حُدُودِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَمُرَاعَاتُهَا مُغْنٍ عَنْ الْقِيَاسِ غَيْرُ مُحْوِجٍ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْقِيَاسِ مَنْ قَصَّرَ [فِي] هَذِهِ الْحُدُودِ، وَلَمْ يُحِطْ بِهَا عِلْمًا، وَلَمْ يُعْطِهَا حَقَّهَا مِنْ الدَّلَالَةِ.
مِثَالُهُ تَقْصِيرُ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي مَعْرِفَةِ حَدِّ الْخَمْرِ حَيْثُ خَصُّوهُ بِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ، فَلَمَّا احْتَاجُوا إلَى تَقْرِيرِ تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ سَلَكُوا طَرِيقَ الْقِيَاسِ، وَقَاسُوا مَا عَدَا ذَلِكَ النَّوْعِ فِي التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ، فَنَازَعَهُمْ الْآخَرُونَ فِي هَذَا الْقِيَاسِ، وَقَالُوا: لَا يَجْرِي فِي الْأَسْبَابِ، وَطَالَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمْ، وَكَثُرَ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ تَقْصِيرِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ حَدِّ الْخَمْرِ؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ قَدْ حَدَّهُ بِحَدٍّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُسْكِرِ فَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» فَأَغْنَانَا هَذَا الْحَدُّ عَنْ بَابٍ طَوِيلٍ عَرِيضٍ كَثِيرِ التَّعَبِ مِنْ الْقِيَاسِ، وَأَثْبَتْنَا التَّحْرِيمَ بِنَصِّهِ لَا بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا تَقْصِيرُ طَائِفَةٍ فِي لَفْظِ الْمَيْسِرِ حَيْثُ خَصُّوهُ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ، ثُمَّ جَاءُوا إلَى الشِّطْرَنْجِ مَثَلًا فَرَامُوا تَحْرِيمَهُ قِيَاسًا عَلَيْهِ، فَنَازَعَهُمْ آخَرُونَ فِي هَذَا الْقِيَاسِ وَصِحَّتِهِ، وَطَالَ النِّزَاعُ، وَلَوْ أَعْطَوْا لَفْظَ الْمَيْسِرِ حَقَّهُ وَعَرَفُوا حَدَّهُ لَعَلِمُوا أَنَّ دُخُولَ الشِّطْرَنْجِ فِيهِ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ غَيْرِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ مَنْ صَرَّحَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃، وَقَالُوا: الشِّطْرَنْجُ مِنْ الْمَيْسِرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ تَقْصِيرُ طَائِفَةٍ فِي لَفْظِ السَّارِقِ حَيْثُ أَخْرَجُوا مِنْهُ نَبَّاشَ الْقُبُورِ، ثُمَّ رَامُوا قِيَاسَهُ فِي الْقَطْعِ عَلَى السَّارِقِ، فَقَالَ لَهُمْ مُنَازِعُوهُمْ: الْحُدُودُ وَالْأَسْمَاءُ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا، فَأَطَالُوا وَأَعْرَضُوا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَعْطَوْا لَفْظَ السَّارِقِ حَدَّهُ لَرَأَوْا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي حَدِّهِ وَمُسَمَّاهُ بَيْنَ سَارِقِ الْأَثْمَانِ وَسَارِقِ الْأَكْفَانِ، وَأَنَّ إثْبَاتَ الْأَحْكَامِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِالنُّصُوصِ لَا بِمُجَرَّدِ الْقِيَاسِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ قَوْلًا نَدِينُ اللَّهَ بِهِ وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِنَا لَهُ وَنَسْأَلُهُ الثَّبَاتَ عَلَيْهِ: إنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُحْوِجْنَا إلَى قِيَاسٍ قَطُّ، وَإِنَّ فِيهَا غُنْيَةً وَكِفَايَةً عَنْ كُلِّ رَأْيٍ وَقِيَاسٍ وَسِيَاسَةٍ وَاسْتِحْسَانٍ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِفَهْمٍ يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدَهُ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] .
وَقَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -: " إلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا فِي كِتَابِهِ "
стр. 202
«وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي مُوسَى " الْفَهْمَ الْفَهْمَ ".
[فَصْلٌ تَنَاقُضُ أَهْلِ الْقِيَاسِ دَلِيلُ فَسَادِهِ]
قَالُوا: وَمِمَّا يُبَيِّنُ فَسَادَ الْقِيَاسِ وَبُطْلَانَهُ تَنَاقُضُ أَهْلِهِ فِيهِ، وَاضْطِرَابُهُمْ تَأْصِيلًا وَتَفْصِيلًا.
أَمَّا التَّأْصِيلُ فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَجُّ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ، وَهِيَ: قِيَاسُ الْعِلَّةِ، وَالدَّلَالَةِ، وَالشَّبَهِ، وَالطَّرْدِ، وَهُمْ غُلَاتُهُمْ كَفُقَهَاء مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَغَيْرِهِمْ، فَيَحْتَجُّونَ فِي طَرَائِفِهِمْ عَلَى مُنَازِعِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْمَنْعِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ بِأَنَّهُ مَائِعٌ لَا تُبْنَى عَلَيْهِ الْقَنَاطِرُ وَلَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ؛ فَلَا تَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ كَالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْيِسَةِ الَّتِي هِيَ إلَى التَّلَاعُبِ بِالدِّينِ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى تَعْظِيمِهِ.
وَطَائِفَةٌ يَحْتَجُّونَ بِالْأَقْيِسَةِ الثَّلَاثَةِ دُونَهُ، وَتَقُولُ: قِيَاسُ الْعِلَّةِ أَنْ يَكُونَ الْجَامِعُ هُوَ الْعِلَّةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا شُرِعَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ، وَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ: أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ: أَنْ يَتَجَاذَبَ الْحَادِثَةَ أَصْلَانِ حَاظِرٌ وَمُبِيحٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْلَيْنِ أَوْصَافٌ، فَتَلْحَقُ الْحَادِثَةُ بِأَكْثَرِ الْأَصْلَيْنِ شَبَهًا بِهَا، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بِالْإِبَاحَةِ أَشْبَهَ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ وَبِالْحَظْرِ بِثَلَاثَةٍ؛ فَيَلْحَقُ بِالْإِبَاحَةِ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي هَذَا النَّوْعِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ: الْقِيَاسُ أَنْ يُقَاسَ الشَّيْءُ عَلَى الشَّيْءِ إذَا كَانَ مِثْلَهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، فَأَمَّا إذَا أَشْبَهَهُ فِي حَالٍ وَخَالَفَهُ فِي حَالٍ فَأَرَدْتَ أَنْ تَقِيسَ عَلَيْهِ فَهَذَا خَطَأٌ، وَقَدْ خَالَفَهُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ وَوَافَقَهُ فِي بَعْضِهَا، فَإِذَا كَانَ مِثْلَهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ فَمَا أَقْبَلْتَ بِهِ وَأَدْبَرْتَ بِهِ فَلَيْسَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ؛ وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا قِيَاسَ إلَّا قِيَاسُ الْعِلَّةِ فَقَطْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً. .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقِيَاسِيُّونَ فِي مَحَلِّ الْقِيَاسِ، فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: يَجْرِي فِي الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا بَلْ لَا تُثْبِتُ الْأَسْمَاءُ قِيَاسًا، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْقِيَاسِ الْأَحْكَامُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَأَجْرَاهُ جُمْهُورُهُمْ فِي الْعِبَادَاتِ وَاللُّغَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْأَسْبَابِ وَغَيْرِهَا، وَمَنَعَهُ طَائِفَةٌ فِي ذَلِكَ، وَاسْتَثْنَتْ طَائِفَةٌ الْحُدُودَ وَالْكَفَّارَاتِ فَقَطْ، وَاسْتَثْنَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مَعَهَا الْأَسْبَابَ.
стр. 203
وَكُلُّ هَؤُلَاءِ قَسَّمُوهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِيَاسٌ أَوْلَى، وَقِيَاسُ مِثْلٍ، وَقِيَاسٌ أَدْنَى، ثُمَّ اضْطَرَبُوا فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ بِالْعَكْسِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَاضْطَرَبُوا فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى خَبَرِ الْآحَادِ الصَّحِيحِ، فَجُمْهُورُهُمْ قَدَّمَ الْخَبَرَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْفَرَجِ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ الْمَالِكِيَّانِ: هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ طَرْدُ هَذَا الْقَوْلِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَنَاقُضِهِمْ، وَاضْطَرَبُوا فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى الْخَبَرِ الْمُرْسَلِ، وَعَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الْقِيَاسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الْمُرْسَلَ وَقَوْلَ الصَّحَابِيِّ، وَأَكْثَرُهُمْ - بَلْ كُلُّهُمْ - يُقَدِّمُونَ هَذَا تَارَةً، وَهَذَا تَارَةً، فَهَذَا تَنَاقُضُهُمْ فِي التَّأْصِيلِ.
وَأَمَّا تَنَاقُضُهُمْ فِي التَّفْصِيلِ فَنَذْكُرُ مِنْهُ طَرَفًا يَسِيرًا يَدُلُّ عَلَى مَا وَرَاءَهُ مِنْ قِيَاسِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ قِيَاسًا وَتَرْكِهِمْ فِيهَا مِثْلَهُ أَوْ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، أَوْ تَرْكِهِمْ نَظِيرَ ذَلِكَ الْقِيَاسِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَلْبَتَّةَ.
[أَمْثِلَةٌ مِنْ تَنَاقُضِ الْقِيَاسِيِّينَ] فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجَازُوا الْوُضُوءَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَقَاسُوا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَلَيْهِ سَائِرَ الْأَنْبِذَةِ، وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ لَمْ يَقِيسُوا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْقِيَاسُ حَقًّا فَقَدْ تَرَكُوهُ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَقَدْ اسْتَعْمَلُوهُ، وَلَمْ يَقِيسُوا عَلَيْهِ الْخَلَّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَكَيْفَ كَانَ نَبِيذُ التَّمْرِ تَمْرَةً طَيِّبَةً وَمَاءً طَهُورًا، وَلَمْ يَكُنْ الْخَلُّ عِنَبَةً طَيِّبَةً وَمَاءً طَهُورًا، وَالْمَرَقُ لَحْمًا طَيِّبًا وَمَاءً طَهُورًا، وَنَقِيعُ الْمِشْمِشِ وَالزَّبِيبِ كَذَلِكَ؟ فَإِنْ ادَّعَوْا الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُضُوءِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ إجْمَاعٌ.
فَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْخَلِّ، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ كَمَا ذَكَرْتُمْ فَهَلَّا قِسْتُمْ الْمَنْعَ مِنْ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ الْوُضُوءِ بِالْخَلِّ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: اقْتَصَرْنَا عَلَى مَوْضِعِ النَّصِّ وَلَمْ نَقِسْ عَلَيْهِ، قِيلَ لَكُمْ: فَهَلَّا سَلَكْتُمْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ نُصُوصِهِ، وَاقْتَصَرْتُمْ عَلَى مَحَالِّهَا الْخَاصَّةِ، وَلَمْ تَقِيسُوا عَلَيْهَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: لِأَنَّ هَذَا خِلَافُ الْقِيَاسِ، قِيلَ لَكُمْ: فَقَدْ صَرَّحْتُمْ أَنَّ مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ هَذَا يُبْطِلُ أَصْلَ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ وُرُودُ الشَّرِيعَةِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ عُلِمَ أَنَّ الْقِيَاسَ لَيْسَ مِنْ الْحَقِّ، وَأَنَّهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَرِدُ بِخِلَافِ الْحَقِّ أَصْلًا، ثُمَّ مِنْ قَاعِدَتِكُمْ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا خَالَفَ الْأُصُولَ لَمْ يُقْبَلْ، وَفِي أَيِّ الْأُصُولِ وَجَدْتُمْ مَا يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ خَارِجَ الْمِصْرِ وَالْقَرْيَةِ وَلَا يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ دَاخِلَهُمَا؟ فَإِنْ قَالُوا: اقْتَصَرْنَا فِي ذَلِكَ عَلَى مَوْضِعِ النَّصِّ، قِيلَ: فَهَلَّا اقْتَصَرْتُمْ بِهِ عَلَى خَارِجِ مَكَّةَ فَقَطْ حَيْثُ جَاءَ الْحَدِيثُ؟ وَكَيْفَ
стр. 204
سَاغَ لَكُمْ قِيَاسُ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوُضُوءِ دُونَ قِيَاسِ دَاخِلِ الْمِصْرِ عَلَى خَارِجِهِ؟ وَقِيَاسُ الْعِنَبَةِ الطَّيِّبَةِ وَالْمَاءِ الطَّهُورِ وَاللَّحْمِ الطَّيِّبِ وَالْمَاءِ الطَّهُورِ وَالدِّبْسِ الطَّيِّبِ وَالْمَاءِ الطَّهُورِ عَلَى الثَّمَرَةِ الطَّيِّبَةِ وَالْمَاءِ الطَّهُورِ، فَقِسْتُمْ قِيَاسًا، وَتَرَكْتُمْ مِثْلَهُ، وَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، فَهَلَّا اقْتَصَرْتُمْ عَلَى مَوْرِدِ الْحَدِيثِ وَلَا عَدَّيْتُمُوهُ إلَى أَشْبَاهِهِ وَنَظَائِرِهِ؟
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّكُمْ قِسْتُمْ عَلَى خَبَرٍ مَرْوِيٍّ «يَا بَنِي الْمُطَّلِبِ إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ غُسَالَةَ أَيْدِي النَّاسِ» فَقِسْتُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءَ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَأَبَحْتُمْ لِبَنِي الْمُطَّلِبِ غُسَالَةَ أَيْدِي النَّاسِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْخَبَرُ، وَقِسْتُمْ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَهُوَ طَاهِرٌ لَاقَى أَعْضَاءً طَاهِرَةً عَلَى الْمَاءِ الَّذِي لَاقَى الْعَذِرَةَ وَالدَّمَ وَالْمَيْتَاتِ، وَهَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ، وَتَرَكْتُمْ قِيَاسًا أَصَحَّ مِنْهُ وَهُوَ قِيَاسُهُ عَلَى الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي مَحَلِّ التَّطْهِيرِ مِنْ عُضْوٍ إلَى عُضْوٍ وَمِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ انْتِقَالِهِ مِنْ عُضْوِ الْمُتَطَهِّرِ الْوَاحِدِ إلَى عُضْوِهِ الْآخَرِ وَبَيْنَ انْتِقَالِهِ إلَى عُضْوِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؟ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ» ، وَلَا رَيْبَ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ قِيَاسَ جَسَدِ الْمُسْلِمِ عَلَى جَسَدِ أَخِيهِ أَصَحُّ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْعَذِرَةِ وَالْجِيَفِ وَالْمَيْتَاتِ وَالدَّمِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّكُمْ قِسْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ الرَّجُلُ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي أَعْتَقَهُ فِي كَفَّارَتِهِ وَالْمَالِ الَّذِي أَخْرَجَهُ فِي زَكَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ، وَقَدْ تَرَكْتُمْ قِيَاسًا أَصَحَّ فِي الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ مِنْهُ، وَهُوَ قِيَاسُ هَذَا الْمَاءِ الَّذِي قَدْ أَدَّى بِهِ عِبَادَةً عَلَى الثَّوْبِ الَّذِي قَدْ صَلَّى فِيهِ، وَعَلَى الْحَصَى الَّذِي رَمَى بِهِ الْجِمَارَ مَرَّةً عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ مِنْكُمْ الرَّمْيَ بِهَا ثَانِيَةً، وَعَلَى الْحَجَرِ الَّذِي اسْتَجْمَرَ بِهِ مَرَّةً إذَا غَسَلَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ نَجَاسَةٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّكُمْ قِسْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي وَرَدَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَلَمْ تُغَيِّرْ لَهُ لَوْنًا وَلَا طَعْمًا وَلَا رِيحًا عَلَى الْمَاءِ الَّذِي غَيَّرَتْ النَّجَاسَةُ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ، وَهَذَا مِنْ أَبْعَدِ الْقِيَاسِ عَنْ الشَّرْعِ وَالْحُسْنِ. وَتَرَكْتُمْ قِيَاسًا أَصَحَّ مِنْهُ، وَهُوَ قِيَاسُهُ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي وَرَدَ عَلَى النَّجَاسَةِ، فَقِيَاسُ الْوَارِدِ عَلَى الْمَوْرُودِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ وَالْأَوْصَافِ أَصَحُّ مِنْ قِيَاسِ مِائَةِ رِطْلٍ مَاءً وَقَعَ فِيهِ شَعْرَةُ كَلْبٍ عَلَى مِائَةِ رِطْلٍ خَالَطَهَا مِثْلُهَا بَوْلًا وَعَذِرَةً حَتَّى غَيَّرَهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّكُمْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ مَاءٍ جَارٍ بِقَدْرِ طَرَفِ الْخِنْصَرِ تَقَعُ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَلَمْ تُغَيِّرْهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ الْعَظِيمِ الْمُسْتَبْحَرِ إذَا وَقَعَ فِيهِ مِثْلُ رَأْسِ الْإِبْرَةِ مِنْ الْبَوْلِ، فَنَجَّسْتُمْ الثَّانِيَ دُونَ الْأَوَّلِ،
стр. 205
وَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ فَلَمْ تَقِيسُوا الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ مِنْ غَدِيرٍ كَبِيرٍ فِي غَرْبِيِّهِ نَجَاسَةٌ عَلَى الْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ وَالْجَنُوبِيِّ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُمَاسٌّ لِمَا قَدْ تَنَجَّسَ عِنْدَكُمْ مُمَاسَّةً مُسْتَوِيَةً.
وَقَاسُوا بَاطِنَ الْأَنْفِ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَأَوْجَبُوا الِاسْتِنْشَاقَ، وَلَمْ يَقِيسُوهُ عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ بِالِاسْتِنْشَاقِ نَصًّا، فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، وَأَسْقَطُوا الْوُجُوبَ فِي مَحَلِّ الْأَمْرِ بِهِ، وَأَوْجَبُوهُ فِي غَيْرِهِ، وَالْأَمْرُ بِغُسْلِ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ كَالْأَمْرِ بِغُسْلِ الْبَدَنِ فِي الْجَنَابَةِ سَوَاءٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّكُمْ قِسْتُمْ النِّسْيَانَ عَلَى الْعَمْدِ فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَاسِيًا، وَفِيمَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَالْحَلْقِ وَالصَّيْدِ، وَفِي حَمْلِ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ فِي السَّلَامِ قَبْلَ تَمَامِ الصَّلَاةِ، وَفِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الصَّوْمِ، وَفِي تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَقِسْتُمْ الْجَاهِلَ عَلَى النَّاسِي فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا فِي مَسَائِلَ أُخَرَ، فَفَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا فِيمَنْ نَسِيَ أَنَّهُ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ وَلَوْ جَهِلَ فَظَنَّ وُجُودَ اللَّيْلِ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَسَدَ صَوْمُهُ، مَعَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ تَعْذُرُ الْجَاهِلَ كَمَا تَعْذُرُ النَّاسِيَ أَوْ أَعْظَمَ؟ كَمَا عَذَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ بِجَهْلِهِ بِوُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ مَا مَضَى، وَعَذَرَ الْحَامِلَ الْمُسْتَحَاضَةَ بِجَهْلِهَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَيْهَا مَعَ الِاسْتِحَاضَةِ وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِإِعَادَةِ مَا مَضَى، وَعَذَرَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ بِأَكْلِهِ فِي رَمَضَانَ حِينَ تَبَيَّنَّ لَهُ الْخَيْطَانِ اللَّذَانِ جَعَلَهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ، وَعَذَرَ أَبَا ذَرٍّ بِجَهْلِهِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ فَأَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ، وَعَذَرَ الَّذِينَ تَمَعَّكُوا فِي التُّرَابِ كَتَمَعُّكِ الدَّابَّةِ لَمَّا سَمِعُوا فَرْضَ التَّيَمُّمِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَعَذَرَ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ بِكَلَامِهِ فِي الصَّلَاةِ عَامِدًا لِجَهْلِهِ بِالتَّحْرِيمِ، وَعَذَرَ أَهْلَ قُبَاءَ بِصَلَاتِهِمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ نَسْخِ اسْتِقْبَالِهِ بِجَهْلِهِمْ بِالنَّاسِخِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَعَذَرَ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ مَنْ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ فَلَمْ يَحُدُّوهُ.
وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ وَقَلِيلِهَا فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَطَهَارَةُ الْجَمِيعِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَتَرَكَ الْجَمِيعُ صَرِيحَ الْقِيَاسِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلْبِ، فَطَائِفَةٌ لَمْ تَقِسْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَطَائِفَةٌ قَاسَتْ عَلَيْهِ الْخِنْزِيرَ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ كَالذِّئْبِ الَّذِي هُوَ مِثْلُهُ أَوْ شَرٌّ مِنْهُ، وَقِيَاسُ الْخِنْزِيرِ عَلَى الذِّئْبِ أَصَحُّ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْكَلْبِ، وَطَائِفَةٌ قَاسَتْ عَلَيْهِ الْبَغْلَ وَالْحِمَارَ، وَقِيَاسُهُمَا عَلَى الْخَيْلِ الَّتِي هِيَ قَرِينَتُهُمَا فِي الذِّكْرِ وَامْتِنَانُ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - عَلَى عِبَادِهِ لَهَا بِرُكُوبِهَا وَاِتِّخَاذِهَا زِينَةً وَمُلَامَسَةُ النَّاسِ لَهَا أَصَحُّ مِنْ قِيَاسِ الْبَغْلِ عَلَى الْكَلْبِ، فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ
стр. 206
الشَّبَهَ بَيْنَ الْبَغْلِ وَالْفَرَسِ أَظْهَرُ وَأَقْوَى مِنْ الشَّبَهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلْبِ. وَقِيَاسُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ عَلَى السِّنَّوْرِ بِشِدَّةِ مُلَامَسَتِهِمَا وَالْحَاجَةِ إلَيْهِمَا وَشُرْبِهِمَا مِنْ آنِيَةِ الْبَيْتِ أَصَحُّ مِنْ قِيَاسِهِمَا عَلَى الْكَلْبِ.
وَقِسْتُمْ الْخَنَافِسَ وَالزَّنَابِيرَ وَالْعَقَارِبَ وَالصَّرْدَانِ عَلَى الذُّبَابِ فِي أَنَّهَا لَا تُنَجِّسُ بِالْمَوْتِ بِعَدَمِ النَّفْسِ السَّائِلَةِ لَهَا وَقِلَّةِ الرُّطُوبَاتِ وَالْفَضَلَاتِ الَّتِي تُوجِبُ التَّنْجِيسَ فِيهَا، وَنَجَّسَ مَنْ نَجَّسَ مِنْكُمْ الْعِظَامَ بِالْمَوْتِ مَعَ تَعَرِّيهَا مِنْ الرُّطُوبَاتِ وَالْفَضَلَاتِ جُمْلَةً، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّفْسَ السَّائِلَةَ الَّتِي فِي تِلْكَ الْحَيَوَانَاتِ الْمَقِيسَةِ أَعْظَمُ مِنْ النَّفْسِ السَّائِلَةِ الَّتِي فِي الْعِظَامِ.
وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ مَا شَرِبَ مِنْهُ الصَّقْرُ وَالْبَازِي وَالْحَدَأَةُ وَالْعُقَابُ وَالْأَحْنَاشُ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ وَمَا شَرِبَ مِنْهُ سِبَاعُ الْبَهَائِمِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الْفَرْقِ فِي هَذَا بَيْنَ سِبَاعِ الطُّيُورِ وَسِبَاعِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، فَقَالَ: أَمَّا فِي الْقِيَاسِ فَهُمَا سَوَاءٌ، وَلَكِنِّي أَسْتَحْسِنُ فِي هَذَا.
وَتَرَكْتُمْ صَرِيحَ الْقِيَاسِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ نَبِيذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَنَبِيذِ الْعِنَبِ، وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَلْبَتَّةَ، مَعَ أَنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ قَدْ سَوَّتْ بَيْنَ الْجَمِيعِ.
وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ مَنْ مَعَهُ إنَاءَانِ طَاهِرٌ وَنَجَسٌ فَقُلْتُمْ: يُرِيقُهُمَا وَيَتَيَمَّمُ، وَلَا يَتَحَرَّى فِيهِمَا، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ كَذَلِكَ يَتَحَرَّى فِيهِمَا، وَالْوُضُوءُ بِالْمَاءِ النَّجَسِ كَالصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ النَّجَسِ، ثُمَّ قُلْتُمْ: فَلَوْ كَانَتْ الْآنِيَةُ ثَلَاثَةً تَحَرَّى، فَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، وَهُوَ فَرْقٌ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ، وَهَذَا عَلَى أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَفَرَّقُوا بَيْنَ الْإِنَاءِ الَّذِي كُلُّهُ بَوْلٌ وَبَيْنَ الْإِنَاءِ الَّذِي نِصْفُهُ فَأَكْثَرُ بَوْلٌ، فَجَوَّزُوا الِاجْتِهَادَ بَيْنَ الثَّانِي وَالْإِنَاءِ الطَّاهِرِ، دُونَ الْأَوَّلِ، وَتَرَكُوا مَحْضَ الْقِيَاسِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا.
وَقِسْتُمْ الْقَيْءَ عَلَى الْبَوْلِ، وَقُلْتُمْ: كِلَاهُمَا طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ، وَلَمْ تَقِيسُوا الْجَشْوَةَ الْخَبِيثَةَ عَلَى الْفَسْوَةِ، وَلَمْ تَقُولُوا: كِلَاهُمَا رِيحٌ خَارِجَةٌ مِنْ الْجَوْفِ. وَقِسْتُمْ الْوُضُوءَ وَغُسْلَ الْجَنَابَةِ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ فِي صِحَّتِهِ بِلَا نِيَّةٍ، وَلَمْ تَقِيسُوهُمَا عَلَى التَّيَمُّمِ وَهُمَا أَشْبَهُ بِهِ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ، ثُمَّ تَنَاقَضْتُمْ فَقُلْتُمْ: لَوْ انْغَمَسَ جُنُبٌ فِي الْبِئْرِ لَأَخْذِ الدَّلْوِ وَلَمْ يَنْوِ الْغُسْلَ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ، كَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ وَنَقَضَ أَصْلَهُ فِي أَنَّ مَسَّ
стр. 207
الْمَاءِ لِبَدَنِ الْجُنُبِ يَرْفَعُ حَدَثَهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: بَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ وَلَا يَفْسُدُ الْمَاءُ، فَنَقَضَ أَصْلَهُ فِي فَسَادِ الْمَاءِ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ.
وَقِسْتُمْ التَّيَمُّمَ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ عَلَى غَسْل الْيَدَيْنِ إلَيْهِمَا، وَلَمْ تَقِيسُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إلَى الْكَعْبَيْنِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إلَيْهِمَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَلْبَتَّةَ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ أَسْعَدُ بِالْقِيَاسِ مِنْكُمْ كَمَا هُمْ أَسْعَدُ بِالنَّصِّ.
وَقِسْتُمْ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ عَنْ الثِّيَابِ بِالْمَائِعَاتِ عَلَى إزَالَتِهَا بِالْمَاءِ، وَلَمْ تَقِيسُوا إزَالَتَهَا مِنْ الْقَذَرِ بِهَا عَلَى الْمَاءِ، فَمَا الْفَرْقُ؟ ثُمَّ قُلْتُمْ: تُزَالُ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ بِكُلِّ مُزِيلٍ جَامِدٍ، وَلَا تُزَالُ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ إلَّا بِالْمَاءِ، وَقُلْتُمْ: تُزَالُ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ بِالرَّوْثِ الْيَابِسِ، وَلَا تُزَالُ بِالرَّجِيعِ الْيَابِسِ، مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي النَّجَاسَةِ.
وَقِسْتُمْ قَلِيلَ الْقَيْءِ عَلَى كَثِيرِهِ فِي النَّجَاسَةِ، وَلَمْ تَقِيسُوهُ عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ حَدَثًا، وَقِسْتُمْ نَوْمَ الْمُتَوَرِّكِ عَلَى الْمُضْطَجِعِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ، وَلَمْ تَقِيسُوا عَلَيْهِ نَوْمَ السَّاجِدِ.
وَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ الْمُؤَيَّدِ بِالسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ فِي مَسْحِ الْعِمَامَةِ - وَهِيَ مَلْبُوسٌ مُعْتَادٌ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ وَيَشُقُّ نَزْعُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ إمَّا لِحَنَكٍ أَوْ لِكِلَابٍ أَوْ لِبَرْدٍ - عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالسُّنَّةُ قَدْ سَوَّتْ بَيْنَهُمَا فِي الْمَسْحِ كَمَا هُمَا سَوَاءٌ فِي الْقِيَاسِ وَيَسْقُطُ فَرْضُهُمَا فِي التَّيَمُّمِ.
وَقِسْتُمْ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الْوُضُوءِ فِي وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ، وَلَمْ تَقِيسُوا مَسْحَ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى الْوَجْهِ فِي وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ، وَالْفِعْلُ وَالْبَاءُ وَالْأَمْرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاءٌ.
وَقِسْتُمْ وُجُودَ الْمَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى وُجُودِهِ خَارِجَهَا فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ بِهِ، وَلَمْ تَقِيسُوا الْقَهْقَهَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَهْقَهَةِ فِي خَارِجِهَا، وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا فَأَخْرَجْتُمُوهُ وَبَيْنَ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا فَمَنَعْتُمُوهُ.
وَقِسْتُمْ وَجْهَ الْمَرْأَةِ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى رَأْسِ الرَّجُلِ وَتَرَكْتُمْ قِيَاسَ وَجْهِهَا عَلَى يَدَيْهَا أَوْ عَلَى بَدَنِ الرَّجُلِ، وَهُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ وَمُوجَبُ السُّنَّةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَوَّى بَيْنَ يَدَيْهَا وَوَجْهِهَا وَبَيْنَ يَدَيْ الرَّجُلِ وَوَجْهِهِ حَيْثُ قَالَ «لَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ وَلَا النِّقَابَ» وَكَذَلِكَ قَالَ «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ» فَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ وَمُوجَبَ السُّنَّةِ.
وَقِسْتُمْ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ عَلَى الْإِجَارَةِ الْبَاطِلَةِ فَأَبْطَلْتُمُوهُمَا، وَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ وَمُوجَبَ السُّنَّةِ وَهُوَ قِيَاسُهُمَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ وَالْمُشَارَكَةِ فَإِنَّهُمَا أَشْبَهُ بِهِمَا مِنْهُمَا بِالْإِجَارَةِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ يَدْفَعُ أَرْضَهُ وَشَجَرَهُ لِمَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهِمَا وَمَا رَزَقَ اللَّهُ مِنْ نَمَاءٍ فَهُوَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامِلِ، وَهَذَا كَالْمُضَارَبَةِ سَوَاءٌ، فَلَوْ لَمْ تَأْتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِجَوَازِهَا لَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي جَوَازَهَا عِنْدَ الْقِيَاسِيِّينَ
стр. 208
وَاشْتَرَطَ أَكْثَرُ مَنْ جَوَّزَهَا كَوْنَ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، وَقَاسَهَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ فِي كَوْنِ الْمَالِ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلُ مِنْ وَاحِدٍ، وَتَرَكُوا مَحْضَ الْقِيَاسِ وَمُوجَبَ السُّنَّةِ، فَإِنَّ الْأَرْضَ كَالْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ، وَالْبَذْرُ يَجْرِي مَجْرَى الْمَاءِ وَالْعَمَلِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ فِي الْأَرْضِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى رَبِّهِ مِثْلُ بَذْرِهِ وَيَقْتَسِمَا الْبَاقِيَ، وَلَوْ كَانَ كَرَأْسِ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ لَجَازَ، بَلْ اشْتَرَطَ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ مِثْلُ بَذْرِهِ كَمَا يَرْجِعَ إلَى رَبِّ الْمَالِ مِثْلُ مَالِهِ، فَتَرَكُوا الْقِيَاسَ كَمَا تَرَكُوا مُوجَبَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ وَعَمَلَ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ.
وَقِسْتُمْ إجَارَةَ الْحَيَوَانِ لِلِانْتِفَاعِ بِلَبَنِهِ عَلَى إجَارَةِ الْخُبْزِ لِلْأَكْلِ، وَهَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ، وَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ وَمُوجَبَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - قَالَ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فَقِيَاسُ الشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ وَالنَّاقَةِ لِلِانْتِفَاعِ بِلَبَنِهَا عَلَى الظِّئْرِ أَصَحُّ وَأَقْرَبُ إلَى الْعَقْلِ مِنْ قِيَاسِ ذَلِكَ عَلَى إجَارَةِ الْخُبْزِ لِلْأَكْلِ، فَإِنَّ الْأَعْيَانَ الْمُسْتَخْلَفَةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ تَجْرِي مَجْرَى الْمَنَافِعِ كَمَا جَرَتْ مَجْرَاهَا فِي الْمَنِيحَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالضَّمَانِ بِالْإِتْلَافِ، فَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ.
وَقِسْتُمْ عَلَى مَا لَا خَفَاءَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَهُوَ أَنَّ الْخُبْزَ وَالطَّعَامَ تَذْهَبُ جُمْلَتُهُ بِالْأَكْلِ وَلَا يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ، بِخِلَافِ اللَّبَنِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ، وَهَذَا مِنْ أَجَلِّ الْقِيَاسِ.
وَقِسْتُمْ الصَّدَاقَ عَلَى مَا يُقْطَعُ فِيهِ يَدُ السَّارِقِ، وَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ وَمُوجَبَ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَجُوزُ بِمَا يَتَرَاضَى عَلَيْهِ الْمُتَعَاوِضَانِ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ.
وَقِسْتُمْ الرَّجُلَ يَسْرِقُ الْعَيْنَ ثُمَّ يَمْلِكُهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَطْعِ عَلَى مَا إذَا مَلَكَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ وَمُوجَبَ السُّنَّةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُسْقِطْ الْقَطْعَ عَنْ سَارِقِ الرِّدَاءِ بَعْدَمَا وَهَبَهُ إيَّاهُ صَفْوَانُ، وَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْأَمَةِ ثُمَّ يَمْلِكُهَا فَلَمْ تَرَوْا ذَلِكَ مُسْقِطًا لِلْحَدِّ، مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
وَقِسْتُمْ قِيَاسًا أَبْعَدَ مِنْ هَذَا فَقُلْتُمْ: إذَا قُطِعَ بِسَرِقَتِهَا مَرَّةً ثُمَّ عَادَ فَسَرَقَهَا لَمْ يُقْطَعْ بِهَا ثَانِيًا، وَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ عَلَى مَا إذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَحُدَّ بِهَا ثُمَّ زَنَى بِهَا ثَانِيَةً فَإِنَّ الْحَدَّ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ، وَلَوْ قَذَفَهُ فَحُدَّ ثُمَّ قَذَفَهُ ثَانِيًا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَقِسْتُمْ نَذْرَ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ فِي الِانْعِقَادِ وَوُجُوبِ الْوَفَاءِ عَلَى نَذْرِ صَوْمِ الْيَوْمِ الْقَابِلِ لَهُ شَرْعًا، وَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ وَمُوجَبَ السُّنَّةِ، وَلَمْ تَقِيسُوهُ عَلَى صَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مَحَلٍّ لِلصَّوْمِ شَرْعًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللَّيْلِ
стр. 209
وَقِسْتُمْ وَجَعَلْتُمْ الْمُحْتَقِنَ بِالْخَمْرِ كَشَارِبِهَا فِي الْفِطْرِ بِالْقِيَاسِ، وَلَمْ تَجْعَلُوهُ كَشَارِبِهَا فِي الْحَدِّ.
وَقِسْتُمْ الْكَافِرَ الذِّمِّيَّ وَالْمُعَاهَدَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي قَتْلِهِ بِهِ، وَلَمْ تَقِيسُوهُ عَلَى الْحَرْبِيِّ فِي إسْقَاطِ الْقَوَدِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنَّ الشَّبَهَ الَّذِي بَيْنَ الْمُعَاهَدِ وَالْحَرْبِيِّ أَعْظَمُ مِنْ الشَّبَهِ الَّذِي بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ، وَاَللَّهُ قَدْ سَوَّى بَيْنَ الْكُفَّارِ كُلِّهِمْ فِي إدْخَالِهِمْ نَارَ جَهَنَّمَ، وَفِي قَطْعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي عَدَمِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي مَنْعِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَطْعِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، فَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ - وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَا سَوَّى اللَّهُ بَيْنَهُ - وَسَوَّيْتُمْ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ.
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّكُمْ قِسْتُمْ الْمُؤْمِنَ عَلَى الْكَافِرِ فِي جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْسِ وَالطَّرَفِ، وَلَمْ تَقِيسُوا الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ عَلَى الْحُرِّ فِي جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَطْرَافِ، فَجَعَلْتُمْ حُرْمَةَ عَدُوِّ اللَّهِ الْكَافِرِ فِي أَطْرَافِهِ أَعْظَمَ مِنْ حُرْمَةِ وَلِيِّهِ الْمُؤْمِنِ، وَكَأَنَّ نَقْصَ الْمُؤْمِنِ الْعُبُودِيَّةُ الْمُوجِبَ لِلْأَجْرَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْقُصُ عِنْدَكُمْ مِنْ نَقْصِ الْكُفْرِ، وَقُلْتُمْ: يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ فَقُلْتُمْ: لَا يُؤْخَذُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهَا، وَقُلْتُمْ: يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةَ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الْآخَرِ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ فَقُلْتُمْ: لَا يُؤْخَذُ طَرَفُهَا بِطَرَفِهِ، إلَّا أَنْ تَتَسَاوَى قِيمَتُهُمَا، فَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - أَلْغَى التَّفَاوُتَ بَيْنَ النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ فِي الْفَضْلِ لِمَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِينَ، وَلِعَدَمِ ضَبْطِ التَّسَاوِي، فَأَلْغَيْتُمْ مَا اعْتَبَرَهُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - مِنْ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَاعْتَبَرْتُمْ مَا أَلْغَاهُ مِنْ التَّفَاوُتِ.
وَقِسْتُمْ قَوْلَهُ " إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا أَوْ بَايَعْتُهُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ " عَلَى مَا إذَا قَالَ " إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ " ثُمَّ عَدَّيْتُمْ ذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ " الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا " ثُمَّ كَلَّمَهُ، وَلَمْ تَقِيسُوهُ عَلَى قَوْلِهِ " إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ، أَوْ حَجٌّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، أَوْ فَمَالِي صَدَقَةٌ " وَقُلْتُمْ: هَذَا يَمِينٌ لَا تَعْلِيقُ مَقْصُودٍ، فَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ " الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا " يَمِينٌ لَا تَعْلِيقٌ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الْيَمِينِ فِي الْعِتْقِ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِهِ، وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إذَا حَنِثَ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ، وَحَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بَزِيزَةَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِمَصَالِحِ الْأَفْهَامِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي بَابِ تَرْجَمَتِهِ الْبَابِ الثَّالِثِ فِي حُكْمِ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ أَوْ الشَّكِّ فِيهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالشَّرْطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: هَلْ يَلْزَمُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَشُرَيْحٌ وَطَاوُسٌ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَا
стр. 210
يُقْضَى بِالطَّلَاقِ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِهِ فَحَنِثَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ - فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، قَالَ: وَصَحَّ عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكَ " قَالَ: إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا حَتَّى يَمُوتَ أَوْ تَمُوتَ فَإِنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ، ثُمَّ حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ لَيَضْرِبَنَّ زَيْدًا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَاتَا مَعًا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَيَتَوَارَثَانِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ يَمِينَ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُ، وَلَا تَطْلُقُ الزَّوْجَةُ بِالْحِنْثِ فِيهَا، وَلَوْ حَنِثَ قَبْلَ مَوْتِهِ لَمْ يَتَوَارَثَا، فَحَيْثُ أَثْبَتَ التَّوَارُثَ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا زَوْجَةٌ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا عِنْدَهُ يَمِينُ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُ، كَمَا ذَكَرَهُ عَنْهُ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُد فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ النُّورِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: ٢١] وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّكُمْ قُلْتُمْ: إذَا قَالَ " إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ، أَوْ صَدَقَةٌ، أَوْ حَجَّةٌ " لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِلنَّذْرِ، فَإِذَا قَالَ: " إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ صَوْمٌ، أَوْ صَدَقَةٌ " لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ لَجَاجٌ وَغَضَبٌ، فَهُوَ يَمِينٌ فِيهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، فَجَعَلْتُمْ قَصْدَهُ لِعَدَمِ الْوُقُوعِ مَانِعًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إيجَابُ مَا الْتَزَمَ، وَوُجُوبُهُ عَلَيْهِ، وَوُقُوعُهُ.
وَقُلْتُمْ: لَوْ قَالَ: " إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيَّ الطَّلَاقُ " وَفَعَلَهُ لَزِمَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْ قَصْدُ الْحَلِفِ مِنْ وُقُوعِهِ، وَهُوَ أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ، وَمَنَعَ مِنْ وُجُوبِ الْقُرُبَاتِ الَّتِي هِيَ أَحَبُّ شَيْءٍ إلَى اللَّهِ، فَخَالَفْتُمْ صَرِيحَ الْقِيَاسِ وَالْمَنْقُولِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ يَكُونُ، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ الْقِيَاسَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقُلْتُمْ: إذَا قَالَ " الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ " ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» فَجَعَلْتُمُوهُ يَمِينًا، ثُمَّ قُلْتُمْ: يَلْزَمُهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقُلْتُمْ: لَوْ قَالَ: " الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا أُجَامِعُهَا سَنَةً " فَهُوَ مُولٍ فَيَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَالْأَلِيَّةُ وَالْإِيلَاءُ وَالِائْتِلَاءُ هُوَ الْحَلِفُ بِعَيْنِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «تَأَلَّى عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا» وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢] .
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... وَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتْ
ثُمَّ قُلْتُمْ: وَلَيْسَ بِيَمِينٍ فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فَيَالَلَّهِ الْعَجَبُ، مَا الَّذِي أَحَلَّهُ عَامًا وَحَرَّمَهُ عَامًا، وَجَعَلَهُ يَمِينًا وَلَيْسَ بِيَمِينٍ؟ ثُمَّ نَاقَضْتُمْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقُلْتُمْ: إنْ قَالَ: " إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا كَافِرٌ " وَفَعَلَهُ لَمْ يَكْفُرْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْكُفْرَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْ الْفِعْلِ بِمَنْعِهَا مِنْ الْكُفْرِ، وَهَذَا حَقٌّ، لَكِنْ نَقَضْتُمُوهُ
стр. 211
فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَلْبَتَّةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ مِنْ وُقُوعِ الْكُفْرِ، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقُلْتُمْ: لَوْ قَالَ: " إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي " فَحَنِثَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَلَوْ قَالَ: " إنْ فَعَلْتُهُ فَالطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي ": فَحَنِثَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَلَوْ قَالَ: " إنْ فَعَلْتُهُ فَالطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي " فَحَنِثَ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ، وَلَا تُفَرِّقُ اللُّغَةُ وَلَا الشَّرِيعَةُ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَأَنْ وَالْفِعْلِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ الْتَزَمَ فِي الْأَوَّلِ التَّطْلِيقَ وَهُوَ فِعْلُهُ، وَفِي الثَّانِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَهُوَ أَثَرُ فِعْلِهِ.
قِيلَ: هَذَا الْفَرْقُ الَّذِي تَخَيَّلْتُمُوهُ لَا يُجْدِي شَيْئًا، فَإِنَّ الطَّلَاقَ هُوَ التَّطْلِيقُ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا أَثَرُهُ كَوْنُهَا طَالِقًا، وَهَذَا غَيْرُ الطَّلَاقِ، فَهَهُنَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ مُرَتَّبَةٍ:
الْتِزَامُ التَّطْلِيقِ، وَهَذَا غَيْرُ الطَّلَاقِ بِلَا شَكٍّ.
وَالثَّانِي: إيقَاعُ التَّطْلِيقِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ بِعَيْنِهِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» .
الثَّالِثُ: صَيْرُورَةُ الْمَرْأَةِ طَالِقًا وَبَيْنُونَتُهَا، فَالْقَائِلُ " إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيَّ الطَّلَاقُ " لَمْ يُرِدْ هَذَا الثَّالِثَ قَطْعًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ إلَيْهِ وَلَا مِنْ فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ إلَى الشَّارِعِ، وَالْمُكَلَّفُ إنَّمَا يَلْزَمُ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِ وَهُوَ إنْشَاءُ الطَّلَاقِ، فَلَا فَرْقَ أَصْلًا بَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: " فَعَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَ " فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقٌ بَيْنَ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَهُوَ عُدُولٌ عَنْ مَحْضِ الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: " فَالطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي " إنَّمَا هُوَ فِعْلُهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهَا طَالِقًا فَهَذَا وَصْفُهَا، فَلَيْسَ هُوَ لَازِمًا لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ لَازِمٌ لَهَا. فَلْيَنْظُرْ اللَّبِيبُ الْمُنْصِفُ الَّذِي الْعِلْمُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ التَّقْلِيدِ إلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ الْمَحْضِ وَاتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ لِيَخْتَرْ لِنَفْسِهِ مَا شَاءَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
ثُمَّ نَاقَضْتُمْ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقُلْتُمْ: لَوْ قَالَ: " إنْ حَلَفْتُ بِطَلَاقِكِ أَوْ وَقَعَ مِنِّي يَمِينٌ بِطَلَاقِكِ " أَوْ لَمْ يَقُلْ بِطَلَاقِكِ بَلْ قَالَ: " مَتَى حَلَفْتُ أَوْ أَوْقَعْتُ يَمِينًا فَأَنْتِ طَالِقٌ " ثُمَّ قَالَ: " إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ " حَنِثَ وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ وَأَوْقَعَ الْيَمِينَ، فَأَدْخَلْتُمْ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ فِي اسْمِ الْيَمِينِ وَالْحَلِفِ فِي كَلَامِ الْمُكَلَّفِ، وَلَمْ تُدْخِلُوهُ فِي اسْمِ الْيَمِينِ وَالْحَلِفِ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ اتَّبَعْتُمْ فِي ذَلِكَ الْقِيَاسَ وَالْإِجْمَاعَ، وَقَدْ أَرَيْنَاكُمْ مُخَالَفَتَكُمْ لِصَرِيحِ الْقِيَاسِ مُخَالَفَةً لَا يُمْكِنُكُمْ الِانْفِكَاكُ عَنْهَا بِوَجْهٍ. وَمُخَالَفَتُكُمْ لِلْمَنْقُولِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَأَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَظَهَرَ عِنْدَ الْمُنْصِفِينَ أَنَّا أَوْلَى بِالْقِيَاسِ وَالِاتِّبَاعِ مِنْكُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 212
وَقُلْتُمْ: لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا فَصَدَّقَ الشُّهُودَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِنْ كَذَّبَهُمْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَهَذَا مِنْ أَفْسَدِ قِيَاسٍ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ تَصْدِيقَهُمْ إنَّمَا زَادَهُمْ قُوَّةً، وَزَادَ الْإِمَامَ يَقِينًا وَعِلْمًا أَعْظَمَ مِنْ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالشَّهَادَةِ وَتَكْذِيبِهِ. وَتَفْرِيقُكُمْ - بِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا يُعْمَلُ بِهَا إلَّا مَعَ الْإِنْكَارِ فَإِذَا أَقَرَّ فَلَا عَمَلَ لِلْبَيِّنَةِ، وَالْإِقْرَارُ مَرَّةً لَا يَكْفِي فَيَسْقُطُ الْحَدُّ - تَفْرِيقٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْعَمَلَ هَاهُنَا بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالْإِقْرَارِ، وَهُوَ إنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ تَصْدِيقُ الْبَيِّنَةِ الَّتِي وَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا بَعْدَ الشَّهَادَةِ، فَسَوَاءٌ أَقَرَّ أَمْ لَمْ يُقِرَّ، فَالْعَمَلُ إنَّمَا هُوَ بِالْبَيِّنَةِ.
وَقُلْتُمْ: لَوْ وَجَدَ الرَّجُلُ امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ فَظَنَّ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ فَوَطِئَهَا حُدَّ حَدَّ الزِّنَا، وَلَا يَكُونُ هَذَا شُبْهَةً مُسْقِطَةً لِلْحَدِّ، وَلَوْ عَقَدَ عَلَى ابْنَتِهِ أَوْ أُمِّهِ وَوَطِئَهَا كَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً مُسْقِطَةً لِلْحَدِّ، وَلَوْ حَبِلَتْ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ وَوَلَدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَمْ تُحَدَّ، وَلَوْ تَقَايَأَ الْخَمْرَ كُلَّ يَوْمٍ لَمْ يُحَدَّ، فَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ وَالثَّابِتَ عَنْ الصَّحَابَةِ ثُبُوتًا لَا شَكَّ فِيهِ مِنْ الْحَدِّ بِالْحَبَلِ وَرَائِحَةِ الْخَمْرِ.
وَقُلْتُمْ: لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا فَطَعَنَ فِي عَدَالَتِهِمْ حُبِسَ إلَّا أَنْ تُزَكَّى الشُّهُودُ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ بِمَالٍ فَطَعَنَ فِي عَدَالَتِهِمَا لَمْ يُحْبَسْ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ، فَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ، وَقِسْتُمْ دَعْوَى الْمَرْأَتَيْنِ الْوَلَدَ وَإِلْحَاقَهُ بِهِمَا وَجَعْلَهُمَا أُمَّيْنِ لَهُ عَلَى دَعْوَى الرَّجُلَيْنِ، وَهَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ خُرُوجَ الْوَلَدِ مِنْ أُمَّيْنِ مَعْلُومُ الِاسْتِحَالَةِ، وَتَخْلِيقُهُ مِنْ مَاءِ الرَّجُلَيْنِ مُمْكِنٌ بَلْ وَاقِعٌ، كَمَا شَهِدَ بِهِ الْقَائِفُ عِنْدَ عُمَرَ وَصَدَّقَهُ.
وَقُلْتُمْ: لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ " طَلِّقْ امْرَأَتِي " فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: " طَلِّقِي نَفْسَكِ " فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَا دَامَتْ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ " طَلِّقِي نَفْسَكِ " تَمْلِيكٌ لَا تَوْكِيلٌ، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ فَيُقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَجْنَبِيِّ فَتَوْكِيلٌ فَلَا يَتَقَيَّدُ، وَهَذَا الْفَرْقُ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ وَلَمْ تَذْكُرُوا حُجَّةً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " طَلِّقِي نَفْسَكِ " تَمْلِيكٌ، وَقَوْلَكُمْ " الْوَكِيلُ لَا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ " جَوَابُهُ: لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ وَلِمُوَكِّلِهِ، وَلِهَذَا كَانَ الشَّرِيكُ وَكِيلًا بَعْدَ قَبْضِ الْمَالِ وَالتَّصَرُّفِ وَإِنْ كَانَ مُتَصَرِّفًا لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ هَذَا الْفَرْقَ فَقُلْتُمْ: لَوْ قَالَ " أَبْرِئْ نَفْسَكَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْكَ " فَإِنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ، وَيَكُونُ تَوْكِيلًا، مَعَ أَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَعَ نَفْسِهِ، فَفَرَّقْتُمْ بَيْنَ " طَلِّقِي نَفْسَكِ " وَ " أَبْرِئْ نَفْسَكَ مِمَّا عَلَيْكَ مِنْ الدَّيْنِ " وَهُوَ تَفْرِيقٌ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ، فَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ.
وَقَالُوا: مَنْ أَقَامَ شُهُودَ زُورٍ عَلَى أَنَّ زَيْدًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ فَهِيَ حَلَالٌ
стр. 213
لِمَنْ تَزَوَّجَهَا مِنْ الشُّهُودِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ شُهُودَ زُورٍ عَلَى أَنَّ فُلَانَةَ تَزَوَّجَتْهُ بِوَلِيٍّ وَرِضًا فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ هَذِهِ فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ فَهِيَ حَلَالٌ لِمَنْ تَزَوَّجَهَا مِمَّنْ يَدْرِي بَاطِنَ الْأَمْرِ، فَتَرَكُوا مَحْضَ الْقِيَاسِ وَقَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ نَاقَضُوا فَقَالُوا: لَوْ شَهِدُوا لَهُ زُورًا بِأَنَّهُ وَهَبَ لَهُ مَمْلُوكَتَهُ هَذِهِ أَوْ بَاعَهَا مِنْهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا بِذَلِكَ، ثُمَّ نَاقَضُوا بِذَلِكَ أَعْظَمَ مُنَاقَضَةٍ فَقَالُوا: لَوْ شَهِدَا بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ الْمُطَلِّقِ وَكَانَا كَاذِبَيْنِ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ وَحَبْسُهَا عَلَى زَوْجِهَا أَعْظَمُ مِنْ حَبْسِهَا عَلَى عِدَّتِهِ، فَأَحَلُّوهَا فِي أَعْظَمِ الْعِصْمَتَيْنِ، وَحَرَّمُوهَا فِي أَدْنَاهُمَا، وَحُرْمَةُ النِّكَاحِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْعِدَّةِ.
وَقُلْتُمْ: لَا يُحَدُّ الذِّمِّيُّ إذَا زَنَا بِالْمُسْلِمَةِ وَلَوْ كَانَتْ قُرَشِيَّةً عَلَوِيَّةً أَوْ عَبَّاسِيَّةً وَلَا بِسَبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ جَهْرَةً فِي أَسْوَاقِنَا وَمَجَامِعِنَا، وَلَا بِتَخْرِيبِ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ أَنَّهَا الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ، وَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مَعْصُومُ الْمَالِ وَالدَّمِ، حَتَّى إذَا مَنَعَ دِينَارًا وَاحِدًا مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الْجِزْيَةِ وَقَالَ: " لَا أُعْطِيكُمُوهُ " انْتَقَضَ بِذَلِكَ عَهْدُهُ، وَحَلَّ مَالُهُ وَدَمُهُ، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقُلْتُمْ: لَوْ سَرَقَ لِمُسْلِمٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لَقُطِعَتْ يَدُهُ، وَلَوْ قَذَفَهُ حُدَّ بِقَذْفِهِ، فَيَا لِلْقِيَاسِ الْفَاسِدِ الْبَاطِلِ الْمُنَاقِضِ لِلدِّينِ وَالْعَقْلِ الْمُوجِبِ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي يَكْفِي فِي رَدِّهَا تَصَوُّرُهَا، كَيْفَ اسْتَجَازَ الْمُسْتَجِيزُ تَقْدِيمَهَا عَلَى السُّنَنِ وَالْآثَارِ؟ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَأَجَزْتُمْ شَهَادَةَ الْفَاسِقَيْنِ وَالْمَحْدُودَيْنِ فِي الْقَذْفِ وَالْأَعْمَيَيْنِ فِي النِّكَاحِ، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ فَقُلْتُمْ: لَوْ شَهِدَ فِيهِ عَبْدَانِ صَالِحَانِ عَالِمَانِ يُفْتِيَانِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ وَلَمْ يَنْعَقِدْ بِشَهَادَتِهِمَا، فَمَنَعْتُمْ انْعِقَادَهُ بِشَهَادَةِ مَنْ عَدَّلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ وَعَقَدْتُمُوهُ بِشَهَادَةِ مَنْ فَسَّقَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَنَعَ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ.
وَقُلْتُمْ: لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى زَيْدٍ أَنَّهُ غَصَبَ عَمْرًا مَالًا أَوْ شَجَّهُ أَوْ قَذَفَهُ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَلَمْ يَتِمَّ النِّصَابُ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ بَاعَهُ وَشَهِدَ آخَرُ بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ وَقُضِيَ عَلَيْهِ.
وَقُلْتُمْ: لَوْ قَالَ لَهُ: " بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ " فَإِذَا هُوَ جَارِيَةٌ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، فَلَوْ قَالَ: " بِعْتُكَ هَذِهِ النَّعْجَةَ بِعَشَرَةٍ " فَإِذَا هِيَ كَبْشٌ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، ثُمَّ فَرَّقْتُمْ بِأَنْ قُلْتُمْ: الْمَقْصُودُ مِنْ الْجَارِيَةِ وَالْعَبْدِ مُخْتَلِفٌ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ النَّعْجَةِ وَالْكَبْشِ مُتَقَارِبٌ وَهُوَ اللَّحْمُ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الدَّرَّ وَالنَّسْلَ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأُنْثَى لَا يُوجَدُ فِي الذَّكَرِ، وَعَسْبُ الْفَحْلِ وَضِرَابُهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ لَا يُوجَدُ فِي الْأُنْثَى، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ أَبْيَنَ مُنَاقَضَةٍ بِأَنْ قُلْتُمْ: لَوْ قَالَ:
стр. 214
بِعْتُكَ هَذَا الْقَمْحَ " فَإِذَا هُوَ شَعِيرٌ أَوْ " هَذِهِ الْأَلْيَةَ " فَإِذَا هِيَ شَحْمٌ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ مَعَ تَقَارُبِ الْقَصْدِ.
وَقُلْتُمْ: لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا مِنْ ثَوْبَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ، فَلَوْ كَانَتْ ثَلَاثَةَ أَثْوَابٍ فَقَالَ: " بِعْتُكَ وَاحِدًا مِنْهَا " صَحَّ الْبَيْعُ، فَيَالَلَّهِ الْعَجَبُ، كَيْفَ أَبْطَلْتُمُوهُ مَعَ قِلَّةِ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ وَصَحَّحْتُمُوهُ مَعَ زِيَادَتِهِمَا؟ أَفَتَرَى زِيَادَةَ الثَّوْبِ الثَّالِثِ خَفَّفَتْ الْغَرَرَ وَرَفَعَتْ الْجَهَالَةَ؟ ، وَتَفْرِيقُكُمْ بِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ يَتَضَمَّنُ الْجَهَالَةَ وَالتَّغْرِيرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُرْتَفِعًا وَالْآخَرُ رَدِيئًا فَيُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ، فَإِذَا كَانَتْ ثَلَاثَةً فَالثَّلَاثَةُ تَتَضَمَّنُ الْجَيِّدَ وَالرَّدِيءَ وَالْوَسَطَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: " بِعْتُكَ أَوْسَطَهَا " وَذَلِكَ أَقَلُّ غَرَرًا مِنْ بَيْعِهِ وَاحِدًا مِنْ اثْنَيْنِ رَدِيءٍ وَجَيِّدٍ، وَإِذَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى الصِّحَّةِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ إلْغَائِهِ، وَهَذَا الْفَرْقُ مَا زَادَ الْمَسْأَلَةَ إلَّا غَرَرًا وَجَهَالَةً، فَإِنَّ النِّزَاعَ كَانَ يَكُونُ فِي ثَوْبَيْنِ فَقَطْ وَأَمَّا الْآنَ فَصَارَ فِي ثَلَاثَةٍ، وَإِذَا قَالَ: " إنَّمَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الْوَسَطِ " قَالَ الْآخَرُ " بَلْ عَلَى الْأَدْنَى، أَوْ عَلَى الْأَعْلَى ".
وَقُلْتُمْ: لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً ثُمَّ أَرَادَ وَطْأَهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ تَيَقَّنَّا فَرَاغَ رَحِمِهَا بِأَنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ كَانَتْ بَائِعَتُهَا امْرَأَةً مَعَهُ فِي الدَّارِ بِحَيْثُ تَيَقَّنَ أَنَّهَا غَيْرُ مَشْغُولَةِ الرَّحِمِ، أَوْ بَاعَهَا وَقَدْ ابْتَدَأَتْ فِي الْحَيْضَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ قُلْتُمْ: لَوْ وَطِئَهَا السَّيِّدُ الْبَارِحَةَ ثُمَّ زَوَّجَهَا مِنْهُ الْغَدَ جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا وَرَحِمُهَا مُشْتَغِلٌ عَلَى مَاءِ الْوَطْءِ، فَتَرَكْتُمْ مَحْضَ الْقِيَاسِ وَالْمَصْلَحَةَ وَحِكْمَةَ الشَّارِعِ لِفَرْقٍ مُتَخَيَّلٍ لَا يُجْدِي شَيْئًا، وَهُوَ أَنَّ النِّكَاحَ لَمَّا صَحَّ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا بِفَرَاغِ الرَّحِمِ، فَإِذَا حُكِمَ بِفَرَاغِ رَحِمِهَا جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا، فَيُقَالُ: يَالِلَّهِ الْعَجَبُ، كَيْفَ يَحْكُمُ بِفَرَاغِ رَحِمِهَا وَهُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِوَطْئِهَا؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا حُكْمٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ؟ نَعَمْ لَوْ أَنَّكُمْ قُلْتُمْ: " لَا يَحِلُّ لَهُ تَزَوُّجُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا وَيَحْكُمَ بِفَرَاغِ رَحِمِهَا " لَكَانَ هَذَا فَرْقًا صَحِيحًا وَكَلَامًا مُتَوَجِّهًا، وَيُقَالُ حِينَئِذٍ: لَا مَعْنَى لِاسْتِبْرَاءِ الزَّوْجِ، فَلَهُ أَنْ يَطَأَهَا عَقِيبَ الْعَقْدِ فَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقُلْتُمْ: مَنْ طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ السَّبْعِ فَلَمْ يُكْمِلْهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ إنَّهُ يَجْبُرُهُ بِدَمٍ وَصَحَّ حَجُّهُ، إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ، فَخَرَجْتُمْ عَنْ مَحْضِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْأَرْكَانَ لَا مَدْخَلَ لِلدَّمِ فِي تَرْكِهَا، وَمَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ لَا يَكُونُ الْمُكَلَّفُ مُمْتَثِلًا بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِجَمِيعِهِ، وَلَا يَقُومُ أَكْثَرُهُ مَقَامَ كُلِّهِ، كَمَا لَا يَقُومُ الْأَكْثَرُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ، وَالْمَأْمُورُ مَا لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ فَالْخِطَابُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ بَعْدُ، وَهُوَ فِي عُهْدَتِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُسَامِحْ الْمُتَوَضِّئَ بِتَرْكِ لُمْعَةٍ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ لَمْ
стр. 215
يُصِبْهَا الْمَاءُ، وَلَا أَقَامَ الْأَكْثَرَ مَقَامَ الْكُلِّ، وَاَلَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ هُوَ الْمِيزَانُ الْعَادِلُ، لَا هَذَا الْمِيزَانُ الْعَائِلُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقِسْتُمْ الِادِّهَانَ بِالْخَلِّ وَالزَّيْتِ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى الِادِّهَانِ بِالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ، وَيَا بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَقِيسُوا نَبِيذَ التَّمْرِ عَلَى نَبِيذِ الْعِنَبِ مَعَ قُرْبِ الْأُخُوَّةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا.
وَقُلْتُمْ: لَوْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ثُمَّ سَافَرَ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ قَدْ يُتَّخَذُ وَسِيلَةً وَحِيلَةً إلَى إسْقَاطِ مَا أَوْجَبَ الشَّرْعُ، فَلَا تَسْقُطُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَرِضَ أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ وَالْمَرَضَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، ثُمَّ نَاقَضْتُمْ أَعْظَمَ مُنَاقَضَةٍ فَقُلْتُمْ: لَوْ احْتَالَ لِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ عِنْدَ آخِرِ الْحَوْلِ فَمَلَّكَ مَالَهُ لِزَوْجَتِهِ لَحْظَةً فَلَمَّا انْقَضَى الْحَوْلُ اسْتَرَدَّهُ مِنْهَا، وَاعْتِذَارُكُمْ بِالْفَرْقِ - بِأَنَّ هَذَا تَحَيُّلٌ عَلَى مَنْعِ الْوُجُوبِ، وَذَاكَ تَحَايُلٌ عَلَى إسْقَاطِ الْوَاجِبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ - اعْتِذَارًا لَا يُجْدِي شَيْئًا، فَإِنَّهُ كَمَا لَا يَجُوزُ التَّحَيُّلُ لِإِسْقَاطِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَا يَجُوزُ التَّحَيُّلُ لِإِسْقَاطِ أَحْكَامِهِ بَعْدَ انْعِقَادِ أَسْبَابِهَا وَلَا تَسْقُطُ بِذَلِكَ.
وَإِذَا انْعَقَدَ سَبَبُ الْوُجُودِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ لِإِسْقَاطِهِ بَعْدَ ذَلِكَ سَبِيلٌ، وَسَبَبُ الْوُجُوبِ هُنَا قَائِمٌ وَهُوَ الْغِنَى بِمِلْكِ النِّصَابِ، وَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْغِنَى بِهَذَا التَّحَيُّلِ. وَلَا يَعُدُّهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا نَفْسُهُ فَقِيرًا مِسْكِينًا بِهَذَا التَّحَيُّلِ يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الزَّكَاةِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ.
هَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْخِدَاعِ وَالْمَكْرِ، فَكَيْفَ يَرُوجُ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ خَفَايَا الْأُمُورِ وَخَبَايَا الصُّدُورِ؟ وَأَيْنَ الْقِيَاسُ وَالْمِيزَانُ وَالْعَدْلُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ مِنْ التَّحَيُّلِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ وَإِسْقَاطِ الْوَاجِبَاتِ؟ وَكَيْفَ تَخْرُجُ الْحِيلَةُ الْمُفْسِدَةُ الَّتِي فِي الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ فِي كَوْنِهَا مُفْسِدَةً؟ أَمْ كَيْفَ يُقَلِّلُ بِهَا مَصْلَحَةً مَحْضَةً وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ تَزِيدُ بِالْحِيلَةِ وَلَا تَزُولُ وَتُضَاعَفُ وَلَا تَضْعُفُ؟ فَكَيْفَ تَزُولُ الْمَفْسَدَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي اقْتَضَتْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِلْمُحَلِّلِ وَالْمُحَلَّلِ لَهُ بِأَنْ يَشْتَرِطَا ذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ ثُمَّ يَعْقِدَا بِنِيَّةِ ذَلِكَ الشَّرْطِ وَلَا يَشْرِطَاهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ؟ فَإِذَا أَخْلَيَا صُلْبَ الْعَقْدِ مِنْ التَّلَفُّظِ بِشَرْطِهِ حَسْبُ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالنَّاسُ وَهُمَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا عُقِدَ عَلَى ذَلِكَ، فَيَالَلَّهِ الْعَجَبُ، أَكَانَتْ هَذِهِ اللَّعْنَةُ عَلَى مُجَرَّدِ ذِكْرِ الشَّرْطِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، فَإِذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْعَقْدِ انْقَلَبَتْ اللَّعْنَةُ رَحْمَةً وَثَوَابًا؟ وَهَلْ الِاعْتِبَارُ فِي الْعُقُودِ إلَّا بِحَقَائِقِهَا وَمَقَاصِدِهَا؟ وَهَلْ الْأَلْفَاظُ إلَّا مَقْصُودَةٌ لِغَيْرِهَا قَصْدَ الْوَسَائِلِ؟ فَكَيْفَ يُضَاعُ الْمَقْصُودُ وَيُعْدَلُ عَنْهُ فِي عَقْدٍ مُسَاوٍ لِغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَجْلِ تَقْدِيمِ لَفْظٍ أَوْ تَأْخِيرِهِ أَوْ إبْدَالِهِ
следующие страницы →