Полный текст (1 221 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فَهَذَا نَذْرٌ مُؤَكَّدٌ بِيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ فِيهِ " فَعَلَيَّ " إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ النَّذْرِ، بَلْ إذَا قَالَ: إنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ تَصَدَّقْت، أَوْ لَأَتَصَدَّقَنَّ، فَهُوَ وَعْدٌ وَعَدَهُ اللَّهَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفِيَ بِهِ، وَإِلَّا دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧] فَوَعْدُ الْعَبْدِ رَبَّهُ نَذْرٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ جَزَاءً وَشُكْرًا لَهُ عَلَى نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، فَجَرَى مَجْرَى عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ لَا عُقُودَ التَّبَرُّعَاتِ، وَهُوَ أَوْلَى بِاللُّزُومِ مِنْ أَنْ يَقُولَ ابْتِدَاءً: " لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا " فَإِنَّ هَذَا الْتِزَامٌ مِنْهُ لِنَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ تَعْلِيقٌ بِشَرْطٍ وَقَدْ وُجِدَ، فَيَجِبُ فِعْلُ الْمَشْرُوطِ عِنْدَهُ؛ لِالْتِزَامِهِ لَهُ بِوَعْدِهِ.
فَإِنَّ الِالْتِزَامَ تَارَةً يَكُونُ بِصَرِيحِ الْإِيجَابِ، وَتَارَةً يَكُونُ بِالْوَعْدِ، وَتَارَةً يَكُونُ بِالشُّرُوعِ كَشُرُوعِهِ فِي الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَالِالْتِزَامُ بِالْوَعْدِ آكَدُ مِنْ الِالْتِزَامِ بِالشُّرُوعِ، وَآكَدُ مِنْ الِالْتِزَامِ بِصَرِيحِ الْإِيجَابِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَمَّ مَنْ خَالَفَ مَا الْتَزَمَهُ لَهُ بِالْوَعْدِ، وَعَاقَبَهُ بِالنِّفَاقِ فِي قَلْبِهِ، وَمَدَحَ مَنْ وَفَى بِمَا نَذَرَهُ لَهُ، وَأَمَرَ بِإِتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهِ لَهُ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَجَاءَ الِالْتِزَامُ بِالْوَعْدِ آكَدُ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَإِخْلَافُهُ يُعْقِبُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ، وَأَمَّا إذَا حَلَفَ يَمِينًا مُجَرَّدَةً لَيَفْعَلَنَّ كَذَا فَهَذَا حَضٌّ مِنْهُ لِنَفْسِهِ، وَحَثٌّ عَلَى فِعْلِهِ بِالْيَمِينِ، وَلَيْسَ إيجَابًا عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْيَمِينَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا وَلَا تُحَرِّمُهُ، وَلَكِنَّ الْحَالِفَ عَقَدَ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّهُ، فَأَبَاحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ حِلَّ مَا عَقَدَهُ بِالْكَفَّارَةِ، وَلِهَذَا سَمَّاهَا اللَّهُ تَحِلَّةً، فَإِنَّهَا تُحِلُّ عَقْدَ الْيَمِينِ، وَلَيْسَتْ رَافِعَةً لِإِثْمِ الْحِنْثِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّ الْحِنْثَ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، فَيُؤْمَرُ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا، فَالشَّارِعُ لَمْ يُبِحْ سَبَبَ الْإِثْمِ، وَإِنَّمَا شَرَعَهَا اللَّهُ حِلًّا لِعَقْدِ الْيَمِينِ كَمَا شَرَعَ اللَّهُ الِاسْتِثْنَاءَ مَانِعًا مِنْ عَقْدِهَا؛ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا الْتَزَمَ لِلَّهِ وَبَيْنَ مَا الْتَزَمَ بِاَللَّهِ.
فَالْأَوَّلُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْوَفَاءُ، وَالثَّانِي يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْوَفَاءِ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ حَيْثُ يَسُوغُ ذَلِكَ، وَسِرُّ هَذَا أَنَّ مَا الْتَزَمَ لَهُ آكَدُ مِمَّا الْتَزَمَ بِهِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُتَعَلِّقٌ بِإِلَهِيَّتِهِ، وَالثَّانِيَ بِرُبُوبِيَّتِهِ؛ فَالْأَوَّلُ مِنْ أَحْكَامِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وَالثَّانِي مِنْ أَحْكَامِ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وَإِيَّاكَ نَعْبُدُ قِسْمُ اللَّهِ مِنْ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قِسْمُ الْعَبْدِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: «هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ إيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَأَنَّ مَا نَذَرَهُ لِلَّهِ مِنْ هَذِهِ الطَّاعَاتِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَمَا أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِهِ وَبَيْنَ التَّكْفِيرِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُتَعَلِّقٌ بِإِلَهِيَّتِهِ.
وَالثَّانِيَ بِرُبُوبِيَّتِهِ، فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَيُخَيَّرُ الْحَالِفُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهَذَا مِنْ أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ، وَكَمَالِهَا وَعِظَمِهَا.
وَيَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا أَنَّ الْحَالِفَ بِالْتِزَامِ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ قَصْدُهُ أَلَّا تَكُونَ، وَلِكَرَاهَتِهِ
стр. 387
لِلُزُومِهَا لَهُ حَلَفَ بِهَا، فَقَصْدُهُ أَلَّا يَكُونَ الشَّرْطُ فِيهَا وَلَا الْجَزَاءُ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، فَلَمْ يُلْزِمْهُ الشَّارِعُ بِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهُ وَلَا مُتَقَرِّبٍ بِهِ إلَى اللَّهِ، فَلَمْ يَعْقِدْهُ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا عَقَدَهُ بِهِ، فَهُوَ يَمِينٌ مَحْضَةٌ، فَإِلْحَاقُهُ بِنَذْرِ الْقُرْبَةِ إلْحَاقٌ لَهُ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ، وَقَطْعٌ لَهُ عَنْ الْإِلْحَاقِ بِنَظِيرِهِ، وَعُذْرُ مَنْ أَلْحَقَهُ بِنَذْرِ الْقُرْبَةِ شُبْهَةٌ بِهِ فِي اللَّفْظِ وَالصُّورَةِ، وَلَكِنْ الْمُلْحِقُونَ لَهُ بِالْيَمِينِ أَفْقَهُ وَأَرْعَى لِجَانِبِ الْمَعَانِي، وَقَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: " إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ " فَحَنِثَ أَنْ لَا يَكْفُرَ بِذَلِكَ إنْ قَصَدَ الْيَمِينَ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْيَمِينِ مَنْعٌ مِنْ الْكُفْرِ، وَبِهَذَا وَغَيْرِهِ احْتَجَّ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى أَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ كَنَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَكَالْحَلِفِ بِقَوْلِهِ: " إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ " وَحَكَاهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فِي الْعِتْقِ، وَحَكَاهُ غَيْرُهُ إجْمَاعًا لَهُمْ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ.
قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ فِي شَرْحِ أَحْكَامِ عَبْدِ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيِّ، فَاجْتَهَدَ خُصُومُهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَكَانَ حَاصِلُ مَا رَدُّوا بِهِ قَوْلَهُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: - وَهُوَ عُمْدَةُ الْقَوْمِ - أَنَّهُ خِلَافُ مَرْسُومِ السُّلْطَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ خِلَافُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ عَلَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ الْمَقْصُودَيْنِ كَقَوْلِهِ: " إنْ أَبْرَأْتنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَفَعَلْت.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْعَمَلَ قَدْ اسْتَمَرَّ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، فَنَقَضَ حُجَجَهُمْ وَأَقَامَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ، وَصَنَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَرِيبًا مِنْ أَلْفِ وَرَقَةٍ، ثُمَّ مَضَى لِسَبِيلِهِ رَاجِيًا مِنْ اللَّهِ أَجْرًا أَوْ أَجْرَيْنِ، وَهُوَ وَمُنَازِعُوهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَخْتَصِمُونَ.
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الضَّبُعِ وَغَيْرِهِ مِنْ ذِي النَّابِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: " وَحَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَأَبَاحَ الضَّبُعَ وَلَهَا نَابٌ " فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ حَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ خَفِيَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُهُ فَقَالَ بِمَبْلَغِ عِلْمِهِ: وَأَمَّا الضَّبُعُ فَرُوِيَ عَنْهُ فِيهَا حَدِيثٌ صَحَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فَذَهَبُوا إلَيْهِ وَجَعَلُوهُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ أَحَادِيثِ التَّحْرِيمِ، كَمَا خَصَّتْ الْعَرَايَا لِأَحَادِيثِ الْمُزَابَنَةِ.
وَطَائِفَةٌ لَمْ تُصَحِّحْهُ وَحَرَّمُوا الضَّبُعَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ ذَاتِ الْأَنْيَابِ، وَقَالُوا: وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْآثَارُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَصَحَّتْ صِحَّةً لَا مَطْعَنَ فِيهَا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ الضَّبُعِ فَتَفَرَّدَ بِهِ
стр. 388
عَبْدُ الرَّحْمَنَ بْنُ أَبِي عُمَارَةَ، وَأَحَادِيثُ تَحْرِيمِ ذَوَاتِ الْأَنْيَابِ كُلُّهَا تُخَالِفُهُ، قَالُوا: وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ رَفَعَ الْأَكْلَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنْ يَكُونَ إنَّمَا رَفَعَ إلَيْهِ كَوْنَهَا صَيْدًا فَقَطْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا صَيْدًا جَوَازَ أَكْلِهَا، فَظَنَّ جَابِرٌ أَنَّ كَوْنَهَا صَيْدًا يَدُلُّ عَلَى أَكْلِهَا، فَأَفْتَى بِهِ مِنْ قَوْلِهِ وَرَفَعَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا سَمِعَهُ مِنْ كَوْنِهَا صَيْدًا.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ لَفْظَ الْحَدِيثِ لِيَتَبَيَّنَ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ «عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَارَةَ قَالَ: قُلْت لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: آكُلُ الضَّبُعَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: أَسَمِعْت ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ هُوَ كَوْنُهَا صَيْدًا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ قَالَ: عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي عُمَارَةَ عَنْ جَابِرٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ: هِيَ صَيْدٌ، وَفِيهَا كَبْشٌ» قَالُوا: وَكَذَلِكَ حَدِيثُ إبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ: «الضَّبُعُ صَيْدٌ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيهِ جَزَاءُ كَبْشٍ مُسِنٍّ وَيُؤْكَلُ» قَالَ الْحَاكِمُ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ: " وَيُؤْكَلُ " يَحْتَمِلُ الْوَقْفَ وَالرَّفْعَ، وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ تُعَارَضْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ الَّتِي تَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ فِي التَّحْرِيمِ.
قَالُوا: وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ جَابِرٍ صَرِيحًا فِي الْإِبَاحَةِ لَكَانَ فَرْدًا، وَأَحَادِيثُ تَحْرِيمِ ذَوَاتِ الْأَنْيَابِ مُسْتَفِيضَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ ادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ تَوَاتُرَهَا، فَلَا يُقَدَّمُ حَدِيثُ جَابِرٍ عَلَيْهَا.
قَالُوا: وَالضَّبُعُ مِنْ أَخْبَثِ الْحَيَوَانِ وَأَشْرَهْهُ، وَهُوَ مُغْرًى بِأَكْلِ لُحُومِ النَّاسِ وَنَبْشِ قُبُورِ الْأَمْوَاتِ وَإِخْرَاجِهِمْ وَأَكْلِهِمْ، وَيَأْكُلُ الْجِيَفَ، وَيَكْسِرُ بِنَابِهِ.
قَالُوا: وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْنَا الْخَبَائِثَ، وَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَوَاتَ الْأَنْيَابِ، وَالضَّبُعُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا وَهَذَا.
وَقَالُوا: وَغَايَةُ حَدِيثِ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا صَيْدٌ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَكْلُهَا، وَقَدْ قَالَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ ثَعْلَبًا فَقَالَ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، هِيَ صَيْدٌ، وَلَكِنْ لَا يُؤْكَلُ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ الثَّعْلَبِ، فَقَالَ: الثَّعْلَبُ سَبُعٌ؛ فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ سَبُعٌ وَأَنَّهُ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ، وَلَمَّا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا ظَنَّ جَابِرٌ أَنَّهُ يُؤْكَلُ فَأَفْتَى بِهِ.
وَاَلَّذِينَ صَحَّحُوا الْحَدِيثَ جَعَلُوهُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ تَحْرِيمِ ذِي النَّابِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا، حَتَّى قَالُوا: وَيُحَرَّمُ أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ إلَّا الضَّبُعَ، وَهَذَا لَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الشَّرِيعَةِ أَنْ يُخَصِّصَ مِثْلًا عَلَى مِثْلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ فُرْقَانٍ بَيْنَهُمَا.
стр. 389
وَبِحَمْدِ اللَّهِ إلَى سَاعَتِي هَذِهِ مَا رَأَيْت فِي الشَّرِيعَةِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ، أَعْنِي شَرِيعَةَ التَّنْزِيلِ لَا شَرِيعَةَ التَّأْوِيلِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ أَلْفَاظَهُ ﷺ الْكَرِيمَةَ تَبَيَّنَ لَهُ انْدِفَاعُ هَذَا السُّؤَالِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا حَرَّمَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى الْوَصْفَيْنِ: أَنْ يَكُونَ لَهُ نَابٌ، وَأَنْ يَكُون مِنْ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ بِطَبْعِهَا كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ.
وَأَمَّا الضَّبُعُ فَإِنَّمَا فِيهَا أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ، وَهُوَ كَوْنُهَا ذَاتَ نَابٍ، وَلَيْسَتْ مِنْ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ السِّبَاعَ أَخَصُّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَنْيَابِ، وَالسَّبُعُ إنَّمَا حَرَّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُوَّةِ السَّبُعِيَّةِ الَّتِي تُوَرِّثُ الْمُغْتَذَى بِهَا شِبْهُهَا؛ فَإِنَّ الْغَاذِيَ شَبِيهٌ بِالْمُغْتَذَى، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقُوَّةَ السَّبُعِيَّةَ الَّتِي فِي الذِّئْبِ وَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ لَيْسَتْ فِي الضَّبُعِ حَتَّى تَجِبَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي التَّحْرِيمِ، وَلَا تُعَدُّ الضَّبُعُ مِنْ السِّبَاعِ لُغَةً وَلَا عُرْفًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ سِرُّ تَخْصِيصِ خُزَيْمَةَ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحْدَهُ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَجَعَلَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِشَهَادَتَيْنِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ " فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ، وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ ﷺ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ اثْنَيْنِ، وَهَذَا التَّخْصِيصُ إنَّمَا كَانَ لِمُخَصِّصٍ اقْتَضَاهُ، وَهُوَ مُبَادَرَتُهُ دُونَ مَنْ حَضَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى الشَّهَادَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ الْأَعْرَابِيَّ، وَكَانَ فَرَضَ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ هَذِهِ الْقِصَّةَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَايَعَ الْأَعْرَابِيَّ، وَذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ وَالشَّهَادَةِ بِتَصْدِيقِهِ ﷺ ، وَهَذَا مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ، وَلَكِنَّ خُزَيْمَةَ تَفَطَّنَ لِدُخُولِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ تَحْتَ عُمُومِ الشَّهَادَةِ لِصِدْقِهِ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ وَبَيْنَ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ فِي صِدْقِهِ فِي هَذَا وَهَذَا، وَلَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إلَّا بِتَصْدِيقِهِ فِي هَذَا وَهَذَا؛ فَلَمَّا تَفَطَّنَ خُزَيْمَةُ دُونَ مَنْ حَضَرَ لِذَلِكَ اسْتَحَقَّ أَنْ تُجْعَلَ شَهَادَتُهُ بِشَهَادَتَيْنِ.
[فَصَلِّ سِرُّ تَخْصِيصِ أَبِي بُرْدَةَ بِإِجْزَاءِ تَضْحِيَتِهِ بِعِنَاقٍ]
فَصْلٌ [سِرُّ تَخْصِيصِ أَبُو بُرْدَةَ بِإِجْزَاءِ تَضْحِيَتِهِ بِعِنَاقٍ]
وَأَمَّا تَخْصِيصُهُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ بِإِجْزَاءِ التَّضْحِيَةِ بِالْعِنَاقِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُ فَلِمُوجِبٍ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ مُتَأَوِّلًا غَيْرَ عَالِمٍ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ بِأُضْحِيَّةٍ وَإِنَّمَا هِيَ شَاةُ لَحْمٍ أَرَادَ إعَادَةَ الْأُضْحِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا عِنَاقٌ هِيَ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ؛ فَرَخَّصَ لَهُ فِي التَّضْحِيَةِ بِهَا؛ لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ ذَبْحٌ تَأَوَّلَ فِيهِ، وَكَانَ مَعْذُورًا بِتَأْوِيلِهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْحُكْمِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ يُجْزِئُ إلَّا مَا وَافَقَ الشَّرْعَ الْمُسْتَقِرَّ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 390
[فَصَلِّ سِرُّ التَّفْرِقَةِ فِي الْوَصْفِ بَيْنَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ النَّهَارِ]
وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ النَّهَارِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ فَفِي غَايَةِ الْمُنَاسَبَةِ وَالْحِكْمَةِ؛ فَإِنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ هُدُوءِ الْأَصْوَاتِ وَسُكُونِ الْحَرَكَاتِ وَفَرَاغِ الْقُلُوبِ وَاجْتِمَاعِ الْهِمَمِ الْمُشَتَّتَةِ بِالنَّهَارِ، فَالنَّهَارُ مَحِلُّ السَّبْحِ الطَّوِيلِ بِالْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، وَاللَّيْلُ مَحِلُّ مُوَاطَأَةِ الْقَلْبِ لِلِّسَانِ وَمُوَاطَأَةِ اللِّسَانِ لِلْأُذُنِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ السُّنَّةُ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الْفَجْرِ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ، وَكَانَ الصِّدِّيقُ يَقْرَأُ فِيهَا بِالْبَقَرَةِ، وَعُمَرُ بِالنَّحْلِ وَهُودٍ وَبَنِي إسْرَائِيلَ وَيُونُسَ وَنَحْوِهَا مِنْ السُّوَرِ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ أَفْرَغُ مَا يَكُونُ مِنْ الشَّوَاغِلِ حِينَ انْتِبَاهِهِ مِنْ النَّوْمِ، فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ مَا يَقْرَعُ سَمْعَهُ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي فِيهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِحَذَافِيرِهِ صَادَفَهُ خَالِيًا مِنْ الشَّوَاغِلِ فَتَمَكَّنَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ مُزَاحِمٍ؛ وَأَمَّا النَّهَارُ فَلَمَّا كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ كَانَتْ قِرَاءَةُ صَلَاتِهِ سِرِّيَّةً إلَّا إذَا عَارَضَ فِي ذَلِكَ مُعَارِضٌ أَرْجَحُ مِنْهُ، كَالْمَجَامِعِ الْعِظَامِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ؛ فَإِنَّ الْجَهْرَ حِينَئِذٍ أَحْسَنُ وَأَبْلَغُ فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَأَنْفَعُ لِلْجَمْعِ، وَفِيهِ مِنْ قِرَاءَةِ كَلَامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَتَبْلِيغِهِ فِي الْمَجَامِعِ الْعِظَامِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الرِّسَالَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ سِرّ تَقْدِيمِ الْعَصَبَةِ الْبُعَدَاءِ عَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي الْمِيرَاث]
فَصْلٌ [سِرٌّ فِي تَقْدِيمِ الْعَصَبَةِ الْبُعَدَاءِ عَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَإِنْ قَرُبُوا]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَوِرْثُ ابْنُ ابْنِ الْعَمِّ وَإِنْ بَعُدَتْ دَرَجَتُهُ دُونَ الْخَالَةِ الَّتِي هِيَ شَقِيقَةٌ لِلْأُمِّ " فَنَعَمْ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ الشَّرِيعَةِ وَجَلَالَتِهَا؛ فَإِنَّ ابْنَ الْعَمِّ مِنْ عَصَبَتِهِ الْقَائِمِينَ بِنُصْرَتِهِ وَمُوَالَاتِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُ وَحَمْلِ الْعَقْلِ عَنْهُ، فَبَنُو أَبِيهِ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَصَبَتُهُ وَالْمُحَامُونَ دُونَهُ، وَأَمَّا قَرَابَةُ الْأُمِّ فَإِنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأَجَانِبِ، وَإِنَّمَا يَنْتَسِبُونَ إلَى آبَائِهِمْ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَقَارِبِ الْبَنَاتِ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ
فَمِنْ كَمَالِ حِكْمَةِ الشَّارِعِ أَنْ جَعَلَ الْمِيرَاثَ لِأَقَارِبِ الْأَبِ، وَقَدَّمَهُمْ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمِّ، وَإِنَّمَا وَرِثَ مَعَهُمْ مِنْ أَقَارِبِ الْأُمِّ مَنْ رَكَضَ الْمَيِّتُ مَعَهُمْ فِي بَطْنِ الْأُمِّ، وَهُمْ إخْوَانُهُ أَوْ مَنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ جِدًّا وَهُنَّ جَدَّاتُهُ لِقُوَّةِ إيلَادِهِنَّ وَقُرْبِ أَوْلَادِهِنَّ مِنْهُ؛ فَإِذَا عَدِمَتْ قَرَابَةُ الْأَبِ انْتَقَلَ الْمِيرَاثُ إلَى قَرَابَةِ الْأُمِّ، وَكَانُوا أَوْلَى مِنْ الْأَجَانِبِ؛ فَهَذَا الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ أَكْمَلُ شَيْءٍ وَأَعْدَلُهُ وَأَحْسَنُهُ. .
стр. 391
[فَصَلِّ الْفَرْقُ بَيْنَ الشُّفْعَةِ وَأَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ]
فَصْلٌ:
[الْفَرْقُ بَيْنَ الشُّفْعَةِ وَأَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَحَرَّمَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، ثُمَّ سَلَّطَهُ عَلَى أَخْذِ عَقَارِهِ وَأَرْضِهِ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ شَرَعَ الشُّفْعَةَ فِيمَا يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ فِيهِ بِالْقِسْمَةِ دُونَ مَا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ كَالْجَوْهَرَةِ وَالْحَيَوَانِ " فَهَذَا السُّؤَالُ قَدْ أَوْرَدَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى أَصْلِ الشُّفْعَةِ وَأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِهَا مُنَافٍ لِتَحْرِيمِ أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ خَصَّ بَعْضَ الْمَبِيعِ بِالشُّفْعَةِ دُونَ بَعْضٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلشُّفْعَةِ، وَهُوَ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ.
وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ نُجِيبُ عَنْ الْأَمْرَيْنِ؛ فَنَقُولُ: وُرُودُ الشَّرْعِ بِالشُّفْعَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْحِكْمَةِ.
مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَعَدْلِهَا وَقِيَامِهَا بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وُرُودُهَا بِالشُّفْعَةِ، وَلَا يَلِيقُ بِهَا غَيْرُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ حِكْمَةَ الشَّارِعِ اقْتَضَتْ رَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ رَفْعُهُ إلَّا بِضَرَرٍ أَعْظَمَ مِنْهُ بَقَّاهُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ رَفْعُهُ بِالْتِزَامِ ضَرَرٍ دُونَهُ رَفَعَهُ بِهِ، وَلَمَّا كَانَتْ الشَّرِكَةُ مَنْشَأَ الضَّرَرِ فِي الْغَالِبِ فَإِنَّ الْخُلَطَاءَ يَكْثُرُ فِيهِمْ بَغْيُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَفْعَ هَذَا الضَّرَرِ: بِالْقِسْمَةِ تَارَةً وَانْفِرَادِ كُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بِنَصِيبِهِ، وَبِالشُّفْعَةِ تَارَةً وَانْفِرَادِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِالْجُمْلَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْآخَرِ ضَرَرٌ فِي ذَلِكَ؛ فَإِذَا أَرَادَ بَيْعَ نَصِيبِهِ وَأَخَذَ عِوَضَهُ كَانَ شَرِيكُهُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ يَصِلُ إلَى غَرَضِهِ مِنْ الْعِوَضِ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ؛ فَكَانَ الشَّرِيكُ أَحَقَّ بِدَفْعِ الْعِوَضِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَيَزُولُ عَنْهُ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ، وَلَا يَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَى حَقِّهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْعَدْلِ وَأَحْسَنِ الْأَحْكَامِ الْمُطَابِقَةِ لِلْعُقُولِ وَالْفِطَرِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ. وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ التَّحَيُّلَ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ مُنَاقِضٌ لِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ الشَّارِعُ وَمُضَادٌّ لَهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَتْ أَفْهَامُ الْعُلَمَاءِ فِي الضَّرَرِ الَّذِي قَصَدَ الشَّارِعُ رَفْعَهُ بِالشُّفْعَةِ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ الضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِالْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ إذَا طَالَبَ شَرِيكَهُ بِالْقِسْمَةِ كَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُؤْنَةِ وَالْكُلْفَةِ وَالْغَرَامَةِ وَالضِّيقِ فِي مَرَافِقِ الْمَنْزِلِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ؛ فَإِنَّهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ رُبَّمَا ارْتَفَقَ بِالدَّارِ وَالْأَرْضِ كُلِّهَا وَبِأَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْهَا، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ ضَاقَتْ بِهِ الدَّارُ وَقَصُرَ عَلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ، فَمَكَّنَهُ الشَّارِعُ بِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ مِنْ رَفْعِ هَذِهِ الْمَضَرَّةِ عَنْ نَفْسِهِ: بِأَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِالْمَبِيعِ
стр. 392
مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الَّذِي يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، وَحَرَّمَ الشَّارِعُ عَلَى الشَّرِيكِ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ أَذِنَ فِي الْبَيْعِ وَقَالَ: لَا غَرَضَ لِي فِيهِ - لَمْ يَكُنْ لَهُ الطَّلَبُ بَعْدَ الْبَيْعِ؛ هَذَا مُقْتَضَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ بِوَجْهٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ إلَّا فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: إنَّمَا شُرِعَتْ الشُّفْعَةُ لِرَفْعِ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِالشَّرِكَةِ؛ فَإِذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي عَيْنٍ مِنْ الْأَعْيَانِ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ ابْتِيَاعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ رَفْعُ ضَرَرِ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ رَفْعِ ضَرَرِ الْآخَرِ؛ فَإِذَا بَاعَ نَصِيبَهُ كَانَ شَرِيكُهُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ؛ إذْ فِي ذَلِكَ إزَالَةُ ضَرَرِهِ مَعَ عَدَمِ تَضَرُّرِ صَاحِبِهِ، فَإِنَّهُ يَصِلُ إلَى حَقِّهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَصِلُ هَذَا إلَى اسْتِبْدَادِهِ بِالْمَبِيعِ، فَيَزُولُ الضَّرَرُ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى الشُّفْعَةَ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالشَّجَرِ وَالْجَوَاهِرِ وَالدُّورِ الصِّغَارِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، قَالَ: قِيلَ لِأَحْمَدَ: فَالْحَيَوَانُ دَابَّةٌ تَكُونُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ حِمَارٌ أَوْ مَا كَانَ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ، قَالَ: هَذَا كُلُّهُ أَوْكَدُ؛ لِأَنَّ خَلِيطَهُ الشَّرِيكُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ؛ فَإِذَا عَرَضَهُ عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِلَّا بَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَعْرِضُ عَلَى شَرِيكِهِ عَقَارًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَوْ نَخْلًا، فَقَالَ الشَّرِيكُ: لَا أُرِيدُ، فَبَاعَهُ، ثُمَّ طَلَبَ الشُّفْعَةَ بَعْدُ، قَالَ: لَهُ الشُّفْعَةُ فِي ذَلِكَ.
وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الصَّحِيحِ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ» وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْمَنْقُولَ وَالْعَقَارَ، وَفِي كِتَابِ " الْخَرَاجِ " عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي نَخْلٍ أَوْ رَبْعَةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ» ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ؛ وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّرِيكُ شَفِيعٌ، وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَرَوَاهُ أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامٍ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَفْظُهُ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ الْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالْجَارِيَةِ وَالْخَادِمِ» ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ وَإِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُرْسَلًا؛ فَهَذَا عِلَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ، عَلَى أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ السُّكَّرِيَّ ثِقَةٌ احْتَجَّ بِهِ صَاحِبَا الصَّحِيحِ، وَإِنْ قُلْنَا: " الزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ " فَرَفْعُ الْحَدِيثِ إذًا صَحِيحٌ، وَإِلَّا فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا قَدْ عَضَّدَتْهُ الْآثَارُ الْمَرْفُوعَةُ وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَضَى
стр. 393
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ» وَرُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ ثِقَاتٌ، وَهُوَ غَرِيبٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الضَّرَرَ بِالشَّرِكَةِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَبْلَغُ مِنْ الضَّرَرِ بِالْعَقَارِ الَّذِي يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ؛ فَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ مَرِيدًا لِرَفْعِ الضَّرَرِ الْأَدْنَى فَالْأَعْلَى أَوْلَى بِالرَّفْعِ، قَالُوا: وَلَوْ كَانَتْ الْأَحَادِيثُ مُخْتَصَّةً بِالْعَقَارِ وَالْعُرُوضِ الْمُنْقَسِمَةِ فَإِثْبَاتُ الشُّفْعَةِ فِيهَا تَنْبِيهٌ عَلَى ثُبُوتِهَا فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْأَصْلُ عَدَمُ انْتِزَاعِ الْإِنْسَانِ مَالَ غَيْرِهِ إلَّا بِرِضَاهُ، وَلَكِنْ تَرَكْنَا ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ لِثُبُوتِ هَذَا النَّصِّ فِيهِ، وَأَمَّا الْآثَارُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِثُبُوتِهَا فِي الْمَنْقُولِ فَضَعِيفَةٌ مَعْلُولَةٌ؛ وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِذَلِكَ، وَقَوْلُ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ» يَقْتَضِي انْحِصَارُهَا فِي ذَلِكَ، قَالُوا: وَقَدْ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلٍ، وَالْأُرَفُ يَقْطَعُ كُلَّ شُفْعَةٍ، وَالْفَحْلُ: النَّخْلُ، وَالْأُرَفُ بِوَزْنِ الْغُرَفِ الْمَعَالِمُ وَالْحُدُودُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا أَصَحُّهُ مِنْ حَدِيثٍ، قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنْقُولِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الضَّرَرَ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ يَتَأَبَّدُ بِتَأَبُّدِهِ، وَفِي الْمَنْقُولِ لَا يَتَأَبَّدُ؛ فَهُوَ ضَرَرٌ عَارِضٌ فَهُوَ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. قَالُوا: وَالضَّرَرُ فِي الْعَقَارِ يَكْثُرُ جِدًّا؛ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ الشَّرِيكُ إلَى إحْدَاثِ الْمَرَافِقِ، وَتَغْيِيرِ الْأَبْنِيَةِ، وَتَضْيِيقِ الْوَاسِعِ، وَتَخْرِيبِ الْعَامِرِ، وَسُوءِ الْجِوَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْعَقَارِ، فَأَيْنَ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ فِي الْعَبْدِ وَالْجَوْهَرَةُ وَالسَّيْفُ مِنْ هَذَا الضَّرَرِ؟ قَالَ الْمُثْبِتُونَ لِلشُّفْعَةِ: إنَّمَا كَانَ الْأَصْلُ عَدَمُ انْتِزَاعِ مِلْكِ الْإِنْسَانِ مِنْهُ إلَّا بِرِضَاهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الظُّلْمِ لَهُ وَالْإِضْرَارِ بِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يَتَضَمَّنُ ظُلْمًا وَلَا إضْرَارًا بَلْ مَصْلَحَةً لَهُ بِإِعْطَائِهِ الثَّمَنَ فَلِشَرِيكِهِ دَفْعُ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ عَنْهُ؛ فَلَيْسَ الْأَصْلُ عَدَمُهُ، بَلْ هُوَ مُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ تُوجِبُ الْمُعَاوَضَةَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ صَاحِبُ الْمَالِ، وَتَرْكُ مُعَاوَضَتِهِ هَا هُنَا لِشَرِيكِهِ مَعَ كَوْنِهِ قَاصِدًا لِلْبَيْعِ ظُلْمٌ مِنْهُ وَإِضْرَارٌ بِشَرِيكِهِ فَلَا يُمَكِّنُهُ الشَّارِعُ مِنْهُ، بَلْ مَنْ تَأَمَّلَ مَصَادِرَ الشَّرِيعَةِ وَمَوَارِدَهَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الشَّارِعَ لَا يُمَكِّنُ هَذَا الشَّرِيكَ مِنْ نَقْلِ نَصِيبِهِ إلَى غَيْرِ شَرِيكِهِ وَأَنْ يَلْحَقَ بِهِ مِنْ الضَّرَرِ مِثْلُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْآثَارُ فَقَدْ جَاءَتْ بِهَذَا وَهَذَا، وَلَوْ قَدَّرَ عَدَمَ صِحَّتِهَا بِالشُّفْعَةِ فِي الْمَنْقُولِ فَهِيَ لَمْ تَنْفِ ذَلِكَ، بَلْ نَبَّهَتْ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا؛ وَأَمَّا تَأَبُّدُ الضَّرَرِ وَعَدَمُهُ فَفَرْقٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ مِنْ الْمَنْقُولِ مَا يَكُونُ تَأَبُّدُهُ كَتَأَبُّدِ الْعَقَارِ كَالْجَوْهَرَةِ وَالسَّيْفِ وَالْكِتَابِ وَالْبِئْرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَبَّدْ ضَرَرُهُ مَدَى الدَّهْرِ فَقَدْ يَطُولُ ضَرَرُهُ كَالْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ، وَلَوْ بَقِيَ ضَرَرُهُ مُدَّةً فَإِنَّ الشَّارِعَ مُرِيدٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ
стр. 394
بِكُلِّ طَرِيقٍ وَلَوْ قَصُرَتْ مُدَّتُهُ، وَأَمَّا تَفْرِيقُكُمْ بِكَثْرَةِ الضَّرَرِ فِي الْعَقَارِ وَقِلَّتِهِ فِي الْمَنْقُولِ فَلَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ الضَّرَرَ فِي الْعَقَارِ يَكْثُرُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَاتِ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ رَفْعُهُ بِالْقِسْمَةِ، وَأَمَّا الضَّرَرُ فِي الْمَنْقُولِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بِقِسْمَتِهِ، عَلَى أَنَّ هَذَا مُنْتَقَضٌ بِالْأَرْضِ الْوَاسِعَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتُمْ. فَصْلٌ [رَأْيُ الْقَائِلِينَ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ]
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ: بَلْ الضَّرَرُ الَّذِي قَصَدَ الشَّارِعُ رَفْعُهُ هُوَ ضَرَرُ سُوءِ الْجِوَارِ وَالشَّرِكَةِ فِي الْعَقَارِ وَالْأَرْضِ؛ فَإِنَّ الْجَارَ قَدْ يُسِيءُ الْجِوَارَ غَالِبًا أَوْ كَثِيرًا، فَيُعَلِّي الْجِدَارَ، وَيَتْبَعُ الْعِثَارَ، وَيَمْنَعُ الضَّوْءَ، وَيُشْرِفُ عَلَى الْعَوْرَةِ، وَيَطَّلِعُ عَلَى الْعَثْرَةِ، وَيُؤْذِي جَارَهُ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى، وَلَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ، وَهَذَا مِمَّا يَشْهَدُ بِهِ الْوَاقِعُ، وَأَيْضًا فَالْجَارُ لَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ وَالْحَقِّ وَالذِّمَامِ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ فِي كِتَابِهِ، وَوَصَّى بِهِ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَايَةَ الْوَصِيَّةِ، وَعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بِإِكْرَامِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ، وَهُوَ الذِّمِّيُّ الْأَجْنَبِيُّ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْأَجْنَبِيُّ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْقَرِيبُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الْقَرَابَةِ؛ وَمِثْلُ هَذَا وَلَوْ لَمْ يُرِدْ فِي الشَّرِيكِ فَأَدْنَى الْمَرَاتِبِ مُسَاوَاتُهُ بِهِ فِيمَا يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ، لَا سِيَّمَا وَالْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ ثَبَتَ فِي الشَّرِكَةِ لِإِفْضَائِهَا إلَى ضَرَرِ الْمُجَاوَرَةِ فَإِنَّهُمَا إذَا اقْتَسَمَا تَجَاوَرَا.
قَالُوا: وَلِهَذَا السَّبَبِ اخْتَصَّتْ بِالْعَقَارِ دُونَ الْمَنْقُولَاتِ؛ إذْ الْمَنْقُولَاتُ لَا تَتَأَتَّى فِيهَا الْمُجَاوَرَةُ، فَإِذَا ثَبَتَتْ فِي الشَّرِكَةِ فِي الْعَقَارِ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْمُجَاوَرَةِ فَحَقِيقَةُ الْمُجَاوَرَةِ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ فِيهَا.
قَالُوا: وَهَذَا مَعْقُولُ النُّصُوصِ لَوْ لَمْ تَرُدَّ بِالثُّبُوتِ فِيهَا، فَكَيْفَ وَقَدْ صُرِّحَتْ بِالثُّبُوتِ فِيهَا أَعْظَمَ مِنْ تَصْرِيحِهَا بِالثُّبُوتِ لِلشَّرِيكِ؟ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: جَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبَيْ، فَانْطَلَقْت مَعَهُ إلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ أَبُو رَافِعٍ: أَلَا تَأْمُرُ هَذَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنِّي بَيْتِي الَّذِي فِي دَارِهِ، فَقَالَ: لَا أَزِيدُهُ عَلَى أَرْبَعِمِائَةٍ مُنَجَّمَةٍ، فَقَالَ: قَدْ أُعْطِيت خَمْسَمِائَةٍ نَقْدًا فَمَنَعْته، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» مَا بِعْتُك، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْد الثَّقَفِيِّ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْضٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا قِسْمٌ وَلَا شِرْكٌ إلَّا
стр. 395
الْجِوَارَ قَالَ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» أَخْرُجُهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي رَافِعٍ - يَعْنِي الْمُتَقَدِّمَ - وَقَالَ أَيْضًا: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ عِنْدِي صَحِيحٌ.
وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «جَارُ الدَّارِ أَوْلَى بِالدَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، انْتَهَى.
وَقَدْ صَحَّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ، وَغَايَةُ هَذَا أَنَّهُ كِتَابٌ، وَلَمْ تَزَلْ الْأُمَّةُ تَعْمَلُ بِالْكُتُبِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الْعَمَلِ بِالْكُتُبِ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُمْ، وَلَيْسَ اعْتِمَادُ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ إلَّا عَلَى الْكُتُبِ فَإِنْ لَمْ يُعْمَلْ بِمَا فِيهَا تَعَطَّلَتْ الشَّرِيعَةُ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ كُتُبَهُ إلَى الْآفَاقِ وَالنَّوَاحِي فَيَعْمَلُ بِهَا مَنْ تَصِلُ إلَيْهِ، وَلَا يَقُولُ: هَذَا كِتَابٌ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ بَعْدُ، وَالنَّاسُ إلَى الْيَوْمِ، فَرَدُّ السُّنَنِ بِهَذَا الْخَيَالِ الْبَارِدِ الْفَاسِدِ مِنْ أَبْطَلْ الْبَاطِلِ، وَالْحِفْظُ يَخُونُ، وَالْكِتَابُ لَا يَخُونُ.
وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَكُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ.
وَرَوَى أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ مِيزَانِ الْكُوفَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرْ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ فَلَا يُرَدُّ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ وَكِيعٌ عَنْهُ: لَوْ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ رَوَى حَدِيثًا آخَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الشُّفْعَةِ لَطَرَحْت حَدِيثَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ حَدِيثٌ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ إلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ ثِقَةٌ صَدُوقٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ هَذَا حَافِظٌ ثِقَةٌ صَدُوقٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَحَدٌ بِجَرْحٍ أَلْبَتَّةَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَئِمَّةُ زَمَانِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ،.
وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» وَلَا يَحْتَمِلُ مُخَالَفَةَ الْعَرْزَمِيِّ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ صَحَّ هَذَا عَنْ جَابِرٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ، وَمِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كُثَيِّرٌ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ، فَخَالَفَهُمْ الْعَرْزَمِيُّ، وَلِهَذَا شَهِدَ الْأَئِمَّةُ بِإِنْكَارِ حَدِيثِهِ، وَلَمْ يُقَدِّمُوهُ عَلَى حَدِيثِ هَؤُلَاءِ، قَالَ مُهَنَّا بْنُ يَحْيَى الشَّامِيُّ:
стр. 396
سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ هَذَا، فَقَالَ: قَدْ أَنْكَرَهُ شُعْبَةُ، فَقُلْت: لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْكَرَهُ؟ فَقَالَ: حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافَ مَا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَنُبَيِّنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ جَابِرٍ لَا يُنَاقِضُ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ، بَلْ مَفْهُومُهُ يُوَافِقُ مَنْطُوقَهُ، وَسَائِرُ أَحَادِيثِ جَابِرٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ قَالَا: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ لِلْجِوَارِ» وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا فَإِنَّ الثَّوْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَكَمِ عَمَّنْ سَمِعَ عَلِيًّا وَعَبْدَ اللَّهِ؛ فَهُوَ يَصْلُحُ لِلِاسْتِشْهَادِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَحْدَهُ الِاعْتِمَادُ.
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ الْقَاضِي عَنْ سِمَاكَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ وَأَرَادَ بَيْعَهَا فَلْيَعْرِضْهَا عَلَى جَارِهِ» وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ.
وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ لِلْجِوَارِ» رَوَاهُ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى الشَّيْبَانِيِّ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَقَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ الصُّرَيْفِينِيُّ: ثنا أَبُو أُمَامَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ثنا قَتَادَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ جَارٌ فِي حَائِطٍ أَوْ شَرِيكٌ فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَيْهِ» وَهَؤُلَاءِ ثِقَاتٌ كُلُّهُمْ، وَعِلَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ مَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: سَمِعْت مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - يَقُولُ: سُلَيْمَانُ الْيَشْكُرِيُّ: يُقَالُ إنَّهُ مَاتَ فِي حَيَاةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ قَتَادَةُ وَلَا أَبُو بِشْرٍ، قَالَ: وَيُقَالُ: إنَّمَا يُحَدِّثُ قَتَادَةَ عَنْ صَحِيفَةِ سُلَيْمَانَ الْيَشْكُرِيِّ، وَكَانَ لَهُ كِتَابٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
قُلْت: وَغَايَةُ هَذَا أَنْ يَكُونَ كِتَابًا، وَالْأَخْذُ عَنْ الْكُتُبِ حُجَّةٌ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا كَانَ» .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: سَمِعْت الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّفِيعُ أَوْلَى مِنْ الْجَارِ، وَالْجَارُ أَوْلَى مِنْ الْجَنْبِ» وَإِسْنَادُهُ إلَى الشَّعْبِيِّ صَحِيحٌ، قَالُوا: وَلِأَنَّ حَقَّ الْأَصِيلِ - وَهُوَ الْجَارُ - أَسْبَقُ مِنْ حَقِّ الدَّخِيلِ، وَكُلُّ مَعْنًى اقْتَضَى ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ فَمِثْلُهُ فِي حَقِّ الْجَارِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْجِوَارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا، وَيَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَيَقَعُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَةِ مَا هُوَ مَعْهُودٌ، وَالضَّرَرُ بِذَلِكَ دَائِمٌ مُتَأَبِّدٌ، وَلَا يَنْدَفِعُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاءِ الْجَارِ: إنْ شَاءَ أَقَرَّ الدَّخِيلَ عَلَى جِوَارِهِ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ انْتَزَعَ الْمِلْكَ بِثَمَنِهِ وَاسْتَرَاحَ مِنْ مُؤْنَةِ الْمُجَاوَرَةِ وَمَفْسَدَتِهَا.
стр. 397
وَإِذَا كَانَ الْجَارُ يَخَافُ التَّأَذِّي بِالْمُجَاوَرَةِ عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ، كَانَ كَالشَّرِيكِ يَخَافُ التَّأَذِّي بِشَرِيكِهِ عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ.
قَالُوا: وَلَا يَرُدُّ عَلَيْنَا الْمُسْتَأْجِرُ مَعَ الْمَالِكِ؛ فَإِنَّ مَنْفَعَةَ الْإِجَارَةِ لَا تَتَأَبَّدُ عَادَةً.
وَأَيْضًا فَالْمِلْكُ بِالْإِجَارَةِ مِلْكُ مَنْفَعَةٍ، وَلَا لُزُومَ بَيْنَ مِلْكِ الْجَارِ وَبَيْنَ مَنْفَعَةِ دَارِ جَارِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا؛ فَإِنَّ الضَّرَرَ بِسَبَبِ اتِّصَالِ الْمِلْكِ بِالْمِلْكِ كَمَا أَنَّهُ فِي الشَّرِكَةِ حَاصِلٌ بِسَبَبِ اتِّصَالِ الْمِلْكِ بِالْمِلْكِ؛ فَوَجَبَ بِحُكْمِ عِنَايَةِ الشَّارِعِ وَرِعَايَتِهِ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ إزَالَةُ الضَّرَرَيْنِ جَمِيعًا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ الْبَائِعَ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَهُنَا، فَيَبْعُدُ الْقَوْلُ بِهِ، فَهَذَا تَقْرِيرُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ نَصًّا وَقِيَاسًا.
[رَدُّ الْمُبْطِلِينَ لِشُفْعَةِ الْجِوَارِ]
قَالَ الْمُبْطِلُونَ لِشُفْعَةِ الْجِوَارِ: لَا تَضُرُّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «إنَّ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: ثنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا قُسِمَتْ الْأَرْضُ وَحُدَّتْ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا» وَفِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا صُرِفَتْ الطُّرُقُ وَوَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: " إذَا صُرِفَتْ الْحُدُودُ وَعَرَفَ النَّاسُ حُدُودَهُمْ فَلَا شُفْعَةَ بَيْنَهُمْ ".
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْعَبَّاسِ.
قَالُوا: وَلَا رَيْبَ أَنَّ الضَّرَرَ اللَّاحِقَ بِالشَّرِكَةِ هُوَ مَا تُوجِبُهُ مِنْ التَّزَاحُمِ فِي الْمَرَافِقِ وَالْحُقُوقِ وَالْإِحْدَاثِ وَالتَّغْيِيرِ وَالْإِفْضَاءِ إلَى التَّقَاسُمِ الْمُوجِبِ لِنَقْصِ قِيمَةِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ.
قَالُوا: وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الشَّرِيكِ وَالْجَارِ شَرْعًا وَقَدَرًا؛ فَفِي الشَّرِكَةِ حُقُوقٌ لَا تُوجَدُ فِي الْجِوَارِ؛ فَإِنَّ الْمِلْكَ فِي الشَّرِكَةِ مُخْتَلِطٌ وَفِي الْجِوَارِ مُتَمَيِّزٌ، وَلِكُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ
стр. 398
مُطَالَبَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَمَنْعٌ شَرْعِيٌّ؛ أَمَّا الْمُطَالَبَةُ فَفِي الْقِسْمَةِ، وَأَمَّا الْمَنْعُ فَمِنْ التَّصَرُّفِ؛ فَلَمَّا كَانَتْ الشَّرِكَةُ مَحَلًّا لِلطَّلَبِ وَمَحَلًّا لِلْمَنْعِ كَانَتْ مَحَلًّا لِلِاسْتِحْقَاقِ، بِخِلَافِ الْجَوَابِ، فَلَمْ يَجُزْ إلْحَاقُ الْجَارِ بِالشَّرِيكِ وَبَيْنَهُمَا هَذَا الِاخْتِلَافُ،
وَالْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَتْ بِهِ الشُّفْعَةُ رَفْعُ مُؤْنَةِ الْمُقَاسَمَةِ، وَهِيَ مُؤْنَةٌ كَثِيرَةٌ، وَالشَّرِيكُ لَمَّا بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ غَيْرِ شَرِيكِهِ فَهَذَا الدَّخِيلُ قَدْ عَرَّضَهُ لِمُؤْنَةٍ عَظِيمَةٍ، فَمَكَّنَهُ الشَّارِعُ مِنْ التَّخَلُّصِ مِنْهَا بِانْتِزَاعِ الشِّقْصِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِالْبَائِعِ وَلَا بِالْمُشْتَرِي، وَلَمْ يُمَكِّنْهُ الشَّارِعُ مِنْ الِانْتِزَاعِ قَبْلَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ مِثْلُهُ وَمُسَاوٍ لَهُ فِي الدَّرَجَةِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا إلَّا وَلِصَاحِبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْحَقِّ عَلَيْهِ، فَإِذَا بَاعَ صَارَ الْمُشْتَرِي دَخِيلًا، وَالشَّرِيكُ أَصِيلٌ، فَرَجَّحَ جَانِبَهُ وَثَبَتَ لَهُ الِاسْتِحْقَاقُ.
قَالُوا: وَكَمَا أَنَّ الشَّارِعَ يَقْصِدُ رَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْجَارِ فَهُوَ أَيْضًا يَقْصِدُ رَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَلَا يُزِيلُ ضَرَرَ الْجَارِ بِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى دَارٍ يَسْكُنُهَا هُوَ وَعِيَالُهُ، فَإِذَا سَلَّطَ الْجَارَ عَلَى إخْرَاجِهِ وَانْتِزَاعِ دَارِهِ مِنْهُ أَضَرَّ بِهِ إضْرَارًا بَيِّنًا، وَأَيُّ دَارٍ اشْتَرَاهَا وَلَهُ جَارٌ فَحَالُهُ مَعَهُ هَكَذَا، وَتَطَلُّبُهُ دَارًا لَا جَارَ لَهَا كَالْمُتَعَذَّرِ عَلَيْهِ أَوْ كَالْمُتَعَسِّرِ؛ فَكَانَ مِنْ تَمَامِ حِكْمَةِ الشَّارِعِ أَنْ أَسْقَطَ الشُّفْعَةَ بِوُقُوعِ الْحُدُودِ وَتَصْرِيفِ الطُّرُقِ؛ لِئَلَّا يَضُرَّ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، وَيَتَعَذَّرُ عَلَى مَنْ أَرَادَ شِرَاءَ دَارٍ لَهَا جَارٌ أَنْ يُتِمَّ لَهُ مَقْصُودَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّرِيكِ، وَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِالْحِصَّةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا، وَالشَّرِيكُ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِانْضِمَامِهَا إلَى مِلْكِهِ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي ضَرَرٌ فِي انْتِزَاعِهَا مِنْهُ وَإِعْطَائِهِ مَا اشْتَرَاهَا بِهِ.
قَالُوا: وَحِينَئِذٍ فَتَعَيَّنَ حَمْلُ أَحَادِيثِ شُفْعَةِ الْجِوَارِ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ شُفْعَةِ الشَّرِكَةِ؛ فَيَكُونُ لَفْظُ الْجَارِ فِيهَا مُرَادًا بِهِ الشَّرِيكُ، وَوَجْهُ هَذَا الْإِطْلَاقِ الْمَعْنَى وَالِاسْتِعْمَالُ، أَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ مِلْكِ الشَّرِيكِ مُجَاوِرٌ لِمِلْكِ صَاحِبِهِ، فَهُمَا جَارَانِ حَقِيقَةً، وَأَمَّا الِاسْتِعْمَالُ فَإِنَّهُمَا خَلِيطَانِ مُتَجَاوِرَانِ، وَلِذَا سُمِّيَتْ الزَّوْجَةُ جَارَةً كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ
فَتَسْمِيَةُ الشَّرِيكِ جَارًا أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ: كُنْت بَيْنَ جَارَتَيْنِ لِي، هَذَا إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ إلَّا إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْحَقِّ فِيهَا حَقُّ الْجَارِ عَلَى جَارِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا عَلَى إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إنَّمَا أَثْبَتَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ حَقَّ الْعَرْضِ عَلَيْهِ إذَا أَرَادَ
стр. 399
الْبَيْعَ، فَأَيْنَ ثُبُوتُ حَقِّ الِانْتِزَاعِ مِنْ الْمُشْتَرِي؟ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ هَذَا الْحَقِّ ثُبُوتُ حَقِّ الِانْتِزَاعِ، فَهَذَا مُنْتَهَى إقْدَامِ الطَّائِفَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الْوَسَطُ الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ سِوَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ، أَنَّهُ إنْ كَانَ بَيْنَ الْجَارَيْنِ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ مِنْ حُقُوقِ الْأَمْلَاكِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَقٌّ مُشْتَرَكٌ أَلْبَتَّةَ - بَلْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُتَمَيِّزًا مِلْكُهُ وَحُقُوقُ مِلْكِهِ - فَلَا شُفْعَةَ، وَهَذَا الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الشُّفْعَةِ: لِمَنْ هِيَ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا، فَإِذَا صُرِفَتْ الطُّرُقُ وَعُرِفَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَوْلُ الْقَاضِيَيْنِ سَوَّارِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُشَيْشٍ: أَهْلُ الْبَصْرَةِ يَقُولُونَ: إذَا كَانَ الطَّرِيقُ وَاحِدًا كَانَ بَيْنَهُمْ الشُّفْعَةُ مِثْلُ دَارِنَا هَذِهِ، عَلَى مَعْنَى حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي يُحَدِّثُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، انْتَهَى.
فَأَهْلُ الْكُوفَةِ يُثْبِتُونَ شُفْعَةَ الْجِوَارِ مَعَ تَمَيُّزِ الطُّرُقِ وَالْحُقُوقِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسْقِطُونَهَا مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الطَّرِيقِ وَالْحُقُوقِ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يُوَافِقُونَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إذَا صُرِفَتْ الطُّرُقُ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اشْتِرَاكٌ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْأَمْلَاكِ، وَيُوَافِقُونَ أَهْلَ الْكُوفَةِ إذَا اشْتَرَكَ الْجَارَانِ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْأَمْلَاكِ كَالطَّرِيقِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بْنِ تَيْمِيَّةَ.
وَحَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي أَنْكَرَهُ مَنْ أَنْكَرَهُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ صَرِيحٌ فِيهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ يُنْتَظَرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» فَأَثْبَتَ الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ مَعَ اتِّحَادِ الطَّرِيقِ، وَنَفَاهَا بِهِ مَعَ اخْتِلَافِ الطَّرِيقِ بِقَوْلِهِ: «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» فَمَفْهُومُ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَنْطُوقُ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ، فَأَحَدُهُمَا يُصَدِّقُ الْآخَرَ وَيُوَافِقُهُ، لَا يُعَارِضُهُ وَيُنَاقِضُهُ، وَجَابِرٌ رَوَى اللَّفْظَيْنِ؛ فَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ مِنْ إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ عِنْدَ تَصْرِيفِ الطُّرُقِ وَتَمْيِيزِ الْحُدُودِ هُوَ بِعَيْنِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ بِمَفْهُومِهِ، وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَنْطُوقِهِ هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ سَائِرُ أَحَادِيثِ جَابِرٍ بِمَفْهُومِهَا، فَتَوَافَقَتْ السُّنَنُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَائْتَلَفَتْ، وَزَالَ عَنْهَا مَا يُظَنُّ بِهَا مِنْ التَّعَارُضِ، وَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ الْمَلِكِ؛ فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى الْأَخْذِ بِالْجِوَارِ حَالَةَ الشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنَّ الْبَيْتَيْنِ كَانَا فِي نَفْسِ دَارِ سَعْدٍ وَالطَّرِيقُ وَاحِدٌ بِلَا رَيْبٍ.
стр. 400
وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ يَقْتَضِي هَذَا الْقَوْلَ؛ فَإِنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي حُقُوقِ الْمِلْكِ شَقِيقُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمِلْكِ، وَالضَّرَرُ الْحَاصِلُ بِالشَّرِكَةِ فِيهَا كَالضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالشَّرِكَةِ فِي الْمِلْكِ أَوْ أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَرَفْعُهُ مَصْلَحَةً لِلشَّرِيكِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي؛ فَالْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَتْ لِأَجْلِهِ شُفْعَةُ الْخِلْطَةِ فِي الْمِلْكِ مَوْجُودٌ فِي الْخِلْطَةِ فِي حُقُوقِهِ؛ فَهَذَا الْمَذْهَبُ أَوْسَطُ الْمَذَاهِبِ، وَأَجْمَعُهَا لِلْأَدِلَّةِ، وَأَقْرَبُهَا إلَى الْعَدْلِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الِاخْتِلَافُ عَنْ عُمَرَ ﵁؛ فَحَيْثُ قَالَ: لَا شُفْعَةَ فَفِيمَا إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ، وَحَيْثُ أَثْبَتَهَا فَفِيمَا إذَا لَمْ تُصْرَفْ الطُّرُقُ، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا وَهَذَا، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: " إذَا حَدَثَ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ " وَمَنْ تَأَمَّلَ أَحَادِيثَ شُفْعَةِ الْجِوَارِ رَآهَا صَرِيحَةً فِي ذَلِكَ، وَتَبَيَّنَ لَهُ بُطْلَانُ حَمْلِهَا عَلَى الشَّرِيكِ وَعَلَى حَقِّ الْجِوَارِ غَيْرَ الشُّفْعَةِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قِيلَ: بَقِيَ عَلَيْكُمْ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» فَأَسْقَطَ الشُّفْعَةَ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْحُدُودِ، وَعِنْدَ أَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ إذَا حَصَلَ الِاشْتِرَاكُ فِي الطَّرِيقِ فَالشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ، وَإِنْ وَقَعَتْ الْحُدُودُ، وَهَذَا خِلَافُ الْحَدِيثِ.
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ مِنْ الرُّوَاةِ مَنْ اخْتَصَرَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّدَ الْحَدِيثَ فَذَكَرَهُمَا، وَلَا يَكُونُ إسْقَاطُ مَنْ أَسْقَطَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ مُبْطِلًا لِحُكْمِ اللَّفْظِ الْآخَرِ.
الثَّانِي - أَنَّ تَصْرِيفَ الطُّرُقِ دَاخِلٌ فِي وُقُوعِ الْحُدُودِ؛ فَإِنَّ الطَّرِيقَ إذَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً لَمْ تَكُنْ الْحُدُودُ كُلُّهَا وَاقِعَةً، بَلْ بَعْضُهَا حَاصِلٌ، وَبَعْضُهَا مُنْتَفٍ؛ فَوُقُوعُ الْحُدُودِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يَسْتَلْزِمُ أَوْ يَتَضَمَّنُ تَصْرِيفَ الطُّرُقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ بَعْضِ الْأَيَّامِ وَبَعْضِهَا الْآخَرِ]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ بَعْضِ الْأَيَّامِ وَبَعْضِهَا الْآخَرِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَحَرَّمَ صَوْمَ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَفَرَضَ صَوْمَ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ مَعَ تَسَاوِيهِمَا " فَالْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى صَحِيحَةٌ، وَالثَّانِيَةُ كَاذِبَةٌ؛ فَلَيْسَ الْيَوْمَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا؛ فَهَذَا يَوْمٌ مِنْ شَهْرِ الصِّيَامِ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَهَذَا يَوْمُ عِيدِهِمْ وَسُرُورِهِمْ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى شُكْرَانَ صَوْمِهِمْ وَإِتْمَامِهِ، فَهُمْ فِيهِ أَضْيَافُهُ سُبْحَانَهُ، وَالْجَوَادُ الْكَرِيمُ يُحِبُّ مِنْ ضَيْفِهِ أَنْ يَقْبَلَ قِرَاهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ ضِيَافَتِهِ بِصَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُكْرَهُ لِلضَّيْفِ أَنْ يَصُومَ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ؛ فَمِنْ أَعْظَمِ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ فَرْضُ صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ إتْمَامٌ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَخَاتِمَةُ الْعَمَلِ، وَتَحْرِيمُ
стр. 401
صَوْمِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ يَوْمٌ يَكُونُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ أَضْيَافُ رَبِّهِمْ ﵎، وَهُمْ فِي شُكْرَانِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَيُّ شَيْءٍ أَبْلَغُ وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ؟
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ بِنْتِ الْأَخِ وَبِنْتِ الْعَمِّ وَنَحْوِهَا فِي النِّكَاح]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ بِنْتِ الْأَخِ وَبِنْتِ الْعَمِّ وَنَحْوِهَا]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَحَرَّمَ عَلَيْهِ نِكَاحَ بِنْتِ أَخِيهِ وَأُخْتِهِ، وَأَبَاحَ لَهُ نِكَاحَ بِنْتِ أَخِي أَبِيهِ وَبِنْتِ أُخْتِ أُمِّهِ، وَهُمَا سَوَاءٌ " فَالْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى صَادِقَةٌ، وَالثَّانِيَةُ كَاذِبَةٌ؛ فَلَيْسَتَا سَوَاءٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا فِي الْعُرْفِ، وَلَا فِي الْعُقُولِ، وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ شَرْعًا وَقَدْرًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً، وَلَوْ تَسَاوَتْ الْقَرَابَةُ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الْخَالَةِ وَبِنْتِ الْعَمَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْأُمُورِ، وَالْقَرَابَةُ الْبَعِيدَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجَانِبِ؛ فَلَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ أَنْ تُعْطَى حُكْمَ الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَهَذَا مِمَّا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءَ، وَمَا خَالَفَ شَرْعَهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ إمَّا مَجُوسِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْبِنْتِ وَالْأُمِّ وَبَنَاتِ الْأَعْمَامِ وَالْخَالَاتِ فِي نِكَاحِ الْجَمِيعِ، وَإِمَّا حَرَجٌ عَظِيمٌ عَلَى الْعِبَادِ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ بَنَاتِ أَعْمَامِهِمْ وَعَمَّاتِهِمْ وَأَخْوَالِهِمْ وَخَالَاتِهِمْ؛ فَإِنَّ النَّاسَ - وَلَا سِيَّمَا الْعَرَبُ - أَكْثَرُ بَنُو عَمٍّ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَمَّا بُنُوَّةِ عَمٍّ دَانِيَةٍ أَوْ قَاصِيَةٍ، فَلَوْ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ وَضِيقٌ؛ فَكَانَ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ أَحْسَنَ الْأُمُورِ وَأَلْصَقَهَا بِالْعُقُولِ السَّلِيمَةِ وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
[فَصَلِّ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ جِنَايَةَ الْخَطَأِ عَلَى النُّفُوسِ دُونَ الْأَمْوَالِ]
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَحَمْلُ الْعَاقِلَةِ جِنَايَةَ الْخَطَأِ عَلَى النُّفُوسِ دُونَ الْأَمْوَالِ " قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ، وَذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ مَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْتَحَاضَةِ وَالْحَائِضِ فِي الْوَطْء]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْتَحَاضَةِ وَالْحَائِضِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَحَرَّمَ وَطْءَ الْحَائِضِ لِأَجْلِ الْأَذَى، وَأَبَاحَ وَطْءَ الْمُسْتَحَاضَةِ مَعَ وُجُودِ الْأَذَى، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ " فَالْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى صَادِقَةٌ، وَالثَّانِيَةُ فِيهَا إجْمَالٌ؛ فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ أَذَى الِاسْتِحَاضَةِ مُسَاوٍ لِأَذَى الْحَيْضِ كَذَبَتْ الْمُقَدِّمَةُ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ الْأَذَى لَمْ يَكُنْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ، فَبَطَلَ سُؤَالُهُ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ.
وَمِنْ حِكْمَةِ الشَّارِعِ تَفْرِيقُهُ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ أَذَى الْحَيْضِ أَعْظَمُ وَأَدْوَمُ وَأَضَرُّ مِنْ أَذَى الِاسْتِحَاضَةِ، وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ عِرْقٌ، وَهُوَ فِي الْفَرْجِ بِمَنْزِلِهِ الرُّعَافِ فِي الْأَنْفِ، وَخُرُوجُهُ
стр. 402
مُضِرٌّ، وَانْقِطَاعُهُ دَلِيلٌ عَلَى الصِّحَّةِ، وَدَمُ الْحَيْضِ عَكْسُ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَوِي الدَّمَانِ حَقِيقَةً وَلَا عُرْفًا وَلَا حُكْمًا وَلَا سَبَبًا؛ فَمِنْ كَمَالِ الشَّرِيعَةِ تَفْرِيقَهَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي الْحُكْمِ كَمَا افْتَرَقَا فِي الْحَقِيقَةِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَاخْتِلَافِهِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَاخْتِلَافِهِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَحَرَّمَ بَيْعَ مُدَّ حِنْطَةٍ بِمُدٍّ وَحَفْنَةٍ، وَجَوَّزَ بَيْعَهُ بِقَفِيزِ شَعِيرٍ " فَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَا يَهْتَدِي إلَيْهَا إلَّا أُولُو الْعُقُولِ الْوَافِرَةِ، وَنَحْنُ نُشِيرُ إلَى حِكْمَةِ ذَلِكَ إشَارَةً بِحَسَبِ عُقُولِنَا الضَّعِيفَةِ وَعِبَارَاتِنَا الْقَاصِرَةِ، وَشَرْعُ الرَّبِّ تَعَالَى وَحِكْمَتُهُ فَوْقَ عُقُولِنَا وَعِبَارَاتِنَا، فَنَقُولُ: [الرِّبَا نَوْعَانِ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ وَالْجَلِيُّ النَّسِيئَةُ] . الرِّبَا نَوْعَانِ: جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ، فَالْجَلِيُّ حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، وَالْخَفِيُّ حُرِّمَ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى الْجَلِيِّ؛ فَتَحْرِيمُ الْأَوَّلِ قَصْدًا، وَتَحْرِيمُ الثَّانِي وَسِيلَةً: فَأَمَّا الْجَلِيُّ فَرِبَا النَّسِيئَةِ، وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِثْلُ أَنْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ وَيَزِيدَهُ فِي الْمَالِ، وَكُلَّمَا أَخَّرَهُ زَادَ فِي الْمَالِ، حَتَّى تَصِيرَ الْمِائَةُ عِنْدَهُ آلَافًا مُؤَلَّفَةً؛ وَفِي الْغَالِبِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مُعْدَمٌ مُحْتَاجٌ؛ فَإِذَا رَأَى أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطَالَبَتَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ يَبْذُلُهَا لَهُ تَكَلَّفَ بَذْلَهَا لِيَفْتَدِيَ مِنْ أَسْرِ الْمُطَالَبَةِ وَالْحَبْسِ، وَيُدَافِعَ مِنْ وَقْتٍ إلَى وَقْتٍ، فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ، وَتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ، وَيَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ، فَيَرْبُو الْمَالُ عَلَى الْمُحْتَاجِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ لَهُ، وَيَزِيدُ مَالُ الْمُرَابِي مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ مِنْهُ لِأَخِيهِ، فَيَأْكُلُ مَالَ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ، وَيَحْصُلُ أَخُوهُ عَلَى غَايَةِ الضَّرَرِ، فَمِنْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ وَحِكْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ إلَى خَلْقِهِ أَنْ حَرَّمَ الرِّبَا، وَلَعَنَ آكِلَهُ وَمُؤَكِّلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَآذَنَ مَنْ لَمْ يَدَعْهُ بِحَرْبِهِ وَحَرْبِ رَسُولِهِ، وَلَمْ يَجِئْ مِثْلُ هَذَا الْوَعِيدِ فِي كَبِيرَةٍ غَيْرَهُ، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ الرِّبَا الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَيْنٌ فَيَقُولُ لَهُ: أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي؟ فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ زَادَهُ فِي الْمَالِ وَزَادَهُ هَذَا فِي الْأَجَلِ؛ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الرِّبَا ضِدَّ الصَّدَقَةِ، فَالْمُرَابِي ضِدُّ الْمُتَصَدِّقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وَقَالَ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠] ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]
стр. 403
ثُمَّ ذَكَرَ الْجَنَّةَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَهَؤُلَاءِ ضِدُّ الْمُرَابِينَ، فَنَهَى سُبْحَانَهُ عَنْ الرِّبَا الَّذِي هُوَ ظُلْمٌ لِلنَّاسِ، وَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ الَّتِي هِيَ إحْسَانٌ إلَيْهِمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» وَمِثْلُ هَذَا يُرَادُ بِهِ حَصْرُ الْكَمَالِ وَأَنَّ الرِّبَا الْكَامِلَ إنَّمَا هُوَ فِي النَّسِيئَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] إلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] وَكَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " إنَّمَا الْعَالِمُ الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ ".
[فَصَلِّ رِبَا الْفَضْلِ]
فَصْلٌ:
[رِبَا الْفَضْلِ]
وَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَتَحْرِيمُهُ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ؛ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّمَّا» وَالرِّمَّا هُوَ الرِّبَا، فَمَنَعَهُمْ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ لِمَا يَخَافُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا بَاعُوا دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَلَا يُفْعَلُ هَذَا إلَّا لِلتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَ النَّوْعَيْنِ - إمَّا فِي الْجَوْدَةِ، وَإِمَّا فِي السِّكَّةِ، وَإِمَّا فِي الثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - تَدَرَّجُوا بِالرِّبْحِ الْمُعَجَّلِ فِيهَا إلَى الرِّبْحِ الْمُؤَخَّرِ، وَهُوَ عَيْنُ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَهَذِهِ ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ جِدًّا؛ فَمِنْ حِكْمَةِ الشَّارِعِ أَنْ سَدَّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الذَّرِيعَةَ، وَمَنَعَهُمْ مِنْ بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدًا وَنَسِيئَةً؛ فَهَذِهِ حِكْمَةٌ مَعْقُولَةٌ مُطَابِقَةٌ لِلْعُقُولِ، وَهِيَ تَسُدُّ عَلَيْهِمْ بَابَ الْمَفْسَدَةِ.
[الْأَجْنَاسُ الَّتِي يَحْرُمُ فِيهَا رِبَا الْفَضْلِ وَآرَاءِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ]
فَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَنَقُولُ: الشَّارِعُ نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ فِي سِتَّةِ أَعْيَانٍ، وَهِيَ الذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ، وَالْبُرُّ، وَالشَّعِيرُ، وَالتَّمْرُ، وَالْمِلْحُ، فَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهَا مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَتَنَازَعُوا فِيمَا عَدَاهَا؛ فَطَائِفَةٌ قَصَرَتْ التَّحْرِيمَ عَلَيْهَا، وَأَقْدَمُ مَنْ يُرْوَى هَذَا عَنْهُ قَتَادَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي آخِرِ مُصَنَّفَاتِهِ مَعَ قَوْلِهِ بِالْقِيَاسِ، قَالَ: لِأَنَّ عِلَلَ الْقِيَاسِيَّيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا عِلَلٌ ضَعِيفَةٌ، وَإِذَا لَمْ تَظْهَرْ فِي عِلَّةٍ امْتَنَعَ الْقِيَاسُ.
وَطَائِفَةٌ حَرَّمَتْهُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ عَمَّارٍ وَأَحْمَدَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَطَائِفَةٌ خَصَّتْهُ بِالطَّعَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا وَلَا مَوْزُونًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَطَائِفَةٌ خَصَّتْهُ بِالطَّعَامِ إذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ
стр. 404
وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَطَائِفَةٌ خَصَّتْهُ بِالْقُوتِ وَمَا يُصْلِحُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَهُوَ أَرْجَحُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كَمَا سَتَرَاهُ.
وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْعِلَّةُ فِيهِمَا كَوْنُهُمَا مَوْزُونَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: الْعِلَّةُ فِيهِمَا الثَّمَنِيَّةُ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ إسْلَامِهِمَا فِي الْمَوْزُونَاتِ مِنْ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِمَا؛ فَلَوْ كَانَ النُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ رِبَوِيَّيْنِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمَا إلَى أَجَلٍ بِدَرَاهِمَ نَقْدًا؛ فَإِنَّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرَّدُّ إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُهُ جَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِ دُونَ النِّسَاءِ، وَالْعِلَّةُ إذَا انْتَقَضَتْ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِهَا.
وَأَيْضًا فَالتَّعْلِيلُ بِالْوَزْنِ لَيْسَ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ، فَهُوَ طَرْدٌ مَحْضٌ، بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِالثَّمَنِيَّةِ، فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ أَثْمَانُ الْمَبِيعَاتِ، وَالثَّمَنُ هُوَ الْمِعْيَارُ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ تَقْوِيمُ الْأَمْوَالِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْدُودًا مَضْبُوطًا لَا يَرْتَفِعُ وَلَا يَنْخَفِضُ؛ إذْ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ يَرْتَفِعُ وَيَنْخَفِضُ كَالسِّلَعِ لَمْ يَكُنْ لَنَا ثَمَنٌ نَعْتَبِرُ بِهِ الْمَبِيعَاتِ، بَلْ الْجَمِيعُ سِلَعٌ، وَحَاجَةُ النَّاسِ إلَى ثَمَنٍ يَعْتَبِرُونَ بِهِ الْمَبِيعَاتِ حَاجَةٌ ضَرُورِيَّةٌ عَامَّةٌ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِسِعْرٍ تُعْرَفُ بِهِ الْقِيمَةُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِثَمَنٍ تُقَوَّمُ بِهِ الْأَشْيَاءُ، وَيَسْتَمِرُّ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَقُومُ هُوَ بِغَيْرِهِ؛ إذْ يَصِيرُ سِلْعَةً يَرْتَفِعُ وَيَنْخَفِضُ، فَتَفْسُدُ مُعَامَلَاتُ النَّاسِ، وَيَقَعُ الْخُلْفُ، وَيَشْتَدُّ الضَّرَرُ، كَمَا رَأَيْت مِنْ فَسَادِ مُعَامَلَاتِهِمْ وَالضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِهِمْ حِينَ اُتُّخِذَتْ الْفُلُوسُ سِلْعَةً تُعَدُّ لِلرِّبْحِ فَعَمَّ الضَّرَرُ وَحَصَلَ الظُّلْمُ، وَلَوْ جَعَلْت ثَمَنًا وَاحِدًا لَا يَزْدَادُ وَلَا يَنْقُصُ بَلْ تَقُومُ بِهِ الْأَشْيَاءُ وَلَا تَقُومُ هِيَ بِغَيْرِهَا لِصُلْحِ أَمْرِ النَّاسِ، فَلَوْ أُبِيحَ رِبَا الْفَضْلِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ - مِثْلُ أَنْ يُعْطِيَ صِحَاحًا وَيَأْخُذَ مُكَسَّرَةً أَوْ خِفَافًا وَيَأْخُذَ ثِقَالًا أَكْثَرَ مِنْهَا - لَصَارَتْ مَتْجَرًا، أَوْ جَرَّ ذَلِكَ إلَى رِبَا النَّسِيئَةِ فِيهَا وَلَا بُدَّ؛ فَالْأَثْمَانُ لَا تُقْصَدُ لِأَعْيَانِهَا، بَلْ يُقْصَدُ التَّوَصُّلُ بِهَا إلَى السِّلَعِ، فَإِذَا صَارَتْ فِي أَنْفُسِهَا سِلَعًا تُقْصَدُ لِأَعْيَانِهَا فَسَدَ أَمْرُ النَّاسِ، وَهَذَا مَعْنًى مَعْقُولٌ يَخْتَصُّ بِالنُّقُودِ لَا يَتَعَدَّى إلَى سَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ.
[فَصَلِّ حِكْمَةُ تَحْرِيمِ رِبَا النَّسَاءِ فِي الْمَطْعُومِ]
فَصْلٌ:
[حِكْمَةُ تَحْرِيمِ رِبَا النَّسَاءِ فِي الْمَطْعُومِ]
وَأَمَّا الْأَصْنَافُ الْأَرْبَعَةُ الْمَطْعُومَةُ فَحَاجَةُ النَّاسِ إلَيْهَا أَعْظَمُ مِنْ حَاجَتِهِمْ إلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا أَقْوَاتُ الْعَالَمِ، وَمَا يُصْلِحُهَا؛ فَمِنْ رِعَايَةِ
مَصَالِحِ الْعِبَادِ
أَنْ مُنِعُوا مِنْ بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ إلَى أَجَلٍ، سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ، وَمُنِعُوا مِنْ بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ حَالًّا مُتَفَاضِلًا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَاتُهَا؛ وَجُوِّزَ لَهُمْ التَّفَاضُلُ فِيهَا مَعَ اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا.
стр. 405
وَسِرُّ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَوْ جُوِّزَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ نَسَاءً لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدٌ إلَّا إذَا رَبِحَ، وَحِينَئِذٍ تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِبَيْعِهَا حَالَّةً لِطَمَعِهِ فِي الرِّبْحِ، فَيَعِزُّ الطَّعَامُ عَلَى الْمُحْتَاجِ، وَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْأَرْضِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ دَرَاهِمُ وَلَا دَنَانِيرُ، لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعَمُودِ وَالْبَوَادِي، وَإِنَّمَا يَتَنَاقَلُونَ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ؛ فَكَانَ مِنْ رَحْمَةِ الشَّارِعِ بِهِمْ وَحِكْمَتِهِ أَنْ مَنَعَهُمْ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ فِيهَا كَمَا مَنَعَهُمْ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ فِي الْأَثْمَانِ؛ إذْ لَوْ جَوَّزَ لَهُمْ النَّسَاءَ فِيهَا لَدَخَلَهَا: " إمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ " فَيَصِيرُ الصَّاعُ الْوَاحِدُ لَوْ أَخَذَ قُفْزَانًا كَثِيرَةً، فَفُطِمُوا عَنْ النَّسَاءِ، ثُمَّ فَطَمُوا عَنْ بَيْعِهَا مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ، إذْ تَجُرُّهُمْ حَلَاوَةُ الرِّبْحِ وَظُفْرُ الْكَسْبِ إلَى التِّجَارَةِ فِيهَا نَسَاءً وَهُوَ عَيْنُ الْمَفْسَدَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْجِنْسَيْنِ الْمُتَبَايِنَيْنِ؛ فَإِنَّ حَقَائِقَهُمَا وَصِفَاتِهِمَا وَمَقَاصِدَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ؛ فَفِي إلْزَامِهِمْ الْمُسَاوَاةَ فِي بَيْعِهَا إضْرَارٌ بِهِمْ، وَلَا يَفْعَلُونَهُ، وَفِي تَجْوِيزِ النَّسَاءِ بَيْنَهَا ذَرِيعَةٌ إلَى: " إمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ " فَكَانَ مِنْ تَمَامِ رِعَايَةِ مَصَالِحِهِمْ أَنْ قَصَرَهُمْ عَلَى بَيْعِهَا يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شَاءُوا، فَحَصَلَتْ لَهُمْ مَصْلَحَةُ الْمُبَادَلَةِ، وَانْدَفَعَتْ عَنْهُمْ مَفْسَدَةُ: " إمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ ". وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا بِيعَتْ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَوْزُونَاتِ نَسَاءً فَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ، فَلَوْ مَنَعُوا مِنْهُ لَأَضَرَّ بِهِمْ، وَلَامْتَنَعَ السَّلَمُ الَّذِي هُوَ مِنْ مَصَالِحِهِمْ فِيمَا هُمْ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تَأْتِي بِهَذَا، وَلَيْسَ بِهِمْ حَاجَةً فِي بَيْعِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ نَسَاءً وَهُوَ ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ إلَى مَفْسَدَةِ الرِّبَا، فَأُبِيحَ لَهُمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَا تَدْعُو إلَيْهِ حَاجَتُهُمْ وَلَيْسَ بِذَرِيعَةٍ إلَى مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ، وَمُنِعُوا مِمَّا لَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَيُتَذَرَّعُ بِهِ غَالِبًا إلَى مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ صِنْفٌ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ بِالدَّرَاهِمِ لِيَشْتَرِيَ الصِّنْفَ الْآخَرَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» أَوْ تَبِيعَهُ بِذَلِكَ الصِّنْفِ نَفْسِهِ بِمَا يُسَاوِي، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ حَالًّا، بِخِلَافِ مَا إذَا مُكِّنَ مِنْ النَّسَاءِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَبِيعُهُ بِفَضْلٍ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يَشْتَرِيَ الصِّنْفَ الْآخَرَ بِفَضْلٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ ذَلِكَ الصِّنْفِ يُرْبِي عَلَيْهِ كَمَا أَرْبَى هُوَ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَنْشَأُ مِنْ النَّسَاءِ تَضَرُّرٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالنَّسَاءُ هَهُنَا فِي صِنْفَيْنِ، وَفِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَكِلَاهُمَا مَنْشَأُ الضَّرَرِ وَالْفَسَادِ.
وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا حُرِّمَ فِيهِ النَّسَاءُ رَأَيْته إمَّا صِنْفًا وَاحِدًا أَوْ صِنْفَيْنِ مَقْصُودُهُمَا وَاحِدٌ أَوْ مُتَقَارِبٌ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، فَإِذَا تَبَاعَدَتْ الْمَقَاصِدُ لَمْ يَحْرُمْ النَّسَاءُ كَالْبُرِّ وَالثِّيَابِ وَالْحَدِيدِ وَالزَّيْتِ.
стр. 406
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِنْ بَيْعِ مُدِّ حِنْطَةٍ بِمَدَّيْنِ كَانَ ذَلِكَ تِجَارَةً حَاضِرَةً، فَتَطْلُبُ النُّفُوسُ التِّجَارَةَ الْمُؤَخَّرَةَ لِلَذَّةِ الْكَسْبِ وَحَلَاوَتِهِ؛ فَمُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى مُنِعُوا مِنْ التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ إتْمَامًا لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ، وَرِعَايَةً لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَدْ يَتَعَاقَدَانِ عَلَى الْحُلُولِ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِصَبْرِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَمَا يَفْعَلُ أَرْبَابُ الْحِيَلِ: يُطْلِقُونَ الْعَقْدَ وَقَدْ تَوَاطَئُوا عَلَى أَمْرٍ آخَرَ، كَمَا يُطْلِقُونَ عَقْدَ النِّكَاحِ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى التَّحْلِيلِ، وَيُطْلِقُونَ بَيْعَ السِّلْعَةِ إلَى أَجَلٍ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُهَا إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ الثَّمَنِ؛ فَلَوْ جُوِّزَ لَهُمْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَأَطْلَقُوا الْبَيْعَ حَالًّا وَأَخَّرُوا الطَّلَبَ لِأَجْلِ الرِّبْحِ، فَيَقَعُوا فِي نَفْسِ الْمَحْذُورِ.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ مُنِعُوا مِنْ التِّجَارَةِ فِي الْأَثْمَانِ بِجِنْسِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الْأَثْمَانِ، وَمُنِعُوا مِنْ التِّجَارَةِ فِي الْأَقْوَاتِ بِجِنْسِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الْأَقْوَاتِ، وَهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي بَيْعِ التِّبْرِ وَالْعَيْنِ؛ لِأَنَّ التِّبْرَ لَيْسَ فِيهِ صَنْعَةٌ يُقْصَدُ لِأَجْلِهَا؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي قَصَدَ الشَّارِعُ أَلَّا يُفَاضِلَ بَيْنَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: " تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا سَوَاءٌ " فَظَهَرَتْ حِكْمَةُ تَحْرِيمِ رِبَا النَّسَاءِ فِي الْجِنْسِ وَالْجِنْسَيْنِ، وَرِبَا الْفَضْلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَأَنَّ تَحْرِيمَ هَذَا تَحْرِيمُ الْمَقَاصِدِ وَتَحْرِيمَ الْآخَرِ تَحْرِيمُ الْوَسَائِلِ وَسَدُّ الذَّرَائِعِ، وَلِهَذَا لَمْ يُبَحْ شَيْءٌ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ.
[فَصَلِّ حِكْمَةُ إبَاحَةِ الْعَرَايَا وَنَحْوِهَا]
فَصْلٌ:
[حِكْمَةُ إبَاحَةِ الْعَرَايَا وَنَحْوِهَا]
وَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَأُبِيحَ مِنْهُ مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ كَالْعَرَايَا؛ فَإِنَّ مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ أَخَفُّ مِمَّا حَرَّمَ تَحْرِيمَ الْمَقَاصِدِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَصُوغُ وَالْحِيلَةُ إنْ كَانَتْ صِيَاغَتُهُ مُحَرَّمَةً كَالْآنِيَةِ حُرِّمَ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ وَغَيْرِ جِنْسِهِ، وَبَيْعُ هَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ عُبَادَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ؛ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مُقَابَلَةَ الصِّيَاغَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِالْأَثْمَانِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ كَآلَاتِ الْمَلَاهِي. وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الصِّيَاغَةُ مُبَاحَةً - كَخَاتَمِ الْفِضَّةِ وَحِلْيَةِ النِّسَاءِ وَمَا أُبِيحَ مِنْ حِلْيَةِ السِّلَاحِ وَغَيْرِهَا - فَالْعَاقِلُ لَا يَبِيعُ هَذِهِ بِوَزْنِهَا مِنْ جِنْسِهَا فَإِنَّهُ سَفَهٌ وَإِضَاعَةٌ لِلصَّنْعَةِ. وَالشَّارِعُ أَحْكَمُ مِنْ أَنْ يُلْزِمَ الْأُمَّةَ بِذَلِكَ، فَالشَّرِيعَةُ لَا تَأْتِي بِهِ، وَلَا تَأْتِي بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ ذَلِكَ وَشِرَائِهِ
لِحَاجَةِ
النَّاسِ إلَيْهِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا أَلْبَتَّةَ، بَلْ يَبِيعُهَا بِجِنْسٍ آخَرَ، وَفِي هَذَا مِنْ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ وَالْمَشَقَّةِ مَا تَتَّقِيهِ الشَّرِيعَةُ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ ذَهَبٌ يَشْتَرُونَ بِهِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْبَائِعُ لَا يَسْمَحُ بِبَيْعِهِ بِبُرٍّ وَشَعِيرٍ وَثِيَابٍ؛ وَتَكْلِيفُ الِاسْتِصْنَاعِ لِكُلِّ مَنْ احْتَاجَ
стр. 407
إلَيْهِ إمَّا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، وَالْحِيَلُ بَاطِلَةٌ فِي الشَّرْعِ وَقَدْ جَوَّزَ الشَّارِعُ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِشَهْوَةِ الرُّطَبِ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ الْحَاجَةِ إلَى بَيْعِ الْمَصُوغِ الَّذِي تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ؟ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا جَوَازُ بَيْعِهِ كَمَا تُبَاعُ السِّلَعُ؛ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِالدَّرَاهِمِ فَسَدَتْ
مَصَالِحُ النَّاسِ
، وَالنُّصُوصُ الْوَارِدَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ فِيهَا مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ، وَغَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ عَامَّةً أَوْ مُطْلَقَةً، وَلَا يُنْكِرُ تَخْصِيصَ الْعَامِّ وَتَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ نُصُوصِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: لَمْ تَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْحِيلَةُ، وَلَا سِيَّمَا فَإِنَّ لَفْظَ النُّصُوصِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَدْ ذُكِرَ تَارَةً بِلَفْظِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ كَقَوْلِهِ: «الدَّرَاهِمُ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرُ بِالدَّنَانِيرِ» وَفِي الزَّكَاةِ قَوْلُهُ: «فِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» وَالرِّقَّةُ: هِيَ الْوَرِقُ، وَهِيَ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ، وَتَارَةً بِلَفْظِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ فَإِنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَانَ نَهْيًا عَنْ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ وَإِيجَابًا لِلزَّكَاةِ فِيهِمَا، وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ نَفْيُ الْحُكْمِ عَنْ جُمْلَةِ مَا عَدَاهُمَا، بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ؛ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ وَيَجْرِي الرِّبَا فِي بَعْضِ صُوَرِهِ لَا فِي كُلِّهَا، وَفِي هَذَا تَوْفِيَةُ الْأَدِلَّةِ حَقَّهَا، وَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ بِشَيْءٍ لِدَلِيلٍ مِنْهَا.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْحِلْيَةَ الْمُبَاحَةَ صَارَتْ بِالصَّنْعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْ جِنْسِ الثِّيَابِ وَالسِّلَعِ، لَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَلَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَثْمَانِ كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَبَيْنَ سَائِرِ السِّلَعِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ بِالصِّنَاعَةِ قَدْ خَرَجَتْ عَنْ مَقْصُودِ الْأَثْمَانِ، وَأُعِدَّتْ لِلتِّجَارَةِ، فَلَا مَحْذُورَ فِي بَيْعِهَا بِجِنْسِهَا، وَلَا يَدْخُلُهَا: " إمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ " إلَّا كَمَا يَدْخُلُ فِي سَائِرِ السِّلَعِ إذَا بِيعَتْ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا قَدْ يَقَعُ فِيهَا، لَكِنْ لَوْ سَدَّ عَلَى النَّاسِ ذَلِكَ لَسَدَّ عَلَيْهِمْ بَابَ الدَّيْنِ، وَتَضَرَّرُوا بِذَلِكَ غَايَةَ الضَّرَرِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ النَّاسَ عَلَى عَهْدِ نَبِيِّهِمْ ﷺ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْحِلْيَةَ، وَكَانَ النِّسَاءُ يَلْبَسْنَهَا، وَكُنَّ يَتَصَدَّقْنَ بِهَا فِي الْأَعْيَادِ وَغَيْرِهَا؛ وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا لِلْمَحَاوِيجِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَبِيعُونَهَا؛ وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّهَا لَا تُبَاعُ بِوَزْنِهَا فَإِنَّهُ سَفَهٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ الْحَلَقَةِ وَالْخَاتَمِ وَالْفَتْخَةِ لَا تُسَاوِي دِينَارًا، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فُلُوسٌ يَتَعَامَلُونَ بِهَا، وَهُمْ كَانُوا أَتْقَى لِلَّهِ وَأَفْقَهَ فِي دِينِهِ وَأَعْلَمَ بِمَقَاصِدِ رَسُولِهِ مِنْ أَنْ يَرْتَكِبُوا الْحِيَلَ أَوْ يُعَلِّمُوهَا النَّاسَ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَاعَ الْحُلِيُّ إلَّا بِغَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ بِوَزْنِهِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي الصَّرْفِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ إنَّمَا كَانَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَمَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ أُبِيحَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، كَمَا أُبِيحَتْ الْعَرَايَا مِنْ رِبَا الْفَضْلِ، وَكَمَا أُبِيحَتْ ذَوَاتُ
стр. 408
الْأَسْبَابِ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَكَمَا أُبِيحَ النَّظَرُ لِلْخَاطِبِ وَالشَّاهِدِ وَالطَّبِيبِ وَالْمُعَامِلِ مِنْ جُمْلَةِ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ حُرِّمَ لِسَدِّ ذَرِيعَةِ التَّشْبِيهِ بِالنِّسَاءِ الْمَلْعُونِ فَاعِلُهُ، وَأُبِيحَ مِنْهُ مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاحَ بَيْعُ الْحِلْيَةِ الْمَصُوغَةِ صِيَاغَةً مُبَاحَةً بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا؛ لِأَنَّ
الْحَاجَةَ
تَدْعُو إلَى ذَلِكَ، وَتَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ إنَّمَا كَانَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ وَمُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرْعِ، وَلَا تَتِمُّ مَصْلَحَةُ النَّاسِ إلَّا بِهِ أَوَبِالْحِيَلِ، وَالْحِيَلُ بَاطِلَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَغَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ جَعْلُ الزِّيَادَةِ فِي مُقَابَلَةِ الصِّيَاغَةِ الْمُبَاحَةِ الْمُتَقَوِّمَةِ بِالْأَثْمَانِ فِي الْغُصُوبِ وَغَيْرِهَا، وَإِذَا كَانَ أَرْبَابُ الْحِيَلِ يُجَوِّزُونَ بَيْعَ عَشَرَةٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ فِي خِرْقَةٍ تُسَاوِي فَلْسًا، وَيَقُولُونَ: الْخَمْسَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْخِرْقَةِ، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ بَيْعَ الْحِلْيَةِ بِوَزْنِهَا وَزِيَادَةً تُسَاوِي الصِّنَاعَةَ؟ وَكَيْفَ تَأْتِي الشَّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ الْفَاضِلَةُ الَّتِي بَهَرَتْ الْعُقُولَ حِكْمَةً وَعَدْلًا وَرَحْمَةً وَجَلَالَةً بِإِبَاحَةِ هَذَا وَتَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَهَلْ هَذَا إلَّا عَكْسٌ لِلْمَعْقُولِ وَالْفِطَرِ وَالْمَصْلَحَةِ؟ وَاَلَّذِي يَقْضِي مِنْهُ الْعَجَبُ مُبَالَغَتُهُمْ فِي رِبَا الْفَضْلِ أَعْظَمَ مُبَالَغَةٍ، حَتَّى مَنَعُوا بَيْعَ رِطْلِ زَيْتٍ بِرِطْلِ زَيْتٍ، وَحَرَّمُوا بَيْعَ الْكُسْبِ بِالسِّمْسِمِ، وَبَيْعَ النَّشَا بِالْحِنْطَةِ، وَبَيْعَ الْخَلِّ بِالزَّبِيبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَحَرَّمُوا بَيْعَ مُدِّ حِنْطَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ وَجَاءُوا إلَى رِبَا الْفَضْلِ النَّسِيئَةَ فَفَتَحُوا لِلتَّحَيُّلِ عَلَيْهِ كُلَّ بَابٍ، فَتَارَةً بِالْعَيِّنَةِ، وَتَارَةً بِالْمُحَلِّلِ، وَتَارَةً بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ الْمُتَوَاطَأِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُطْلِقُونَ الْعَقْدَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ وَالْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ وَالْمُتَعَاقِدَانِ وَمَنْ حَضَرَ أَنَّهُ عَقْدُ رِبًا مَقْصُودُهُ وَرُوحُهُ بَيْعُ خَمْسَةَ عَشَرَ مُؤَجَّلَةً بِعَشَرَةٍ نَقْدًا لَيْسَ إلَّا، وَدُخُولُ السِّلْعَةِ كَخُرُوجِهَا حَرْفٌ جَاءَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، فَهَلَّا فَعَلُوا هَهُنَا كَمَا فَعَلُوا فِي مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمَدٍّ وَدِرْهَمٍ، وَقَالُوا: قَدْ يُجْعَلُ وَسِيلَةً إلَى رِبَا الْفَضْلِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُدُّ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ يُسَاوِي بَعْضَ مُدٍّ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَقَعُ التَّفَاضُلُ؟ فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ، كَيْفَ حُرِّمَتْ هَذِهِ الذَّرِيعَةُ إلَى رِبَا الْفَضْلِ وَأُبِيحَتْ تِلْكَ الذَّرَائِعُ الْقَرِيبَةُ الْمُوَصِّلَةُ إلَى رِبَا النَّسِيئَةِ بَحْتًا خَالِصًا؟ وَأَيْنَ مَفْسَدَةُ بَيْعِ الْحِلْيَةِ بِجِنْسِهَا وَمُقَابَلَةِ الصِّيَاغَةِ بِحَظِّهَا مِنْ الثَّمَنِ إلَى مَفْسَدَةِ الْحِيَلِ الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ كُلِّ مَفْسَدَةٍ وَأَصْلُ كُلِّ بَلِيَّةٍ؟ وَإِذَا حَصْحَصَ الْحَقُّ فَلْيَقُلْ الْمُتَعَصِّبُ الْجَاهِلُ مَا شَاءَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[السِّرُّ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلصِّفَاتِ فِي الْبُيُوعِ مُقَابِلٌ؟]
فَإِنْ قِيلَ: الصِّفَاتُ لَا تُقَابَلُ بِالزِّيَادَةِ، وَلَوْ قُوبِلَتْ بِهَا لَجَازَ بَيْعُ الْفِضَّةِ الْجَيِّدَةِ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ الرَّدِيئَةِ، وَبَيْعُ التَّمْرِ الْجَيِّدِ بِأَزْيَدَ مِنْهُ مِنْ الرَّدِيءِ، وَلَمَّا أَبْطَلَ الشَّارِعُ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ مُنِعَ مِنْ مُقَابَلَةِ الصِّفَاتِ بِالزِّيَادَةِ.
стр. 409
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّنْعَةِ الَّتِي هِيَ أَثَرُ فِعْلِ الْآدَمِيِّ وَتُقَابَلُ بِالْأَثْمَانِ وَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْأُجْرَةَ وَبَيْنَ الصِّفَةِ الَّتِي هِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ لَا أَثَرَ لِلْعَبْدِ فِيهَا وَلَا هِيَ مِنْ صَنْعَتِهِ؛ فَالشَّارِعُ بِحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ مَنَعَ مِنْ مُقَابَلَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ بِزِيَادَةٍ؛ إذْ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى نَقْضِ مَا شَرَعَهُ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ التَّفَاضُلِ؛ فَإِنَّ التَّفَاوُتَ فِي هَذِهِ الْأَجْنَاسِ ظَاهِرٌ، وَالْعَاقِلُ لَا يَبِيعُ جِنْسًا بِجِنْسِهِ إلَّا لِمَا هُوَ بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ، فَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَلَوْ جَوَّزَ لَهُمْ مُقَابَلَةَ الصِّفَاتِ بِالزِّيَادَةِ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ رِبَا الْفَضْلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الصِّيَاغَةِ الَّتِي جَوَّزَ لَهُمْ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهَا مَعَهُ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ إذَا جَازَتْ عَلَى هَذِهِ الصِّيَاغَةِ مُفْرَدَةً جَازَتْ عَلَيْهَا مَضْمُومَةً إلَى غَيْرِ أَصْلِهَا وَجَوْهَرِهَا؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الشَّارِعَ لَا يَقُولُ لِصَاحِبِ هَذِهِ الصِّيَاغَةِ: بِعْ هَذَا الْمَصُوغَ بِوَزْنِهِ وَاخْسَرْ صِيَاغَتَك، وَلَا يَقُولُ لَهُ: لَا تَعْمَلْ هَذِهِ الصِّيَاغَةَ وَاتْرُكْهَا، وَلَا يَقُولُ لَهُ: تَحَيَّلْ عَلَى بَيْعِ الْمَصُوغِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ، وَلَمْ يَقُلْ قَطُّ: لَا تَبِعْهُ إلَّا بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَلَمْ يُحَرِّمْ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ بِجِنْسِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَبْ أَنَّ هَذَا قَدْ سَلِمَ لَكُمْ فِي الْمَصُوغِ، فَكَيْفَ يَسْلَمُ لَكُمْ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَضْرُوبَةِ إذَا بِيعَتْ بِالسَّبَائِكِ مُفَاضَلًا وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي مُقَابَلَةِ صِنَاعَةِ الضَّرْبِ؟ قِيلَ: هَذَا سُؤَالٌ قَوِيٌّ وَارِدٌ، وَجَوَابُهُ أَنَّ السِّكَّةَ لَا تَتَقَوَّمُ فِيهِ الصِّنَاعَةُ
لِلْمَصْلَحَةِ
الْعَامَّةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا؛ فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَضْرِبُهَا لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ يَضْرِبُهَا بِأُجْرَةٍ فَإِنَّ الْقَصْدَ بِهَا أَنْ تَكُونَ مِعْيَارًا لِلنَّاسِ لَا يَتَّجِرُونَ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَالسِّكَّةُ فِيهَا غَيْرُ مُقَابَلَةٍ بِالزِّيَادَةِ فِي الْعُرْفِ، وَلَوْ قُوبِلَتْ بِالزِّيَادَةِ فَسَدَتْ الْمُعَامَلَةُ، وَانْتَقَضَتْ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي ضُرِبَتْ لِأَجْلِهَا، وَاِتَّخَذَهَا النَّاسُ سِلْعَةً، وَاحْتَاجَتْ إلَى التَّقْوِيمِ بِغَيْرِهَا، وَلِهَذَا قَامَ الدِّرْهَمُ مَقَامَ الدِّرْهَمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِذَا أَخَذَ الرَّجُلُ الدَّرَاهِمَ رَدَّ نَظِيرَهَا، وَلَيْسَ الْمَصُوغُ كَذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَأْخُذُ مِائَةً خِفَافًا وَيَرُدُّ خَمْسِينَ ثِقَالًا بِوَزْنِهَا وَلَا يَأْبَى ذَلِكَ الْآخِذُ وَلَا الْقَابِضُ وَلَا يَرَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ خَسِرَ شَيْئًا؟ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَصُوغِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ لَمْ يَضْرِبُوا دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَأَوَّلُ مَنْ ضَرَبَهَا فِي الْإِسْلَامِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِضَرْبِ الْكُفَّارِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا أَنْ تُجَوِّزُوا بَيْعَ فُرُوعِ الْأَجْنَاسِ بِأُصُولِهَا مُتَفَاضِلًا؛ فَجَوَّزُوا بَيْعَ الْحِنْطَةِ بِالْخُبْزِ مُتَفَاضِلًا وَالزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ.
стр. 410
قِيلَ: هَذَا سُؤَالٌ وَارِدٌ أَيْضًا، وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ تَكُونُ الصُّورَةُ الْمُحَرَّمَةُ بِالْقِيَاسِ مُسَاوِيَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِلْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَالثَّلَاثَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي فُرُوعِ الْأَجْنَاسِ مَعَ أُصُولِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ لَا يَقُومُ مَقَامَهَا وَلَا يُسَاوِيهَا فِي إلْحَاقِهَا بِهَا، وَأَمَّا الْأَصْنَافُ الْأَرْبَعَةُ فَفَرْعُهَا إنْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ قُوتًا لَمْ يَكُنْ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ، وَإِنْ كَانَتْ قُوتًا كَانَ جِنْسًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَحُرِّمَ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ الَّذِي هُوَ مِثْلُهُ مُتَفَاضِلًا كَالدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ وَالْخُبْزِ بِالْخُبْزِ، وَلَمْ يَحْرُمْ بَيْعُهُ بِجِنْسٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ جِنْسُهُمَا وَاحِدًا؛ فَلَا يَحْرُمُ السِّمْسِمُ بِالشَّيْرَجِ وَلَا الْهَرِيسَةُ بِالْخُبْزِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الصِّنَاعَةَ لَهَا قِيمَةٌ؛ فَلَا تَضِيعُ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَمْ يَحْرُمْ بَيْعُهَا بِأُصُولِهَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ كَمَا أَنَّهُ لَا عِبَادَةَ إلَّا مَا شَرَعَهَا اللَّهُ، وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ كَتَحْلِيلِ الْحَرَامِ.
[بَيْع اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ]
[الْخِلَافُ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ]
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يُنْتَقَضُ عَلَيْكُمْ بِبَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، فَإِنَّكُمْ إنْ مُنِعْتُمُوهُ نَقَضْتُمْ قَوْلَكُمْ، وَإِنْ جَوَّزْتُمُوهُ خَالَفْتُمْ النَّصَّ، وَإِذَا كَانَ النَّصُّ قَدْ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْخُبْزِ بِالْبُرِّ وَالزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ وَكُلِّ رِبَوِيٍّ بِأَصْلِهِ.
قِيلَ: الْكَلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَقَامَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي صِحَّتِهِ، وَالثَّانِي فِي مَعْنَاهُ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ مَوْصُولًا، وَإِنَّمَا هُوَ صَحِيحٌ مُرْسَلًا؛ فَمَنْ لَمْ يَحْتَجَّ بِالْمُرْسَلِ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ رَأَى قَبُولَ الْمُرْسَلِ مُطْلَقًا أَوْ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا أَعْلَمُ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مُتَّصِلًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ، وَأَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ مُرْسَلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ كَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَالْمُرَادِ مِنْهُ؛ فَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ حَيَوَانُهُ بِلَحْمِهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْمُزَابَنَةِ وَالْغَرَرِ وَالْقِمَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ فِي الْحَيَوَانِ مِثْلُ اللَّحْمِ الَّذِي أَعْطَى أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَبَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ لَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا، فَكَانَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ كَبَيْعِ اللَّحْمِ الْمُغَيَّبِ فِي جِلْدِهِ بِلَحْمٍ إذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، قَالَ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ جَائِزٌ حِينَئِذٍ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فَلَا يَأْخُذُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَيُجَوِّزُونَ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا أَحْمَدُ فَيَمْنَعُ بَيْعَهُ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا يَمْنَعُ بَيْعَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَإِنْ مَنَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَيَمْنَعُ بَيْعَهُ بِجِنْسِهِ وَبِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ،
стр. 411
فَقُسِّمَتْ عَلَى عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَعْطُونِي جُزْءًا مِنْهَا بِشَاةٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصْلُحُ هَذَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَسْت أَعْلَمُ لِأَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَالصَّوَابُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - إنْ ثَبَتَ - أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إذَا كَانَ الْحَيَوَانُ مَقْصُودًا لِلَّحْمِ كَشَاةٍ يُقْصَدُ لَحْمُهَا فَتُبَاعُ بِلَحْمٍ؛ فَيَكُونُ قَدْ بَاعَ لَحْمًا بِلَحْمٍ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَاللَّحْمُ قُوتٌ مَوْزُونٌ فَيَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِهِ اللَّحْمُ كَمَا إذَا كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ أَوْ مَأْكُولًا لَا يُقْصَدُ لَحْمُهُ كَالْفَرَسِ تُبَاعُ بِلَحْمِ إبِلٍ فَهَذَا لَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ بِهِ، بَقِيَ إذَا كَانَ الْحَيَوَانُ مَأْكُولًا لَا يُقْصَدُ لَحْمُهُ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ اللَّحْمِ فَهَذَا يُشْبِهُ الْمُزَابَنَةَ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ كَبَيْعِ صُبْرَةِ تَمْرٍ بِصُبْرَةِ زَبِيبٍ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، إذْ غَايَتُهُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ، وَالتَّفَاضُلُ الْمُتَحَقِّقُ جَائِزٌ بَيْنَهُمَا فَكَيْفَ بِالْمَظْنُونِ؟ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ يَمْنَعُ ذَلِكَ، لَا لِأَجْلِ التَّفَاضُلِ، وَلَكِنْ لِأَجْلِ الْمُزَابَنَةِ وَشِبْهِ الْقِمَارِ، وَعَلَى هَذَا فَيَمْتَنِعُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي وُجُوبِ إحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَحُدُّ عَلَى أَبِيهَا]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي وُجُوبِ إحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَحُدُّ عَلَى أَبِيهَا]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَمَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ الْإِحْدَادِ عَلَى أُمِّهَا وَأَبِيهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَأَوْجَبَهُ عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ " فَيُقَالُ: هَذَا مِنْ تَمَامِ مَحَاسِنِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَحِكْمَتِهَا وَرِعَايَتِهَا
لِمَصَالِحِ
الْعِبَادِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ؛ فَإِنَّ الْإِحْدَادَ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ تَعْظِيمِ مُصِيبَةِ الْمَوْتِ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُبَالِغُونَ فِيهَا أَعْظَمَ مُبَالَغَةٍ، وَيُضِيفُونَ إلَى ذَلِكَ شَقَّ الْجُيُوبِ، وَلَطْمَ الْخُدُودِ، وَحَلْقَ الشُّعُورِ، وَالدُّعَاءَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَتَمْكُثُ الْمَرْأَةُ سَنَةً فِي أَضْيَقِ بَيْتٍ وَأَوْحَشْهُ لَا تَمَسُّ طِيبًا وَلَا تَدْهُنُ وَلَا تَغْتَسِلُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ تَسَخُّطٌ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى وَأَقْدَارِهِ، فَأَبْطَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِرَحْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَبْدَلَنَا بِهَا الصَّبْرَ وَالْحَمْدَ وَالِاسْتِرْجَاعَ الَّذِي هُوَ أَنْفَعُ لِلْمُصَابِ فِي عَاجِلَتِهِ وَآجِلَتِهِ؛ وَلَمَّا كَانَتْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ لَا بُدَّ أَنْ تُحْدِثُ لِلْمُصَابِ مِنْ الْجَزَعِ وَالْأَلَمِ وَالْحُزْنِ مَا تَتَقَاضَاهُ الطِّبَاعُ سَمَحَ لَهَا الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فِي الْيَسِيرِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَجِدُ بِهَا نَوْعَ رَاحَةٍ وَتَقْضِي بِهَا وَطَرًا مِنْ الْحُزْنِ، كَمَا رَخَّصَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا، وَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَمَفْسَدَتُهُ رَاجِحَةٌ، فَمَنَعَ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَفْسَدَةِ الثَّلَاثِ فَإِنَّهَا مَرْجُوحَةٌ مَغْمُورَةٌ بِمَصْلَحَتِهَا، فَإِنَّ فِطَامَ النُّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفَاتِهَا بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ أَشَقِّ الْأُمُورِ عَلَيْهَا، فَأُعْطِيَتْ بَعْضَ الشَّيْءِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهَا تَرْكُ الْبَاقِي، فَإِنَّ النَّفْسَ إذَا أَخَذَتْ بَعْضَ مُرَادِهَا قَنَعَتْ بِهِ، فَإِذَا سُئِلَتْ تَرْكَ الْبَاقِي كَانَتْ إجَابَتُهَا إلَيْهِ أَقْرَبَ مِنْ إجَابَتِهَا لَوْ حُرِّمَتْ بِالْكُلِّيَّةِ.
стр. 412
وَمَنْ تَأَمَّلَ أَسْرَارَ الشَّرِيعَةِ وَتَدَبَّرَ حُكْمَهَا رَأَى ذَلِكَ ظَاهِرًا عَلَى صَفَحَاتِ أَوَامِرِهَا وَنَوَاهِيهَا، بَادِيًا لِمَنْ نَظَرُهُ نَافِذٌ؛ فَإِذَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا عَوَّضَهُمْ عَنْهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهُ وَأَنْفَعُ، وَأَبَاحَ لَهُمْ مِنْهُ مَا تَدْعُو حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ، كَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَأَبَاحَ لَهُمْ مِنْهُ الْعَرَايَا، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ النَّظَرَ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ، وَأَبَاحَ لَهُمْ مِنْهُ نَظَرَ الْخَاطِبِ وَالْمُعَامِلِ وَالطَّبِيبِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَكْلَ الْمَالِ بِالْمُغَالَبَاتِ الْبَاطِلَةِ كَالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَبَاحَ لَهُمْ أَكْلَهُ بِالْمُغَالَبَاتِ النَّافِعَةِ كَالْمُسَابَقَةِ وَالنِّضَالِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ لِبَاسَ الْحَرِيرِ، وَأَبَاحَ لَهُمْ مِنْهُ الْيَسِيرَ الَّذِي تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ كَسْبَ الْمَالِ بِرِبَا النَّسِيئَةِ، وَأَبَاحَ لَهُمْ كَسْبَهُ بِالسَّلَمِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي الصِّيَامِ وَطْءَ نِسَائِهِمْ وَعَوَّضَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ أَبَاحَهُ لَهُمْ لَيْلًا؛ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ بِالنَّهَارِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الزِّنَا وَعَوَّضَهُمْ بِأَخْذِ ثَانِيَةٍ وَثَالِثَةٍ وَرَابِعَةٍ وَمِنْ الْإِمَاءِ مَا شَاءُوا؛ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ غَايَةَ التَّسْهِيلِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الِاسْتِقْسَامَ بِالْأَزْلَامِ وَعَوَّضَهُمْ عَنْهُ بِالِاسْتِخَارَةِ وَدُعَائِهَا وَيَا بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ نِكَاحَ أَقَارِبِهِمْ وَأَبَاحَ لَهُمْ مِنْهُ بَنَاتَ الْعَمِّ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ وَطْءَ الْحَائِضِ وَسَمَحَ لَهُمْ فِي مُبَاشَرَتِهَا وَأَنْ يَصْنَعُوا بِهَا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْوَطْءَ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ غَايَةَ السُّهُولَةِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْكَذِبَ وَأَبَاحَ لَهُمْ الْمَعَارِيضَ الَّتِي لَا يُحْتَاجُ مِنْ عُرْفِهَا إلَى الْكَذِبِ مَعَهَا أَلْبَتَّةَ، وَأَشَارَ إلَى هَذَا ﷺ بِقَوْلِهِ: «إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ» وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْخُيَلَاءَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَأَبَاحَهَا لَهُمْ فِي الْحَرْبِ لِمَا فِيهَا مِنْ
الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ
الْمُوَافِقَةِ لِمَقْصُودِ الْجِهَادِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَعَوَّضَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْوُحُوشِ وَالطَّيْرِ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا وَأَنْوَاعِهَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ خَبِيثًا وَلَا ضَارًّا إلَّا أَبَاحَ لَهُمْ طَيِّبًا بِإِزَائِهِ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْهُ، وَلَا أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ إلَّا وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهِ فَوَسِعَتْهُمْ رَحْمَتُهُ وَوَسِعَهُمْ تَكْلِيفُهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ أَبَاحَ لِلنِّسَاءِ - لِضَعْفِ عُقُولِهِنَّ وَقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ - الْإِحْدَادَ عَلَى مَوْتَاهُنَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَمَّا الْإِحْدَادُ عَلَى الزَّوْجِ فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِلْعِدَّةِ وَهُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إنَّمَا تَحْتَاجُ إلَى التَّزَيُّنِ وَالتَّجَمُّلِ وَالتَّعَطُّرِ، لِتَتَحَبَّبَ إلَى زَوْجِهَا، وَتَرِدُ لَهَا نَفْسُهُ، وَيَحْسُنُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعِشْرَةِ، فَإِذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَاعْتَدَّتْ مِنْهُ وَهِيَ لَمْ تَصِلْ إلَى زَوْجٍ آخَرَ، فَاقْتَضَى تَمَامَ حَقِّ الْأَوَّلِ وَتَأْكِيدَ الْمَنْعِ مِنْ الثَّانِي قَبْلَ بُلُوغِ الْكِتَابِ أَجَلَهُ أَنْ تُمْنَعَ مِمَّا تَصْنَعُهُ النِّسَاءُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ إلَى طَمَعِهَا فِي الرِّجَالِ وَطَمَعِهِمْ فِيهَا بِالزِّينَةِ وَالْخِضَابِ وَالتَّطَيُّبِ، فَإِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ صَارَتْ مُحْتَاجَةً إلَى مَا يَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا، فَأُبِيحَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ مَا يُبَاحُ لِذَاتِ الزَّوْجِ، فَلَا شَيْءَ أَبْلَغَ فِي الْحُسْنِ مِنْ هَذَا الْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ، وَلَوْ اقْتَرَحَتْ عُقُولُ الْعَالَمِينَ لَمْ تَقْتَرِحْ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ.
стр. 413
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي مُسَاوَاةِ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي مُسَاوَاةِ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ] : وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَسَوَّى بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْحُدُودِ، وَجَعَلَهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْهُ فِي الدِّيَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْمِيرَاثِ وَالْعَقِيقَةِ " فَهَذَا أَيْضًا مِنْ كَمَالِ شَرِيعَتِهِ وَحِكْمَتِهَا وَلُطْفِهَا؛ فَإِنَّ مَصْلَحَةَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَمَصْلَحَةَ الْعُقُوبَاتِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مُشْتَرِكُونَ فِيهَا، وَحَاجَةُ أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ إلَيْهَا كَحَاجَةِ الصِّنْفِ الْآخَرِ؛ فَلَا يَلِيقُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، نَعَمْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا فِي أَلْيَقِ الْمَوَاضِعِ بِالتَّفْرِيقِ وَهُوَ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ، فَخَصَّ وُجُوبَهُمَا بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ مِنْ أَهْلِ الْبُرُوزِ وَمُخَالَطَةِ الرِّجَالِ؛ وَكَذَلِكَ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا فِي عِبَادَةِ الْجِهَادِ الَّتِي لَيْسَ الْإِنَاثُ مِنْ أَهْلِهَا، وَسَوَّتْ بَيْنَهُمَا فِي وُجُوبِ الْحَجِّ لِاحْتِيَاجِ النَّوْعَيْنِ إلَى مَصْلَحَتِهِ، وَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالطَّهَارَةِ؛ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَإِنَّمَا جُعِلَتْ الْمَرْأَةُ فِيهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ الرَّجُلِ؛ لِحُكْمِهِ أَشَارَ إلَيْهَا الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فِي كِتَابِهِ، وَهِيَ أَنَّ الْمَرْأَةَ ضَعِيفَةُ الْعَقْلِ قَلِيلَةُ الضَّبْطِ لِمَا تَحْفَظُهُ. وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْعُقُولِ وَالْفَهْمِ وَالْحِفْظِ وَالتَّمْيِيزِ؛ فَلَا تَقُومُ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ مَقَامَ الرَّجُلِ، وَفِي مَنْعِ قَبُولِ شَهَادَتِهَا بِالْكُلِّيَّةِ إضَاعَةٌ لِكَثِيرٍ مِنْ الْحُقُوقِ وَتَعْطِيلٌ لَهَا، فَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ الْأُمُورِ وَأَلْصَقْهَا بِالْعُقُولِ، أَنْ ضَمَّ إلَيْهَا فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ نَظِيرَهَا لِتُذَكِّرَهَا إذَا نَسِيَتْ، فَتَقُومُ شَهَادَةُ الْمَرْأَتَيْنِ مَقَامَ شَهَادَةِ الرَّجُلِ، وَيَقَعُ مِنْ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ الْغَالِبِ بِشَهَادَتِهِمَا مَا يَقَعُ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَلَمَّا كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَنْقَصُ مِنْ الرَّجُلِ، وَالرَّجُلُ أَنْفَعُ مِنْهَا، وَيَسُدُّ مَا لَا تَسُدُّهُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ وَالْوِلَايَاتِ وَحِفْظِ الثُّغُورِ وَالْجِهَادِ وَعِمَارَةِ الْأَرْضِ وَعَمَلِ الصَّنَائِعِ الَّتِي لَا تَتِمُّ مَصَالِحُ الْعَالَمِ إلَّا بِهَا وَالذَّبِّ عَنْ الدُّنْيَا وَالدِّينِ لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهُمَا مَعَ ذَلِكَ مُتَسَاوِيَةً وَهِيَ الدِّيَةُ؛ فَإِنَّ دِيَةَ الْحُرِّ جَارِيَةٌ مَجْرَى قِيمَةِ الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّارِعِ أَنْ جَعَلَ قِيمَتَهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ قِيمَتِهِ لِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: لَكِنَّكُمْ نَقَضْتُمْ هَذَا فَجَعَلْتُمْ دِيَتَهُمَا سَوَاءٌ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ.
قِيلَ: لَا رَيْبَ أَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِذَلِكَ، كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إنَّ ذَلِكَ [مِنْ] السُّنَّةِ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالُوا: هِيَ [عَلَى] النِّصْفِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ أَوْلَى، وَالْفَرْقُ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ أَنَّ مَا دُونَهُ قَلِيلٌ، فَجُبِرَتْ مُصِيبَةُ الْمَرْأَةِ فِيهِ
стр. 414
بِمُسَاوَاتِهَا لِلرَّجُلِ، وَلِهَذَا اسْتَوَى الْجَنِينُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي الدِّيَةِ لِقِلَّةِ دِيَتِهِ، وَهِيَ الْغُرَّةُ، فَنَزَلَ مَا دُونَ الثُّلُثِ مَنْزِلَةَ الْجَنِينِ.
وَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَحِكْمَةُ التَّفْضِيلِ فِيهِ ظَاهِرَةٌ؛ فَإِنَّ الذَّكَرَ أَحْوَجُ إلَى الْمَالِ مِنْ الْأُنْثَى؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ، وَالذَّكَرُ أَنْفَعُ لِلْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ الْأُنْثَى. وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ أَنْ فَرَضَ الْفَرَائِضَ وَفَاوَتَ بَيْنَ مَقَادِيرِهَا ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] وَإِذَا كَانَ الذَّكَرُ أَنْفَعُ مِنْ الْأُنْثَى وَأَحْوَجُ كَانَ أَحَقَّ بِالتَّفْضِيلِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يُنْتَقَضُ بِوَلَدِ الْأُمِّ. قِيلَ: بَلْ طَرْدُ هَذِهِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ وَلَدِ الْأُمِّ ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يَرِثُونَ بِالرَّحِمِ الْمُجَرَّدِ، فَالْقَرَابَةُ الَّتِي يَرِثُونَ بِهَا قَرَابَةَ أُنْثَى فَقَطْ، وَهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ؛ فَلَا مَعْنَى لِتَفْضِيلِ ذَكَرِهِمْ عَلَى أُنْثَاهُمْ، بِخِلَافِ قَرَابَةِ الْأَبِ. وَأَمَّا الْعَقِيقَةُ فَأَمْرُ التَّفْضِيلِ فِيهَا تَابِعٌ لِشَرَفِ الذَّكَرِ، وَمَا مَيَّزَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْأُنْثَى، وَلَمَّا كَانَتْ النِّعْمَةُ بِهِ عَلَى الْوَالِدِ أَتَمَّ، وَالسُّرُورُ وَالْفَرْحَةُ بِهِ أَكْمَلَ؛ كَانَ الشُّكْرَانُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ؛ فَإِنَّهُ كُلَّمَا كَثُرَتْ النِّعْمَةُ كَانَ شُكْرُهَا أَكْثَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ زَمَانٍ وَزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَمَكَانٍ فِي الْفَضْل]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ زَمَانٍ وَزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَمَكَانٍ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَخَصَّ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، وَفَضَّلَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، مَعَ تَسَاوِيهَا - إلَخْ " فَالْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى صَادِقَةٌ، وَالثَّانِيَةُ كَاذِبَةٌ. وَمَا فَضَّلَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ إلَّا لِخَصَائِصَ قَامَتْ بِهَا اقْتَضَتْ التَّخْصِيصَ، وَمَا خَصَّ سُبْحَانَهُ شَيْئًا إلَّا بِمُخَصَّصٍ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا وَقَدْ يَكُونُ خَفِيًّا، وَاشْتِرَاكُ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ فِي مُسَمًّى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كَاشْتِرَاكِ الْحَيَوَانِ فِي مُسَمَّى الْحَيَوَانِيَّةِ وَالْإِنْسَانِ فِي مُسَمَّى الْإِنْسَانِيَّةِ، بَلْ وَسَائِرِ الْأَجْنَاسِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَعُمُّهَا.
وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ اسْتِوَاءَهَا فِي أَنْفُسِهَا، وَالْمُخْتَلِفَاتُ تَشْتَرِكُ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَالْمُتَّفِقَاتُ تَتَبَايَنُ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَحْكَمُ وَأَعْلَمُ مِنْ أَنْ يُفَضِّلَ مِثْلًا عَلَى مِثْلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِلَا صِفَةٍ تَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ، هَذَا مُسْتَحِيلٌ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ فَحِكْمَتُهُ وَعَدْلُهُ تَأْبَى هَذَا وَهَذَا.
وَقَدْ نَزَّهَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ عَمَّنْ يَظُنُّ بِهِ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ زَعْمَهُ الْبَاطِلَ، وَجَعَلَهُ حُكْمًا مُنْكَرًا، وَلَوْ جَازَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ لَبَطَلَتْ حُجَجُهُ وَأَدِلَّتُهُ؛ فَإِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، وَعَلَى أَلَّا يُسَوِّيَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ؛ فَلَا يَجْعَلُ الْأَبْرَارَ كَالْفُجَّارِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ كَالْكُفَّارِ، وَلَا مَنْ أَطَاعَهُ كَمَنْ عَصَاهُ،
стр. 415
وَلَا الْعَالِمُ كَالْجَاهِلِ وَعَلَى هَذَا مَبْنَى الْجَزَاءِ؛ فَهُوَ حُكْمُهُ الْكَوْنِيُّ وَالدِّينِيُّ، وَجَزَاؤُهُ الَّذِي هُوَ ثَوَابُهُ وَعِقَابُهُ وَبِذَلِكَ حَصَلَ الِاعْتِبَارُ، وَلِأَجْلِهِ ضُرِبَتْ الْأَمْثَالُ، وَقُصَّتْ عَلَيْنَا أَخْبَارُ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، وَيَكْفِي فِي بُطْلَانِ هَذَا الْمَذْهَبِ الْمَتْرُوكِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْسَدِ مَذَاهِبِ الْعَالَمِ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ لِمُسَاوَاةِ ذَاتِ جِبْرِيلَ لِذَاتِ إبْلِيسَ وَذَاتِ الْأَنْبِيَاءِ لِذَاتِ أَعْدَائِهِمْ، وَمَكَانِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ بِمَكَانِ الْحُشُوشِ وَبُيُوتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الذَّوَاتِ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَإِنَّمَا خُصَّتْ هَذِهِ الذَّاتُ عَنْ هَذِهِ الذَّاتِ بِمَا خُصَّتْ بِهِ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ الْمُرَجِّحَةِ مِثْلًا عَلَى مِثْلٍ بِلَا مُوجِبٍ، بَلْ قَالُوا ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَجْسَامِ، وَأَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ، فَجِسْمُ الْمِسْكِ عِنْدَهُمْ مُسَاوٍ لِجِسْمِ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ، وَإِنَّمَا امْتَازَ عَنْهُ بِصِفَةٍ عَرَضِيَّةٍ، وَجِسْمُ الثَّلْجِ عِنْدَهُمْ مُسَاوٍ لِجِسْمِ النَّارِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهَذَا مِمَّا خَرَجُوا بِهِ عَنْ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَكَابَرُوا فِيهِ الْحِسَّ، وَخَالَفَهُمْ فِيهِ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ، وَمَا سِوَى اللَّهِ بَيْنَ جِسْمِ السَّمَاءِ وَجِسْمِ الْأَرْضِ، وَلَا بَيْنَ جِسْمِ النَّارِ وَجِسْمِ الْمَاءِ، وَلَا بَيْنَ جِسْمِ الْهَوَاءِ وَجِسْمِ الْحَجَرِ، وَلَيْسَ مَعَ الْمُنَازِعِينَ فِي ذَلِكَ إلَّا الِاشْتِرَاكُ فِي أَمْرِ عَامٍّ، وَهُوَ قَبُولُ الِانْقِسَامِ وَقِيَامُ الْأَبْعَادِ الثَّلَاثَةِ وَالْإِشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجِبُ التَّشَابُهَ فَضْلًا عَنْ التَّمَاثُلِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي الْحُكْمِ مَتَى اتَّفَقَتْ فِي مُوجِبِهِ]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي الْحُكْمِ مَتَى اتَّفَقَتْ فِي مُوجِبِهِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ " إنَّ الشَّرِيعَةَ جَمَعَتْ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، كَمَا جَمَعَتْ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي ضَمَانِ الْأَمْوَالِ " فَغَيْرُ مُنْكَرٍ فِي الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ وَالشَّرَائِعِ وَالْعَادَاتِ اشْتِرَاكُ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ اشْتِرَاكِهَا فِي سَبَبِ ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ اشْتِرَاكِهَا فِي أَمْرٍ يَكُونُ عِلَّةً لِحُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، بَلْ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَعَلَى هَذَا فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ اشْتَرَكَا فِي الْإِتْلَافِ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ لِلضَّمَانِ، وَإِنْ افْتَرَقَا فِي عِلَّةِ الْإِثْمِ، وَرَبْطِ الضَّمَانِ بِالْإِتْلَافِ مِنْ بَابِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِأَسْبَابِهَا، وَهُوَ مُقْتَضَى الْعَدْلِ الَّذِي لَا تَتِمُّ الْمَصْلَحَةُ إلَّا بِهِ، كَمَا أَوْجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأَ دِيَةِ الْقَتِيلِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُعْتَمَدُ التَّكْلِيفُ فَيَضْمَنُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالنَّائِمَ مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ الْأَمْوَالِ، وَهَذَا مِنْ الشَّرَائِعِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَا تَتِمُّ مَصَالِحُ الْأُمَّةِ إلَّا بِهَا؛ فَلَوْ لَمْ يَضْمَنُوا جِنَايَاتِ أَيْدِيهِمْ لَأَتْلَفَ بَعْضُهُمْ أَمْوَالَ بَعْضٍ، وَادَّعَى الْخَطَأَ وَعَدَمَ الْقَصْدِ. وَهَذَا بِخِلَافِ أَحْكَامِ الْإِثْمِ وَالْعُقُوبَاتِ؛ فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْمُخَالَفَةِ وَكَسْبِ الْعَبْدِ وَمَعْصِيَتِهِ؛ فَفَرَّقَتْ الشَّرِيعَةُ فِيهَا بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ، وَكَذَلِكَ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ فِي الْأَيْمَانِ فَإِنَّهُ نَظِيرُ الطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَيَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ.
стр. 416
وَأَمَّا جَمْعُهَا بَيْنَ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ فِي الزَّكَاةِ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ نِزَاعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَلَيْسَ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ نَصٌّ بِالتَّسْوِيَةِ وَلَا بِعَدَمِهَا، وَاَلَّذِينَ سَوُّوا بَيْنَهُمَا رَأَوْا ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَمْوَالَ سَبَبًا فِي ثُبُوتِهَا، وَهِيَ حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ فِي نَفْسِ هَذَا الْمَالِ، سَوَاءٌ كَانَ مَالِكُهُ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، كَمَا جَعَلَ فِي مَالِهِ حَقَّ الْإِنْفَاقِ عَلَى بَهَائِمِهِ وَرَقِيقِهِ وَأَقَارِبِهِ؛ فَكَذَلِكَ جَعَلَ فِي مَالِهِ حَقًّا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْفَأْرَةَ كَالْهِرَّةِ فِي الطَّهَارَةِ]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْفَأْرَةَ كَالْهِرَّةِ فِي الطَّهَارَةِ]
وَأَمَّا جَمْعُهَا بَيْنَ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ فِي الطَّهَارَةِ فَهَذَا حَقٌّ، وَأَيُّ تَفَاوُتٍ فِي ذَلِكَ؟ وَكَأَنَّ السَّائِلَ رَأَى أَنَّ الْعَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَهُمَا تُوجِبُ اخْتِلَافَهُمَا فِي الْحُكْمِ كَالْعَدَاوَةِ الَّتِي بَيْنَ الشَّاةِ وَالذِّئْبِ، وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ؛ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِطَهَارَةٍ وَلَا نَجَاسَةٍ وَلَا حِلَّ وَلَا حُرْمَةَ، وَاَلَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنْ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْحِكْمَةِ
وَالْمَصْلَحَةِ
؛ فَإِنَّهَا لَوْ جَاءَتْ بِنَجَاسَتِهِمَا لَكَانَ فِيهِ أَعْظَمُ حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ عَلَى الْأُمَّةِ لِكَثْرَةِ طُوفَانِهِمَا عَلَى النَّاسِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَعَلَى فُرُشِهِمْ وَثِيَابِهِمْ وَأَطْعِمَتِهِمْ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ﷺ بِقَوْلِهِ فِي الْهِرَّةِ: «إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ؛ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» .
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ ذَبِيحَةِ غَيْرِ الْكِتَابِيِّ مِثْلَ الْمَيْتَةِ]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ ذَبِيحَةِ غَيْرِ الْكِتَابِيِّ مِثْلَ الْمَيْتَةِ]
وَأَمَّا جَمْعُهَا بَيْنَ الْمَيْتَةِ وَذَبِيحَةِ غَيْرِ الْكِتَابِيِّ فِي التَّحْرِيمِ، وَبَيْنَ مَيْتَةِ الصَّيْدِ وَذَبِيحَةِ الْمُحْرِمِ لَهُ، فَأَيُّ تَفَاوُتٍ فِي ذَلِكَ؟ وَكَأَنَّ السَّائِلَ رَأَى أَنَّ الدَّمَ لَمَّا احْتَقَنَ فِي الْمَيِّتَةِ كَانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِهَا، وَمَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ الْكَافِرُ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ لَمْ يَحْتَقِنْ دَمُهُ؛ فَلَا وَجْهَ لِتَحْرِيمِهِ، وَهَذَا غَلَطٌ وَجَهْلٌ؛ فَإِنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ لَوْ انْحَصَرَتْ فِي احْتِقَانِ الدَّمِ لَكَانَ لِلسُّؤَالِ وَجْهٌ، فَأَمَّا إذَا تَعَدَّدَتْ عِلَلُ التَّحْرِيمِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ انْتِفَاءِ بَعْضِهَا انْتِفَاءَ الْحُكْمِ إذَا خَلَفَهُ عِلَّةٌ أُخْرَى، وَهَذَا أَمْرٌ مُطَّرِدٌ فِي الْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ.
فَمَا الَّذِي يُنْكِرُ مِنْهُ فِي الشَّرْعِ؟ فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ سَوَّتْ الشَّرِيعَةُ بَيْنَهُمَا فِي كَوْنِهِمَا مَيْتَةً، وَقَدْ اخْتَلَفَا فِي سَبَبِ الْمَوْتِ، فَتَضَمَّنَتْ جَمْعَهَا بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ وَتَفْرِيقَهَا بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ؛ فَإِنَّ الذَّبْحَ وَاحِدٌ صُورَةً وَحِسًّا وَحَقِيقَةً؛ فَجُعِلَتْ بَعْضُ صُوَرِهِ مَخْرَجًا لِلْحَيَوَانِ عَنْ كَوْنِهِ مَيْتَةً وَبَعْضُ صُوَرِهِ مُوجِبًا لِكَوْنِهِ مَيْتَةً مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ.
стр. 417
قِيلَ: الشَّرِيعَةُ لَمْ تُسَوِّ بَيْنَهُمَا فِي اسْمِ الْمَيْتَةِ لُغَةً، وَإِنَّمَا سَوَّتْ بَيْنَهُمَا فِي الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ؛ فَصَارَ اسْمُ الْمَيْتَةِ فِي الشَّرْعِ أَعَمَّ مِنْهُ فِي اللُّغَةِ، وَالشَّارِعُ يَتَصَرَّفُ فِي الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ بِالنَّقْلِ تَارَةً وَبِالتَّعْمِيمِ تَارَةً وَبِالتَّخْصِيصِ تَارَةً، وَهَكَذَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْعُرْفِ؛ فَهَذَا لَيْسَ بِمُنْكَرٍ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا.
وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي التَّحْرِيمِ فَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ عَلَيْنَا الْخَبَائِثَ، وَالْخُبْثُ الْمُوجِبُ لِلتَّحْرِيمِ قَدْ يَظْهَرُ لَنَا وَقَدْ يَخْفَى، فَمَا كَانَ ظَاهِرًا لَمْ يُنَصِّبْ عَلَيْهِ الشَّارِعُ عَلَامَةً غَيْرَ وَصْفِهِ، وَمَا كَانَ خَفِيًّا نَصَّبَ عَلَيْهِ عَلَامَةً تَدُلُّ عَلَى خُبْثِهِ؛ فَاحْتِقَانُ الدَّمِ فِي الْمَيْتَةِ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا ذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ وَالْمُرْتَدِّ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ وَمَنْ أَهَلَّ بِذَبِيحَتِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَنَفْسُ ذَبِيحَةِ هَؤُلَاءِ أَكْسَبَتْ الْمَذْبُوحَ خُبْثًا أَوْجَبَ تَحْرِيمَهُ، وَلَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ اسْمِ الْأَوْثَانِ وَالْكَوَاكِبِ وَالْجِنِّ عَلَى الذَّبِيحَةِ يُكْسِبُهَا خُبْثًا، وَذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ وَحْدَهُ يُكْسِبُهَا طِيبًا، إلَّا مَنْ قَلَّ نَصِيبُهُ مِنْ حَقَائِقِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَذَوْقِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ الذَّبَائِحِ فِسْقًا وَهُوَ الْخَبِيثُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَى الذَّبِيحَةِ يُطَيِّبُهَا وَيَطْرُدُ الشَّيْطَانَ عَنْ الذَّابِحِ وَالْمَذْبُوحِ، فَإِذَا أَخَلَّ بِذِكْرِ اسْمِهِ لَابَسَ الشَّيْطَانُ الذَّابِحَ وَالْمَذْبُوحَ، فَأَثَّرَ ذَلِكَ خُبْثًا فِي الْحَيَوَانِ، وَالشَّيْطَانُ يَجْرِي فِي مَجَارِي الدَّمِ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَالدَّمُ مَرْكَبُهُ وَحَامِلُهُ، وَهُوَ أَخْبَثُ الْخَبَائِثِ، فَإِذَا ذَكَرَ الذَّابِحُ اسْمَ اللَّهِ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مَعَ الدَّمِ فَطَابَتْ الذَّبِيحَةُ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يَخْرُجْ الْخُبْثُ.
وَأَمَّا إذَا ذَكَرَ اسْمَ عَدُوِّهِ مِنْ الشَّيَاطِينِ وَالْأَوْثَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُكْسِبُ الذَّبِيحَةَ خُبْثًا آخَرَ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الذَّبِيحَةَ تَجْرِي مَجْرَى الْعِبَادَةِ، وَلِهَذَا يَقْرِنُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَهُمَا كَقَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا سَخَّرَهَا لِمَنْ يَذْكُرُ اسْمَهُ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَنَالُهُ التَّقْوَى - وَهُوَ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِهَا وَذِكْرِ اسْمِهِ عَلَيْهَا - فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ عَلَيْهَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَكْلِهَا، وَكَانَتْ مَكْرُوهَةً لِلَّهِ، فَأَكْسَبَتْهَا كَرَاهِيَتَهُ لَهَا - حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهَا اسْمَهُ أَوْ ذَكَرَ عَلَيْهَا اسْمَ غَيْرِهِ - وَصْفَ الْخُبْثِ فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتَةِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَمَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ فَمَا ذَبَحَهُ عَدُوُّهُ الْمُشْرِكُ بِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَخْبَثِ الْبَرِيَّةِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ؛ فَإِنْ فِعْلَ الذَّابِحِ وَقَصْدِهِ وَخُبْثِهِ لَا يُنْكَرُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الْمَذْبُوحِ، كَمَا أَنَّ خَبُثَ النَّاكِحِ وَوَصْفِهِ وَقَصْدِهِ يُؤَثِّرُ فِي الْمَرْأَةِ الْمَنْكُوحَةِ، وَهَذِهِ أُمُورٌ إنَّمَا يُصَدِّقُ بِهَا مَنْ أَشْرَقَ فِيهِ نُورُ
стр. 418
الشَّرِيعَةِ وَضِيَاؤُهَا، وَبَاشَرَ قَلْبُهُ بَشَاشَةَ حِكَمِهَا وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبَدَانِ، وَتَلَقَّاهَا صَافِيَةً مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ، وَأَحْكَمَ الْعَقْدَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الَّتِي لَمْ يَطْمِسْ نُورَ حَقَائِقِهَا ظُلْمَةُ التَّأْوِيلِ وَالتَّحْرِيفِ.
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ فِي حُكْمِ التَّطْهِيرِ]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ فِي حُكْمِ التَّطْهِيرِ]
وَأَمَّا جَمْعُهَا بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ فِي التَّطْهِيرِ فَاَللَّهِ مَا أَحْسَنَهُ مِنْ جَمْعٍ، وَأَلْطَفَهُ وَأَلْصَقَهُ بِالْعُقُولِ السَّلِيمَةِ وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ؛ وَقَدْ عَقَدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْإِخَاءَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ قَدَرًا وَشَرْعًا؛ فَجَمَعَهَا اللَّهُ وَخَلَقَ مِنْهُمَا آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ، فَكَانَا أَبَوَيْنِ اثْنَيْنِ لِأَبَوَيْنَا وَأَوْلَادِهِمَا؛ وَجَعَلَ مِنْهُمَا حَيَاةَ كُلِّ حَيَوَانٍ، وَأَخْرَجَ مِنْهُمَا أَقْوَاتَ الدَّوَابِّ وَالنَّاسِ وَالْأَنْعَامِ، وَكَانَا أَعَمَّ الْأَشْيَاءِ وُجُودًا، وَأَسْهَلَهَا تَنَاوُلًا، وَكَانَ تَعْفِيرُ الْوَجْهِ فِي التُّرَابِ لِلَّهِ مِنْ أَحَبِّ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ عَقْدُ هَذِهِ الْأُخُوَّةِ بَيْنَهُمَا قَدَرًا أَحْكَمَ عَقْدٍ وَأَقْوَاهُ كَانَ عَقْدُ الْأُخُوَّةِ بَيْنَهُمَا شَرْعًا أَحْسَنَ عَقْدٍ وَأَصَحَّهُ، ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ٣٦] ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧] .
[ذَمُّ الْغَضَبِ وَتَنْفِيذِ الْحَقِّ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ]
فَصْلٌ
فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵁: " وَاعْرِفْ الْأَشْبَاهَ وَالنَّظَائِرَ " وَفِي لَفْظِ: " وَاعْرِفْ الْأَمْثَالَ، ثُمَّ اعْمَدْ فِيمَا تَرَى إلَى أَحَبِّهَا إلَى اللَّهِ وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ ". فَلْنَرْجِعْ إلَى شَرْحِ بَاقِي كِتَابِهِ. ثُمَّ قَالَ: " وَإِيَّاكَ وَالْغَضَبَ وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ، وَالتَّنَكُّرِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ، أَوْ الْخُصُومِ - شَكَّ أَبُو عُبَيْدٍ - فَإِنَّ الْقَضَاءَ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ مِمَّا يُوجِبُ اللَّهُ بِهِ الْأَجْرَ، وَيُحْسِنُ بِهِ الذُّخْرَ ".
هَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ: [ذَمُّ الْغَضَبِ] . أَحَدُهُمَا: التَّحْذِيرُ مِمَّا يَحُولُ بَيْنَ الْحَاكِمِ وَبَيْنَ كَمَالِ مَعْرِفَتِهِ بِالْحَقِّ، وَتَجْرِيدِ قَصْدِهِ لَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ خَيْرَ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ إلَّا بِاجْتِمَاعِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ، وَالْغَضَبُ وَالْقَلَقُ وَالضَّجَرُ مُضَادٌّ لَهُمَا؛ فَإِنَّ الْغَضَبَ غَوْلُ الْعَقْلِ يَغْتَالُهُ كَمَا تَغْتَالُهُ الْخَمْرُ، وَلِهَذَا «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» وَالْغَضَبُ نَوْعٌ مِنْ الْغَلْقِ وَالْإِغْلَاقِ الَّذِي
стр. 419
يُغْلِقُ عَلَى صَاحِبِهِ بَابَ حُسْنِ التَّصَوُّرِ وَالْقَصْدِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابَيْهِ الشَّافِي وَزَادِ الْمُسَافِرِ، وَعَقَدَ لَهُ بَابًا، فَقَالَ فِي كِتَابِ الزَّادِ: بَابِ النِّيَّةِ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِغْلَاقِ،
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: عَنْ عَائِشَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتْقَ فِي إغْلَاقٍ» فَهَذَا الْغَضَبُ، وَأَوْصَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِوَلِيِّ أَمْرٍ فَقَالَ: إيَّاكَ وَالْغَلْقَ وَالضَّجَرَ؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الْغَلْقِ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ صَاحِبُ حَقٍّ، وَصَاحِبُ الضَّجَرِ لَا يَصِيرُ عَلَى حَقٍّ.
[الصَّبْرُ عَلَى الْحَقِّ] . وَالْأَمْرُ الثَّانِي: التَّحْرِيضُ عَلَى تَنْفِيذِ الْحَقِّ، وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ، وَجَعْلِ الرِّضَا بِتَنْفِيذِهِ فِي مَوْضِعِ الْغَضَبِ وَالصَّبْرُ فِي مَوْضِعِ الْقَلَقِ وَالضَّجَرِ، وَالتَّحَلِّي بِهِ وَاحْتِسَابِ ثَوَابِهِ فِي مَوْضِعِ التَّأَذِّي؛ فَإِنَّ هَذَا دَوَاءُ ذَلِكَ الدَّاءِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَضَعْفِهَا؛ فَمَا لَمْ يُصَادِفْهُ هَذَا الدَّوَاءُ فَلَا سَبِيلَ إلَى زَوَالِهِ؛ هَذَا مَعَ مَا فِي التَّنَكُّرِ لِلْخُصُومِ مِنْ إضْعَافِ نُفُوسِهِمْ، وَكَسْرِ قُلُوبِهِمْ، وَإِخْرَاسِ أَلْسِنَتِهِمْ عَنْ التَّكَلُّمِ بِحُجَجِهِمْ خَشْيَةَ مَعَرَّةِ التَّنَكُّرِ، وَلَا سِيَّمَا أَنْ يَتَنَكَّرَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ الدَّاءُ الْعُضَالُ.
[لِلَّهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عُبُودِيَّةٌ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ]
وَقَوْلُهُ: " فَإِنَّ الْقَضَاءَ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ مِمَّا يُوجِبُ اللَّهُ بِهِ الْأَجْرَ، وَيُحْسِنُ بِهِ الذُّخْرَ " هَذَا عُبُودِيَّةُ الْحُكَّامِ وَوُلَاةِ الْأَمْرِ الَّتِي تُرَادُ مِنْهُمْ وَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عُبُودِيَّةٌ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ، سِوَى الْعُبُودِيَّةِ الْعَامَّةِ الَّتِي سَوَّى بَيْنَ عِبَادِهِ فِيهَا؛ فَعَلَى الْعَالِمِ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ نَشْرُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مَا لَيْسَ عَلَى الْجَاهِلِ، وَعَلَيْهِ مِنْ عُبُودِيَّةِ الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى الْحَاكِمِ مِنْ عُبُودِيَّةِ إقَامَةِ الْحَقِّ وَتَنْفِيذِهِ وَإِلْزَامِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِهِ وَالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ وَالْجِهَادِ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ عَلَى الْمُفْتِي. وَعَلَى الْغَنِيِّ مِنْ عُبُودِيَّةِ أَدَاءِ الْحُقُوقِ الَّتِي فِي مَالِهِ مَا لَيْسَ عَلَى الْفَقِيرِ، وَعَلَى الْقَادِرِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ مَا لَيْسَ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهُمَا.
وَتَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيّ يَوْمًا فِي الْجِهَادِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: هَذَا وَاجِبٌ قَدْ وُضِعَ عَنَّا، فَقَالَ: هَبِي أَنَّهُ قَدْ وُضِعَ عَنْكُنَّ سِلَاحُ الْيَدِ وَاللِّسَانِ، فَلَمْ يُوضَعْ عَنْكُنَّ سِلَاحُ الْقَلْبِ، فَقَالَتْ: صَدَقْت جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا.
وَقَدْ غَرَّ إبْلِيسُ أَكْثَرَ الْخَلْقِ بِأَنْ حَسَّنَ لَهُمْ الْقِيَامَ بِنَوْعٍ مِنْ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالِانْقِطَاعِ، وَعَطَّلُوا هَذِهِ الْعُبُودِيَّاتِ، فَلَمْ يُحَدِّثُوا قُلُوبَهُمْ بِالْقِيَامِ
стр. 420
بِهَا، وَهَؤُلَاءِ عِنْدَ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَقَلِّ النَّاسِ دِينًا؛ فَإِنَّ الدِّينَ هُوَ الْقِيَامُ لِلَّهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ، فَتَارِكُ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ أَسْوَأُ حَالًا عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ مُرْتَكِبِ الْمَعَاصِي؛ فَإِنَّ تَرْكَ الْأَمْرِ أَعْظَمُ مِنْ ارْتِكَابِ النَّهْيِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَجْهًا ذَكَرَهَا شَيْخُنَا ﵀ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ؛ وَمَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ رَأْيٌ أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ يُشَارُ إلَيْهِمْ بِالدِّينِ هُمْ أَقَلُّ النَّاسِ دِينًا، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَأَيُّ دِينٍ وَأَيُّ خَيْرٍ فِيمَنْ يَرَى مَحَارِمَ اللَّهِ تُنْتَهَكُ وَحُدُودَهُ تُضَاعُ وَدِينَهُ يُتْرَكُ وَسُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرْغَبُ عَنْهَا وَهُوَ بَارِدُ الْقَلْبِ سَاكِتُ اللِّسَانِ؟ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ، كَمَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِالْبَاطِلِ شَيْطَانٌ نَاطِقٌ، وَهَلْ بَلِيَّةُ الدِّينِ إلَّا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذَا سَلَّمْت لَهُمْ مَآكِلَهُمْ وَرِيَاسَاتِهِمْ فَلَا مُبَالَاةَ بِمَا جَرَى عَلَى الدِّينِ؟ ، وَخِيَارُهُمْ الْمُتَحَزِّنُ الْمُتَلَمِّظُ، وَلَوْ نُوزِعَ فِي بَعْضِ مَا فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَيْهِ فِي جَاهِهِ أَوْ مَالِهِ بَذَلَ وَتَبَذَّلَ وَجَدَّ وَاجْتَهَدَ، وَاسْتَعْمَلَ مَرَاتِبَ الْإِنْكَارِ الثَّلَاثَةِ بِحَسَبِ وُسْعِهِ. وَهَؤُلَاءِ - مَعَ سُقُوطِهِمْ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ وَمَقْتِ اللَّهِ لَهُمْ - قَدْ بُلُوا فِي الدُّنْيَا بِأَعْظَمَ بَلِيَّةٍ تَكُونُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَهُوَ مَوْتُ الْقُلُوبِ؛ فَإِنَّهُ الْقَلْبُ كُلَّمَا كَانَتْ حَيَاتُهُ أَتَمَّ كَانَ غَضَبُهُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أَقْوَى، وَانْتِصَارُهُ لِلدِّينِ أَكْمَلُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ أَثَرًا «أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْحَى إلَى مَلِكٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَنْ اخْسِفْ بِقَرْيَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ وَفِيهِمْ فُلَانُ الْعَابِدُ؟ فَقَالَ: بِهِ فَابْدَأْ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وَجْهُهُ فِي يَوْمًا قَطُّ» .
وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ «أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْحَى إلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَنْ قُلْ لِفُلَانٍ الزَّاهِدِ: أَمَّا زُهْدُك فِي الدُّنْيَا فَقَدْ تَعَجَّلْت بِهِ الرَّاحَةَ، وَأَمَّا انْقِطَاعُك إلَيَّ فَقَدْ اكْتَسَبْت بِهِ الْعِزَّ، وَلَكِنْ مَاذَا عَمِلَتْ فِيمَا لِي عَلَيْك؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ لَك عَلَيَّ؟ قَالَ: هَلْ وَالَيْت فِي وَلِيًّا أَوْ عَادَيْت فِي عَدُوًّا» ؟
[فَصَلِّ إخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى]
فَصْلٌ
[إخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى] . قَوْلُهُ: " فَمَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الْحَقِّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَزَيَّنَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ شَانَهُ اللَّهُ " هَذَا شَقِيقُ كَلَامِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِشْكَاةِ الْمُحَدِّثِ الْمُلْهَمِ، وَهَاتَانِ الْكَلِمَتَانِ مِنْ كُنُوزِ الْعِلْمِ، وَمِنْ أَحْسَنِ الْإِنْفَاقِ مِنْهُمَا نَفْعُ غَيْرِهِ، وَانْتَفَعَ غَايَةَ الِانْتِفَاعِ: فَأَمَّا الْكَلِمَةُ الْأُولَى فَهِيَ مَنْبَعُ الْخَيْرِ وَأَصْلِهِ، وَالثَّانِيَةُ أَصْلُ الشَّرِّ وَفَصْلُهُ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا خَلَصَتْ نِيَّتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَكَانَ قَصْدُهُ وَهَمُّهُ وَعَمَلُهُ لِوَجْهِهِ سُبْحَانَهُ كَانَ اللَّهُ
стр. 421
مَعَهُ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَرَأْسُ التَّقْوَى وَالْإِحْسَانِ خُلُوصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا غَالِبَ لَهُ، فَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَغْلِبُهُ أَوْ يَنَالُهُ بِسُوءٍ؟ فَإِنْ كَانَ اللَّهُ مَعَ الْعَبْدِ فَمَنْ يَخَافُ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَمَنْ يَرْجُو؟ وَبِمَنْ يَثِقُ؟ وَمَنْ يَنْصُرُهُ مِنْ بَعْدِهِ؟ فَإِذَا قَامَ الْعَبْدُ بِالْحَقِّ عَلَى غَيْرِهِ وَعَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا، وَكَانَ قِيَامُهُ بِاَللَّهِ وَلِلَّهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كَادَتْهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ لَكَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَتَهَا، وَجَعَلَ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا؛ وَإِنَّمَا يُؤْتَى الْعَبْدُ مِنْ تَفْرِيطِهِ وَتَقْصِيرِهِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، أَوْ فِي اثْنَيْنِ مِنْهَا، أَوْ فِي وَاحِدٍ؛ فَمَنْ كَانَ قِيَامُهُ فِي بَاطِلٍ لَمْ يُنْصَرْ، وَإِنْ نُصِرَ نَصْرًا عَارِضًا فَلَا عَاقِبَةَ لَهُ وَهُوَ مَذْمُومٌ مَخْذُولٌ، وَإِنْ قَامَ فِي حَقٍّ لَكِنْ لَمْ يَقُمْ فِيهِ لِلَّهِ وَإِنَّمَا قَامَ لِطَلَبِ الْمَحْمَدَةِ وَالشَّكُورِ وَالْجَزَاءِ مِنْ الْخَلْقِ أَوْ التَّوَصُّلِ إلَى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودُ أَوَّلًا، وَالْقِيَامُ فِي الْحَقِّ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، فَهَذَا لَمْ تُضْمَنْ لَهُ النُّصْرَةُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا ضَمِنَ النُّصْرَةَ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، وَقَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، لَا لِمَنْ كَانَ قِيَامُهُ لِنَفْسِهِ وَلِهَوَاهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُتَّقِينَ وَلَا مِنْ الْمُحْسِنِينَ، وَإِنْ نُصِرَ فَبِحَسَبِ مَا مَعَهُ مِنْ الْحَقِّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْصُرُ إلَّا الْحَقَّ، وَإِذَا كَانَتْ الدَّوْلَةُ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ فَبِحَسَبِ مَا مَعَهُمْ مِنْ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ مَنْصُورٌ أَبَدًا؛ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُحِقًّا كَانَ مَنْصُورًا لَهُ الْعَاقِبَةُ، وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِبَةٌ، وَإِذَا قَامَ الْعَبْدُ فِي الْحَقِّ لِلَّهِ وَلَكِنْ قَامَ بِنَفْسِهِ وَقُوَّتِهِ وَلَمْ يَقُمْ بِاَللَّهِ مُسْتَعِينًا بِهِ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ مُفَوِّضًا إلَيْهِ بَرِيًّا مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا بِهِ فَلَهُ مِنْ الْخِذْلَانِ وَضَعْفِ النُّصْرَةِ بِحَسَبِ مَا قَامَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ تَجْرِيدَ التَّوْحِيدَيْنِ فِي أَمْرِ اللَّهِ لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ، وَصَاحِبُهُ مُؤَيَّدٌ مَنْصُورٌ وَلَوْ تَوَالَتْ عَلَيْهِ زُمَرُ الْأَعْدَاءِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا دَاوُد أَنْبَأْنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ أَسْخَطَ النَّاسَ بِرِضَاءِ اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ النَّاسَ، وَمَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسُخْطِ اللَّهِ وَكَّلَهُ إلَى النَّاسِ.
[الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ عَزَمَ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ مَا]
وَالْعَبْدُ إذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ أَوَّلًا هَلْ هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَاعَةٌ فَلَا يَفْعَلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ طَاعَةً، فَإِذَا بَانَ لَهُ أَنَّهُ طَاعَةٌ فَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْظُرَ هَلْ هُوَ مُعَانٌ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَانًا عَلَيْهِ فَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ فَيُذِلَّ نَفْسَهُ، وَإِنْ كَانَ مُعَانًا عَلَيْهِ بَقِيَ عَلَيْهِ نَظَرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ بَابِهِ؛ فَإِنْ أَتَاهُ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ أَضَاعَهُ أَوْ فَرَّطَ فِيهِ أَوْ أَفْسَدَ مِنْهُ شَيْئًا؛ فَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ أَصْلُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ وَفَلَاحِهِ، وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِ الْعَبْدِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] الْفَاتِحَةَ
стр. 422
فَأَسْعَدُ الْخَلْقِ أَهْلُ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَالْهِدَايَةِ إلَى الْمَطْلُوبِ، وَأَشْقَاهُمْ مَنْ عُدِمَ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وَنَصِيبُهُ مِنْ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَعْدُومٌ أَوْ ضَعِيفٌ؛ فَهَذَا مَخْذُولٌ مُهِينٌ مَحْزُونٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قَوِيًّا وَنَصِيبُهُ مِنْ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ضَعِيفًا أَوْ مَفْقُودًا؛ فَهَذَا لَهُ نُفُوذٌ وَتَسَلُّطٌ وَقُوَّةٌ، وَلَكِنْ لَا عَاقِبَةَ لَهُ، بَلْ عَاقِبَتُهُ أَسْوَأُ عَاقِبَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وَلَكِنْ نَصِيبُهُ مِنْ الْهِدَايَةِ إلَى الْمَقْصُودِ ضَعِيفٌ جِدًّا، كَحَالِ كَثِيرٍ مِنْ الْعِبَادِ وَالزُّهَّادِ الَّذِينَ قَلَّ عِلْمُهُمْ بِحَقَائِقِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِنْ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ.
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁: " فَمَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الْحَقِّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ " إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي قِيَامُهُ فِي الْحَقِّ لِلَّهِ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِهِ، حَتَّى يَكُونَ أَوَّلَ قَائِمٍ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ قِيَامُهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُقْبَلُ الْحَقُّ مِمَّنْ أَهْمَلَ الْقِيَامَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ؟ وَخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا تَسْمَعُونَ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ: لَا نَسْمَعُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَلِمَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّك قَسَّمْت عَلَيْنَا ثَوْبًا ثَوْبًا وَعَلَيْك ثَوْبَانِ، فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ. يَا عَبْدَ اللَّهِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: نَشَدْتُك اللَّهَ الثَّوْبُ الَّذِي ائْتَزَرْتُ بِهِ أَهْوَ ثَوْبُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ سَلْمَانُ: أَمَّا الْآنَ فَقُلْ نَسْمَعْ.
[فَصَلِّ الْمُتَزَيِّنُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَعُقُوبَتُهُ]
فَصْلٌ
[الْمُتَزَيِّنُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَعُقُوبَتُهُ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَمَنْ تَزَيَّنَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ شَانَهُ اللَّهُ " لِمَا كَانَ الْمُتَزَيِّنُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ ضِدَّ الْمُخْلِصِ - فَإِنَّهُ يُظْهِرُ لِلنَّاسِ أَمْرًا وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ - عَامَلَهُ اللَّهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ؛ فَإِنَّ الْمُعَاقَبَةَ بِنَقِيضِ الْقَصْدِ ثَابِتَةٌ شَرْعًا وَقَدَرًا، وَلَمَّا كَانَ الْمُخْلِصُ يُعَجَّلُ لَهُ مِنْ ثَوَابِ إخْلَاصِهِ الْحَلَاوَةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْمَهَابَةُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ عُجِّلَ لِلْمُتَزَيِّنِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ أَنْ شَانَهُ اللَّهُ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ شَانَ بَاطِنَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَهَذَا مُوجِبٌ أَسْمَاءَ الرَّبِّ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَحِكْمَتِهِ فِي قَضَائِهِ وَشَرْعِهِ.
هَذَا، وَلَمَّا كَانَ مَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْ الْخُشُوعِ وَالدِّينِ وَالنُّسُكِ وَالْعِلْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَدْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلَوَازِمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمُقْتَضَيَاتِهَا فَلَا بُدَّ أَنْ تُطْلَبَ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ افْتَضَحَ، فَيَشِينُهُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ يَزِينُهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَخْفَى عَنْ النَّاسِ مَا أَظْهَرَ لِلَّهِ خِلَافَهُ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ مِنْ عُيُوبِهِ لِلنَّاسِ مَا أَخْفَاهُ عَنْهُمْ، جَزَاءً لَهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ، وَكَانَ بَعْضُ
стр. 423
الصَّحَابَةِ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ خُشُوعِ النِّفَاقِ، قَالُوا: وَمَا خُشُوعُ النِّفَاقِ؟ قَالَ: أَنْ تَرَى الْجَسَدَ خَاشِعًا وَالْقَلْبَ غَيْرَ خَاشِعٍ؛ وَأَسَاسُ النِّفَاقِ وَأَصْلُهُ هُوَ التَّزَيُّنُ لِلنَّاسِ بِمَا لَيْسَ فِي الْبَاطِنِ مِنْ الْإِيمَانِ؛ فَعُلِمَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ، وَهُمَا مِنْ أَنْفَعِ الْكَلَامِ، وَأَشْفَاهُ لِلسَّقَامِ.
[فَصَلِّ أَعْمَالُ الْعِبَادِ]
فَصْلٌ
[أَعْمَالُ الْعِبَادِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ الْمَقْبُولُ مِنْهَا نَوْعٌ وَاحِدٌ]
وَقَوْلُهُ: " فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعِبَادِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا " وَالْأَعْمَالُ أَرْبَعَةٌ: وَاحِدٌ مَقْبُولٌ، وَثَلَاثَةٌ مَرْدُودَةٌ؛ فَالْمَقْبُولُ مَا كَانَ لِلَّهِ خَالِصًا وَلِلسُّنَّةِ مُوَافِقًا، وَالْمَرْدُودُ مَا فُقِدَ مِنْهُ الْوَصْفَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ الْمَقْبُولَ هُوَ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَضِيَهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا يُحِبُّ مَا أَمَرَ بِهِ وَمَا عُمِلَ لِوَجْهِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّهَا، بَلْ يَمْقُتُهَا وَيَمْقُتُ أَهْلَهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: ٢] .
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: هُوَ أَخْلُصُ الْعَمَلِ وَأَصْوَبُهُ، فَسُئِلَ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ، حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا فَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ الْعَمَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ مَرْدُودٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَالْعَمَلَ لِلَّهِ وَحْدَهُ مَقْبُولٌ؛ فَبَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ لِلَّهِ وَلِغَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ لِلَّهِ مَحْضًا وَلَا لِلنَّاسِ مَحْضًا، فَمَا حُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ؟ هَلْ يَبْطُلُ الْعَمَلُ كُلُّهُ أَمْ يَبْطُلُ مَا كَانَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَيَصِحُّ مَا كَانَ لِلَّهِ؟ قِيلَ: هَذَا الْقِسْمُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ الْأَوَّلُ عَلَى الْعَمَلِ هُوَ الْإِخْلَاصُ، ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ الرِّيَاءُ وَإِرَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ فِي أَثْنَائِهِ، فَهَذَا الْمُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى الْبَاعِثِ الْأَوَّلِ مَا لَمْ يَفْسَخْهُ بِإِرَادَةٍ جَازِمَةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ قَطْعِ النِّيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ وَفَسْخِهَا، أَعْنِي قَطْعَ تَرْكِ اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا؛ الثَّانِي: عَكْسَ هَذَا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ الْأَوَّلُ لِغَيْرِ اللَّهِ، ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ قَلْبَ النِّيَّةِ لِلَّهِ، فَهَذَا لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِمَا مَضَى مِنْ الْعَمَلِ، وَيُحْتَسَبُ لَهُ مِنْ حِينِ قَلْبِ نِيَّتِهِ؛ ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْعِبَادَةُ لَا يَصِحُّ آخِرُهَا إلَّا بِصِحَّةِ أَوَّلِهَا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ، كَالصَّلَاةِ، وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ كَمَنْ أَحْرَمَ لِغَيْرِ اللَّهِ ثُمَّ قَلَبَ نِيَّتَهُ لِلَّهِ عِنْدَ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ؛
стр. 424
الثَّالِثُ: أَنْ يَبْتَدِئَهَا مُرِيدًا بِهَا اللَّهَ وَالنَّاسَ، فَيُرِيدُ أَدَاءَ فَرْضِهِ وَالْجَزَاءَ وَالشَّكُورَ مِنْ النَّاسِ، وَهَذَا كَمَنْ يُصَلِّي بِالْأُجْرَةِ، فَهُوَ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ الْأُجْرَةَ صَلَّى، وَلَكِنَّهُ يُصَلِّي لِلَّهِ وَلِلْأُجْرَةِ، وَكَمَنْ يَحُجُّ لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ عَنْهُ وَيُقَالُ فُلَانٌ حَجَّ، أَوْ يُعْطِي الزَّكَاةَ كَذَلِكَ؛ فَهَذَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الْعَمَلُ.
وَإِنْ كَانَتْ النِّيَّةُ شَرْطًا فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْإِخْلَاصِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعَمَلِ وَالثَّوَابِ عَلَيْهِ لَمْ تُوجَدْ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ هُوَ تَجْرِيدُ الْقَصْدِ طَاعَةً لِلْمَعْبُودِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ إلَّا بِهَذَا. وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ بَقِيَ فِي عُهْدَةِ الْأَمْرِ؛ وَقَدْ دَلَّتْ السُّنَّةُ الصَّرِيحَةُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَهُوَ كُلُّهُ لِلَّذِي أَشْرَكَ بِهِ» وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
[فَصَلِّ جَزَاءُ الْمُخْلِصِ]
فَصْلٌ
[جَزَاءُ الْمُخْلِصِ]
وَقَوْلُهُ: " فَمَا ظَنُّك بِثَوَابٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ " يُرِيدُ بِهِ تَعْظِيمَ جَزَاءِ الْمُخْلِصِ وَأَنَّهُ رِزْقٌ عَاجِلٌ إمَّا لِلْقَلْبِ أَوْ لِلْبَدَنِ أَوْ لَهُمَا. وَرَحْمَتُهُ مُدَّخَرَةٌ فِي خَزَائِنِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَجْزِي الْعَبْدَ عَلَى مَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَلَا بُدَّ، ثُمَّ فِي الْآخِرَةِ يُوفِيهِ أَجْرَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فَمَا يَحْصُلُ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَيْسَ جَزَاءُ تَوْفِيَةٍ، وَإِنْ كَانَ نَوْعًا آخَرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ إبْرَاهِيمَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] وَهَذَا نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ آتَى خَلِيلَهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَقَلْبِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ وَحَيَاتِهِ الطَّيِّبَةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ أَجْرُ تَوْفِيَةٍ، وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مَنْ عَمِلَ خَيْرًا أَجْرَيْنِ: عَمَلُهُ فِي الدُّنْيَا وَيُكَمَّلُ لَهُ أَجْرُهُ فِي الْآخِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠] وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١] ، وَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وَقَالَ فِيهَا عَنْ خَلِيلِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢]
стр. 425
فَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ دُونَ غَيْرِهَا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ لِسِرٍّ بَدِيعٍ، فَإِنَّهَا سُورَةُ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهَا أُصُولَ النِّعَمِ وَفُرُوعَهَا، فَعَرَّفَ عِبَادَهُ أَنَّ لَهُمْ عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ النِّعَمِ أَضْعَافَ هَذِهِ بِمَا لَا يُدْرَكُ تَفَاوُتُهُ، وَأَنَّ هَذِهِ مِنْ بَعْضِ نِعَمِهِ الْعَاجِلَةِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ إنْ أَطَاعُوهُ زَادَهُمْ إلَى هَذِهِ النِّعَمِ نِعَمًا أُخْرَى، ثُمَّ فِي الْآخِرَةِ يُوَفِّيهِمْ أُجُورَ أَعْمَالِهِمْ تَمَامَ التَّوْفِيَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] فَلِهَذَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: " فَمَا ظَنُّك بِثَوَابٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ، وَالسَّلَامُ ".
فَهَذَا بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵁ مِنْ الْحِكَمِ وَالْفَوَائِدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[الْإِفْتَاءِ فِي دِينِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ]
ذِكْرُ تَحْرِيمِ الْإِفْتَاءِ فِي دِينِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَذِكْرِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ [إثْمُ الْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ]
قَدْ تَقَدَّمَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] وَأَنَّ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْقَوْلَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَشَرْعِهِ وَدِينِهِ. وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعُ: «مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا غَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» .
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْمًا يَتَمَارَوْنَ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَلَا يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَكِلُوهُ إلَى عَالِمِهِ» فَأَمَرَ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يَكِلَهُ إلَى عَالِمِهِ، وَلَا يَتَكَلَّفُ الْقَوْلَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ. وَرَوَى مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ عُذْرُهَا قَبَّلَ أَبُو بَكْرٍ رَأْسَهَا، قَالَتْ: فَقُلْت: أَلَا عَذَرْتنِي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إذَا قُلْت مَا لَا أَعْلَم،؟
وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَهْ قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَنْ آيَةٍ، فَقَالَ: أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي؟ وَأَيْنَ أَذْهَبُ؟ وَكَيْفَ أَصْنَعُ إذَا أَنَا قُلْت فِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَا؟
следующие страницы →