Полный текст (1 159 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الصَّدْرُ بِذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ فِي حَدِيثِهِ عَلَى التَّنْزِيهِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَلَيْسَ الِاضْطِرَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُوجِبُ رَدَّ هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ لِكَثْرَةِ الرِّوَايَاتِ لَا نَشُكُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حَصَلَ مِنْ رَافِعٍ، وَإِنَّمَا الِاضْطِرَابُ فِي كَوْنِهِ رَوَاهُ تَارَةً وَأَرْسَلَهُ وَتَارَةً عَنْ عَمِّهِ وَتَارَةً عَنْ عَمَّيْهِ وَتَارَةً عَنْ رَجُلٍ مِنْ عُمُومَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ عَنْ رَافِعٍ وَرَافِعٌ صَحَابِيٌّ وَمُرْسَلُهُ صَحِيحٌ لَا يَمْتَنِعُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَمَّيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ لَكَفَى سَمَاعُهُ مِنْ عَمَّيْهِ، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ الْحَدِيثَ لَهُ أَصْلٌ، وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ هَلْ كَانَ عَامًّا، أَوْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا وَهَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ، أَوْ التَّنْزِيهِ هَذَانِ الْأَمْرَانِ هُمَا مَحَلُّ التَّرَدُّدِ وَمُزَارَعَةُ خَيْبَرَ تُرَجِّحُ الْحَمْلَ عَلَى التَّنْزِيهِ، أَوْ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ تُفْعَلُ خَاصَّةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَادَّعَى ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ فِعْلَهُ ﷺ فِي خَيْبَرَ نَاسِخٌ لِنَهْيِهِ فِي إجَارَةِ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ وَفِعْلُهُ فِي خَيْبَرَ مُسْتَمِرٌّ إلَى وَفَاتِهِ ﷺ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مِثْلِهِ وَنَأْخُذُ بِالنَّهْيِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ إلَّا إحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ؛ إمَّا أَنْ يَزْرَعَهَا صَاحِبُهَا بِنَفْسِهِ وَأَعْوَانِهِ، إمَّا أَنْ يَمْنَحَهَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ اشْتَرَكَا فِي زِرَاعَتِهَا فِي الْآلَةِ، وَالْبَذْرِ، وَالْبَقَرِ فَحَسَنٌ، وَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَهَا لِمَنْ يَزْرَعُهَا وَأَعْوَانُهُ وَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ جُزْءٌ مِنْ الْمُغَلِّ النِّصْفُ، أَوْ الثُّلُثُ وَنَحْوُهُ كَقَضِيَّةِ خَيْبَرَ.
أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِرَافِعٍ فِي النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بِرِوَايَةِ النَّهْيِ وَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ مِنْ طَرِيقِهِ وَطَرِيقِ غَيْرِهِ، وَلَا جَوَابَ إلَّا أَحَدُ ثَلَاثَةٍ إمَّا النَّسْخُ كَمَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَإِمَّا الْحَمْلُ عَلَى الصُّورَةِ الْخَامِسَةِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُمْ وَيُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَأَمَّا الْحَمْلُ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَهُوَ عِنْدِي أَقْرَبُ الْأَجْوِبَةِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ جَعْلِ خَيْبَرَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَلَيْسَ بِأَقْرَبَ مِنْ سُلُوكِ الْمَجَازِ، وَالْحَمْلِ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالْإِرْشَادِ إلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَلَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، أَمَّا إجَارَةُ الْأَرْضِ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ طَعَامٍ مَعْلُومٍ مِنْ غَيْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَكَلَامُ رَافِعٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي حَدِيثِهِ وَلَا يُحْمَلُ مُطْلَقُهُ عَلَيْهِ.
أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا حَكَيَا الْقِصَّةَ الَّتِي حَكَاهَا رَافِعٌ فَهُوَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَإِذَا تَبَيَّنَ بِكَلَامِ رَافِعٍ تَخْصِيصُهُ بِسَبَبِهِ وَوُجُوبُ الْحَمْلِ عَلَيْهِ سَلَكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ كِرَاؤُهَا بِذَلِكَ فَيَجُوزُ فِي الْأَرْضِ كِرَاؤُهَا بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ
стр. 422
أَوْ طَعَامٍ مِنْ غَيْرِهَا وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي النَّهْيِ عَنْ الْكِرَاءِ وَإِطْلَاقِهَا وَلِأَجْلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَجَّحْنَا الِاحْتِمَالَ. وَجَوَّزْنَا الْإِجَارَةَ وَلَا نَقُولُ: إنَّ الْوَرَعَ تَرْكُهَا بَلْ هِيَ جَائِزَةٌ لَا تُنَافِي الْوَرَعَ، وَإِنْ كَانَ مَنْحُهَا خَيْرًا مِنْهُ، وَالْمُزَارَعَةُ عَلَيْهَا سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْمَالِكِ، أَوْ مِنْ الْعَامِلِ، وَهِيَ الْمُخَابَرَةُ كَمَا فِي قَضِيَّةِ خَيْبَرَ فَالظَّاهِرُ جَوَازُهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ شَرَطَ عَلَى الْيَهُودِ أَنْ يَعْتَمِلُوهَا فِي أَمْوَالِهِمْ فَهِيَ مُخَابَرَةٌ بِلَا شَكٍّ.
وَالتَّبَعِيَّةُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عِنْدَنَا عَلَيْهَا وَلَمْ تَكُنْ الْأَرَاضِي الَّتِي فِي خَيْبَرَ قَلِيلَةً بِحَيْثُ يَشُقُّ الدُّخُولُ إلَى النَّخْلِ مِنْ غَيْرِهَا فَقَدْ كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ الثَّمَرِ ثَمَانُونَ وَسْقًا، وَمِنْ الشَّعِيرِ عِشْرُونَ وَسْقًا، فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ فَتَكُونُ الْأَرَاضِي خُمُسَ خَيْبَرَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي التَّبَعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الثُّلُثَ، وَمَا أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ أَنْ يَجْعَلَا ذَلِكَ لِأَجْلِ التَّبَعِيَّةِ إلَّا حَدِيثَ رَافِعٍ وَنَحْوَهُ قَدْ حَمَلْنَاهَا عَلَى مَا عَلِمْت وَمَعَ ذَلِكَ فَالْوَرَعُ التَّنَزُّهُ عَنْهَا أَعْنِي عَنْ الْمُزَارَعَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ كَمَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْرُهُ فِيهَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَالْمُؤْمِنُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْتَاطَ لِنَفْسِهِ وَيَتْرُكَ مَا لَعَلَّهُ حَرَامٌ.
فَصْلٌ: مِنْ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَضَاعِيفِ الْحَدِيثِ مَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(فَصْلٌ) ذَكَرْتُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَصِحُّ غَيْرَ مُوَقَّتَةٍ كَالْقِرَاضِ وَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ قَالَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا حَتَّى أُوَافِقَهُ فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ لِاشْتِرَاطِ التَّوْقِيتِ دَلِيلًا قَوِيًّا إلَّا اللُّزُومَ ثُمَّ قُلْتُ فِي اللُّزُومِ: إنِّي لَمْ يَبِنْ لِي دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لَازِمَةً وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ إذَا وَرَدَتْ عَلَى الذِّمَّةِ كَانَ فِيهَا شَبَهٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ دَيْنٌ عَلَى الْعَامِلِ، وَالثَّمَرَةُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَيْنًا لَكِنَّهَا مَعْدُومَةٌ فَهِيَ فِي مَعْنَى الدَّيْنِ وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ مُجْمَعٌ عَلَى بُطْلَانِهِ وَهَذِهِ الشُّبَهُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ مِنْ لُزُومِهَا، فَإِذَا قِيلَ بِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُ زَالَ هَذَا الْإِشْكَالُ وَأَشْبَهَتْ الْقِرَاضَ وَذَكَرْت عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ إجَارَةِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً كَرِهُوهَا، وَمَسْأَلَةُ إجَارَةِ الْأَرْضِ، وَالْمُسَاقَاةِ عَلَى مَا بِهَا مِنْ الشَّجَرِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ ذَكَرْت مِنْهَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ لِي وَلَمْ أَجْسُرْ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْمُخَابَرَةِ إلَى جَوَازِهَا وَجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالِاخْتِيَارِ وَقُلْت: إنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ تَوْقِيتِ الْمُسَاقَاةِ وَلَا عَلَى لُزُومِهَا وَلَمْ أُصَرِّحْ بِاخْتِيَارٍ فِيهَا لِأَنِّي كُنْت لَمْ أَتَتَبَّعْ جُمْلَةَ الْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالَ
стр. 423
السَّلَفِ وَتَحْقِيقَهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِنْسَانَ بِتَتَبُّعِ ذَلِكَ يُحْدِثُ اللَّهُ فِيهِ قُوَّةً لِمَنْ يَشَاءُ، وَقَدْ حَدَثَتْ فِي قُوَّةٌ الْآنَ لِاخْتِيَارِ بَعْضِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَوْقِيتُهَا وَإِطْلَاقُهَا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ وَأَنَّ الْمُزَارَعَةَ، وَالْمُخَابَرَةَ بِالِاصْطِلَاحِ الْيَوْمَ، وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ الْأَرْضَ لِمَنْ يَزْرَعُهَا إمَّا بِبَذْرٍ مِنْ عِنْدِهِ وَإِمَّا مِنْ الْمَالِكِ، وَالْمَالُ بَيْنَهُمَا جَائِزَتَانِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هُنَا مَسَائِلَ: (أَحَدُهَا) مَا اتَّفَقَ فِي خَيْبَرَ، وَهُوَ صَحِيحٌ مَقْطُوعٌ بِهِ لِتَحَقُّقِنَا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهُ وَلَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا غَيْرُهُ.
(الثَّانِيَةُ) : لَوْ اتَّفَقَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا بِأَنْ نَفْتَحَ بَلَدًا مِنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ عَنْوَةً وَفِيهَا نَخْلٌ وَأَرْضٌ قَلِيلٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُقِرَّ لَهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا بِالشَّطْرِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَهَذَا لَا أَعْتَقِدُ أَبَا حَنِيفَةَ وَلَا غَيْرَهُ يَمْنَعُهُ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) : أَنَّ الْحَالَ الَّتِي اتَّفَقَ فِي خَيْبَرَ هَلْ كَانَ مُسَاقَاةً وَعَقْدًا مِنْ الْعُقُودِ حَتَّى يَثْبُتَ حُكْمُهُ لِكُلِّ اثْنَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ كَانَ تَقْرِيرًا لِلْيَهُودِ كَمَا يُقِرُّهُمْ بِالْجِزْيَةِ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْعَمَلِ فِيهَا بِالشَّطْرِ تَكَرُّمًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ وَلَكِنَّ الَّذِي فَهِمْنَاهُ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ هُوَ الْأَوَّلُ وَهُمْ أَعْلَمُ مِنَّا بِصُورَةِ الْحَالِ فَنَتَّبِعُهُمْ فِي ذَلِكَ وَنُجَوِّزُهَا خَبَرًا وَقِيَاسًا عَلَى الْقِرَاضِ إنْ لَمْ يَكُنْ فَرْعًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ اخْتِيَارُنَا فِي الْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخْلِ وَجَوَازُهُ ظَنٌّ قَوِيٌّ، وَمِنْ أَقْوَى مَرَاتِبِ الظُّنُونِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي تَكَادُ تَنْتَهِي إلَى الْقَطْعِ.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الْمُسَاقَاةُ عَلَى الْعِنَبِ قَالَ بِهَا كُلُّ مَنْ قَالَ بِالْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخْلِ إلَّا دَاوُد فَمَنَعَهَا، وَالْمُجَوِّزُونَ لَهَا الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ إنَّمَا أَجَازُوهَا بِالْقِيَاسِ وَقِيلَ نَصًّا، وَهُوَ بَعِيدٌ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ كَانَ فِي خَيْبَرَ شَجَرٌ غَيْرُ النَّخْلِ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَمَسَّكَ الْقَائِلُ بِالنَّصِّيَّةِ بِقَوْلِهِ: مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ. وَلَسْت أَقُولُ: إنَّ الْوَاقِعَ مِنْ ذَلِكَ عَامٌّ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ لَكِنْ لَوْ فُرِضَ حُدُوثُ شَجَرٍ فِي غَيْرِ خَيْبَرَ غَيْرُ مَا كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْفَتْحِ، وَالْمُقَاتَلَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِنَا: إنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ وَيَدْخُلُ مَا يَحْدُثُ فِي الْإِذْنِ، وَالشَّرْطِ عَلَيْهِ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِ.
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) : جَوَازُ الْمُسَاقَاةِ فِي غَيْرِ النَّخْلِ، وَالْعِنَبِ قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَهُوَ قَوِيٌّ قِيَاسًا عَلَى النَّخْلِ وَبِالطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي النَّصِّيَّةِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ نَتَقَيَّدَ بِمَا يَحْتَاجُ مِنْ الشَّجَرِ إلَى عَمَلٍ أَمَّا مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ فَلَا وَجْهَ لِلْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ فَأَنَا أَخْتَارُ لِلْقَدِيمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُقَيَّدًا بِهَذَا الشَّرْطِ.
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) : تَأْقِيتُ الْمُسَاقَاةِ الْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَلَا يَفْسُدُ بَلْ تَجُوزُ مُوَقَّتَةً وَغَيْرَ مُوَقَّتَةٍ لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى اشْتِرَاطِهِ وَلَا مَعْنَى لِلتَّوْقِيتِ إلَّا إذْنٌ مُقَيَّدٌ بِوَقْتٍ فَلَا يَضُرُّ.
(الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) : لُزُومُ
стр. 424
الْمُسَاقَاةِ لَا دَلِيلَ عِنْدِي عَلَيْهِ فَأَنَا أَخْتَارُ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَسَوَاءٌ أَعَرِفَ الْمُتَعَاقِدَانِ هَذَا الْحُكْمَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّارِعِ يَعْرِفُ حُكْمَهُ الْعَاقِدُ، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: قَضِيَّةُ خَيْبَرَ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ مُسَاقَاةٍ غَيْرِ مُوَقَّتَةٍ وَلَا لَازِمَةٍ فَنُجِيزُهَا وَنُجِيزُ مَعَهَا أَيْضًا وُقُوعَ مُسَاقَاةٍ مُوَقَّتَةٍ لَازِمَةٍ مَأْخُوذَةٍ مِنْ الْإِجَارَةِ فَتَكُونُ الْمُسَاقَاةُ نَوْعَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: نَأْخُذُ مِنْ قَضِيَّةِ خَيْبَرَ أَصْلَ مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَمِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْإِجَارَةِ تَوْقِيتَهَا وَلُزُومَهَا وَيُجْعَلُ عَدَمُ اللُّزُومِ فِي خَيْبَرَ خَاصًّا فَهُوَ أَوْلَى مِنْ اضْطِرَابِ الْقَوَاعِدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: قَضِيَّةُ خَيْبَرَ إنَّمَا كَانَتْ تَقْرِيرًا، وَالْمُعَامَلَةُ فِي ضِمْنِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَإِنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ ذَلِكَ الْوَقْتَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ عِنْدَ تَجْهِيزِهِ ﷺ إلَى تَبُوكَ وَهَذِهِ كُلُّهَا احْتِمَالَاتٌ أَبْدَيْتهَا، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلْيَهُودِ اسْتِحْقَاقٌ فِي خَيْبَرَ وَفَدَكَ كَانَ لَهُمْ نِصْفُهَا؛ وَلِهَذَا لَمَّا أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ﵁ قَوَّمَ لِأَهْلِ فَدَكَ النِّصْفَ فَأَعْطَاهُمْ إيَّاهُ وَلَمْ يُعْطِ أَهْلَ خَيْبَرَ شَيْئًا، وَاَلَّذِي ادَّعَاهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ إسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ لِكَوْنِهِمْ خُئُولَةَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَصِحَّ، وَأَمَّا مَا زَعَمُوهُمْ مِنْ الْكِتَابِ لِأَهْلِ خَيْبَرَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ اخْتَلَقُوهُ وَتَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ فِيهِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) : الْمُزَارَعَةُ بِالِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ الْيَوْمَ، وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهَا إلْحَاقًا بِالْمُسَاقَاةِ وَمُوَافَقَةً لِلْأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ الَّذِينَ فَعَلُوهَا وَأَجَازُوهَا وَيُحْتَمَلُ الْقَوْلُ بِمَنْعِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ النَّهْيِ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ. وَتَأْوِيلُ النَّهْيِ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي مَعَ أَنَّ الْوَرَعَ اجْتِنَابُهُ.
(الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ) : الْمُخَابَرَةُ فِي لِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ الْيَوْمَ، وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهَا لِمَا قُلْنَاهُ وَلِثُبُوتِهَا فِي حَدِيثِ خَيْبَرَ، وَالِاعْتِذَارُ بِالتَّبَعِيَّةِ مُحْتَاجٌ إلَى دَلِيلٍ وَلَمْ أَجِدْهُ.
(الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ) : إجَارَةُ الْأَرْضِ، وَلَوْلَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لَكَانَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ الْأَحَادِيثِ مَنْعَهُ وَيُحْتَمَلُ جَوَازُهُ لِلْحَدِيثِ الْمُرَخِّصِ الَّذِي فِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِكْرِمَةَ لَكِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَلَسْنَا نَحْتَجُّ بِفَهْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَلْ بِنَقْلِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلَهُ «خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا» فَيَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى خِلَافَهُ.
أَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَصَرِيحٌ فِي الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهِ مَقَالٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كِرَائِهَا بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ طَعَامٍ، وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ مَنَعَهَا بِالطَّعَامِ وَأَجَازَهَا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَمَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كِرَاءِ الزَّرْعِ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَاوُسٌ
стр. 425
وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ الْأَصَمُّ.
وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ رَافِعٍ، وَقَالَ آخَرُونَ جَائِزٌ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ رَافِعٍ رِوَايَةَ حَنْظَلَةَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكَلِ الْآثَارِ حَدِيثَ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ تُرَدُّ نَفَقَتُهُ» قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ بِهِ غَيْرُ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيِّ فَأَمَّا مَنْ سِوَاهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ، وَهُوَ عِنْدَنَا قَوْلٌ حَسَنٌ لِمَا قَدْ شَدَّهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا وَلِأَنَّ بَذْرَ ذَلِكَ الرَّجُلِ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ قَدْ انْقَلَبَ فِيهَا فَصَارَ مُسْتَهْلَكًا فِيهَا ثُمَّ كَانَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا كَانَ عَنْهُ مِمَّا هُوَ خِلَافُهُ، وَمَا كَانَ سَبَبُهُ إلَّا الْأَرْضَ الَّتِي كَانَ بَذَرَ فِيهَا فَكَانَ مِنْ حَقِّ رَبِّهَا أَنْ يَقُولَ لِلَّذِي بَذَرَ فِيهَا مَا كَانَ سَبَبُهُ الْأَرْضَ فَهُوَ لِي دُونَك غَيْرَ أَنَّك أَنْفَقْتَ فِيهِ نَفَقَةً حَتَّى كَانَ عَنْهَا مَا أَخْرَجَتْهُ أَرْضِي فَتِلْكَ النَّفَقَةُ لَك فَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ لَا يَنْبَغِي خِلَافُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَدَّهُ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَتْلُو هَذَا الْبَابَ.
ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَرْعِ ظُهَيْرٍ ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ هَذَا مِنْ جِنْسِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْمُزَارَعَةَ لَمَّا فَسَدَتْ بِمَا فَسَدَتْ بِهِ عَادَ إطْلَاقُ صَاحِبِ الْأَرْضِ لِلزَّارِعِ مَا زَرَعَهُ فِيهَا كَالْإِطْلَاقِ وَعَادَ حُكْمُهُ إلَى حُكْمِ مَنْ زَرَعَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ رَبِّهَا وَمِثْلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَغْرِسُ أَرْضَ الرَّجُلِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، أَوْ يَغْرِسُ فِيهَا بِأَمْرِهِ عَلَى مُعَامَلَةٍ فَاسِدَةٍ فَسِيلًا فَيَصِيرُ نَخْلًا أَنَّهُ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ دُونَ غَارِسِهِ وَيَكُونُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لِغَارِسِهِ مَا أَنْفَقَهُ فِيهِ. وَاَللَّهَ أَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ كَوْنِ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ إذْنٍ، أَوْ بِإِذْنٍ فَاسِدٍ لِصَاحِبِهَا قَدْ تَرَجَّحَ عِنْدِي اخْتِيَارُهُ لِلْحَدِيثِ وَلِمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى وَلَدِ الْأَمَةِ مِنْ زَوْجٍ، أَوْ وَاطِئٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ لِسَيِّدِهَا، وَالْأَمَةُ كَالْأَرْضِ، وَمَاءُ الزَّوْجِ، وَوَاطِئُ الشُّبْهَةِ كَالْبَذْرِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَالْبَذْرُ مَالٌ، فَإِنْ صَحَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِلَّا فَهُمَا سَوَاءٌ.
وَقَدْ زَادَ الطَّحَاوِيُّ بِجَعْلِهِ الْفَسِيلَ إذَا صَارَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلَعَلَّ حُجَّتَهُ أَنَّهُ صَارَ جُزْءًا مِنْ الْأَرْضِ فَلَهُ حُكْمُهَا وَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْفَسِيلِ الْمُنْفَصِلِ عَنْ الْأَرْضِ بِتَأْثِيرِ الْأَرْضِ فِيهِ وَفِي كَيْفِيَّتِهِ بِخِلَافِ الرُّفُوفِ الْمُنْفَصِلَةِ فِي الدَّارِ وَنَحْوِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ عَنْ صِفَتِهَا قَبْلَ الِاتِّصَالِ فَلِذَلِكَ لَا يَتَغَيَّرُ مِلْكُهَا، وَإِنْ صَارَتْ كَالْجُزْءِ وَشَارَكَتْ الشَّجَرَ فِي اسْتِتْبَاعِ الْأَرْضِ، وَالدَّارُ لَهُمَا، وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ظُهَيْرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَالْآخَرُ قَوْلُهُ
стр. 426
- ﷺ : «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ» ، وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ فَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقِيلَ: إنَّ عَطَاءً لَمْ يَسْمَعْ مِنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ شَيْئًا ثُمَّ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي بَابٍ بَعْدَهُ أَحَادِيثَ مُعَامَلَةِ خَيْبَرَ وَأَحَادِيثَ النَّهْيِ عَنْ الْمُزَارَعَةِ، وَقَالَ أَجَازَهُمَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَأَجَازَ الْمُسَاقَاةَ وَأَبْطَلَ الْمُزَارَعَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ أَبْطَلَاهُمَا جَمِيعًا وَالشَّافِعِيُّ يُجِيزُهُمَا إذَا اجْتَمَعَا فِي أَرْضٍ، وَالْمُسَاقَاةَ فِي النَّخْلِ جَمِيعًا وَلَمْ يُبِنْ لَنَا أَنَّ الْمُحَاقَلَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ.
(فَرْعٌ) فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ ﵀ سُئِلَ: بُسْتَانٌ لِيَتِيمٍ أَجَّرَ وَلِيُّهُ بَيَاضَ أَرْضِهِ بَالِغَةً مِقْدَارَ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَقِيمَةِ الثَّمَرَةِ ثُمَّ سَاقَى عَلَى سَهْمٍ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ مِنْهَا سَهْمٌ لِلْيَتِيمِ، وَالْبَاقِي لِلْمُسْتَأْجِرِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ هَهُنَا فِي دِمَشْقَ.
أَجَابَ ﵁ إذَا كَانَ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ غَبْنًا فَاحِشًا فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ لِسَبَبِ انْضِمَامِهِ إلَى عَقْدِ الْإِجَارَةِ الْمَذْكُورَةِ وَكَوْنِهِ نَقْصًا مَجْبُورًا بِزِيَادَةِ الْأُجْرَةِ مَوْقُوفًا بِهِ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةُ فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ فِي بَابِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ تُقَرُّ فِي أَيْدِي أَهْلِهَا وَيُوضَعُ عَلَيْهَا الطَّسْقُ، وَهُوَ الْخَرَاجُ فَذَكَرَ مَا أَمَرَ عُمَرُ ﵁ بِوَضْعِهِ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ إنَّمَا أَوْجَبَ الْخَرَاجَ عَلَى الْأَرْضِ خَاصَّةً بِأُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا مَذْهَبُ الْخَرَاجِ مَذْهَبُ الْكِرَاءِ فَكَأَنَّهُ أَكْرَى كُلَّ جَرِيبٍ بِدِرْهَمٍ وَقَفِيزٍ فِي السَّنَةِ وَأَلْغَى مِنْ ذَلِكَ النَّخْلَ، وَالشَّجَرَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا أُجْرَةً، وَهَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إنَّ السَّوَادَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا عُمَّالٌ لَهُمْ بِكِرَاءٍ مَعْلُومٍ يُؤَدُّونَهُ وَيَكُونُ بَاقِي مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ لَهُمْ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ وَلَا يَكُونُ فِي النَّخْلِ، وَالشَّجَرِ لَا قِبَالَهُمَا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مُسَمًّى فَيَكُونُ بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَقَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ، وَهَذَا الَّذِي كَرِهَتْ الْفُقَهَاءُ مِنْ الْقِبَالَةِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: إنَّا نَتَقَبَّلُ الْأَرْضَ فَنُصِيبُ مِنْ ثِمَارِهَا قَالَ ذَلِكَ الرِّبَا الْعَجْلَانُ.
وَعَنْ الْحَسَنِ جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنَقْبَلُ مِنْك الْأَيْكَةَ بِمِائَةِ أَلْفٍ قَالَ فَضَرَبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِائَةً وَصَلَبَهُ حَيًّا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْقَبَالَاتُ حَرَامٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَى هَذِهِ الْقَبَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ النَّهْيُ عَنْهَا أَنْ يَتَقَبَّلَ الرَّجُلُ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ وَالزَّرْعَ النَّابِتَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْصَدَ وَيُدْرَكَ، وَهُوَ مُفَسَّرٌ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ الرَّجُلِ يَأْتِي الْقَرْيَةَ فَيَتَقَبَّلُهَا وَفِيهَا النَّخْلُ، وَالشَّجَرُ، وَالزَّرْعُ، وَالْعُلُوجُ فَقَالَ لَا نَتَقَبَّلُهَا فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا أَصْلُ الْكَرَاهَةِ هَذَا أَنَّهُ بَيْعُ ثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَلَمْ يُخْلَقْ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ فَأَمَّا الْمُعَامَلَةُ عَلَى الثُّلُثِ، وَالرُّبْعِ وَكِرَاءِ
стр. 427
الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ فَلَيْسَا مِنْ الْقَبَالَاتِ وَلَا يَدْخُلَانِ فِيهَا، وَقَدْ رُخِّصَ فِي هَذَيْنِ وَلَا نَعْلَمُ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الْقَبَالَاتِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَسَأَلَهُ ابْنُ حُنَيْفٍ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ فَسَمِعْته يَقُولُ لَهُ: وَاَللَّهِ لَأَنْ وَضَعْتَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ مِنْ الْأَرْضِ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا لَا يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلَا يُجْهِدُهُمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَمْ يَأْتِنَا فِي هَذَا حَدِيثٌ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ. قُلْت: صَحَّ وَضْعُ عُمَرَ ﵁ الدَّرَاهِمَ، وَالْقَفِيزَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ وَصَحَّ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ لَا نَعْلَمُ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الْقَبَالَاتِ وَصَحَّ تَفْسِيرُهُ الْقَبَالَاتِ الْمَكْرُوهَةَ وَتَفْسِيرُهَا بِشَيْءٍ مُسَمًّى، وَالتَّرْخِيصُ فِي سُنَنِ الْمُعَامَلَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَالرُّبْعِ وَكِرَاءِ الْأَرْضِ وَأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْقَبَالَاتِ فَيَقْتَضِي هَذَا أَنَّ الْمُعَامَلَةَ عَلَى الثُّلُثِ، وَالرُّبْعِ وَكِرَاءِ الْأَرْضِ فِي الشَّجَرِ جَائِزَةٌ كَمَا فِي الزَّرْعِ، وَهِيَ الْمُسَاقَاةُ، أَمَّا قَوْلُهُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ: ` وَأُلْغِيَ النَّخْلُ، وَالشَّجَرُ فَكَيْفَ تُلْغَى وَفِيهَا حَقُّ خَلَائِقَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا لِأَجْلِ مَا حَصَلَ مِنْهَا مِنْ أُجْرَةِ الْأَرْضِ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُسَاقَاةِ الْمَضْمُومَةِ إلَى الْإِجَارَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَأَنَّ الثَّمَرَةَ كَانَتْ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ فِي الشَّجَرِ فَيُحْتَجُّ بِهِ لِمَنْ يُجَوِّزُ الْمُسَاقَاةَ عَلَى أَنْ تَكُونَ كُلُّ الثَّمَرَةِ لِلْعَامِلِ وَلَيْتَ شِعْرِي مَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ الدِّرْهَمُ، وَالْقَفِيزُ الَّذِي وَضَعَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ فِي مُقَابَلَةِ الْأَرْضِ، وَالشَّجَرِ جَمِيعًا لِيُنْتَفَعَ بِزَرْعِ الْأَرْضِ وَثَمَرِ الشَّجَرِ وَلَا غَرَرَ؛ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِخِلَافِ اسْتِئْجَارِ الشَّجَرِ وَحْدَهَا لِثَمَرِهَا فَقَدْ يَمْنَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّا نَقُولُ: الْأَرْضُ أَيْضًا قَدْ يَمْنَعُ اللَّهُ تَعَالَى زَرْعَهَا فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ أَمَّا الْإِجَارَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ فِيهَا كَمَا يَسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ لِيَزْرَعَهَا تُسْتَأْجَرُ الشَّجَرُ لِثَمَرِهَا لَا أَجِدُ فَرْقًا بَيْنَهُمَا وَلَا دَلِيلًا عَلَى بُطْلَانِهِمَا وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدٍ تَصْرِيحٌ بِمَنْعِ إجَارَةِ الْأَشْجَارِ وَلَا لِجَوَازِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ) كُلُّ مَنْ زَرَعَ أَرْضًا بِبَذْرِهِ فَالزَّرْعُ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَلَّاحًا يَزْرَعُ بِالْمُقَاسَمَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ كَعَادَةِ الشَّامِ فَإِنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ عَلَى حُكْمِ الْمُقَاسَمَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ عَمَلُ الشَّامِ وَأَنَا أَرَاهُ وَأَرَى وَجْهَهُ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ أَنَّ الْفَلَّاحَ كَأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْبَذْرِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِالشَّرْطِ الْمَعْلُومِ بَيْنَهُمَا فَيَثْبُتُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا عَرَفَ هَذَا وَتَعَدَّى شَخْصٌ عَلَى أَرْضٍ وَغَصَبَهَا، وَهِيَ فِي يَدِ الْفَلَّاحِ فَزَرَعَهَا عَلَى عَادَةٍ لَا نَقُولُ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ بَلْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى حُكْمِ الْمُقَاسَمَةِ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ تَنْفَعُ فِي الْأَحْكَامِ.
[كِتَابُ الْإِجَارَةِ]
ِ (مَسْأَلَةٌ) وَفِي رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ بَلَدًا مِنْ مُقْطِعِهَا مُدَّةً مُعَيَّنَةً وَصُورَةُ مَا كُتِبَ فِي نُسْخَةِ الْإِجَارَةِ لِيَنْتَفِعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِذَلِكَ مَقِيلًا وَمُرَاحًا
стр. 428
وَلِلزِّرَاعَةِ إنْ أَمْكَنَ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْأَرْضِ شَرِقَتْ لَمْ يَنَلْهَا الرَّيُّ وَلَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْبَلَدِ كَامِلَةً.
أَجَابَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ جَرَتْ عَادَةُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ الْوَرَّاقِينَ يَكْتُبُونَهَا حِيلَةً لِتَصْحِيحِ الْإِجَارَةِ قَبْلَ الرَّيِّ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ تَاجَ الدِّينِ بْنَ بِنْتِ الْأَعَزِّ عَلَّمَهَا لَهُمْ، وَقَدْ فَكَّرْت فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ مَعَ عِلْمِي بِأَنَّ الْقَاضِيَ تَاجَ الدِّينِ مُتَضَلِّعٌ بِفِقْهٍ وَعُلُومٍ مُتَعَدِّدَةٍ مَجْمُوعَةٍ إلَى دِينٍ مَتِينٍ وَصَلَابَةٍ فِي الدِّينِ، وَهُوَ وَوَلَدَاهُ شَامَةُ الْقُضَاةِ الَّذِينَ وُلُّوا الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ ﵏ وَجَزَاهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَدِينِهِمْ
وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيِي فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا الْإِيجَارُ لِثَلَاثِ مَنَافِعَ مَشْكُوكٍ فِي الثَّالِثَةِ مِنْهَا إنْ خَصَّصْت الشَّرْطَ بِهَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي هَذَا الْمَكَانِ، أَوْ فِي جَمِيعِهَا إنْ أَعَدْته إلَى الْجَمِيعِ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُصُولِ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ فَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ إمْكَانِ الزَّرْعِ لَا يَكُونُ مَعْقُودًا عَلَيْهِ وَشَرْطُ الْإِجَارَةِ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي تُرَدُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا مَعْلُومًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَنَبَّهَ الْوَرَّاقُونَ، وَالشُّهُودُ، وَالْقُضَاةُ، وَالنَّاسُ لِذَلِكَ.
وَطَرِيقُ تَصْحِيحِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنْ يُقَالَ لِيَنْتَفِعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِذَلِكَ فِيمَا شَاءَ مَقِيلًا وَمُرَاحًا وَلِلزِّرَاعَةِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِذَا قَالَ كَمَا قُلْنَاهُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ نَقُولَ إنْ أَمْكَنَ وَحَذْفُهُ أَوْلَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَالْعِبَارَةِ الْأُولَى إلَّا فِي هَذِهِ عُمُومًا وَهُوَ يَكْفِي كَمَا لَوْ قَالَ لِجَمِيعِ الْمَنَافِعِ، أَوْ لِتَنْتَفِعَ كَيْفَ شِئْت فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَهُ جَمِيعُ الْمَنَافِعِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَرْضِ إنْ عَمَّمَ، وَهُوَ أَوْلَى فَيَقُولُ فِيمَا شَاءَ مِنْ وُجُوهِ الِانْتِفَاعَاتِ، وَإِنْ عَمَّمَ فِي الْمَنَافِعِ الثَّلَاثِ كَانَ مَنْعًا لِغَيْرِهَا وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهَا وَلَهُ جَمِيعُهَا، وَإِذَا تَعَطَّلَ بَعْضُهَا فَالْأُجْرَةُ لَازِمَةٌ، أَمَّا الْعِبَارَةُ الْأُولَى فَلَا عُمُومَ فِيهَا بَلْ هِيَ نَاصَّةٌ عَلَى ثَلَاثِ مَنَافِعَ إحْدَاهَا، وَهِيَ الزِّرَاعَةُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ لَهَا قَبْلَ الْوُثُوقِ بِالرَّيِّ، وَمَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ لَهُ وَحْدَهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ لَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعَلِّقْهُ عَلَى الْإِمْكَانِ فَسَدَ لِذَلِكَ، وَإِنْ عَلَّقَهُ فَسَدَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَهَالَةِ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ بِالْعَقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَفْرَدَ وَعَلَّقَ عَلَى الْإِمْكَانِ فَسَدَ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُ الْإِجَارَةِ لِلزِّرَاعَةِ قَبْلَ الرَّيِّ، وَالثَّانِي: تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ، وَالْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ بِالْعَقْدِ لَا بُدَّ بِأَنْ تَكُونَ مُخَيَّرَةً مُمْكِنَةً عَقِبَ الْعَقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) فِي جَامِعِ الصَّالِحِ بِبَابِهِ الشَّرْقِيِّ صَدْرُ زُقَاقٍ وَفِي ذَلِكَ الزُّقَاقِ بَابَانِ مُتَقَابِلَانِ فِي الْحَدَّيْنِ الْقِبْلِيِّ، وَالْبَحْرِيِّ فَأَرَادَ النَّاظِرُ عَلَى الْجِدَارِ الْبَحْرِيِّ أَنْ يَدْعَمَهُ بِأَعْمِدَةٍ يَضَعُ بَعْضَ كُلٍّ مِنْهَا فِيهِ وَبَعْضَهُ فِي الزُّقَاقِ.
(أَجَابَ) لَا يَجُوزُ بِأُجْرَةٍ وَلَا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ ضَيَّقَ، أَوْ لَمْ يُضَيِّقْ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الزُّقَاقَ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ كَانَ مَمَرًّا لِأَصْحَابِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ مَمْلُوكًا لَهُمْ فَلَمَّا وَقَفَ صَاحِبُ
стр. 429
الْجَامِعِ مَكَانَهُ جَامِعًا حَصَلَ الْوَقْفُ فِي الْمَمَرِّ تَبَعًا فَيَسْتَحِقُّهُ الْمُسْلِمُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ لَا يَسْتَحِقُّونَ فِيهِ إلَّا الْمُرُورَ وَلَيْسَ لَهُمْ إيجَارُهُ كَمَا أَنَّ لَهُمْ الْعِبَادَةَ فِي الْجَامِعِ وَلَيْسَ لَهُمْ إيجَارُهُ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا حَقٌّ فِي ذَلِكَ وَلَا لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَهُمْ، وَلَيْسَ هَذَا مِلْكًا لِبَيْتِ الْمَالِ حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُ إذَا لَمْ يُضَيِّقْ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيمَا لَمْ يُضَيِّقْ بِهِ لِمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ حَالُ الشَّارِعِ الَّذِي كَانَ مِلْكًا لِشَخْصٍ خَاصٍّ وَقَفَهُ شَارِعًا لِلْمُرُورِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الشَّارِعِ الَّذِي هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ فَفِيهِ الْكَلَامُ الْمَعْرُوفُ مِنْ نَصْبِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ وَكَوْنُهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ أَوَّلًا، وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، يَصْلُحُ أَنْ نَذْكُرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الصُّلْحِ وَفِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.
(مَسْأَلَةٌ) مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ فِي شَخْصٍ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى، أَوْلَادِهِ وَشَرَطَ أَنَّهُ لَا يُؤَجَّرُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَعْقِدُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا عَلَى بَعْضِهِ عَقْدًا إجَارَةً ثَانِيَةً حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَيَعُودَ إلَى يَدِ النَّاظِرِ وَلَا يَتَحَيَّلُ عَلَى ذَلِكَ فَقِيهٌ بِحِيلَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ حَاكِمٌ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ فَأَجَّرَهُ النَّاظِرُ الْمُسْتَحِقُّ لَهُ يَوْمئِذٍ عِشْرِينَ سَنَةً هِلَالِيَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ فِي عِشْرِينَ عَقْدًا كُلُّ عَقْدٍ مِنْهَا سَنَةٌ وَاحِدَةٌ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا ثُمَّ أَقَرَّ النَّاظِرُ الْمُؤَجِّرُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْوَقْفِ إقْرَارًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فِي مَنَافِعِ الْمَأْجُورِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ الْمُدَّةُ الْمُعَيَّنَةُ فِيهِ مَنْعَ الْمُسْتَأْجِرِ الْمُسَمَّى فِيهِ حَقًّا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا وَلَا أُجْرَةً وَلَا إجَارَةً وَلَا اسْتِحْقَاقَ مَنْفَعَةٍ وَلَا دَعْوَى وَلَا طَلَبَ بِوَجْهٍ وَلَا سَبَبٍ وَلِأَنَّ مَنَافِعَ الْمَأْجُورِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ يَسْتَحِقُّهَا الْمُسْتَأْجِرُ اسْتِحْقَاقًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا بِطَرِيقَةٍ صَحِيحَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَهَلْ يَصِحُّ الْإِجَارَةُ فِي الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَمْ لَا نَحْكُمُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا شَرَطَ الْوَاقِفُ وَلَمْ يَدْثُرْ الْوَقْفُ وَلَمْ يَنْهَدِمْ، وَإِذَا بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ فَهَلْ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ الْمُعَيَّنِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ إقْرَارُهُ بَاطِلًا فَهَلْ يَرْجِعُ الْمُقِرُّ الْمُؤَجِّرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فِيمَا زَادَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي الْإِجَارَةِ الْمَذْكُورَةِ أَمْ لَا أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
(أَجَابَ) ﵁ هَذِهِ الْأُمُورُ مُلْتَبِسَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا صَادِرَةٌ عَنْ أُمُورٍ بَاطِلَةٍ، وَإِنْ احْتَمَلَتْ وَجْهًا مِنْ الصِّحَّةِ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ بُطْلَانَ الْإِجَارَةِ، وَإِنَّ الْمُقِرَّ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُعْطَى لَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ مَعَهُ يُصْرَفُ إلَيْهِ وَإِلَّا فَيَكُونُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ يُصْرَفُ مَصَارِفَ الْمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
(مَسْأَلَةٌ) وَقَعَتْ فِي الْمُحَاكَمَاتِ رَجُلٌ أَجَّرَ دَارًا ثُمَّ بَاعَهَا لِغَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ تَقَايَلَ الْمُسْتَأْجِرُ، وَالْبَائِعُ الْإِجَارَةَ هَلْ يَرْجِعُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَنَافِعِ إلَى الْبَائِعِ، أَوْ الْمُشْتَرِي قَالَ
стр. 430
الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ إنْ قُلْنَا: الْإِقَالَةُ عَقْدٌ فَالْمَنَافِعُ تَعُودُ إلَى الْبَائِعِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا فَسْخٌ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَعُودُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ دَفْعُ الْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ بِلَا خِلَافٍ.
قُلْت وَقَوْلُهُ بِلَا خِلَافٍ هُوَ الْمَشْهُورُ. وَلَنَا طَرِيقَةٌ أُخْرَى بِخِلَافِ الْخِلَافِ فِي الْإِقَالَةِ فَفِي وَجْهٍ هِيَ رَفْعُ الْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي وَجْهٍ هِيَ رَفْعُ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ، وَالْوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ مَشْهُورَانِ فِي الْإِقَالَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ فِيهَا الرَّافِعِيُّ وَلَكِنَّ الرَّفْعَ مِنْ حِينِهِ فِيهَا أَقْوَى مِنْهُ فِي الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَصَحَّ فِيهَا. وَبِالْجُمْلَةِ خَرَجَ لَنَا وَجْهٌ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي أَنَّ بَقِيَّةَ الْمَنَافِعِ يَرْجِعُ بِالْإِقَالَةِ إلَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَسْخٌ كَمَا هُوَ جَارٍ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ فِيهِمَا ضَعِيفًا، أَوْ قَوِيًّا فَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الْفَرْقُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَسْخٌ فَلَا يَتَأَتَّى، وَأَمَّا عَوْدُهَا إلَى الْبَائِعِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ فَلَا شَكَّ فِيهِ لَكِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ لَيْسَ هُوَ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا تَصْحِيحُ الْمُتَوَلِّي عَلَى قَوْلِنَا بِالْفَسْخِ أَنَّ الْمَنَافِعَ تَعُودُ إلَى الْبَائِعِ فَبِحَسَبِ مَا بَنَاهُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ هَلْ يَسْلَمُ لَهُ هَذَا التَّصْحِيحُ، أَوْ لَا انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا إلَّا أَنَّ الْفَسْخَ كَأَنْ يُرَدَّ بِعَيْبٍ ظَهَرَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الْأَصْلُ، وَالْقَوْلُ رُجُوعُ الْمَنَافِعِ فِيهَا إلَى الْمُشْتَرِي، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَدَّادِ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِيمَا أَظُنُّ وَخَالَفَهُ أَبُو زَيْدٍ فَقَالَ: إنَّهَا تَرْجِعُ إلَى الْبَائِعِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَكَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْإِمَامِ يَقْتَضِيهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى طَرِيقَةِ الْمَرَاوِزَةِ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ وَاسْتِثْنَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّ بَيْعَ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِثْلُهَا.
وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمَنْفَعَةِ تُبْطِلُ الْبَيْعَ، وَإِنَّ بَيْعَ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ صَحِيحٌ فَلَا، لِأَجْلِ ذَلِكَ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ فِي التَّصْحِيحِ بِذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لَهُ صِحَّتُهُ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ الْمَرَاوِزَةَ فِي جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُسْتَنَدًا فِي تَصْحِيحِهِ أَكْثَرَ مِنْ حِكَايَةِ كَلَامِ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ، وَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ، وَمِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ طَلَاقِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ حَيْثُ تَعُودُ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ إلَى الْمُشْتَرِي بِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ لَمْ تَزُلْ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ لِلزَّوْجِ بِالتَّزْوِيجِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا دُونَ الزَّوْجِ، وَإِذَا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّزْوِيجِ انْتَقَلَ بِالْبَيْعِ إلَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ مِلْكُهُ لِلْبَائِعِ، وَالْبَائِعُ مَعَ مِلْكِهِ كَذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الزَّوْجِ بِهِ فَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي.
فَإِذَا زَالَ حَقُّ زَوْجِ الْأَمَةِ زَالَتْ الْمَنَافِعُ فَعُمِلَ بِالْمُقْتَضَى وَلَا كَذَلِكَ الْإِجَارَةُ فَإِنَّهَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْمَنْفَعَةِ فِي الْمَرَّةِ
стр. 431
كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَالْبَيْعُ اعْتَمَدَ رَقَبَةً مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَكَيْفَ يُمْلَكُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْت لَا شَكَّ أَنَّ بَيْنَ طَلَاقِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ فَرْقًا، وَالْعَوْدُ إلَى الْمُشْتَرِي فِي طَلَاقِ الْأَمَةِ، أَوْضَحُ وَلَا رِيبَةَ فِيهِ لِمَا قَالَهُ، أَمَّا الْإِجَارَةُ فَهِيَ فِي مَحَلِّ الِاحْتِمَالِ وَلَا يَنْتَهِي الْأَمْرُ فِيهَا إلَى تَصْحِيحِ الرُّجُوعِ إلَى الْبَائِعِ تَصْحِيحًا ظَاهِرًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ الْإِلْحَاقُ بِوَجْهٍ آخَرَ خَفِيٍّ، وَإِنْ قَصُرَتْ رُتْبَتُهُ عَنْهُ فَقَدْ يَكُونُ حُكْمُ الْأَصْلِ أَظْهَرَ وَأَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْفَرْعِ بِكَثِيرٍ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ أَقُولُ: إنَّ الْإِجَارَةَ إذَا انْفَسَخَتْ بِرَدٍّ بِعَيْبٍ، أَوْ بِإِقَالَةٍ وَقُلْنَا: إنَّهَا فَسْخٌ، أَوْ غَيْرُهُمَا ارْتَفَعَ حُكْمُهَا؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَى الْفَسْخِ سَوَاءٌ أَجَعَلْنَاهُ رَفْعًا مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ مِنْ حِينِهِ وَمُقْتَضَى ارْتِفَاعِ الْعَقْدِ ارْتِفَاعُ أَحْكَامِهِ فَلَوْ أَعَدْنَا الْمَنَافِعَ إلَى الْبَائِعِ لَصَارَ مَالِكًا لَهَا بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَيْسَ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ، وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ إنَّمَا تُمْلَكُ بِطَرِيقَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ تَابِعَةً لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ وَرَدَ عَلَيْهَا عَقْدٌ مِنْ إجَارَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَذَلِكَ الْعَقْدُ مُسْتَمِرُّ الْحُكْمِ، وَالْغَرَضِ هُنَا أَنَّهُ ارْتَفَعَ حُكْمُهُ فَكَيْفَ يَمْلِكُهَا الْبَائِعُ، نَعَمْ إنْ قُلْنَا بِجَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْمَنْفَعَةِ كَمَا قَالَهُ الْمَرَاوِزَةُ فَيَصِحُّ وَيَكُونُ مِلْكُهُ لِلْمَنْفَعَةِ حِينَئِذٍ بِعَقْدِهِ الْأَوَّلِ السَّابِقِ عَلَى بَيْعِهِ إنَّمَا نَقَلَ بَعْضَ حُكْمِهِ لَا جَمِيعَهُ فَلَا جَرَمَ يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَبِي زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ مَرْوَزِيٌّ، وَمِنْ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِطَرِيقَةِ الْمَرَاوِزَةِ، وَمِنْ صَاحِبِ الْبَحْرِ إذَا تَبِعَهُمْ، عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَرَاوِزَةِ وَلَمْ يَرْتَضِ إلْحَاقَ بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بِاسْتِثْنَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَمَالَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ.
وَقَالَ: إنَّ الْحُكْمَ بِفَسَادِ الِاسْتِثْنَاءِ لَا يُنَافِي إجْرَاءَ الْقَوْلَيْنِ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَإِنَّ الْقِيَاسَ فَسَادُ الِاسْتِثْنَاءِ لَوْلَا وُرُودُ خَبَرٍ فِيهِ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى حَدِيثِ جَابِرٍ وَاسْتِثْنَاءِ ظَهْرِ جَمَلِهِ إلَى الْمَدِينَةِ.
وَهَذَا الْخَبَرُ قَدْ أَجَابَ النَّاسُ عَنْهُ وَحَمَلُوهُ عَلَى مَحْمَلٍ صَحِيحٍ غَيْرِ ذَلِكَ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْإِمَامِ وَالرُّويَانِيِّ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّقَ بِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مَعَ قَوْلِنَا بِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمَنْفَعَةِ لَا يَصِحُّ فَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَبَيْنَ بَيْعِ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا فِي مَنْعِ الِاسْتِثْنَاءِ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ.
وَاَلَّذِي يَلُوحُ مِنْ الْفَرْقِ أَنَّ الْبَيْعَ بِإِطْلَاقِهِ يَعْتَمِدُ الرَّقَبَةَ، وَالْمَنْفَعَةُ تَابِعَةٌ لَهُمَا مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ، وَالْإِجَارَةُ مَانِعَةٌ، فَإِذَا انْفَسَخَتْ زَالَ الْمَانِعُ فَعُمِلَ بِالْمُقْتَضَى كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَلَا تَقُولُ: مَنْ بَاعَ عَيْنًا فَقَدْ بَاعَهَا وَمَنَافِعَهَا بَلْ إنَّمَا يَرِدُ الْبَيْعُ عَلَى الْعَيْنِ، وَالْعَيْنُ يَحْدُثُ فِيهَا مَنَافِعُ، فَإِنْ وَجَدَتْ مُسْتَحِقًّا بِعَقْدٍ تُعَارِضُ كَوْنَهَا لِصَاحِبِ الْعَيْنِ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا بِيعَتْ
стр. 432
الْعَيْنُ فَيَمْلِكُهَا صَاحِبُ الْعَيْنِ فَلَا نَقُولُ: إنَّ مَنْ بَاعَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ عَيْنًا وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَتَهَا وَلَا بَاعَ عَيْنًا مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ بَلْ بَيْعُهُ مُطْلَقٌ مُقْتَضٍ لِمِلْكِ كُلِّ مَا هُوَ تَابِعٌ لِلْعَيْنِ إلَّا أَنْ يُعَارِضَ مُعَارِضٌ وَبِالْفَسْخِ يَرْتَفِعُ ذَلِكَ بَلْ أَقُولُ: إنَّهُ لَوْ بَاعَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ وَشَرَطَ مَعَ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ الْمَأْجُورَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي بَقَاءَهَا لَهُ لَوْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ.
وَهَذَا فَرْعٌ حَسَنٌ لَمْ يَجِدْهُ مَنْقُولًا سَاقَ إلَيْهِ الْبَحْثَ فَلْنَرْجِعْ إلَى مَا كُنَّا فِيهِ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَعْدَ تَحْقِيقِهِ فِي كَوْنِ الرَّفْعِ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ مِنْ حِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى بِهِ ارْتِفَاعُ جُمْلَةِ الْآثَارِ وَارْتِفَاعُ الْآثَارِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَعَبَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ بِالِارْتِفَاعِ مِنْ أَصْلِهِ، وَعَنْ الثَّانِي بِالِارْتِفَاعِ مِنْ حِينِهِ، وَالْمُرْتَفِعُ هُوَ الْجُمْلَةُ فِي الْمَوْضُوعَيْنِ لَكِنْ فِي الْأَوَّلِ الْجُمْلَةُ الْمَاضِيَةُ، وَالْمُسْتَقْبِلَةُ وَفِي الثَّانِي الْجُمْلَةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ كُلُّهَا حَتَّى لَا يَبْقَى أَثَرٌ لِلْعَقْدِ مِنْ الْآنَ.
وَالرَّفْعُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ إنَّمَا هُوَ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ نَشَأَ عَنْ الْفَسْخِ، وَالْأَثَرُ لَا يَسْبِقُ الْمُؤَثِّرَ وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ بِالْفَسْخِ عَلَى الْقَوْلِ بِالِارْتِفَاعِ مِنْ أَصْلِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَحْسُوسِ، وَالْمَعْلُومِ مِنْ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْفَسْخُ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ مِنْ حِينِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ رُجُوعِ الْحَالِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَبَقَاءُ الْمَنَافِعِ عَلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ وَانْدِرَاجُهَا تَحْتَ مُقْتَضَى الْبَيْعِ كَمَا فِي مَنَافِعِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا وَلَا شَكَّ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَهَا مِنْ آثَارِ بَيْعِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَحْقِيقِ الْمَنْفَعَةِ وَتَحْقِيقِ كَوْنِهَا مَمْلُوكَةً قَبْلَ وُجُودِهَا وَإِيرَادِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا كَلَامًا كَثِيرًا لَا حَاجَةَ بِنَا هُنَا إلَى تَحْقِيقِهِ بَلْ مَا ذَكَرْنَا يَكْفِي عَلَى كُلِّ تَقْدِيرِ فَرْضٍ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَنَّهَا تَهَيُّؤُ الْعَيْنِ لِذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي قُصِدَ مِنْهَا فَالدَّارُ مُتَهَيِّئَةٌ لِلسُّكْنَى، وَالتَّهَيُّؤُ مَوْجُودٌ الْآنَ وَتَتَوَالَى أَمْثَالُهُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَيُسَلِّمُهَا الْمُسْتَأْجِرُ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَوْفِيهِ لِسُكْنَاهُ أَمْرٌ ثَالِثٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ التَّهَيُّؤِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الدَّارِ وَبَيْنَ سُكْنَاهُ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ الثَّالِثُ هُوَ الْمَنْفَعَةُ، وَهِيَ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ جَمِيعِهَا بَلْ جُزْءٌ مِنْهَا، وَهَلْ يَقُولُ: إنَّهَا مَمْلُوكَةٌ أَوْلَى قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: إنَّهَا لَا يُقَالُ إنَّهَا مَمْلُوكَةٌ، وَكَذَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ كَيْفَ يَكُونُ مَمْلُوكًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِد الْإسْفَرايِينِيّ: إنَّهَا مَمْلُوكَةٌ؛ لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِالْمِلْكِ إلَّا جَوَازَ التَّصَرُّفِ وَهَذِهِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا فَكَانَتْ مَمْلُوكَةً وَلَك أَنْ تَقُولَ جَوَازُ التَّصَرُّفِ نَتِيجَةُ الْمِلْكِ وَتَقْدِيرُ كَوْنِهَا مَمْلُوكَةً عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَتَنْوِيعٌ عَنْهَا وَتَنْزِيلُهَا مَنْزِلَةَ الْمَمْلُوكِ مَعَ كَوْنِهَا غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَلَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ فَغَرَضُنَا فِي هَذِهِ
стр. 433
الْمَسْأَلَةِ حَاصِلٌ بِدُونِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالْمُتَوَلِّي ﵀ بَنَى الْوَجْهَيْنِ الْمَنْقُولَيْنِ عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ مِنْ حِينِهِ إنْ قُلْنَا مِنْ أَصْلِهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْإِجَارَةَ لَمْ تَكُنْ فَاسْتَحَقَّهَا الْمُشْتَرِي بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، وَإِنْ قُلْنَا مِنْ حِينِهِ فَيَعُودُ الْمِلْكُ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ حَالَةَ الرَّدِّ مَا يُوجِبُ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَأَقُولُ: إنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَهُ عَيْنًا مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ لَكَانَتْ الْمَنَافِعُ تَرْجِعُ إلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْإِجَارَةَ ارْتَفَعَتْ مِنْ أَصْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُوجِبُ نَقْلَهَا إلَى الْمُشْتَرِي فَلَمَّا قَالَ الْمُتَوَلِّي بِرُجُوعِهَا إلَى الْبَائِعِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا ارْتَفَعَتْ مِنْ أَصْلِهَا دَلَّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مَسْلُوبَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ثُمَّ أَقُولُ: إذَا قُلْنَا الرَّفْعُ مِنْ حِينِهِ قَوْلُهُ: إنَّهُ لَمْ يُوجَدْ حَالَةَ الرَّدِّ مَا يُوجِبُ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُشْتَرِي إلَّا بِسَبَبٍ يُوجَدُ حَالَةَ الرَّدِّ وَرَدَ عَلَيْهِ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ رُفِعَ مِنْ أَصْلِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بِسَبَبِ حَالَةِ الرَّدِّ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَصْلًا مَا يُوجِبُ الْمِلْكَ إلَى الْمُشْتَرِي فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْبَيْعُ الْمُتَقَدِّمُ سَبَبٌ يُوجِبُ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي إلَّا أَنَّ الْإِجَارَةَ مَنَعَتْ مِنْهُ، فَإِذَا زَالَتْ عَمِلَ الْمُوجِبُ عَمَلَهُ فَيَقُولُ الْمُتَوَلِّي حَالَةَ الرَّدِّ مُسْتَدْرِكٌ، وَإِذَا أَسْقَطَهُ لَمْ يَنْهَضْ دَلِيلُهُ ثُمَّ قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا أَوْصَى بِمَنْفَعَةِ عَبْدٍ لِإِنْسَانٍ وَبِالرَّقَبَةِ لِآخَرَ ثُمَّ إنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ، وَالْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ رَدَّ الْوَصِيَّةَ فَالْمَنَافِعُ تَعُودُ إلَى الْوَرَثَةِ، أَوْ إلَى الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَسَنَذْكُرُهُمَا فِي الْوَصِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ: إنَّ الَّذِي يَظْهَرُ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا لِلْوَرَثَةِ لِإِخْرَاجِهَا بِالتَّبَعِيَّةِ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِغَيْرِ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ ثُمَّ هَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ وَسَكَتَ عَنْ الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهَا لَهُ، أَوْ لِلْوَرَثَةِ تَكُونُ الْمَنَافِعُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ لَهُ حِكَايَةُ الْخِلَافِ، وَلِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي التَّنْبِيهِ: وَإِنْ أَوْصَى بِرَقَبَةِ عَبْدٍ دُونَ مَنْفَعَتِهِ أَعْطَى الرَّقَبَةَ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ دُونَ مَنْفَعَتِهِ مِنْ جُمْلَةِ لَفْظِ الْمُوصِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَالرُّجُوعُ هُنَا لِلْوَرَثَةِ أَوْضَحُ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ سَبَبٌ يَقْتَضِي تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ أَصْلًا نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُفَصَّلَ فَيُقَالَ: إنْ كَانَتْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَوْصَى لِوَاحِدٍ بِرَقَبَةٍ بِلَا مَنْفَعَةٍ وَلِآخَرَ بِالْمَنْفَعَةِ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَالْقَطْعُ بِرُجُوعِهَا لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ كَانَ أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِوَاحِدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِالْمَنْفَعَةِ لِآخَرَ فَيَكُونُ مُحَلَّ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ أَبْطَلَ أَثَرَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ فَتَبْقَى الْوَصِيَّةُ بِالرَّقَبَةِ عَلَى إطْلَاقِهَا وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ رُجُوعٌ عَنْ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ، وَالْوَصِيَّةُ تَحْتَمِلُ
стр. 434
الرُّجُوعَ خِلَافَ الْإِجَارَةِ، وَلَوْ تَقَدَّمَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ ثُمَّ، أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ فَهَلْ نَقُولُ: إنَّهُ كَالْحَالَةِ الْأُولَى، أَوْ هُوَ رُجُوعٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ خَرَجَتْ مَسْأَلَةُ الْوَصِيَّةِ عَنْ نَظَرِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِمَنْ نَحْنُ فِيهِ، وَلَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ ثُمَّ فَسَخَ الْمُسْتَأْجِرُ الْإِجَارَةَ بِعَيْبٍ قَالَ الْمُتَوَلِّي: إنْ قُلْنَا: الْعَبْدُ يَرْجِعُ عَلَى السَّيِّدِ بِالْأُجْرَةِ فَهَلْ تَرْجِعُ الْمَنَافِعُ إلَيْهِ، أَوْ إلَى السَّيِّدِ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ بَاعَهُ ثُمَّ فَسَخَ الْمُسْتَأْجِرُ الْإِجَارَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. قُلْت: وَقَدْ بَانَ مِمَّا قُلْنَاهُ حُكْمُهُ، وَإِنَّ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ تَرْجِعُ الْمَنَافِعُ إلَى الْعَتِيقِ لَا إلَى السَّيِّدِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي الرَّوْضَةِ وَابْنُ الرِّفْعَةِ حَكَى ذَلِكَ، وَالْوَجْهَ الْمُقَابِلَ لَهُ، وَقَالَ: إنَّهُمَا عَلَى الْجَدِيدِ، وَإِنَّ عَلَى الْقَدِيمِ تَكُونُ لِلْعَتِيقِ ثُمَّ قَالَ: كَانَ مُمْكِنٌ أَنْ يُقَالَ: تَكُونُ لَهُ إنْ كَانَتْ بِقَدْرِ الْمَنْفَعَةِ، أَوْ دُونَهَا إذَا أَوْجَبْنَاهَا لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا إلَّا بِقَدْرِ الْمَنْفَعَةِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْحَدَّادِ: وَإِذَا حَصَلَ الِانْفِسَاخُ رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِأُجْرَةِ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ عَلَى الْبَائِعِ قَالَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلْيَكُنْ هَذَا مُفَرَّعًا عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْمَبِيعِ نَاقِصَ الْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا حَصَلَتْ لَهُ الْمَنْفَعَةُ جَازَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ بَدَلُهَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فِي ظَنِّي، وَالْأَصْلُ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ الْمُتَوَلِّي الْخِلَافُ يَأْبَاهُ.
قُلْت: إذَا أَعَدْنَا الْمَنْفَعَةَ لِلْبَائِعِ فَلَا شَكَّ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَعَدْنَاهَا إلَى الْمُشْتَرِي فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي أَخَذَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ الْمُسْتَتْبِعَةِ لِلْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ ارْتَفَعَ الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ إمَّا بِالْعَيْبِ الَّذِي هُوَ مِنْ ضَمَانِهِ وَإِمَّا بِالْإِقَالَةِ الَّتِي رَضِيَ بِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ، وَهُوَ بَعِيدٌ كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
أَمَّا كَوْنُ الْبِنَاءِ يَأْبَاهُ فَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُهُ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْحَدَّادِ: فَإِنْ قُلْت هَلْ يُمْكِنُ بِنَاءُ الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ، أَوْ عَلَى مِلْكِ الْآجِرِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ عَادَتْ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ إلَيْهِ فَتَعُودُ بَعْدَ الْفَسْخِ إلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْآجِرِ تَبَعًا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَتَعُودُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ لَهُ عِنْدَ دَوَامِ الْإِجَارَةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ بِهَا، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ، وَهُوَ تَعَلُّقُهُ تَبِعَتْ الْمِلْكَ.
قُلْتُ: لَا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنِّي قَدْ قَرَّرْتُ أَنْ أَقُولَ الْبُطْلَانُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُخَرَّجًا عَلَى قَوْلِنَا: إنَّ الْمَنْفَعَةَ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْآجِرِ وَهَذَا يُنَاقِضُهُ، وَالثَّانِي: أَنَّ مِثْلَ الْخِلَافِ مَذْكُورٌ فِي الْوَصِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ فِيهَا أَنْ يُقَالَ عِنْدَ عَدَمِ الرَّدِّ: إنَّ الْمَنْفَعَةَ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ
стр. 435
عَنْهُ إلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لَفْظًا إلَّا الرَّقَبَةَ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَإِنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي اسْتِتْبَاعَ الْمَنْفَعَةِ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ إثْبَاتَ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُشْتَرِي كَمَا كَانَتْ تَحْدُثُ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَيُجْعَلُ الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ قَائِمًا مَقَامَ الْبَائِعِ.
قُلْت: إنْ قُلْنَا بِأَنَّهَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ، وَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ مَا الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَدْ قَالَ هُنَاكَ: إنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَأْخُذْ عَنْهَا عِوَضًا. وَجَوَابُهُ، أَنَّ رِضَاهُ بِالشِّرَاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ كَالْعِوَضِ وَأَيْضًا فَهُوَ إنَّمَا جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْبُطْلَانِ مَأْخُوذًا مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُوجِبْهُ فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْهُ هَهُنَا، أَوْ يُنَاقِضُهُ وَتَجْوِيزُ الشَّيْءِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَجْوِيزِ نَقِيضِهِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْوَصِيَّةِ هُوَ قَدْ رَدَّهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَأْخَذٌ آخَرُ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَأْخَذًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَجْزَاءَ الْوَجْهَيْنِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ قَدْ يُقَالُ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ فَهُوَ لِأَجْلِ اسْتِحْقَاقِهِ قَدْ تَعَقَّبَ الْإِجَارَةَ، فَإِذَا انْفَسَخَتْ رَجَعْنَا إلَى مُقْتَضَى الِاسْتِتْبَاعِ، وَإِذَا كَانَتْ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُسَْتَأْجِرِ فَيُنَزَّلُ الْمُشْتَرِي مُنْزَلَهُ.
وَقَدْ يُقَالُ بِأَنَّهَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ لِاسْتِحْقَاقِهِ وَتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ فَلَا يَسْتَحِقُّهَا الْمُشْتَرِي اسْتَمَرَّ أَمْ فَسَخَ، أَوْ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ وَلَا يُنَزَّلُ الْمُشْتَرِي مَنْزِلَتَهُ بَلْ يَكُونُ كَاسْتِثْنَائِهَا حُدُوثُهَا عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ مَعَ زَوَالِ الْعَيْنِ كَمَا يُقَابِلُهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بَعْدَ بَيْعِ الْعَيْنِ.
وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ مَسَائِلَ فِيهَا خِلَافٌ قَرِيبَةَ الشَّبَهِ مِنْ مَسْأَلَةِ ابْنِ الْحَدَّادِ، وَمِنْهَا إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِالتَّفْوِيضِ ثُمَّ بَاعَهَا ثُمَّ جَرَى الْفَرْضُ، أَوْ الدُّخُولُ، وَالْمَفْرُوضُ، أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْبَائِعِ، أَوْ الْمُشْتَرِي فِيهِ طَرِيقَانِ، وَمِنْهَا إذَا أَدَّى عَنْ ابْنِهِ صَدَاقًا تَطَوُّعًا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ثُمَّ بَلَغَ الِابْنُ فَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ يَرْجِعُ النِّصْفُ إلَى الْأَبِ، أَوْ إلَى الِابْنِ الْمُطَلِّقِ فِيهِ طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا إلَى الِابْنِ الْمُطَلِّقِ، وَفِي الْأَجِيرِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الرُّجُوعُ إلَى الْأَجِيرِ.
وَالْمَأْخَذُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَفِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْحَدَّادِ مُخْتَلِفٌ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى التَّطْوِيلِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) فِي نَاسِخٍ اسْتَأْجَرَهُ إنْسَانٌ لِيَنْسَخَ لَهُ خِتْمَةً بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَتَأَخَّرَ النَّاسِخُ عَنْ كِتَابَتِهَا مُدَّةَ سَنَةٍ وَفِي تِلْكَ الْمُدَّةِ جَادَ خَطُّهُ وَحَسُنَ وَارْتَفَعَ سِعْرُهُ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ زِيَادَةً عَلَى تِلْكَ الْأُجْرَةِ، أَوْ يَخْتَارَ الْفَسْخَ؟ (أَجَابَ) لَيْسَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ بَلْ عَلَيْهِ كِتَابَتُهَا بِتِلْكَ الْأُجْرَةِ انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ تُثْبِتُ الْإِجَارَةُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ]
(مَسْأَلَةٌ) هَلْ تُثْبِتُ الْإِجَارَةُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ، أَوْ لَا؟
(الْجَوَابُ) : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: الْإِجَارَةُ ضَرْبَانِ مُعَيَّنَةٌ وَفِي الذِّمَّةِ فَالْمُعَيَّنَةُ أَنْ تَكُونَ
стр. 436
عَلَى مُدَّةٍ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فَتَقُولُ: أَجَّرْتُك دَارِي هَذِهِ شَهْرًا، أَوْ عَبْدَهُ، أَوْ فَرَسَهُ شَهْرًا فَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الشَّرْطِ قَوْلًا وَاحِدًا وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ: اسْتَأْجَرْتُك لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ، أَوْ لِتَبْنِيَ لِي حَائِطًا صِفَتُهُ كَذَا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ خَيْرَانَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا الْخِيَارَانِ.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ يَدْخُلُهَا الْخِيَارَانِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِثْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرَجِّحْ وَمِثْلُ الْإِجَارَةِ عَلَى الذِّمَّةِ بِقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْت مِنْك ظَهْرَ الْجَمَلِ عَلَيْهِ كَذَا، وَكَذَا وَاسْتَأْجَرْتُك لِتَحْمِلَ لِي بِقَصْدِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: الْإِجَارَةُ لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ وَهَلْ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِيهِ وَجْهَانِ هَذَا إذَا كَانَتْ عَلَى مُعَيَّنٍ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ فَقِيلَ يَثْبُتُ الْخِيَارَانِ وَقِيلَ لَا يَثْبُتَانِ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ خَيْرَانَ، وَقِيلَ يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: الْمُسَاقَاةُ، وَالْإِجَارَةُ الْمُعَيَّنَةُ، وَهِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالزَّمَانِ فَلَا يَدْخُلُهُمَا خِيَارُ الشَّرْطِ وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَدْخُلُ فِيهِمَا، وَالثَّانِي: يَثْبُتُ فِيهِمَا فَأَمَّا الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ خَيْرَانَ: لَا يَدْخُلُهَا الْخِيَارَانِ.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ يَدْخُلُهَا الْخِيَارَانِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الشَّرْطِ وَيَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ كَالْإِجَارَةِ الْمُعَيَّنَةِ.
وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ: يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَا مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ كَالصُّلْحِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالْإِجَارَةِ.
وَقَالَ فِي التَّجْرِيدِ الْإِجَارَةُ الْمُعَيَّنَةُ خِيَارُ الثَّلَاثِ لَا يَثْبُتُ فِيهَا وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ فِيهِ وَجْهَانِ، أَمَّا الْإِجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ فَنَقَلَ الْمُزَنِيّ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الثَّلَاثِ وَلَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ كَذَلِكَ وَزَادَ تَمْثِيلَ إجَارَةِ الْعَيْنِ بِأَنْ يَقُولَ: اسْتَأْجَرْتُك لِتَبْنِيَ لِي هَذِهِ الدَّارَ وَتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ وَتَمْثِيلُ إجَارَةِ الذِّمَّةِ بِأَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِيَبْنِيَ لَهُ دَارًا مَوْصُوفَةً، أَوْ يَحْمِلَ لَهُ حُمُولَةً وَصَفَهَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّمْثِيلِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَمْثِيلِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ أَوْلَى.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْإِجَارَةُ، وَالْمُسَاقَاةُ، وَالْحَوَالَةُ إنْ شَرَطَ فِيهَا خِيَارَ الثَّلَاثِ بَطَلَتْ وَهَلْ تَبْطُلُ بِاشْتِرَاطِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ عَلَى وَجْهَيْنِ هَذِهِ عِبَارَتُهُ.
وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ: لَا يَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْإِجَارَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَهَلْ يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ، وَفِي الْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا يَثْبُتُ، وَالثَّانِي لَا يَثْبُتُ، وَالثَّالِثُ يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ الشَّرْطِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ: مَا عُقِدَ عَلَى مُدَّةٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ شَرْطُ الْخِيَارِ وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَثْبُتُ، وَالثَّانِي: يَثْبُتُ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ
стр. 437
عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لَا يَثْبُتُ لِلْغَرَرِ، وَالثَّانِي: يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُعَيَّنَةَ كَالْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ فِي الْبَيْعِ ثُمَّ الْعَيْنُ الْمُعَيَّنَةُ يَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارَانِ فَكَذَلِكَ الْمَنْفَعَةُ، وَالثَّالِثُ يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مُنْتَظَرٍ فَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ كَالسَّلَمِ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارُ لِلْغَرَرِ، وَالثَّانِي يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ فَخَرَجَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُهَذَّبِ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ، وَقِسْمٌ فِي الْخِيَارَيْنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَقِسْمٌ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَفِي الشَّرْطِ وَجْهَانِ وَكَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ مَعْلُومٌ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ أَنَّ الْأَصَحَّ ثُبُوتُهُ.
وَقَالَ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْكَافِي لَا يَدْخُلُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْإِجَارَةِ وَسَكَتَ عَنْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ شَرْحِ تَعْلِيقِ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْإِجَارَةُ، وَالْمُسَاقَاةُ لَا يَدْخُلُهُمَا خِيَارُ الثُّلُثِ وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ.
وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِعِيِّ كَمَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي الْبَيْعِ يَثْبُتُ فِي كُلِّ مُعَاوَضَةٍ لَازِمَةٍ يُقْصَدُ بِهَا الْمَالُ كَالْإِجَارَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْمُسَاقَاةِ وَقِيلَ: الْمُسَاقَاةُ لَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَلَا خِيَارُ الشَّرْطِ هَكَذَا قَالَ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ: إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مُقَدَّرَةً بِالزَّمَانِ لَمْ يَدْخُلْهَا خِيَارُ الشَّرْطِ وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَتْ مُقَدَّرَةً بِالْعَمَلِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَدْخُلُهَا الْخِيَارَانِ مَعًا، وَالثَّانِي يَدْخُلُهَا الْخِيَارَانِ مَعًا كَالْبَيْعِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِهَا إيصَالُ الْمَنْفَعَةِ بِالْعَقْدِ وَقِيلَ يَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الشَّرْطِ.
وَقَالَ سُلَيْمٌ فِي الْمَقْصُودِ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْإِجَارَةِ وَهَلْ يَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ وَفِي الْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ خَيْرَانَ لَا.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَدْخُلُهَا، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَقَالَ الْجَوْزِيُّ: لَوْ اكْتَرَى دَارًا سَنَةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا جَازَ كَجَوَازِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ.
وَالثَّانِي: فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَجَازَ أَنْ يُؤَاجِرَهُ الْيَوْمَ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ بَعْدَ شَهْرٍ قَالَ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ وَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ سَلَّمَهَا فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ كَانَ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ سُكْنَاهُ فِي الثَّلَاثِ لَيْسَ بِرِضَاهُ وَلَا اخْتِيَارَ الْإِمْضَاءِ لِلْإِجَارَةِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ، فَإِنْ سَلَّمَهَا فِي الثَّلَاثِ لَزِمَتْهُ الثَّلَاثُ وَكَانَ اخْتِيَارًا مِنْهُ لِلْإِجَارَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: الْمُسَاقَاةُ، وَالْإِجَارَةُ الْمَعْقُودَةُ عَلَى زَمَانٍ لَا يَثْبُتُ فِيهِمَا خِيَارُ الشَّرْطِ وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ، وَالْإِجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ مِثْلُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِيُحَصِّلَ لَهُ بِنَاءَ حَائِطٍ، أَوْ خِيَاطَةَ ثَوْبٍ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَلَا يَثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ اسْتِئْجَارُ الْأَعْيَانِ
стр. 438
هَلْ يَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارَانِ قَالَ ابْنُ خَيْرَانَ لَا يَثْبُتَانِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَثْبُتَانِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ وَيَثْبُتُ خِيَارُ الْمَكَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارَانِ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْآجِرِ، فَإِنْ فُسِخَتَا فَالْمُسْتَأْجِرُ يَسْتَرِدُّ مِنْهُ الْأُجْرَةَ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ قُلْنَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ انْفَسَخَ هُنَا فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِنْ أَجَازَ فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى حَسْبُ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ وَارِدَةً عَلَى الذِّمَّةِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَجَّرْتُك عَلَى أَنْ تُحَصِّلَ لِي خِيَاطَةَ هَذَا الثَّوْبِ، فَإِنْ قُلْنَا هِيَ كَالسَّلَمِ فَيُشْتَرَطُ قَبْضُ الْأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ وَيَثْبُتُ خِيَارُ الْمَكَانِ دُونَ الشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ نُلْحِقْهَا بِالسَّلَمِ فَهِيَ كَالْإِجَارَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَعْدُومَةٌ بِخِلَافِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّهُ وَارِدٌ عَلَى مَوْصُوفٍ فَعَلَى هَذَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْإِجَارَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ الْمَنْفَعَةِ. هَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ وَحَكَى فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ ثُبُوتَهُمَا عَنْ ابْنِ خَيْرَانَ، وَهُنَا قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ الْفُورَانِيُّ فِي الْعَمْدِ وَفِي الْإِجَارَةِ أَقْوَالًا: أَحَدُهَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَكَانِ دُونَ الشَّرْطِ هَذَا إذَا كَانَ فِي الْعَيْنِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ وَيَثْبُتُ خِيَارُ الْمَكَانِ فِيهِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ السَّلَمِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: الْإِجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ إنْ أُلْحِقَتْ بِالسَّلَمِ فَفِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ الشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ تُلْحَقْ بِالسَّلَمِ فَفِيهَا الْخِيَارَانِ وَفِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْعَيْنِ طَرِيقَانِ أَرْضَاهُمَا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ فِي الْخِيَارِ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا لَا يَثْبُتَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْطِيلِ الْمَنَافِعِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ: الْعَقْدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ الَّتِي تُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَهُوَ الْإِجَارَةُ هَلْ يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهُمَا لَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْ الْخِيَارَيْنِ لِلْغَرَرِ.
وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ يَثْبُتَانِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَكَانِ لَا الشَّرْطِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِجَارَةِ عَلَى الْعَيْنِ، أَوْ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ أَمَّا الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ يَجِبُ فِيهَا تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ فَيَثْبُتُ خِيَارُ الْمَكَانِ دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ كَمَا فِي السَّلَمِ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إنْ كَانَتْ إجَارَةُ عَيْنٍ مِثْلُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ دَارًا شَهْرًا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ بَعْدَ مَا حَكَى فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَصْحِيحٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ بِأَنْ الْتَزَمَ فِي ذِمَّتِهِ خِيَاطَةَ ثَوْبٍ، أَوْ بِنَاءَ دَارٍ، فَإِنْ أَلْحَقْنَاهَا بِالسَّلَمِ فَيَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَإِلَّا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَبِيعِ. وَلِأَصْحَابِنَا طَرِيقَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ أَصْلًا فِي الْإِجَارَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ لِلْغَرَرِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ
стр. 439
إنْ قُلْنَا: الْإِجَارَةُ بَيْعٌ يَثْبُتُ الْخِيَارُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ: الْإِجَارَةُ فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ، فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ أَمَّا الْإِجَارَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى الذِّمَّةِ فَيَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارَانِ إذْ لَا يَحْذَرُ فَوَاتَ مَنْفَعَةٍ.
وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي كُلِّ مُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَمٍ وَصَرْفٍ وَإِجَارَةٍ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: الْإِجَارَةُ فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ يَثْبُتُ كَالْبَيْعِ، وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقُ وَابْنُ خَيْرَانَ لَا يَثْبُتُ لِلْغَرَرِ، وَبِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
أَجَابَ صَاحِبُ الْكِتَابِ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَشَيْخُهُ الْكَرْخِيُّ وَذَكَرَ الْإِمَامُ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ، وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْأَصَحَّ هُوَ الثَّانِي، وَعَنْ الْقَفَّالِ فِي طَائِفَةٍ أَنَّ الْخِلَافَ إجَارَةُ الْعَيْنِ أَمَّا الْإِجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ فَيَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ لَا مَحَالَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالسَّلَمِ حَتَّى يَجِبَ فِيهَا قَبْضُ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ: الْإِجَارَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْعَيْنِ تَارَةً تَكُونُ مُقَدَّرَةً بِالْعَمَلِ وَتَارَةً بِالزَّمَانِ، وَالْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْمُقَدَّرِ بِالْعَمَلِ فِي طَرِيقَةِ الْعِرَاقِ وَالْمُخْتَارُ فِي الْمُرْسَلِ مِنْهَا الثَّالِثُ أَمَّا الْمُقَدَّرَةُ بِالزَّمَانِ فَالْمَذْكُورَةُ فِي طَرِيقِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بَعْضُ الْمُدَّةِ، وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ شَيْخِهِ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الْقَفَّالِ الْخِلَافَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ أَيْضًا وَبِهِ تَنْظِيمُ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ أَيْضًا.
وَقَالَ الْمَرْعَشِيُّ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي سَائِرِ بُيُوعِ الْأَعْيَانِ وَفِي الْإِجَارَةِ لِأَصْحَابِنَا قَوْلَانِ ثُمَّ قَالَ وَخِيَارُ الثَّلَاثِ فِي سَائِرِ الْمُبَايَعَاتِ إلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: الْإِجَارَةِ، وَالصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي الْإِجَارَةِ وَجْهَانِ وَجْهُ الثُّبُوتِ أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لَازِمَةٌ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْمَنْعُ لِلْغَرَرِ وَخَصَّصَ بَعْضُهُمْ الْوَجْهَيْنِ بِإِجَارَةِ الْعَيْنِ وَجَزَمَ بِثُبُوتِهِ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالسَّلَمِ.
وَإِذَا أَثْبَتْنَا فِي إجَارَةٍ فَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ انْقِطَاعِ الْخِيَارِ، أَوْ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي الْإِجَارَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقَالَ الْقَمُولِيُّ لَمَّا حَكَى الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ ثَالِثُهَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ الشَّرْطِ قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَمَّا فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ فَلِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ انْصِرَافُهُ عَنْ قُرْبٍ، أَمَّا فِي إجَارَةِ الذِّمَمِ فَلْتُنَزِّلْهَا مَنْزِلَةَ السَّلَمِ، قَالَ: وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي نَوْعَيْ الْإِجَارَةِ عَلَى الذِّمَّةِ فَيَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ تَعْجِيلٍ قَطْعًا، قَالَ: وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ ثُبُوتَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي الْإِجَارَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْمُدَّةِ وَصَحَّحَ فِي الْمِنْهَاجِ عَدَمَ ثُبُوتِهِ مُطْلَقًا قَالَ فَتَنَاقَضَا.
وَقَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى
стр. 440
ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهُمَا عَلَى مُدَّةٍ كَقَوْلِهِ: أَجَّرْتُك هَذِهِ الدَّارَ، وَالْعَبْدَ شَهْرًا، فَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ جِدًّا يَثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ. وَاَلَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ لَا يَثْبُتُ، وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْوَجِيزِ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ وَالْكَرْخِيِّ الثُّبُوتُ وَعِنْدَ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ الْمَنْعُ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) : عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُك لِتَبْنِيَ لِي هَذَا الْحَائِطَ فَفِي الْخِيَارَيْنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ الْمَنْعُ كَمَا سَبَقَ، وَعِنْدَ الْبَاقِينَ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الْمُرْشِدِ الثُّبُوتُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ.
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) : عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ وَالْقَفَّالُ وَالْإِمَامُ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيهَا، وَحَكَى صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالْإِمَامُ الْخِلَافَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ فَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ الصَّحِيحَ مُطْلَقًا ثُبُوتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَأَنَّ الْقِسْمَ الثَّالِثَ لَا خِلَافَ فِيهِ وَأَنَّ الصَّحِيحَ امْتِنَاعُ خِيَارِ الشَّرْطِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَسُلَيْمٌ وَالْعَبْدَرِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ الْمُعَيَّنَةُ لَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الشَّرْطِ وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ وَاَلَّتِي فِي الذِّمَّةِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ عِنْدَ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ وَسُلَيْمٍ الدُّخُولُ، وَقَدْ تَجَوَّزُوا فِي قَوْلِهِمْ: الذِّمَّةُ وَأَرَادُوا بِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُقَيَّدًا بِزَمَانٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى إرَادَتِهِمْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ احْتَجَّ عَلَى الْإِصْطَخْرِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَدْخُلُهَا الْخِيَارَانِ بِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ لَا تَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَوْ كَانَتْ إجَارَةَ ذِمَّةٍ لَمْ يَسْلَمْ ذَلِكَ بَلْ يَتَخَرَّجُ عَلَى النَّظَرِ إلَى اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى فَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مُرَادِهِمْ مَا عَبَّرَ بِهِ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ، وَالْمُهَذَّبُ أَنَّ الْمُعَيَّنَةَ مَا عُقِدَ عَلَى مُدَّةٍ حَتَّى أَنِّي أَقُولُ إذَا عَقَدَ إجَارَةَ الذِّمَّةِ عَلَى مُدَّةٍ كَانَتْ كَذَلِكَ وَاَلَّذِي عُقِدَ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ هُوَ مُرَادًا وَقِيلَ بِإِجَارَةِ الذِّمَّةِ وَلَيْسَ بِإِجَارَةِ ذِمَّةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إجَارَةُ عَيْنٍ، وَقَدْ تَكُونُ إجَارَةَ ذِمَّةٍ أَيْضًا وَلِهَذَا أَطْلَقَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ وَأَطْلَقَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ خِيَارُ الشَّرْطِ وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ، وَكَذَا فِي تَعْلِيقِ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ حَكَى الثَّلَاثَةَ الْأَوْجُهَ بِعَيْنِهَا فِي إجَارَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَحَكَى عَنْ ابْنِ خَيْرَانَ أَنَّهُمَا لَا يَثْبُتَانِ، وَلَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْأَوَّلُونَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقُولَ ابْنُ خَيْرَانَ: لَا يَدْخُلُ الْخِيَارَانِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَارَةِ.
وَقَالَ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُبُوتُهُمَا وَلَا يُنَاقِضُ مَا قَالُوهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْقُلُوا عَنْهُ شَيْئًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ بِثُبُوتِهِ فِي الْقِسْمَيْنِ وَحَكَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ثُبُوتَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَفِي الشَّرْطِ فِي الْمُعَيَّنَةِ، وَالْأَوَّلُونَ حَكَوْا عَنْهُ فِي الَّتِي فِي الذِّمَّةِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارَانِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ يَدْخُلُ فِي جَمِيعِ
стр. 441
أَنْوَاعِهَا عَلَى مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَسُلَيْمٌ وَالْجُرْجَانِيُّ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الْمُرْشِدِ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ تَرْجِيحَهُ عَنْ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ وَشَيْخِهِ الْكَرْخِيِّ وَلَمْ أَرَهُ فِي الْمُهَذَّبِ وَلَا يَدْخُلُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَيَدْخُلُ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ دُونَ الْعَيْنِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْإِمَامُ مِنْ تَعْلِيقِ أَبِي حَامِدٍ مَنْ اسْتَأْجَرَ بِئْرًا لِيَسْقِيَ مَاءَهَا لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ اكْتَرَى دَارًا لِيَسْكُنَهَا وَفِيهَا بِئْرُ مَاءٍ جَازَ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهَا تَبَعًا لَا بُدَّ أَنْ يُقَدِّرَ الْمُدَّةَ كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُك شَهْرًا لِتَخِيطَ، أَوْ الْعَمَلَ كَاسْتَأْجَرْتُكَ بِهَذَا الثَّوْبِ فَلَوْ قَدَّرَهُمَا لَمْ يَصِحَّ لَوْ قَالَ: أَجَّرْتُك كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ وَعَبْدَيْنِ آخَرَيْنِ كُلَّ عَبْدٍ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا الرَّاكِبُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: اسْتَأْجَرْت مِنْك هَذَا الْحِمَارَ لِأَرْكَبَ أَنَا، أَوْ يَرْكَبَ زَيْدٌ. فَأَمَّا الصِّفَةُ فَلَا يَقْصِدُ بِهَا مَعْلُومًا إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجَرُ مِنْ غَيْرِ الْعَقَارِ كَالْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْخَيْلِ، وَالْعَبِيدِ وَكَالرَّجُلِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ فَالْإِجَارَةُ تَجُوزُ مُعَيَّنًا وَفِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ أَجَّرَهُ مُعَيَّنًا فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ بِتَقْدِيرِ الْعَمَلِ، أَوْ الْمُدَّةِ وَيَتَنَاوَلُ الْعَقَارَ فَإِنَّهُ لَا عَمَلَ فِيهِ فَلَا يَتَقَدَّرُ إلَّا بِالْمُدَّةِ. وَالثِّيَابُ، وَالْأَبْنِيَةُ كَالْعَقَارِ فِي أَنَّ مَنَافِعَهَا لَا تَكُونُ مَعْلُومَةً إلَّا بِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ، وَهِيَ كَالْبَهَائِمِ ثُمَّ فِي جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا مُعَيَّنًا وَفِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ قَدَّرَ الْمَنْفَعَةَ بِالْعَمَلِ كَاسْتَأْجَرْتُكَ لِنَقْلِ كَذَا صَحَّ الْعَقْدُ وَاقْتَضَى إطْلَاقُهُ الْحُلُولَ، وَإِنْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ غَيْرَ حَالِ الْعَقْدِ لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَصِحُّ، وَإِنْ أُطْلِقَ اقْتَضَى التَّعْجِيلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَضَى شَيْءٌ مِنْ الزَّمَانِ لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهَا لَا تَفُوتُ بِخِلَافِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ كَاسْتَأْجَرْتُكَ لِتُحَصِّلَ لِي خِيَاطَةَ هَذِهِ الْأَثْوَابِ الْعَشَرَةِ، أَوْ تُحَصِّلَ لِي بِنَاءَ حَائِطٍ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةِ أَشْبَارٍ صِفَتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ صَحَّ مُعَجَّلًا، وَلَوْ شَرَطَ فِيهِ التَّأْجِيلَ جَازَ إذَا كَانَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا أَسْلَمَ فِي مَنْفَعَةٍ إلَى أَجَلٍ جَازَ الْإِجَارَةُ لِلرَّضَاعِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُقَدَّرَةً بِالْمُدَّةِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَوَاضِعِ تَتَقَدَّرُ بِالْمُدَّةِ، أَوْ بِالْعَمَلِ مِنْ الرَّوْضَةِ لَوْ قَالَ: لِتَخِيطَ لِي ثَوْبًا وَشَهْرًا قَالَ الْأَكْثَرُونَ يَصِحُّ وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ الثَّوْبِ، وَالْخِيَاطَةِ إلَّا أَنْ تَطَّرِدَ الْعَادَةُ بِنَوْعٍ لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ إلَى بَلَدٍ ثُمَّ لَمْ يُسَلِّمْهَا حَتَّى أَمْضَتْ مُدَّةً يُمْكِنُ فِيهَا الْمُضِيُّ إلَيْهَا فَوَجْهَانِ
مُخْتَارُ الْإِمَامِ الِانْفِسَاخُ وَأَظْهَرُهُمَا وَبِهِ أَجَابَ الْأَكْثَرُونَ لَا يَنْفَسِخُ وَعَلَى هَذَا فَفِي الْوَسِيطِ لَهُ الْخِيَارُ وَرِوَايَةُ الْأَصْحَابِ تُخَالِفُ مَا رَوَاهُ الْإِجَارَةُ تَارَةً تَقَعُ عَلَى الذِّمَّةِ فَتُقَدَّرُ بِالْعَمَلِ وَتَارَةً تَقَعُ عَلَى الْعَيْنِ فَتُقَدَّرُ
стр. 442
بِالْمُدَّةِ فَإِجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُقَدَّرَةِ بِالْمُدَّةِ كَأَجَّرْتُكَ دَارِي، أَوْ عَبْدِي شَهْرًا، أَوْ اسْتَأْجَرْت عَيْنَك لِتَبْنِيَ لِي شَهْرًا قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الشَّرْطِ لِلْغَرَرِ وَلِتَعْطِيلِ الْمَنْفَعَةِ، وَفِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَجْهَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالْمَذْهَبُ دُخُولُهُ وَوَافَقَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَسُلَيْمٌ وَالْجُرْجَانِيُّ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْغَزَالِيُّ فَرَجَّحُوا ثُبُوتَهُ وَفِي طَرِيقَةِ الْمَرَاوِزَةِ إجْرَاءُ الْخِلَافِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ وَإِجَارَةِ الْعَيْنِ الْمُقَدَّرَةِ بِالْعَمَلِ كَأَجَّرْتُكَ دَابَّتِي لِتَرْكَبَهَا إلَى مَكَانِ كَذَا وَاسْتَأْجَرْتُك لِتَعْمَلَ لِي كَذَا، فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ ثَالِثُهَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ ثَبَتَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ الشَّرْطِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ التَّنْبِيهِ تَرْجِيحُ ثُبُوتِهِمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ التَّسْلِيمَ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ إمْكَانِ الْعَمَلِ لَمْ يَنْفَسِخْ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَمُخْتَارُ الْإِمَامِ يَنْفَسِخُ وَفِي الْأَوَّلِ يَنْفَسِخُ قَطْعًا وَإِجَارَةُ الذِّمَّةِ كَاسْتَأْجَرْتُ مِنْك ظَهْرًا صِفَتُهُ كَذَا إنْ أَلْحَقْنَاهَا بِالسَّلَمِ يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ الشَّرْطِ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ، وَالْأَفْضَلُ لَا يَثْبُتَانِ لِلْغَرَرِ وَقِيلَ يَثْبُتَانِ لِعَدَمِ تَعْطِيلِ الْمَنْفَعَةِ وَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي الْإِجَارَةِ سَوَاءً كَانَتْ عَلَى الْعَيْنِ، أَوْ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ. وَإِطْلَاقُ الْكِتَابِ يُوَافِقُهُ وَالْمُتَخَيَّلُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ تَصْحِيحُ ثُبُوتِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ مِنْ دِمْيَاطَ) أَرْضٌ مَشْغُولَةٌ بِأَشْجَارِ مَوْزٍ بَيْنَ الْأَشْجَارِ أَرْضٌ مَكْشُوفَةٌ اسْتَأْجَرَهَا رَجُلٌ لِلزِّرَاعَةِ وَسَاقَى عَلَى الْأَشْجَارِ عَلَى الْعَادَةِ، وَالْأَرْضُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا لِلزِّرَاعَةِ؛ لِأَنَّ ظِلَّ الشَّجَرِ يَمْنَعُ فَهَلْ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ؟
(أَجَابَ) لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَا أُجْرَةَ الْمِثْلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ زَائِدَةً عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَى دُخُولِهِ لِتَعَهُّدِ الْأَشْجَارِ فَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أُجْرَةَ مِثْلِ الزَّائِدِ فَقَطْ إذَا وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ لِلزِّرَاعَةِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الزِّرَاعَةُ فَظَاهِرٌ، أَمَّا عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ بَعْدَ تَفْوِيتٍ مِنْهُ لِدُخُولِ الْأَرْضِ فِي يَدِهِ الَّتِي أُعَوِّلُ إنْ صَحَّحْنَا الْمُسَاقَاةَ عَلَى الْعَيْنِ فَهُوَ يَسْتَحِقُّ الْيَدَ فَدُخُولُهُ الْأَرْضَ مُسْتَحَقٌّ بِحُكْمِ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ فَلَا نُجْرِيهِ أُجْرَةً، وَإِنْ لَمْ نُصَحِّحْ الْمُسَاقَاةَ وَعَلَى الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَهُوَ قَبْضُهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَلَا جَرَمَ لَمْ يَضْمَنْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسَائِلُ أُخْرَى جَرَتْ فِي الْمِيعَادِ) قَوْلُهُ ﷺ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا
стр. 443
فَاسْتَوْفَى عَمَلَهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» أَقُولُ: الْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ اللَّهِ خَصْمَهُمْ أَنَّهُمْ جَنَوْا عَلَى حَقِّهِ فَإِنَّ الَّذِي أَعْطَى بِهِ ثُمَّ غَدَرَ جَنَى عَلَى عَهْدِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْجِنَايَةِ، وَالنَّقْضِ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ، وَمِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّيَ بِعَهْدِهِ، وَاَلَّذِي بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ جَنَى عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ حَقَّهُ فِي الْحُرِّ إقَامَتُهُ لِعِبَادَتِهِ الَّتِي خَلَقَ الْجِنَّ، وَالْإِنْسَ لَهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَمَنْ اسْتَرَقَّ حُرًّا فَقَدْ عَطَّلَ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةَ بِالْأَحْرَارِ كَالْجُمُعَةِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا وَكَثِيرًا مِنْ النَّوَافِلِ الْمُعَارِضَةِ لِخِدْمَةِ السَّيِّدِ فَقَدْ نَاقَضَ حِكْمَةَ اللَّهِ فِي الْوُجُودِ وَمَقْصُودَهُ مِنْ عِبَاده فَلِذَلِكَ عَظُمَتْ هَذِهِ الْجَرِيمَةُ.
وَمِنْ هُنَا تَنْبِيهٌ لِفَائِدَةٍ عَظِيمَةٍ سُئِلَ عَنْهَا فِي الْمِيعَادِ، وَهِيَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْرَارِ يَخْتَارُونَ بَيْعَ أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ لِمَلِكٍ مِنْ الْمُلُوكِ، أَوْ ذِي جَاهٍ لِيَحْصُلَ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ الرُّتْبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ، وَالْمَالِ مَا لَا يَحْصُلُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَحْرَارِ فَكَيْفَ يَعْظُمُ الْإِثْمُ عَلَى مِنْ ذَلِكَ وَهَكَذَا كَثِيرٌ مِنْ الْجَوَارِي، وَالْعَبِيدِ لَا يَخْتَارُونَ الْعِتْقَ وَيَضُرُّهُمْ الْعِتْقُ فِي تَحْصِيلِ الْمَعِيشَةِ فَتَكُونُ الْجَارِيَةُ، وَالْعَبْدُ مَكْفِيَّةَ الْمَئُونَةِ فِي عَيْشٍ رَغَدٍ عِنْدَ سَيِّدِهَا فَيُعْتِقُهَا فَتَبْقَى كَلًّا عَلَى النَّاسِ هَكَذَا رَأَيْنَا كَثِيرًا مِنْ الْمُعْتِقِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ فِي عِتْقِ هَذِهِ مِنْ الْأَجْرِ مَا وَرَدَ فِي أَجْرِ الْعِتْقِ، وَالْجَوَابُ أَنَّك أَيُّهَا السَّائِلُ نَاظِرٌ إلَى الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالشَّارِعُ نَاظِرٌ إلَى الْمَصَالِحِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَكَمْ بَيْنَهُمَا، وَالْحُرُّ يَتَفَرَّغُ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ جُعِلَ الْعِتْقُ كَفَّارَةَ الْقَتْلِ لِيُوجِدَ نَفْسًا مِثْلَ الَّتِي أَعْدَمَهَا تَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى فَاَلَّذِي يَرْغَبُ فِي الرِّقِّ لِتَحْصِيلِ الرِّفْعَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْجَاهِ، وَالْمَالِ رَغِبَ فِي شَيْءٍ يَسِيرٍ، فَإِنْ تَرَكَ الْعِبَادَةَ، وَالِارْتِدَادَ مِنْهَا الَّتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا، وَمَا عَلَيْهَا وَلِذَلِكَ الْجَارِيَةُ، وَالْعَبْدُ الْكَارِهُ لِلْعِتْقِ إنَّمَا كَرِهَهُ لِجَهْلِهِ فَإِنَّ الرِّقَّ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَصَالِحَ الْآخِرَةِ الْكَثِيرَةَ الْبَاقِيَةَ فَكَيْفَ يَرْغَبُ فِيهِ لِمَصْلَحَةٍ قَلِيلَةٍ فَانِيَةٍ.
وَالْعِتْقُ تَحْصُلُ لَهُ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ وَيَتَوَكَّلُ فِي الرِّزْقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ رَزَقَهُ رِزْقًا رَغَدًا حَصَلَتْ لَهُ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ إلَّا حَصَلَتْ لَهُ الْآخِرَةُ فَهُوَ عَلَى كُلِّ رَاعٍ إذَا نَظَرَ إلَى الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ وَلَكِنَّ غَالِبَ الْجَهَلَةِ يَنْظُرُونَ إلَى الْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلِذَلِكَ عَظُمَ وَقْعُ هَذَا السُّؤَالِ عِنْدَهُمْ، وَالْمُتَّقُونَ لَا يَنْظُرُونَ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْت: وَالرَّجُلُ الَّذِي اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا مُسْتَوْفٍ عَمَلَهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَعْبَدَ الْحُرَّ وَعَطَّلَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَةِ فَيُشَابِهُ الَّذِي بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ فَلِذَلِكَ عَظُمَ ذَنْبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ.
(مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ مُطَلَّقَتَهُ لِإِرْضَاعِ ابْنَتِهِ مِنْهَا فِي بَلَدٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ سَافَرَتْ الْمُطَلَّقَةُ
стр. 444
الْمَذْكُورَةُ بِالْبِنْتِ مِنْ الْبَلَدِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ هَلْ تَبْطُلُ أُجْرَةُ إرْضَاعِهَا مُدَّةَ سَفَرِهَا؟
(أَجَابَ) لَا تَبْطُلُ لَكِنْ لَهُ طَلَبُهَا وَرَدُّهَا إلَى بَلَدٍ، فَإِنْ عَيَّنَ عَلَيْهِ ثَبَتَ اخْتِيَارُ الْفَسْخِ، فَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَهِيَ تُرْضِعُهَا فِي الْغَيْبَةِ اسْتَقَرَّتْ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِ. قُلْتُهُ تَفَقُّهًا لَا نَقْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) لِابْنِ الدِّمْيَاطِيِّ أَجَّرَ إقْطَاعَهُ لِرَجُلَيْنِ لِيَنْتَفِعَا بِهِ كَيْفَ شَاءَا عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ فَأَرَادَا زَرْعَهُ نِيلَةً، أَوْ سِمْسِمًا، وَذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُ الْأَرْضَ وَيُفْسِدُهَا فَهَلْ لَهُمَا ذَلِكَ؟
(أَجَابَ) هَذِهِ الْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ وَلَيْسَ لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا إلَّا مَا يَرْضَاهُ صَاحِبُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمُسْتَنِدِي فِي بُطْلَانِهَا قَوْلُهُ كَيْفَ شَاءَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ انْتِفَاعَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَنُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ وَمَشِيئَةِ الْآخَرِ وَهُمَا عَقْدَانِ لِتَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ فَتَبْطُلُ وَهَذَا الْبَحْثُ يُسْتَمَدُّ مِنْ كِتَابَةِ عَبْدَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) اسْتَأْجَرَ شَيْئًا مُدَّةَ سَنَةٍ مِنْ تَارِيخِ الْعَقْدِ، وَهُوَ اسْتِقْبَالُ السَّادِسَةِ، وَالْعِشْرِينَ مِنْ الشَّهْرِ بِأُجْرَةٍ مُقَسَّطَةٍ كُلُّ شَهْرٍ مِنْهَا بِكَذَا وَجَاءَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَانْتَفَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِسَبَبٍ اقْتَضَاهُ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْخَامِسِ مِنْ تَارِيخِ الْإِجَارَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ الشَّهْرِ الثَّانِي فَمَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ.
(الْجَوَابُ) يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ أُجْرَةُ عُشْرِ الشَّهْرِ الْعَدَدِيِّ وَثُلُثُ عُشْرِهِ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ مُضِيِّ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ الشَّهْرِ الثَّالِثِ، وَهُوَ تَمَامُ سَنَةٍ مِنْ تَارِيخِ الْإِجَارَةِ. هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ فَإِنَّهُ تُحْسَبُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا هِلَالِيَّةً وَيُكْمِلُ شَهْرًا بِالْعَدَدِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الشَّهْرِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَسِتَّةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ آخِرِ الْمُدَّةِ فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ الْمُطَالَبَةُ بِقِسْطِ الْأَرْبَعَةِ الْأَيَّامِ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ سَوَاءٌ اسْتَمَرَّتْ الْإِجَارَةُ أَمْ انْفَسَخَتْ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي انْفِسَاخُهَا رُجُوعَ بَقِيَّةِ الْمَنَافِعِ إلَى الْمُؤَجِّرِ وَرُجُوعَ بَقِيَّةِ الْأُجْرَةِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ، أَمَّا أُجْرَةُ مَا اسْتَوْفَى فَقَدْ اسْتَقَرَّتْ عَلَى حُكْمِهَا، وَهُوَ التَّأْجِيلُ وَلَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَ شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا عِنْدَ تَمَامِ شَهْرِهَا، وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ شَهْرًا بِعَشَرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى آخِرِهِ فَاسْتَوْفَى فِي نِصْفِهِ وَتَقَايَلَا فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ قَبْضَ الْخَمْسَةِ الْمُقَابِلَةِ لِمَا اسْتَوْفَاهُ إلَّا مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِحُلُولِ الْمُؤَجَّلِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَلَّ مَنْ يَتَنَبَّهُ لَهَا، وَهِيَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا مَا فِي أَذْهَانِ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عِنْدَ تَمَامِ السَّادِسِ، وَالْعِشْرِينَ مِنْ الشَّهْرِ
стр. 445
الدَّاخِلِ فَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ، أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الِانْفِسَاخَ يَقْتَضِي حُلُولَهَا فَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَاعْتِقَادُ كَوْنِ الْأَرْبَعَةِ الْأَيَّامِ مَنْسُوبَةً مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ أَحَدٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهَ أَيْضًا لِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَتْ أَيَّامُ الشَّهْرِ كُلُّهَا سَوَاءً، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِأَنْ كَانَ بَعْضُهَا أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ بَعْضٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى ذَلِكَ فِي التَّقْسِيطِ، وَقَدْ يَقْتَضِي الْحَالُ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَيَّامَ قِسْطُهَا يَزِيدُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، أَوْ يَنْقُصُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ وَفَّقَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي رَجُلٍ صَانِعٍ لِلْبُسُطِ دَفَعَ إلَيْهِ زَيْدٌ دَرَاهِمَ لِيَشْتَرِيَ بِهَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبُسُطُ وَقَرَّرَ مَعَهُ أُجْرَتَهُ، وَالشَّخْصُ الصَّانِعُ عَمِلَ الْبُسُطَ وَجَاءَ بِبَعْضِهَا وَادَّعَى تَلَفَ الْبَعْضِ بِالسَّرِقَةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ غَرَامَةُ مَا ادَّعَى تَلَفَهُ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
(أَجَابَ) ﵁ بِأَنْ قَالَ هَذِهِ الْفُتْيَا حَضَرَتْ إلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْمَاضِيَةِ فِي الْجَامِعِ الطِّيلُونِيِّ عَقِيبَ الصَّلَاةِ بِلَفْظٍ غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ هُنَا بَلْ هُوَ عَلَى صُورَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ فِي رَجُلٍ يَصْنَعُ الْبُسُطَ دَفَعَ إلَيْهِ زَيْدٌ دَرَاهِمَ لِيَعْمَلَ لَهُ بُسُطًا فَجَاءَ بِبَعْضِ الْبُسُطِ وَادَّعَى تَلَفَ الْبَعْضِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ غُرْمُ مَا تَلِفَ، أَوْ لَا هَكَذَا لَفْظُ تِلْكَ الْفَتْوَى، أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَكَتَبْتُ عَلَيْهَا أَنَّ هَذَا الِاسْتِصْنَاعَ فَاسِدٌ وَأَنَّ الدَّرَاهِمَ مَضْمُونَةٌ لِلدَّافِعِ عَلَى الْأَخْذِ، وَمَا يَتْلَفُ مِنْ الْبُسُطِ يَتْلَفُ عَلَى مِلْكِ الصَّانِعِ، وَمِنْ ضَمَانِهِ، وَمَا أَحْضَرَهُ إنْ اتَّفَقَا عَلَى عَقْدٍ عَلَيْهِ حَاسَبَهُ بِثَمَنِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيَرُدُّهَا، أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَلَمَّا كَانَ بُكْرَةُ يَوْمِ السَّبْتِ وَأَنَا دَاخِلٌ دَرْسَ الْمَنْصُورِيَّةِ حَضَرَتْ إلَيَّ فُتْيَا صُورَةِ السُّؤَالِ كَصُورَتِهِ الَّتِي كَتَبْت عَلَيْهَا وَعَلَيْهَا خَطُّ شَخْصٍ بِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ وَأَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ، أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَدَفَعْتهَا إلَى مَحْضَرِهَا عَالِمًا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لَأَنْ أَرَاهَا فَلَمَّا حَضَرْت الدَّرْسَ طَلَبَ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ قِرَاءَتَهَا فِي الدَّرْسِ فَامْتَنَعْت مِنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّنِي لَا أَشْتَهِي عَلَى أَحَدٍ وَلَا أَذْكُرُهُ بِسُوءٍ لَكِنْ بَحْثُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَنْ أَفْتَى فِيهَا وَذَكَرْت لِلْجَمَاعَةِ أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ فِي تَجْلِيدِ الْكُتُبِ وَفِي اسْتِعْمَالِ الْخِفَافِ، وَالْقُمَاشِ، وَالشَّرَامِيزِ وَغَيْرِهَا، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَسَادُ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ صِحَّتُهُ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذِهِ فِي الْأُمِّ وَذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي كُتُبِهِمْ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِعَمَلِ النَّاسِ، وَالْحَاجَةِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ هَذَا سَلَمٌ فَاسِدٌ وَلَيْسَ بَيْعَ عَيْنٍ وَلَا إجَارَةً عَلَى عَمَلٍ فِي عَيْنٍ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الدَّرَاهِمَ الْمَقْبُوضَةَ عَنْ ذَلِكَ أَمَانَةٌ وَأَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الدَّافِعِ وَلَا يَلْزَمُ الْقَابِضَ غُرْمُهَا قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ
стр. 446
مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَشَارَ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَا الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ بَلْ هُوَ خِلَافُ إجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ عِنْدَنَا الْعَقْدُ فَاسِدٌ وَصَحِيحُهُ يَقْتَضِي الضَّمَانَ فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْقَابِضِ ضَمَانَ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَعَلَى قَاعِدَةِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ فَهُوَ كَالثَّمَنِ الْمَقْبُوضِ عَنْ بَيْعٍ صَحِيحٍ، أَوْ كَالْأُجْرَةِ الْمَقْبُوضَةِ عَنْ إجَارَةٍ صَحِيحَةٍ.
وَالْحُكْمُ فِيهِمَا أَنَّهُمَا مَضْمُونَانِ ضَمَانَ الْعَقْدِ فَالْقَوْلُ فِي إخْرَاجِ ذَلِكَ عَنْ أَحْكَامِ الضَّمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ قَوْلٌ خَارِجٌ عَنْ أَحْزَابِ الْفُقَهَاءِ وَلَا يَقُولُهُ مَنْ شَدَا طَرْفًا مِنْ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَى هَذَا وَأَمْثَالِهِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْبَلَادَةُ وَبُعْدُ الذِّهْنِ وَعَدَمُ الْمَعْرِفَةِ بِالشَّرِيعَةِ وَأَحْكَامِهَا وَمَدَارِكِهَا وَمَأْخَذِهَا، وَالثَّانِي: الِاشْتِغَالُ بِالْكُتُبِ الْمُخْتَصَرَةِ كَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَأَمْثَالِهِ فَإِنَّهُ يُكِلُّ ذِهْنَهُ وَشَعْبَهُ فِي حَلِّ أَلْفَاظِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِوَاءٍ عَلَى حَقِيقَةِ الْفِقْهِ، وَيَعْتَقِدُ مَعَ ذَلِكَ بِفِقْهٍ فَيَقَعُ فِي أَمْثَالِ هَذَا وَكِتَابُ الْحَاوِي الْمَذْكُورُ وَأَمْثَالُهُ كُتُبٌ حَسَنَةٌ مَلِيحَةٌ جَيِّدَةٌ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي اسْتِحْضَارِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَالْإِشَارَةِ إلَى أَحْكَامِهَا مِنْ مَعْرِفَةٍ مِنْ خَارِجٍ فَيَكُونُ عِمَادًا عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا إنَّ الْفِقْهَ يَتَنَاوَلُ مِنْهُ فَلَا وَغَايَةُ مَنْ يَحْفَظُهُ أَنْ تَحْصُلَ لَهُ فَضِيلَةٌ فِي نَفْسِهِ لِأَفْقَهَ، وَالْفَضِيلَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ وَتَنَاوُلَهَا مِنْ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ وَمَعْرِفَةُ مَأْخَذِهَا، وَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ وَأَصْحَابُهُ هُمْ الْمُسَمَّوْنَ بِالْعُلَمَاءِ.
وَالثَّانِي مَعْرِفَةُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مُطْلَقًا كَالتَّفْسِيرِ، وَالْحَدِيثِ وَأُصُولِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ تَنْزِيلٍ إلَى الْمَدَارِكِ الْفِقْهِيَّةِ وَأَصْحَابُهُ يُسَمَّوْنَ عُلَمَاءَ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ فَضَائِلُ خَارِجَةٌ عَنْ الْقِسْمَيْنِ، وَهِيَ فِي الْعُلُومِ قَرِيبَةٌ مِنْ الصَّنَائِعِ فَهَذِهِ أَصْحَابُهَا، وَإِنْ سَمَّيْنَاهُمْ فُضَلَاءَ لَا نُسَمِّيهِمْ فُقَهَاءَ وَلَا عُلَمَاءَ، وَإِنَّمَا يَغْلَطُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِيهِمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ فُقَهَاءُ، أَوْ عُلَمَاءُ لِكَوْنِهِمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفُضَلَاءِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَالْفُقَهَاءِ، وَالْمُشْتَغِلُونَ بِالْحَاوِي خَاصَّةً مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ. ثُمَّ بَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْفَتْوَى فِي ذَلِكَ غُيِّرَتْ إلَى الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ وَاسْتَفْتَى عَلَيْهَا لَعَلَّ أَحَدًا يُوَافِقُ عَلَيْهَا فَلَا أَدْرِي هَلْ وَافَقَهُ وَاحِدٌ عَلَيْهَا، أَوْ لَا وَلَكِنْ نُقِلَ نَقْلٌ وَلَا أَعْلَمُ صِحَّتَهُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ وَافَقَ عَلَى ذَلِكَ وَظَنَّ أَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهَذَا إنْ كَانَ وَقَعَ جَهْلٌ عَظِيمٌ وَبُعْدٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْفِقْهِ بَلْ عَنْ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ النَّاسِ. ثُمَّ حَضَرَتْ إلَيَّ هَذِهِ الْوَرَقَةُ وَمَعَهَا وَرَقَةٌ مِثْلُهَا فِي السُّؤَالِ وَعَلَيْهَا جَوَابٌ بِخَطِّ الشَّخْصِ الَّذِي كَتَبَ أَوَّلًا بِعَدَمِ الضَّمَانِ وَسَأَلَنِي مُحْضِرُهَا هَلْ هَذِهِ تِلْكَ، أَوْ غَيْرُهَا؟
فَقُلْت: بَلْ غَيْرُهَا فَإِنَّ السُّؤَالَ غَيْرُ السُّؤَالِ، وَالْوَرَقَ غَيْرُ الْوَرَقِ وَلَا يُشْبِهُهُ وَتَعَجَّبْت مِنْ شَخْصٍ يَصْدُرُ مِنْهُ هَذَا فَإِنَّ دَأْبَ أَهْلِ الْعِلْمِ
стр. 447
إذَا صَدَرَ مِنْهُمْ خَطَأٌ الِاعْتِرَافُ لَا التَّمَادِي، وَالتَّلَبُّسُ، وَقَالَ لِي قَائِلٌ: إنَّهُمْ أَنْكَرُوا مِنِّي لَفْظَةَ الِاسْتِصْنَاعِ فَيَالَلَّهِ لِلْجَهْلِ هَذِهِ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَعِبَارَةُ الْأَصْحَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَعِبَارَةُ الْفُقَهَاءِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَكَيْفَ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى فَقِيهٍ فَيَنْبَغِي لِمَنْ هَذَا حَالُهُ أَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ عَنْ الْوُقُوعِ فِي أَمْثَالِ هَذَا خَيْرٌ لَهُ:
وَلِلْحُرُوبِ رِجَالٌ يُعْرَفُونَ بِهَا ... وَلِلدَّوَاوِينِ كُتَّابٌ وَحُسَّابُ
، وَالْعِلْمُ صَعْبٌ لَا يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا وَلَيْسَتْ كُلُّ الطِّبَاعِ تَقْبَلُهُ بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَغِلُ عُمْرَهُ وَلَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، أَمَّا السُّؤَالُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ فَقَدْ رَأَيْت هَذَا الشَّخْصَ الْمُشَارَ إلَيْهِ أَجَابَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا فِي حِفْظِهِ إذْ يَدُهُ يَدُ أَمَانَةٍ.
وَهَذَا الْجَوَابُ خَطَأٌ أَيْضًا إذَا فُرِضَتْ الصُّورَةُ هَكَذَا فَإِنَّ الصُّورَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُ مَا ذُكِرَ حَقِيقَتُهَا تَوْكِيلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبُسُطُ مَجْهُولٌ، وَالتَّوْكِيلُ فِي الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ، وَإِذَا كَانَتْ الْوَكَالَةُ فَاسِدَةً فَكُلُّ مَا يَشْتَرِيهِ الْوَكِيلُ مِنْ صُوفٍ وَغَيْرِهِ وَاقِعٌ لَهُ لَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ، فَإِذَا صَنَعَهُ بُسُطًا وَتَلِفَ تَلِفَ عَلَى مِلْكِ الصَّانِعِ فَلَيْسَتْ يَدُهُ عَلَى الْبُسُطِ يَدَ أَمَانَةٍ؛ لِأَنَّ يَدَ الْأَمَانَةِ إنَّمَا تَكُونُ إذَا كَانَتْ الْبُسُطُ لِغَيْرِهِ وَهَذِهِ لِنَفْسِهِ، وَالدَّرَاهِمُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ وَلَمْ يَسْأَلْ الْمُسْتَفْتِي عَنْهَا فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَغْرَمُ الْبُسُطَ وَأَنَّهَا فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ خَطَأٌ.
وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ التَّوْكِيلَ صَحِيحٌ وَأَنَّ الصُّوفَ مِلْكُ الدَّافِعِ فَالصَّنْعَةُ مُلْحَقَةٌ بِالْأَعْيَانِ وَحُكْمُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُجْرَةِ حُكْمُ الْمَبِيعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّمَنِ وَيَدُ الصَّانِعِ عَلَيْهِ يَدُ ضَمَانٍ لَا يَدُ أَمَانَةٍ فَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا يَدُ أَمَانَةٍ خَطَأٌ وَيُبَيِّنُ مَا يَضْمَنُهُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَضْمَنُهُ مَا يَعْرِضُ لَهُ، فَإِنْ فَرَضَ صُورَةً أُخْرَى فَهِيَ لَمْ تُذْكَرْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي خَطَأِ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ إلَّا أَنَّهُ إطْلَاقٌ فِي مَوْضِعِ التَّفْصِيلِ وَنَحْنُ إذَا طُلِبَ مِنَّا الْجَوَابُ عَمَّا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ وَذَكَرْنَا تَفْصِيلًا فِيهِ وَبَيَانًا لِحُكْمِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى انْتَهَى.
[كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَتَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ]
ِ (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ وَجَعَلَ أَبْوَابَ الْجِنَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَفْتُوحَةً إذَا شَغَرَتْ وَظِيفَةٌ وَحَضَرَ إلَى الْقَاضِي مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا وَوِلَايَةُ الْقَاضِي شَامِلَةٌ لَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ تَوْلِيَتُهُ وَمَتَى أَخَّرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ عَصَى وَإِنْ كَانَ أَهْلًا وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَحَقُّ وَلَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَلَا يُعْذَرُ بِكَوْنِهِ يَخْشَى أَنْ لَا يَنْفُذَ ذَلِكَ بَلْ عَلَيْهِ فِعْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَالْقَاضِي مُؤْتَمَنٌ عَلَى الْوَظَائِفِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا إلَى أَهْلِهَا وَلِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ سَبَقَ إلَى
стр. 448
مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَهَذَا سَبْقٌ وَلَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ وَلَمْ يُعْذَرْ أَيْضًا بِكَوْنِ الْأَحَبِّ التَّوَقُّفَ حَتَّى يَنْظُرَ مَا يَرْسُمُ بِهِ الْأَمِيرُ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الشَّرْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ إلَّا أَنْ يَخْشَى مِنْ الْأَمِيرِ فَيَكُونُ كَالْإِكْرَاهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) جَرَى الْكَلَامُ فِيمَا إذَا وَرَدَ اثْنَانِ عَلَى مَاءٍ مُبَاحٍ وَهُمَا مُحْتَاجَانِ وَحَاجَةُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْآخَرِ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْأَخْذِ مِنْهُ
(أَجَابَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ بِمَا نَصُّهُ: ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ يَكُونُ مُسِيئًا وَاسْتَطْرَدَ الْبَحْثُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عِنْدِي فِي الْغَزَالِيَّةِ إلَى نَظِيرِهِ فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُ غَيْرِ الْأَحْوَجِ عَلَى الْأَحْوَجِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ فَهَلْ لِغَيْرِ الْأَحْوَجِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَمِلْت إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَاسْتَنْبَطْت ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَالْمُعْطِي اللَّهُ» وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ التَّمْلِيكَ وَالْإِعْطَاءَ إنَّمَا هُوَ مِنْ اللَّهِ لَا مِنْ الْإِمَامِ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَلِّكَ أَحَدًا إلَّا مَا مَلَّكَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا وَظِيفَةُ الْإِمَامِ الْقِسْمَةُ وَالْقِسْمَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ بِالْعَدْلِ وَمِنْ الْعَدْلِ تَقْدِيمُ الْأَحْوَجِ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ مُتَسَاوِي الْحَاجَةِ فَإِذَا قَسَّمَ بَيْنَهُمَا وَدَفَعَهُ إلَيْهِمَا عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ مَلَّكَهُمَا قَبْلَ الدَّفْعِ وَأَنَّ الْقِسْمَةَ إنَّمَا هِيَ مُعَيِّنَةٌ لِمَا كَانَ مُبْهَمًا كَمَا هُوَ بَيْن الشَّرِيكَيْنِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إمَامٌ وَبَدَرَ أَحَدُهُمَا وَاسْتَأْثَرَ بِهِ كَانَ كَمَا لَوْ اسْتَأْثَرَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ بِالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) فِي حَوْضِ سَبِيلٍ هَلْ يُمْنَعُ مَنْ يَسْتَقِي مِنْهُ مِنْ السَّقَّايِينَ؟
(أَجَابَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ لَا يُمْنَعُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ شَرْطَ وَاقِفِهِ بِتَخْصِيصِهِ إلَّا أَنْ يَسْبِقَ إلَيْهِ أَحَدٌ مِمَّنْ يَشْرَبُ أَوْ يَسْقِي دَابَّةً وَنَحْوَهَا فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ وَيَتَأَخَّرُ الْمَسْبُوقُ حَتَّى يَفْرُغَ السَّابِقُ حَاجَتَهُ وَهَذَا حُكْمُ أَحْوَاضِ السَّبِيلِ كُلِّهَا يُقَدَّمُ السَّابِقُ أَبَدًا لِشُرْبٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ اسْتِقَاءٍ أَوْ بَغْلٍ وَيَتَأَخَّرُ الْمَسْبُوقُ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي السَّبْقِ وَتَنَازَعَا أَقُرِعَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ عَنْ أَنْهَارِ دِمَشْقَ وَمَجَارِيهَا هَلْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ أَمْ لَا؟ .
وَاَلَّذِي أَقُولُهُ أَنَّ الْأَنْهَارَ الْمَذْكُورَةَ وَمَجَارِيهَا الْعَامَّةَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً بَلْ هِيَ مُبَاحَةٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهَا وَأَمَّا وَقْفٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَنْهَارَ الْكِبَارَ كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ مُبَاحَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالْإِحْيَاءِ وَلَا بِالْبَيْعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ حَافَّاتُهَا الَّتِي يَحْتَاجُ عُمُومُ النَّاسِ إلَى الِارْتِفَاقِ بِهَا لِأَجْلِهَا وَالْأَنْهَارُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي حَفَرَهَا قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ مَعْرُوفُونَ مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ مُشْتَرَكَةٌ لَهُمْ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَالْأَنْهَارُ الْمَجْهُولَةُ الْحَالِ إذَا كَانَتْ
стр. 449
فِي أَيْدِي النَّاسِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَمْلُوكَةِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، أَمَّا هَذِهِ الْأَنْهَارُ فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا فِي يَدِ أَقْوَامٍ مَخْصُوصِينَ وَلَا الْمَجَارِي الَّتِي يَصِلُ إلَيْهَا الْمَاءُ مِنْهَا وَإِنَّمَا فِي يَدِ أَقْوَامٍ مَخْصُوصِينَ بِدِمَشْقَ وَبِظَاهِرِهَا أَمْلَاكٌ لَهُمْ مِنْ دُورٍ وَطَوَاحِينَ وَحَمَّامَاتٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَمْلَاكٍ وَأَوْقَافٍ بِدِمَشْقَ وَبِضِيَاعٍ فِي ظَوَاهِرهَا وَغُوطِهَا وَمُرُوجِهَا وَتِلْكَ الْمَجَارِي يَصِلُ فِيهَا الْمَاءُ إلَيْهِمْ مِنْهَا وَيُضَافُ إلَيْهَا إضَافَةَ تَخْصِيصٍ لَا إضَافَةَ مِلْكٍ وَأَيْدِيهِمْ إنَّمَا هِيَ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ خَاصَّةً لَا تَتَجَاوَزُهَا.
وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَجَارِي وَالْحُقُوقُ تُوجِبُ لَهُمْ مِلْكًا فِيهَا أَوْ فِي النَّهْرِ لَوَجَبَ الْعِلْمُ بِهَا عِنْدَ الشِّرَاءِ وَالْوَقْفِ وَنَحْوِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاقِعٍ بِعِلْمٍ إنَّمَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمِلْكِهِمْ عَلَى مَا هُوَ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ وَإِنَّمَا لِمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ فِي إجْرَاءِ ذَلِكَ الْحَقِّ إلَيْهِ وَذَلِكَ الْمَجْرَى وَالْوَاصِلُ إلَيْهِ يَجِبُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ وَمِنْ إجْرَاءِ الْمَاءِ فِيهِ مَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا يَمْلِكُ مِنْ أَرْضِهِ خَارِجًا عَنْ حَدِّ مِلْكِهِ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ بَلْ ذَلِكَ إمَّا مُبَاحٌ وَإِمَّا وَقْفٌ وَإِنَّمَا قُلْنَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ جَرَى عَلَيْهِ أَثَرُ مِلْكِ كَافِرٍ قَبْلَ الْفَتْحِ وَدَخَلَ فِي الْفَتْحِ فَقَدْ شَمِلَهُ وَقْفُ عُمَرَ ﵁ كَسَائِرِ الْأَرَاضِي وَكَأَرْضِ السَّوَادِ سَوَاءٌ كَانَ أَرْضًا كَأَرْضِ نَهْرِ بُرْدَا أَوْ ثَوْرَا أَوْ بَانَاسٍ وَغَيْرِهَا أَوْ بِنَاءٍ كَالْقَنَوَاتِ وَالْمَجَارِي الَّتِي دَاخِلُ دِمَشْقَ وَخَارِجُهَا وَالدُّورُ الْمَبْنِيَّةُ الَّتِي يَصِلُ الْمَاءُ فِيهَا إلَيْهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا كَالتَّصَرُّفِ فِي الْأَوْقَافِ الْعَامَّةِ وَلِلنَّاظِرِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْفَتْحِ لِمَنْ يَرَى اتِّصَالًا إلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُبَاحٌ بِقَوْلِهِ ﷺ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالْكَلَأُ» وَأَرْضُ النَّهْرِ وَحَافَّاتُهُ كَمَا قُلْنَا فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى النَّاظِرِ الْعَامِ ذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ أَثَرُ مِلْكٍ فَهُوَ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ لِكُلِّ أَحَدٍ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْهُ فَهَذَا مَقَامٌ يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَرَّرَ وَيُفْهَمَ.
وَحُكْمُ الْأَنْهَارِ الْمُبَاحَةِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً أَنَّ الْأَعْلَى يُسْقَى قَبْلَ الْأَسْفَلِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي حَكَمَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الزُّبَيْرِ وَالْأَنْصَارِيِّ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا لَمْ يَسْبِقْ حَقُّ الْأَسْفَلِ أَمَّا إذَا سَبَقَ كَمَا إذَا سَبَقَ وَاحِدٌ فَأَحْيَا مَكَانًا إلَى جَانِبٍ وَشَطِّ النَّهْر ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَأَحْيَا مَكَانَهَا عَلَى فُوَّهَةِ النَّهْرِ فَهُوَ أَعْلَى وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّ الْأَسْفَلَ سَبَقَ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَإِذَا وَجَدْنَا مَكَانَيْنِ أَعْلَى وَأَسْفَلَ وَجَهِلْنَا السَّابِقَ مِنْهُمَا وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِهِ قَدَّمْنَا الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ وَإِنْ وَجَدْنَا لِلْأَسْفَلِ شِرْبًا وَلَمْ نَجِدْ لِلْأَعْلَى شِرْبًا وَأَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ شِرْبًا؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مَنَعْنَاهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّا نُسْتَدَلُّ بِشُرْبِ الْأَسْفَلِ عَلَى تَقْدِيمِهِ. إذَا عُرِفَ هَذَا فَهَذِهِ الْقَنَوَاتُ وَالْمَجَارِي الَّتِي فِي دِمَشْقَ وَظَوَاهِرِهَا قَدْ ثَبَتَ بِهَا حَقٌّ لِكُلِّ مَنْ هِيَ لَهُ فَلَا يُبْطِلُهَا وَلَيْسَ لِمَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ أَنْ يُحْدِثَ شِرْبًا
стр. 450
يَتَقَدَّمُ بِهِ عَلَيْهِ.
نَعَمْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ النَّهْرِ مَا لَا يَضُرُّ بِالْأَسْفَلِ وَيَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ إنْ كَانَ مِلْكُهُ مُجَاوِرًا لِمَاءِ النَّهْرِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ تَصَرُّفُهُ إلَّا فِي الْمَاءِ الْمُبَاحِ وَبِإِذْنِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ مِلْكُهُ مُجَاوِرًا لِحَافَّةِ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ فَحَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ تَمْكِينُهُ مِنْهُ إذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ إلَّا إنْ كَانَ حَقًّا ثَابِتًا لَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ سَوَاءٌ أَضَرَّ بِغَيْرِهِ أَمْ لَا مَا لَمْ يَزِدْ الضَّرَرُ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمُسْتَحَقِّ. فَمِنْ ذَلِكَ صُورَةٌ وَقَعَتْ الْآنَ بِدِمَشْقَ وَهِيَ الْخَانْقَاهْ السَّمِيسَاطِيَّةُ وَالْخَانْقَاةُ الْأَنْدَلُسِيَّةُ لَهُمَا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابٌ وَقْفُهُمَا حَقٌّ مِنْ نَهْرِ الْقَنَوَاتِ وَلَمْ يُعَيَّنْ فِي الْكِتَابِ لَكِنْ لَهُمْ طَرِيقٌ إلَى تَعْيِينِهِ وَعَادَةٌ.
وَمِنْ عَادَاتِهِ أَنْ يَمُرَّ فِي مَكَان وَيَصِلَ إلَيْهِمْ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ بُسْتَانًا لِغَيْرِهِمْ فَحُكِرَ وَحَدَثَتْ فِيهِ أَبْنِيَةٌ فَاسْتَوْلَى أَصْحَابُ تِلْكَ الْأَبْنِيَةِ عَلَى الْمَاءِ وَعَمِلُوا عَلَيْهِ جُنَيْنَاتٍ يَمْتَنِعُ بِسَبَبِهَا وُصُولُ مَاءِ الصُّوفِيَّةِ إلَيْهِمْ فَأَرَادَ الصُّوفِيَّةُ فَتْحَ مَكَان مِنْ الْبُدَاةِ قَرِيبٍ مِنْ بُسْتَانِهِمْ يَصِلُ مِنْهُ قَدْرُ حَقِّهِمْ مِنْ الْمَاءِ إلَى بُسْتَانِهِمْ وَسُدَّ ذَلِكَ الْمَكَانُ الَّذِي مِنْهُ ذَلِكَ الْمَاءُ فِي الْحِكْرِ فَنَظَرْت فِي ذَلِكَ فَوَجَدْت مَتَى فَتَحَ الصُّوفِيَّةُ مَا يَقْصِدُونَهُ مَعَ بَقَاءِ الْمَكَانِ الْأَوَّلِ الْمَفْتُوحِ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَقِيَّةِ أَهْلِ النَّهْرِ لِنَقْصِ الْمَاءِ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمُسْتَحَقِّ وَمَتَى بَقِيَ الْآنَ عَلَى حَالِهِ تَضَرَّرَتْ الصُّوفِيَّةُ وَمَتَى سُدَّ عَنْ الْحِكْرِ بِالْكُلِّيَّةِ تَضَرَّرَ أَصْحَابُ الْحِكْرِ وَلَهُمْ حَقُّ الشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ لِمُرُورِهِ إلَيْهِمْ وَالْعُرْفُ يَقْتَضِي فِيمَا يَمُرُّ مِنْ الْمَاءِ بِذَلِكَ فَرَأَيْت أَنْ يَبْقَى لِأَهْلِ الْحِكْرِ حَقٌّ وَلِبُسْتَانِ الْخَانْقَتَيْنِ حَقٌّ، وَجَعْلُهُ نِصْفَيْنِ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْبُسْتَانِ أَكْثَرُ مِنْ حَاجَةِ شُرْبِ الْآدَمِيِّ وَوُضُوئِهِ فَرَأَيْت الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الْحِكْرِ ثُلُثُهُ وَلِلصُّوفِيَّةِ ثُلُثَاهُ فَيَبْقَى مِنْ الْمُعْلَمِ الْمَفْتُوحِ إلَى الْحُكْمِ ثُلُثُهُ وَيُسَدُّ ثُلُثَاهُ، فَإِنْ أَمْكَنَ الصُّوفِيَّةُ بِنَاءُ مَجْرَى فِي تِلْكَ الْأَرْضِ يَتَعَذَّرُ عَلَى أَهْلِ الْحِكْرِ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِحَيْثُ يَمُرُّ الْمَاءُ إلَيْهِمْ مِنْهُ فِعْلًا وَإِلَّا فَيُرْمَى مَاؤُهُمَا أَعْنِي مَاءَ الثُّلُثَيْنِ عَلَى مَاءِ الرُّوَاةِ يَمُرُّ فِيهَا إلَى قُرْبِ بُسْتَانِ الصُّوفِيَّةِ يُفْتَحُ لَهُمْ مِنْ الرُّوَاةِ بِإِذْنِ وَلِيِّ الْأَمْرِ مِقْدَارٌ وَيُدْخَلُ لَهُمْ مِنْهُ قَدْرُ ثُلُثَيْ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ يَدْخُلُ مِنْ ذَلِكَ الْحِكْرِ لِيَمُرَّ بِهِمْ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ مَوْثُوقٌ بِهِ وَمَتَى قِيلَ لِأَهْلِ الْحِكْرِ لَا تَسْقُوا بِهِ شَجَرًا لَا يَوْثُقُ بِوَفَائِهِمْ بِذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي رَأَيْتُهُ هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْرَى الْمُسْتَحَقِّ لِغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كُتِبَ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالدَّهْشَةِ انْتَهَى.
стр. 451
[فَصْلٌ مُصَنَّفَاتٌ فِي مِيَاهِ دِمَشْقَ وَإِجْرَائِهَا وَحُكْمِ أَنْهَارِهَا]
فَصْلٌ) لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُصَنَّفَاتٌ فِي مِيَاهِ دِمَشْقَ وَإِجْرَائِهَا وَحُكْمِ أَنْهَارِهَا هَذَا أَحَدُهَا: قَالَ ﵀ وَمِنْ خَطِّهِ نَقْلُ الْكَلَامِ فِي أَنْهَارِ دِمَشْقَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي مَسَائِلَ:
أَحَدُهَا: أَرْضُ النَّهْرِ وَهِيَ الْقَرَارُ الَّذِي يَمُرُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ.
الثَّانِيَةُ: الْمَاءُ الَّذِي يَمُرُّ فِيهِ.
الثَّالِثَةُ: حَافَّاتُهُ.
الرَّابِعَةُ: الْمَجَارِي الْخَارِجَةُ مِنْهُ الَّتِي لَا بِنَاءَ فِيهَا.
الْخَامِسَةُ: الْأَبْنِيَةُ الَّتِي فِي الْمَجَارِي الْمَبْنِيَّةِ قَبْلَ دُخُولِهَا إلَى الْبَلَدِ.
السَّادِسَةُ: بَعْدَ دُخُولِهَا إلَى الْبَلَدِ وَقَبْلَ وُصُولِهَا إلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ.
السَّابِعَةُ: بَعْدَ وُصُولِهَا إلَى مِلْكِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَجَرَيَانِهَا فِيهِ.
الثَّامِنَةُ: بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ.
التَّاسِعَةُ: الْأَمَاكِنُ الَّتِي يُشْرِبُ مِنْهَا مَا يُحْدَثُ بَيْنَ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَأَعْلَى مِنْهَا وَأَسْفَلَ مِنْهَا.
الْعَاشِرَةُ فِي مُنْتَهَاهَا الَّتِي تَنْتَهِي إلَيْهَا تِلْكَ الْمِيَاهُ.
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) أَرْضُ النَّهْرِ، وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ النَّهْرَ إنْ كَانَ عَظِيمًا كَالدِّجْلَةِ وَكَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ فَهُوَ مُبَاحٌ لَا مِلْكَ فِيهِ لِأَحَدٍ وَهَكَذَا سَيْحُونُ وَجَيْحُونُ وَمِيَاهُ الْأَوْدِيَةِ وَالْمَوَاتِ وَالْعُيُونُ الَّتِي فِي الْجِبَالِ الَّتِي لَا صَنِيعَ لِلْآدَمِيِّينَ فِي إبْطَالِهَا وَإِجْرَائِهَا كُلُّ ذَلِكَ لَا مِلْكَ فِيهِ لِأَحَدٍ وَلَا فِي مَقَرِّهِ وَمَجْرَاهُ، فَإِنْ حَضَرَ إلَيْهِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا شَاءَ إنْ قَلَّ الْمَاءُ أَوْ ضَاقَ الْمَشْرَعُ قُدِّمَ السَّابِقُ، فَإِنْ جَاءَ اثْنَانِ مَعًا أَقُرِعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ السَّقْيَ وَهُنَاكَ مُحْتَاجٌ إلَى الشُّرْبِ فَالشُّرْبُ أَوْلَى وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا أَوْ جَعَلَهُ فِي حَوْضٍ مَلَكَهُ إلَّا عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ انْفَرَدَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بِنَقْلِهِ، وَإِنْ دَخَلَ شَيْءٌ مِنْهُ مِلْكَ إنْسَانٍ بِسَبِيلٍ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ مَا دَامَ فِيهِ لِامْتِنَاعِ دُخُولِهِ مِلْكَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَوْ فَعَلَ فَهَلْ يَمْلِكُهُ أَوْ لِلْمَالِكِ اسْتِرْدَادُهُ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ أَخَذَهُ مَنْ شَاءَ، وَإِذَا أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرْضِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ النَّهْرُ عَظِيمًا يَكْفِي الْجَمِيعَ سَقَى مَنْ شَاءَ مَتَى شَاءَ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي مِنْ النَّهْرِ الْعَظِيمِ فِي سَاقِيَةٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ بِأَنْ انْحَرَفَتْ بِنَفْسِهَا سَقَى الْأَوَّلُ أَرْضَهُ ثُمَّ يُرْسِلُهُ إلَى الثَّانِي ثُمَّ الثَّانِي إلَى الثَّالِثِ وَكَمْ يَحْبِسُ الْمَاءَ فِي أَرْضِهِ؟
وَجْهَانِ: الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَالثَّانِي يَرْجِعُ فِي قَدْرِ السَّقْيِ إلَى الْعَادَةِ وَالْحَاجَةِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَيْسَ التَّقْدِيرُ بِالْكَعْبَيْنِ فِي كُلِّ الْأَزْمَانِ وَالْبُلْدَانِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِالْحَاجَةِ وَالْحَاجَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَرْضِ وَبِاخْتِلَافِ مَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ وَشَجَرٍ وَبِوَقْتِ الزِّرَاعَةِ وَبِوَقْتِ السَّقْيِ، وَحُكِيَ وَجْهٌ عَنْ الدَّارَكِيِّ أَنَّ الْأَعْلَى لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْأَسْفَلِ لَكِنْ يَسْقُونَ بِالْحِصَصِ وَهَذَا غَرِيبٌ بَاطِلٌ وَهُوَ
стр. 452
مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ صُوَرَهُ فِي صُورَةِ التَّنَازُعِ قَبْلَ دُخُولِ الْمَاءِ وَبَعْدَ دُخُولِهِ وَلَكِنْ لَهُ حَقُّ الِاخْتِصَاصِ بِجَمِيعِهِ وَالْمَاءُ مُبَاحٌ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ أَرْضُهُ أَقْرَبَ إلَى النَّهْرِ قُدِّمَ وَلَوْ كَانَتْ أَرْضٌ بَعْضُهَا مُرْتَفِعٌ وَبَعْضُهَا مُنْخَفِضٌ وَلَوْ سَقَيَا مَعًا لَزَادَ الْمَاءُ فِي الْمُنْخَفِضَةِ عَلَى الْحَدِّ الْمُسْتَحَقِّ أُفْرِدَ كُلُّ بَعْضٍ بِالسَّقْيِ بِمَا هُوَ طَرِيقُهُ وَطَرِيقُهُ أَنْ يَسْقِيَ الْمُنْخَفِضَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَسُدَّهُ ثُمَّ يَسْقِيَ الْمُرْتَفِعَ، وَإِذَا سَقَى الْأَوَّلَ ثُمَّ احْتَاجَ إلَى سَقْيٍ مَرَّةً أُخْرَى مُكِّنَ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ أَرْضَاهُمَا مُتَحَاذِيَانِ أَوْ أَرَادَا شَقَّ النَّهْرِ مِنْ مَوْضِعَيْنِ مُتَحَاذِيَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَهَلْ يُقْرَعُ أَوْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا أَوْ يُقَدِّمُ الْإِمَامُ مَنْ يَرَاهُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ أَوْجُهٍ:
أَصَحُّهَا يُقْرَعُ، وَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ إحْيَاءَ مَوَاتٍ أَوْ سَقْيَهُ مِنْ هَذَا النَّهْرِ إنْ شَقَّ عَلَى السَّابِقِينَ مُنِعَ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا أَرْضَهُمْ بِمَرَافِقِهَا وَالْمَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَرَافِقِهَا وَإِلَّا، فَلَا مَنْعَ، وَإِذَا كَانَ زَرْعُ الْأَسْفَلِ يَهْلَكُ إلَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ الْمَاءُ لَمْ يَجِبْ عَلَى مَنْ فَوْقَهُ إرْسَالُهُ إلَيْهِ، وَإِذَا أَحْيَا عَلَى النَّهْرِ الصَّغِيرِ رَجُلٌ أَيْضًا مَوَاتًا هِيَ أَقْرَبُ إلَى فُوَّهَةِ النَّهْرِ مِنْ أَرَاضِيِهِمْ فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ بِمَائِهِ فَإِذَا فَضَلَ عَنْهُمْ شَيْءٌ سَقَى الْمَحْيَا مِنْهُ وَلَا نَقُولُ: إنَّ هَذَا الْمَاءَ مِلْكٌ لَهُمْ كَمَا إذَا جَاوَزَهُ مَلَكُوهُ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَرَافِقِ مِلْكِهِمْ فَكَانُوا أَحَقَّ بِهِ مَعَ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ فَمَا فَضَلَ مِنْهُمْ كَانَ لِمَنْ أَحْيَا عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ مَوَاتًا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.
عِمَارَةُ حَافَّاتِ هَذِهِ الْأَنْهَارِ مِنْ وَظَائِفِ بَيْتِ الْمَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا مَنْ شَاءَ قَنْطَرَةً لِعُبُورِ النَّاسِ إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مَوَاتًا وَأَمَّا بَيْنَ الْعُمْرَانِ فَهُوَ كَحَفِيرِ النَّهْرِ فِي الشَّارِعِ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ بِنَاءُ الرَّجُلِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مِلْكًا لَهُ أَوْ مَوَاتًا وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ وَأَضَرَّ بِالْمُلَّاكِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ كَالتَّصَرُّفِ فِي سَائِرِ مَرَافِقِ الْعِمَارَاتِ وَأَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ كَإِسْرَاعِ الْجَنَاحِ فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَهُوَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِذَا لَمْ يَصْعَدْ الْمَاء إلَى أَرْضِهِ إلَّا بِأَنْ يَبْنِيَ فِي عَرْضِ النَّهْرِ دَسْكَرَةً فَقَطَعَ الْمَاءَ مِنْ دُونِهِ فَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ الدَّسْكَرَةَ لِقِصَّةِ الزُّبَيْرِ لَا حَبْسَ الْمَاءِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِإِحْدَاثِ دَسْكَرَةٍ فِي عَرْضِ النَّهْرِ، وَإِذَا كَانَ النَّهْرُ كَبِيرًا غَيْرَ مَمْلُوكٍ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِصِيغَتِهِ شِرْبًا أَوْ يَجْعَلَ لَهُ إلَيْهِ تَبْعِيضًا لَمْ يُمْنَعْ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ حَبْسِ مَائِهِ فِي أَرْضِهِ أَمَّا الْأَنْهَارُ وَالسَّوَّاقِي الْمَمْلُوكَةُ بِأَنْ حَفَرَ نَهْرًا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ مِنْ الْوَادِي الْعَظِيمِ أَوْ مِنْ النَّهْرِ الْمُحْرَقِ مِنْهُ فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ وَمَالِكُ النَّهْرِ أَحَقُّ بِهِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مُزَاحَمَتُهُ لِسَقْيِ الْأَرْضِينَ وَأَمَّا لَلشُّرْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ فَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ وَالْمُتَوَلِّي: لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِي فِيهِ أَحَدٌ
стр. 453
وَلَوْ إذْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَحْفِرَ فَوْقَ نَهْرِهِ نَهْرًا إنْ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضَيَّقَ فَلَا وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الْحَفْرِ اشْتَرَكُوا فِي الْمِلْكِ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمْ، فَإِنْ شَرَطُوا أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ قَدْرُ مِلْكِهِمْ مِنْ الْأَرْضِ فَلْيَكُنْ عَمَلُ كُلٍّ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرْضِهِ.
فَإِنْ زَادَ وَاحِدٌ مُتَطَوِّعًا فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْبَاقِينَ وَإِنْ زَادَ مُكْرَهًا أَوْ شَرَطُوا لَهُ عِوَضًا رَجَعَ إلَيْهِمْ بِأُجْرَةِ مَا زَادَ، وَلَيْسَ لِلْأَعْلَى حَبْسُ الْمَاءِ عَنْ الْأَسْفَلِ، وَإِذَا اقْتَسَمُوا الْمَاءَ بِالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ جَازَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ الرُّجُوعُ وَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ مَا اسْتَوْفَى نَصِيبَهُ وَقَبْلَ أَنْ تُسْتَوْفَى لَهُ أُجْرَةُ نَصِيبِهِ مِنْ النَّهْرِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي أَجْرَى فِيهَا، فَإِنْ اقْتَسَمُوا الْمَاءَ نَفْسَهُ فَكَالْقَنَاةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَيُقْسَمُ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ مُسْتَوِيَةٍ لِلْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ فِي عَرْضِ النَّهْرِ وَيُفْتَحُ فِيهَا ثُقُبٌ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الثُّقُبُ مُتَسَاوِيَةً مَعَ تَفَاوُتِ الْحُقُوقِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الثُّلُثِ يَأْخُذُ ثُقْبَةً وَالْآخَرُ ثُقْبَتَيْنِ وَيَسُدُّ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَهُ فِي سَاقِيَةٍ إلَى أَرْضِهِ أَنْ يُدِيرَ رَحًا بِمَا صَارَ إلَيْهِ وَلَا يَشُقُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَاقِيَةً قَبْلَ الْقَسْمِ وَلَا يَنْصِبُ عَلَيْهِ رَحَا.
فَإِنْ اقْتَسَمُوا بِالْمُهَايَأَةِ جَازَ أَيْضًا وَقَدْ يَكُونُ الْمَاءُ قَلِيلًا وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا كَذَلِكَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ الرُّجُوعُ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الْقِسْمَةُ بِالْمُهَايَأَةِ وَقِيلَ: يَلْزَمُ، وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمَاءِ وَيَسْقِيَ بِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شِرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ مُنِعَ، وَلَوْ أَرَادُوا قِسْمَةَ النَّهْرِ عَرْضًا جَازَ وَلَا يَجْرِي فِيهَا الْإِجْبَارُ كَمَا فِي الْجِدَارِ الْحَامِلِ، وَلَوْ أَرَادَ الشُّرَكَاءُ الَّذِينَ أَرْضُهُمْ أَسْفَلُ تُوَسَّعُ فَمُ النَّهْرِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَا الْأَوَّلَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ وَقَدْ يَتَضَرَّرُونَ وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلْأَوَّلَيْنِ تَضْيِيقُ فَمِ النَّهْرِ إلَّا بِرِضَا الْآخَرَيْنِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ بِنَاءُ قَنْطَرَةٍ عَلَيْهِ أَوْ رَحًا أَوْ غَرْسُ شَجَرَةٍ عَلَى حَافَّتِهِ إلَّا بِرِضَا الشُّرَكَاءِ، وَلَوْ أَرَادَا أَحَدُهُمْ تَقْدِيمَ رَأْسِ السَّاقِيَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ إلَى أَرْضِهِ أَوْ تَأْخِيرَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْحَافَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مَاءٌ فِي أَعْلَى النَّهْرِ أَجْرَاهُ فِي النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ بِرِضَا الشُّرَكَاءِ لِيَأْخُذَهُ مِنْ الْأَسْفَلِ وَيَسْقِيَ أَرْضَهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ وَلِأَنَّهُ عَارِيَّةٌ وَسَقِيَّةُ هَذَا النَّهْرِ وَعِمَارَتُهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ بِحَسَبِ الْمِلْكِ وَهَلْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ عِمَارَةُ الْمُسْتَغَلِّ عَنْ أَرْضِهِ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا وَالثَّانِي نَعَمْ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْعَبَّادِيِّ لِاشْتِرَاكِهِمْ، وَكُلُّ أَرْضٍ أَمْكَنَ سَقْيُهَا مِنْ هَذَا النَّهْرِ إذَا رَأَى لَهَا سَاقِيَةً مِنْهُ وَلَمْ يَجِدْ لَهَا شِرْبًا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ حَكَمْنَا عِنْدَ التَّنَازُعِ بِأَنَّ لَهَا شِرْبًا مِنْهُ، وَلَوْ تَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ فِي النَّهْرِ فِي قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ فَهَلْ يُجْعَلُ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِينَ أَوْ بِالسَّوِيَّةِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
وَلَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا تُسْقَى مِنْهُ أَرَضُونَ فَلَمْ نَدْرِ أَنَّهُ حَفْرٌ أَمْ انْحَرَفَ حَكَمْنَا أَنَّهُ مَمْلُوكٌ؛ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ وَلَا يُقَدَّمُ
стр. 454
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. قُلْت: أَمَّا عَدَمُ تَقْدِيمِ بَعْضِهِمْ وَأَمَّا كَوْنُهُ مَمْلُوكًا فَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِمْ خَاصَّةً وَالْيَدُ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَكِنْ هُنَا عَارَضَ الْمِلْكَ أَنَّ الْعُرْفَ يَقْضِي بِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ بَيْعِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَإِنَّمَا يَمْلِكُونَ أَمْلَاكَهُمْ الَّتِي يَسْقُونَهَا مِنْهُ وَلَهُمْ حَقُّ سَقْيِهَا مِنْهُ وَذَلِكَ اخْتِصَاصٌ بِهِ لَا مِلْكَ لَهُ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ فَرَضَهُ فِي نَهْرٍ عَلَى حَافَّتَيْهِ أَرَاضٍ مِنْهُ تُسْقَى وَهَذَا قَرِيبٌ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْأَرَاضِي الْمُجَاوِرَةِ لَهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُمْ لِإِحَاطَتِهِمْ بِهِ أَصْحَابُ أَيْدٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْأَرَاضِي الَّتِي تُسْقَى بِهِ بَعِيدَةً وَالْمَجَارِي مِنْهُ إلَيْهَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهَا إيذَانٌ لِغَيْرِهِمْ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ مَنْ يَسْقِي مِنْهُ مَالِكٌ لَهُ لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُهُ فَلْتُحْمَلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَا فَرَضَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَمِيَاهُ دِمَشْقَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالنَّهْرُ الْمَمْلُوكُ إذَا بَاعَ وَاحِدٌ مِنْ الشُّرَكَاءِ فِيهِ الْأَرْضَ الْمَمْلُوكَةَ لَهُ مُطْلَقًا لَمْ يَدْخُلْ الشِّرْبُ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا الدَّاخِلَةِ وَالْخَارِجَةِ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ؟ وَجْهَانِ فِي التَّتِمَّةِ: أَحَدُهُمَا لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ يَقْبَلُ الِانْفِرَادَ فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ النَّهْرِ صَحَّ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي إجَارَةِ الْأَرْضِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الشِّرْبُ يَدْخُلُ فِي إجَارَةِ الْأَرْضِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الشِّرْبِ إلَى مَوْضِعٍ بَقِيَ مِلْكُهُ فِي النَّهْرِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فِي النَّهْرِ يَأْخُذُ الْمَاءَ مِنْ نَهْرٍ كَبِيرٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ بِمِلْكٍ لَهُ وَإِنْ قَالَ: اسْقِ أَرْضِي مِنْ شِرْبِك لِأَسْقِيَ أَرْضَك مِنْ شِرْبِي لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ مُقَابَلَتُهُ بِمَعْلُومٍ فَبِالْمَجْهُولِ أَوْلَى فَلَوْ سَقَى أَحَدُهُمَا وَامْتَنَعَ الْآخَرُ اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ مِثْلِ الْمَجْرَى فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَلَوْ حَفَرَ نَهْرًا وَأَجْرَى فِيهِ الْمَاءَ مِنْ نَهْرٍ عَظِيمٍ فَجَاءَ آخَرُ وَأَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ فَوْقَهُ نَهْرًا وَيُجْرِي فِيهِ الْمَاءَ مِنْ النَّهْرِ إمَّا عَلَى الْحَافَّةِ أَوْ مُتَّصِلَةً بِأَرْضٍ عَلَى الْحَافَّةِ قَالَ الْمُتَوَلِّي:، فَإِنْ رَأَيْنَا سَاقِيَةً مَادَّةً مِنْ النَّهْرِ إلَيْهَا نَحْكُمُ بِأَنَّ لَهَا شِرْبًا مِنْ النَّهْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَاقِيَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَهَا شِرْبٌ مِنْ نَهْرٍ آخَرَ لَمْ يُجْعَلْ لَهَا شِرْبٌ مِنْ النَّهْرِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شِرْبٌ آخَرُ كَانَ صَاحِبُهَا شَرِيكًا لِأَهْلِ النَّهْرِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ الْمُعَدَّةَ لِلزِّرَاعَةِ لَا تَسْتَغْنِي عَنْ شِرْبٍ وَلَيْسَ لِلْأَرْضِ شِرْبٌ آخَرُ فَدَلَّ ظَاهِرُ الْحَالِ عَلَى أَنَّ شِرْبَهَا مِنْ النَّهْرِ، وَلَوْ كَانَ النَّهْرُ يَنْصَبُّ فِي أَجَمَةٍ مَمْلُوكَةٍ وَحَوَالِي النَّهْرِ أَرَاضٍ مَمْلُوكَةٌ فَتَنَازَعَ أَرْبَابُهَا وَصَاحِبُ الْأَجَمَةِ فِي الْمَاءِ يُقْسَمُ الْمَاءُ بَيْنَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَا النَّهْرَ مَمْلُوكًا لِأَهْلِهَا فَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَاءِ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ. وَقَدْ يُرَدُّ هَذَا عَلَى مَا قُلْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ التَّتِمَّةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذِهِ وَتِلْكَ فِي أَرَاضٍ مُحِيطَةٍ بِالنَّهْرِ سَوَاءٌ جَاوَرَتْهُ كُلُّهَا أَوْ كَانَ بَعْضُهَا بَلْ يُقْضَى وَكَلَامُنَا فِي مَا هُوَ فِي أَرَاضٍ مُحِيطَةٍ بِالنَّهْرِ مَا لَيْسَ
стр. 455
صَاحِبُهُ مَالِكًا لِشَيْءٍ مِنْ النَّهْرِ وَلَكِنْ يَمُرُّ عَلَيْهَا الْمَاءُ إلَى أَمَاكِنَ يُسْقَى مِنْهُ، وَلَوْ أَرَادَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَشُقَّ إلَى النَّهْرِ سَاقِيَةً أُخْرَى يَسُوقُ فَاضِلَ الْمَاءِ إلَى مَوَاتٍ بِجَنْبِهِ أَوْ إلَى أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ الشُّرَكَاءِ.
إذَا عَرَفَ هَذَا فَأَنْهَارُ دِمَشْقَ إمَّا بَرَدَى فَلَا أَشُكُّ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ؛ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي شِعْرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَبْلَهُ فَأَرْضُهُ وَالْعَيْنُ الَّتِي يَجْرِي الْمَاءُ فِيهَا مِنْهَا إمَّا مُبَاحَةٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَانَ مَمْلُوكًا لِكُفَّارٍ وَانْتَقَلَ عَنْهُمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ فَيْئًا بَاقِيًا عَلَى ذَلِكَ أَوْ وَقْفًا مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ كَأَرْضِ السَّوَادِ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَلَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَنْهَارِ الَّتِي فِيهَا مِثْلُ يَزِيدَ وَثَوْرًا وَبَانَاسَ وَنَهْرُ الْمِزَّةِ وَنَهْرُ قُبَيْبَةَ الْمُسَمَّى نَهْرَ الْقَنَوَاتِ وَغَيْرِهَا فَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّهَا كَذَلِكَ وَأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ؛ لِأَنَّ دِمَشْقَ مَذْكُورَةٌ فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ وَأَنَّهَا ذَاتُ أَنْهَارٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حَادِثَةً بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا كَانَ بِانْحِرَافٍ فِي مَوَاتٍ فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ وَمَا كَانَ بِحَفْرٍ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ مَنْ حَفَرَهُ الْإِبَاحَةَ فَكَذَلِكَ وَإِنْ قَصَدَ نَفْسَهُ فَمِلْكٌ لَهُ لَكِنَّهُ الْآنَ لَا يَعْلَمُ هُوَ وَلَا وَرَثَتُهُ فَهُوَ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَخْصِيصُ طَائِفَةٍ بِجَمِيعِهِ وَلَا بَيْعُهُ بِخِلَافِ الْأَمْلَاكِ الْمُنْتَقِلَةِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ الَّتِي يُعْطِي مِنْهَا وَيَبِيعُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ نَفْعُهَا لِمَنْ هُوَ مَوْجُودٌ وَلِمَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَشْتَدُّ ضَرُورَةُ النَّاسِ جَمِيعِهِمْ إلَى الشُّرْبِ مِنْهَا وَاسْتِعْمَالِهَا وَالسَّقْيِ مِنْهَا فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ تَعْطِيلُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالتَّخْصِيصِ أَوْ الْبَيْعِ بِخِلَافِ تَخْصِيصِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ بِأَرْضٍ إنْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ حَيْثُ لَا تَشْتَدُّ ضَرُورَةُ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ إلَى تِلْكَ الْأَرْضِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَمَتَى جَهِلَ الْحَالَ هَلْ هُوَ بِانْحِرَافٍ أَوْ بِحَفْرٍ فَلَا نَعْتَقِدُ الْحَالَيْنِ وَقَدْ قُلْنَا عَلَى الْحَالَتَيْنِ: إنَّهَا لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ فَبِذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّا لَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا تُسْقَى مِنْهُ أَرَضُونَ فَلَمْ نَدْرِ أَنَّهُ حُفِرَ أَوْ انْحَرَفَ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ، وَنَحْنُ قَدْ قَدَّمْنَا اسْتِشْكَالَ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ فَرْضُهُ فِيمَا إذَا عَلِمَتْ أَيْدِيهِمْ الْخَاصَّةُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ.
وَالْوَاقِعُ فِي هَذِهِ الْأَنْهُرِ الَّتِي فِي دِمَشْقَ أَنَّهَا بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَيَقُولُونَ فِي الْكُتُبِ بِحَقِّهَا مِنْ النَّهْرِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا لَهُمْ مِنْ النَّهْرِ حَقٌّ لَا مِلْكٌ، وَيَعْتَضِدُ هَذَا بِأُصُولٍ: مِنْهَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَفْرِ وَلَا يُقَالُ: الْأَصْلُ عَدَمُ الِانْحِرَافِ؛ لِأَنَّ الْحَفْرَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ وَالِانْحِرَافَ بِدُونِهِ فَهُوَ أَصْلٌ، وَمِنْهَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمِلْكِ فَيَثْبُتُهُ فِي الْمُحَقَّقِ وَهُوَ الدَّارُ مَثَلًا لِمَا تَحَقَّقْنَاهُ مِنْ سَبَبِ الْمِلْكِ فِيهَا وَثُبُوتُ يَدٍ خَاصَّةً عَلَيْهَا دُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ وَيُسْتَصْحَبُ عَدَمُ الْمِلْكِ فِي أَرْضِ النَّهْرِ. وَمِنْهَا لَوْ أَثْبَتْنَا الْمِلْكَ فِي أَرْضِ النَّهْرِ لِأَصْحَابِ
стр. 456
الْأَمْلَاكِ لَاحْتِيجَ عِنْدَ شِرَائِهَا وَالْعَقْدِ عَلَيْهَا إلَى مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ مَا لَهَا مِنْ أَرْضِ النَّهْرِ وَالْمَجْرَى الْوَاصِلِ مِنْهُ إلَيْهِ وَلَمَّا صَحَّ الشِّرَاءُ إلَّا بِذَلِكَ وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ وَيُبْعِدُ حَدًّا وَلَا يَنْحَصِرُ الْمُسْتَحِقُّونَ لَهُ.
وَمِنْهَا أَنَّ فِيهِ تَعْطِيلَ الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ لِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ الْمَوْجُودِينَ وَاَلَّذِينَ سَيُوجَدُونَ وَمِنْهَا أَنْ يَلْزَمَ تَمْكِينُ أَهْلِ الْأَمْلَاكِ مِنْ مَنْعِ مَنْ يَشْرَبُ أَوْ يَسْتَعْمِلُ مِنْ تِلْكَ الْأَنْهَارِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ نَشَأَتْ مِنْ الْقَوْلِ بِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً وَالْقَوْلُ بِإِثْبَاتِ اخْتِصَاصٍ مِنْ غَيْرِ مِلْكٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَهَذَا حُكْمُ الْقَرَارِ الَّذِي يَمُرُّ عَلَيْهِ، وَيَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ نَهْرَ يَزِيدَ إنَّمَا حَفَرَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ عَنْ مَكْحُولٍ سَأَلَ عَنْ نَهْرِ يَزِيدَ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ أَنَّهُ كَانَ نَهْرًا بِبَنَاطِيًّا يُسْقِي ضَيْعَتَيْنِ لِقَوْمٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو قُوفَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِأَحَدٍ شَيْءٌ غَيْرُهَا فَمَاتُوا زَمَنَ مُعَاوِيَةَ مِنْ غَيْرِ وَارِثٍ فَأَخَذَ مُعَاوِيَةُ ضِيَاعَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَلَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ نَظَرَ إلَى أَرْضٍ وَاسِعَةٍ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مَاءٌ وَكَانَ بِهَدْيِنَا فَنَظَرَ إلَى النَّهْرِ فَإِذَا هُوَ صَغِيرٌ فَأَمَرَ بِحُفْرَةٍ فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْغُوطَةِ فَتَلَطَّفَ عَلَى أَنْ ضَمِنَ لَهُمْ خَرَاجَ سَنَتِهِمْ مِنْ مَالِهِ فَأَجَابُوهُ إلَى ذَلِكَ فَاحْتَفَرَهُ سِتَّةَ أَشْبَارٍ فِي عُمْقِ سِتَّةِ أَشْبَارٍ وَلَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَمَّا وَلِيَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ سَأَلَهُ أَهْلُ حَرَسْتَا شِرْبَ شِفَاهِهِمْ وَمَاءً لِمَسْجِدِهِمْ فَكَلَّمَ فَاطِمَةَ بِنْتَ عَاتِكَةَ ابْنَةَ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ فَأَجَابَتْهُ عَلَى أَنْ احْتَفِرْ سَاقِيَةً تَجْرِي إلَيْهِمْ لِلشُّرْبِ وَفَتَحَ لَهُمْ حَجَرًا فِتْرًا فِي فِتْرٍ مُسْتَدِيرٍ وَسَأَلَهُ مَوْلَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَنْ يُجْرِيَ لَهُ شَيْئًا يَسْقِي ضَيْعَتَهُ فَأَجَابَهُ وَفَتَحَ لَهُ مَاصِيَةً، ثُمَّ سَأَلَهُ خَالُهُ فَفَتَحَ لَهُ مَاصِيَةً قَالَ: وَقَلَّ الْمَاءُ فِي الْعَيْنِ لِكِرَائِهَا فَدَخَلُوا لِكِرَائِهَا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذَا هُمْ بِبَابٍ مِنْ حَدِيدٍ مُشَبَّكٍ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ مِنْ كُوًى فِيهَا يَسْمَعُونَ دَاخِلَهَا خَرِيرَ مَاءٍ كَثِيرٍ وَيَسْمَعُونَ صَوْتَ اضْطِرَابِ السَّمَكِ فِيهَا فَكَتَبُوا إلَى سُلَيْمَانَ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يُخْرِجُوا شَيْئًا وَأَنْ يَكْرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَكْرَوْا وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إلَى وِلَايَةِ هِشَامٍ فَشَكَا أَهْلُ بَرَدَا إلَيْهِ قِلَّةَ الْمَاءِ فَأَمَرَ الْقَسَمَ بْنَ زِيَادٍ أَنْ يُمَيِّزَ لَهُمْ الْأَنْهَارَ فَمَازَهَا فَأَعْطَى أَهْلَ نَهْرِ يَزِيدَ سِتَّةَ عَشْرَ مِسْكَبَةً وَالْفَرْقَ الْكَبِيرَ وَهُوَ نَهْرُ الْمِزَّةِ خَمْسَ مَسَاكِبَ وَالْفَرْقَ الصَّغِيرَ وَهُوَ نَهْرُ الْقِيرَاطِ أَرْبَعَ مَسَاكِبَ وَنَهْرُ دَارَيَّا سِتَّ عَشْرَةَ مِسْكَبَةً وَنَهْرُ ثَوْرَا اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِسْكَبَةً وَفِيهِ يَوْمُئِذٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَاصِيَةً وَلَيْسَ عَلَيْهَا رَحًا، وَنَهْرُ قِينِيَّةَ إحْدَى عَشْرَةَ مِسْكَبَةً وَنَهْرُ بَانْيَاسَ ثَلَاثِينَ مِسْكَبَةً وَجُعِلَتْ مِسْكَبَةٌ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ وَثَلَاثُ مَسَاكِبَ حَلَّتْ لِلْفَضْلِ بْنِ صَالِحٍ الْهَاشِمِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ وَنَهْرُ مَجْدُولَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِسْكَبَةً وَنَهْرُ دَاعِيَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ
стр. 457
وَنَهْرُ حَيْوَةَ وَهُوَ الزَّلَفُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِسْكَبَةً، وَنَهْرُ التَّوْمَةِ الْعُلْيَا خَمْسُ مَسَاكِبَ، وَنَهْرُ التَّوْمَةِ السُّفْلِيِّ أَرْبَعُ مَسَاكِبَ، وَنَهْرُ الزَّوَابُونَ أَرْبَعُ مَسَاكِبَ، وَنَهْرُ الْمَلِكِ أَرْبَعُ مَسَاكِبَ فَالْجُمْلَةُ مِائَةٌ وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ مِسْكَبَةً وَلَكِنْ يَنْضَمُّ مِنْ نَهْرِ ثُورَا وَغَيْرِهِ إلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَنْهَارِ مَاءٌ كَثِيرٌ وَالْقَنَاةُ لَمْ تُمَزْ يَوْمَئِذٍ تَأْخُذُ مِلْءَ جَنْبَتَيْهَا.
وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا بَنَى الْجَامِعَ اشْتَرَى مَاءً مِنْ نَهْرِ السُّكُونِ يُقَالُ لَهُ: الْوَقِيَّةُ فَجَعَلَهُ فِي الْقَنَاةِ إلَى الْجَامِعِ وَالْحَجَرُ شِبْرٌ وَنِصْفٌ فِي شِبْرٍ وَنِصْفٍ وَبَيْتُ الثَّقْبِ شِبْرٌ فِي أَقَلَّ مِنْ شِبْرٍ عَلَى أَنَّهُ إذَا انْقَطَعَتْ الْقَنَاةُ وَاعْتَلَتْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْوَصِيَّةِ شَيْئًا وَلَا لِأَصْحَابِ الْقَسَاطِلِ فِيهَا حَقٌّ فَإِذَا حُرِزَ يَأْخُذُ فُلَانٌ حَقَّهُ وَيَفْتَحُ الْقَسَاطِلَ عَلَى الْوَلَاءِ قَالَ يَزِيدُ: أَنَا أَدْرَكْت الْقَنَاةَ يَدْخُلُ فِيهَا الرَّجُلُ فَيَسِيرُ فِيهَا وَهِيَ مَسْقُوفَةٌ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَنَالُ سَقْفَهَا وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مَثْلُومٌ. وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ الْقُنَى الْمُسِيلَةَ بِنَفْقِ مِائَةٍ وَنَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ قَنَاةً وَبِظَاهِرِ التَّوَسُّعِ غَيْرَ قَنَاةٍ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْمَاءُ الَّذِي يَمُرُّ فِيهِ فَهُوَ مُبَاحٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فِي الْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ وَإِنَّ مَالِكِيهَا إنَّمَا لَهُمْ فِي الْمَاءِ حَقُّ الِاخْتِصَاصِ وَأَنَّ الشُّرْبَ وَالِاسْتِعْمَالَ جَائِزَانِ فِيهَا لِغَيْرِهِمْ وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ جَوَازُ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأَنْهُرِ قَطْعًا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ شَارِبًا أَوْ مُسْتَعْمِلًا أَوْ سَاقِيًا لِدَوَابِّهِ مِنْهَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلَوْ جَلَسَ فِي مِلْكِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ حَافَّةُ النَّهْرِ وَقَدْ تَحَقَّقَ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ فَمُقْتَضَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ وَالْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ لِيَغْتَرِفَ مِنْ مَائِهِ وَمُقْتَضَى الْوَجْهِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي مَنْعِ إدْلَاءِ الدَّلْوِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِمُرُورِ يَدِهِ عَلَى هَوَاءٍ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الدَّلْوَ يُوجَدُ فِيهِ الْمَاءُ لِلِادِّخَارِ وَالتَّمَلُّكِ وَالتَّنَاوُلُ بِالْيَدِ لِلشُّرْبِ أَسْهَلُ مِنْهُ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ حَافَّةَ النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ مَا فَرَضْنَاهُ مِنْ الِاغْتِرَافِ لِعَدَمِ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَلَا فِي الْهَوَاءِ بَلْ يَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ إخْرَاجُ سَاقِيَةٍ مِنْ الْمَاءِ إلَى مِلْكِهِ إذَا كَانَ مُجَاوِرًا لِلْمَاءِ لِلشُّرْبِ مِنْهَا وَيَسْتَعْمِلُ وَيُسْقِي دَوَابَّهُ قَطْعًا وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ سَقْيُ الْأَرْضِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَرْجِعُ فَائِضُهُ إلَى النَّهْرِ وَلَا يَضِيعُ عَلَى أَهْلِهِ سِوَى قَيْدِ الشُّرْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ وَالذَّاهِبُ مِنْهُ إلَى قَنَاةِ الْوَسَخِ، وَأَمَّا النَّظِيفُ فَيَرْجِعُ إلَى النَّهْرِ. وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنِّي رَأَيْت كَثِيرًا مِنْ الْمِيَاهِ بِدِمَشْقَ وَخَارِجِهَا النَّظِيفَةِ تَذْهَبُ بِغَيْرِ انْتِفَاعٍ فَلَا يُجْعَلُ لِمَنْ يَقْصِدُ الشُّرْبَ وَنَحْوَهُ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِمِقْدَارٍ مِنْ الْمَاءِ يَصِيرُ كَالْمِلْكِ لَهُ وَإِنَّمَا يَجْعَلُ لَهُ أَنْ يَصِيرَ مِلْكُهُ طَرِيقًا لَهُ لِيَشْرَبَ وَيَسْتَعْمِلَ وَيَسْقِيَ دَوَابَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فِي مُرُورِهِ لِحَاجَةٍ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) حَافَّاتُهُ وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً فَإِذًا يَكُونُ
стр. 458
حُكْمُهَا بِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُلَّاكِ وَإِمْرَارُ الْيَدِ فِي هَوَائِهَا وَإِدْلَاءُ الدَّلْوِ وَنَحْوِهِ قَدَّمْنَا حُكْمَهُ أَمَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ فَلَا يَمْتَنِعُ، وَحَافَّاتُ النَّهْرِ دِمَشْقَ مَبْنِيَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَبْنِيَّةٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ أَرْضِ النَّهْرِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فَيَجِبُ الْحُكْمُ أَوْ يَجُوزُ بِكَوْنِهَا غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِأَرْبَابِ الْأَمْلَاكِ وَأَنَّهَا لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ كَأَرْضِ النَّهْرِ وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا وَيَنْتَفِعَ بِالْمَاءِ الْمُجَاوِرِ لَهَا فِي النَّهْرِ وَخَارِجًا عَنْهُ لِشُرْبِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ وَسَقْيِ دَوَابِّهِ بِإِذْنٍ وَبِغَيْرِ إذْنٍ، وَأَمَّا فَتْحُ كُوَّتِهِ فِي تِلْكَ الْحَافَّةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْفِرَادُ بِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ مَنْ لَهُ النَّظَرُ الْعَامُّ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَضُرُّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ فَتْحُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَضُرُّ جَازَ لِمَنْ لَهُ النَّظَرُ الْعَامُّ الْإِذْنُ فِيهِ وَجَازَ لِلْمَأْذُونِ لَهُ الْفَتْحُ بِالْإِذْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يُنْقِصُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ أَرْبَابِ السَّوَاقِي الْخَارِجَةِ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ الْعَالِيَةِ وَالسَّافِلَةِ، فَإِنْ نَقَّصَ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الْمَجَارِي الْخَارِجَةُ مِنْهَا الَّتِي لَا بِنَاءَ فِيهَا، وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ عَلَيْهَا يَدٌ خَاصَّةٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ أَرْضِ النَّهْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) الْأَبْنِيَةُ الَّتِي فِيهَا الْمَجَارِي الْمَبْنِيَّةُ قَبْلَ دُخُولِهَا الْبَلَدَ وَحُكْمُهَا حُكْمُ تِلْكَ الْمَجَارِي؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ وَاضِعُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ النَّهْرِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ حَافِرُهُ فَهُوَ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قَدِيمَةٌ عُمِلَتْ لِمَصَالِحِ دِمَشْقَ وَأَهْلِهَا عَلَى الْعُمُومِ وَمِنْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى بِالدَّوَاةِ وَهُوَ بِنَاءٌ مُمَهَّدٌ مِنْ نَهْرِ الْقَنَوَاتِ إلَى الْمَدِينَةِ. وَرَأَيْت فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ مَوَاضِعَ قَدْ فُتِحَتْ لِأَحْوَاضٍ مُسْبَلَةٍ هُنَاكَ لِيَشْرَبَ النَّاسُ مِنْهَا وَالدَّوَابُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا الشُّرْبُ فَلَا يَظْهَرُ لِي امْتِنَاعُهُ بَلْ يَجُوزُ وَإِنْ فَعَلَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ امْتَنَعَ أَلْبَتَّةَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ عَمِلُوا سَبَلَانَاتٍ بِذَلِكَ وَلَمْ يَظْهَرْ إنْكَارُهَا مُطْلَقًا وَلَكِنْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) بَعْدَ دُخُولِهَا إلَى الْبَلَدِ وَقَبْلَ وُصُولِهَا إلَى مِلْكِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَحُكْمُهَا كَالْحُكْمِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ دُخُولِهَا إلَى الْبَلَدِ.
(الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) بَعْدَ وُصُولِهَا إلَى مِلْكِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَجَرَيَانِهَا فِيهِ، فَأَمَّا الْمِلْكُ مَا سِوَى الْمَجْرَى فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِلْكُ صَاحِبِهِ لِبَيِّنَتِهِ وَيَدِهِ، وَأَمَّا الْمَجْرَى الَّذِي فِي حُدُودِهِ فَهَلْ نَقُولُ: إنَّهُ مِلْكُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ جُزْءٌ مِنْ مِلْكِهِ وَقَدْ شَمِلَهُ حُدُودُهُ وَوَرَدَ عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ مَثَلًا أَوْ نَقُولُ بِأَنَّهُ كَبَقِيَّةِ الْمَجْرَى قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ وَبَعْدَ مَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَإِنَّهُ كَالطَّرِيقِ وَإِنَّ ذَلِكَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى مِلْكِهِ وَمِلْكُهُ طَارِئٌ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ؟ هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَهُ فِي الْمَاءِ حَقُّ الِاخْتِصَاصِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَاءِ
стр. 459
الَّذِي يَدْخُلُ فِي النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ وَحُكْمُ إدْلَاءِ الدَّلْوِ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ لَيْسَ لِلشَّارِبِ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَدْخُلَ إلَيْهِ بِسَبَبِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلِلشَّارِبِ حَقُّ الدُّخُولِ لِإِصْلَاحِهِ وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ عَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ مُرُورُ الْمَاءِ حَقًّا لَهُ وَعَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ حَقًّا لَهُ وَعَلَيْهِ فِي حَقِّ مِلْكِهِ لَا فِي مِلْكِهِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ كَمَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَزِيدَ فِي الِانْتِفَاعِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَلَا يَحْتَسِبُ عَنْ الْآخَرِ وَلَا سَقَى بِهِ زَرْعًا أَوْ شَجَرًا لَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ.
(الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ) الْأَمَاكِنُ الَّتِي يُشْرَبُ مِنْهَا وَمَا يَحْدُثُ مِنْ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَأَعْلَى مِنْهَا وَأَسْفَلَ مِنْهَا وَكُلُّهَا مُسْتَحَقَّةٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَا هُوَ مُعَيَّنٌ فِي كُتُبِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ وَلَا يَتَقَدَّمُ مِنْهُمْ أَعْلَى عَلَى أَسْفَلَ وَلَا أَسْفَلُ عَلَى أَعْلَى؛ لِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ مَا سَبَقَ أَوَّلًا فَنَجْعَلُهُمْ كُلَّهُمْ سَوَاءً فِي السَّبْقِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا يَضُرُّ آخَرَ إلَّا بِإِذْنِهِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهُ احْتِرَازًا مِنْ الْوَقْفِ وَغَيْرِهِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْإِذْنُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يُحْدِثَ اسْتِحْقَاقًا مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ يَضُرُّ بِهِمْ أَوْ يَأْخُذُوا بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَجَارِي، فَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ فَيَجُوزُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ وَشَرْطُ ذَلِكَ إذْنُ الْإِمَامِ أَوْ مِنْ النَّظَرِ الْعَامِّ.
(الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ) فِي مُنْتَهَاهَا الَّتِي تَنْتَهِي إلَيْهِ تِلْكَ الْمِيَاهُ، فَإِنْ انْتَهَتْ إلَى مَكَان مَوَاتٍ أَوْ مُبَاحٍ فَإِبَاحَةُ صَاحِبِهِ فَهُوَ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَإِنْ انْتَهَتْ إلَى مَكَان مَمْلُوكٍ فَكَذَلِكَ لَكِنْ يَخْتَصُّ بِهِ مَالِكُ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَهُوَ كَأَحَدِ أَصْحَابِ الْأَمْلَاكِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِمْ فَلَهُ فِيهِ حَقٌّ كَمَا لَهُمْ. وَفِي دِمَشْقَ قَنَايَاتُ إحْدَاهَا تُسَمَّى قَنَاةَ الْوَسَخِ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ الْوَسِخُ فِي نَهْرٍ يُسَمَّى نَهْرَ الْأَنْبَاطِ يَسْقِي مِنْ الْخَضْرَاوَاتِ وَذَلِكَ النَّهْرُ مَقْطَعٌ لِمَقْطَعَيْنِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَرُبَّمَا بِيعَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَبَيْعُهُ بَاطِلٌ لِنَجَاسَتِهِ وَلِمَا قُلْنَا: إنَّ الْمَاءَ مُبَاحٌ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ فِي الْمَاءِ الْوَسِخِ مَا يُمْلَكُ بِالْحَوْزِ. فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمِلْكَ زَالَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَأَيْضًا اخْتَلَطَ الْمَمْلُوكُ بِغَيْرِ الْمَمْلُوكِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ فِي الْمَاءِ، وَأَمَّا الْأَرْضُ، فَإِنْ كَانَ بَيْتُ الْمَالِ قَدْ مَلَكَهَا بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ صَحَّ بَيْعُهَا وَإِلَّا فَلَا. وَأَمَّا الْإِقْطَاعُ فَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ إقْطَاعَ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ لَا يَجُوزُ وَهَذَا مِثْلُهُ لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ فِي إقْطَاعِ التَّمْلِيكِ أَمَّا إقْطَاعُ الْإِرْفَاقِ فَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يُضَيِّقُ عَلَى غَيْرِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَمْ أَجِدْهُمْ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَلَا فِي الْإِقْطَاعَاتِ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[كِتَابُ الْوَقْفِ]
ِ سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَفَّقَهُمْ
стр. 460
اللَّهُ تَعَالَى لِطَاعَتِهِ فِي رَجُلٍ حَبَسَ أَمَاكِنَ وَجَعَلَ النَّظَرَ فِيهَا مِنْ بَعْدِهِ لِابْنَتِهِ لِصُلْبِهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا لِأَوْلَادِهَا يُنْظَرُ مِنْهُمْ أَصْلَحُهُمْ حَالًا لَا يَزَالُ ذَلِكَ فِيهِمْ الْأَصْلَحُ فَالْأَصْلَحُ أَبَدًا مَا عَاشُوا وَتَنَاسَلُوا، فَإِنْ انْقَرَضُوا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ يَنْتَقِلُ النَّظَرُ مِنْ بَعْدِهِمْ لِبَنَاتِ ابْنَتِهِ الْمَذْكُورَةِ الصَّالِحَةُ مِنْهُنَّ مُقَدَّمَةٌ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهَا لَا يَزَالُ ذَلِكَ فِيهِنَّ مَا تَنَاسَلْنَ الصَّالِحَةُ مِنْهُنَّ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنْ انْقَرَضْنَ عَلَى آخِرِهِنَّ انْتَقَلَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ لِأَوْلَادِ أَوْلَادِهَا الْأَصْلَحُ فَالْأَصْلَحُ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ فِي آبَائِهِمْ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى وَمَنْ صَلُحَ حَالُهُ مِنْ كُلِّ طَبَقَةٍ عُلْيَا كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِ لَا يَزَالُ ذَلِكَ فِيهِمْ مَا دَامُوا وَتَنَاسَلُوا، فَإِنْ انْقَرَضُوا عَنْ آخِرِهِمْ صَارَ النَّظَرُ مِنْ بَعْدِهِمْ لِبَنَاتِ بَنَاتِ ابْنَتِهِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ لِأَوْلَادِهِنَّ الذُّكُورِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى هَلْ يَكُونُ النَّظَرُ لِبِنْتِ بِنْتِهِ؟
(أَجَابَ) ﵀ بَعْدَ مَا أَخْبَرْتُهُ بِالْإِشْكَالِ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ الْفَتْوَى بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة الْمَحْرُوسِ وَامْتِنَاعِ أَهْلِ الثَّغْرِ مِنْ الْكِتَابَةِ عَلَيْهَا وَكَتَبَ خَطَّهُ الْكَرِيمَ فِي أَصْلِ الِاسْتِفْتَاءِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِ مِنْ الثَّغْرِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مَا مِثَالُهُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّظَرُ فِي هَذَا الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ لِبِنْتِ بِنْتِهِ وَلَا نَظَرَ لِابْنِ ابْنِ بِنْتِهِ حَتَّى تَنْقَرِضَ بِنْتُ الْبِنْتِ. وَمُقْتَضَى هَذَا الْوَقْفِ أَنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ تَحْجُبُ الَّتِي تَحْتَهَا، وَأَنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ مُقَدَّمُونَ ذُكُورُهَا عَلَى إنَاثِهَا وَلَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ قَلَقٌ فَنُوَضِّحُهُ وَنُبَيِّنُ أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قُلْنَا:
قَوْلُهُ لِابْنَتِهِ لِصُلْبِهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا لِأَوْلَادِهَا إمَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْأَوْلَادِ الذُّكُورَ فَقَطْ اسْتِعْمَالًا لِلْعَامِّ فِي الْخَاصِّ وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ كَمَا هُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، ثُمَّ بَيَّنَ حَالَ الذُّكُورِ مِنْهُمْ فَقَطْ بِقَوْلِهِ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ أَصْلَحُهُمْ وَبِقَوْلِهِ الْأَصْلَحُ فَالْأَصْلَحُ فَإِنَّهَا صِيغَةٌ تَخُصُّ الذُّكُورَ ظَاهِرًا وَيَرْجِعُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ، فَإِنْ انْقَرَضُوا عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ إلَى الْأَوْلَادِ الْمُرَادِ بِهِمْ الذُّكُورُ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي إلَى الذُّكُورِ مِنْ الْأَوْلَادِ، وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَهُوَ أَنَّهُ بَعْدَ انْقِرَاضِ الذُّكُورِ مِنْ أَوْلَادِ ابْنَتِهِ يَنْتَقِلُ النَّظَرُ لِبَنَاتِ بِنْتِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ بَنَاتُ الِابْنِ شَيْئًا مِنْ النَّظَرِ مَا لَمْ يَنْقَرِضْ بَنُو الْبِنْتِ، وَالْمُرَادُ مِنْ بَنِي الْبِنْتِ الطَّبَقَةُ الْأُولَى مِنْهُمْ وَلَا يَنْدَرِجُ فِيهِمْ أَوْلَادُهُمْ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّهُمْ مُؤَخَّرُونَ عَنْ بَنَاتِ ابْنَتِهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَحْكُمَ بِدُخُولِهِمْ لَهُمْ قَبْلَهُنَّ وَإِلَّا تَنَاقَضَ الْكَلَامُ فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مَا قُلْنَاهُ وَلَيْسَ فِيهِ الْإِخْرَاجُ، قَوْلُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ وَهِيَ لَفْظَةٌ قَلِقَةٌ صَدَرَتْ عَنْ سُوءِ كِتَابَةٍ وَكَانَ الْمُرَادُ بِهَا مَا عَاشُوا وَأَرْدَفَهَا بِهَا تَأْكِيدًا وَحَمْلُهَا عَلَى هَذَا أَوْلَى مِنْ تَنَاقُضِ الْكَلَامِ
следующие страницы →