Полный текст (1 159 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] قِيلَ السُّؤَالُ " بِمَنْ " عَنْ التَّصَوُّرِ وَالْجَوَابُ بِالتَّصْدِيقِ قُلْت " مَنْ " وَإِنْ كَانَ سُؤَالًا عَنْ التَّصَوُّرِ فَالسَّائِلُ بِهَا تَارَةً يَجْزِمُ بِحُصُولٍ مِنْهُمْ وَلَكِنْ يَسْأَلُ عَنْ تَعَيُّنِهِ فَقَوْلُهُ ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ [آل عمران: ٥٢] مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ عِيسَى ﵇ رَاجِيًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إقَامَةَ نَاصِرٍ لَهُ سَائِلًا عَنْ عَيْنِهِ فَهُوَ سُؤَالٌ عَنْ التَّصْدِيقِ وَالتَّصَوُّرِ وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ التَّصَوُّرِ ثِقَةً بِاَللَّهِ وَأَدَبًا مَعَ اللَّهِ وَمَعَ السَّامِعِينَ؛ فَكَانَ الْأَكْمَلُ فِي حَقِّهِ السُّؤَالَ عَنْ التَّصَوُّرِ وَجَعْلَ السُّؤَالِ عَنْ التَّصْدِيقِ مَطْلُوبًا فِيهِ؛ وَالْحَوَارِيُّونَ تَفَطَّنُوا لِذَلِكَ فَأَجَابُوا بِالتَّصْدِيقِ لِيُحَصِّلُوا الْمَقْصُودَيْنِ مَعًا فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا هُنَا: مَنْ يَنْصُرُك هُمْ نَحْنُ. وَقَالُوا أَنْصَارُ اللَّهِ لِأَنَّ نُصْرَتَهُ نُصْرَةُ اللَّهِ بِمَعْنَى نُصْرَةِ دِينِهِ. وَلِيُبَيِّنُوا أَنَّ نُصْرَتَهُمْ لِلَّهِ لَا يَشُوبُهَا غَيْرُهَا مِنْ حُظُوظِ الْبَشَرِيَّةِ، وَإِنَّمَا فَسَرُّوا الْإِحْسَاسَ بِالْعِلْمِ لِأَنَّ الْكُفْرَ يُعْلَمُ وَلَا يُحَسُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِأَقْوَالٍ تُسْمَعُ وَأَعْمَالٍ تُبْصَرُ تَكُونُ سَبَبًا لِلْكُفْرِ أَوْ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ فَيَصِحُّ إطْلَاقُ الْإِحْسَاسِ عَلَيْهَا حَقِيقَةً، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ فِي الْآيَةِ الْأَوَّلُ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْإِبْصَارُ حَقِيقَةً. وَلِهَذَا قَالَ ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] انْتَهَى.
[التَّعْظِيمُ وَالْمِنَّةُ فِي قَوْله تَعَالَى لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ]
قَالَ ﵁: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَظَّمَ نَبِيَّهُ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، وَهَدَانَا إلَى كُلِّ خَيْرٍ، إذْ وَصَّلَ سَبَبَنَا بِسَبَبِهِ. وَبَعْدُ فَقَدْ حَصَلَ الْبَحْثُ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وَقَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ هُنَا أَنَّ الرَّسُولَ هُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَأَنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ أَنَّهُ إنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ فِي زَمَانِهِ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ وَيُوصِي أُمَّتَهُ بِذَلِكَ؛ وَفِي ذَلِكَ مِنْ التَّنْوِيهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَتَعْظِيمِ قَدْرِهِ الْعَلِيِّ مَا لَا يَخْفَى، وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مَجِيئِهِ فِي زَمَانِهِمْ يَكُونُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ فَتَكُونُ نُبُوَّتُهُ وَرِسَالَتُهُ عَامَّةً لِجَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ زَمَنِ آدَمَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَكُونُ الْأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهُمْ كُلُّهُمْ مِنْ أُمَّتِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: «بُعِثْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً» لَا يَخْتَصُّ بِهِ النَّاسُ مِنْ زَمَانِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بَلْ يَتَنَاوَلُ مَنْ قَبْلَهُمْ أَيْضًا، وَيَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «كُنْت نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» وَإِنَّ مَنْ فَسَّرَهُ بِعِلْمِ اللَّهِ بِأَنَّهُ سَيَصِيرُ نَبِيًّا لَمْ يَصِلْ إلَى هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَوَصْفُ النَّبِيِّ ﷺ بِالنُّبُوَّةِ
стр. 37
فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ أَنَّهُ أَمْرٌ ثَابِتٌ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلِهَذَا «رَأَى اسْمَهُ آدَم مَكْتُوبًا عَلَى الْعَرْشِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنًى ثَابِتًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ بِمَا سَيَصِيرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ يَعْلَمُ اللَّهُ نُبُوَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَبْلَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأَجْلِهَا أَخْبَرَ بِهَذَا الْخَبَرِ إعْلَامًا لِأُمَّتِهِ لِيَعْرِفُوا قَدْرَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَيَحْصُلُ لَهُمْ الْخَيْرُ بِذَلِكَ. فَإِنْ قُلْتَ: أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ ذَلِكَ الْقَدْرَ الزَّائِدَ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ وَصْفٌ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ بِهِ مَوْجُودًا وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ بُلُوغِ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَيْضًا. فَكَيْفَ يُوصَفُ بِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ وَقَبْلَ إرْسَالِهِ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَغَيْرُهُ كَذَلِكَ.
قُلْتُ قَدْ جَاءَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ فَقَدْ تَكُونُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: كُنْتُ نَبِيًّا إلَى رُوحِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ وَإِلَى حَقِيقَتِهِ وَالْحَقَائِقُ تَقْصُرُ عُقُولُنَا عَنْ مَعْرِفَتِهَا وَإِنَّمَا يَعْلَمُهَا خَالِقُهَا. وَمَنْ أَمَدَّهُ بِنُورٍ إلَهِيّ ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الْحَقَائِقَ يُؤْتِي اللَّهُ كُلَّ حَقِيقَةٍ مِنْهَا مَا يَشَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَشَاءُ، فَحَقِيقَةُ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ تَكُونُ مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ آتَاهَا اللَّهُ ذَلِكَ الْوَصْفَ بِأَنْ يَكُونَ خَلَقَهَا مُتَهَيِّئَةً لِذَلِكَ وَأَفَاضَهُ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَصَارَ نَبِيًّا وَكَتَبَ اسْمَهُ عَلَى الْعَرْشِ وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِالرِّسَالَةِ لِيَعْلَمَ مَلَائِكَتُهُ وَغَيْرُهُمْ كَرَامَتَهُ عِنْدَهُ فَحَقِيقَتُهُ مَوْجُودَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ جَسَدُهُ الشَّرِيفُ الْمُتَّصِفُ بِهَا وَاتِّصَافُ حَقِيقَتِهِ بِالْأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ الْمُفَاضَةِ عَلَيْهِ مِنْ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ حَاصِلٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ الْبَعْثُ وَالتَّبْلِيغُ لِتَكَامُلِ جَسَدِهِ ﷺ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّبْلِيغُ، وَكُلُّ مَالَهُ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ جِهَةِ تَأَهُّلِ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ وَحَقِيقَتِهِ مُعَجَّلٌ لَا تَأَخُّرَ فِيهِ وَكَذَلِكَ اسْتِنْبَاؤُهُ وَإِيتَاؤُهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، وَإِنَّمَا الْمُتَأَخِّرُ تَكَوُّنُهُ
стр. 38
وَتَنَقُّلُهُ إلَى أَنْ ظَهَرَ ﷺ وَغَيْرُهُ، مِنْ أَهْلِ الْكَرَامَةِ.
وَلَا نُمَثِّلُ بِالْأَنْبِيَاءِ بَلْ بِغَيْرِهِمْ قَدْ يَكُونُ إفَاضَةُ اللَّهِ تِلْكَ الْكَرَامَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِهِ بِمُدَّةٍ كَمَا يَشَاءُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ فَاَللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِهِ مِنْ الْأَزَلِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ عِلْمَهُ بِذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَيَعْلَمُ النَّاسُ مِنْهَا مَا يَصِلُ إلَيْهِمْ عِنْدَ ظُهُورِهِ لِعِلْمِهِمْ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي أَوَّلِ مَا جَاءَهُ بِهِ جِبْرِيلُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -، وَهُوَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَعْلُومَاتِهِ مِنْ آثَارِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ فِي مَحَلٍّ خَاصٍّ يَتَّصِفُ بِهَا.
فَهَاتَانِ مَرْتَبَتَانِ الْأُولَى مَعْلُومَةٌ بِالْبُرْهَانِ وَالثَّانِيَةُ ظَاهِرَةٌ لِلْعِيَانِ، وَبَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ وَسَائِطُ مِنْ أَفْعَالِهِ تَحْدُثُ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ مِنْهَا مَا يَظْهَرُ لِبَعْضِ خَلْقِهِ حِينَ حُدُوثِهِ، وَمِنْهَا مَا يَظْهَرُ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَمِنْهَا مَا يَحْصُلُ بِهِ كَمَالٌ لِذَلِكَ الْمَحِلِّ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِأَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ، وَذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلَى كَمَالٍ يُقَارِنُ ذَلِكَ الْمَحِلَّ مِنْ حِينِ خَلْقِهِ وَإِلَى كَمَالٍ يَحْصُلُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَصِلُ عِلْمُ ذَلِكَ إلَيْنَا إلَّا بِالْخَبَرِ الصَّادِقِ وَالنَّبِيُّ ﷺ خَيْرُ الْخَلْقِ فَلَا كَمَالَ لِمَخْلُوقٍ أَعْظَمَ مِنْ كَمَالِهِ وَلَا مَحَلَّ أَشْرَفَ مِنْ مَحِلِّهِ يُعَرِّفُنَا بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ حُصُولَ ذَلِكَ الْكَمَالِ مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ رَبِّهِ ، وَأَنَّهُ أَعْطَاهُ النُّبُوَّةَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ثُمَّ أَخَذَ لَهُ الْمَوَاثِيقَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أُمَمِهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُ نَبِيُّهُمْ وَرَسُولُهُمْ وَفِي أَخْذِ الْمَوَاثِيقِ وَهِيَ مَعْنًى فِي الِاسْتِخْلَافِ.
وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ لَامُ الْقَسَمِ فِي ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] .
(لَطِيفَةٌ أُخْرَى) : وَهِيَ كَأَنَّهَا أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ لِلْخُلَفَاءِ وَلَعَلَّ أَيْمَانَ الْخُلَفَاءِ أُخِذَتْ مِنْ هُنَا فَانْظُرْ هَذَا التَّعْظِيمَ الْعَظِيمَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ رَبِّهِ فَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ نَبِيُّ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِهَذَا ظَهَرَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ لِوَائِهِ وَهُوَ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ صَلَّى بِهِمْ؛ وَلَوْ اتَّفَقَ مَجِيئُهُ فِي زَمَنِ آدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أُمَمِهِمْ الْإِيمَانُ بِهِ وَنُصْرَتُهُ. وَبِذَلِكَ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ فَنُبُوَّتُهُ عَلَيْهِمْ وَرِسَالَتُهُ إلَيْهِمْ مَعْنًى حَاصِلٌ لَهُ، وَإِنَّمَا أَثَرُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى اجْتِمَاعِهِمْ مَعَهُ فَتَأَخُّرُ ذَلِكَ الْأَمْرِ رَاجِعٌ إلَى وُجُودِهِمْ لَا إلَى عَدَمِ اتِّصَافِهِ مِمَّا تَقْتَضِيهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ تَوَقُّفِ الْفِعْلِ عَلَى قَبُولِ الْمَحِلِّ وَتَوَقُّفِهِ عَلَى أَهْلِيَّةِ الْفَاعِلِ فَهُنَا لَا تَوَقُّفَ مِنْ جِهَةِ الْفَاعِلِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ ذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ الشَّرِيفَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ وُجُودِ الْعَصْرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ وُجِدَ فِي عَصْرِهِمْ لَزِمَهُمْ إتْبَاعُهُ بِلَا شَكٍّ، وَلِهَذَا يَأْتِي عِيسَى فِي آخَرِ الزَّمَانِ عَلَى شَرِيعَتِهِ وَهُوَ نَبِيٌّ كَرِيمٌ
стр. 39
عَلَى حَالَتِهِ، لَا كَمَا ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ يَأْتِي وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ نَعَمْ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِمَا قُلْنَاهُ أَنَّ إتْبَاعَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا ﷺ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؛ وَكُلُّ مَا فِيهَا مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِسَائِرِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ نَبِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي زَمَانِهِ أَوْ فِي زَمَنِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَآدَمَ كَانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ وَرِسَالَتِهِمْ إلَى أُمَمِهِمْ وَالنَّبِيُّ ﷺ نَبِيٌّ عَلَيْهِمْ وَرَسُولٌ إلَى جَمِيعِهِمْ، فَنُبُوَّتُهُ وَرِسَالَتُهُ أَعَمُّ وَأَشْمَلُ وَأَعْظَمُ وَتَتَّفِقُ مَعَ شَرَائِعِهِمْ فِي الْأُصُولِ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَلِفُ، وَتُقَدَّمُ شَرِيعَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا عَسَاهُ يَقَعُ الِاخْتِلَافُ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ، إمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ النَّسْخِ أَوْ لَا نَسْخَ وَلَا تَخْصِيصَ بَلْ تَكُونُ شَرِيعَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أُولَئِكَ الْأُمَمِ مَا جَاءَتْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ، وَالْأَحْكَامُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَوْقَاتِ.
وَبِهَذَا بَانَ لَنَا مَعْنَى حَدِيثَيْنِ خَفِيَا عَنَّا أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ ﷺ «بُعِثْت إلَى النَّاسِ كَافَّةً» كُنَّا نَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ زَمَانِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَبَانَ أَنَّهُ جَمِيعُ النَّاسِ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ، وَالثَّانِي قَوْلُهُ ﷺ «كُنْت نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» كُنَّا نَظُنُّ أَنَّهُ بِالْعِلْمِ فَبَانَ أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ وَإِنَّمَا يُفَرَّقُ الْحَالُ بَيْنَ مَا بَعْدَ وُجُودِ جَسَدِهِ ﷺ وَبُلُوغِهِ الْأَرْبَعِينَ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ وَتَأَهُّلِهِمْ لِسَمَاعِ كَلَامِهِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَلَا إلَيْهِمْ لَوْ تَأَهَّلُوا قَبْلَ ذَلِكَ وَتَعْلِيقُ الْأَحْكَامِ عَلَى الشُّرُوطِ قَدْ يَكُونُ بِحَسَبِ الْمَحِلِّ الْقَابِلِ وَقَدْ يَكُونُ بِحَسَبِ الْفَاعِلِ الْمُتَصَرِّفِ فَهَاهُنَا التَّعْلِيقُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْمَحِلِّ الْقَابِلِ وَهُوَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِمْ وَقَبُولُهُمْ سَمَاعَ الْخِطَابِ وَالْجَسَدِ الشَّرِيفِ الَّذِي يُخَاطِبُهُمْ بِلِسَانِهِ وَهَذَا كَمَا يُوَكِّلُ الْأَبُ رَجُلًا فِي تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ إذَا وَجَدَتْ كُفُؤًا فَالتَّوْكِيلُ صَحِيحٌ وَذَلِكَ الرَّجُلُ أَهْلٌ لِلْوَكَالَةِ وَوَكَالَتُهُ ثَابِتَةٌ، وَقَدْ يَحْصُلُ تَوَقُّفُ التَّصَرُّفِ عَلَى وُجُودِ كُفُؤٍ وَلَا يُوجَدُ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ وَأَهْلِيَّةِ التَّوْكِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ ﵀: قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] أَقُولُ " أَوْ " هَاهُنَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً عَلَى ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ﴾ [النساء: ١٥] فَيَكُونُ الْإِمْسَاكُ الْمَأْمُورُ بِهِ مُغَيًّا بِإِحْدَى غَايَتَيْنِ: الْمَوْتِ أَوْ جَعْلِ السَّبِيلِ، وَجَعْلُ السَّبِيلِ إمَّا مَشْرُوعِيَّةُ الْحَدِّ وَإِمَّا نَفْسُ الْحَدِّ
стр. 40
وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَتَسْمِيَتُهُ فِيهِ تَجُوزُ، وَلَا يَلْزَمُ ارْتِفَاعُ الْأَمْرِ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَكُونَ " أَوْ " عَاطِفَةً بَلْ تَكُونُ بِمَعْنَى " إلَّا أَنْ " وَتَكُونُ اسْتِثْنَاءً مِنْ الْأَمْرِ بِإِمْسَاكِهِنَّ، كَأَنَّهُ قَالَ أَمْسِكُوهُنَّ فِي كُلِّ حَالٍ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فَلَا نَكُونُ مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ. وَهَذَا أَحْسَنُ الْمَعْنَيَيْنِ عِنْدِي. وَلَيْسَ بِنَسْخٍ أَيْضًا، لِأَنَّ النَّسْخَ شَرْطُهُ أَنْ لَا يُبَيِّنَ غَايَتَهُ فِي الْأَوَّلِ لَا مُعَيَّنَةً وَلَا مُبْهَمَةً، لَكِنَّهُ يُشْبِهُ النَّسْخَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ غَايَتَهُ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً انْتَهَى.
تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَقَدْ كَتَبْنَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
[قَوْله تَعَالَى إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا]
(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] الْكَلَامُ عَلَى الْآيَةِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا. وَذَلِكَ «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ الْحَجَبِيَّ عَلَى مَا نَقَلَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَخَذَ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ وَتَغَيَّبَ بِهِ وَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ » فَنَزَلَتْ.
وَقِيلَ: «إنَّ عَلِيًّا أَخَذَهُ مِنْهُ وَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَنَزَلَتْ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إيَّاهُ وَقَالَ خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً مُخَلَّدَةً فِيكُمْ أَبَدًا لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ» وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَ الْفَتْحِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ دَفْعِ الْمِفْتَاحِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ الشَّخْصُ عُثْمَانَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ كَانَ فِي عَامِ الْقَضَاءِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَلَا يَرُدُّ.
(الْوَجْهُ الثَّانِي) : فِي مُنَاسَبَتِهَا لِمَا قَبْلَهَا وَذَلِكَ أَنَّ قَبْلَهَا قَوْله تَعَالَى
стр. 41
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ [النساء: ٥١] وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ كَانَ قَدِمَ إلَى مَكَّةَ وَرَثَى قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَحَرَّضَ الْكُفَّارَ عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِهِمْ وَغَزْوِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَهُ فِي ذَلِكَ أَشْعَارٌ، فَسَأَلُوهُ مَنْ أَهْدَى سَبِيلًا: النَّبِيُّ ﷺ أَوْ هُمْ؟ فَقَالَ أَنْتُمْ كَذِبًا مِنْهُ وَضَلَالَةً. فَتِلْكَ الْآيَةُ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ يَجِدُونَ عِنْدَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ نَعْتَ النَّبِيِّ ﷺ وَصِفَتَهُ وَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ الْمَوَاثِيقَ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ وَأَخَذَ أَنْبِيَاؤُهُمْ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَكْتُمُوا ذَلِكَ وَأَنْ يَنْصُرُوهُ، وَكَانَ ذَلِكَ أَمَانَةً لَازِمَةً لَهُمْ فَلَمْ يُؤَدُّوهَا وَخَانُوا فِيهَا، وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا أَنَّ قِصَّةَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ كَانَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، وَنُزُولَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [النساء: ٥٨] فِي الْفَتْحِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَبَيْنَهُمَا نَحْوَ سِتِّ سِنِينَ، لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا اتِّحَادُ الزَّمَانِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الزَّمَانِ فِي سَبَبِ النُّزُولِ. وَأَمَّا الْمُنَاسِبُ فَلَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا بَيَانُ سَبَبِ وَضْعِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْآيَاتُ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَى أَسْبَابِهَا وَيَأْمُرُ النَّبِيُّ ﷺ بِوَضْعِهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهَا مَوَاضِعُهَا بِحُكْمٍ وَإِبْرَازٍ مِنْهَا مَا يَظْهَرُ ظُهُورًا قَوِيًّا لِلْعِبَادِ، وَمِنْهَا مَا قَدْ يَخْفَى وَمِنْهَا مَا يَظْهَرُ ظُهُورًا غَيْرَ قَوِيٍّ وَذَلِكَ كَاسْتِنْبَاطِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ؛ وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُنَاسَبَةِ أَيْضًا أَنَّهُ لَمَّا تَوَعَّدَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَوَعَدَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ عَلَى مَا أَمَرَهُمْ
стр. 42
مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ الَّتِي هِيَ مَجَامِعُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ.
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) : أَحْوَالُ سَبَبِ الْعُمُومِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ وَدُخُولِ مَا بِهِ الْمُنَاسَبَةُ، أَمَّا دُخُولُ السَّبَبِ فَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ لِأَنَّ الْعَامَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِطَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْعُمُومُ، وَالثَّانِي كَوْنُهُ وَارِدًا لِبَيَانِ حُكْمِهِ. وَلِذَلِكَ رَدَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» أَنَّ الْفِرَاشَ الزَّوْجَةُ.
وَقَالَ: إنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ وَارِدٌ فِي أَمَةٍ وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ فِي قَضِيَّةِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، وَلِذَلِكَ لَمَّا بَالَغَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ السَّبَبِ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ يَقُولُ الْعِبْرَةُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَهُ. وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ غَيْرِهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ سَبَبَ النُّزُولِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: وَهَذَا عِنْدِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إذَا دَلَّتْ قَرَائِنُ حَالِيَّةٌ أَوْ مَقَالِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يَشْمَلُهُ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ لَا مَحَالَةَ وَإِلَّا فَقَدْ تَنَازَعَ الْخَصْمُ فِي دُخُولِهِ وَضْعًا تَحْتَ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَيَدَّعِي أَنَّهُ يَقْصِدُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْعَامِّ إخْرَاجَ السَّبَبِ وَبَيَانَ أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ فَإِنَّ لِلْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَقُولُوا فِي حَدِيثِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ: إنَّ قَوْلَهُ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي أَمَةٍ فَهُوَ وَارِدٌ لِبَيَانِ حُكْمِ ذَلِكَ الْوَلَدِ، وَبَيَانُ حُكْمِهِ إمَّا بِالثُّبُوتِ أَوْ بِالِانْتِفَاءِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْفِرَاشَ هِيَ الزَّوْجَةُ لِأَنَّهَا الَّتِي يَتَّخِذُهَا الْفِرَاشُ غَالِبًا وَقَالَ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» كَانَ فِيهِ حَصْرُ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْحُرَّةِ وَبِمُقْتَضَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلْأَمَةِ، فَكَانَ فِيهِ بَيَانُ الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا: نَفْيُ السَّبَبِ عَنْ الْمُسَبَّبِ وَإِثْبَاتُهُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَلِيقُ دَعْوَى الْقَطْعِ يَقِينًا، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ.
وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ نِزَاعٌ فِي أَنَّ اسْمَ الْفِرَاشِ هَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ أَوْ لِلْحُرَّةِ فَقَطْ؟ فَالْحَنَفِيَّةُ يَدَّعُونَ الثَّانِيَ، فَلَا عُمُومَ عِنْدَهُمْ لَهُ فِي الْأَمَةِ فَتَخْرُجُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ بَابِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْ بِخُصُوصِ السَّبَبِ إلَى مَا كُنَّا فِيهِ، نَعَمْ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ «هُوَ لَك يَا عَبْدُ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» بِهَذَا التَّرْكِيبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ عَلَى حُكْمِ السَّبَبِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْ قَوْلِهِ " الْفِرَاشُ " فَلْيُنَبَّهْ لِذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ تَحَقَّقَ دُخُولُهُ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ وَضْعًا، لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ كَوْنَ
стр. 43
اللَّفْظِ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ يَقْتَضِي دُخُولَهُ فِيهِ فَأَرَدْنَا أَنْ نُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ: إنَّمَا يَقْتَضِي بَيَانَ الْحُكْمِ وَإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنَّ دَعْوَى مَنْ ادَّعَى أَنَّ دَلَالَةَ الْعُمُومِ عَلَى سَبَبِهِ قَطْعِيَّةٌ يُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ فِيهَا بِالنِّزَاعِ فِي دُخُولِهِ تَحْتَ الْعَامِّ وَضْعًا لَا مُطْلَقًا وَالْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ السَّبَبِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ أَوْ لِخُرُوجِهِ عَنْهُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، هَذَا فِي السَّبَبِ، أَمَّا الْوَاقِعُ فِي مُنَاسَبَاتِ الْآيَاتِ كَمِثَالِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَضِيَّةُ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ وَارِدٌ بِهَا مِنْ قَوْلِهِ (الْأَمَانَاتِ) لَا شَكَّ فِيهِ لِمَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهُ السَّبَبُ.
وَأَمَّا إرَادَةُ الْيَهُودِ بِأَدَاءِ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْأَمَانَاتِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ كَالسَّبَبِ فَلَا يَخْرُجُ وَيَكُونُ مُرَادًا مِنْ الْآيَةِ قَطْعًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَا يَنْتَهِي فِي الْقُوَّةِ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ غَيْرَهُ؛ وَتَكُونُ الْمُنَاسَبَةُ لِشَبَهِهِ بِهِ وَالْمُنَاسَبَةُ أَقْرَبُ إلَى الْمُشَابَهَةِ، وَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَفْرَادِ مَا يُنَاسِبُهُ؛ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَقْرَبُ؛ فَصَارَ لَفْظُ " الْأَمَانَاتِ " تَتَفَاوَتُ دَلَالَتُهُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: إحْدَاهَا قِصَّةُ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ وَدَلَالَتُهُ عَلَيْهَا قَوِيَّةٌ جِدًّا قَطْعِيَّةٌ لِأَنَّ هُنَا اللَّفْظَ فِي الْأَمَانَاتِ مِنْ الْإِيرَادِ بَيَانُ حُكْمِ غَيْرِهِ.
الثَّانِيَةُ الْمُنَاسَبَةُ وَدَلَالَتُهُ عَلَيْهَا دُونَ الْأُولَى وَأَقْوَى مِنْ الْعُمُومِ الْمُجَرَّدِ.
الثَّالِثَةُ مَا سِوَاهُمَا مِنْ الْأَمَانَاتِ وَدَلَالَتُهُ عَلَيْهَا دَلَالَةُ الْعُمُومِ الْمُجَرَّدِ، وَلَا خِلَافَ هُنَا أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى السَّبَبِ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْ بِخُصُوصِ السَّبَبِ مَحِلُّهُ إذَا لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى الْعُمُومِ، وَهُنَا دَلَّتْ قَرِينَةٌ وَهِيَ الْعُدُولُ عَنْ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ إلَى الْجَمْعِ، فَإِنَّ سَبَبَ النُّزُولِ أَمَانَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَوْ أُرِيدَتْ وَحْدَهَا لَأَفْرَدَ اللَّفْظَ الدَّالَّ، فَلَمَّا جَمَعَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْعُمُومُ.
نَعَمْ مَنْ يُنْكِرُ الْعُمُومَ مِنْ الْوَاقِفَةِ وَيَقُولُ إنَّ الْعُمُومَ لَا صِيغَةَ لَهُ يَلِيقُ بِهِ التَّوَقُّفُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى مَا سِوَى السَّبَبِ فَلَا يَلِيقُ بِهِ التَّوَقُّفُ فِيهِ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَيْهِ لَا مِنْ جِهَةِ الْعُمُومِ بَلْ لِدَلَالَةِ الْجَوَابِ عَلَى السُّؤَالِ.
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) : الْحُكْمُ بِأَنَّ الْأَلْفَ وَاللَّامَ لِلْعُمُومِ بِشَرْطِهِ، فَإِذَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ مَعْهُودٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لِلْعَهْدِ، وَلَكِنَّ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا فِي الْآيَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ الْآنَ مِنْ الْعُدُولِ عَنْ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ إلَى الْجَمْعِ وَالْمَعْهُودُ مُفْرَدٌ لَا جَمْعٌ فَتَعَذَّرَ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْهُودِ. فَلِذَلِكَ نَقُولُ إنَّهُ لِلْعُمُومِ.
(الْوَجْهُ الْخَامِسُ) : فِي كَوْنِ الْعِبْرَةِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَقَدْ أُسْنِدَ الْخِلَافُ إلَيْهِ حَتَّى قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. الَّذِي صَحَّ عِنْدَنَا مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ، وَمَنْ يُطْلِقُ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّحْقِيقُ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ إمَّا أَنْ يَكُونَ
стр. 44
جَوَابًا لِسَائِلٍ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ جَوَابًا فَإِمَّا أَنْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ عَلَى حَسَبِ الْجَوَابِ إنْ كَانَ عَامًّا فَعَامٌّ وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فَخَاصٌّ، وَإِنْ اسْتَقَلَّ وَهُوَ عَامٌّ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لِأَنَّ عُدُولَ الْمُجِيبِ عَنْ الْخَاصِّ الْمَسْئُولِ عَنْهُ إلَى الْعَامِّ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْعُمُومِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لِسَائِلٍ؛ بَلْ وَاقِعَةً وَقَعَتْ فَإِمَّا أَنْ يَرِدَ فِي اللَّفْظِ قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ كَقَوْلِهِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَالسَّبَبُ رَجُلٌ سَرَقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ. فَالْإِتْيَانُ بِالسَّرِقَةِ مَعَهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَعْهُودِ. وَلِذَلِكَ جَمَعَ الْأَيْدِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّ هَذِهِ الْقَرِينَةُ، وَكَانَ مُعَرَّفًا بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْهُودِ إلَّا أَنْ يُفْهَمَ مِنْ نَفْسِ الشَّرْعِ تَأْسِيسُ قَاعِدَةٍ فَتَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ الْعُمُومُ بِأَيِّ لَفْظٍ غَيْرِ الْأَلْفِ وَاللَّامِ فَيَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ هَلْ يُعْتَبَرُ الْعُمُومُ أَوْ خُصُوصُ السَّبَبِ.
(الْوَجْهُ السَّادِسُ) : مَجِيءُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَفْصُولَةً بِغَيْرِ عَطْفٍ لِكَمَالِ الِانْفِصَالِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِانْفِصَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْأَوَّلِ قَدْ تَمَّ بِكَمَالِهِ وَلَا يَكُونُ الثَّانِي تَكْمِلَةً لَهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ.
(الْوَجْهُ السَّابِعُ) : مَجِيئُهَا مُؤَكَّدَةً بِأَنَّ دُونَ " اللَّامِ " إنَّمَا يُؤْتَى بِهَا مَعَ " إنْ " لِلرَّدِّ عَلَى مُنْكِرٍ وَلَا مُنْكِرَ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ تَأْكِيدَيْنِ وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّأْكِيدِ بِأَنَّ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْمَقْصُودِ وَلَمْ يُخْلِهَا مِنْ التَّأْكِيدِ بِالْكُلِّيَّةِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِ هَذَا الْحُكْم الْعَظِيمِ وَلِتَحْقِيقِهِ.
(الْوَجْهُ الثَّامِنُ) : قَوْلُهُ (يَأْمُرُكُمْ) هَلْ هُوَ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلنَّدَبِ؟ وَتَقَدَّمَ عَلَى ذَلِكَ مُقَدِّمَةٌ وَهِيَ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، وَالْقَوْلُ الْمَخْصُوصُ صِيغَةُ " أَفْعَلَ " وَقَدْ وَرَدَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى وَأَزْيَدَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضُوعِهِ عَلَى ثَمَانِيَةِ مَذَاهِبَ، أَصَحُّهَا أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ، هَذَا فِي صِيغَةِ " أَفْعَلَ " وَأَمَّا صِيغَةُ " أَلْفٍ مِيمٍ رَاءٍ " فَكَلَامُ الْإِمَامِ أَنَّهَا مِثْلُهَا، وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، فَعَلَى هَذَا (يَأْمُرُكُمْ) مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَتُهُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْوُجُوبِ بِعَيْنِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَمَانَاتِ لَكِنَّا نَعْلَمُ بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ وُجُوبَ كَثِيرٍ مِنْ الْأَمَانَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ
стр. 45
أُرِيدَ بِهِ الْوُجُوبُ. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّخْصِيصُ وَالْمَجَازُ؛ أَمَّا التَّخْصِيصُ فَلِأَنَّ بَعْضَ الْأَمَانَاتِ مَنْدُوبٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَأَمَّا الْمَجَازُ فَلِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْمَوْضُوعَ الْأَعَمَّ فِي الْمَعْنَى الْأَخَصِّ فَهُوَ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ؛ فَيَكُونُ مَجَازًا. وَهَذَا بَحْثٌ مُطَّرَدٌ فِي كُلِّ أَعَمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي أَخَصَّ. وَبَعْضُهُمْ يُفَصِّلُ فِيهِ فَيَقُولُ: إنْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ الْقَدْرِ الْأَعَمِّ فَهُوَ حَقِيقَةٌ؛ وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِهِ فَهُوَ مَجَازٌ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ الْقَدْرِ الْأَعَمِّ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ اسْتَعْمَلَ الْعَامَّ فِي الْخَاصِّ، وَقَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ فِي الِاسْتِعْمَالِ؛ فَهُوَ كَاسْتِعْمَالِ الْأَسَدِ فِي الشُّجَاعِ بِاعْتِبَارِ الشَّجَاعَةِ؛ وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْأَعَمِّ فَذَلِكَ إحَالَةٌ لِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي الْأَخَصِّ.
(الْوَجْهُ التَّاسِعُ) : الْكَافُ وَالْمِيمُ فِي ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ [النساء: ٥٨] خِطَابٌ يَدْخُلُ فِيهِ بِطَرِيقِ السَّبَبِ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي. وَيَدْخُلُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ كُلُّ مَنْ اُؤْتُمِنَ عَلَى شَيْءٍ أَوْ حَصَلَتْ فِيهِ أَمَانَةٌ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ الْمَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ إذَا قُلْنَا الْكَافِرُ مُكَلَّفٌ بِالْفُرُوعِ، وَمِنْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْخِطَابَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ الْمَوْجُودِينَ إذَا جَعَلْنَا الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ؛ وَعَقَلْنَاهُ بِالصَّبِيِّ وَمِمَّنْ يُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِذَا قُلْنَاهُ خِطَابُ الْمُوَاجِهَةِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ - كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي الْحُكْمِ لَا فِي اللَّفْظِ.
(الْوَجْهُ الْعَاشِرُ) : الْمُخَاطَبُونَ مَأْمُورُونَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا. فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُغَايِرَةِ بَيْنَ الْمُخَاطَبِينَ وَأَهْلِ الْأَمَانَاتِ إذَا جَعَلْنَا الْخِطَابَ شَامِلًا لِكُلِّ الْعِبَادِ، فَكَيْفَ تَقَعُ الْمُغَايِرَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْأَمَانَاتِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْخِطَابَ لِكُلِّ فَرْدٍ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِبَادِ مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إلَى أَهْلِهَا وَمَعَ هَذَا لَا يُمْتَنَعُ الْعُمُومُ فِيهَا. فَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُؤْتَمَنًا وَلَهُ أَمَانَةٌ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَأْمُورًا بِالْأَدَاءِ إلَيْهِ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) : قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ تُؤَدُّوا﴾ [النساء: ٥٨] مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيَأْمُركُمْ. وَأَصْلُهُ بِحَرْفِ الْجَرِّ، ثُمَّ تَوَسَّعَ فِيهِ وَعَدَّى الْفِعْلَ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ نَزْعِ الْخَافِضِ فَإِنْ ذَلِكَ شَاذٌّ وَهَذَا فَصِيحٌ؛ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي الْفِعْلِ لَا سِيَّمَا مَعَ " أَنَّ " وَ " أَنْ " فَإِنَّهُ يَكْثُرُ حَذْفُ الْجَرِّ مَعَهُمَا وَهَذَا الْفِعْلُ مَعَ الِاسْمِ هُوَ عَلَى الصَّرِيحِ فِي قَوْلِهِ: " أَمَرْتُك الْخَيْرَ " وَمَعْنَاهُ: بِالْخَيْرِ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِحَرْفِ الْجَرِّ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمَأْمُورِ غَيْرُ حَقِيقَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْمَأْمُورُ مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالْمَأْمُورُ بِهِ مَا اُسْتُدْعِيَ حُصُولُهُ مِنْ الْمَأْمُورِ؛ فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ فَكَانَ حَذْفُ الْبَاءِ مِنْ الثَّانِي تَوَسُّعًا لَا أَصَالَةً.
стр. 46
وَابْنُ عُصْفُورٍ عَدَّ أَفْعَالًا تَتَعَدَّى إلَى وَاحِدٍ بِنَفْسِهَا وَإِلَى الثَّانِي بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَهِيَ " أَصَارَ، وَاسْتَغْفَرَ، وَأَقَرَّ، وَسَمَّى، وَلَبَّى، وَدَعَا " وَزَادَ غَيْرُهُ " وَدَعَ، وَصَدَقَ " وَزَادَ غَيْرُهُمَا أَفْعَالًا أُخَرَ مِنْهَا " وَعَدَ، وَأَنْذَرَ " وَغَيْرَهُمَا، وَأَوْرَدَ ابْنُ عُصْفُورٍ عَلَى مَا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِحَرْفِ الْجَرِّ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ ضَعِيفًا قَوِيًّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَضْعَيْنِ.
(الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ) : مُقْتَضَى الْآيَةِ إذَا حَمَلْنَا الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ أَنْ يَجِبَ أَدَاءُ الْأَمَانَاتِ، وَالْفُقَهَاءُ قَالُوا: إنَّ الْوَاجِبَ فِي الْوَدِيعَةِ التَّمْكِينُ لَا التَّسْلِيمُ؛ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَدَاءِ الْقِيَامُ بِمَا يَجِبُ مِنْ أَمْرِهَا، وَذَلِكَ فِي الْوَدِيعَةِ حَاصِلٌ بِالتَّمْكِينِ وَالتَّخْلِيَةِ وَأَنْ لَا يَجْحَدَهَا وَلَا يَخُونَ فِيهَا وَلَا يُفَرِّطَ، لَكِنَّ اسْتِعْمَالَ الْأَدَاءِ فِي ذَلِكَ مَجَازٌ. وَأَمَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى جَوَابٍ آخَرَ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ. فَإِنَّ الْأَمَانَاتِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا غُسْلُ الْجَنَابَةِ، وَالْوُضُوءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ. فَلَوْ حَمَلْنَا الْأَدَاءَ عَلَى الرَّدِّ لَمْ يَطَّرِدْ فِي جَمِيعِ مَوَاضِعِهَا، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ الْقِيَامِ بِوَاجِبِهَا وَذَلِكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ.
(الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ) : مُقْتَضَى الْآيَةِ الْأَمْرُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ أَطَالَبَ بِهَا صَاحِبُهَا أَمْ لَا، لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يُطْلِقُوا ذَلِكَ. وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ الطَّلَبِ وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّيْنِ هَلْ يَجِبُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ الطَّلَبِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَتْ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ فِي الْأَمَانَةِ قَبْلَ الطَّلَبِ فَفِي الدَّيْنِ أَوْلَى فَيَحْسُنُ فِي الْآيَةِ أَنْ تُجْعَلَ دَلِيلًا لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، الْقَائِلُ بِوُجُوبِ أَدَاءِ الدَّيْنِ الْحَالِّ قَبْلَ طَلَبِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُهُ بِتَأْخِيرِهِ، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً فَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً وَجَبَ.
(الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ) : إذَا مَاتَ الْمُودَعُ وَلَمْ تُوجَدْ الْوَدِيعَةُ فِي تَرِكَتِهِ فَفِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ كَتَبْنَاهُ فِي تَصْنِيفٍ مُسَمًّى بِالصَّنِيعَةِ فِي ضَمَانِ الْوَدِيعَةِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْهُ أَنْ يَحْسُنَ أَنْ تُجْعَلَ حُجَّةً لِلتَّضْمِينِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَدَائِهَا وَلَمْ يَفْعَلْ وَفَاتَ بِمَوْتِهِ وَعَدَمِ وِجْدَانِهَا فَيَضْمَنُهَا فِي تَرِكَتِهِ.
(الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ) : قَوْلُهُ ﴿الأَمَانَاتِ﴾ [النساء: ٥٨] يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُؤَدِّي فَيَكُونُ قَدْ عَبَّرَ عَنْ الْمُؤْتَمَنِ بِالْأَمَانَةِ مَجَازًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ الْأَمَانَةِ، وَأَدَاؤُهَا هُوَ الْقِيَامُ بِوَاجِبِهَا لِأَنَّ الْأَمَانَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَالْأَمَانَةُ اسْمٌ إمَّا لِلِائْتِمَانِ وَإِمَّا لِقَبُولِ الْأَمَانَةِ وَكِلَاهُمَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ قَوْلُهُ " الْأَمَانَةَ " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
(السَّادِسَ عَشَرَ) : قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] يُرَجَّحُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا
стр. 47
الَّتِي تُوصَفُ بِأَنَّهُمْ أَهْلُهَا وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَنِسْبَتُهُ إلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ.
(السَّابِعَ عَشَرَ) : قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وَهُوَ يُوَافِقُ قَوْلَنَا أَنَّ الْأَمْرَ حَالَةَ الْمُبَاشَرَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا (لِتَحْكُمُوا) لِأَنَّ مَعْمُولَ الْمَصْدَرِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الظَّرْفِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَعْمُولٌ (لِحَكَمْتُمْ) كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ فِي " إذَا " حَيْثُ وَقَعَتْ شَرْطًا. وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ هُنَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ جَوَابٍ. وَجَوَابُهَا إنَّمَا يَكُونُ جُمْلَةً، وَقَوْلُهُ (أَنْ تَحْكُمُوا) لَيْسَ بِجُمْلَةٍ فَلَا يُصْلَحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ هُنَا ظَرْفِيَّةً وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُ (أَنْ تَحْكُمُوا) جُمْلَةً كَمَا لَوْ قَالَ: وَإِذَا حَكَمْتُمْ فَاحْكُمُوا بِالْعَدْلِ كَانَ الْكَلَامُ فِي الْعَامِلِ فِي " إذَا " عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ، هَلْ هُوَ الْجَوَابُ أَوْ الْفِعْلُ الْمُضَافُ إلَيْهِ " إذَا " هَذَا مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَالْحُكْمُ بِالْعَدْلِ مَأْمُورٌ بِهِ بِمُقْتَضَى الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي هُوَ أَدَاءُ الْأَمَانَاتِ، فَيَكُونُ مَضْمُونُهَا مَأْمُورًا بِهِ أَيْضًا، وَمَضْمُونُهَا هَلْ هُوَ الْجَوَابُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ الْمَشْرُوطُ، أَوْ هُوَ رَبْطُ الْجَوَابِ بِالشَّرْطِ فَيَكُونُ غَيْرَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ.
(الثَّامِنَ عَشَرَ) : " الْعَدْلُ " مَصْدَرُ عَدَلَ يَعْدِلُ عَدْلًا؛ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ. فَإِنَّ الْعَدْلَ قَدْ يَكُونُ قَوْلًا غَيْرَ حُكْمٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] فَالْإِقْرَارُ بِالْحَقِّ عَدْلٌ وَلَيْسَ بِحُكْمٍ، وَالْحُكْمُ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا وَقَدْ يَكُونُ جَوْرًا. (التَّاسِعَ عَشَرَ) الْبَاءُ فِي " بِالْعَدْلِ " لِلِاسْتِعَانَةِ وَقَدْ يُقَالُ: الِاسْتِعَانَةُ أَوْ السَّبَبِيَّةُ إنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى شَيْءٍ مُغَايِرٍ لِلْفِعْلِ يُسْتَعَانُ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ يَكُونُ سَبَبًا فِيهِ؟ وَالْحُكْمُ لَيْسَ خَارِجًا مِنْ الْعَدْلِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْعَدْلُ سَبَبًا أَوْ مُسْتَعَانًا بِهِ فِيهِ؟ وَالْجَوَابُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ نَقُولَ: لَمَّا كَانَ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ عَدْلٌ نَوْعًا مِنْ الْحُكْمِ وَالنَّوْعُ أَخُصُّ مِنْ الْجِنْسِ وَالْأَخَصُّ غَيْرُ الْأَعَمِّ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ سَبَبًا فِي حُصُولِ الْأَعَمِّ أَوْ مُسْتَعَانًا بِهِ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِك: تَحَرَّكْت بِالْقِيَامِ. وَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ الْعَدْلُ قَدْ نُقِلَ عَنْ الْمَصْدَرِ إلَى الْمُفْضِي بِهِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ " الْقَوْلُ " " وَالْكَلَامُ " " وَاللَّفْظُ " وَمَا أَشْبَهَهَا تَارَةً وَيُرَادُ بِهَا نَفْسُ اللَّفْظِ وَهُوَ الْمَصْدَرُ، وَتَارَةً يُرَادُ بِهَا الْمَلْفُوظُ بِهِ فَلَا يَكُونُ مَصْدَرًا وَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ الْبَاءُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِك: تَكَلَّمْت بِكَلَامٍ. وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦] .
(الْعِشْرُونَ) : قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] هِيَ
стр. 48
نِعْمَ " وَ " مَا " أُدْغِمَتْ إحْدَى الْمِيمَيْنِ فِي الْأُخْرَى وَالْتُزِمَ كَسْرُ الْعَيْنِ لِأَجْلِ ذَلِكَ انْتَهَى.
قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ وَلَدُهُ تَاجُ الدِّينِ سَلَّمَهُ اللَّهُ هَذَا آخَرُ مَا وَجَدْته بِخَطِّ سَيِّدِي وَالِدِي أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ رَأَيْته بِخَطِّهِ فِي بَعْضِ الْمُسْوَدَّاتِ. وَقَدْ عُدِمَ بَاقِيهِ، وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: إذَا حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي خَصْمَانِ وَظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَقَدْ يَكُونُ الَّذِي ظَهَرَ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَبِيرًا يَخْشَى الْقَاضِي مِنْهُ وَهُوَ يَأْبَى قَبُولَ الْحَقِّ فَلَا يَخْلُصُ الْقَاضِي مِنْ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ، هَذَا شَيْءٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ فِي حَالَةِ حُكْمِهِ عَلَى مَرَاتِبَ أَحْسَنِهَا أَنْ يَسْتَحْضِرَ عَظَمَةَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَعَظَمَةَ أَمْرِهِ وَحَقَارَةَ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ عَبْدٌ حَقِيرٌ لَا يَزِنُ جُزْءًا مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ أَمَرَهُ رَبٌّ جَلِيلٌ قَاهِرٌ مَالِكٌ لِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَمِيعِ جَوَارِحِهِ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ بِكُلِّ مَا يَشَاءُ وَهُوَ حَاضِرٌ مَعَهُ قَدْ غَمَرَتْهُ هَيْبَتُهُ قَائِلٌ لَهُ اُحْكُمْ؛ فَلَا يَسَعُهُ إلَّا امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَتَنْفِيذُ حُكْمِهِ وَلَا يَسْتَحْضِرُ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ.
(الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى الْحُكْمِ شَفَقَتَهُ عَلَيْهِ وَإِنْقَاذَهُ مِنْ الظُّلْمِ وَهِيَ حَالَةٌ حَسَنَةٌ أَيْضًا فِيهَا نَصْرُهُ وَهُوَ مَنْعُهُ مِنْ الظُّلْمِ، وَالشَّفَقَةُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ مِنْ خَيْرِ الْخِصَالِ وَلَكِنَّ الْحَالَةَ الْأُولَى أَكْمَلُ (الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ) أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى الْحُكْمِ مَا يَرْجُوهُ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ عَلَى الْحُكْمِ وَيَخْشَاهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ وَهِيَ حَالَةٌ حَسَنَةٌ دُونَ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ. وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ لَا يُخْشَى عَلَيْهِ فِيهَا. (الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ) أَنْ يُقَوِّيَ نَفْسَهُ بِالْحَقِّ عَلَى ذَلِكَ الْكَبِيرِ لِكَوْنِهِ عَلَى الْبَاطِلِ، فَإِنَّ لِلْحَقِّ صَوْلَةً وَقُوَّةً وَهُوَ مَلِيحٌ إذَا تَجَرَّدَ وَخُلِّصَ لِلَّهِ. لَكِنْ يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ لِأَنَّهَا تُحِبُّ الْعُلُوَّ فَتُدَاخِلُ الْأَمْرَ الدِّينِيَّ الْأَمْرُ النَّفْسَانِيَّ فَالسَّلَامَةُ أَوْلَى. (وَحَالَةٌ خَامِسَةٌ) وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ بِالْحَقِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْضَارِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ حَسَنَةٌ أَيْضًا أَحْسَنُ مِنْ الْحَالَةِ الرَّابِعَةِ وَدُونَ الثَّالِثَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَمَا أَظُنُّ بَقِيَ مِنْ الْأَحْوَالِ شَيْءٌ. هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَاضِي الْعَادِلِ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى قَاضِيًا، أَمَّا الْفَاجِرُ الَّذِي يُرَاعِي الْكَبِيرَ فَيَمْتَنِعُ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ الْحُكْمِ لَهُ وَلَكِنْ بَعْدَ مَا ظَهَرَتْ مَخَايِلُهُ فَرَاعَى الْكَبِيرَ فَدَفَعَ الْخُصُومَةَ لَا لِإِشْكَالِهَا مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ لِخَشْيَةِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ مُعَادَاةِ الْكَبِيرِ، فَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ صِفَاتِ الْقُضَاةِ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا قَلِيلُ الدِّينِ وَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ خِذْلَانُ الْمَظْلُومِ الْوَاجِبِ نَصْرُهُ وَامْتِنَاعٌ مِنْ الْحُكْمِ وَالنَّظَرِ فِيهِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَالْمُمَالَأَةُ عَلَى الظُّلْمِ، وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ ظُهُورِ الْحُكْمِ قَبْلَ قِيَامِ الْحُجَّةِ
стр. 49
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَارَةً يَكُونُ الْحُكْمُ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَلَكِنَّ مَذْهَبَ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ وَقَدْ تَرَكَهُ الْقَاضِي لَا لِلَّهِ بَلْ لِلْكَبِيرِ، وَهَذَا حَرَامٌ، وَتَارَةً يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَيَكُونُ تَرْكُهُ لِمَا قُلْنَا وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ تَرْكُهُ غَيْرُ مُسْتَحِلٍّ فَهَذَا أَشَدُّ تَحْرِيمًا وَلَا يَكْفُرُ، وَتَارَةً مَعَ ذَلِكَ يَسْتَحِلُّ فَيَكْفُرُ. وَالتَّحْرِيمُ فِي الْمَرَاتِبِ الْأَرْبَعِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَحِلُّهُ إذَا كَانَ الْقَاضِي مُتَمَكِّنًا أَمَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ ظَالِمٌ يَمْنَعُ مِنْ الْحُكْمِ بِحَيْثُ يَصِلُ الْأَمْرُ إلَى حَدِّ الْإِكْرَاهِ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ التَّحْرِيمُ، وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الْخَامِسَةُ وَهِيَ الِاسْتِحْلَالُ فَإِنَّهُ أَمْرٌ قَلْبِيٌّ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ فَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ كَلَامِهِ عَلَى الْآيَةِ كَتَبْنَاهُ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: لَا شَكَّ أَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَقَوْلُهُ " بِزَعْمِهِمْ " إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ مِنْ التَّقْسِيمِ، وَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: هَذَا لِلَّهِ وَحْدَهُ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا؛ فَلَمَّا أَشْعَرَ صَدْرُ كَلَامِهِمْ بِالْقِسْمَةِ الْبَاطِلَةِ أَرْدَفَ الصَّدْرَ بِقَوْلِهِ " بِزَعْمِهِمْ " أَوْ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الَّذِي لِلَّهِ هُوَ الْأَرْدَأُ، فَلَوْ خَطَرَ فِي قُلُوبِهِمْ هَذَا ذَلِكَ مَعَ الْوَصْفِ الرَّدِيءِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ جَعْلِهِمْ وَقَوْلِهِمْ.
وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْ يَقُولُ: الصِّفَةُ إذَا تَوَسَّطَتْ تَعَلَّقَتْ بِالْجَمِيعِ لِأَنَّ " بِزَعْمِهِمْ " حُكْمُهُ حُكْمُ الصِّفَةِ؛ وَقَدْ تَوَسَّطَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ (هَذَا لِلَّهِ) وَقَوْلِهِمْ (هَذَا لِشُرَكَائِنَا) وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالصَّوَابُ اخْتِصَاصُ الصِّفَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ بِمَا قَبْلَهَا وَكَذَا مَفْهُومُ اللَّقَبِ ضَعِيفٌ. وَإِنَّمَا سَبَبُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّقْسِيمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: ظَنُّوا أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ لِلَّهِ بِقَوْلِهِمْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ " بِزَعْمِهِمْ " وَهُوَ لِلَّهِ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ قَوْلِهِمْ. فَقَوْلُهُمْ لَمْ يَفْدِ شَيْئًا إلَّا وَبَالًا عَلَيْهِمْ وَتَقْسِيمًا بَاطِلًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ " بِزَعْمِهِمْ " لَمْ يُتَوَسَّطْ بَيْنَ كَلَامِهِمْ مِنْ لَفْظِهِمْ حَتَّى يَكُونَ كَالصِّفَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ كَلَامِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّ " بِزَعْمِهِمْ " لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ (فَقَالُوا) مُتَوَسِّطًا بَيْنَ جُزْأَيْ مَفْعُولِ " قَالُوا " اللَّذَيْنِ هُمَا " هَذَا لِلَّهِ " وَ " هَذَا لِشُرَكَائِنَا " فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِك: قَالَ زَيْدٌ هَذَا الدِّرْهَمُ لِي بِزَعْمِهِ وَهَذَا لِشَرِيكِي وَيَكُونُ زَيْدٌ كَاذِبًا فِي قَوْلِهِ: هَذَا لِشَرِيكِي وَصَادِقًا فِي الْآخَرِ، فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُهُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ جُزْأَيْ مَعْمُولِهِ، فَلَيْسَ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا. وَإِنَّمَا هِيَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ فِيهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ، فَيَتَّجِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ بِهِ كُلُّهُ مُتَعَلِّقًا بِهِ وَيَكُونُ لِتَوَسُّطِهِ مَعْنًى لِأَجْلِهِ لَمْ يَتَقَدَّمْ وَلَمْ يَتَأَخَّرْ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ
стр. 50
الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لَمَّا كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى مِلْكًا وَاسْتِحْقَاقًا وَخَلْقًا وَجَعَلُوا هُمْ لَهُ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا هُوَ إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ، ثُمَّ إنَّهُمْ إذَا صَارَ جَيِّدًا نَقَلُوهُ إلَى آلِهَتِهِمْ وَإِذَا صَارَ الَّذِي لِآلِهَتِهِمْ بِزَعْمِهِمْ رَدِيئًا نَقَلُوهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ هَذِهِ الْقَبَائِحَ فَكَانَ جَعْلُهُمْ ذَلِكَ قَبِيحًا وَقَوْلُهُمْ قَبِيحًا، فَتَوَسَّطَتْ النِّسْبَةُ إلَى زَعْمِهِمْ فِي وَسَطِ كَلَامِهِمْ لِيَعْطِفَ عَلَى أَوَّلِهِ آخِرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى يَسْأَلُك النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ]
(آيَةٌ أُخْرَى) :
قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ " قُلْ " أَكْثَرُ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ هَكَذَا بِغَيْرِ فَاءٍ، وَفِي طَه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ﴾ [طه: ١٠٥] عَلَى مَعْنَى: إنْ يَسْأَلُوك فَقُلْ، وَإِنَّمَا جَاءَ كَذَلِكَ لِأَنَّ قَبْلَهُ ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ١٠٠] وَوَصَفَهُ وَهُوَ أَثَرٌ مُسْتَقْبَلٌ، فَلَمْ يَكُنْ السُّؤَالُ وَقَعَ. وَلَكِنْ جَرَى سَبَبُهُ. وَفِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ كَانَ السُّؤَالُ وَقَعَ انْتَهَى.
قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ مَا نَصُّهُ: الْفَرْقُ بَيْنَ " جَعَلَ " وَ " خَلَقَ " أَنَّ " جَعَلَ " تَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ إذَا كَانَتْ بِمَعْنَى صَيَّرَ وَتَتَعَدَّى لِمَفْعُولٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَتْ بِمَعْنَى خَلَقَ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنَّ " جَعَلَ " فِيهَا مَعْنَى التَّضْمِينِ وَفِي نُسْخَةٍ " التَّصْيِيرِ " تَقُولُ جَعَلَ كَذَا مِنْ كَذَا.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] قُلْت هَذَا مَعْنًى حَسَنٌ، وَأَزِيدُ فِي تَقْرِيرِهِ أَنَّ " جَعَلَ " يَنْفَكُّ عَنْهَا مَعْنَى التَّصْيِيرِ. وَلَكِنَّ النِّسْبَةَ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِذَا قُلْت جَعَلْت الطِّينَ خَزَفًا فَمَعْنَاهُ صَيَّرْت الطِّينَ خَزَفًا فَأَرَدْت بَيَانَ حَالِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ إلَى الْمَنْقُولِ إلَيْهِ، وَإِذَا أَرَدْت إفَادَةَ الْحَالِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ تَقُولُ جَعَلْت الْخَزَفَ مِنْ الطِّينِ أَيْ صَيَّرْته مِنْهُ. فَالْأَوَّلُ يَتَعَدَّى إلَى الْمَفْعُولَيْنِ. وَالثَّانِي إلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَكِلَاهُمَا لَمْ يُفَارِقْ مَعْنَى التَّصْيِيرِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا قُلْته إنْ اخْتَصَرْت، تَقُولُ اخْتَصَرَ النَّوَوِيُّ الْمُحَرَّرَ فِي الْمِنْهَاجِ، وَتَقُولُ اخْتَصَرَ الْمِنْهَاجَ مِنْ الْمُحَرَّرِ. فَهَذِهِ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ قَصُرَ كَلَامُ النُّحَاةِ عَنْهَا. وَلَمْ يُفْصِحْ بِهَا الزَّمَخْشَرِيُّ. وَإِنْ كَانَ نَبَّهَ عَلَى أَصْلِ الْمَعْنَى، وَيَجْتَمِعُ مَعَنَا ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ " الْجَعْلُ " وَقَدْ عُرِفَ مَعْنَاهُ وَ " الْخَلْقُ " وَهُوَ أَعَمُّ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ مَعَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١] وَبِدُونِهِ كَقَوْلِهِ «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ» وَ " الْإِبْدَاعُ " وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ
стр. 51
وَبَيْنَ الْخَلْقِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَهُ حَظٌّ مِنْ الْمِسَاحَةِ لِمَا فِي الْخَلْقِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّقْدِيرِ، وَالْإِبْدَاعُ يَتَعَلَّقُ بِمَا لَا حَظَّ لَهُ فِي الْمِسَاحَةِ، وَهِيَ الْمَعَانِي الْمُجَرَّدَةُ وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُ الْمُجَرَّدَاتِ الْمُمْكِنَاتِ وَهُمْ الْحُكَمَاءُ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى أُولَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ وَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى مَسْأَلَةِ " أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " جَرَّ إلَيْهِ الْكَلَامُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَسَّرَ لَنَا الْعِلْمَ وَأَعَانَنَا عَلَيْهِ، وَنَصَرَنَا بِطَرِيقِ الْهُدَى وَأَرْشَدَنَا إلَيْهِ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي حَصَّلَ لَنَا كُلَّ خَيْرٍ مِنْ فَيْضِ يَدَيْهِ؛ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وَبَعْدُ فَقَدْ عَلِمْت مَا ذَكَرْته وَفَّقَكَ اللَّهُ مِنْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَكَلَّمُوا فِي مَسْأَلَةِ " أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَقَالُوا إنَّ الشَّافِعِيَّةَ يُكَفِّرُونَ بِذَلِكَ. وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فَإِنَّ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْخِلَافِ مَا يُفْضِي إلَى تَكْفِيرٍ وَلَا تَبْدِيعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافٌ فِي الْفُرُوعِ فَإِنَّهُمْ جَمِيعُهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَالْخِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ إنَّمَا يَجْرِي فِي مَسْأَلَةٍ فَرْعِيَّةٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ يَرْجِعُ الْخِلَافُ فِيهَا إلَى أَمْرٍ لَفْظِيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كُفْرٌ وَلَا بِدْعَةٌ. نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا بَلَغَنِي مَقَالَتَهُ تَأَلَّمْت لِذَلِكَ وَاسْتَهْجَنْت قَوْلَ قَائِلِهِ وَعَذَرْته بَعْضَ الْعُذْرِ لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ شَاكٍّ فِي إيمَانِهِ وَأَرَادُوا بِذَلِكَ هَذَا الْكَلَامَ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لِقَائِلِهِ إنَّمَا صَدَرَ مِنْ مُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ إذَا حَقَّقَ الْبَحْثَ مَعَهُمْ رَجَعَ إلَى أَمْرٍ لَفْظِيٍّ، وَمَا أَرَادُوهُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَرْجِعُ إلَى مَا اعْتَقَدُوهُ مِمَّنْ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ. وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا أَرَادُوهُ بِهِ. وَأَئِمَّتُهُمْ الْمُتَقَدِّمُونَ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْهُمْ ذَلِكَ. وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵁ وَإِنْ كَانَ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ إنْكَارُ قَوْلِ الْمُؤْمِنِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ مِثْلُ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَكَيْفَ يَقُولُ ذَلِكَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الَّذِي هُوَ أَصْلُ مَذْهَبِهِ وَشَيْخُ شَيْخِ شَيْخِ شَيْخِهِ قَدْ اُشْتُهِرَ عَنْهُ ذَلِكَ. وَلَقَدْ كَانَ أَوَّلُ مَا عَلِمْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَأَنَا صَبِيٌّ، رُبَّمَا كَانَ عُمْرِي عَشْرَ سِنِينَ، رَأَيْتهَا فِي كِتَابِ الْمَعَالِمِ لِلْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ بْنِ الْخَطِيبِ مَنْسُوبَةً إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَقَوْلُهُ " أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " ثُمَّ اطَّلَعْت عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ الْأَشْعَرِيَّةُ وَالْكُلَّابِيَّةُ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَكَانَ صَاحِبُهُ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيَّ
стр. 52
مُقِيمًا فِي عَسْقَلَانَ فَشُهِرَ ذَلِكَ فِي الشَّامِ عَنْهُ وَأَخَذَهُ عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ مَرْزُوقٍ، فَزَادَ أَصْحَابُهُ الْمَشْهُورُونَ الْيَوْمَ بِالْمَرَازِقَةِ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الِاسْتِثْنَاءَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ بِدْعَةٌ وَضَلَالٌ، أَعْنِي مَا زَادُوهُ. وَأَمَّا الْأَصْلُ وَهُوَ " أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " فَهُوَ صَحِيحٌ وَالنَّاسُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ، مِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُهُ وَيَمْنَعُ الْقَطْعَ بِقَوْلِهِ " أَنَا مُؤْمِنٌ " وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُهُ وَيُوجِبُ الْقَطْعَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَوِيلٌ يَحْتَاجُ إلَى مَوَادَّ كَثِيرَةٍ، وَقَوَاعِدَ مُنْتَشِرَةٍ، وَقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَفِكْرٍ مُسْتَقِيمٍ، وَمُخَاطَبَةِ مَنْ يَفْهَمُ عَنْك مَا تَقُولُ، وَيُعَانِي مِثْلَ مَا تُعَانِيهِ فِي الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَارْتِيَاضٍ فِي الْعُلُومِ وَاعْتِدَالٍ فِي الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ، وَطَبِيعَةٍ وَقَّادَةٍ وَقَرِيحَةٍ مُنْقَادَةٍ، وَتَجَرُّدٍ فِي عِلْمِ الطَّرِيقِ وَالسُّلُوكِ، وَتَقْوَى وَتَذَكُّرٍ إذَا عَرَضَ مَسٌّ مِنْ الشَّيْطَانِ فَيَصْبِرُ مَا تَنْزَاحُ بِهِ عَنْهُ الشُّكُوكُ وَقَدْ يَأْتِي فِي مَبَاحِثِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا أَضْمَنُ بِهِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ لِقِلَّةِ مَنْ يَفْهَمُهُ أَوْ يَسْلَمُ فِي الْمُعْتَقَدِ، لَكِنِّي أَرْجُوهُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُوَفِّقَك لِفَهْمِهِ وَيَعْصِمَكَ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَدٌ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسْتَمَدُّ مِنْ مَسَائِلَ إحْدَاهَا تَحْقِيقُ مَعْنَى الْإِيمَانِ وَقَدْ صَنَّفْت فِيهِ مُجَلَّدَاتٍ وَيَكْفِي قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» وَذَكَرَ اللُّغَوِيُّونَ قَوْلَيْنِ فِي " أَنْ تُؤْمِنَ " وَمَعْنَى الْإِيمَانِ. أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنْ تُصَدِّقَ. وَالْبَاءُ لِلتَّعَدِّيَةِ. فَالْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ. وَالثَّانِي أَنْ تُؤَمِّنَ نَفْسَك مِنْ الْعَذَابِ. وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ السَّبَبِيَّةِ. فَالْإِيمَانُ جَعْلُ النَّفْسَ آمِنَةً بِسَبَبِ اعْتِقَادِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَظْهَرُ جَوَازُ الِاسْتِثْنَاءِ. لِأَنَّ الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَشْرُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ بِلَا إشْكَالٍ. وَتَخْرِيجُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَمْ أَجِدْهُ مَنْقُولًا وَإِنَّمَا ذَكَرْته وَهَذَا الْقَوْلُ فِي اللُّغَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُونَ. وَلَكِنَّ الْوَاحِدِيَّ ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِهِ. وَنَاهِيك بِهِ فَفَرَّعْت أَنَا عَلَيْهِ هَذَا الْجَوَابَ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) هَلْ الْأَعْمَالُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ أَوْ خَارِجَةٌ عَنْهُ؟ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْهُ.
وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَلَى أَلْسِنَةِ السَّلَفِ دُخُولُ الْأَعْمَالِ وَهَا هُنَا احْتِمَالَاتٌ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا أَنْ تَجْعَلَ الْأَعْمَالَ مِنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ دَاخِلَةً فِي مَفْهُومِهِ دُخُولَ الْأَجْزَاءِ الْمُقَوَّمَةِ حَتَّى يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ
стр. 53
لَمْ يَقُلْ بِهِ السَّلَفُ؛ بَلْ قَالُوا خِلَافَهُ، وَالثَّانِي: أَنْ تَجْعَلَ أَجْزَاءً دَاخِلَةً فِي مَفْهُومِهِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُهُ، فَإِنَّ الْأَجْزَاءَ عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْهَا مَا لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الذَّاتِ كَالشَّعْرِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ لِلْإِنْسَانِ وَالْأَغْصَانِ لِلشَّجَرَةِ. فَاسْمُ الشَّجَرَةِ صَادِقٌ عَلَى الْأَصْلِ وَحْدَهُ. وَعَلَيْهِ مَعَ الْأَغْصَانِ وَلَا يَزُولُ بِزَوَالِ الْأَغْصَانِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ لَهُ كَلَامُ السَّلَفِ. وَقَوْلُهُمْ " الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ " فَلَمْ يَجْتَمِعْ هَذَانِ الْكَلَامَانِ إلَّا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَمِنْ هُنَا قَالَ النَّاسُ " شُعَبُ الْإِيمَانِ " جَعَلُوا الْأَعْمَالَ لِلْإِيمَانِ كَالشُّعَبِ لِلشَّجَرَةِ. وَقَدْ مَثَّلَ اللَّهُ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ وَهُوَ أَصْدَقُ شَاهِدٍ لِذَلِكَ، الثَّالِثُ أَنْ تَجْعَلَ الْآثَارَ آثَارًا خَارِجَةً عَنْ الْإِيمَانِ لَكِنَّهَا مِنْهُ وَبِسَبَبِهِ. وَإِذَا أُطْلِقَ عَلَيْهَا فَبِالْمَجَازِ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ. وَهُوَ قَرِيبٌ لَكِنَّ الَّذِي قَبْلَهُ أَقْرَبُ إلَى كَلَامِ السَّلَفِ وَظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، الرَّابِعُ. أَنْ يُقَالَ أَنَّهَا خَارِجَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ لَا تُطْلَقُ عَلَيْهَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا.
وَهَذَا بَاطِلٌ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ، وَالْمُخْتَارُ الْقَوْلُ الثَّانِي. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ مَوْضُوعٌ شَرْعًا لِلْمَعْنَى الْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ دُونَ الْعَمَلِ. وَالِاعْتِقَادِ وَحْدَهُ بِشَرْطِ الْقَوْلِ، فَإِذَا عُدِمَ الْعَمَلُ لَمْ يُعْدَمْ الْإِيمَانُ وَإِذَا عُدِمَ الْقَوْلُ لَمْ يُعْدَمْ الْإِيمَانُ وَلَكِنْ عَدِمَ شَرْطُهُ فَيُعْدَمُ لِعَدَمِ شَرْطِهِ. وَإِذَا عُدِمَ الِاعْتِقَادُ عُدِمَ الْجَمِيعُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَإِذَا قُلْنَا: الْأَعْمَالُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ كَانَ دُخُولُ الِاسْتِثْنَاءِ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ غَيْرُ حَازِمٍ بِكَمَالِ الْأَعْمَالِ عِنْدَهُ، وَبِهَذَا يُشْعِرُ كَلَامُ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ، وَأَنَّهُمْ إذَا اسْتَثْنُوا فَإِنَّمَا اسْتَثْنُوا لِذَلِكَ؛ لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْأَعْمَالِ، وَقَدْ قُلْنَا إنَّهُ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَعَلَيْهِ يَلْزَمُ أَنَّ مَنْ فَقَدَ الْأَعْمَالَ يُجْزَمُ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ إلَّا أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِمَّا أَنْ نَقُولَ إنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ صَادِقَةٌ عَلَى الْقَلِيلِ وَهُوَ مُجَرَّدُ الِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ وَالْكَثِيرِ وَهُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ الْأَعْمَالُ، وَلَهَا مَرَاتِبُ أَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَمُؤْمِنٌ اسْمُ فَاعِلٍ مُشْتَقٌّ مِنْ مُطْلَقِ الْإِيمَانِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ وُجُودُ أَعْلَى مَرَاتِبِهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْإِيمَانِ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ فَيَصِحُّ، وَأَمَّا أَصْلُ الْإِيمَانِ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ عِنْدَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ السَّلَفَ إنَّمَا اسْتَثْنُوا لِاعْتِقَادِهِمْ دُخُولَ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَالْوَجْهُ أَنْ يُضَافَ إلَى ذَلِكَ إطْلَاقُ قَوْلِهِمْ أَنَا مُؤْمِنٌ " يَقْتَضِي أَنَّهُ جَامِعٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. فَلِذَلِكَ اسْتَثْنُوا وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) أَنَّ الْإِيمَانَ إنَّمَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ إذَا مَاتَ عَلَيْهِ. فَمَنْ مَاتَ كَافِرًا
стр. 54
لَمْ يَنْفَعْهُ إيمَانُهُ الْمُتَقَدِّمُ، وَهَلْ نَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ إيمَانًا لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِيمَانِ أَنْ لَا يَعْقُبَهُ كُفْرٌ أَوْ كَانَ إيمَانًا وَلَكِنْ بَطَلَ فِيمَا بَعْدُ لِطَرَيَانِ مَا يُحْبِطُهُ؛ أَوْ كَانَ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ إيمَانًا صَحِيحًا مَوْقُوفًا عَلَى الْخَاتِمَةِ؛ كَمَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَى تَمَامِهَا لِأَنَّهُمَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ يَرْتَبِطُ أَوَّلُهَا بِآخِرِهَا، فَيَفْسُدُ أَوَّلُهَا بِفَسَادِ آخِرِهَا فَخَرَجَ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي ذَلِكَ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ.
وَالثَّانِي ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ لَهُ حَيْثُ حَكَمَ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يُحْبَطُ عَمَلُهُ إذَا مَاتَ كَافِرًا. وَالثَّالِثُ اقْتَضَاهُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ. وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَقْوَالِ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ لِلْجَهْلِ بِالْعَاقِبَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ إمَّا فِي الْأَصْلِ. وَإِمَّا فِي التَّدَيُّنِ، وَإِمَّا فِي النَّفْعِ وَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إلَى أَصْلِ الْإِيمَانِ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِيهِ. وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا حُصُولُ الشَّكِّ فِيهِ؛ وَيَرُدُّ مَا أَوْرَدَهُ الْمُخَالِفُ مِنْ التَّشْنِيعِ وَتَسْمِيَتِهِمْ الطَّائِفَةَ الْمَشِيئِيَّةَ بِالْمُتَشَكِّكَةِ لَكِنَّ هَذَا شَكٌّ لَا حِيلَةَ لِلْعَبْدِ فِيهِ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْخَاتِمَةِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ. وَلَيْسَ شَكًّا فِي اعْتِقَادِهِ الْحَاصِلِ الْآنَ، نَعَمْ هُوَ شَكٌّ فِي كَوْنِهِ نَافِعًا وَصَحِيحًا وَيُسَمَّى عِنْدَ اللَّهِ إيمَانًا وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ جَازِمًا بِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا فِي قُدْرَتِهِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَقْصِيرٍ وَلَا ارْتِيَابٍ عِنْدَهُ فِيهِ.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) وَلَمْ أَجِدْ مَنْ تَعَرَّضَ لِلتَّخْرِيجِ عَلَيْهَا غَيْرِي، وَهِيَ الَّتِي أَشَرْت إلَى قِلَّةِ مَنْ يَفْهَمُهَا وَاحْتِيَاجِ سَامِعِهَا لِتَثَبُّتٍ فِي الْفَهْمِ بِتَوْفِيقٍ مِنْ اللَّهِ فِي السَّلَامَةِ أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْإِيمَانَ التَّصْدِيقُ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ الْأَعْمَالِ إلَيْهِ. وَلَا الْأَمْنِ مِنْ الْعَذَابِ بِسَبَبِهِ، وَلَا اشْتِرَاطِ الْخَاتِمَةِ فِي مُسَمَّاهُ، فَنَقُولُ التَّصْدِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُصَدَّقِ بِهِ وَهُوَ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ «اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ» وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْمُصَدَّقِ بِهَا، فَلَا بُدَّ فِي التَّصْدِيقِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ. وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبَغَوِيّ أَبُو الْقَاسِمِ مِنْ حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي اسْتَقْبَلَهُ شَابٌّ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَيْفَ أَصْبَحْت يَا حَارِثُ؟ قَالَ أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ حَقًّا قَالَ اُنْظُرْ مَا تَقُولُ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنْ الدُّنْيَا فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي وَكَأَنِّي بِعَرْشِ رَبِّي بَارِزًا وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا. قَالَ أَبْصَرْت
стр. 55
فَالْزَمْ عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُدْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَهَذَا الْحَدِيثُ تَذْكُرُهُ الصُّوفِيَّةُ كَثِيرًا وَهُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ مِنْ جِهَةِ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ.
وَهُوَ شَاهِدٌ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا جَوَازُ إطْلَاقِ " أَنَا مُؤْمِنٌ " مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ. وَالثَّانِي الْإِشَارَةُ إلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ. وَالْمَعْرِفَةُ يَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِيهَا تَفَاوُتًا كَثِيرًا. فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَعْرِفَةُ وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَصِفَاتِهِ أَمَّا ذَاتُهُ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْبَشَرِ؛ وَوُجُودُهُ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَوَحْدَانِيُّتُهُ مَعْلُومَةٌ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَصِفَاتُهُ يَتَفَاوَتُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَعْرِفَتِهَا. وَأَعْلَى الْمَعَارِفِ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَلَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَ ، وَأَعْلَى الْخَلْقِ مَعْرِفَةً النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ. وَأَدْنَى الْمَرَاتِبِ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فِي النَّجَاةِ مِنْ النَّارِ. وَفِي عِصْمَةِ الدَّمِ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَسَائِطُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا وَاجِبٌ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ يَصْدُقُ بِهَا وَبِالْإِخْلَالِ بِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ بِتَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، فَقَدْ يَخْرُجُ مِنْ الْإِيمَانِ بِهِ وَقَدْ لَا يَخْرُجُ. وَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ مَزِلَّةُ قَدَمِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالسَّالِكِينَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ عِلْمِهِ، وَيَقِفُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ، وَأَحْوَالُ الْقُلُوبِ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةٌ جِدًّا وَالْمَعَارِفُ الْإِلَهِيَّةُ الْمُفَاضَةُ عَلَيْهَا مِنْ الْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى وَاسِعَةٌ جِدًّا.
فَالْخَائِفُ مَا مِنْ مَقَامٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ إلَّا وَيَخَافُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَلَى خَطَرٍ، وَيَنْخَلِعُ قَلْبُهُ مِنْ الْهَيْبَةِ فَيَفْزَعُ إلَى الْمَشِيئَةِ وَيَقُولُ حَسْبِي إنْ كُنْت أَدَّيْت الْوَاجِبَ، وَسِوَاهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَقَامَهُ مَقَامَ الْبَسْطِ وَانْشِرَاحَ الصَّدْرِ بِالْيَقِينِ فَيُطْلِقُ. وَالْآخَرُ غَافِلٌ عَنْ الْحَالَيْنِ اكْتَفَى بِظَاهِرِ الْعِلْمِ فَيُكْتَفَى مِنْهُ بِالْإِطْلَاقِ أَيْضًا وَعَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ يُحْمَلُ اخْتِلَافُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ؛ وَكُلٌّ قَصَدَ الْخَيْرَ وَتَكَلَّمَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُكَفِّرُ بَعْضًا، بَلْ كُلٌّ تَكَلَّمَ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَكُلُّ إنَاءٍ بِاَلَّذِي فِيهِ يَرْشَحُ. وَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِوُجُوبِ الِاسْتِثْنَاءِ غَلَبَ عَلَيْهِ حَالُ اسْتِحْضَارِ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْجَزْمِ وَمَنْ مَنَعَهُ غَلَبَ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْجَزْمِ بِالتَّصْدِيقِ
стр. 56
وَانْغَمَرَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ الْمُقَابِلَةُ لَهُ فِي قَلْبِهِ. وَمَنْ جَوَّزَ الْأَمْرَيْنِ نَظَرَ إلَى الطَّرَفَيْنِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَاكًّا فِيهَا هُوَ حَاصِلٌ الْآنَ، وَلَا مُقَصِّرًا فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لِلشَّكِّ فِي الْقَبُولِ وَهَلْ يَلْتَفِتُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هَلْ يُوصَفُ بِالْقَبُولِ وَعَدَمِهِ أَوْ بِالصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا أَمَّا الْقَبُولُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْإِيمَانُ وَالْوَفَاةُ عَلَيْهِ قُبِلَ قَطْعًا، وَكَذَا الصِّحَّةُ إذَا اتَّفَقَ التَّصْدِيقُ الْمُطَابِقُ وَمَاتَ عَلَيْهِ فَهُوَ صَحِيحٌ قَطْعًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ فَسَادُهُ إذَا صَدَّقَ تَصْدِيقًا غَيْرَ مُطَابِقٍ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ.
فَمَنْ يَعْتَقِدُ فِي اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي صِفَاتِهِ مَا يَكْفُرُ بِهِ لَا يُقَالُ إنَّهُ مُؤْمِنٌ إيمَانًا فَاسِدًا، بَلْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَالْإِيمَانُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا إلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ كَأَدَاءِ الدَّيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُ.
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ حُمِلَتْ " إنْ " فِيهِ عَلَى مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي اللُّغَةِ مِنْ دُخُولِهَا عَلَى الْمُحْتَمَلِ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ الشَّكُّ وَقَدْ عَرَّفْنَاك تَخْرِيجَ الشَّكِّ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتَضِي كُفْرًا وَلَا شَكًّا فِي الْإِيمَانِ، أَمَّا إذَا قَصَدَ بِهَا جَاهِلٌ شَكًّا فِي أَصْلِ التَّصْدِيقِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ لَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَذَلِكَ بَاطِلٌ وَكُفْرٌ وَضَلَالٌ.
(الْمَسْأَلَة السَّابِعَةُ) " إنْ " تَدْخُلُ عَلَى شَرْطٍ وَجَزَاءٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مُسْتَقِلَّيْنِ كَقَوْلِك: إنْ جِئْتنِي أَكْرَمْتُكَ، وَلَك أَنْ تُقَدِّمَ الْجَزَاءَ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ عَيْنَ الْجَزَاءِ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَدَلِيلُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ: كَقَوْلِك أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَوَضْعُ اللِّسَانِ يَقْتَضِي الِاسْتِقْبَالَ كَمَا قُلْنَاهُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَا مُؤْمِنٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا أَنَا مُؤْمِنٌ فِي الْحَالِ، لَكِنَّ النَّاسَ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْهَا ذَلِكَ وَلَمْ يَضَعُوا هَذَا الْكَلَامَ إلَّا لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الْقَطْعِ بِالْإِيمَانِ فِي الْحَالِ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ أَنَا مُؤْمِنٌ فِي الْحَالِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّرَدُّدُ بِالِاعْتِبَارَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا صَارَ لَهُ ارْتِبَاطٌ بِالْمُسْتَقْبَلِ، فَجَازَ تَعْلِيقُهُ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَالْحَاضِرُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَمَّا الْحَاضِرُ الْمَقْطُوعُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَعْلِيقُهُ، فَلَا يُقَالُ أَنَا إنْسَانٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الْمَرَازِقَةِ فَإِنَّهُمْ مُبْتَدِعَةٌ جُهَّالٌ ضُلَّالٌ فِي ذَلِكَ وَلِتَعْلِيقِ الْحَالِ بِالْمَشِيئَةِ وَجْهٌ يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللُّغَةِ.
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إنْ كَانَ اللَّهُ شَاءَ فَأَنَا مُؤْمِنٌ فَهُوَ جَائِزٌ بِالِاعْتِبَارَاتِ الَّتِي قُلْنَاهَا، وَلَكِنَّا ذَكَرْنَا لَفْظَ " كَانَ " تَصْحِيحًا لِلتَّعْلِيقِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ لِيَصِيرَ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ حَتَّى يَكُونَ الشَّرْطُ مُسْتَقْبَلًا وَالْجَزَاءُ يَكُونُ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْمَذْكُورُ، كَمَا تَقُولُ إنْ أَكْرَمْتَنِي غَدًا فَأَنَا الْآنَ مُحْسِنٌ إلَيْك فَلَا بِدْعَ فِي إكْرَامِك لِي لِأَنِّي مُحْسِنٌ إلَيْك الْآنَ.
(الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ) خَرَّجُوا " إنْ شَاءَ اللَّهُ " هَاهُنَا عَلَى مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ
стр. 57
الشَّكِّ، وَهُوَ التَّبَرُّكُ أَوْ التَّأَدُّبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] وَلِقَوْلِهِ ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَدْ عَلِمَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ؛ وَكَقَوْلِهِ ﷺ «إنِّي لِأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَتْقَاكُمْ» وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ أَتْقَاهُمْ.
وَهَذَا صَحِيحٌ لَكِنَّهُ كُلُّ مُسْتَقْبَلٍ وَرَبْطُ الْمُسْتَقْبَلِ لَا يُسْتَنْكَرُ وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِيَّتِهِ مَا نَحْنُ فِيهِ هُوَ رَبْطُ الْحَالِ بِالشَّرْطِ فَلِذَلِكَ احْتَجْنَا إلَى زِيَادَةِ الْكَلَامِ فِيهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَتَبْته فِي بَعْضِ نَهَارِ الثُّلَاثَاءِ عَاشِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ انْتَهَى.
(فَصْلٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِمَّنْ قَالَ بِالِاسْتِثْنَاءِ مَنْصُورٌ وَمُغِيرَةُ وَالْأَعْمَشُ وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَعُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَالْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ وَعَلْقَمَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَاخْتُلِفَ فِي رُجُوعِهِ عَنْهُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي بَعْضِ رَأْيِهِ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَقَالَ لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ خِلَافٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ. وَقَالَ إنَّهُ يُؤَكِّدُ الْإِيمَانَ. وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَعَائِشَةُ قَالَتْ أَنْتُمْ الْمُؤْمِنُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو يَحْيَى صَاحِبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْآجُرِّيُّ؛ وَطَاوُسٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ؛ وَالضَّحَّاكُ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَعَلِيُّ بْنُ خَلِيفَةَ وَمَعْمَرٌ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَبُو وَائِلٍ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ مَهْدِيٍّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. وَبَعْدُ فَهَذِهِ نُبْذَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَا يُقَالُ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَ أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ. أَوْ مُسْلِمٌ أَنْتَ؟ دَعَا إلَى ذِكْرِهَا مَا وَقَعَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَنْ نَسَبَ قَائِلَ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ إلَى الشَّكِّ فِي الْإِيمَانِ. فَأَقُولُ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ وَمُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ يُنْظَرُ أَوَّلًا فِي حَالِ جَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ إنَّ السَّائِلَ إذَا لَمْ يَعْرِضْ عِنْدَهُ مَا يُوجِبُ الشَّكُّ فِيمَا سَأَلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِسُؤَالِهِ. فَإِنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ حُصُولُ إيذَاءِ الْمَسْئُولِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَضْرَةِ مَنْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ السَّائِلَ إنَّمَا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ لِشَكٍّ فِي إيمَانِ الْمَسْئُولِ وَيَكُونُ السَّائِلُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ قَدْحُهُ، فَلَا تَوَقُّفَ إذًا فِي تَحْرِيمِ هَذَا السُّؤَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ يَقْتَضِيهِ. وَجَاءَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ إنَّهُ قَالَ
стр. 58
إذَا قِيلَ لَك أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ فَقُلْ أَنَا لَا أَشُكُّ فِي الْإِيمَانِ وَسُؤَالُك إيَّايَ بِدْعَةٌ.
وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّ السُّؤَالَ عَنْ هَذَا بِدْعَةٌ. فَأَمَّا إذَا حَصَلَ تَرَدُّدٌ وَاشْتِبَاهٌ فَلَا بَأْسَ بِالسُّؤَالِ وَكَذَا إنْ عَرَضَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ شَرْعًا. ثُمَّ الْجَوَابُ الَّذِي تَكَلَّمَ السَّلَفُ فِيهِ ذُكِرَ فِي صُوَرٍ إحْدَاهَا أَنَا مُؤْمِنٌ وَالثَّانِيَةِ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالثَّالِثَةُ. أَنَا مُؤْمِنٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ. وَالرَّابِعَةُ أَنَا مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ وَالْخَامِسَةُ أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا فَأَمَّا الْأُولَى فَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْجَوَابِ بِهَا فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ إذَا سُئِلَ عَنْ الْإِيمَانِ يَقُولُ الْمَسْئُولُ آمَنْت بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَلَا يَقُولُ أَنَا مُؤْمِنٌ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، جَاءَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ إنِّي مُؤْمِنٌ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَاسْأَلُوهُ أَفِي الْجَنَّةِ هُوَ؟ فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ فَقَالَ هَلَّا وَكَلْت الْأَوْلَى إلَى اللَّهِ كَمَا وَكَلْت الْأَخِيرَةَ؟ وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ مَنْ شَهِدَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلْيَشْهَدْ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ. وَعَلَى هَذَا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ إذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَعَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ مُسْلِمٌ وَلَوْ مَاتَ مُؤْمِنٌ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى إجَازَةِ ذَلِكَ، فَيَقُولُ أَنَا مُؤْمِنٌ وَيَقْطَعُ.
وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا ابْنُ عُمَرَ ﵄، وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ؛ وَمِنْهُمْ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ قَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ تَسْمِيَةِ نَفْسِهِ مُؤْمِنًا، لِمَا يَخْشَاهُ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْلِبُ الْمَوْجُودَ مَعْدُومًا. وَإِنَّمَا يُحْبِطُ أَجْرَهُ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَخَالَفَ بَعْضُ السَّلَفِ فِيهَا فَقَالُوا لَا يُسْتَثْنَى وَمِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ﵁ جَاءَ أَنَّهُ أَخْرَجَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَنَا أَذْبَحُهَا فَرَآهُ سَيِّئَ الْهَيْئَةِ فَقَالَ أَنْتَ مُسْلِمٌ؟ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ. مَا أَنْتَ بِذَابِحٍ لَنَا الْيَوْمَ شَيْئًا.
وَهَذَا الْقَوْلُ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَهَبَ كَثِيرُونَ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةُ وَخَلَائِقُ مِنْ التَّابِعِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ؛ وَالشَّافِعِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَقَالَ مَا أَدْرَكْت أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَا بَلَغَنِي إلَّا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعِيبُونَ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَثْنِي. وَقَالَ قَوْمٌ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ وَنَسَبَهُ إلَى أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَالْحَقُّ الْجِوَازُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ وَالْجَوَازِ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى الشَّكِّ فِي الْإِيمَانِ الْمَاضِي وَلَا فِيمَا هُوَ وَاقِعٌ الْآنَ وَلَا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَقْدِ.
وَذُكِرَ فِيمَا سَبَقَ قَوْلُ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " لِأَجْلِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا رِعَايَةُ الْأَدَبِ بِذِكْرِ اللَّهِ
стр. 59
تَعَالَى فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ وَنَحْوُهُ الْقَوْلُ إنَّهُ لِلتَّبَرُّكِ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] إشْعَارٌ بِتَأْدِيبِنَا بِهَذَا وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مَقْطُوعًا. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الْمَشِيئَةَ مَعَ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ الْقَدِيمِ بِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ آمَنِينَ لِنَتَأَدَّبَ فَنَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ إذْ الْقَاعِدَةُ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ صَرْفُهُ إلَى الْمُخَاطَبِينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] وَنَحْوُهُ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي مَعْنَاهُ اذْهَبَا عَلَى رَجَائِكُمَا. وَهُوَ كَثِيرٌ، وَعَلَى هَذَا مَا جَاءَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» وَنَحْنُ مُتَقَيِّدُونَ بِذَلِكَ، وَهُوَ ﷺ وَكُلُّ أَحَدٍ؛ لَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ لَاحِقٌ بِهِمْ، وَإِنَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ الْمَشِيئَةُ تَأَدُّبًا وَتَبَرُّكًا. وَعَنْ عَلْقَمَةَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ " لَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَلَا تَصُومُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقِيلَ إنَّك إذَا قُلْت إنْ شَاءَ اللَّهُ شَكَّكْتَنِي قَالَ إذَا قُلْت إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَيْسَ فِيهِ شَكٌّ " وَكَانَ ابْنُ عَوْنٍ قَلَّمَا يَتَكَلَّمُ إلَّا اسْتَثْنَى فِي كَلَامِهِ فَقِيلَ أَتَشُكُّ فِيمَا تَسْتَثْنِي قَالَ أَمَّا مَا أَسْتَثْنِي فِيهِ فَهُوَ الْيَقِينُ وَإِمَّا مَا شَكَكْت فِيهِ فَلَا أَتَكَلَّمُ بِهِ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ هَضْمُ النَّفْسِ بِتَرْكِ التَّزْكِيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ أَفْضَلُ الصِّفَاتِ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ أَنَا مُؤْمِنٌ، فَقَدْ زَكَّى نَفْسَهُ حَيْثُ أَثْبَتَ لَهَا أَفْضَلَ الصِّفَاتِ وَتَزْكِيَةُ النَّفْسِ مَدْمُومَةٌ.
قَالَ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] فَفِي قَوْلِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَحَرُّزٌ مِمَّا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ " أَنَا مُؤْمِنٌ " مِنْ التَّزْكِيَةِ. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ الْمَشِيئَةَ رَاجِعَةٌ إلَى كَمَالِ الْإِيمَانِ لَا إلَى أَصْلِهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي قَوْمٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] مَعَ أَنَّ غَيْرَهُمْ مُؤْمِنُونَ. فَالْمَقْصُودُ كَوْنُهُمْ كَامِلِي الْإِيمَانِ. وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي.
قَالَ ﷺ : «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» فَقَوْلُ
стр. 60
الْمُؤْمِنِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَزِيدُ عَلَى الْعَقْدِ وَالْإِقْرَارِ مِنْ كَمَالَاتِ الْإِيمَانِ لَا بِهِمَا. (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ الْمَشِيئَةَ تَرْجِعُ إلَى مَا يَقَعُ مِنْ الْإِيمَانِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ كَمَا يَقَعُ عَلَى التَّصْدِيقِ يَقَعُ أَيْضًا عَلَى الْأَعْمَالِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ صَلَاتَكُمْ.
وَقَالَ ﷺ «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» وَفُسِّرَ الْإِيمَانُ فِيهِ بِالصَّلَاةِ وَالدَّلَالَةُ حَاصِلَةٌ وَإِنْ لَمْ يُفَسَّرْ بِذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَمَلَ قَدْ يُوجَدُ لَائِقًا وَقَدْ لَا يُوجَدُ كَذَلِكَ. فَقَوْلُ الْمُؤْمِنِ " أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " مُتَعَلِّقٌ بِالْأَعْمَالِ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَدْرِي كَيْفَ حَالُ عَمَلِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (الْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ الْمَشِيئَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْخَاتِمَةِ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَدْرِي مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَالْمَعْنَى إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أُوَافِيَ عَلَى الْإِيمَانِ وَافَيْت عَلَيْهِ. وَجَاءَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقِيلَ لَهُ لَا تَسْتَثْنِ يَا أَبَا سَعِيدٍ فِي الْإِيمَانِ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ أَقُولَ نَعَمْ فَيَقُولُ اللَّهُ كَذَبْت.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ " أَنْتُمْ الْمُؤْمِنُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ " فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ يَتَحَمَّلُهَا قَوْلُ الْمُؤْمِنِ " أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ " أَرْجُو " وَنَحْوُهُ. وَجَاءَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ إذَا سُئِلْت: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ فَقُلْ أَرْجُو وَلَا يَخْفَى مَا يَلِيقُ بِهَذَا مِنْ الْأَوْجُهِ السَّابِقَةِ. وَقَالَ رَجُلٌ لِعَلْقَمَةَ أَلَسْت مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ " أَرْجُو إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْإِيمَانِ غَيْرُ مُرَادٍ قَطْعًا بِقَوْلِ الْمُؤْمِنِ " أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَذَلِكَ أَنَّ الشَّكَّ فِيمَا مَضَى مِنْ الْإِيمَانِ لَا يَتَحَقَّقُ إذْ الشَّكُّ فِيمَا عُلِمَ وُقُوعُهُ مُحَالٌ. وَكَذَا الشَّكُّ فِي الْحَالِ، إذْ الْوَاقِعُ الْمُحَقَّقُ الْوُقُوعِ وَلَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْعَقْلِ تَوَهُّمُ ذَلِكَ فِيهِ. وَهَلْ هَذَا إلَّا كَتَوَهُّمِ تَعَلُّقِ الشَّكِّ بِالْجُوعِ وَالشِّبَعِ عِنْدَ تَحْقِيقِ كَوْنِهِمَا، مَعَ أَنَّ مَوْضُوعَ " إنْ " الشَّرْطُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْمَاضِي وَالْحَالُ خَارِجَانِ عَقْلًا وَلُغَةً وَأَمَّا الْمُسْتَقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَقْلِ فَخَارِجٌ أَيْضًا، فَإِنَّ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِالشَّيْءِ لَا يَدْخُلُهُ تَغَيُّرٌ مَعَ قِيَامِ مُوجِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا يَتَطَرَّقُ الشَّكُّ عِنْدَ تُغَيِّرْ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ.
وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ فِي الْآحَادِ فَضْلًا عَنْ الْأَكَابِرِ. فَمَنْ اعْتَقَدَ فِي مُؤْمِنٍ قَالَ " أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " أَنَّهُ شَاكٌّ فِي إيمَانِهِ وَتَغَيَّرَ عِنْدَهُ مُوجِبُ الْإِيمَانِ
стр. 61
كَفَرَ. وَاعْتِقَادُهُ فِي الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ. وَلَيْسَ قَوْلُ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " مِمَّا يُوجِبُ اعْتِقَادَ تَغَيُّرِ مَا عِنْدَ قَائِلِهِ مِنْ الْإِيمَانِ لِجَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ قَطْعًا لِغَيْرِ الشَّكِّ وَاشْتِهَارِهِ فِيهِ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ " أَنَا مُؤْمِنٌ ".
وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ " أَنَا مُؤْمِنٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ " فَمَنَعَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يَتَغَيَّرُ، وَالْعَبْدُ لَا يَدْرِي خَاتِمَةَ أَمْرِهِ. وَأَمَّا الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ وَهِيَ " أَنَا مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ " فَأَجَازَهَا مَنْ مَنَعَ " أَنَا مُؤْمِنٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ " وَفَرَّقَ بِأَنَّ " عِنْدَ " تَتَغَيَّرُ وَالْعِلْمُ لَا يَتَغَيَّرُ، وَسَوَّى بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا.
وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ " مَنْ قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَهُوَ مِنْ الْكَذَّابِينَ " وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ إنْ قَصَدَ الْحَالَ لَمْ يُمْنَعْ وَإِنْ قَصَدَ الْمُسْتَقْبَلَ اُمْتُنِعَ. وَالْمَاضِي كَالْحَالِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى يَتَعَلَّقُ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ. فَإِذَا كَانَ الْوَاقِعُ مِنْهُ عِنْدَ النُّطْقِ بِذَلِكَ الْعَقْدِ الْجَازِمِ تَعَلَّقَ عِلْمُ اللَّهِ بِهِ كَمَا هُوَ وَاقِعٌ. فَصَحَّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ " فِي عِلْمِ اللَّهِ " وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْعَبْدَ يَجْهَلُ خَاتِمَةَ أَمْرِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَعَلَّقَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا فِي الْحَالِ، وَعِلْمُ اللَّهِ لَا يَتَغَيَّرُ.
قِيلَ عِلْمُهُ تَعَالَى يَتَعَلَّقُ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَاقِعَةً بِحَسَبِ خَلْقِهِ تَعَالَى. فَإِذَا حَصَلَ الْإِيمَانُ تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْعِلْمُ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ فِي ثَانِي الْحَالِ بِمَا وَجَدَ مُخَالِفًا لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى كَمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَكُونُ أَنَّهُ سَيَكُونُ.
وَيُقَالُ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ " عِنْدَ اللَّهِ " مَعْنَى " فِي عِلْمِ اللَّهِ " فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ فِي حُكْمِ اللَّهِ فَهُوَ صَحِيحٌ. فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى جَارٍ عَلَيْهِ كَذَلِكَ. وَإِنْ تَغَيَّرَ الْحَالُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ جَرَى الْحُكْمُ عَلَى الْمُغَايِرِ.
وَأَمَّا الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ وَهِيَ " أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا فَإِنْ قَصَدَ مِنْهَا أَنَّ إيمَانَهُ الْوَاقِعَ مِنْهُ لَا ارْتِيَابَ فِيهِ وَلَا شَكَّ فَهُوَ حَسَنٌ، وَإِنْ قَصَدَ رُتْبَةَ الْكَمَالِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] فَهُوَ تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ. وَكَيْفَ يَعْلَمُ الْوَاحِدُ مِنَّا ذَلِكَ؟ وَهُوَ مَحَلُّ الْإِخْلَالِ وَجَاءَ عَنْ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ " إنَّ قَوْلَ الْمُؤْمِنِ أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا بِدْعَةٌ " وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ " مَنْ قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا فَهُوَ كَافِرٌ حَقًّا. وَمَنْ قَالَ: أَنَا عَالَمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ. وَمَنْ قَالَ: أَنَا فِي الْجَنَّةِ فَهُوَ فِي النَّارِ "
وَهَذَا مَعْنَى مَا سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ
[قَوْله تَعَالَى وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ]
آيَةٌ أُخْرَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ فَقِيلَ إنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ. وَقِيلَ لِأَنَّ " ابْنُ " صِفَةٌ لَا خَبَرُ. وَأَرَادَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صِفَةً لَكَانَ الْخَبَرُ
стр. 62
مُقَدَّرًا، تَقْدِيرُهُ " مَعْبُودُهُمْ " وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُنْكَرُ ذَلِكَ لَا وَصْفُهُمْ إيَّاهُ بِالنُّبُوَّةِ.
وَأَقُولُ: بَلْ الْمُنْكَرُ وَصْفُهُمْ وَالتَّقْدِيرُ فِي كَلَامِهِمْ الْمَحْكِيِّ بَعْضُهُ لَا فِي الْحِكَايَةِ، لِأَنَّ الْمُخْبِرَ إذَا وَصَفَ الْمَخْبَرَ عَنْهُ بِصِفَةٍ لَيْسَتْ لَهُ وَأَرَادَ السَّامِعُ إنْكَارَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْحُكْمِ فَطَرِيقُهُ إنْكَارُ الْوَصْفِ فَقَطْ، فَكَذَلِكَ هُنَا كَأَنَّك قُلْت: هَذِهِ اللَّفْظَةُ الْمُنْكَرَةُ وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِمَا قَالُوهُ خَبَرًا عَنْهَا انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى حَتَّى إذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْت]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَالَ ﵀: قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس: ٩٠] فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بَعْدَ " حَتَّى " هُوَ الشَّرْطُ أَوْ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بِكَمَالِهَا لَا الْجَزَاءُ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلَّا إيمَانَ فِرْعَوْنَ وَأَبْيَنُ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ﴾ [مريم: ٧٥] فَإِنَّ " فَسَيَعْلَمُونَ " هُوَ الْغَايَةُ انْتَهَى.
(آيَةٌ أُخْرَى) قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧]
[قَوْله تَعَالَى إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمْعَ الْمُؤَنَّثِ السَّالِمِ لِلْقِلَّةِ مِنْ جِهَةِ الضَّمِيرِ فِي " يُذْهِبْنَ " وَلَوْ كَانَ لِلْكَثْرَةِ لَقَالَ يُذْهِبُنَّ لِأَنَّ فَعَلْنَ لِلْقِلَّةِ وَفَعَلَتْ لِلْكَثْرَةِ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا أَوْ مُنَكَّرًا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إذَا تَعَرَّفَ بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ يَصِيرُ لِلْكَثْرَةِ نَعَمْ يَصِيرُ لِلْعُمُومِ. وَفَرْقٌ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْكَثْرَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْكَثْرَةِ لَاخْتَصَّ بِهِ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ وَلَمْ يُدْخِلْ مَا دُونَهَا فِيهِ. وَالْعُمُومُ يَقْتَضِي شُمُولَ كُلِّ رُتْبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ جَمْعِ الْقِلَّةِ فَيَحْصُلُ عُمُومُ جَمِيعِ الَّتِي فِي جَمْعِ الْكَثْرَةِ مِنْ ذَلِكَ، فَمَتَى فَعَلَ حَسَنَاتٍ وَسَيِّئَاتٍ أَذْهَبَتْ الْحَسَنَاتُ السَّيِّئَاتِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَمَّا عِنْدَ الْقِلَّةِ فِيهِمَا فَمَجْمُوعُ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ مَجْمُوعَ السَّيِّئَاتِ وَأَمَّا عِنْدَ الْكَثْرَةِ فِيهِمَا فَمَنْطُوقُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ جَمْعِ الْقِلَّةِ فِي الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ جَمْعِ الْقِلَّةِ فِي السَّيِّئَاتِ. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إذْهَابُ مَجْمُوعِ الْمَرَاتِبِ الْبَالِغَةِ حَدَّ الْكَثْرَةِ مِنْ الْحَسَنَاتِ بِمَجْمُوعِ الْمَرَاتِبِ الْبَالِغَةِ حَدَّ الْكَثْرَةِ مِنْ السَّيِّئَاتِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَالَ ﵀: قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ [الإسراء: ١] الْآيَةَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ [الأنفال: ٦١] يَعُودُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ وَرَدَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فِي
стр. 63
أَسْمَائِهِ تَعَالَى فِي مَوْضِعَيْنِ فِي سُورَةِ غَافِرٍ وَفِي سُورَةِ الشُّورَى. فَيَكُونُ هَذَا مَوْضِعًا رَابِعًا وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ الضَّمِيرَ هُنَا يَعُودُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ هَذَانِ الِاسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ أَيْضًا وَيَكُونُ مَعْنَى وَصْفِهِ بِهِمَا هُنَا أَنَّهُ الْكَامِلُ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ اللَّذَيْنِ يُدْرِكُ بِهِمَا الْآيَاتِ الَّتِي يُرِيهِ إيَّاهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] فَهَذَا يُحْتَمَلُ، لِأَنَّ الْمَعْنَى نَقَلْنَاهُ مِنْ حَالَةِ النُّطْفَةِ إلَى حَالَةٍ عَظِيمَةٍ. وَمُحْتَمَلًا ابْتِلَاؤُهُ. فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ تَدَبُّرُهُ، وَتَدَبُّرُهُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْعَقْلِ، وَأَعْظَمُ الْحَوَاسِّ الْمُوَصِّلَةِ إلَى الْعَقْلِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ. فَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يَجِيءُ وَصْفُهُ ﷺ بِأَنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ أَكْمَلَ مِنْهُ فِي التَّدَبُّرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالْبَصَرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
كَتَبَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ صَلَاحُ الدِّينِ الصَّفَدِيُّ إلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ:
أَسَيِّدَنَا قَاضِي الْقُضَاةِ وَمَنْ إذَا ... بَدَا وَجْهُهُ اسْتَحْيَا لَهُ الْقَمَرَانِ
وَمَنْ كَفُّهُ يَوْمَ النَّدَى وَيَرَاعُهُ ... عَلَى طِرْسِهِ بَحْرَانِ يَلْتَقِيَانِ
وَمَنْ إنْ دَجَتْ فِي الْمُشْكِلَاتِ مَسَائِلُ ... جَلَاهَا بِفِكْرٍ دَائِمِ اللَّمَعَانِ
رَأَيْت كِتَابَ اللَّهِ أَكْبَرَ مُعْجِزٍ ... لِأَفْضَلَ مَنْ يَهْدِي بِهِ الثَّقَلَانِ
وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِعْجَازِ كَوْنُ اخْتِصَارِهِ ... بِإِيجَازِ أَلْفَاظٍ وَبَسْطِ مَعَانِ
وَلَكِنَّنِي فِي الْكَهْفِ أَبْصَرْت آيَةً ... بِهَا الْكُفْرُ فِي طُولِ الزَّمَانِ عَنَانِي
وَمَا هِيَ إلَّا اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَقَدْ ... يُرَى اسْتَطْعَمَاهُمْ مِثْلَهُ بِبَيَانِ
فَأَرْشِدْ عَلَى عَادَاتِ فَضْلِك حَيْرَتِي ... فَمَالِي بِهَا عِنْدَ الْبَيَانِ يَدَانِ
كَتَبَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: ﵀.
الْجَوَابُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَوْله تَعَالَى ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧٧] مُتَعَيَّنٌ وَاجِبٌ. وَلَا يَجُوزُ مَكَانَهُ اسْتَطْعَمَاهُمْ لِأَنَّ " اسْتَطْعَمَا " صِفَةٌ لِلْقَرْيَةِ فِي مَحَلِّ خَفْضٍ جَارِيَةٌ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ كَقَوْلِك أَتَيْت أَهْلَ قَرْيَةٍ مُسْتَطْعِمٍ أَهْلَهَا. لَوْ حَذَفْت أَهْلَهَا هُنَا وَجَعَلْت مَكَانَهُ ضَمِيرًا لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ هَذَا. وَلَا يَجُوزُ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ إذَا جَعَلْت " اسْتَطْعَمَا " صِفَةً لِقَرْيَةٍ وَجَعْلُهُ صِفَةً لِقَرْيَةٍ سَائِغٌ عَرَبِيٌّ لَا تَرُدُّهُ الصِّنَاعَةُ وَلَا الْمَعْنَى، بَلْ أَقُولُ إنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ.
أَمَّا كَوْنُ الصِّنَاعَةِ لَا تَرُدُّهُ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا وَصْفُ نَكِرَةٍ بِجُمْلَةٍ كَمَا
стр. 64
تُوصَفُ سَائِرُ النَّكِرَاتِ بِسَائِرِ الْجَمَلِ. وَالتَّرْكِيبُ مُحْتَمِلٌ لِثَلَاثَةِ أَعَارِيبَ أَحَدُهَا هَذَا وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِأَهْلِ. وَالثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ جَوَابَ " إذَا " وَالْأَعَارِيبُ الْمُمْكِنَةُ مُنْحَصِرَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ لَا رَابِعَ لَهَا. وَعَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ " اسْتَطْعَمَاهُمْ " وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَمَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْ الْآيَةَ كَمَا تَأَمَّلْنَاهَا ظَنَّ أَنَّ الظَّاهِرَ وَقَعَ مَوْقِعَ الْمُضْمَرِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَغَابَ عَنْهُ الْمَقْصُودُ وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ وُفِّقْنَا لِلْمَقْصُودِ وَلَمَحْنَا بِعَيْنِ الْإِعْرَابِ الْأَوَّلَ مِنْ جِهَةِ مَعْنَى الْآيَةِ وَمَقْصُودِهَا.
وَأَنَّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَإِنْ احْتَمَلَهُمَا التَّرْكِيبُ بَعِيدَانِ عَنْ مَعْنَاهَا أَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ كَوْنُهُ جَوَابَ " إذَا " فَلِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ مَعْنَاهَا الْإِخْبَارُ بِاسْتِطْعَامِهِمَا عِنْدَ إتْيَانِهِمَا وَأَنَّ ذَلِكَ تَمَامُ مَعْنَى الْكَلَامِ وَنُجِلُّ مِقْدَارَ مُوسَى وَالْخَضِرِ ﵉ عَنْ تَجْرِيدِ قَصْدِهِمَا إلَى أَنْ يَكُونَ مُعْظَمُهُ أَوْ هُوَ طَلَبُ طُعْمَةٍ؛ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بَلْ كَانَ الْقَصْدُ مَا أَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَ الْيَتِيمَانِ أَشَدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّك وَإِظْهَارَ تِلْكَ الْعَجَائِبِ لِمُوسَى ﵇ فَجَوَابُ " إذَا " قَوْلُهُ ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ﴾ [الكهف: ٧٧] إلَى تَمَامِ الْآيَةِ وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ كَوْنُهُ صِفَةً لِأَهْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ فَلَا يُصَيِّرُ الْعِنَايَةَ إلَى شَرْحِ حَالِ الْأَهْلِ مِنْ حَيْثُ هُمْ هُمْ، وَلَا يَكُونُ لِلْقَرْيَةِ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ وَنَحْنُ نَجِدُ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ مُشِيرًا إلَى الْقَرْيَةِ نَفْسِهَا، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﴿فَوَجَدَا فِيهَا﴾ [الكهف: ٧٧] وَلَمْ يَقُلْ " عِنْدَهُمْ " وَإِنَّ الْجِدَارَ الَّذِي قُصِدَ إصْلَاحُهُ وَحِفْظُهُ وَحِفْظُ مَا تَحْتَهُ جُزْءٌ مِنْ قَرْيَةٍ مَذْمُومٍ أَهْلُهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ سُوءُ صَنِيعٍ مِنْ الْآبَاءِ عَنْ حَقِّ الضَّيْفِ مَعَ بَيَانِ طَلَبِهِ، وَلِلْبِقَاعِ تَأْثِيرٌ فِي الطِّبَاعِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْقَرْيَةُ حَقِيقَةً بِالْإِفْسَادِ وَالْإِضَاعَةِ فَقُوبِلَتْ بِالْإِصْلَاحِ بِمُجَرَّدِ الطَّاعَةِ فَلَمْ يَقْصِدْ إلَّا الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِفِعْلِ الْأَهْلِ الَّذِينَ مِنْهُمْ غَادٍ وَرَائِحُ فَلِذَلِكَ قُلْت: إنَّ الْجُمْلَةَ يَتَعَيَّنُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى جَعْلُهَا صِفَةً لِقَرْيَةٍ.
وَيَجِبُ مَعَهَا الْإِظْهَارُ دُونَ الْإِضْمَارِ، وَيَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ أَنَّ " الْأَهْلَ " الثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا هُمْ الْأَوَّلُ أَوْ غَيْرُهُمْ أَوْ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَالْغَالِبُ أَنَّ مَنْ أَتَى قَرْيَةً لَا يَجِدُ جُمْلَةَ أَهْلِهَا دَفْعَةً، بَلْ يَقَعُ بَصَرُهُ أَوَّلًا عَلَى بَعْضِهِمْ ثُمَّ قَدْ يَسْتَقْرِيهِمْ فَلَعَلَّ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ الصَّالِحَيْنِ لَمَّا أَتَيَاهَا قَدَّرَ اللَّهُ لَهُمَا كَمَا يَظْهَرُ لَهُمَا مِنْ حُسْنِ صُنْعِهِ اسْتِقْرَاءَ جَمِيعِ أَهْلِهَا عَلَى التَّدْرِيجِ لِيُبَيِّنَ بِهِ كَمَالَ رَحْمَتِهِ وَعَدَمَ مُؤَاخَذَتِهِ بِسُوءِ صَنِيعِ بَعْضِ عِبَادِهِ.
وَلَوْ عَادَ الضَّمِيرُ فَقَالَ اسْتَطْعَمَاهُمْ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَيْنِ لَا غَيْرُ، فَأَتَى بِالظَّاهِرِ إشْعَارًا بِتَأْكِيدِ الْعُمُومِ فِيهِ وَأَنَّهُمَا لَمْ يَتْرُكَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى اسْتَطْعَمَاهُ وَأَبَى وَمَعَ ذَلِكَ قَابَلَاهُمْ بِأَحْسَنِ الْجَزَاءِ فَانْظُرْ هَذِهِ
стр. 65
الْمَعَانِيَ وَالْأَسْرَارَ كَيْفَ غَابَتْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَاحْتَجَبَتْ حَتَّى كَأَنَّهَا تَحْتَ الْأَسْتَارِ حَتَّى ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ وَتَرَكَ كَثِيرٌ التَّعَرُّضَ لِذَلِكَ رَأْسًا وَبَلَغَنِي عَنْ شَخْصٍ أَنَّهُ قَالَ: اجْتِمَاعُ الضَّمِيرَيْنِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مُسْتَثْقَلٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ " اسْتَطْعَمَاهُمْ " هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ النُّحَاةِ وَلَا لَهُ دَلِيلٌ وَالْقُرْآنُ وَالْكَلَامُ الْفَصِيحُ مُمْتَلِئٌ بِخِلَافِهِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ ﴿يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: ٧٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى (حَتَّى إذَا جَاءَنَا) فِي قِرَاءَةِ الْحَرَمِيِّينَ وَابْنِ عَامِرٍ وَأَلْفُ مَوْضِعٍ هَكَذَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَلَيْسَ هُوَ قَوْلًا حَتَّى يُحْكَى وَإِنَّمَا لَمَّا قِيلَ نَبَّهْت عَلَى رَدِّهِ وَمِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ أَنَّ (اسْتَطْعَمَا) إذَا جُعِلَ جَوَابًا فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْإِتْيَانِ؛ وَإِذَا جُعِلَ صِفَةً احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اُتُّفِقَ قَبْلَ الْإِتْيَانِ وَذُكِرَ تَعْرِيفًا وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُمَا عَلَى عَدَمِ الْإِتْيَانِ لِقَصْدِ الْخَيْرِ، وَقَوْلُهُ (فَوَجَدَا) مَعْطُوفٌ عَلَى (أَتَيَا) .
وَكَتَبْته فِي لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ ثَالِثِ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِدِمَشْقَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَحْضَرْت آيَةً أُخْرَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ جُمْلَتَيْنِ وَوَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمِرِ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْهُ إذَا كَانَ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنْ نَسْأَلُ عَنْ سَبَبِ الْإِظْهَارِ هُنَا وَالْإِضْمَارِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢] وَخَطَرَ لِي فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ فِي مَدَائِنِ لُوطٍ إهْلَاكَ الْقُرَى صَرَّحَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِذِكْرِ الْقَرْيَةِ الَّتِي يَحِلُّ بِهَا الْهَلَاكُ، كَأَنَّهَا اكْتَسَبَتْ الظُّلْمَ وَاسْتَحَقَّتْ الْإِهْلَاكَ مَعَهُمْ، وَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ إهْلَاكَهُمْ بِصِفَاتِهِمْ وَلَمْ يُهْلِكْ بَلَدَهُمْ أَتَى بِالضَّمِيرِ الْعَائِدِ عَلَى ذَوَاتِهِمْ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ وَلَا يَدْخُلُ مَعَهَا مَكَانٌ.
وَقَدْ قُلْت:
لِأَسْرَارِ آيَاتِ الْكِتَابِ مَعَانِي ... تَدِقُّ فَلَا تَبْدُو لِكُلِّ مُعَانِ
وَفِيهَا لِمُرْتَاضٍ لَبِيبٍ عَجَائِبُ ... سَنَا بَرْقِهَا يَعْنُو لَهُ الْقَمَرَانِ
إذَا بَارِقٌ مِنْهَا لِقَلْبِي قَدْ بَدَا ... هَمَمْت قَرِيرَ الْعَيْنِ بِالطَّيَرَانِ
سُرُورًا وَإِبْهَاجًا وَنَيْلًا إلَى الْعُلَى ... كَأَنَّ عَلَى هَامِ السِّمَاكِ مَكَانِي
وَهَاتِيك مِنْهَا قَدْ أَتَحْتُك مَا تَرَى ... فَشُكْرًا لِمَنْ أَوْلَى بَدِيعَ بَيَانِي
وَإِنَّ جَنَانِي فِي تَمَوُّجِ أَبْحُرٍ ... مِنْ الْعِلْمِ فِي قَلَبِي يَمُدُّ لِسَانِي
وَكَمْ مِنْ كِتَابٍ فِي جُمَادَى مُحَرَّرٍ ... إلَى أَنْ أَرَى أَهْلًا ذَكَّى جَنَانِي
فَيَصْطَادُ مِنِّي مَا يُطِيقُ اقْتِنَاصَهُ ... وَلَيْسَ لَهُ بِالشَّارِدَاتِ يَدَانِ
مُنَايَ سَلِيمُ الذِّهْنِ رِيضٌ ارْتَوَى ... فَكُلُّ عُلُومِ الْخَلْقِ ذُو لَمَعَانٍ
стр. 66
فَذَاكَ الَّذِي يُرْجَى لِإِيضَاحِ مُشْكَلٍ ... وَيَقْصِدُ لِلتَّجْرِيدِ مَدَّ عِيَانِي
وَكَمْ لِي فِي الْآيَاتِ حُسْنُ تَدَبُّرٍ ... بِهِ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ حَبَانِي
تُجَاهَ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ نِلْت كُلَّ مَا ... أَتَى وَسَيَأْتِي دَائِمًا بِأَمَانِ
فَصَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ مَا ذَرَّ شَارِقٌ ... وَسَلَّمَ مَا دَامَتْ لَهُ الْمَلَوَانِ
قَالَ ﵀ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ [مريم: ١٥] وَقَوْلُ عِيسَى ﵇ ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ [مريم: ٣٣] يَسْأَلُ عَنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ السَّلَامُ إنْشَاءً فَالْإِنْشَاءُ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي وَ ﴿يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ [مريم: ٣٣] مَاضٍ وَالْإِنْشَاءُ لَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانٍ أَصْلًا وَمُتَعَلَّقُهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْحَالِ أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ. وَأَمَّا الْمَاضِي فَلَا. وَاَلَّذِي خَطَرَ لِي فِي الْجَوَابِ: أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ عُمُومُ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا كَأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ وَقْتٍ وَالْمُرَادُ التَّعَلُّقُ لَا نَفْسُ الْإِنْشَاءِ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إسْمَاعِيلَ إنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ لَمَحْتهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْمَعَهَا مِنْ أَحَدٍ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] الْآيَةَ، فَكَّرْت مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَأَنَا بِدِيَارِ مِصْرَ فِي إفْرَادِهِ عَنْ أَبِيهِ وَأَخِيهِ وَالْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِقِصَّةِ مُوسَى ﵇ فَوَقَعَ فِي خَاطِرِي أَنَّهُ لِكَوْنِهِ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ فَذُكِرَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِقَدْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَفَكَّرْت الْآنَ فِيهِ بِالتِّلَاوَةِ فَلَمَحْت ذَلِكَ وَزِيَادَةً عَلَيْهِ وَهِيَ الصِّفَاتُ الَّتِي أَثْنَى عَلَيْهِ بِهَا. وَمِنْ جُمْلَتِهَا وَهُوَ خِتَامُهَا ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥] وَالْمَرَضِيُّ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الصَّفْوَةُ وَالْخُلَاصَةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُصْطَفًى مِنْهُ. وَمِنْ جُمْلَتِهَا ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥] وَإِذَا كَانَ أَهْلُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ بِصِفَةِ صِدْقِ الْوَعْدِ وَالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ وَهُمَا أَعْنِي إسْمَاعِيلَ ﵇ وَأَهْلَهُ أَصْلًا فِي غَايَةِ الزَّكَاءِ وَالْخَيْرِ فَهُوَ وَأَهْلُهُ جُرْثُومَةُ نُورٍ نَشَأَ مِنْهَا أَعْظَمُ مِنْهَا، وَهُوَ النُّورُ الْأَعْظَمُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَسَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا - وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣ - ٣٤] ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه: ٣٥] قَالَ ﵀: مَعْنَى (كُنْت) فِي الْأَزَلِ وَلَمْ تَزَلْ، فَأَنْتَ تَعْلَمُ مُبْتَدَأَ أَمْرِنَا وَتَفَاصِيلِهِ كُلِّهَا مِنْ أَوَّلِ عُمْرِنَا إلَى آخِرِهَا. بَصِيرٌ بِهَا لَا يَخْتَصُّ عِلْمُك بِالْوَقْتِ الْحَاضِرِ. فَهَذِهِ فَائِدَةُ إدْخَالِ " كَانَ " وَقَوْلُهُ " بِنَا " أَيْ بِي وَبِأَخِي هَارُونَ. وَفِيهِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ: أَحَدُهَا تَعْلَمُ أَنَّا نُسَبِّحُك كَثِيرًا وَنَذْكُرُك كَثِيرًا وَكَذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا وَإِنَّا لَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ فِي الْمَاضِي فَكَذَلِكَ نَكُونُ فِي
стр. 67
الْمُسْتَقْبَلِ وَهُمَا نَبِيَّانِ مَعْصُومَانِ؛ فَحَسَنٌ مِنْهُمَا ذَلِكَ. وَالثَّانِي تَعْلَمُ أَنَّا مُتَعَاوِنَانِ مُتَعَاضِدَانِ وَأَنَّ الْأُخُوَّةَ الَّتِي بَيْنَنَا وَالتَّعَاضُدَ وَالتَّعَاوُنَ بِتَوْفِيقِك لَنَا. وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ تَوَسُّلًا بِمَا عَلِمَ مِنْ حَالَيْهَا وَالثَّالِثُ تَعْلَمُ ذَوَاتِنَا وَصِفَاتِنَا فَلَا تَخْفَى عَلَيْك خَافِيَةٌ؛ فَأُمُورُنَا مُفَوَّضَةٌ إلَيْك وَنَحْنُ نَسْأَلُك ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ تَفْوِيضًا مِنْهُمَا وَ " بَصِير " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَبْلُغُ مِنْ " عَلِيمٍ " لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمُشَاهَدَةِ وَكَذَا اُسْتُعْمِلَ فِي قَوْلِ ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤] وَمَعْنَاهُ مُشَاهِدٌ وَحَالِ غَيْرِي فَتَقِينِي مَكْرَهُمْ. وَانْظُرْ كَيْفَ أَتَى بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، فَهَاهُنَا قَالَ " بِالْعِبَادِ " وَفِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَالَ " بِنَا " وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إلَيْهِ مِنْ مَعْنَى التَّفَوُّضِ إلَيْهِ وَمَعْنَى الِاجْتِمَاعِ. وَلَمْ يَقُلْ بَصِيرٌ بِي وَذَلِكَ مِنْ كَمَالِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ لَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِكَمَالٍ مُوجِبٍ لِلْإِجَابَةِ. وَقَدَّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى لِيَبْدَأَ بِمَحِلِّ السُّؤَالِ؛ وَهُوَ مُوسَى وَهَارُونُ ﵉ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِمَا بِالضَّمِيرِ، فَهُوَ خَاصٌّ فَلِذَلِكَ قَدَّمَ بَيَانًا لِلْمُرَادِ وَكَانَ تَقْدِيمُهُ هُنَاكَ لِلِاهْتِمَامِ، وَلَيْسَ مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ تَقْدِيمَ الْمَجْرُورِ لِلِاخْتِصَاصِ لِأَنَّهُ تَعَالَى بَصِيرٌ بِكُلِّ أَحَدٍ، وَأَخَّرَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ.
[قَوْله تَعَالَى وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَالَ ﵀: كُنْت أَتْلُو فِي سُورَةِ طَه ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] فَقَالَ لِي ابْنِي أَحْمَدُ لِمَ جَاءَ هَذَا فِي وَسَطِ الْكَلَامِ؛ وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى هِرَقْلَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَالَ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فَهَذَا هُوَ أَوَّلُ مُخَاطَبَتِهِمَا لِفِرْعَوْنَ وَلَعَلَّهُمَا قَالَا فِيهَا سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَوْ أَلْيَنُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ ﴿عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] مِنْهُمْ عَدَمُ السَّلَامِ عَلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَى هِرَقْلَ بَعْدَ مُضِيِّ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ نُبُوَّتِهِ يَعْلَمُ مِنْهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ مِثْلُ أَوَّلِ قُدُومِ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَى فِرْعَوْنَ فَقَدْ لَا يَحْتَمِلُ مُفَاجَأَتَهُمَا بِذَلِكَ وَاكْتَفَى بِأَمْرِهِمَا بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ وَهُمَا يَعْلَمَانِ الْقَوْلَ اللَّيِّنَ، أَلَا تَرَى إبْرَاهِيمَ ﵇ كَيْفَ قَالَ لِأَبِيهِ ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧] لِحَقِّ الْأُبُوَّةِ، وَكَانَ لِفِرْعَوْنَ حَقُّ التَّرْبِيَةِ فَلَا يُسْتَبْعَدُ مِنْ مُوسَى ﵇ أَنْ يُلَاطِفَهُ؛ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ لِهِرَقْلَ وَلَا لِأَمْثَالِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلَمَّا أَمَرَهُمَا اللَّهُ فِي الْكَلَامِ الْأَوَّلِ بِالْمُلَايَنَةِ أَخَذَ فِي الْكَلَامِ الثَّانِي يُعَلِّمُهُمَا مَقْصُودَ الرِّسَالَةِ وَخَتَمَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] فَجَاءَ بَعْدَ الْكَلَامِ الْمَقْصُودِ بِالرِّسَالَةِ لَمَّا أُمِرَا أَنْ يَقُولَا الْقَوْلَ اللَّيِّنَ وَفَرَغَا مِنْهُ قِيلَ لَهُمَا أَنْ يَقُولَا مَا هُوَ مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ
стр. 68
مِنْ أَنَّهُمَا رَسُولَا رَبِّهِ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمَا بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا يُعَذِّبْهُمْ، وَمَجِيئُهُمَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ. فَهَذَا هُوَ مَقْصُودُ الرِّسَالَةِ. وَخَتَمَاهُ بِالسَّلَامِ مُعَرَّفًا عَلَى عَادَةِ السَّلَامِ فِي آخِرِ الرَّسَائِلِ فَهُوَ سَلَامُ دُعَاءٍ لَا سَلَامُ تَحِيَّةٍ. وَالسَّلَامُ التَّحِيَّةُ يَكُونُ فِي صَدْرِ الرِّسَالَةِ مُنَكَّرًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ فِي ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] عَاطِفَةً لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْلِيمًا لَهُمَا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمَا فِي كُلِّ وِرْدٍ وَصَدْرِ أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ. وَكَانَ تَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمَا ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨] مُتَعَيِّنًا لِأَنَّهُ فِي تَقْدِيرِ الْمُعَلَّقِ كَأَنَّهُ قِيلَ وَالْعَذَابُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ الْهُدَى، وَلِأَنَّهُ وَعِيدٌ عَلَى عَدَمِ الِانْقِيَادِ لِمَا أُرْسِلَا بِهِ. فَلَيْسَ مَقْصُودًا آخَرَ زَائِدًا عَلَى مَضْمُونِ الرِّسَالَةِ بَلْ هُوَ مِنْ آثَارِهَا. وَمَضْمُونُ الرِّسَالَةِ قَدْ كَمُلَ أَدَاؤُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى وَاَلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَالَ ﵀ قَوْلُهُ (وَاَلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) قَدْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ فِي أَنَّ مَرْيَمَ ﵍، لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ. وَقَدْ مَالَ خَاطِرِي إلَيْهِ لِهَذِهِ الْإِشَارَةِ وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ خِلَافَهُ؛ فَإِنَّ مَا رَأَيْنَاهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَهُمْ؛ وَهَذِهِ قَرِينَةٌ يُسْتَفَادُ مِنْهَا ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[قَوْله تَعَالَى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] إنَّ " اللَّهُ " اسْمٌ مُفْرَدٌ إذَا قُصِدَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجَوَابِ، وَهُوَ إفَادَةُ تَصَوُّرِ مَنْ خَلَقَهُمْ. وَاَلَّذِي يُقَدِّرُهُ النُّحَاةُ مِنْ أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ إنَّمَا يَصِحُّ بِطَرِيقِينَ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُرَادَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجَوَابِ، بَلْ زِيَادَةُ إفَادَةِ الْإِخْبَارِ كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] وَيَحْصُلُ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ الْجَوَابِ، وَهُوَ إفَادَةُ التَّصَوُّرِ.
وَالثَّانِي أَنْ يُرَادَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجَوَابِ لَفْظًا وَيَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ عَلَى الْمَعْنَى التَّصْدِيقِيِّ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ، فَنَظَرَ النُّحَاةُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى الِالْتِزَامِيِّ وَأَعْرَبُوا عَلَيْهِ لِأَنَّ صِنَاعَتَهُمْ تَقْتَضِي النَّظَرَ فِيهِ. لِيَكُونَ كَلَامًا تَامًّا، وَلَيْسَ مِنْ صِنَاعَتِهِمْ النَّظَرُ فِي الْمُفْرَدِ، لَكِنْ يَبْقَى بَعْدَ هَذَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُفْرَدًا فَحَقُّهُ أَنْ لَا يُعْرِبَ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ قَبْلَ النَّقْلِ وَالتَّرْكِيبِ لَا مُعْرِبَةٌ وَلَا مُبِينَةٌ؛ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُعْرِبًا فَحَقُّهُ أَنْ يُنْطَقَ بِهِ مَوْقُوفًا وَهُوَ قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مَرْفُوعًا. فَأَصْلُ هَذَا مُرَاعَاةٌ لِمَا اُسْتُفِيدَ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ، فَجُعِلَ كَالْمُرَكَّبِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ النُّحَاةُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ
стр. 69
الْأَسْمَاءَ الْمُفْرَدَةَ لَا يَجُوزُ النُّطْقُ بِهَا مَرْفُوعَةً وَإِلَّا فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهَا يُنْطَقُ بِهَا عَلَى هَيْئَةِ الْمَرْفُوعِ، لِأَنَّ الْمَرْفُوعَ أَقْوَى الْحَرَكَاتِ. وَلِهَذَا نَقُولُ فِي الْعَدَدِ وَاحِدٌ اثْنَانِ بِالْأَلْفِ كَهَيْئَةِ الْمَرْفُوعِ. وَأَصْلُ هَذَا إذَا قُلْت: مَا الْإِنْسَانُ؟ قِيلَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ فَإِنَّهُ مُفْرَدٌ لَيْسَ بِكَلَامٍ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ ذِكْرُ هَذَا لِتَصَوُّرِ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ وَلِهَذَا يَعُدُّ الْمَنْطِقِيُّونَ الْحَدَّ خَارِجًا عَنْ الْكَلَامِ، وَمَتَى قِيلَ هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ كَانَ دَعْوَى لَا حَدًّا، وَالنُّحَاةُ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[قَوْله تَعَالَى أَرَأَيْت مَنْ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَالَ ﵀ قَوْله تَعَالَى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] سَمِعْت شَيْخَنَا أَبَا الْحَسَنِ عَلَاءَ الدِّينِ الْبَاجِيَّ ﵀ مِنْ نَحْوِ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَقُولُ: لِمَ لَا قِيلَ اتَّخَذَ هَوَاهُ إلَهَهُ؟ وَمَا زِلْت مُفَكِّرًا فِي الْجَوَابِ حَتَّى تَلَوْت الْآنَ مَا قَبْلَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ﴾ [الفرقان: ٤١] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [الفرقان: ٤٢] فَعَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ الْبَاطِلُ الَّذِي عَكَفُوا عَلَيْهِ وَصَبَرُوا وَأَشْفَقُوا مِنْ الْخُرُوجِ عَنْهُ فَجَعَلُوهُ هَوَاهُمْ. انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] قَالَ ﵀ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِهِ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ لِلْعُمُومِ، لِأَنَّ أُولَئِكَ لَيْسَ لَهُمْ غَرْفَةٌ وَاحِدَةٌ بَلْ غُرَفٌ كَثِيرَةٌ انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى أَوْ نِسَائِهِنَّ]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] قَالَ ﵀ قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي الْبَسِيطِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ يَعْنِي النِّسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ كُلَّهُنَّ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُؤْمِنَةٍ أَنْ تَتَجَرَّدَ بَيْنَ يَدَيْ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةً لَهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ تَرَاهُنَّ يَهُودِيَّاتٌ وَلَا نَصْرَانِيَّاتٌ لِئَلَّا يَصِفْنَهُنَّ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَقَوْلُهُ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] يَعْنِي الْمَمَالِيكَ وَالْعَبِيدَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُظْهِرَ لِمَمْلُوكِهَا إذَا كَانَ عَتِيقًا مَا تُظْهِرُ لِمَحَارِمِهَا، مَا لَمْ يَعْتِقْ بِالْأَدَاءِ أَوْ بِالْإِبْرَاءِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا وَجَدَ مُكَاتَبُ إحْدَاكُنَّ وَفَاءً فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» هَذَا كَلَامُ الْوَاحِدِيِّ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] قِيلَ عُنِيَ بِهِ نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ، ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] قَالَ بَلَغَنِي أَنَّهُنَّ نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ أَنْ تُرِي مُشْرِكَةً عَوْرَتَهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةً لَهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ثنا الْحُسَيْنُ
стр. 70
ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نَسِيِّ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ " أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءً يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ مَعَهُنَّ نِسَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَامْنَعْ ذَلِكَ وَحِلَّ دُونَهُ. قَالَ ثُمَّ إنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَامَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ مُبْتَهِلًا اللَّهُمَّ أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَدْخُلُ الْحَمَّامَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلَا سَقَمٍ تُرِيدُ الْبَيَاضَ لِوَجْهِهَا فَسَوِّدْ وَجْهَهَا يَوْمَ تَبْيَضُّ الْوُجُوهُ " وَقَوْلُهُ (أَيْمَانُهُنَّ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ مَمَالِيكُهُنَّ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُظْهِرَ لَهُمْ مِنْ زِينَتِهَا مَا تُظْهِرُ لِهَؤُلَاءِ، ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ثنا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ مُخْلَدٍ التَّمِيمِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] قَالَ فِي الْقِرَاءَةِ الْأُولَى (أَيْمَانُكُمْ) وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] مِنْ إمَاءِ الْمُشْرِكِينَ كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَبْلُ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] عُنِيَ بِهِنَّ نِسَاءُ الْمُسْلِمَاتِ دُونَ الْمُشْرِكَاتِ ثُمَّ قَالَ (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) مِنْ الْإِمَاءِ الْمُشْرِكَاتِ. هَذَا كَلَامُ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي تَفْسِيرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
[قَوْله تَعَالَى وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُد وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا]
(آيَةٌ أُخْرَى) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ وَهُوَ ابْتِدَاءُ دَرْسٍ عَمِلَهُ لِوَلَدِهِ الشَّيْخِ بَهَاءِ الدِّينِ عُمْدَةِ الْمُحَقِّقِينَ أَبِي حَامِدٍ أَحْمَدَ دَرَّسَ بِهِ فِي الْمَدْرَسَةِ الْمَنْصُورِيَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ رَابِعَ عَشْرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَأَلْقَاهُ الْعَلَّامَةُ بِحُضُورِ وَالِدِهِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] الْكَلَامُ عَلَيْهَا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا إنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْقِصَصِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي هِيَ - أَعْنِي الْقِصَصَ الْمَذْكُورَةَ - بَيَانٌ لِقَوْلِهِ ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وَمِنْ حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ مَا اتَّفَقَ فِي هَذِهِ الْقِصَصِ وَمَا آتَاهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وَلَمَّا كَانَ مُوسَى وَدَاوُد وَسُلَيْمَانُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ﵈ وَمُوسَى مِنْ أَوْلَادِ لَاوَى بْنِ يَعْقُوبَ وَهُوَ إسْرَائِيلُ؛ ذَكَرَ الْقِصَّتَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ، وَقَدَّمَ الْقِصَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي الزَّمَانِ وَهِيَ قِصَّةُ مُوسَى ثُمَّ تَلَاهَا بِهَذِهِ وَقَدْ اشْتَرَكَتَا فِيمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ نَصْرِهِمْ وَاسْتِنْقَاذِهِمْ مِنْ يَدِ عَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ وَإِهْلَاكِهِ وَذَهَابِ مُلْكِهِ، وَاسْتِخْلَافِهِمْ مِنْ بَعْدِهِ وَتَوْرِيثِهِمْ
стр. 71
مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا.
وَأَمْرُهُمْ مُتَزَايِدٌ مِنْ لَدُنْ عُرِفَ فِرْعَوْنُ بِبَرَكَةِ مُوسَى ﵇ إلَى أَنْ مَلَكَ سُلَيْمَانُ ﵇ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا مَعَ مَا أُوتِيَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْخَصَائِصِ الْعَظِيمَةِ.
(الْوَجْهُ الثَّانِي) تَعْظِيمُ مَرْتَبَةِ الْعِلْمِ وَشَرَفِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى آتَى دَاوُد وَسُلَيْمَانُ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَا لَا يَنْحَصِرُ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ فِي صَدْرِ هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا الْعِلْمَ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ الْأَصْلُ فِي النِّعَمِ كُلِّهَا، فَلَقَدْ كَانَ دَاوُد مِنْ أَعْبَدْ الْبَشَرِ كَمَا صَحَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَذَلِكَ مِنْ آثَارِ عِلْمِهِ وَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ وَلِابْنِهِ سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ لِأَحَدٍ، وَجَعَلَ الْعِلْمَ أَصْلًا لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَشَارَا هُمَا أَيْضًا إلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِمَا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] عَقِيبَ قَوْلِهِ ﴿آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥] وَمَا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمَا شَكَرَا مَا آتَاهُمَا إيَّاهُ وَأَنَّ سَبَبَ التَّفْضِيلِ هُوَ الْعِلْمُ، وَإِنَّمَا قَالَ (وَقَالَا) بِالْوَاوِ دُونَ الْفَاءِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالْفَاءِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك فَشُكْرًا، وَيَكُونُ الشُّكْرُ حِينَئِذٍ هُوَ قَوْلُهُمَا ذَلِكَ لَا غَيْرُ، فَعَدَلَ إلَى الْوَاوِ لِيُشِيرَ إلَى الْجَمْعِ فِي الْإِيتَاءِ لَهُمَا بَيْنَ الْعِلْمِ وَقَوْلِهِمَا ذَلِكَ الْمُحَقِّقَ لِمَقْصُودِ الْعِلْمِ مِنْ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الْعِبَادَةِ وَكُلِّ خَصْلَةٍ حَمِيدَةٍ؛ فَلِذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مِنْهَا: أَنَّ فَضْلَ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ، وَلِهَذَا مِدَادُ الْعُلَمَاءِ أَفْضَلُ مِنْ دَمِ الشُّهَدَاءِ وَأَعْظَمُ مَا عِنْدَ الْمُجَاهِدِ دَمُهُ وَأَهْوَنُ مَا عِنْدَ الْعَالَمِ مِدَادُهُ، فَمَا ظَنُّك بِأَشْرَفِ مَا عِنْدَ الْعَالَمِ مِنْ الْمَعَارِفِ وَالتَّفَكُّرِ فِي آلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي تَحْقِيقِ الْحَقِّ وَبَيَانِ الْأَحْكَامِ وَهِدَايَةِ الْخَلْقِ. وَلِذَلِكَ جُعِلُوا وَرَثَةَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَالَ ﷺ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ. فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦] .
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) فِي قَوْلِهِ ﴿دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ١٥] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ أَوْ نَقِيضَهُ، بَلْ هِيَ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ مِنْ مُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْلُومُ أَنَّ إيتَاءَ دَاوُد قَبْلَ إيتَاءِ سُلَيْمَانَ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ وَرَدَتْ الْوَاوُ فِيهِ مِمَّا يُعْلَمُ التَّرْتِيبُ فِيهِ مِنْ خَارِجٍ كَهَذِهِ الْآيَةِ لَنَا فِيهِ طَرِيقَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ تَكُونُ مُسْتَعْمَلَةً
стр. 72
فِي مَعْنَاهَا وَهُوَ الْجَمْعُ الْمُطْلَقُ فَتَكُونُ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَلَا يُنَافِي الْعِلْمَ بِكَوْنِ ذَلِكَ مُرَتَّبًا، لِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ حَاصِلٌ مَعَ التَّرْتِيبِ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً فِي التَّرْتِيبِ فَيَلْزَمُ التَّجَوُّزُ فِي الْحُرُوفِ إذَا قُلْنَا أَنَّ اللَّفْظَ الْمُتَوَاطِئَ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ كَانَ مَجَازًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُطْلَقَ اللَّفْظُ الْأَعَمُّ وَيُرَادُ بِهِ الْأَخَصُّ وَبَيْنَ أَنْ يُطْلَقَ وَلَا يُرَادُ بِهِ الْأَخَصُّ بَلْ يُرَادُ بِهِ مَعْنَاهُ الْأَعَمُّ وَإِنْ عُلِمَ مِنْ خَارِجٍ أَنَّ الْوَاقِعَ التَّرْتِيبُ وَالْمَجَازُ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي.
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) هَذَا الْبَحْثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ يَجْرِي فِي قَوْلِهِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] هَلْ هُوَ حَمْدٌ أَوْ شُكْرٌ؟ وَتَحْقِيقُ هَذَا الْبَحْثِ بِتَقْدِيمِ مُقَدِّمَتَيْنِ (أَحَدَاهُمَا) أَنَّ الْحَمْدَ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالصِّفَاتِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَمِمَّا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ الْإِنْعَامِ وَالْإِفْضَالِ، وَالشُّكْرُ هُوَ الثَّنَاءُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ الْإِنْعَامِ وَالْإِفْضَالِ فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنْ الشُّكْرِ. وَقِيلَ الْحَمْدُ الثَّنَاءُ بِمَا فِيهِ وَالشُّكْرُ بِمَا مِنْهُ؛ فَيَكُونَانِ خَاصَّيْنِ تَحْتَ أَعَمِّ، وَهُوَ مُطْلَقُ الثَّنَاءِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ مُتَبَايِنَيْنِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي عَلَى هَذَا أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَمْدٌ وَأَنَّهُ شُكْرٌ. (الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَمْدَ أَعَمُّ مِنْ الشُّكْرِ فَقَوْلُنَا (الْحَمْدُ لِلَّهِ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ثَنَاءً عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ، فَيَكُونُ شُكْرًا، فَعَلَى الْأُولَى أَنَّ جَعَلْنَا الْحَمْدَ أَعَمَّ مُطْلَقًا فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، فَيَكُونُ مَجَازًا وَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً حَتَّى يُرَادَ الْأَعَمُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ، وَإِنْ جَعَلْنَا الْحَمْدَ الثَّنَاءَ بِمَا فِيهِ فَقَطْ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَوْضُوعِهِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً.
وَعَلَى الثَّانِي - وَهُوَ أَنْ يُرَادَ الثَّنَاءُ بِمَا مِنْهُ فَقَطْ - يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ سَوَاءٌ أَجَعَلْنَا الْحَمْدَ أَعَمَّ مُطْلَقًا أَمْ لَا. أَمَّا عَلَى الثَّانِي فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ كَاسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ فَيَكُونُ مَجَازًا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْبَحْثِ، وَقَوْلُهُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ [النمل: ١٥] وَنَحْوُهُ كَقَوْلِنَا " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِنَا " الْحَمْدُ لِلَّهِ " إذَا اقْتَصَرْنَا عَلَيْهِ، وَيَكُونُ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ الْمُرَادُ بِهِ ذِكْرُ صِفَتِهِ تَعَالَى لَا غَيْرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ التَّعْرِيضَ بِحُصُولِ ذَلِكَ مِنْهُ، فَيَكُونُ ثَنَاءً بِالنِّعْمَةِ فَيَكُونُ شُكْرًا، فَيَعُودُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ وَيَتَرَجَّحُ أَنَّهُ مَجَازٌ.
وَقَوْلُنَا " الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ " وَنَحْوُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ ثَنَاءٌ بِالنِّعَمِ فَتَظْهَرُ فِيهِ جِهَةُ الْمَجَازِ وَيَكُونُ شُكْرًا لَا حَمْدًا مُجَرَّدًا وَإِنَّمَا قُلْت لَا حَمْدًا لِأَنَّ كُلَّ شُكْرٍ حَمْدٌ، عَلَى مَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ أَخُصُّ وَأَنَّ الْحَمْدَ هُوَ مُطْلَقُ الثَّنَاءِ
стр. 73
بِمَا فِيهِ خَاصَّةً دُونَ مَا مِنْهُ؛ لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِنَا " الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ " وَقَوْلِنَا " الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ " يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُرَادَ الشُّكْرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَنْ يُحْمَدَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ السَّرَّاءَ تُوجِبُ الشُّكْرَ، وَالضَّرَّاءَ تُوجِبُ الصَّبْرَ الْمُوجِبَ لِلثَّوَابِ الْمُوجِبِ لِلشُّكْرِ، فَهِيَ نِعْمَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ.
فَالْأَحْوَالُ كُلُّهَا نِعَمٌ، فَيَصِيرُ مِثْلَ قَوْلِهِ " الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ " فَيَكُونُ مَجَازًا فِي الشُّكْرِ وَالثَّانِي أَنْ يُرَادَ الثَّنَاءُ عَلَى صِفَاتِ كَمَالِهِ وَإِنْ حَصَلَ مِنْهُ ضَرَّاءُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِ الثَّنَاءَ عَلَى صِفَاتِ كَمَالِهِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ أَنْقَصُ مِنْ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَأَمْكَنُ فِي الْمَعْنَى.
(الْوَجْهُ الْخَامِسُ) قَوْلُهُ (عِلْمًا) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِتَنْكِيرِهِ تَعْظِيمَهُ أَيْ عِلْمًا أَيَّ عِلْمٍ، وَيَكُونُ تَفْضِيلُهُمَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْعِبَادِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْآيَةِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتَعْمَلَ الْعِلْمَ لِلْأَعَمِّ فِيمَا هُوَ أَخُصُّ مِنْهُ، فَيَعُودُ الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ مَجَازٌ أَوْ حَقِيقَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مَوْضُوعُهُ الْأَصْلِيُّ وَحُذِفَتْ صِفَتُهُ أَيْ عِلْمًا عَظِيمًا، فَيَكُونُ الْعِلْمُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضُوعِهِ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ مَعَهُ حَذْفٌ وَفِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ هَذَا الْوَجْهِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْإِضْمَارِ؛ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعْنَى التَّفْضِيلِ لَا يَخْتَلِفُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ مُطْلَقُ الْعِلْمِ فَلَا مَجَازَ وَلَا إضْمَارَ بَيْنَهُمَا، عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْعِلْمِ مُسْتَوْجِبٌ لَأَنْ يُقَالَ فِيهِ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِأَنْ يُوصَفَ بِهِ خَوَاصُّ الْعِبَادِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَيَكُونُ بِالْعِلْمِ الْخَاصِّ الْعَظِيمِ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ. وَهَذَا الْوَجْهُ أَبْلُغُ فِي بَيَانِ شَرَفِ الْعِلْمِ وَأَنَافَتِهِ عَلَى كُلِّ ذُرْوَةٍ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ الْآيَةِ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُثْنِي عَلَى الْكَامِلِ لِصِفَتِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ لَا بِمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُ الْكَامِلِ. (الْوَجْهُ السَّادِسُ) قَوْلُهُ (عَلَى كَثِيرٍ) مُتَعَيَّنٍ هَاهُنَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ " عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ " لِأَنَّهُمَا مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ يَفْضُلَانِ عَلَى مَنْ هُمَا مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَفْضُلَانِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا مِنْهُمْ.
فَإِنْ قُلْت فَقَدْ جَاءَ ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦] وَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِينَ قُلْت هَذَا مَعَهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ، هِيَ " الْعَالَمِينَ " فَكَأَنَّهُ قَالَ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ. وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ مُفَضَّلُونَ عَلَى كُلِّ الْعَالَمِينَ قَطْعًا، لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّهُمْ مِنْ الْعَالَمِينَ وَعَدَمِ إمْكَانِ تَفْضِيلِ الشَّخْصِ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْهُمْ.
وَقَوْلُهُ ﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] لَوْ حَذَفَ لَفْظَ " كَثِيرٍ " صَارَ التَّفْضِيلُ عَلَى مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِالْإِيمَانِ فَيَبْقَى ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ، فَاجْتَنَبَ ذَلِكَ وَالْتَزَمَ إدْخَالَ لَفْظِ كَثِيرٍ هُنَا وَمَا أَشْبَهَهُ.
(الْوَجْهُ السَّابِعُ) وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ فِي الْآيَةِ
стр. 74
وَلَكِنِّي أُقَدِّمُهُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] فَقَوْلُهُ (أَوْزِعْنِي) مَعْنَاهُ أَلْهِمْنِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الْأَصْلُ فِي الْإِيزَاعِ الْإِغْرَاءُ بِالشَّيْءِ يُقَالُ فُلَانٌ مُوزَعٌ بِكَذَا أَيْ مُولَعٌ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَوْزِعْنِي مَعْنَاهُ ارْفَعْنِي عَنْ الْمَوَانِعِ وَازْجُرْنِي عَنْ الْقَوَاطِعِ لِأَجْلِ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوْزِعْنِي بِمَعْنَى اجْعَلْ حَظِّي وَنَصِيبِي مِنْ التَّوْزِيعِ وَالْقَوْمِ الْأَوْزَاعِ وَمِنْ قَوْلِك تَوَزَّعُوا الْمَالَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَنْ أَشْكُرَ مَفْعُولًا صَرِيحًا وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ حَقِيقَةُ أَوْزِعْنِي اجْعَلْنِي أَزَعُ شُكْرَ نِعْمَتِك عِنْدِي وَأَكُفُّهُ وَأَرْتَبِطُهُ لَا تَنْقَلِبُ عَنِّي حَتَّى لَا أَنْفَكَّ شَاكِرًا لَك وَقَوْلُهُ ﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: ١٩] يَعْنِي مِنْ الْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ جَلَائِلِ النِّعَمِ (وَعَلَى وَالِدَيَّ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ نِعْمَتَك الَّتِي أَنْعَمْتهَا عَلَيَّ وَنِعْمَتَك الَّتِي أَنْعَمْتهَا عَلَى وَالِدَيَّ لِأَنَّ النِّعْمَةَ عَلَى الْوَلَدِ نِعْمَةٌ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، فَيَكُونَانِ نِعْمَتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى وَاحِدٍ؛ وَيَكُنْ قِيَامُ سُلَيْمَانَ بِشُكْرِ نِعْمَةِ أَبِيهِ لِأَنَّ النِّعْمَةَ عَلَى أَبِيهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ وَيَفْتَخِرُ بِهِ. وَفِي هَذَا التَّقْدِيرِ نَظَرٌ، وَسَوَاءٌ جَعَلْنَاهَا نِعْمَتَيْنِ أَوْ نِعْمَةً وَاحِدَةً عَلَى الْأَبِ.
وَيَقُومُ الِابْنُ بِشُكْرِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ نِعْمَتُك الَّتِي أَنْعَمْتهَا عَلَيَّ، وَهِيَ نِعْمَةٌ عَلَى وَالِدَيَّ لِأَنَّ النِّعْمَةَ عَلَى الْوَلَدِ نِعْمَةٌ عَلَى الْوَالِدَيْنِ؛ لَا سِيَّمَا النِّعْمَةُ الرَّاجِعَةُ إلَى الْوَالِدَيْنِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَقِيًّا نَفَعَهُمَا بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَبِدُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمَا كُلَّمَا دَعُوا، وَقَالُوا لَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْك وَعَنْ وَالِدَيْك.
وَقَوْلُهُ ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل: ١٩] إنَّمَا قَدَّمَ الشُّكْرَ عَلَى الْعَمَلِ لِأَنَّ الشُّكْرَ عَمَلُ الْقَلْبِ. وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ؛ وَلِأَنَّ الشُّكْرَ عَلَى النِّعَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ صَالِحٌ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّ الْعَمَلَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَالِحٌ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَلَا يُقْبَلُ حَتَّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ الْإِخْلَاصُ فَإِذَا كَانَ صَالِحًا مُخْلِصًا فِيهِ كَانَ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا.
قَالَ الْفُضَيْلُ: إنَّ الْعَمَلَ لَا يَكُونُ صَالِحًا إلَّا إذَا كَانَ صَوَابًا خَالِصًا. وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ. وَقَوْلُهُ ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ﴾ [النمل: ١٩] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْجَنَّةَ تُنَالُ بِرَحْمَتِهِ لَا بِالْعَمَلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِك فِي عِبَادِك الْكَامِلِينَ فِي الصَّلَاحِ الْقَائِمِينَ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ فَوْقَ دَرَجَةِ الصَّلَاحِ، وَلَكِنْ أَشَارَ إلَى الْكَمَالِ وَإِلَى الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى أَتَمِّ الْأَحْوَالِ
[قَوْله تَعَالَى أَلَمْ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا]
وَمِنْ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] عَنْ الزَّجَّاجِ أَنَّهُ قَالَ (أَنْ يُتْرَكُوا) سَادَّةٌ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ
стр. 75
وَ ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] حَقِيقَةً فَهُوَ بَدَلُ شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإِنْ قُلْت فَأَيْنَ الْكَلَامُ الدَّالُّ عَلَى الْمَضْمُونِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحُسْبَانُ فِي الْآيَةِ.
قُلْت هُوَ فِي قَوْلِهِ ﴿أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] وَذَلِكَ أَنَّ تَقْدِيرَهُ. أَحَسِبُوا تَرْكَهُمْ غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِقَوْلِهِمْ آمَنَّا. فَالتَّرْكُ أَوَّلُ مَفْعُولَيْ حَسِبَ وَلِقَوْلِهِمْ (آمَنَّا) هُوَ الْخَبَرُ فَعَجِبْت مِنْ الزَّمَخْشَرِيِّ لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَتَّبِعُ الزَّجَّاجَ فَكَيْفَ خَالَفَهُ هُنَا؟ حَتَّى وَقَفْت عَلَى مَقْصُودِ الْآيَةِ.
وَهُوَ أَنَّ الْمُنْكَرَ حُسْبَانُهُمْ التَّرْكَ لِأَجْلِ قَوْلِهِمْ لَا يَزَالُونَ يُفْتَنُونَ حَتَّى يَعْلَمَ دُخُولَ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ وَيَعْلَمَ الصَّادِقَ فِي قَوْلِهِ مِنْ الْكَاذِبِ؛ فَحِينَئِذٍ يُتْرَكُ مِنْ الْفِتْنَةِ وَإِنْ لَمْ يُتْرَكْ مِنْ التَّكَالِيفِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] فَهَذَا التَّرْكُ غَيْرُ ذَاكَ التَّرْكِ وَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ إنْكَارَ حُسْبَانِ مُطْلَقِ التَّرْكِ لَصَحَّ مَا قَالَهُ الزَّجَّاجُ فَحِينَمَا وَقَفْت عَلَى هَذَا الْمَعْنَى عَلِمْت صِحَّةَ مَا قَصَدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلتَّرْكِ الَّذِي أَنْكَرَ حُسْبَانَهُ مِنْ تَتِمَّةٍ، لَكِنَّ التَّتِمَّةَ كَمَا تَكُونُ بِجَعْلِ مَا بَعْدَ التَّرْكِ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِتَأَكُّدِهِ كَوْنَ تَغَيُّرِهِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنْ يَكُونَ (أَنْ يُتْرَكُوا) سَادَّةً مَسَدَ الْمَفْعُولَيْنِ.
وَقَوْلُهُ (أَنْ يَقُولُوا) تَعْلِيلٌ إمَّا لِيُتْرَكُوا مَعْمُولٌ لَهُ، وَإِمَّا لِحَسِبَ مَعْمُولٌ لَهُ. فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مَعْمُولًا لِيُتْرَكُوا فَالْمُنْكَرُ حُسْبَانُ التَّرْكِ الْمُعَلَّلِ بِالْقَوْلِ. وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مَعْمُولًا لِحَسِبَ فَالْمُنْكَرُ الْحُسْبَانُ الْمُعَلَّلُ بِالْقَوْلِ وَمَعْنَاهُ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْأَوَّلِ.
وَقَوْلُهُ (وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) حَالٌ إمَّا مِنْ الضَّمِيرِ فِي (يَقُولُوا) سَوَاءٌ جَعَلْنَاهُ عِلَّةً فِي التَّرْكِ أَوْ فِي الْحُسْبَانِ. وَإِمَّا مِنْ الضَّمِيرِ فِي (يُتْرَكُوا) إذَا جَعَلْنَاهُ عِلَّةً فِي التَّرْكِ دُونَ مَا إذَا جَعَلْنَاهُ عِلَّةً فِي الْحُسْبَانِ، لِأَجْلِ الْفَصْلِ بِأَجْنَبِيٍّ.
هَذَا الَّذِي أَرَاهُ فِي تَقْدِيرِ الْآيَةِ وَإِعْرَابِهَا وَمَعْنَاهَا. ثُمَّ نَظَرْت فِي جَعْلِ الْمَفْعُولَيْنِ مُصَرَّحًا بِهِمَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَاسْتَحْضَرْت قَوْلَ النُّحَاةِ فِي أَنَّ " أَنْ " وَ " الْفِعْلَ " يَسُدُّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ عَلَى أَصَحِّ الْمَذْهَبَيْنِ، وَيُقَدَّرُ مَعَهَا الْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفًا عَلَى الْمَذْهَبِ الْآخَرِ فَالتَّصْرِيحُ بِهِمَا خِلَافُ الْمَذْهَبَيْنِ، ثُمَّ قُلْت فِي نَفْسِي: لَعَلَّ الْمَذْهَبَيْنِ حَيْثُ يَتِمُّ الْكَلَامُ بِأَنْ وَالْفِعْلِ.
أَمَّا حَيْثُ لَا يَتِمُّ فَقَدْ يَكُونُ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَيُؤْتَى بَعْدَهُ بِالْمَفْعُولِ الْآخَرِ، لِأَنَّ " أَنْ، وَالْفِعْلَ " كَالْمَصْدَرِ فَكَمَا تَقُولُ: حَسِبْت تَرْكَهُمْ كَقَوْلِهِمْ كَذَلِكَ يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ حَسِبْت أَنْ يُتْرَكُوا لِلْقَوْلِ، وَفِي هَذَا فَضْلُ نَظَرٍ، لِأَنَّ صَرِيحَ الْمَصْدَرِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى تَصَوُّرِيٍّ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْإِفَادَةِ، " وَأَنْ وَالْفِعْلُ " يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى تَصْدِيقِيٍّ مُسْتَقِلٍّ بِالْإِفَادَةِ. وَمِنْ ثَمَّ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا وَسَدَّتْ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ. فَهَلْ يَقَعُ " أَنْ وَالْفِعْلُ " مَقْصُودًا بِهِ التَّصَوُّرِيُّ فَقَطْ
следующие страницы →