Полный текст (1 159 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ نَصِيبُهُ حَقِيقَتُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَصِيبٌ يَتَنَاوَلُهُ وَحَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَجَازٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فَإِنَّهُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ قَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ دَخَلَ فِي الْوَقْفِ مَوْقُوفًا عَلَى شَرْطٍ وَخَرَجَ مِنْهُ لِمَوْتِهِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لِمَوْتِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ أَصْلًا، وَكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ سَائِغٌ لَا مَانِعَ مِنْهُ وَمِنْهَا الصِّيغَةُ الْمَذْكُورَةُ وَلَكِنْ بِمَوْتِ هَذَا الِابْنِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُنَزَّلُ ابْنًا فَهُوَ مُسَاوٍ لِابْنِ عُمَرَ فِي الطَّبَقَةِ فَهَلْ يَأْخُذُ ابْنُ عُمَرَ مَا كَانَ لِأَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ لَهُ حَجْبُ عَمِّهِ لَهُ وَقَدْ زَالَ أَوْ لَا يَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ مِنْ أَبِيهِ وَأَبُوهُ لَا حَقَّ لَهُ؟ هَذَا مَحَلُّ النَّظَرِ وَالِاحْتِمَالُ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَفْظُ آخَرَ عَامًّا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ مِنْهُ اسْتَحَقَّ وَإِلَّا فَلَا. مِثَالُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي بِالْوَاوِ أَوْ بِثُمَّ وَيَذْكُرُ الصِّيغَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُنَا أَقُولُ: إنَّهُ يَسْتَحِقُّ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ مَا كَانَ أَبُوهُ يَسْتَحِقُّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا وَيَخْتَصُّ ابْنُ عَمِّهِ الْمُتَوَفَّى الْآنَ مِنْ نَصِيبِ أَبِيهِ بِمَا كَانَ لَهُ حِينَ كَانَ أَبُوهُ حَيًّا وَإِنْ كَانَ هَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ قَوْلِهِ مَنْ مَاتَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَالَفَةُ هَذَا أَبْعَدَ مِنْ مُخَالَفَةِ عُمُومِ قَوْلِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ فَيُعْمَلُ بِالْعَامِّ الْمُتَقَدَّمِ إلَّا فِيمَا خَصَّ بِهِ قَطْعًا بِقَوْلِهِ تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى وَإِمْضَائِهِ حَجْبُ الْعَمِّ لِابْنِ أَخِيهِ وَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ؛ وَيَكُونُ قَوْلُهُ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ مَعْنَاهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ نَصُّهُ الْأَصْلُ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُهُ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِي مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ تَحْجُبُ الْعُلْيَا السُّفْلَى فَهَهُنَا حَجْبُ ابْنِ الْمُتَوَفَّى لِابْنِ أَخِيهِ صَرِيحٌ أَصْرَحُ مِنْ الْأَوَّلِ بَعْدَ حُكْمِ مَنْ مَاتَ.
(مَسَائِلُ بِدِمَشْقَ) (إحْدَاهَا) : وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَهُ أَوْلَادٌ مَوْجُودُونَ وَوَلَدٌ مَيِّتٌ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَدْخُلُ وَلَكِنْ هَلْ يَقْتَضِي اللَّفْظُ دُخُولَهُ وَخَرَجَ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ بِالتَّعَذُّرِ أَوْ لَمْ يَقْتَضِ اللَّفْظُ دُخُولَهُ الْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وَمُسْتَنَدُ الثَّانِي أَنَّهُ مَعْدُومٌ وَلَفْظُ الْوَلَدِ إنَّمَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْمَوْجُودِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إذَا أَخْرَجْنَاهُ هَلْ إخْرَاجُهُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُرَادًا لِلْوَاقِفِ فَلَا يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ اسْتِحْقَاقِهِ الْوُجُودَ فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ وَإِنَّمَا انْتَفَى الِاسْتِحْقَاقُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ مَعَ شُمُولِ اللَّفْظِ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي. نَعَمْ يَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ فِي هَذَا الْمِثَالِ أَنَّ الْوَقْفَ إنْشَاءٌ وَالْآنَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِالْوَلَدِ الْمَيِّتِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ إلَّا أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمِثَالِ وَلَا يَجْرِي فِي قَوْلِهِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي.
(الثَّانِيَةُ) وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ
стр. 492
أَوْلَادِهِ وَكَانَ مِنْ أَوْلَادِهِ مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْوَقْفِ وَخَلَفَ وَلَدًا فَإِذَا انْقَرَضَ أَعْمَامُهُ وَانْتَقَلَ الْوَقْفُ لِأَوْلَادِهِمْ هَلْ يُشَارِكُهُمْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَى مَا تَقَدَّرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؟ وَاَلَّذِي أَقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَلَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ اسْتِحْقَاقِ أَبِيهِ فَوَجَبَ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ وَالْعَمَلُ بِالْعُمُومِ.
(الثَّالِثَةُ) وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ مِثْلُ الْأُولَى إلَّا أَنَّهُ أَتَى بِضَمِيرِ الْأَوْلَادِ بَدَلًا عَنْ الِاسْمِ الظَّاهِرِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى اسْمِ أَوْلَادِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ يُفِيدُ الِاسْتِحْقَاقَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا يَعُودُ عَلَى الْأَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ الْمُسْتَحِقِّينَ فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ. وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ هُنَا فِي مَحَلِّ التَّرَدُّدِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَأَقْرَبُ الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهَذَا الْخِلَافُ مَنَاطُهُ عَلَى عَكْسِ الْخِلَافِ فِي الْأُصُولِ فِي عَوْدِ ضَمِيرٍ خَاصٍّ عَلَى الْعَامِّ هَلْ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ وَهُنَا بِالْعَكْسِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ هَلْ يُوجِبُ تَخْصِيصَ الضَّمِيرِ. وَمَحِلُّ هَذَا التَّرَدُّدِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا أَمَّا لَوْ وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى مَنْ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ فَحَدَثَ لِزَيْدٍ أَوْلَادٌ مَاتَ بَعْضُهُمْ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَخَلَّفَ وَلَدًا فَلَا شَكَّ أَنَّ وَلَدَهُ دَاخِلٌ فَإِنَّهُ وَلَدُ أَحَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ وَإِنْ تَوَهَّمَ خِلَافَ ذَلِكَ فَبَعِيدٌ جِدًّا وَوَجْهُ التَّوَهُّمِ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا وَقَفَ عَلَى مَنْ يَكُونُ مَوْجُودًا عِنْدَ مَوْتِ وَالِدِهِ وَهَذَا إنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إلَّا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ شَيْءٌ مَا لَمْ يَنْقَرِضْ جَمِيعُ الْأَوْلَادِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِهَذَا وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِيهِ خِلَافٌ وَهُوَ مَحَلُّ احْتِمَالٍ؛ لِأَنَّ التَّنْزِيلَ مُحْتَمَلٌ لَهُ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مَذْهَبُنَا؛ لِأَنَّ " ثُمَّ " تَقْتَضِي تَأَخُّرَ مُسَمَّى وَلَدِ الْوَلَدِ مَهْمَا دَامَ الْوَلَدُ مَوْجُودًا لَا يَسْتَحِقُّ وَلَدُ الْوَلَدِ شَيْئًا.
(الْخَامِسَةُ) الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَلَكِنْ قَالَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَإِذَا مَاتَ وَاحِدٌ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا شَكَّ أَنَّ نَصِيبَهُ يَنْتَقِلُ لِوَلَدِهِ.
(السَّادِسَةُ) الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ وَخَلَّفَ وَلَدًا ثُمَّ مَاتَ جَدُّ هَذَا الْوَلَدِ الَّذِي كَانَ أَبُوهُ مَحْجُوبًا بِهِ وَلَمْ يُخَلِّفْ غَيْرَ وَلَدِ وَلَدِهِ هَذَا فَيَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَيْهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَمْرٍو ثُمَّ عَمْرٍو ثُمَّ بَكْرٍ فَمَاتَ عَمْرٌو قَبْلَ زَيْدٍ وَقَوْلُهُ إنَّ بَكْرًا لَا يَسْتَحِقُّ أَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ هُنَا لَا يَسْتَحِقُّ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ مَنُوطٌ بِاسْتِحْقَاقِ أَبِيهِ وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ وَالصَّحِيحُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ خِلَافُ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ، فَإِنْ طَرَدَ قَوْلَهُ هُنَا فَهُوَ بَعِيدٌ.
(السَّابِعَةُ) الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا إلَّا أَنَّ الْجَدَّ خَلَّفَ وَلَدًا وَوَلَدَ وَلَدٍ فَهَاهُنَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ نَصِيبَهُ يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِهِ خَاصَّةً وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِ وَلَدِهِ
стр. 493
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يُشَارِكُهُ وَلَدُ الْوَلَدِ. وَمَنْشَأُ التَّرَدُّدِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَلَدَ الَّذِي مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ هَلْ دَخَلَ فِي الْوَقْفِ أَوْ لَا وَالظَّاهِرُ دُخُولُهُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ، وَإِذَا كَانَ دَاخِلًا فَيَشْمَلُهُ قَوْلُهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَنَصِيبُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ السَّبَبُ الَّذِي هُوَ يَتَنَاوَلُهُ الْآنَ وَقَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ فَنَصِيبُهُ إنْ كَانَ لَهُ نَصِيبٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّصِيبِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ يَتَنَاوَلُهُ الْآنَ وَيَسْتَحِقُّ تَنَاوُلَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجِبِ لَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ وَيَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ فَكَذَلِكَ نَقُولُ: إنَّهُ أَوْلَى وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] وَهُوَ عَامٌّ يَشْمَلُ مَنْ لَمْ يَمُتْ لَهُ وَالِدَانِ وَلَا أَقْرَبُونَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ إنْ مَاتَ لَهُ وَالِدَانِ أَوْ أَقْرَبُونَ دَخَلَ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَعَلَى هَذَا الْبَحْثِ يَكُونُ كَوَلَدِ الَّذِي مَاتَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ التَّنَاوُلَ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ الَّذِي لَوْ زَالَ حَاجِبُهُ لَاسْتَحَقَّ تَنَاوُلَهُ إلَى وَلَدِهِ فَإِذَا زَالَ حَاجِبُهُ اسْتَحَقَّ تَنَاوُلَهُ، وَفِي هَذَا وَفَاءٌ بِالْعُمُومِ فِي شُمُولِ الْوَقْفِ لِجَمِيعِ الطَّبَقَاتِ وَعَدَمُ إخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ اللَّفْظِ وَلَيْسَ فِيهِ تَجَوُّزٌ إلَّا بِإِطْلَاقِ النَّصِيبِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُتَنَاوَلِ وَاَلَّذِي هُوَ بِصَدَدِهِ إنْ سَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ.
وَأَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ نَصِيبَ الْجَدِّ كُلَّهُ لِوَلَدِهِ وَلَا شَيْءَ لِوَلَدِ وَلَدِهِ فَفِيهِ إخْرَاجٌ لِوَلَدِ الْوَلَدِ مِنْ الْوَقْفِ وَإِخْرَاجٌ لِأَبِيهِ مِنْ الْوَقْفِ أَوْ تَقْدِيرٌ إنْ كَانَ لَهُ نَصِيبٌ وَالتَّقْدِيرُ بَعِيدٌ، وَالْإِخْرَاجَانِ إمَّا مُطْلَقَانِ وَإِمَّا مُقَيَّدَانِ إذَا اتَّفَقَ أَنْ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْوَقْفُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا تَخْصِيصُ عَامٍّ وَإِمَّا تَقْيِيدُ مُطْلَقٍ وَهُمَا أَبْعَدُ مِنْ اسْتِعْمَالِ النَّصِيبِ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ مَجَازٌ وَأَنَّ التَّخْصِيصَ خَيْرٌ مِنْ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي التَّخْصِيصِ وَاحِدٌ وَهُنَا تَخْصِيصَانِ وَلِأَنَّهُ فِي مَجَازٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ مَعَهُ حَقِيقَةٌ وَهَذَا مَجَازٌ مَعَهُ حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّا قُلْنَا: الْمُرَادُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ لَا سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
(الثَّامِنَةُ) الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ فَهَاهُنَا مَتَى قُلْنَا بِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ لَا يَأْخُذُ يَلْزَمُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ التَّخْصِيصِ وَزِيَادَةُ مُخَالَفَةِ قَوْلِهِ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ اقْتَضَى أَنَّ نَصِيبَهُ بِعَيْنِهِ يَنْتَقِلُ بَعْدَ وَلَدِهِ إلَى وَلَدِ وَلَدِهِ وَوَلَدُ وَلَدِهِ يَشْمَلُ وَلَدَ الْمَيِّتِ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ فَإِخْرَاجُهُ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ.
فَهَذِهِ ثَلَاثُ مُخَالَفَاتٍ فِي مُقَابَلَةِ التَّجَوُّزِ وَلَفْظُ النَّصِيبِ أَيْضًا فَقَوْلُهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُهُ فَنَصِيبُهُ وَلَدٌ لِوَلَدِهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدُ وَلَدٍ فَقَطْ يَكُونُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ مُحَالٌ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ
стр. 494
يُقَدَّرُ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى وَلَدِهِ وَالتَّقْدِيرُ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بَلْ الْوَجْهُ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدُ وَلَدٍ فَقَطْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِ وَلَدِهِ أَسْفَلَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَنَزَلَ أَبُوهُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ وَمُقْتَضَى لِمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ الَّذِي قَدْ انْقَرَضَ وَوَصَلَ الْوَقْفُ إلَى مَنْ بَعْدَهُ، وَهَذَا لَا يَتِمُّ مَعَ التَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ وَوَلَدُ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى التَّقْدِيرِ فَجِئْنَا إلَى مَسْأَلَتِنَا وَقَوْلُهُ فِيهَا مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ وَوَلَدُ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيهَا إنَّ هَذَا الْجُزْءَ الْأَوَّلَ فَقَطْ وَقَوْلُهُ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ أَمَّا إذَا مَاتَ وَلَهُ وَلَدُ وَلَدٍ فَقَطْ يَكُونُ جَوَابُهُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ بَقِيَ إذَا مَاتَ وَهُمَا لَهُ، فَإِنْ كَانَ وَلَدُ الْوَلَدِ مَحْجُوبًا بِأَبِيهِ فَحُكْمُهُ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ أَبُوهُ قَدْ مَاتَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ بِمُقْتَضَى اللَّفْظَيْنِ كَأَنَّهُ قَالَ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدُ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِهِ فَإِذَا مَاتَ وَهُمَا لَهُ فَنَصِيبُهُ لَهُمَا عَمَلًا بِاللَّفْظَيْنِ وَهَذِهِ مَسْأَلَتُنَا وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ أَوْ تَقْدِيرٌ فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِمِثْلِهَا لِمَا قَرَّرْنَاهُ وَتَسْلَمُ لَنَا الْمُخَالَفَاتُ الثَّلَاثُ الْأُوَلُ فِي مُعَارَضَةِ لَفْظِ النَّصِيبِ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ فِي مُعَيَّنِ لَفْظِ النَّصِيبِ أَوْلَى يَتَعَيَّنُ وَعَلَى هَذَا نَكُونُ قَدْ أَعْمَلْنَا الْعُمُومَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِيمَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِهِ وَمِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ لَا وَفِي قَوْلِهِ فَنَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ ثُمَّ لِأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَلَمْ يُخْرِجْ أَحَدًا مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاَلَّذِي يَدَّعِي أَنَّ نَصِيبَ الْجَدِّ يَنْتَقِلُ لِوَلَدِهِ فَقَطْ يُحَافَظُ عَلَى انْتِقَالِ نَصِيبِ الْجَدِّ إلَى وَلَدِهِ وَيَنْزِلُ انْتِقَالُهُ إلَى عُمُومِ وَلَدِ وَلَدِهِ وَيَنْزِلُ انْتِقَالُ نَصِيبِ الْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهِ إلَى وَلَدِهِ وَنَحْنُ نُحَافِظُ عَلَى اللَّفْظِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ فَكَانَ أَوْلَى وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مَسْطُورَةً فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه الْفِقْهُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَهُ وَنَسَبَهُ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ)
وَقَفَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ قَرْيَةً تُعْرَفُ بِبَيْتِ فَارٍ مِنْ عَمَلِ لِبْنَانَ عَلَى الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْأُرْمَوِيِّ ثُمَّ أَوْلَادُهُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ ثُمَّ أَوْلَادُهُمْ كَذَلِكَ دَائِمًا ثُمَّ أَنْسَالُهُمْ أَبَدًا عَلَى الشَّرْطِ الْمُقَدَّمِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ أَوْ أَنْسَالِهِمْ عَنْ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ أَوْ نَسْلٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ عَلَى الشَّرْطِ وَالتَّرْتِيبِ وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَوْلَادِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ
стр. 495
وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْوَقْفِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَإِذَا انْقَرَضُوا وَلَمْ يَبْقَ لِلشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ نَسْلٌ عَادَ عَلَى الزَّاوِيَةِ الَّتِي بِسَفْحِ قَاسِيُونَ الْمَعْرُوفَةُ بِالشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ وَالِد الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ إبْرَاهِيمُ عَنْ أَحَدَ عَشَرَ وَلَدًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا مِنْ أُمَّهَاتٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ عَنْ غَيْرِ عَقِبٍ فَحَكَمَ حَاكِمٌ بِانْحِصَارِ الْوَقْفِ فِي السَّبْعَةِ الْبَاقِينَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ شَقِيقًا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ السَّبْعَةِ عَنْ أَوْلَادٍ فَأَخَذُوا نَصِيبَهُ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَهُ آخَرُ وَلَمْ يَعْقُبْ فَاقْتَسَمَ الْخَمْسَةُ الْبَاقُونَ نَصِيبَهُ تَقْلِيدًا لِذَلِكَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ ثُمَّ تُوُفِّيَ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ أَوْلَادِهِ وَبَقِيَ مِنْ السَّبْعَةِ وَاحِدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَمْ يَبْقَ مِنْ دَرَجَتِهِ غَيْرُهُ ثُمَّ مَاتَ اثْنَانِ مِنْ الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ وَتَرَكَ كُلٌّ مِنْهُمَا إخْوَةً وَأَوْلَادَ أَعْمَامٍ وَعَمَّاتِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ فَهَلْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى إخْوَتِهِ فَقَطْ أَوْ إلَى جَمِيعِ مَنْ فِي الطَّبَقَةِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَأَوْلَادِ الْأَعْمَامِ أَوْ يَخْتَصُّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؟ وَهَلْ حُكْمُ الْمُشَارِ إلَيْهِ صَحِيحٌ أَوْ لَا؟ وَهَلْ الَّذِينَ أَخَذُوا تَقْلِيدًا لَهُ بِغَيْرِ حُكْمٍ لَهُمْ مُصِيبُونَ أَوْ لَا؟ وَهَلْ الْحَاكِمُ يَرَى مُخَالَفَةَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ أَوْ لَا؟
(الْجَوَابُ) أَمَّا حُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُشَارُ إلَيْهِ فَحُكْمٌ صَحِيحٌ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّهِ صَوَابٌ؛ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَ الشَّقِيقُ أَقْرَبَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ قُوَّةُ قُرْبِهِ تُوجِبُ تَفَاوُتَ دَرَجَتِهِ فَإِنَّ الْقُرْبَ قَدْ يَكُونُ بِالدَّرَجَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِزِيَادَةٍ كَالْأَخِ الشَّقِيقِ فَإِنَّ قُرْبَهُ بِجِهَتَيْنِ فَلِذَلِكَ يُقَالُ إنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ الَّذِي لِأَبٍ وَإِنْ كَانَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَأَمَّا الَّذِينَ أَخَذُوا مُوَافِقِينَ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ حُكْمٍ لَهُمْ فَقَدْ صَادَقُوا الْحُكْمَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ آخَرَ انْتِزَاعُهُ مِنْهُمْ إلَّا إنْ كَانَ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَوْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَشْهَدُ لَهُ وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ، وَأَمَّا نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبُرَّيْنِ مِنْ الدَّرَجَةِ عَنْ عَقِبٍ فَيَخْتَصُّ بِهِ عَمُّهُمَا عَبْدُ اللَّهِ وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَخَوَاتُهُمَا وَلَا أَوْلَادُ أَعْمَامِهِمَا وَلَا يَمْتَازُونَ بِهِ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ وَيَسْتَحِقُّهُ كَامِلًا لِأَرْبَعَةِ مَآخِذَ:
(أَحَدُهَا) أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي دَرَجَتِهِ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ الْإِخْوَةِ وَأَوْلَادِ الْأَعْمَامِ، وَقَوْلُهُ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ الْعَمِّ فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ، فَإِنْ عَمِلْنَا بِالْأَوَّلِ أَلْغَيْنَا الثَّانِي بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَإِنْ أَعْمَلْنَا الثَّانِيَ أَمْكَنَ حَمْلُ الدَّرَجَةِ عَلَى الْمُتَنَاوِلِينَ لِلْوَقْفِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْعَالِي وَالسَّافِلُ إذَا تَنَاوَلُوا وَيَخْرُجُ عَنْهُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بَعْدُ وَهُوَ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إذَا أَعْمَلْنَا
стр. 496
الْأَوَّلَ أَلْغَيْنَا الثَّانِي بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ انْقِسَامُ الْإِخْوَةِ وَأَوْلَادِ الْأَعْمَامِ إلَى أَقْرَبَ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
(الْمَأْخَذُ الثَّانِي) : أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ التَّعَارُضُ الْمَذْكُورُ تَنَاوَلَ قَوْلَهُ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ عَلَى تَخْصِيصِ قَوْلِهِ يَعُودُ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي دَرَجَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يُقَدَّمُ عَلَيْهِ فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ وَالْجُمْلَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ يَعُودُ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي دَرَجَتِهِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ الْأَقْرَبُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ كَمَا تَقُولُ: مَجِيءُ زَيْدٍ مَسْبُوقًا بِعَمْرٍو فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَقَدُّمِ مَجِيءِ عَمْرٍو كَذَلِكَ هُنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَبَ مُقَدَّمٌ عَلَى صَاحِبِ الدَّرَجَةِ وَإِنَّمَا دَعَانَا إلَى ذَلِكَ تَعَذُّرُ حَمْلِهِ عَلَى التَّخْصِيصِ لِلْأَعْيَانِ فِي الدَّرَجَةِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تَنْقَسِمُ إلَى الْأَقْرَبِ وَغَيْرِهِ.
(الْمَأْخَذُ الثَّالِثُ) أَنَّهُمَا لَمَّا تَعَارَضَا وَجَبَ تَرْكُهُمَا وَالْأَخْذُ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْوَقْفِ أَنَّهُ عَلَى الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ وَانْتَقَلَ نَصِيبُ غَيْرِ عَبْدِ اللَّهِ إلَى وَلَدِهِ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ فَلَمَّا مَاتَ ذَلِكَ الْوَلَدُ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَمْ يَكُنْ مَعَنَا لَفْظٌ سَالِمٌ عَنْ الْمُعَارِضِ يَدُلُّ عَلَى حَالِ نَصِيبِهِ وَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى عَمِّهِ عَمَلًا بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ الَّذِي اقْتَضَى اسْتِحْقَاقَهُ إيَّاهُ قَبْلَ هَذَا الْمَيِّتِ وَكَانَ اللَّفْظُ الْمُقْتَضِي لِاسْتِحْقَاقِ الْمَيِّتِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مُخَصَّصًا لِذَلِكَ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَقَدْ زَالَ شَرْطُهُ.
(الْمَأْخَذُ الرَّابِعُ) : أَنْ لَا يَجْعَلَ فِي اللَّفْظِ مُعَارِضًا بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ نَقُولُ قَوْلَهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَوْلَادِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ وَنَسْلِهِ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَمَا فَوْقَهُمَا؛ لِأَنَّ صِيغَةَ " مِنْ " مَوْضُوعَةٌ لِذَلِكَ وَيَشْمَلُ كُلَّ فَرْدٍ وَمَجْمُوعَ الْأَفْرَادِ فَإِذَا مَاتَ ابْنُهُ وَابْنُ ابْنِهِ وَابْنُ ابْنِ ابْنِهِ كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ دَخَلَ مَجْمُوعُهُمْ فِي ذَلِكَ وَاقْتَضَى لَفْظُهُ أَنْ تَعُودَ أَنْصِبَاؤُهُمْ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِمْ وَهُمْ مُنْضَمُّونَ إلَى عَالٍ وَسَافِلٍ فَيَصِحُّ انْقِسَامُهُمْ إلَى أَقْرَبَ وَغَيْرِ أَقْرَبَ وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الْأَقْرَبُ كَمَا قُلْنَاهُ.
وَهَذَا أَحْسَنُ الْوُجُوهِ وَأَسْلَمُهَا عَنْ التَّكَلُّفِ وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ التَّعَارُضِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ قِيلَ: مَبْنَى هَذَا الْكَلَامِ كُلِّهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ الْأَقْرَبُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُرَادُ بِهِ الْأَوَّلُ وَهُوَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْمُرَادَ الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ أَيْضًا وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْعَمُّ أَقْرَبَ بَلْ الْأَخُ وَلَا يُشَارِكُهُ ابْنُ الْعَمِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسَاوٍ فِي الْقُرْبِ لِلْأَخِ وَإِنْ سَاوَاهُ فِي الدَّرَجَةِ. قُلْت: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الْأَقْرَبُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْأَقْرَبُ إلَى الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْوَقْفُ أَوَّلًا وَقَصَدَ بِهِ لِأُمُورٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ فِي هَذَا الْوَقْفِ بِخُصُوصِهِ أَعَادَ اسْمَهُ فَقَالَ وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَوْلَادِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ
стр. 497
الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إلَى آخِرِهِ فَذَكَرَهُ بِاسْمِهِ وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ قَالَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فَتَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْمَعْهُودِ؛ لِأَنَّهُ الْأَقْرَبُ. الثَّانِي أَنَّ الْعَهْدَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعُمُومِ. الثَّالِثُ أَنَّ هُنَا لَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ بَلْ إمَّا أَنْ يُرَادَ الْمَيِّتُ أَوْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ فَدَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ مَعْهُودٍ وَفَرْدٍ خَاصٍّ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَى الْمَعْهُودِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. الرَّابِعُ أَنَّ الْأَوَّلَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ وَمَنْ بَعْدَهُ فِيهِ خِلَافٌ هَلْ يَتَلَقَّى مِنْ الْوَاقِفِ أَوْ مِنْ الْبَطْنِ الَّذِي قَبْلَهُ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
الْخَامِسُ أَنَّهُ يَبْقَى فِيهِ وَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْضُوعَ الْمُضْمَرِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ بُكْرَةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِدِمَشْقَ بِدَارِ الزَّاهِرِ سَكَنِنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. هَذِهِ صُورَةُ خَطِّ الشَّيْخِ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(مَسْأَلَةٌ مِنْ حِمْصَ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ)
وَقَفَ عَلَى صَخْرٍ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ دَائِمًا مَا تَنَاسَلُوا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَلَا يَرِثُ الْأَدْنَى مِنْ الْأَبْنَاءِ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْأَعْلَى مِنْ الْآبَاءِ فَإِذَا انْقَرَضُوا عَادَ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَوَلَدَ صَخْرٌ أَيُّوبَ وَيَعْقُوبَ وَمُؤْنِسَةَ وَفَاطِمَةَ وَأُمَّ الْحَيَا ثُمَّ تُوُفِّيَ أَيُّوبُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ مُؤْنِسَةٌ عَنْ ثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ صَخْرٌ عَنْ أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ ثُمَّ تُوُفِّيَ يَعْقُوبُ عَنْ وَلَدَيْنِ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ عَنْ ثَلَاثِ بَنَاتِ ابْنٍ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّ الْحَيَا عَنْ ثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ أَوْلَادُ أَيُّوبَ وَأَوْلَادُ مُؤْنِسَةَ مَعَ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ وَأَوْلَادِ أُمِّ الْحَيَا؟ وَهَلْ يَدْخُلُ أَوْلَادُ ابْنِ فَاطِمَةَ فَمَاذَا يَخُصُّ كُلُّ وَاحِدٍ، وَإِذَا تُوُفِّيَ وَاحِدٌ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَنْ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ هَلْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مَا كَانَ لِأَبِيهِ أَمْ يَعُودُ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَقَوْلُ الْوَاقِفِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ أَمْ لَا، وَإِذَا قِيلَ بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ فَهَلْ يُشَارِكُ أَوْلَادُ الْبَطْنِ الثَّالِثِ أَوْلَادَ الْبَطْنِ الثَّانِي؟ .
(الْجَوَابُ) الْوَقْفُ عَلَيْهِ بَعْدَ وَفَاةِ صَخْرٍ يَنْتَقِلُ إلَى أَوْلَادِهِ الْبَاقِينَ يَعْقُوبَ وَفَاطِمَةَ وَأُمَّ الْحَيَا لَا يُشَارِكُهُمْ أَوْلَادُ أَيُّوبَ وَأَوْلَادُ مُؤْنِسَةَ فِي ذَلِكَ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَوْلَادِهِ بَلْ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ بَلْ يَكُونُ الْوَقْفُ كُلُّهُ بَيْنَ يَعْقُوبَ وَفَاطِمَةَ وَأُمِّ الْحَيَا أَثْلَاثًا وَبِمَوْتِ يَعْقُوبَ يَصِيرُ الْوَقْفُ كُلُّهُ بَيْنَ فَاطِمَةَ وَأُمِّ الْحَيَا نِصْفَيْنِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ لَا يَرِثُ الْأَدْنَى مِنْ الْأَبْنَاءِ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْأَعْلَى مِنْ الْآبَاءِ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ أَبَاهُ وَعَمَّهُ، وَبَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ يَكُونُ كُلُّهُ لِأُمِّ الْحَيَا وَبَعْدَ وَفَاةِ أُمِّ الْحَيَا يَرْجِعُ الْوَقْفُ كُلُّهُ إلَى
стр. 498
الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا مِنْ أَوْلَادِ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ عِنْدَ وَفَاةِ صَخْرٍ وَهُمْ وَلَدَا يَعْقُوبَ وَأَوْلَادِ أُمِّ الْحَيَا الثَّلَاثَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْخُمُسُ وَلَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ ابْنُ فَاطِمَةَ؛ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ مِنْهُمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ لَا يَرِثُ الْأَدْنَى مِنْ الْأَبْنَاءِ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْأَعْلَى مِنْ الْآبَاءِ وَلَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ أَيْضًا أَوْلَادُ أَيُّوبَ وَأَوْلَادُ مُؤْنِسَةَ وَإِنْ كَانُوا فِي دَرَجَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَعْدَ أَوْلَادِهِ أَنَّهُ يَكُونُ لِأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ حَتَّى يَأْخُذُوهُ بِوَصْفِ كَوْنِهِمْ أَوْلَادَ أَوْلَادِ صَخْرٍ بَلْ قَالَ: إنَّهُمْ بَعْدَ أَوْلَادِ صَخْرٍ الَّذِينَ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ الْوَقْفُ بِمَوْتِهِ لِأَوْلَادِهِمْ فَذِكْرُهُ لَهُمْ بِالضَّمِيرِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْأَوْلَادِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِمْ وَهُمْ الْبَاقُونَ لَا غَيْرُ فَخَرَجَ أَوْلَادُ أَيُّوبَ وَمُؤْنِسَةَ عَنْ ذَلِكَ، وَإِذَا تُوُفِّيَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَنْ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مَا كَانَ لِأَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَعُودُ عَلَى مَنْ فِي طَبَقَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ. وَقَوْلُ الْوَاقِفِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ عِنْدَنَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ وَلَكِنَّا هُنَا لَا نَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ صَرَّحَ بِأَنَّ الْأَدْنَى مِنْ الْأَبْنَاءِ لَا يَرِثُ مَعَ الْأَعْلَى مِنْ الْآبَاءِ.
وَبِهَذَا التَّصْرِيحِ اسْتَغْنَيْنَا عَنْ التَّمَسُّكِ بِمَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَكَتَبَهُ ﵁ بُكْرَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِمَنْزِلِنَا بِالدَّهْشَةِ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ)
وَقَفَ طقز دمر عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ إلَى آخِرِهِمْ فَإِذَا انْقَرَضُوا كَانَ وَقْفًا عَلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ وَسِتِّ الْعِرَاقِ أَخُو عُمَرَ لِأَبِيهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ عَلَى الشَّرْطِ وَالتَّرْتِيبِ فِي أَوْلَادِ عُمَرَ فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى فَاطِمَةَ وَنَفِيسَةَ بِنْتَيْ أُخْتِ الْوَاقِفِ ثُمَّ ذُرِّيَّتِهِمْ ثُمَّ عَلَى الْمَارِسْتَانِ النُّورِيِّ فَمَاتَ الْوَاقِفُ ثُمَّ عَبْدُ الْحَمِيدِ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ فِي حَيَاةِ عُمَرَ ثُمَّ مَاتَتْ سِتُّ الْعِرَاقِ فِي حَيَاةِ عُمَرَ عَنْ بِنْتٍ مَاتَتْ الْبِنْتُ فِي حَيَاةِ عُمَرَ وتتر وطقز ثُمَّ مَاتَ عُمَرُ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ فَهَلْ الْوَقْفُ لِتَتَرَ وَطَقَزَ بِنْتَيْ بِنْتِ سِتِّ الْعِرَاقِ أُخْتِ عُمَرَ أَوْ لِفَاطِمَةَ وَنَفِيسَةَ بِنْتَيْ أُخْتِ الْوَاقِفِ أَفْتَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لِبِنْتَيْ طَقَزَ.
(الْجَوَابُ) لَوْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ انْقَرَضُوا لِأَوْلَادِ الْوَاقِفِ كَانَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا بَيْنَ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ فَعَلَى قَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ لَا يَكُونُ لِتَتَرَ وَطَقَزَ وَلَا لِفَاطِمَةَ وَنَفِيسَةَ؛ لِأَنَّ أُصُولَهُمْ لَمْ يَسْتَحِقُّوا، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ يَكُونُ لِتَتَرَ وَطَقَزَ وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ هُنَا أَنَّ الضَّمِيرَ لِأَوْلَادِ عُمَرَ فَإِذَا كَانَ عُمَرُ لَمْ يُعَقِّبْ لَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ وَفَاتِهِ لَمْ يَحْصُلْ الشَّرْطُ وَهُوَ انْقِرَاضُ أَوْلَادِهِ وَلَا قَالَ الْوَاقِفُ
стр. 499
إنَّهُ إذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا إذَا انْقَرَضَ أَوْلَادُهُ فَحِينَئِذٍ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ اسْتِحْقَاقِ تَتَرَ وَطَقَزَ وَلَا فَاطِمَةَ وَنَفِيسَةَ فَيَكُونُ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ فَيُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ وَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ طَقَزَ وَتَتَرَ؛ لِأَنَّهُمَا بِنْتَا بِنْتِهِ وَالْأَوْلَادُ وَإِنْ سَفَلُوا أَقْرَبُ مِنْ أَوْلَادِ الْأُخْتِ وَيُرَاعَى حُكْمُ الْأَقْرَبِ إلَيْهِ فَالْأَقْرَبُ إلَى أَنْ يَنْقَرِضُ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا فَيَكُونُ لِلْمَارِسْتَانِ النُّورِيِّ. وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَاجَعْت كِتَابَ الْوَقْفِ فَوَجَدْتُهُ قَالَ: إنْ انْقَرَضُوا أَوْ مَاتَ الْوَاقِفُ وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَلَا نَسْلَ لَهُمَا فَتَعَيَّنَ أَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ فِي ذِي الْحِجَّةِ أَيْضًا) .
وَقَفَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ خَوْلَانَ بْنِ عَشَائِرِ الصَّحْرَاوِيِّ عَلَى وَلَدِهَا عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَشَائِرِ الصَّحْرَاوِيِّ الْمُزَنِيِّ ثُمَّ أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ثُمَّ نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ عَلَى الْفَرِيضَةِ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَنَسْلُهُ عَنْ نَسْلٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فَإِذَا انْقَرَضُوا وَلَمْ يَبْقَ لِعَبْدِ الْخَالِقِ نَسْلٌ عَادَ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنْ خَرِبَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَانَ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالنَّظَرُ لَهَا ثُمَّ لِلْأَرْشَدِ مِنْ نَسْلِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَإِذَا انْقَرَضُوا وَلَمْ يَبْقَ لِهَذَا الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ نَسْلٌ فَالنَّظَرُ لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ بِدِمَشْقَ فِي ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَاتَّصَلَ ذَلِكَ إلَى ابْنِ مُسْلِمٍ.
وَالْمَوْقُوفُ حِصَّتَانِ: إحْدَاهُمَا نِصْفُ بُسْتَانِ حِرَاجِي يُعْرَفُ بِبَنِي الْمِلَاحِ، وَالثَّانِيَةُ ثَمَنُ بُسْتَانٍ يُعْرَفُ بِدُفِّ الْمَعْصَرَةِ وَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ عَبْدَ الْخَالِقِ تُوُفِّيَ وَأَعْقَبَ ابْنَتَيْهِ فَاطِمَةَ وَمُؤْنِسَةَ لَمْ يَتْرُكْ سِوَاهُمَا ثُمَّ تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ وَأَعْقَبَتْ أَوْلَادَهَا الثَّلَاثَةَ وَهُمَا الشَّقِيقَانِ يَحْيَى وَعَبْدُ الْخَالِقِ وَلَدَا يَحْيَى بْنِ إسْرَائِيلَ الْمُزَنِيِّ وَدُنْيَا بِنْتُ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَحْمُودٍ وَلَمْ يَتْرُكْ عَقِبًا سِوَاهُمْ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْخَالِقِ أَحَدُ الْإِخْوَةِ صَغِيرًا عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ وَلَا وَلَدَ وَتَرَكَ أَخَوَيْهِ شَقِيقَهُ يَحْيَى وَأُخْتَه لِأُمِّهِ دُنْيَا الْمَذْكُورَيْنِ وَخَالَتُهُمَا مُؤْنِسَةُ وَبِهِ شَهِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِمِائَةٍ وَثَبَتَ عَلَى تَقِيِّ الدِّينِ سُلَيْمَانَ لَكِنَّهُ قَالَ: إنَّ الْمَحْضَرَ مُؤَرَّخٌ بِسَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِمِائَةٍ وَلَمْ أَجِدْ هُنَاكَ مَحْضَرًا هَكَذَا فَلَعَلَّ الْكَاتِبَ غَلِطَ مِنْ خَمْسٍ إلَى ثَمَانٍ وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِابْنِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُثْبِتْ فِي أَسْجَالِهِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي التَّارِيخِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ بَيِّنَةٌ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَمَلَهُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ الْغَلَطِ مِنْ خَمْسٍ إلَى ثَمَانٍ فِي إشْهَادِ تَقِيِّ الدِّينِ سُلَيْمَانَ وَبَعْدَهُ ابْنُ مُسْلِمٍ وَقَضَى بِمُوجِبِهِ.
وَتَارِيخُ إسْجَالِ ابْنِ مُسْلِمٍ هَذَا ثَانِي عَشَرَ
стр. 500
ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ بَعْدَ أَنْ جَرَى الْأَمْرُ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ ادَّعَى مُتَكَلِّمٌ عِنْدَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَدُنْيَا وَمُؤْنِسَةَ عَلَى الْجَمَالِ عُمَرَ بْنِ الدِّينِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْحِصَّةَ الْمَبْنِيَّ بِذِكْرِهَا وَتُعْرَفُ بِدُفِّ الْمَعْصَرَةِ انْتَقَلَتْ إلَى مُوَكِّلِيهِ الثَّلَاثَةِ النِّصْفُ لِلْأَخَوَيْنِ وَالنِّصْفُ لِمُؤْنِسَةَ وَأَنَّ هَذِهِ الْحِصَّةَ بِيَدِ الْجَمَالِ عُمَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ إلَى الْأَرْبَعَةِ حَقٌّ وَطَلَبَ تَسْلِيمَهَا عَلَى مُقْتَضَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فَأَجَابَ الْجَمَالُ عُمَرُ أَنَّ النِّصْفَ مِنْ هَذَا الْبُسْتَانِ مِلْكُهُ بِانْتِقَالِهِ إلَيْهِ عَنْ عَلَاءِ الدِّينِ بْنِ عِزِّ الدِّينِ أَحْمَدَ بِالْبَيْعِ وَأَحْضَرَ كِتَابَ ابْتِيَاعٍ وَفِيهِ الْمِلْكُ وَالْحِيَازَةُ وَأَحْضَرَ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ كِتَابًا يَتَضَمَّنُ فِيهِ النِّصْفَ الْآخَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَمْعَنَ ابْنُ مُسْلِمٍ النَّظَرَ فَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحِصَّةَ الْمُدَّعَى بِهَا مِنْ جُمْلَةِ النِّصْفِ الَّذِي بِيَدِ الْجَمَالِ عُمَرَ وَأَنَّ يَدَ الْجَمَالِ يَدٌ عَادِيَةٌ عَلَى الْحِصَّةِ وَهِيَ الثُّمُنُ وَسَأَلَهُ عَنْ حُجَّةٍ دَافِعَةٍ فَذَكَرَ أَنَّ بَيْعَ نِهَايَةِ الْبُسْتَانِ صَارَتْ بِمُقْتَضَى الثُّبُوتِ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ وَأَنَّهُ يَنْزِعُ مِنْهُ ثَلَاثَةً مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ فَلَمْ يَرَ ابْنُ مُسْلِمٍ الْعَمَلَ بِذَلِكَ وَرَأَى الْعَمَلَ بِالتَّارِيخِ الْمُتَقَدِّمِ وَرَأَى الْحُكْمَ وَتَكَرَّرَ وَطَلَبُ الدَّافِعِ وَأَمْهَلَهُ فَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَلَمْ يَأْتِ بِدَافِعٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ حَكَمَ ابْنُ مُسْلِمٍ بِرَفْعِ يَدِ الْجَمَالِ عُمَرَ عَنْ ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا الَّتِي بِيَدِهِ وَهِيَ الثُّمُنُ لِمُؤْنِسَةَ النِّصْفُ وَلِلْأَخَوَيْنِ النِّصْفُ وَلِخَالَتِهِمَا، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مُسْتَهَلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِجَلَالِ الدِّينِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَنَفَذَهُ وَاتَّصَلَ إسْجَالُ جَلَالِ الدِّينِ بِعِزِّ الدِّينِ وَسَجَّلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَنَفَذَهُ.
وَاشْتَرَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى مِنْ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ بْنِ مَاجِدٍ الصَّحْرَاوِيِّ ثُلُثَ ثُمُنِ بُسْتَانِ بَنِي الْمِلَاحِ بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَوَقَفَهُ عَلَى الْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَحَكَمَ سَبْعَمِائَةٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى عِزِّ الدِّينِ مُسَجَّلٌ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِمُوجِبِ إقْرَارِهِمْ.
هَذَا مَجْمُوعُ مَا فِي كِتَابِ الْوَقْفِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ وَحَضَرَ كِتَابَ مُقَاسَمَةٍ ثَانِيَةٍ عَلَى قَاضِي الْقُضَاةِ عِمَادِ الدِّينِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ ثَبَتَ عِنْدَهُ إشْهَادُ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ سُلَيْمَانَ وَنَفَّذَهُ وَمَضْمُونُ إسْجَالِ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّهُ أَذِنَ فِي قِسْمَةِ الْبُسْتَانِ الْمَعْرُوفِ بِبَنِي الْمِلَاحِ مِنْ مُسْتَحِقِّيهِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَدُنْيَا وَمُؤْنِسَةَ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ سِهَامَهُ ٢٤ مِنْهَا أَحَدَ عَشَرَ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْقٍ وَسَهْمٌ لِدُنْيَا مِلْكُ طَلْقٍ وَسِتَّةُ أَسْهُمٍ وَقْفٌ عَلَى يَحْيَى وَدُنْيَا بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَالْبَاقِي وَهُوَ سِتَّةُ أَسْهُمٍ وَقْفٌ عَلَى مُؤْنِسَةَ ثُمَّ يَجْرِي مَا هُوَ وَقْفٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَخَوَيْنِ وَخَالَتِهِمَا مِنْ بَعْدِهِ عَلَى نَسْلِهِ حَسْبَمَا نَصَّ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ وَثَبَتَ عِنْدَ تَقِيِّ الدِّينِ سُلَيْمَانَ أَنَّ هَذَا الْبُسْتَانَ
стр. 501
قُسِّمَ بَيْنَ يَحْيَى وَدُنْيَا وَخَالَتِهِمَا مُؤْنِسَةَ قِسْمَةً شَرْعِيَّةً بِقَاسِمٍ مِنْ جِهَةِ مَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ سُلَيْمَانَ وَمِسَاحَتُهُ اثْنَا عَشَرَ مَدْيًا وَنِصْفُ مَدْيٍ بِالْمَدْيِ الْمُتَعَارَفِ وَهُوَ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَسِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ بِالْهَاشِمِيِّ مُكَسَّرَةً صَدْرُهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا فَأَصَابَ مُؤْنِسَةَ بِحِصَّتِهَا وَهِيَ الرُّبُعُ الْجَانِبُ الشَّامِيُّ الْغَرْبِيُّ وَمِسَاحَتُهُ ثَلَاثَةُ أَمْدَاءَ وَثُلُثٌ وَرُبُعٌ وَثُمُنُ مَدَى بِمَا فِيهِ مِنْ نَقْلِ الْعَدِيدِ وَأَصَابَ الْأَخَوَيْنِ بَقِيَّةَ الْبُسْتَانِ بِالْخِرْنِقِ وَمِسَاحَتُهُ ثَمَانِيَةُ أَمْدَاءَ وَثُلُثُ مَدَى وَثُمُنُ مَدَى وَتَسَلَّمَ زَوْجُ مُؤْنِسَةَ لَهَا الرُّبُعَ وَقْفًا عَلَيْهَا وَسَلَّمَ يَحْيَى مَا أَصَابَهُ وَأَصَابَ أُخْتَهُ دُنْيَا وَقْفًا طَلْقًا فَالْوَقْفُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثِ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ وَالثُّلُثَانِ طَلْقٌ مِنْهُ الْأَخَوَيْنِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا سَهْمٌ لِدُنْيَا وَإِحْدَى عَشَرَ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى.
وَجَرَى الْأَمْرُ عَلَى مَا شَرَحَ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ عِنْدَ تَقِيِّ الدِّينِ سُلَيْمَانَ إشْهَادُ قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُتَّصِلًا إلَى الْوَاقِفَةِ لَمْ يَزَلْ مَالِكُهُ حَائِزَهُ وَنُقِلَتْ نُسْخَةُ الْمُقَاسَمَةِ هَذَا بِالْإِذْنِ بِابْنِ الْمَجْدِ ثُمَّ بِقَاضِي الْقُضَاةِ عَلَاءِ الدِّينِ وَسَجَّلَ وَفِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ حَضَرَ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ هَؤُلَاءِ يَتَنَازَعُونَ وَبِيَدِهِمْ اسْتِفْتَاءَانِ: أَحَدُهُمَا الِانْتِقَالُ إلَى الْأَقْرَبِ وَالثَّانِي فِي الْقِسْمَةِ لَا غَرَضَ لَنَا فِي ذِكْرِهِمَا، وَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَوَجَدْنَا مُؤْنِسَةَ تَسْتَحِقُّ سِتَّةَ أَسْهُمٍ وَقْفًا عَلَيْهَا مِنْ بُسْتَانَيْنِ وَمِنْ نِصْفِ الْمَوْقُوفِ وَسَهْمًا وَنِصْفًا مِنْ الْمَعْصَرَةِ وَهُوَ نِصْفُ الْمَوْقُوفِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ مَوْجُودَةٌ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ بِيَدِهَا قُيِّدَ بِفَصْلِ أَمْرِهَا.
وَوَجَدْنَا فَاطِمَةَ أُخْتَهَا مَاتَتْ وَأَعْقَبَتْ أَوْلَادَهَا الثَّلَاثَةَ ذَكَرَيْنِ وَأُنْثَى لِكُلِّ ذَكَرٍ خُمُسَا نَصِيبِهَا وَلِلْأُنْثَى الْخُمُسُ مِنْهُ وَمَاتَ أَحَدُ الذَّكَرَيْنِ فَيَجْتَمِعُ لِيَحْيَى أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ نَصِيبِ أُمِّهِ وَهُوَ الْخُمُسَانِ مِنْ الْوَقْفِ وَهُوَ مِنْ بُسْتَانِ التِّينِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ وَمِنْ دُفِّ الْمَعْصَرَةِ سَهْمٌ وَخُمُسٌ وَلَدَيْنَا خُمُسٌ نَصِيبُ أُمِّهَا وَهُوَ مِنْ بُسْتَانِ التِّينِ سَهْمٌ وَخُمُسٌ وَمِنْ دُفِّ الْمَعْصَرَةِ خُمُسُ سَهْمٍ وَنِصْفُ خُمُسِ سَهْمٍ، وَوَجَدْنَا كِتَابَ الْمُقَاسَمَةِ قَدْ تَضَمَّنَ أَنَّ السِّتَّةَ أَسْهُمٍ وَقْفٌ عَلَى دُنْيَا وَيَحْيَى بَيْنَهُمَا بِالْفَرِيضَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ الْوَقْفِ مِنْ الْقِسْمَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْقَاضِي سَبَبَ الثُّبُوتِ عِنْدَهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَهُ غَلَطٌ مِنْ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا عِنْدَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَقْفِ فَلَا أَرَى الرُّجُوعَ إلَى ذَلِكَ وَتَرَكَ كِتَابَ الْوَقْفِ فَأَرَى الْحُكْمَ فِيمَا بَيْنَهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كُتِبَ يَوْمَ السَّبْتِ فِي الْأَوَاخِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ فَسَادُ الْقِسْمَةِ وَالرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ أَوْلَى مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، كُتِبَ فِي تَارِيخِهِ.
стр. 502
مَسْأَلَةُ وَقْفِ ابْنِ عَنْتَرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْتَرٍ السُّلَمِيِّ) مَاتَ وَخَلَّفَ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا ثُمَّ مَاتَ مُحَمَّدٌ وَخَلَفَ أَوْلَادَهُ الْخَمْسَةَ نَجْمَ الدِّينِ أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَعُمَرَ وَسِتَّ الْعَبِيدِ وَمَاتَ نَجْمُ الدِّينِ وَخَلَفَ قَالَ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ خَطِيبُ الْخَصْبَاءِ سُئِلَ وَالِدِي ﵁ عَنْ رَجُلٍ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ وَقْفًا فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ لَا يُفَضَّلُ ذَكَرٌ مِنْهُمْ عَلَى أُنْثَى وَلَا أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَخَلَفَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى أَوْلَادِهِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْوَاقِفِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ إلَّا الْبَطْنَ الْأَوَّلَ مِنْ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إلَيْهِمْ ثُمَّ لَا يُصْرَفُ لِوَلَدِ وَلَدِ الْبَنَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ أَهْلِ كُلِّ صِفَةٍ وَلَا يُصْرَفُ إلَّا لِأَقْرَبِ الطَّبَقَاتِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ يُصْرَفُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ عَلَى مَا فَصَّلَ فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ ثُمَّ تُوُفِّيَ الْوَاقِفُ وَخَلَفَ أَوْلَادًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَتُوُفِّيَتْ إحْدَى بَنَاتِهِ وَخَلَفَتْ وَلَدَيْنِ ذَكَرَيْنِ رُزِقَتْهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَتَسَلَّمَا نَصِيبَهَا ثُمَّ تُوُفِّيَ إحْدَى وَلَدَيْهَا فَهَلْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ مِنْ حِصَّةِ وَالِدَتِهِ إلَى أَخِيهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ لِغَيْرِهِ مِنْ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
(أَجَابَ) وَالِدِي ﵁ الْحَمْدُ لِلَّهِ. يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ مِنْ حِصَّةِ وَالِدَتِهِ لِأَخِيهِ عَمَلًا بِالِانْتِقَالِ مِنْ وَالِدَتِهِ إلَى جِهَةِ أَوْلَادِهَا وَالْبَاقِي لِأَحَدٍ وَإِنَّمَا كَانَ أَخُوهُ يُزَاحِمُهُ فِيهِ وَقَدْ زَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ. نَقَلَهُ مِنْ خَطِّ وَالِدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) مِنْ غَيْرِهِ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ إلَى انْقِرَاضِهِمْ وَجَعَلَ لَهُمْ قَدْرًا مَعْلُومًا وَمَصَارِفَ غَيْرَ ذَلِكَ وَشَرَطَ أَنَّهُ إذَا نَقَصَ الرِّيعُ عَنْ الْمُرَتَّبِ حُوصِصُوا وَجَعَلَ مَا يَتَعَذَّرُ عَنْ مَصْرِفِ الْوَقْفِ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مَنْ أَنَابَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِمْ فَحَصَلَ النَّقْصُ لِأَوْلَادِهِ بِسَبَبِ دُخُولِ الْأَقَارِبِ وَجَعَلَ الْوَاقِفُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ شَاءَ وَيَحْرِمَ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكْمِلَ لِأَوْلَادِ الْوَاقِفِ مِنْ الْمُتَعَذَّرِ الْمَشْرُوطِ صَرْفُهُ لِلْأَقَارِبِ؟ .
(الْجَوَابُ) لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَشْرُوطٌ لِغَيْرِهِمْ وَمَشْرُوطٌ صَرْفُهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ ذَلِكَ الْغَيْرِ إلَى فُقَرَاءِ الْأَقَارِبِ فَلَا يُصْرَفُ لِغَيْرِهِمْ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْأَوْلَادَ مِنْ أَقَارِبِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لَا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا نِصْفَهُ فَلَا يَسْتَحِقُّونَ نِصْفَهُ الْآنَ كَمَسْأَلَةِ الدِّينَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوَصِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَتَبَ الْجَوَابَ مُخْتَصَرًا فَلَمْ يَقْنَعْ بِهِ الْمُسْتَفْتِي فَكَتَبَ إلَى جَنَابَةِ النَّاظِرِ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُعْتَمَدُ فِي هَذَا الْوَقْفِ أَنْ يَضْبِطَ جُمْلَةَ الْمُتَحَصَّلِ مِنْ رِيعِهِ وَيُقَسِّمَهُ عَلَى مَقَادِيرِ الْمَصَارِفِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ مِنْ أَوْلَادِهِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ وَفَّى فَذَاكَ، وَإِنْ نَقَصَ حَاصَصَهُمْ وَأَدْخَلَ
стр. 503
النَّقْصَ عَلَى الْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَا تَقْتَضِيه الْمُحَاصَصَةُ وَيَأْخُذُ نَصِيبَ الْمُصْرَفِ الْمُتَعَذَّرِ فَيَصْرِفُهُ بِكَمَالِهِ سَوَاءٌ كَانَ كَامِلًا أَوْ كَانَ الرِّيعُ وَافِيًا أَمْ نَاقِصًا إنْ اقْتَضَى الْحَالُ الْمُحَاصَصَةَ فَيَصْرِفُهُ لِفُقَرَاءِ أَقَارِبِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ لَا يَحِلُّ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَا يَصْرِفُ لِأَوْلَادِ الْوَاقِفِ شَيْئًا وَمَتَى فَعَلَ أَثِمَ وَضَمِنَ، وَيَتَخَيَّرُ فِي صَرْفِهِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ فَيُعْطِي مِنْهُمْ وَيَحْرِمُ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ وَإِنْ رَأَى تَعْمِيمَهُمْ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ رَأَى التَّخْصِيصَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا فَرَضَ لِأَوْلَادِ الْوَاقِفِ مِنْ أَقَارِبِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَلَا يَصْرِفُ لَهُمْ مِنْ نَصِيبِ الْأَقَارِبِ بَلْ يَكْتَفِي لَهُمْ بِنَصِيبِهِمْ مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) وَقَفَ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ مَحَاسِنَ بْنِ مُنَجَّى الْيَهُودِيُّ الْمُتَطَبِّبُ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ سُلَيْمَانَ وَدَاوُد وَيَعْقُوبَ وَأُمِّهِمْ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا مَنْ مَاتَ مِنْ بَنِيهِ كَانَ نَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ، وَذَكَرَ شُرُوطَهُ ثُمَّ قَالَ: وَشَرَطَ الْوَاقِفُ الْمُسَمَّى فِي وَقْفِهِ هَذَا أَنَّهُ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ الْمَذْكُورِينَ عَنْ دِينِهِ الْيَهُودِيَّةِ لَا يَسْتَحِقُّ فِي وَقْفِهِ شَيْئًا وَيَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَى أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ عَلَى الشَّرْطِ وَالتَّرْتِيبِ الْمَذْكُورَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسْلٌ فَعَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ فِي ثَالِثِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَحَكَمَ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ وَنَصُّ إسْجَالِهِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ إقْرَارُ الْوَاقِفِ بِجَمِيعِ مَا نَسَبَ إلَيْهِ فِي بَاطِنِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَالِكًا حَائِزًا ثُبُوتًا شَرْعِيًّا، وَثُمَّ سَأَلَهُ الْخَصْمُ الْمُدَّعِي الْحُكْمَ بِهِ وَالْقَضَاءُ بِمُوجِبِهِ وَالْإِجَازَةُ بِمُقْتَضَاهُ وَالْإِجَازَةُ وَالْإِمْضَاءُ لَهُ وَالْإِشْهَادُ عَلَى نَفْسِهِ فَتَأَمَّلَ ذَلِكَ وَحَكَمَ بِهِ وَقَضَى بِمُوجِبِهِ وَأَلْزَمَ بِمُقْتَضَاهُ وَأَجَازَهُ وَأَمْضَاهُ مُسْتَوْفِيًا شَرَائِطَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَبِجَوَازِهِ فِي الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ عِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَاتَّصَلَ إلَى عَلَاءِ الدِّينِ الْحَنَفِيِّ وَلَدُهُ اسْتَفْتَى فِي الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فَكَتَبَ شَرَفُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَنْبَلِيُّ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ الْمُتَضَمِّنُ عَدَمَ اسْتِحْقَاقِ مَنْ أَسْلَمَ بَاطِلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا مُعْتَبَرٍ.
وَإِذَا رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ سَاغَ لَهُ الْحُكْمُ بِاسْتِمْرَارِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ وَإِلْغَاءِ الشَّرْطِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ أَسْلَمَ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ لِكَوْنِهِ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِصِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ وَلَا لُزُومِهِ وَلَا نُفُوذِهِ بَلْ هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا أَفْصَحَ بِهِ الْكِتَابُ وَاتَّصَلَ بِهِ الْإِشْهَادُ عَلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَنَّ الصِّحَّةَ لِكَوْنِهِ وَقْفًا عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى هَذَا فَحُكْمُ الْحَاكِمِ بِاسْتِمْرَارِ مَنْ أَسْلَمَ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِيمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ عَلَى مَا ذُكِرَ.
هَذَا مَعَ أَنَّ فِي اعْتِبَارِ إقْرَارِ الْوَاقِفِ بِالشَّرْطِ الْمُلْحَقِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ مَشْرُوطٍ نَظَرًا ظَاهِرًا وَكَذَلِكَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْحَنْبَلِيِّ
стр. 504
قَالَ سَيِّدُنَا قَاضِي الْقُضَاةِ خَطِيبُ الْخُطَبَاءِ تَاجُ الدِّينِ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْهِ قَالَ وَالِدِي ﵁: قَوْلُهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَإِنَّمَا حَكَمَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ لِكَوْنِهِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ لِكَوْنِهِ عَلَى نَفْسِهِ. بَلْ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَكَوْنُهُ عَلَى نَفْسِهِ لَيْسَ بِمَانِعٍ عِنْدَهُ وَلَا مُقْتَضٍ. وَقَوْلُهُ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِصِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْحَاكِمَ ثَبَتَ عِنْدَهُ إقْرَارُ الْوَاقِفِ بِجَمِيعِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ وَحَكَمَ بِهِ وَمِنْ جُمْلَتِهِ هَذَا الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمَحْكُومِ بِهِ بِلَا إشْكَالٍ وَلَيْسَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَى أَصْلِ الْوَقْفِ وَلَا عَلَى كَوْنِ الصِّحَّةِ لِكَوْنِهِ وَقْفًا عَلَى نَفْسِهِ عَلَى مَا قَالَهُ هَذَا الْمُفْتِي، وَعَلَى هَذَا فَحُكْمُ الْحَاكِمِ بِاسْتِمْرَارِ مَنْ أَسْلَمَ يَكُونُ نَقْضًا بِذَلِكَ الشَّرْطِ سَوَاءٌ أَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّتِهِ أَوْ بِهِ أَمَّا كَوْنُهُ مُلْحَقًا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ هُوَ مَذْكُورٌ فِي أَصْلِ كِتَابِ الْوَقْفِ.
انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى كَلَامِ هَذَا الْمُفْتِي. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِهِ وَالْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ فَفِي هَذَا الْمَحِلِّ لَا يَكَادُ يَظْهَرُ وَإِنْ كَانَ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ هَذَا الشَّرْطِ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ حُكْمٍ فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ وَأَنَّهُ شَرْطٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيرَ غَيْرِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْإِسْلَامَ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ يَكُونُ مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِ شَيْءٍ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ لَوْلَا الْإِسْلَامُ وَلَيْسَ هَذَا كَمِيرَاثِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ وَلَا كَالْوَقْفِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢٢] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَلِفَ عَدَمُ إيتَاءِ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ حَرَامٌ وَالشَّرْطُ الْتِزَامُ نِسْبَةِ الْحَلِفِ وَالْإِسْلَامُ وَصْفٌ يَقْتَضِي الِاسْتِحْقَاقَ نِسْبَةُ الْهِجْرَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَكُونُ جَعْلُهُ وَصْفًا مَانِعًا حَرَامًا فَلَا يَصِحُّ شَرْطُهُ.
وَعَلَى هَذَا أَقُولُ: وَقَفَ عَلَى غَنِيٍّ مُعَيَّنٍ وَشَرَطَ أَنَّهُ إذَا افْتَقَرَ يَخْرُجُ مِنْ الْوَقْفِ يَكُونُ الْوَقْفُ صَحِيحًا وَالشَّرْطُ بَاطِلًا. إذَا عَرَفَ ذَلِكَ فَهَذَا الْقَاضِي قَدْ حَكَمَ بِهَذَا الشَّرْطِ فَيَنْظُرُ فِي مَذْهَبِهِ، فَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الشَّرْطِ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ يَقْتَضِي بُطْلَانَهُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ نَقْلٌ وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَهُ فَيُنْقَضُ وَيُحْكَمُ بِبُطْلَانِ هَذَا الشَّرْطِ وَاسْتِمْرَارِ اسْتِحْقَاقِ مَنْ أَسْلَمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعَ هَذَا إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ حَنْبَلِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ بِبُطْلَانِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ بِمُقْتَضَى مَا قَالَهُ هَذَا الْمُفْتِي أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ ثُمَّ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَافَقَ مَقْصُودَنَا عِنْدَنَا فِي أَصْلِ الشَّرْطِ وَلَعَلَّ شَمْسَ الدِّينِ بْنَ الْعِزِّ لَمَّا حَكَمَ لَمْ يَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذِهْنِهِ إلَّا مَا قَالَهُ الْمُفْتِي مِنْ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ فَائِدَةً هُنَا تَنْفَعُك وَقَلِيلٌ مِنْ الْقُضَاةِ
стр. 505
مَنْ يَتَفَطَّنُ لَهَا: أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي مَثَلًا ثَبَتَ عِنْدَهُ إقْرَارُ الْوَاقِفِ بِجَمِيعِ مَا حُكِمَ بِهِ وَنُسِبَ إلَيْهِ وَقَضَى بِمُوجِبِهِ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ حُكِمَ بِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إلَى الثُّبُوتِ أَوْ إلَى الْإِقْرَارِ أَوْ إلَى الْجَمِيعِ، إنْ أَعَدْتَهُ إلَى الثُّبُوتِ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا إلَّا بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَهُ وَفَائِدَةُ تَنْفِيذِهِ فِي الْبَلَدِ فَقَطْ وَلَا يَمْنَعُ إبْطَالُ مَنْ يَرَى بُطْلَانَ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ أَعَدْتَهُ إلَى الْإِقْرَارِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّهُ أَقَرَّ فَيَكُونُ مِثْلَ الْأَوَّلِ وَعَلَى الْقِسْمَيْنِ لَا يَكُونُ حُكْمًا بِالْوَقْفِ وَلَا بِصِحَّتِهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْأَوَّلِ وَاعْتِبَارِهِ وَلِذَلِكَ لِثُبُوتِ كَوْنِهِ فِي يَدِهِ وَأَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُكْمًا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَتَضَمُّنِهِ إقْرَارَهُ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَمَنْ يَلْقَى عَنْهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ فِي نَفْسِ الْآمِرِ وَيَمْتَنِعُ فِي هَذَا الْحَالَةِ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ الْوَقْفِ إبْطَالُهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ عَلَى الْمُقِرِّ، وَإِنْ أَعَدْتَهُ عَلَى الْجَمِيعِ كَانَ حُكْمًا بِالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ الشَّرْطُ دَاخِلًا فِي الْمَحْكُومِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كُتِبَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ خَامِسَ رَبِيعِ الْآخَرِ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالدَّهْشَةِ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ مِنْ حَلَبَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ)
صُورَتُهَا أَنَّ مَحْضَرًا شَرْعِيًّا ثَبَتَ عَلَى الْحُكَّامِ مَضْمُونُهُ وَقَفَ حَسَنٌ قَرْيَةً عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ بِيَدِ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ وَانْتَقَلَتْ بَعْدَهُمْ إلَى أَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ وَلَمْ تَزَلْ بِيَدِ نَسْلِ الْوَاقِفِ وَتَصَرُّفِهِمْ عَلَى الشَّرْطِ الْمُعَيَّنِ إلَى أَنْ آلَ وَانْحَصَرَ ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا إلَى يَعْقُوبَ بْنِ خِضْرِ بْنِ حَسَنٍ الْوَاقِفِ وَعَمَّتِهِ هَدِيَّةَ بِنْتِ يَعْقُوبَ، هَذِهِ صُورَةُ مَا ثَبَتَ فِي الْمَحْضَرِ ثُمَّ مَاتَتْ هَدِيَّةُ وَانْحَصَرَ الْوَقْفُ فِي يَعْقُوبَ ثُمَّ مَاتَ يَعْقُوبُ عَنْ وَلَدٍ يُدْعَى خِضْرًا ثُمَّ مَاتَ خِضْرُ عَنْ ابْنَيْنِ يَعْقُوبَ وَخَالِدٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ نِصْفَيْنِ ثُمَّ مَاتَ يَعْقُوبُ عَنْ سِتِّ بَنِينَ وَبِنْتٍ وَاحِدَةٍ فَهَلْ يَعُودُ نَصِيبُ يَعْقُوبَ إلَى أَوْلَادِهِ أَمْ إلَى أَخِيهِ خَالِدٍ؟ .
(الْجَوَابُ) لَا يَسُوغُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ لِأَوْلَادِ يَعْقُوبَ وَمَا تَضَمَّنَهُ الْمَحْضَرُ مِنْ انْحِصَارِ ذَلِكَ إلَى فُلَانٍ وَعَمَّتِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَهَادَةً عَلَى الْوَقْفِ وَلَا يُوقَفُ فَيَسْتَفِيضُ، وَأَمَّا الْحُكْمُ بِهِ لِخَالِدٍ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ بِغَيْرِ الِاسْتِفَاضَةِ مِمَّنْ سَمِعَ كَلَامَ الْوَاقِفِ إنْشَاءَهُ أَوْ إقْرَارَهُ بِذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ " ثُمَّ " فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنْ لَا يَنْتَقِلَ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي حَتَّى يَنْقَرِضَ
стр. 506
جَمِيعُ الْأَوَّلِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَحْضَرَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَلْحَقْ شُهُودَهُ الْوَاقِفُ وَيُعَوَّلُ كَلَامُهُ أَنَّ مُسْتَنَدَهُمْ الِاسْتِفَاضَةُ وَعَمَلُ أَهْلِ الْوَقْفِ وَهُوَ مُسْتَنَدٌ فَاسِدٌ وَلَمْ يَتَضَمَّنْ الْمَحْضَرُ الْمَذْكُورُ حُكْمًا بَلْ مُجَرَّدُ ثُبُوتٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَجِبُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْمَحْضَرِ الْمَذْكُورِ بَلْ وَلَا يَجُوزُ، وَكَمَا لَا يَعْتَمِدُهُ لَا يَرْفَعُ يَدًا بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَسِّمُ بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَخِ الْغَائِبِ بِحُكْمِ الْمَحْضَرِ الْمَذْكُورِ فِي تَفَاصِيلِهِ وَاعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعْرَفْ شَرْطُهُ وَالصَّرْفُ إلَيْهِمْ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ فَيَكُونُ مَصْرُوفًا إلَيْهِمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَقْفٌ عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ وَبِمُقْتَضَى الْمَحْضَرِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالشُّرُوطِ فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَيُرَاعَى فِيهِ قَدْرُ حَاجَتِهِمْ وَيُعَمَّمُونَ بِذَلِكَ حَتَّى لَا يَخْتَصَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَلَكِنْ مَنْ كَانَ أَحْوَجَ يُرَجَّحُ جَانِبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَهُ عَلِيٌّ الشَّافِعِيُّ انْتَهَى.
(فَتَاوَى حَضَرَتْ مِنْ حَمَاةَ)
فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ ثَلَاثُ فَتَاوَى:
(الْأُولَى) فِي وَقْفٍ وَقَفَهُ عِزُّ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُنْتَجِبِ الدِّينِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ فِرْنَاصَ وَقَفَ أَمَاكِنَ عَلَى زَوْجَتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ الرُّكْنِ وَالِي قَلْعَةِ حَمَاةَ أَقَرَّتْ لَهُ بِهَا فَوَقَفَهَا عَلَيْهَا ثُمَّ عَلَى جِهَاتٍ مُتَّصِلَةٍ مِنْهَا يَبْنِي عَلَيْهَا مَدْرَسَةً شَافِعِيَّةً لَهُ، وَفِي السِّجِلِّ وَقْفٌ آخَرُ وَوَقْفٌ آخَرُ وَفِيهِ إذَا صَارَتْ هَذِهِ الدَّارُ مَدْرَسَةً صَارَ النَّظَرُ إلَى مَنْ عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ فِي كِتَابِ وَصِيَّتِهِ، فَإِنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا اسْمَ نَاظِرٍ كَانَ النَّظَرُ إلَى ابْنَيْنِ ذَكَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ أَوْلَادِ أَخِيهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَالْآخَرِ مِنْ أَوْلَادِ أَخِيهِ مُخْلِصِ الدِّينِ أَبِي نَصْرٍ وَوَلَدِهِ وَلَدهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَوْلَادِ أَحَدِ الْأَخَوَيْنِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ كَانَ الِاثْنَانِ مِنْ أَوْلَادِ الْأَخِ الْآخَرِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَهْلًا لِلنَّظَرِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي بَنِي الْأَخَوَيْنِ وَلَا فِي بَنِي بَنِيهِمْ إلَّا وَاحِدٌ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ شَارَكَهُ وَاحِدٌ مِنْ عَصَبَةِ الْوَاقِفِ وَإِنْ بَعُدَ عَنْ دَرَجَةِ أَوْلَادِ الْإِخْوَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي بَنِي الْأَخَوَيْنِ أَوْ بَنِي بَنِيهِمَا وَإِنْ سَفَلُوا وَلَا فِي الْعَصَبَةِ إلَّا وَاحِدٌ شَارَكَهُ مَنْ عَسَاهُ يَكُونُ إمَامًا بِالْجَامِعِ النَّوَوِيِّ بِحَمَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي الْأَخَوَيْنِ أَوْ مِنْ بَنِيهِمَا أَحَدٌ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَةِ وَوُجِدَ اثْنَانِ مِنْ بَاقِي الْعَصَبَاتِ مُتَّصِفَانِ بِالصِّفَةِ كَانَ النَّظَرُ إلَيْهِمَا وَالنَّاظِرُ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْعَصَبَةِ يَكُونُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إلَى الْوَاقِفِ وَالدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي عَصَبَتِهِ أَحَدٌ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَةِ كَانَ النَّاظِرُ إلَى الْحَاكِمِ بِحَمَاةِ وَإِلَى الْإِمَامِ بِالْجَامِعِ
стр. 507
النَّوَوِيِّ بِحَمَاةِ، وَالْمَوْجُودُ الْآنَ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَمِنْ عَصَبَةِ الْوَاقِفِ فِي دَرَجَةِ عُمَرَ فَهَلْ يَكُونُ الْمُشَارِكُ لِعُمَرَ الْمُسَاوِي لَهُ مِنْ الْعَصَبَةِ أَوْ النَّازِلُ عَنْهُ فِي ذُرِّيَّةِ جَدِّهِ؟ .
(فَأَجَبْت) عَلَى نَصِّ الِاسْتِفْتَاءِ: النَّظَرُ لِعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إذَا كَانَا أَهْلَيْنِ مُتَّصِفَيْنِ بِصِفَةِ الْأَهْلِيَّةِ لِمُبَاشَرَةِ الْوَقْفِ شَرْعًا لَا يُشَارِكُهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُسَاوِي لِعُمَرَ مِنْ الْعَصَبَةِ بَلْ يَتَقَدَّمُ الَّذِي فِي ذُرِّيَّةِ الْأَخِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا جَعَلَ بَاقِيَ الْعَصَبَةِ بَعْدَ تَعَذُّرِ اثْنَيْنِ مِنْ بَنِي الْإِخْوَةِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ بَنِي بَنِيهِمْ وَإِنْ سَفَلُوا وَاشْتِرَاطُهُ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَصَبَةِ لَا فِي أَوْلَادِ الْأَخَوَيْنِ وَأَوْلَادِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى الدَّوْلَةِ مَالًا عَلَى أَنْ يُوَلُّوهُ مَشَارِفًا عَلَى أَوْقَافِ أُنَاسٍ بِغَيْرِ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَلَهُمْ نَاظِرٌ شَرْعِيٌّ عَلَى الْوَقْفِ فَوَلَّوْهُ وَتَنَاوَلَ عَلَى ذَلِكَ جَامَكِيَّةً فَهَلْ تَجُوزُ وِلَايَتُهُ وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ مَا تَنَاوَلَ مِنْ الْجَامِكِيَّةِ، وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ هَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ مَنْعُهُ وَاسْتِرْجَاعُ مَا قَبَضَهُ مِنْ الْجَامِكِيَّةِ؟ .
(فَكَتَبْت) لَا تَجُوزُ وِلَايَةُ الْمَذْكُورِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُ الْجَامِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ مَنْعُهُ وَاسْتِرْجَاعُ مَا قَبَضَهُ مِنْ الْوَقْفِ مِنْ جَامَكِيَّةٍ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لِقَبْضِهِ إلَّا الْقَدْرَ الَّذِي وَصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ خَطِيبُ الْخُطَبَاءِ تَاجُ الدِّينِ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَمْتَعَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ بِطُولِ حَيَاتِهِ: نَقَلْت مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ الْإِمَامِ ﵀ مَا نَصُّهُ: الْفَتَاوَى وَالْمُحَاكَمَاتُ وَالْمُوَالَدَاتِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَنْ يُصْرَفَ مِنْهُ لِقُرَّاءٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَالْبَاقِي لِلْفُقَرَاءِ فَعَمَرَ فِي الْوَقْفِ بِأُجْرَةِ شَهْرٍ كَامِلٍ هَلْ يُصْرَفُ لِلْقُرَّاءِ مِنْ أُجْرَةِ الشَّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ سِتُّونَ ثَلَاثُونَ عَنْهُ وَثَلَاثُونَ عَنْ الشَّهْرِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ أَوْ لَا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ إلَّا الثَّلَاثُونَ وَيُصْرَفُ الْبَاقِي لِلْفُقَرَاءِ أَوْ يَضِيعُ عَلَى الْقُرَّاءِ مَعْلُومُهُمْ مِنْ الشَّهْرِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ شَيْءٌ؟ .
(الْجَوَابُ) إنْ وُجِدَ فِي لَفْظِ الْوَاقِفِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ أُجْرَةَ كُلِّ شَهْرٍ يُصْرَفُ مِنْهَا ثَلَاثُونَ لِلْقُرَّاءِ وَالْبَاقِي لِلْفُقَرَاءِ فَكُلُّ شَهْرٍ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ شَيْءٌ يَفُوتُ عَلَى الْجَمِيعِ وَالثَّانِي يَقْتَضِي ذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ يُصْرَفُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوْ مِنْ أُجْرَةِ كُلِّ شَهْرٍ أَوْ مِنْ أَبْضَاعِ كُلِّ شَهْرٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْسُومَ أُجْرَةُ الشَّهْرِ أَوْ الشَّهْرُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلَ الْمَقْسُومَ مَالَ الْوَقْفِ كُلَّهُ وَجَعَلَ لِكُلِّ
стр. 508
شَهْرٍ مَحَلًّا لِصَرْفِ الثُّلُثَيْنِ لِلْقُرَّاءِ فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يُكْمِلُ لِلْقُرَّاءِ وَيَسْتَدْرِكُ لَهُمْ مَا فَاتَهُمْ وَلَا يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ شَيْءٌ إلَّا بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْقُرَّاءِ شَيْءٌ مُتَأَخِّرٌ لَكِنَّ هَذَا قَدْ يَجُرُّ إشْكَالًا فَإِنَّ الْمَوْقِفَ قَدْ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي مُدَّةٍ يَحْصُلُ مِنْهُ مَا يُوَفِّي الْمَاضِي وَزِيَادَةً وَقَدْ يَخْلُو بَعْضُ الشَّهْرِ وَيُوَفِّي الْبَاقِي بِالثُّلُثَيْنِ. وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا اعْتَبَرَ الْمُشَاهَرَةَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَيُكْمِلُ لِلْقُرَّاءِ مِنْ تَارِيخِ وَقْفِهِ إنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ مَسْكُونًا يَأْتِي مُغَلُّهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ فَيُصْرَفُ لِلْقُرَّاءِ فِي الشَّهْرِ ثَلَاثُونَ وَبَاقِيهِ لِلْفُقَرَاءِ وَهَكَذَا إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ لَا يَخْتَلِفُ حَالُهُ فِي الْعَادَةِ فَإِذَا اتَّفَقَ تَعَطَّلَ شَهْرٌ عَلَى نُذُورٍ إمَّا لِخُلُوٍّ وَإِمَّا لِعِمَارَةٍ فَاتَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَ مُغَلُّهُ يَأْتِي مُسَانَهَةً كَالْأَرَاضِيِ الْمُزْدَرِعَاتِ فَإِذَا جَاءَ مُغَلُّ السَّنَةِ يُقْسَمُ عَلَى السَّنَةِ كُلِّهَا فَيُعْطِي مِنْهُ لِلْقُرَّاءِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا كُلُّ شَهْرٍ ثَلَاثُونَ وَمَا فَضَلَ لِلْفُقَرَاءِ، وَهَكَذَا دُورُ مَكَّةَ الَّتِي تُكْرَى أَيْ تُكْرَى فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ بِقَدْرِ مَا تُكْرَى فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ لَا يَفُوتُ عَلَى الْقُرَّاءِ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ بَلْ تُحْسَبُ جَمِيعُ السَّنَةِ فَيُصْرَفُ مِنْهَا مَعْلُومَاتٌ لِسَنَةٍ كَامِلًا وَالْبَاقِي لِلْفُقَرَاءِ وَهَكَذَا الدُّورُ الَّتِي عَلَى الْبَحْرِ فِي مِصْرَ وَالْبَسَاتِينِ الَّتِي فِي دِمَشْقَ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا فِي بَعْضِ السَّنَةِ تُكْرَى وَفِي بَعْضِهَا لَا تُكْرَى أَوْ تُكْرَى بِأُجْرَةٍ بَخْسٍ فَإِذَا اعْتَبَرْنَا بَاقِي السَّنَةِ كَانَ ذَلِكَ عَدْلًا وَقَدْ يَكُونُ الْمَوْقُوفُ أَرْضًا لَا تَغُلُّ إلَّا فِي سِنِينَ وَتَمْحُلُ مُدَّةً وَلَا يَنْضَبِطُ أَمْرُهَا فَهَذِهِ أَمْرُهَا مُشْكِلٌ فَإِنَّ الَّذِي يَأْتِي مُسَانَهَةً قَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَهَا وَالسَّنَةُ فِيهَا كَالشَّهْرِ فِيمَا قَبْلَهَا حَتَّى إذَا أَمْحَلَتْ سَنَةً عَلَى نُذُورٍ فَاتَتْ عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا قُلْنَا فِي الشَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ، وَأَمَّا الَّتِي لَا ضَابِطَ لَهَا فَكَيْفَ يَصْنَعُ فِيهَا؟ وَاَلَّذِي أَرَاهُ اتِّبَاعُ اللَّفْظِ فَيُكْمِلُ الْقُرَّاءَ مِنْ تَارِيخِ وَقْفِ الْوَاقِفِ مَتَى حَصَلَ مُغَلٌّ يُصْرَفُ مِنْهُ مَا لَهُمْ مُنْكَسِرٌ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَمَا بَقِيَ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ ثُمَّ يَبْقَوْنَ عَلَى رَجَاءِ بُعْدِ ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى النَّاظِرُ أَنْ يَدَّخِرَ مِنْ الْبَاقِي مَا يَصْرِفُهُ لِلْقُرَّاءِ فِي الْمُدَّةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَأْتِي فِيهَا مُغِلٌّ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَكُونُ عُذْرًا فِي عَدَمِ الصَّرْفِ لِلْفُقَرَاءِ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَيَتَوَفَّرُ بِهِ عَلَيْهِمْ مَا يُصْرَفُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْغَلَّةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ. هَذَا الَّذِي ظَهَرَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ فَرْعًا لِابْنِ الْحَدَّادِ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدِينَارٍ كُلَّ شَهْرٍ مِنْ غَلَّةِ دَارِهِ أَوْ كَسْبِ عَبْدِهِ وَجُعِلَ بَعْدَهُ لِوَارِثِهِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْغَلَّةُ وَالْكَسْبُ عَشْرَةً مَثَلًا وَاعْتِبَارُهَا مِنْ الثُّلُثِ كَاعْتِبَارِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قَدْرُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَبِيعُوا بَعْضَ الدَّارِ وَيَدْعُوا مَا تَحَصَّلَ مِنْهُ دِينَارٌ وَلِأَنَّ الْأُجْرَةَ قَدْ تَنْقُصُ، هَذَا إذَا أَرَادُوا بَيْعَ بَعْضِهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي فَأَمَّا بَيْعُ مُجَرَّدِ
стр. 509
الرَّقَبَةِ فَكَبَيْعِ الْوَارِثِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ. وَذَكَرُوا فَرْعًا آخَرَ إذَا أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِدِينَارٍ كُلَّ سَنَةٍ صَحَّ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَفِيمَا بَعْدَهَا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ وَقَالَ: إنَّ أَظْهَرَهُمَا الْبُطْلَانُ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي الصِّحَّةُ، فَإِنْ صَحَّحْنَاهَا فَلِلْوَرَثَةِ التَّصَرُّفُ فِي ثُلُثَيْ التَّرِكَةِ لَا مَحَالَةَ، وَفِي تَصَرُّفِهِمْ فِي الثُّلُثِ وَجْهَانِ: أَحَدِهِمَا نُفُوذُهُ بَعْدَ إخْرَاجِ الدِّينَارِ الْوَاحِدِ، وَالثَّانِي يُوقَفُ عَلَى الْمُخْتَارِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّوَقُّفِ فَعَاشَ الْمُوصَى إلَيْهِ إلَى أَنْ اسْتَوْعَبَ الدَّنَانِيرَ الثَّلَاثَ فَذَاكَ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُوصَى بِهِ جَمِيعُ الثُّلُثِ لَا بَعْضُهُ وَهَذَا بِطَرِيقِ الثُّلُثِ عِنْدَ اسْتِغْرَاقِهِ الثُّلُثَ، وَإِنْ مَاتَ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ: يُسَلِّمُ بَقِيَّةَ الثُّلُثِ إلَى الْوَرَثَةِ وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ وَقَالَ: يَجِبُ أَنْ يَنْتَقِلَ الْحَقُّ إلَى الْوَرَثَةِ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُمْ فَكُلَّمَا انْقَضَتْ سَنَةٌ طَالَبَ الْمُوصَى لَهُ الْوَرَثَةَ بِدِينَارٍ وَكَانَ كَوَصِيَّةٍ تَظْهَرُ بَعْدَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَصَايَا أُخُرَ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ: يَقُصُّ الثُّلُثَ بَعْدَ الدِّينَارِ الْوَاحِدِ عَلَى أَرْبَابِ الْوَصَايَا وَلَا يَتَوَقَّفُ فَإِذَا انْقَضَتْ سَنَةٌ أُخْرَى اسْتَرَدَّ مِنْهُمْ مِقْدَارَ مَا يَقْتَضِيه التَّقْسِيطُ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا بَيِّنٌ إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِحَيَاةِ الْمُوصَى لَهُ، أَمَّا إذَا لَمْ تَتَقَيَّدْ وَأَقَمْنَا وَرَثَتَهُ مَقَامَهُ فَهُوَ مُشْكِلٌ لَا يُهْتَدَى إلَيْهِ. قُلْت وَجْهُ إشْكَالِهِ أَنَّ ذُرِّيَّتَهُ لَا يَنْقَرِضُونَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ الْخَاصَّةَ إذَا انْقَرَضُوا يَرِثُهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ بَاقُونَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا يُعْلَمُ عَدَدُ سِنِي ذَلِكَ إلَّا اللَّهُ، وَالْجَهْلُ بِجُمْلَتِهِ يَطْرُقُ الْجَهْلَ بِالنَّصِّ عَلَى الْوَصَايَا الَّتِي مَعَهُ وَهُوَ جَهْلٌ لَا غَايَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ عَدَدٍ مُقَدَّرٍ إلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ مِمَّا يَقْتَضِي تَبْعِيضٌ مِنْهُ الْوَصَايَا فَقَدْ حَصَلَ إشْكَالٌ لَا يُهْتَدَى إلَى بَيَانِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقُمْ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ لَهُ مَقْصُورَةً عَلَى مُدَّةِ حَيَاتِهِ وَهِيَ إذَا مَاتَ يَعْلَمُ مِثَالَهُ كَانَ مَالُهُ كُلُّهُ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِدِينَارٍ وَلِعَمْرٍو بِدِينَارٍ وَلْتَكُنْ كُلُّ سَنَةٍ بِدِينَارٍ فَيَدْفَعُ فِي الْحَالِ عَقِبَ مَوْتِ الْمُوصِي وَالْمَقْبُولُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ دِينَارٌ وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ هُوَ جُمْلَةُ الثُّلُثِ فِي الثُّلُثِ، وَفِي السَّنَةِ يَسْتَرِدُّ لِبَكْرٍ نِصْفَ دِينَارٍ مِنْهُمَا، وَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ خُمُسٌ وَنِصْفُ خُمُسِ دِينَارٍ وَقَدْ اسْتَقَرَّ لَهُ مَا قَبَضَهُ وَهُوَ دِينَارٌ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ وَهِيَ الَّتِي تَخُصُّهُ بِالتَّوْزِيعِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ لَهُ ثَلَاثَةٌ وَلَهُمَا اثْنَانِ فَيُقَسَّمُ الثُّلُثُ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ وَلَهُمَا خُمُسَاهُ. فَهَذَا مَا أَرَادَهُ الْإِمَامُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَمَقْصُودِي بِهِ الِاسْتِشْهَادُ لِتَقْدِيمِ الْقُرَّاءِ وَالتَّكَمُّلُ لَهُمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ الْوَرَثَةَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا بَعْضَ الدَّارِ إذَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِنَقْضِ الدِّينَارِ كُلَّ شَهْرٍ وَقَدْ فَرَضَهَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الْغَلَّةُ أَوْ الْكَسْبُ عَشْرَةً وَلَا شَكَّ
стр. 510
أَنَّ الْوَرَثَةَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا التِّسْعَةَ بَلْ يَبْقَى لِيَأْخُذَ الْمُوصَى لَهُ الدِّينَارَ وَمِنْهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ الْأَصْحَابُ لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ أَوْ يُقَالُ: إنَّ الْوَرَثَةَ يَأْخُذُونَهُ التِّسْعَةَ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ شَيْءٌ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِدِينَارٍ كَمَا قُلْنَا فِي الْوَصَايَا الَّتِي حَكَيْنَا كَلَامَ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ فِيهَا قَرِيبًا. وَالْغَرَضُ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَأْثِرُونَ بِالتِّسْعَةِ بِحَيْثُ يَبْطُلُ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ مِنْهَا فَلِذَلِكَ هُنَا إذَا حَصَلَ مُغَلٌّ كَبِيرٌ وَأَخَذَ الْقُرَّاءُ مِنْهُ ثَلَاثِينَ عَنْ شَهْرٍ وَفَرَضْنَا بَقِيَّتَهُ لِلْفُقَرَاءِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْقُرَّاءِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ إذَا تَعَطَّلَتْ مُدَّةً ثُمَّ جَاءَ مُغَلٌّ بَدَا مِنْهُ نَصِيبُ الْقُرَّاءِ عَنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ الْمُتَعَطِّلَةِ وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِلْفُقَرَاءِ وَإِلَّا قُلْنَا لَهُمْ: أَنْتُمْ أَخَذْتُمْ فِي الْمَاضِي فَمَا مَنَعَكُمْ مِنْ الْأَخْذِ الْآنَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ثُمَّ نَسْلِهِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَإِنْ سَفَلَ كَانَ نَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ فَالْأَقْرَبُ وَمَاتَ وَخَلَّفَ أَوْلَادًا وَمَاتَ أَوْلَادُهُ وَخَلَفُوا أَوْلَادًا وَمَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ وَخَلَّفَ وَاحِدًا فِي دَرَجَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَخِذِهِ بَلْ مِنْ نَسْلِ عَمِّهِ مَثَلًا وَوَاحِدًا أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْهُ وَهُوَ مِنْ فَخِذِهِ وَنَسَبِ أَبِيهِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ فِي دَرَجَتِهِ بَلْ أَنْزَلُ مِنْهُ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ فَهَلْ يَكُونُ نَصِيبُ الَّذِي مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ لِلَّذِي فِي دَرَجَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَخِذِهِ أَوْ لِلَّذِي أَسْفَلَ مِنْهُ مِنْ فَخِذِهِ؟
(فَنَقُولُ فِي الْجَوَابِ) : لَوْ اقْتَصَرَ فِي قَوْلِهِ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ عَلَى قَوْلِهِ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ لَمْ تَكُنْ رِيبَةً فِي أَنَّ نَصِيبَ هَذَا الْمُتَوَفَّى عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فَخِذِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا قَالَ: فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ لِنَسْلِهِ اقْتَضَى أَنَّ جَمِيعَ نَصِيبِهِ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ نَسْلِهِ مَا دَامُوا مَوْجُودِينَ. وَقَوْلُهُ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ لَوْ كَانَ مُجَرَّدًا عَنْ الدَّرَجَةِ لَاقْتَضَى ذَلِكَ أَيْضًا لَكِنَّ اعْتِبَارَ الدَّرَجَةِ إذَا أُخِذَ عَلَى إطْلَاقِهِ يَمْنَعُ مِنْهُ وَنَظَرْنَا فَلَمْ نَجِدْهُ فِي قَوْلِهِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ قَالَ مِنْهُمْ فَلَوْ قَالَهُ لَتَقَيَّدَ بِالدَّرَجَةِ فَلَمَّا أَطْلَقَهُ قَوِيَتْ الْمُعَارَضَةُ فَصَارَ إطْلَاقُهُ مَعَ إطْلَاقِ أَنَّ نَصِيبَ كُلِّ مَنْ مَاتَ عَنْ نَسْلٍ يَقْتَضِيَانِ أَنَّ الَّذِي فِي الدَّرَجَةِ هَذَا لَا يَأْخُذُ نَصِيبَهُ وَإِطْلَاقُ الدَّرَجَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَأْخُذُ، وَيُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِالدَّرَجَةِ مِنْ الْفَخِذِ لِيَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ إطْلَاقِ الْكَلَامَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَاحْتَجْنَا إلَى تَرْجِيحٍ فَرَأَيْنَا أَنَّ تَقْيِيدَ كَلَامٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الدَّرَجَةِ أَقَلُّ مِنْ تَقْيِيدِ كَلَامَيْنِ وَهُمَا تَعْمِيمُ النَّصِيبِ فِي النَّسْلِ وَاعْتِبَارِ الْأَقْرَبِيَّةِ فَيَقْضِي هَذَا حِرْمَانَ ذِي الدَّرَجَةِ مِنْ نَصِيبِ غَيْرِ نَسْلٍ ثُمَّ نَظَرْنَا فَلَمْ نَجِدْ فِي دَرَجَةِ الْمُتَوَفَّى مِنْ فَخِذِهِ أَحَدًا وَإِنَّمَا وَجَدْنَا مِنْ فَخِذِهِ أَنْزَلَ مِنْهُ وَقَدْ سَكَتَ
стр. 511
الْوَاقِفُ عَنْ حُكْمِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَالصَّرْفُ إلَيْهِمْ إنَّمَا يَكُونُ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ: مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَهُوَ أَحَدُ الْكَلَامَيْنِ وَقَدْ تَعَارَضَ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَهُوَ الَّذِي فِي الدَّرَجَةِ مِنْ الْبَطْنِ الثَّالِثِ فَيُقَدَّمُ عَلَى النَّسْلِ الَّذِي بَعْدَهُ فَإِذَا تَعَارَضَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ وَتَعَارَضَ مَعْنَى الْأَقْرَبِيَّةِ مَعَ مَعْنَى الدَّرَجَةِ تَقِفُ الْمَسْأَلَةُ وَلَا نَجِدُ مُرَجَّحًا فَأَشْكَلَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَيْنَا فَرَجَعْنَا إلَى الْمَعْنَى فَرَأَيْنَا أَنَّ تَقْدِيمَ الْأَقْرَبِ إلَى الْمَيِّتِ أَقْرَبُ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِعِينَ وَإِلَى مَقَاصِدِ أَهْلِ الْعُرْفِ مَا لَمْ يُقَدَّمْ الْأَقْرَبُ إلَى الْوَاقِفِ، وَهَا هُنَا لَمْ يَقْصِدْ الْأَقْرَبَ إلَى الْوَاقِفِ فَلِذَلِكَ تَرَجَّحَ عِنْدَنَا اسْتِحْقَاقُ هَذَا الْأَقْرَبِ إلَى الْمُتَوَفَّى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ وَقَعَ حُكْمٌ لِذِي الدَّرَجَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى شَهَادَةٍ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ فَحَكَمَ الْقَاضِي بِمُوجِبِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحِيطَ عِلْمُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَنَا مُتَوَقِّفٌ فِي صِحَّةِ هَذَا الْحُكْمِ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مَا أَرَاهُ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ وَأَيْضًا فَشَهَادَةُ الشُّهُودِ بِالِاسْتِحْقَاقِ فِي قَبُولِهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَهُمْ إنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بِالْأَسْبَابِ فَشَهَادَتُهُمْ بِأَنَّهُ فِي الدَّرَجَةِ صَحِيحَةٌ وَالِاسْتِحْقَاقُ لَيْسَ إلَيْهِمْ فَحُكْمُ الْقَاضِي بِمُوجَبِ مَا شَهِدُوا بِهِ عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَأَمَّلْ أَطْرَافَ الْوَاقِعَةِ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ الصَّوَابُ فِيهَا، وَعِنْدِي فِي نَقْضِهِ أَيْضًا نَظَرٌ لِأَجْلِ الِاحْتِمَالِ وَقُرْبِ الْمَأْخَذِ وَأَنَّهُ لَوْ نَظَرَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ مَا قُلْنَاهُ وَحَكَمَ بِخِلَافِ مَا قُلْنَاهُ عَنْ عِلْمٍ وَتَرْجِيحٍ كُنْت أَقُولُ: إنَّ حُكْمَهُ صَحِيحٌ يَمْتَنِعُ نَقْضُهُ فَهَذَا الَّذِي عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرَى فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لِأَجْلِ الْحُكْمِ أَنْ يَصْطَلِحُوا إلَّا أَنْ يَنْقَرِضَ الْمَحْكُومُ لَهُ وَيَرْجِعُوا إلَى مَا قُلْتُهُ وَلْيُتَنَبَّهْ لِمِثْلِ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْقَافِ فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ لِوَلَدِهِ وَلَا يَنْظُرُونَ إلَى قَوْلِهِ ثُمَّ إلَى وَلَدِ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ، وَأَنَا أَيْضًا أَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إلَّا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ بِحَسَبِ مَا يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) وَقْفٌ شُرِطَ فِيهِ النَّظَرُ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَنَسْلِهِمْ يُقَدَّمُ الْأَرْشَدُ وَالْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَالْمُنْتَسِبُ إلَيْهِ بِالذُّكُورِ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الْبَنَاتِ، وَإِذَا انْتَهَى النَّظَرُ إلَى أُنْثَى كَانَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ زَوْجٍ يَصْلُحُ لِلتَّقْدِمَةِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ فَوُجِدَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إنَاثٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ذَاتُ زَوْجٍ يَصْلُحُ لِمَا ذُكِرَ وَذَكَرٌ أَنْزَلُ مِنْهُنَّ وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ لِكُلٍّ مِنْ الْمَذْكُورِينَ بِالْأَرْشَدِيَّةِ وَوَجَدَ أُنْثَى أَعْلَى مِنْ الْجَمِيعِ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لَهَا أَنَّهَا مِنْ نَسْلِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَلِمَنْ يَكُونُ النَّظَرُ؟
стр. 512
الْجَوَابُ) قَدْ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ قَالَ: يُقَدَّمُ الْأَرْشَدُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَالْأَقْرَبُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَالْمُنْتَسِبُ إلَيْهِ بِالذُّكُورِ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ، وَيُحْتَجُّ بِأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ وَعَطْفُ الْمُفْرَدَاتِ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ إذَا وُجِدَ فِي هَذَا الْوَقْفِ فِي الْمُنْتَسِبِينَ بِالذُّكُورِ رَشِيدٌ وَأَرْشَدُ لَا يَتَقَدَّمُ الْأَرْشَدُ عَلَى الرَّشِيدِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَرْشَدَ إنَّمَا يُقَدَّمُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ، وَهَذَا الْوَهْمُ مُنْدَفِعٌ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
(أَحَدُهَا) أَنَّ السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ فِي هَذَا الْوَقْفِ وَمَا أَشْبَهَهُ خِلَافُهُ وَأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ وَأَنَّ كُلَّ وَصْفٍ مِمَّا ذُكِرَ يُقَدَّمُ عَلَى ضِدِّهِ فَيُقَدَّمُ الْأَرْشَدُ عَلَى غَيْرِ الْأَرْشَدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ أَمْ مِنْ أَوْلَادِ الْإِنَاثِ وَيُقَدَّمُ الْمُنْتَسِبُ بِالذُّكُورِ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ سَوَاءٌ كَانَ أَرْشَدَ أَمْ لَمْ يَكُنْ.
هَذَا هُوَ السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ فِي هَذَا الْكَلَامِ وَأَشْبَهَهُ وَلَا بَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الشَّافِعِيُّ بِالْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ لَا بِبَيِّنَةٍ، وَالْقَرِينَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ تَقْدِمَةِ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى ضِدِّهِ صَارِفَةٌ عَنْهُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا سَبَقَ الذِّهْنُ إلَيْهِ.
(الْأَمْرُ الثَّانِي) مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْقَرِينَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَهِيَ مَعَ سَبْقِ الذِّهْنِ شَيْئَانِ.
(الْأَمْرُ الثَّالِثُ) أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِهَذَا التَّوَهُّمِ لَزِمَ التَّخْصِيصُ أَوْ التَّقْيِيدُ فِي الْجُمْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ. فَلِهَذَا الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ جَعَلْنَاهُ لِلْأَخِيرَةِ فَقَطْ. إذَا عَرَفَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ لِلْأُنْثَى ذَاتِ الزَّوْجِ الْعُلْيَا وَالذَّكَرُ السَّافِلُ فِي الْأَرْشَدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّسَاقُطِ لِتَعَارُضِ وَيَنْظُرُ الْحَاكِمُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ يَنْظُرَانِ جَمِيعًا لِأَمْرَيْنِ:
(أَحَدِهِمَا) أَنَّهُ شَرَطَ النَّظَرَ لِلْجَمِيعِ وَقَدَّمَ مِنْهُمْ بَعْضَهُمْ فَمَا لَمْ يُوجَدْ الْمُقْتَضِي لِلتَّقْدِيمِ لَمْ يُوجِبْ النَّظَرَ عَمَلًا بِالشَّرْطِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ يُقَدَّمُ وَالْأَرْشَدُ الْأَقْرَبُ حَتَّى يَكُونَ اعْتَبَرَ مَجْمُوعَ الصِّفَتَيْنِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ بَلْ قَالَ الْأَرْشَدُ وَالْأَقْرَبُ فَأَقُولُ: إذَا وُجِدَ أَرْشَدُ لَيْسَ أَقْرَبَ وَأَقْرَبُ لَيْسَ أَرْشَدَ لَكِنَّهُ رَشِيدٌ فَلَا تَعَارُضَ وَصِفَةُ الْأَقْرَبِيَّةِ لَيْسَتْ مُعَارِضَةً لِصِفَةِ الْأَرْشَدِيَّةِ فَيَكُونَانِ نَاظِرَيْنِ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فَكَمَا لَوْ وَصَى لِابْنَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ إلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، هَذَا إذَا كَانَ الْأَقْرَبُ لَيْسَ بِأَرْشَدَ وَلَا قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ مُعَارِضَةٌ.
وَأَمَّا عِنْدَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَقَدْ يُرَجَّحُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْبِ فَعَلَى قِيَاسِ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ تُقَدَّمُ هُنَا بَيِّنَةُ الْأَقْرَبِ وَعَلَى قِيَاسِ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ لَا يَلْزَمُ هُنَا تَقْدِيمٌ إلَّا بَعْدَ بَلْ قِيَاسُهُ اسْتِمْرَارُ التَّعَارُضِ وَحِينَئِذٍ يَأْتِي مَا قَدَّمْنَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْأَقْرَبِيَّةِ أَوْ يُقَالُ: إنَّهُمَا تَسَاقَطَا وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ.
وَهَذَا أَوْلَى الِاحْتِمَالَيْنِ إذَا قُلْنَا بِالتَّسَاقُطِ وَيُحْتَمَلُ
стр. 513
أَنْ يُقَالَ بِالْقُرْعَةِ أَوْ الِاسْتِوَاءِ، وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّهَا يَسْتَوِيَانِ فِي النَّظَرِ وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا فَأَرَادَ الْحَاكِمُ أَنْ يُقِيمَ ثَالِثًا يَرْجِعُ إلَيْهِ عِنْدَ تَشَاحُنِهِمَا فَلَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا تَضِيعَ مَصْلَحَةُ الْوَقْفِ بِاخْتِلَافِهِمَا وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ عِنْدَ تَنَازُعِهِمَا وَهَلْ لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ الْآنَ لِتَوَقُّعِ التَّشَاحُنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ ذَلِكَ إذْ لَا ضَرَرَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى أُجْرَةٍ فَلَا يَسُوغُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْكَلَامُ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ سَوَاءٌ أَنَّ الْمَالَ كَانَ يَسِيرًا بِحَيْثُ يَكُونُ التَّوَقُّعُ نَادِرًا فَلَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ أَوْ عَدَمِ الْأُجْرَةِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ كَثِيرًا فَلَهُ نَصِيبُهُ لِئَلَّا تَشُقَّ مُرَاجَعَةُ الْقَاضِي فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي الْأُنْثَى الْمَذْكُورَةِ الَّتِي هِيَ ذَاتُ زَوْجٍ يَصْلُحُ لِلتَّقْدِمَةِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ نَظَرًا وَإِنَّ فِي انْفِرَادِهَا تَوَقُّفًا، وَإِذَا لَمْ تَنْفَرِدْ يُشَارِكُهَا الذَّكَرُ الْأَسْفَلُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ قَطْعًا مَا دَامَتْ هَذِهِ مَوْجُودَةً.
هَذَا فِي الْوَقْفِ الَّذِي مِنْهُ أَمْرُ الْمُجَاهِدِينَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُجَاهِدِينَ كَالْمَدْرَسَةِ وَإِلَّا فَلَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ فِي نَظَرِ الْأُنْثَى فِيهِ أَنْ تَكُونَ ذَاتِ زَوْجٍ بِالصِّفَةِ، وَإِذَا أَثْبَتَتْ غَيْرُهَا مِنْ النِّسْوَةِ الْمُسَاوِينَ لَهَا فِي الْأَرْشَدِيَّةِ كَانَ لَهُنَّ النَّظَرُ فِي غَيْرِ نَصِيبِ الْمُجَاهِدِينَ إمَّا مَعَهَا إنْ اسْتَوَيْنَ فِي الرُّشْدِ أَوْ بِدُونِهَا إنْ كُنَّ أَرْشَدَ مِنْهَا وَحُكْمُ الذَّكَرِ السَّافِلِ عَنْهُنَّ مَعَهُنَّ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ فِي حُكْمِهِ مَعَهَا فَقَدْ يُؤَدِّي الْحَالُ إلَى اشْتَرَاكِ الْجَمِيعِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْ الْجَمِيعِ، فَإِنْ ثَبَتَ ثُبُوتًا بَيَّنَّا أَنَّهَا مِنْ نَسْلِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَأَنَّهَا أَرْشَدَ مِنْ الْجَمِيعِ اسْتَحَقَّتْ النَّظَرَ فِي غَيْرِ نَصِيبِ الْمُجَاهِدِينَ وَيَبْقَى نَصِيبُ الْمُجَاهِدِينَ مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا أَهْلًا لِلتَّقْدِمَةِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) وَرَدَ اسْتِفْتَاءٌ آخَرُ فِي هَذَا الْوَقْفِ نَصُّهُ: شَرْطُ النَّظَرِ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَاده وَأَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا يُقَدَّمُ الْأَرْشَدُ فَالْأَرْشَدُ وَالْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَالْمُنْتَسِبُ إلَيْهِ بِالذُّكُورِ عَلَى مَنْ يَكُونُ مِنْ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الْبَنَاتِ.
(فَأَقُولُ) : هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَرْشَدَ مِنْ الْأَوْلَادِ يَسْتَحِقُّ وَالْأَرْشَدَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ يَسْتَحِقُّ وَالْأَرْشَدَ مِنْ نَسْلِهِمْ يَسْتَحِقُّ فَإِذَا اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ فِي الطَّبَقَاتِ الْأَرْبَعِ كُلٌّ مِنْهُمْ أَرْشَدُ أَهْلِ طَبَقَتِهِ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَرْشَدُ مِنْ الثَّلَاثَةِ اسْتَحَقَّ الْأَرْبَعَةُ كُلُّهُمْ وَاشْتَرَكُوا فِي النَّظَرِ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَدَّمُ الْأَرْشَدُ يَقْتَضِي النَّظَرَ فِيمَا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ وَأَنَّهُمْ إذَا تَفَاضَلُوا قُدِّمَ أَرْشَدُهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَكَانُوا يَشْتَرِكُونَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَرْشَدَ مِنْ بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ يَقْتَضِي النَّظَرَ فِي الْأَرْبَعَةِ
стр. 514
فَيُقَدَّمُ مِنْهُمْ الْأَقْرَبُ فَيَعُودُ الْقَوْلُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) لَوْ قَالَ فِي هَذَا الْوَقْفِ يَكُونُ النَّظَرُ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ نَسْلِهِ لَمْ يَقْتَضِ تَعَدُّدَ النَّاظِرِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الطَّبَقَاتِ بَلْ يَكُونُ النَّظَرُ لِلْأَرْشَدِ مِنْ مَجْمُوعِهِمْ مَسْأَلَةٌ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ وَا. (كَذَا) .
(مَسْأَلَةٌ) وَقَفَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِلْكًا أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ هَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَصِيرُ مُتَعَرِّضًا لِلنَّقْضِ، وَهَذَا إذَا قُلْنَا وَقْفُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ صَحِيحٌ، أَمَّا إذَا قُلْنَا بِبُطْلَانِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهِ وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى فَلْنَنْظُرْ فِيهَا وَيَقْوَى؛ لِأَنَّ ابْنَ الْحَدَّادِ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالُوا: إذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَمَةً هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ فَطَالَتْ عِلَّتُهُ وَلَمْ يَبْرَأْ وَلَمْ يَمُتْ وَلَهَا وَلِيُّ نَسَبٍ فَزَوَّجَهَا وَلِيُّهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ عَرَضِ النَّاسِ أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ وَذَهَبَ ابْنُ شُرَيْحٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَطَائِفَةٌ إلَى أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ، وَنَسَبَهُ الرَّافِعِيُّ إلَى الْأَكْثَرِينَ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي حُسَيْنٌ لِابْنِ الْحَدَّادِ بِأَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِرَجُلٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ جَارِيَةً هِيَ خَارِجَةٌ مِنْ الثُّلُثِ فَقَبِلَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَقَبَضَهَا قَبْلَ مَوْتِ الْوَاهِبِ لَا نُبِيحُ لَهُ وَطْأَهَا حَتَّى يَمُوتَ الْوَاهِبُ وَيَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ وَالدَّيْنِ لِلِاحْتِمَالِ وَالْفَرْجُ لَا يُبَاحُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ أَنَّ وَثَنِيًّا أَسْلَمَ بَعْدَ الْإِصَابَةِ وَأَصَرَّتْ عَلَى الْكُفْرِ وَأُخْتُهَا مُسْلِمَةٌ وَأَرَادَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا النِّكَاحَ لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُهُ لِجَوَازِ أَنْ تَسْلَمَ تِلْكَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُرَّةٍ قَطْعًا إجْمَاعُنَا عَلَى أَنَّهَا لَوْ قَذَفَتْ مُحْصَنًا لَا نَحُدُّ حَدَّ الْحُرَّةِ وَلِذَلِكَ لَوْ قَذَفَهَا رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ لَا حَدَّ عَلَيْهِ بِقَذْفِهَا، وَلَوْ مَاتَ قَرِيبُهَا لَا نُوَرِّثُهَا مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ وَالْمُوَافِقُ لِابْنِ شُرَيْحٍ يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَنْهَا إنْ سَلَّمَهَا وَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهَا وَلَا مَنْعُ الِاحْتِمَالِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّهَا تَكُونُ حُرَّةً ثُمَّ تَصِيرُ بِالْمَوْتِ وَعَدَمِ الْخُرُوجِ مِنْ الثُّلُثِ رَقِيقَةً هِيَ أَوْ بَعْضَهَا هَذَا مَا قَالَهُ أَحَدٌ فَلَا شَكَّ أَنَّ الِاحْتِمَالَ مَوْجُودٌ وَهُوَ مَقْرُونُ الشُّبْهَةِ فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ لَا شَكَّ فِي امْتِنَاعِ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ وَقْفِ الْجَمِيعِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ شُرَيْحٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَنْبَغِي أَنْ يُصَانَ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلنَّقْضِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ الْمَسَائِلِ.
ثُمَّ إنَّ مَسْأَلَةَ ابْنِ الْحَدَّادِ فَرَضُوهَا كَمَا تَرَى فِيمَا إذَا طَالَتْ الْعِلَّةُ وَلَمْ يَمُتْ وَلَمْ يَبْرَأْ فَإِذَا لَمْ تَطُلْ الْعِلَّةُ وَقَصَدَ تَزْوِيجَهَا عَلَى الْفَوْرِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقْطَعَ بِالْمَنْعِ وَمَسْأَلَةُ الْوَقْفِ الَّتِي فَرَضْنَاهَا إنَّمَا هِيَ فِي ذَلِكَ فَمَنْعُ الْحُكْمِ فِيهَا أَقْوَى.
وَالرَّافِعِيُّ احْتَجَّ لِابْنِ شُرَيْحٍ فَإِنَّا فِي الظَّاهِرِ نَحْكُمُ بِحُرِّيَّتِهَا وَيَجُوزُ تَزْوِيجُهَا وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ
стр. 515
أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَمْنَعُ خُرُوجَهَا مِنْ الثُّلُثِ وَلَيْسَ كَنِكَاحِ أُخْتِ الْمُشْرِكَةِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ هُنَاكَ بَقَاءُ النِّكَاحِ عَلَى أَنَّ أَبَا زَيْدٍ جَعَلَ نِكَاحَ أُخْتِ الْمُشْرِكَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَقْرَبُ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ نِكَاحُ الْمُرْتَابَةِ بِالْحَمْلِ وَقَالَ فِي نِكَاحِ الْمُرْتَابَةِ فِي بَابِ الْعَدَدِ إنْ ارْتَابَتْ بَعْدَ الْأَقْرَاءِ أَوْ الْأَشْهُرِ وَتَزَوَّجَتْ لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ لَكِنْ لَوْ تَحَقَّقْنَا كَوْنَهَا حَامِلًا وَقْتَ النِّكَاحِ بِأَنَّ بُطْلَانَهُ وَإِنْ ارْتَابَتْ بَعْدَ الْأَقْرَاءِ أَوْ الْأَشْهُرِ وَقَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ وَتَزَوَّجَتْ فَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ فِي حَالٍ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَا نُبْطِلُهُ بِالشَّكِّ وَقَدْ يُحْكَمُ بِبُطْلَانِهِ. انْتَهَى كَلَامُ الرَّافِعِيِّ.
وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِصِحَّتِهِ، وَقِيَاسُنَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّا نَتَوَقَّفُ عَنْ الْحُكْمِ حَتَّى نَتَبَيَّنَ فَلَمْ نَجِدْ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحًا بِجَوَازِ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَالْحُكْمُ الَّذِي تَضَمُّنُهُ كَلَامُهُ إنَّمَا هُوَ حُكْمُ الْفَقِيهِ بِالْفَتْوَى أَعْنِي قَوْلَهُ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ فِي الْحُكْمِ بِحُرِّيَّتِهَا. ثُمَّ إنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ ابْنِ شُرَيْحٍ وَابْنِ الْحَدَّادِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ ثُلُثَ مَالِهِ أَمَّا إذَا كَانَتْ زَائِدَةً عَنْ الثُّلُثِ فَلَا نَدْرِي مَا يَقُولُ ابْنُ شُرَيْحٍ قَدْ يُوَافِقُ ابْنَ الْحَدَّادِ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ الْأَمْرِ فَلَيْسَ لَنَا إجْرَاءُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ إذْ لَيْسَتْ قِيَاسَ مَسْأَلَتِهِمَا، وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَهِيَ بِامْتِنَاعِ حُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْلَى هَكَذَا يَقْتَضِيه كَلَامُ ابْنِ الْحَدَّادِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ فَإِنَّهُ فَرَضَهَا فِيمَا إذَا كَانَ لَا مَالَ لَهُ سِوَى الْجَارِيَةِ وَقَالَ: يُحْتَمَلُ عَلَى قِيَاسِ ابْنِ الْحَدَّادِ إذَا كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ أَنْ يَجُوزَ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وَكَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَصِيحُ الْمُقْرِئُ الشَّافِعِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ نَسْخِهِ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ تَاسِعَ عَشَرَ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ.
стр. 516
(مَسْأَلَةٌ حَلَبِيَّةٌ) فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةِ وَقَفَ عَلَى قُطْبِ الدِّينِ ثُمَّ وَلَدِهِ أَبِي الْفَتْحِ ثُمَّ نَسْلِهِ فَإِنْ مَاتَ أَبُو الْفَتْحِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلِمَنْ يَحْدُثُ لِقُطْبِ الدِّينِ مِنْ الْأَوْلَادِ وَنَسْلِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ لِقُطْبِ الدِّينِ أَوْلَادٌ فَلِطَاهِرٍ وَعَبْدِ الْمَجِيدِ وَلَدَيْ قُطْبِ الدِّينِ وَنَسْلِهِمَا فَصَارَ الْوَقْفُ إلَى أَبِي الْفَتْحِ وَأَوْلَادِهِ ثُمَّ انْقَرَضَ نَسْلُ أَبِي الْفَتْحِ وَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّهُمْ وَلَدُ رَجُلٍ حَدَثَ لِقُطْبِ الدِّينِ فَهَلْ الْوَقْفُ لَهُمْ أَوْ لِذُرِّيَّةِ طَاهِرٍ وَعَبْدِ الْمَجِيدِ وَإِنْ كَانَ لِذُرِّيَّةِ أَحَدِهِمَا فَهَلْ لَهُمْ جَمِيعُهُ أَوْ نِصْفُهُ إنْ شَرَطَهُ بَعْدَ انْقِرَاضِ وَرَثَةِ طَاهِرٍ وَعَبْدِ الْمَجِيدِ إلَى أَوْلَادِ الشَّهِيدِ عَبْدِ الرَّحِيمِ شِهَابِ الدِّينِ وَبَعْدَهُمْ لِلْفُقَرَاءِ.
(أَجَابَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ هَذَا الْوَقْفُ الْحَلَبِيُّ فِيهِ مَوَاضِعُ تَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ:
(أَحَدُهَا) قَوْلُهُ: عَلَى قُطْبِ الدِّينِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى وَلَدِهِ أَبِي الْفَتْحِ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ أَبِي الْفَتْحِ عَلَى أَوْلَادِهِ، صَرَّحَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْبَعْدِيَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّهَا أَصْرَحُ مِنْ أَنْ لَوْ قَالَ: ثُمَّ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْبَعْدِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ التَّرْتِيبُ بِدُونِ الْبَعْدِيَّةِ بِأَنْ يَقُولَ: وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا مُدَّةَ كَذَا ثُمَّ عَلَى عَمْرٍو فَكَانَ ذِكْرُ الْبَعْدِيَّةِ نَصًّا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّرْتِيبُ عَلَى الْوَفَاةِ.
وَفِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ شُمُولُ الْحُكْمِ لِزَمَانِ الْبَعْدِيَّةِ وَهُوَ مُتَّسِعٌ وَلْنَضْبِطْ هَذَا فَإِنَّ لَنَا قَصْدًا فِيهِ فِي النَّفْيِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ لِيَكُونَ زَمَانُهُ مُتَّسِعًا فِي جَمِيعِ الْبَعْدِيَّةِ إذْ هُوَ مَحَلُّ الْبَحْثِ فِيمَا سَأَلَ عَنْهُ.
وَقَدْ يُرَدُّ عَلَى هَذَا أَنَّ " مِنْ " تَقْتَضِي الِابْتِدَاءَ وَذَلِكَ يُنَافِي التَّأْخِيرَ لَكِنَّا نَقُولُ: إنَّهَا كَمَا دَلَّتْ عَلَى الِابْتِدَاءِ اقْتَضَتْ الِاسْتِمْرَارَ فِي غَايَتِهَا إلَى حِينِ انْقِرَاضِهِمْ.
وَقَدْ يُقَالُ: كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ اقْتِضَاءِ " ثُمَّ " لِلتَّرَاخِي وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِاسْتِحْقَاقِ الْبَطْنِ الثَّانِي عِنْدَ انْقِرَاضِ الْأَوَّلِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَكْفِي فِي إفَادَتِهَا التَّرَاخِيَ اسْتِمْرَارُ الْحُكْمِ بَعْدَ الْوَفَاةِ كَثِيرًا وَتَأَخُّرُهُ مِنْ زَمَانِ الْوَقْفِ إلَى وَفَاةِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَعُلِمَ عَدَمُ تَأَخُّرِهِ عَنْ انْقِرَاضِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ مِنْ مُرَادِ الْوَاقِفِ بِالْقَرِينَةِ وَحَذَرًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ.
(النَّظَرُ الثَّانِي) فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ مِنْ بَعْدِ أَبِي الْفَتْحِ عَلَى أَوْلَادِهِ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فَيَقْتَضِيهِ الْحَالُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ فِي اللَّفْظِ.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: وَعَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، سَوَاءٌ أَقَدَّرْنَا الشَّرْطَ أَمْ لَمْ نُقَدِّرْ لَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ فِيهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ؛ لَكِنْ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ يَحْتَمِلُ
стр. 517
أَنْ يُجْعَلَ تَقْيِيدًا لِقَوْلِهِ عَلَى وَلَدِهِ أَبِي الْفَتْحِ ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ مُبَيِّنًا أَنَّهُ إنَّمَا وَقَفَ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ وُجُودِهِمْ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِهِمْ يُصْرَفُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَا يُتَخَيَّلُ فِيهِ انْقِطَاعٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْعَلَ مَعْطُوفًا عَلَى الْآخَرِ كَأَنَّهُ قَالَ: فَإِذَا انْقَرَضُوا وَلَمْ يَبْقَ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ أَوْلَادٌ وَلَا أَوْلَادُ أَوْلَادٍ هَلْ يُصْرَفُ لِمَنْ ذَكَرَهُ فِيهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مُخْتَارُ الْمَاوَرْدِيِّ لَا يُصْرَفُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ مَشْرُوطٌ بِاسْتِحْقَاقِ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ وَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِنْهُمْ فَإِذَا لَمْ يُوجَدُوا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ يُصْرَفُ إلَيْهِ.
وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ إنَّمَا يَأْتِي فِيمَا إذَا لَمْ يُقَدَّرْ الشَّرْطُ كَمَا قَدَّمْنَا لِيَكُونَ طَبَقَةً وُسْطَى مُنْقَطِعَةً، أَمَّا إذَا قَدَّرْنَاهُ بِلَا انْقِطَاعٍ وَتَكُونُ الطَّبَقَةُ الْأَوْلَادَ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِمْ وَغَيْرَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِمْ، وَهَذَا الْبَحْثُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَنَّ الْوَلَدَ الْحَادِثَ لِقُطْبِ الدِّينِ هُوَ دَرَجَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ ذُرِّيَّةِ أَبِي الْفَتْحِ أَوْ لَيْسَ مُتَأَخِّرًا عَنْهُمْ بَلْ هُوَ يَحِلُّ مَحَلَّهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِمْ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ دَرَجَةً مُتَأَخِّرَةً عَنْ الذُّرِّيَّةِ قَوِيَ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ وَإِلَّا فَلَا.
(النَّظَرُ الثَّالِثُ) قَوْلُهُ: ثُمَّ مِنْ بَعْدِ أَبِي الْفَتْحِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ إلَى آخِرِهِ.
مُقْتَضَى التَّشْرِيكِ بَيْنَ أَوْلَادِ أَبِي الْفَتْحِ وَأَوْلَادِهِمْ كَمَا صَرَّحَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبْدَأُ فِيهِ ثُمَّ يُؤْتَى فِيهِ بِالْوَاوِ، وَحَيْثُ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فِيمَا دَخَلَ " ثُمَّ " عَلَيْهِ وَالتَّشْرِيكُ فِيمَا دَخَلَتْ الْوَاوُ عَلَيْهِ وَكَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ صَرِيحٌ صَحِيحٌ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَلْوِيحٌ إلَى ثُبُوتِ حُكْمِ التَّرْتِيبِ فِي الْجَمِيعِ كَأَنَّهُ لَمَّا ابْتَدَأَهُمْ وَكَرَّرَهَا اكْتَفَى بِذَلِكَ قَرِينَةً لِإِرَادَةِ التَّرْتِيبِ فِي الْجَمِيعِ وَحَمَلَ الْوَاوَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مُحْتَمَلٌ وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ.
(النَّظَرُ الرَّابِعُ) قَوْلُهُ: الْفَاءُ عَاطِفَةٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ بِآبَائِهِ إلَى قُطْبِ الدِّينِ - تَقْيِيدٌ لِلنَّسْلِ وَصَرَّحَ بِالْآبَاءِ وَإِنْ كَانَ الِانْتِسَابُ فِي الْإِطْلَاقِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْآبَاءِ، وَقَوْلُهُ: يَجْرِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًا أَوْ مُسْتَأْنَفًا لِبَيَانِ مَا قُلْته وَالْأَحْسَنُ الِاسْتِئْنَافُ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَخْلُفْ وَلَدًا إلَى آخِرِهِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُسْتَأْنَفَةِ، وَانْظُرْ قَوْلَهُ: وَلَمْ يَخْلُفْ وَلَدًا وَكَيْفَ أَتَى هَكَذَا مُغَايِرًا لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، وَهُوَ يُشِيرُ إلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى فَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا لَمْ يُخَالِفْ فِي الْعِبَارَةِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخٌ، جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ.
(النَّظَرُ الْخَامِسُ) : وَقَوْلُهُ: فَإِنْ مَاتَ أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ اللَّهِ. جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ أَيْضًا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَظَاهِرُ الْعَطْفِ بِالْفَاءِ يَقْتَضِي تَأَخُّرَهَا عَنْ زَمَانِ مَا قَبْلَهَا، وَلَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا أَنَّ مَوْتَ أَبِي
стр. 518
الْفَتْحِ عَبْدِ اللَّهِ يُفِيدُ تَأْخِيرَهُ عَنْ انْقِرَاضِ نَسْلِهِ لِأَنَّا نَقُولُ: الشَّرْطُ شَيْئَانِ: مَوْتُ أَبِي الْفَتْحِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نَسْلٌ وَلَا وَلَدٌ وَمَجْمُوعُ الظَّهْرِ لَا يُبْعِدْ تَأْخِيرَهُمَا وَذَلِكَ بِتَأَخُّرِ الثَّانِي كَمَا سَنُقَرِّرُهُ؛ وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدٌ يَتَّصِلُ نَسَبُهُ إلَيْهِ بِالْآبَاءِ.
هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَالًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى فِعْلِ الشَّرْطِ وَجَعْلُهَا حَالًا يَقْتَضِي التَّقْيِيدَ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يَحُوجُ إلَى تَقْدِيرٍ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَإِنْ جَعَلْنَاهَا حَالًا اقْتَضَى أَنْ لَا يَكُونَ لِأَبِي الْفَتْحِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَدٌ وَلَا نَسْلٌ حِينَ مَوْتِهِ وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ هَذَا يُبْعِدُهُ إحْوَاجُهُ إلَى تَقْدِيرٍ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا مَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ الْعَطْفِ بِالْفَاءِ يَقْتَضِي تَأَخُّرَهُمْ عَنْ زَمَانِ مَا قَبْلَهَا وَيَقْتَضِي أَنَّ اعْتِبَارَ الشَّرْطَيْنِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَوْلَادِ وَنَسْلِهِمْ وَإِنْ جَعَلْنَاهَا لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ وَهُوَ أَوْلَى اقْتَضَى ذَلِكَ اعْتِبَارَ الشَّرْطَيْنِ مَتَى وُجِدَا وَالشَّرْطَانِ قَدْ يُوجَدَانِ مَعًا وَقَدْ يُوجَدَانِ مُتَرَتِّبَيْنِ فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى أَحَدِهِمَا.
(النَّظَرُ السَّادِسُ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَوْلَى جَعْلُ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ أَنَّهُمَا شَرْطَانِ فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى أَحَدِهِمَا إنْ تَرَتَّبَا وَسَبَبِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ عَلَيْهِمَا وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُوجَدَا مَعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ مُتَرَتِّبَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْطَيْنِ قَدْ يَكُونَانِ وُجُودِيَّيْنِ كَقَوْلِنَا: إنَّ مَنْ أُحْصِنَ وَزَنَى فَارْجُمْهُ فَيَصِحُّ عَلَى الزَّانِي الْمُحْصَنِ أَنَّهُ أُحْصِنَ ثُمَّ زَنَى، وَإِنْ كَانَ الْإِحْصَانُ وَالزِّنَا فِي وَقْتَيْنِ وَصِدْقُ الْمَجْمُوعِ عِنْدَ صِدْقِ الثَّانِي مِنْهُمَا بِمَعْنَى صِدْقِ مُضِيِّهِمَا لَا بِمَعْنَى صِدْقِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الزِّنَا لَمْ يَكُنْ نَفْسَ الْإِحْصَانِ بَلْ أَثَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا وُجُودِيًّا وَالْآخَرُ عَدَمِيًّا كَقَوْلِنَا: مَنْ أَتَى كَبِيرَةً وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فَهُوَ فَاسِقٌ فَهَذَا الْحُكْمُ حَاصِلٌ لِكُلِّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً وَلَمْ يَتُبْ مُنْتَفٍ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْكَبِيرَةِ أَوْ عِنْدَ وُجُودِ التَّوْبَةِ وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْوَلَدِ الْحَادِثِ مَشْرُوطٌ بِمَوْتِ أَبِي الْفَتْحِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَدَمِ ذُرِّيَّتِهِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى وَلَدِهِ بِالْآبَاءِ، وَالْآنَ صَدَقَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ أَمَّا صِدْقُ قَوْلِنَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ فَلَا إشْكَالَ وَأَمَّا صِدْقُ قَوْلِنَا: لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْرِيرٍ ثَانٍ فِي النَّظَرِ الَّذِي بَعْدَهُ.
(النَّظَرُ السَّابِعُ) قَوْلُنَا: لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ نَفْيٌ لِلْمَاضِي وَيَنْقَلِبُ الشَّرْطُ مُسْتَقْبَلًا وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي صِدْقِهِ فِي زَمَنٍ مَا مِنْ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ التَّوَقُّفُ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ عِنْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ نَجْعَلْ الْجُمْلَةَ حَالِيَّةً؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ حِينَئِذٍ أَنَّ لَهُ وَلَدًا وَمَتَى صَدَقَ الْإِثْبَاتُ فِي وَقْتٍ كَذَبَ السَّلْبُ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّ الْإِثْبَاتَ الْجُزْئِيَّ يُنَاقِضُهُ السَّلْبُ الْكُلِّيُّ وَأَحَدُ الشَّرْطَيْنِ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ هُوَ السَّلْبُ الْكُلِّيُّ؛ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ
стр. 519
النَّفْيِ فَتَقْتَضِي الْعُمُومَ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ وَصِيغَةُ الْوَقْفِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لَكِنْ لَوْ أُخِذَ بِظَاهِرِ الْعُمُومِ اقْتَضَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَكِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ قَبْلَ مَوْتِهِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ لَا وَلَدَ لَهُ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ فِي الْعُرْفِ وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي الْمَوَارِيثِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ وُجُودُ الْوَلَدِ حِينَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ؛ وَهَذَا النَّظَرُ أَحْوَجُ إلَى النَّظَرِ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ وَمَدْلُولِهَا لُغَةً وَعُرْفًا.
فَنَقُولُ: الْكَلَامُ فِي الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْكَلَامِ فِيهَا قَبْلَ دُخُولِ الشَّرْطِ، وَالْكَلَامُ فِي الْجُمْلَةِ الْمُثْبَتَةِ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْكَلَامِ فِي الْجُمْلَةِ الْمُثْبَتَةِ فَنَقُولُ: " كَانَ " إذَا كَانَتْ تَامَّةً مَعْنَاهَا وُجِدَ وَإِذَا كَانَتْ نَاقِصَةً مَعْنَاهَا اقْتِرَانُ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْهَا بِالزَّمَانِ الْمَاضِي؛ وَمِمَّا يُتَفَطَّنُ لَهُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الَّتِي تَدْخُلُ " كَانَ " عَلَيْهَا قَدْ يَكُونُ خَبَرُهَا مَاضِيًا كَقَوْلِك كَانَ زَيْدٌ قَامَ فَيَقْتَضِي تَقَدُّمَ زَمَانَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَضَى فِيهِ قِيَامُ زَيْدٍ. وَالثَّانِي: صَدَقَ فِيهِ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ وَهُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ كَانَ، وَإِذَا قُلْتَ: كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا، اقْتَضَتْ زَمَانًا يَصْدُقُ فِيهِ زَيْدٌ قَائِمٌ وَهُوَ حِكَايَةُ تِلْكَ الْحَالِ، وَإِذَا قُلْتَ: كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ، اقْتَضَتْ زَمَانًا يُخْبِرُ فِيهِ عَنْ زَيْدٍ بِأَنَّهُ يَقُومُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَتَلَخَّصَ أَنَّ " كَانَ " لِحِكَايَةِ حَالِ الِاسْمِ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهِ وَتَفُوتُ الْخَبَرِيَّةُ فِي أَحَدِ أَزْمِنَةٍ ثَلَاثَةٍ إمَّا عَلَى زَمَانِهَا أَوْ حَاصِلٌ مَعَهُ أَوْ مُسْتَقْبَلٌ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَاضِيًا عَنْ زَمَانِ النُّطْقِ بِهَا وَإِذَا دَخَلَ حَرْفُ الشَّرْطِ اقْتَضَى اسْتِقْبَالَ كَانَ خَاصَّةً وَأَمَّا أَزْمِنَةُ خَبَرِهَا الثَّلَاثَةُ فَعَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ.
فَإِذَا قُلْتَ: إنْ كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا، مَعْنَاهُ إنْ ثَبَتَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُضِيُّ قِيَامِ زَيْدٍ، وَإِذَا قُلْتَ: إنْ كَانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ، فَمَعْنَاهُ إنْ ثَبَتَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ اسْتِقْبَالُ زَيْدٍ هَذَا فِي الْإِثْبَاتِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِنَا: إنْ ثَبَتَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ عَلَى تَجَدُّدٍ يَفُوتُ بَلْ مَعْنَاهُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ حُصُولُهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَّ حُكْمٌ بِالْجَوَازِ حِينَ اللَّفْظِ فَعُلِمَ أَنَّ الْوُقُوعَ إنَّمَا هُوَ بِالشَّرْطِ الْمَوْجُودِ لَا مِنْ تَجَدُّدِ حُصُولِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
أَمَّا فِي النَّفْيِ فَإِذَا قُلْتَ: إنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ قَامَ، فَالتَّعْلِيقُ عَلَى تَحَقُّقِ عَدَمِ قِيَامِ زَيْدٍ فِي الْمَاضِي، وَإِذَا قُلْتَ: إنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا فَالتَّعْلِيقُ عَلَى عَدَمِ تَحَقُّقِ قِيَامِهِ فِي الْحَالِ، وَإِذَا قُلْتَ: إنْ لَمْ يَكُنْ سَيَقُومُ، فَالتَّعْلِيقُ عَلَى تَحَقُّقِ أَنَّهُ بِصِفَةِ مَنْ لَا يَقُومُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ الثَّلَاثَةَ لِخَبَرِ كَانَ عَلَى حَالِهَا لَا تَتَغَيَّرُ فَإِذَا قُلْتَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِفُلَانٍ وَلَدٌ، فَالتَّعْلِيقُ بِتَحَقُّقِ عَدَمِ الْوَلَدِ لِفُلَانٍ فِي الْحَالِ هَذَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ وَقَدْ تَحْتَفُّ قَرَائِنُ تَقْتَضِي اعْتِبَارَ زَمَانٍ آخَرَ غَيْرِ الْحَالِ مِنْهَا كَالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]
стр. 520
عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ الْوَلَدِ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ التَّرْكِ وَانْتِقَالِ الْمَالِ بِالْإِرْثِ الَّذِي وُجُودُ الْوَلَدِ فِي تَنْقِيصِهِ وَعَدَمُهُ سَبَبٌ فِي زِيَادَتِهِ فَلَا عِبْرَةَ بِالزَّمَانِ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَا بِالزَّمَانِ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَمِنْهَا قَوْلُ الْوَاقِفِ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِفُلَانٍ وَلَدٌ فَعَلَى فُلَانٍ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ حِينَ الْوَقْفِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْوَقْفِ الْمُعَلَّقِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْبَطْنِ الثَّانِي فَيَكُونَ الْمَعْنَى عِنْدَ انْقِرَاضِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ فَلِفُلَانٍ، فَاقْتَضَى قَوْلُهُ: لِفُلَانٍ وَلَدٌ الزَّمَانَ الْحَاضِرَ لَا يَتَغَيَّرُ وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي زَمَانِ كَانَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ فِعْلًا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ إنَّمَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ إذَا كَانَ دَالًّا عَلَى الْحَدَثِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى زَمَانٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْحَالُ تَارَةً الْحَاضِرُ عِنْدَ نُطْقِ الْمُتَكَلِّمِ وَتَارَةً غَيْرُهُ فَلَا يُتَوَهَّمُ عُمُومٌ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي تَعْلِيقًا بِمُسَمًّى صَدَقَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ فَيَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ صِدْقُ قَوْلِنَا: لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ النَّصِّ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الْآيَةِ الْمَاضِيَةِ وَالتَّعْلِيقُ يَقْتَضِي الِاسْتِقْبَالَ.
قَوْلُ الْقَائِلِ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِزَيْدٍ وَلَدٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَدٌ فَمَتَى صَدَقَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ تَرَتَّبَ الْحُكْمُ وَالْوَقْتُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَدْ دَلَّ الْحَالُ فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى أَنَّهُ وَقْتُ انْقِرَاضِ ذُرِّيَّةِ أَبِي الْفَتْحِ عَبْدِ اللَّهِ وَيَصْدُقُ، ثَمَّ إنَّهُ لَيْسَ لِأَبِي الْفَتْحِ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٌ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ نَسْلٌ أَصْلًا لَكَانَ الْوَقْتُ الْمُعْتَبَرُ وَقْتَ مَوْتِهِ، وَقَدْ تَوَلَّدَ مِمَّا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا عُمُومَ فَرْعٌ صُورَتُهُ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى وَلَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَعَلَى أَخِي فَمَاتَ وَلَدُهُ وَلَهُ حَمْلٌ فَلَا يَسْتَحِقُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَلَدًا وَالْقِيَاسُ اسْتِحْقَاقُ أَخِيهِ مَسَائِلَ مِنْ الْحَالِ فَإِذَا وُلِدَ الْحَمْلُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ الْوَلَدُ وَيَنْقَطِعَ اسْتِحْقَاقُ الْأَخِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: وَقَفْت عَلَى وَلَدِي فَإِذَا مَاتَ فَعَلَى أَوْلَادِ أَخِي إنْ كَانَ لِأَخِي أَوْلَادٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَخِي أَوْلَادٌ فَعَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي. فَمَاتَ وَلَدُهُ وَلَا وَلَدَ لِأَخِيهِ ثُمَّ حَدَثَ لِأَخِيهِ وَلَدٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ وَإِنَّ كَلَامَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ وُجُودَ الْوَلَدِ سَبَبٌ لِشَيْءٍ وَعَدَمَهُ سَبَبٌ لِشَيْءٍ آخَرَ فَيُعْتَبَرُ كُلُّ سَبَبٍ بِحُكْمِهِ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي زَمَانِ قَوْلِنَا: لَهُ وَلَدٌ، مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ تَارَةً يَكُونُ وَقْتَ كَلَامِهِ وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَهُ بِحَيْثُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
فَفِي مَسْأَلَتِنَا لَوْ قَالَ الْوَاقِفُ فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ أَبِي الْفَتْحِ عَبْدِ اللَّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَعَلَى الْحَادِثِ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَادِثَ لَا يَسْتَحِقُّ مَعَ الْوَلَدِ شَيْئًا فَإِذَا
стр. 521
انْقَضَى الْوَلَدُ وَلَا وَلَدَ لَهُ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْحَادِثُ؟ هَذَا مَحَلُّ احْتِمَالٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الْمُقَسَّمَ وَقْتُ مَوْتِ عَبْدِ اللَّهِ فَالْمُعْتَبَرُ عَدَمُ الْوَلَدِ فِيهِ لِاسْتِحْقَاقِ الْحَادِثِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِالِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعَدَمَ عِلَّةً وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ وَلَدٌ فَلِلْحَادِثِ وَإِنْ وُجِدَ فَلِلْوَاحِدِ كَانَ فِيهِ الِاحْتِمَالَانِ وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ أَمَّا صِيغَةُ الْوَقْفِ وَهُوَ قَوْلُهُ: بَعْدَ أَبِي الْفَتْحِ لِوَلَدِهِ ثُمَّ لِنَسْلِهِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَا جَاءَتْ إلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِ نَسْلِ أَبِي الْفَتْحِ فَيَظْهَرُ أَنَّ الزَّمَانَ الْمُعْتَبَرَ فِيهَا هُوَ زَمَانُ انْقِرَاضِ نَسْلِ أَبِي الْفَتْحِ وَأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ مَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ مَعَهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ يَنْقَرِضُ نَسْلُهُ وَهُوَ بَاقٍ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ لِلْحَادِثِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَوْتُهُ وَالثَّانِي: انْقِرَاضُ نَسْلِهِ، هَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ هَذَا الْوَقْفِ قَبْلَ اتِّصَالِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ أَمَّا بَعْدَ الْحُكْمِ فَلَوْ كَانَ الْحَاكِمُ حَكَمَ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ ذُرِّيَّةِ الْحَادِثِ أَوْ ذُرِّيَّةِ طَاهِرٍ وَعَبْدِ الْمَجِيدِ صَعُبَ النَّقْضُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِمُحْتَمَلٍ وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِذَلِكَ بَلْ حَكَمَ لِبَنِي أَخِيهِ بَهَاءِ الدِّينِ فَالنَّظَرُ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: سَبَبُ حُكْمِهِ لِهَؤُلَاءِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حِرْمَانِ الْأَوَّلِينَ اسْتِحْقَاقُ هَؤُلَاءِ بَلْ يَكُونُ إذَا قِيلَ بِحِرْمَانِ الْأَوَّلِينَ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ، وَذَلِكَ أَنَّا إنْ قُلْنَا: الثَّالِثُ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْقِرَاضِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ بَيْنَ ذُرِّيَّةِ أَبِي الْفَتْحِ وَذُرِّيَّةِ السَّيِّدِ لَا تَسْتَحِقُّ ذُرِّيَّةُ السَّيِّدِ شَيْئًا مَا دَامَ وَلَدُ الْحَادِثِ وَوَلَدُ طَاهِرٍ وَعَبْدِ الْمَجِيدِ مَوْجُودِينَ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الثَّالِثَ أَيْضًا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَوْتُ أَبِي الْفَتْحِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ كَمَا قَيَّدَ بِهِ فِي الْحَادِثِ وَذُرِّيَّةِ طَاهِرِ وَعَبْدِ الْمَجِيدِ فَلَا اسْتِحْقَاقَ لِأَوْلَادِ السَّيِّدِ شِهَابِ الدِّينِ فَيَكُونُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ بَيْنَ ذُرِّيَّةِ أَبِي الْفَتْحِ وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ فَلَا تَسْتَحِقُّ الطَّوَائِفُ الثَّلَاثُ قَبْلَ الْفُقَرَاءِ شَيْئًا فَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَسْتَحِقُّ أَوْلَادُ السَّيِّدِ شِهَابِ الدِّينِ شَيْئًا، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَمَّا وَقَفَ اسْتِحْقَاقَ الْفُقَرَاءِ عَلَى انْقِرَاضِهِمْ دَلَّ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ، وَهَذَا قَدْ قِيلَ بِهِ فِي وَجْهِ هَذَا الْمَذْهَبِ نَظِيرُهُ وَيُعَارَضُ هَذَا بِأَنَّهُ وَقَفَ اسْتِحْقَاقَ أَوْلَادِ السَّيِّدِ شِهَابِ الدِّينِ عَلَى انْقِرَاضِ ذُرِّيَّةِ الْحَادِثِ وَذُرِّيَّةِ طَاهِرٍ وَعَبْدِ الْمَجِيدِ فَيَكُونُونَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِهِ.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنْ نَمْنَعَ أَنَّهُ وَقَفَ اسْتِحْقَاقَ أَوْلَادِ السَّيِّدِ شِهَابِ الدِّينِ عَلَى انْقِرَاضِ ذُرِّيَّةِ الْحَادِثِ وَطَاهِرٍ وَعَبْدِ الْمَجِيدِ؛ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ فَإِنْ انْقَرَضُوا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ كَذَلِكَ مُحْتَمِلٌ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلَى ذُرِّيَّةِ أَبِي الْفَتْحِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُمْ الْمُسْتَحِقُّونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا غَيْرُهُمْ وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَلَدِ الْحَادِثِ وَذُرِّيَّتِهِ وَالْجُمْلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِطَاهِرٍ وَعَبْدِ الْمَجِيدِ وَذُرِّيَّتِهِمَا
стр. 522
مُعْتَرِضَتَيْنِ فَلَا يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمَا بَلْ عَلَى مَا قَبْلَهُمَا هَذَا يُحْتَمَلُ وَإِنْ كَانَ هُوَ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَلَا احْتِمَالَ لِهَذَا الْحُكْمِ غَيْرُهُ بَقِيَ الْكَلَامُ لَهُ أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الضَّعِيفَ هَلْ يَمْنَعُ النَّقْضَ أَوْ لَا وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي شَعْبَانَ الْمُكَرَّمَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِدِمَشْقَ وَفَرَغْت مِنْهُ بُكْرَةَ السَّبْتِ الْعِشْرِينَ مِنْهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
[وَاقِفٍ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى الْجِهَاتِ وَالْوُجُوهِ وَالْمَصَالِحِ]
(نُسْخَةُ فَتْوَى فِي دَارِ الْحَدِيثِ الظَّاهِرِيَّةِ بِدِمَشْقَ) مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ فِي وَاقِفٍ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى الْجِهَاتِ وَالْوُجُوهِ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُهَا وَتَعْيِينُهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ فَيَبْدَأُ مَنْ إلَيْهِ النَّظَرُ بِعِمَارَةِ الْمَوْقُوفِ وَتَرْمِيمِهِ وَإِصْلَاحِهِ وَمَا فِيهِ بَقَاءُ أَصْلِهِ وَسَبَبُ النَّمَاءِ وَالْمَزِيدِ وَمَا فَضَلَ كَانَ جَارِيًا عَلَى الْوُجُوهِ وَالْمَصَارِفِ الْآتِي ذِكْرُهَا فَيُصْرَفُ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثُونَ فِي ثَمَنِ زَيْتٍ وَحُصْرٍ وَمَصَابِيحَ وَتَرْمِيمٍ وَيُصْرَفُ سِتُّونَ لِشَيْخِ الْحَدِيثِ وَعِشْرُونَ لِلْقَارِئِ وَمِائَةٌ لِلطَّلَبَةِ وَعِشْرُونَ لِلْخَازِنِ وَأَرْبَعُونَ لِلْقَيِّمِينَ وَمِائَةٌ وَخَمْسُونَ لِسِتَّةِ قُرَّاءٍ يَقْرَءُونَ بِالتُّرْبَةِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا، وَذَكَرَ مَصَارِفَ إلَى أَنْ قَالَ وَمَالُ هَذَا الْوَقْفِ الْمُعَيَّنِ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمُتَقَدِّرِ الصَّرْفِ فِي مَصَارِفِهِ الْمَذْكُورَةِ كَمَالِ أَوْقَافِ الْمَدْرَسَةِ وَالتُّرْبَةِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَقَدْ تَلَفَّظَ هَذَا الْوَكِيلُ الْوَاقِفُ الْمُسَمَّى بِوَقْفِ هَذَا الْمَوْقُوفِ الْمُعَيَّنِ فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى الْجِهَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَالْمَصَارِفِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ وَمَتَى نَقَصَ ارْتِفَاعُ هَذَا الْمَوْقُوفِ الْمُعَيَّنِ عَنْ هَذِهِ الْمَصَارِفِ الْمُعَيَّنَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ بَدَأَ مِنْ ذَلِكَ بِتَقْدِيمِ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ لِمَصَالِحِ الْقَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ الْجَامِكِيَّاتِ عَلَى مَا عُيِّنَ أَعْلَاهُ فَإِنْ نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ قُدِّمَ مَا هُوَ مُعَيَّنٌ لِمَصَالِحِ الْقَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ وَمَا هُوَ مُعَيَّنٌ لِشَيْخِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ وَقَارِئِهِ وَمُسْتَمِعِيهِ الْمُشَارِ إلَيْهِمْ أَعْلَاهُ وَالْقَيِّمِينَ الْمَذْكُورِينَ أَعْلَاهُ فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاضِلٌ صُرِفَ فِي الْوُجُوهِ الْمُبَيَّنَةِ وَالْمَصَارِفِ الْمُعَيَّنَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ فِيهِ يَجْرِي ذَلِكَ كَذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقَوْلُهُ فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاضِلٌ صُرِفَ فِي الْوُجُوهِ الْمُعَيَّنَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ فِيهِ يَجْرِي ذَلِكَ كَذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَهَلْ إذَا فَضَلَ مِنْ رِيعِ الْمَوْقُوفِ شَيْءٌ بَعْدَ تَكْمِيلِ مَا عُيِّنَ أَعْلَاهُ مِنْ الْجَامِكِيَّاتِ وَالْجِرَايَاتِ يَكُونُ لِمَنْ عُيِّنَ أَعْلَاهُ مِنْ أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ الْمَذْكُورَةِ أَعْلَاهُ أَمْ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ بِالْمَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّةِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُدَرِّسِينَ وَالْمُعِيدِينَ وَغَيْرِهِمْ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
(أَجَابَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ: لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَرْبَابِ
стр. 523
الْوَظَائِفِ بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُدَرِّسِينَ وَالْمُعِيدِينَ وَغَيْرِهِمْ شَيْءٌ مِنْهُ بَلْ هُوَ لِجِهَةِ وَقْفِ دَارِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورَةِ تَخْتَصُّ بِهِ عَنْ الْمَدْرَسَةِ لَيْسَ لِلْمَدْرَسَةِ وَلَا لِأَهْلِهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْفَاضِلُ عَنْ مَعَالِيمِ أَهْلِ دَارِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورَةِ الْآنَ بَعْدَ تَكْمِيلِهَا دَالٌّ بِحَسَبِ الْحَالِ الْآنَ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ عَلَى نِسْبَةِ مَعَالِيمِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ يُحْفَظُ لَهُمْ وَلِمَنْ يَتَجَدَّدُ مَكَانَهُمْ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَأَمَّا صَرْفُهُ لِلْمَدْرَسَةِ أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا فَمُمْتَنِعٌ قَطْعًا، وَقَوْلُ الْوَاقِفِ فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاضِلٌ.
لَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْفَاضِلِ بَعْدَ النَّقْصِ وَنَحْنُ فِي الْفَاضِلِ بَعْدَ التَّكْمِيلِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ.
(نُسْخَةُ فَتْوَى مِنْ حَلَبَ) مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ ﵃ أَجْمَعِينَ فِي قَرْيَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَيَّامَ حَيَاتِهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَمَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ وَلَا عَقِبًا وَلَا نَسْلًا كَانَ نَصِيبُهُ عَائِدًا عَلَى إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ الْبَاقِينَ بَعْدَهُ وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ كَانَ نَصِيبُهُ عَائِدًا عَلَى إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ الْبَاقِينَ بَعْدَهُ مِنْ أَرْبَابِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِهِ وَلَمْ يَخْلُفْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ وَلَا عَقِبًا وَلَا نَسْلًا كَانَ سَهْمُهُ عَائِدًا لِأَرْبَابِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ الْبَاقِينَ بَعْدَهُ، الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ يَجْرِي فِيهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَلَيْسَ لِأَوْلَادِ الْبَنَاتِ الَّذِينَ لَا يَرْجِعُونَ بِأَنْسَابِ آبَائِهِمْ إلَى الشَّخْصِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الصَّدَقَةِ مَعَ مَنْ يَرْجِعُ بِنَسَبِهِ مِنْ أَبِيهِ إلَيْهِ فَإِذَا انْقَرَضَ أَوْلَادُهُ وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِ وَعَقِبُهُ وَنَسْلُهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ كَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ عَلَى أَوْلَادِ الْبَنَاتِ اللَّوَاتِي يَرْجِعْنَ بِأَنْسَابِ آبَائِهِمْ إلَى الشَّخْصِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا عَلَى السَّبِيلِ الْمَوْصُوفَةِ فَإِذَا انْقَرَضُوا أَجْمَعِينَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى كَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ رَاجِعَةً إلَى زَيْدٍ إنْ كَانَ حَيًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا فَإِلَى كُلِّ مَنْ يَعُودُ بِنَسَبِ أَبِيهِ عَلَى السَّبِيلِ الْمَوْصُوفَةِ فَإِنْ انْقَرَضُوا عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى كَانَ ذَلِكَ رَاجِعًا إلَى كُلِّ مَنْ نَسَبُهُ إلَى زَيْدٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَيًّا كَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ رَاجِعَةً إلَى الْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَدْ ثَبَتَ لِلْأَوْلَادِ الْمَوْجُودِينَ مِنْ نَسْلِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا: حَفْصَةُ بِنْتُ زَيْنَبَ بِنْتِ حَلِيمَةَ بِنْتِ ابْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَهَلْ تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ
стр. 524
الْوَقْفِ أَوْ لَا وَهَلْ يَسْتَحِقُّ مَنْ شَرَطَهُ لَهُ بَعْدَ عَدَمِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً لِجَمِيعِ الْوَقْفِ فَأَقَرَّتْ بِمَا يُخَالِفُ شَرْطَ الْوَاقِفِ فَيُلْغَى شَرْطُ الْوَاقِفِ أَمْ يُتَّبَعُ شَرْطُ الْوَاقِفِ فَيُلْغَى الْإِقْرَارُ الْمُخَالِفُ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ أَفْتُونَا.
(الْجَوَابُ) هَذَا لَفْظٌ إذَا أُخِذَ مَدْلُولُ لَفْظِهِ فَقَطْ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الِاسْتِفْتَاءُ فِيهِ انْقِطَاعٌ فِي وَسَطِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مَا إذَا مَاتَ الْأَوْلَادُ وَخَلَّفُوا أَوْلَادًا وَلَا حُكْمَ مَا إذَا مَاتَ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ وَخَلَّفُوا أَوْلَادًا فَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِ خِلَافٌ فِي أَنَّ أَوْلَادَهُمْ يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ. وَالْأَوْلَى عِنْدِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ الِاسْتِحْقَاقُ بِتَأْوِيلِ اللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ كَيْ لَا يَنْقَطِعَ وَعَلَى هَذَا تَسْتَحِقُّ حَفْصَةُ الْمَذْكُورَةُ إذَا ثَبَتَ انْحِصَارُ النَّسْلِ فِيهَا وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَسْتَحِقُّ زَيْدٌ الْمَشْرُوطُ لَهُ بِعَدَمٍ وَلَا نَسْلُهُ شَيْئًا مَعَ وُجُودِهَا وَلَا اعْتِبَارَ بِالْإِقْرَارِ الْمُخَالِفِ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ بَلْ يَجِبُ اتِّبَاعُ شَرْطِ الْوَاقِفِ نَصًّا كَانَ أَوْ ظَاهِرًا ثُمَّ الْإِقْرَارُ وَإِنْ كَانَ لَا احْتِمَالَ لَهُ أَصْلًا مَعَ الشَّرْطِ وَجَبَ إلْغَاؤُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْعِ وَمِنْ شَرْطِ الْإِقْرَارِ أَنْ لَا يُكَذِّبَهُ الشَّرْعُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ احْتِمَالٌ بِوَجْهٍ مَا وَأَخَذْنَا الْمُقِرَّ بِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بَلْ يُحْمَلُ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) وَقَفَ عَلَى بَدْرِ الدِّينِ بْنِ عَسَاكِرَ بِإِقْرَارِهِ وَهُوَ فِي يَدِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ نَسْلِهِ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَمِنْ نَسْلِهِمْ وَلَهُ نَسْلٌ فَنَصِيبُهُ لِنَسْلِهِ بِالتَّرْتِيبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَمِنْ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَلَا عَقِبَ لَهُ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَمِنْ الْأَبِ ثُمَّ مَاتَ بَدْرُ الدِّينِ وَخَلَّفَ أَوْلَادَهُ الْأَرْبَعَةَ أَحْمَدَ وَإِبْرَاهِيمَ وَسِتَّ الْعَرَبِ وَزَيْنَبَ وَمَاتَتْ زَيْنَبُ وَلَا عَقِبَ لَهَا ثُمَّ مَاتَتْ دُنْيَا وَلَا عَقِبَ لَهَا ثُمَّ مَاتَتْ سِتُّ الْعَرَبِ وَخَلَّفَتْ بِنْتَيْنِ مِنْ زَوْجٍ زَيْنَبَ وَمَلَكَةَ وَبِنْتَيْنِ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ دُنْيَا وَاَلَّتِي ثُمَّ مَاتَتْ دُنْيَا وَلَا عَقِبَ لَهَا وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ مَوْجُودٌ إلَّا أَحْمَدَ وَإِبْرَاهِيمَ وَاَلَّتِي وَزَيْنَبَ وَمَلَكَةَ وَمَاتَتْ زَيْنَبُ وَخَلَّفَتْ أَرْبَعَةَ أَوْلَادٍ وَمَاتَتْ مَلَكَةُ وَخَلَفَتْ بِنْتَيْنِ فَحَكَمَ حَاكِمٌ حَنْبَلِيٌّ بَعْدَ مَوْتِهِمَا بِانْتِقَالِ نَصِيبِ أَخَوَاتِهَا الثَّلَاثَةِ الْمَيِّتِينَ وَالْبَاقِيَةِ لِيَجْرِيَ عَلَى أَوْلَادِهِنَّ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ وَقَالَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْخِلَافِ وَإِنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَمِنْ الْأَبِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ ثُمَّ حَضَرَتْ الَّتِي وَأَوْلَادُ أَخَوَاتِهَا يَتَنَازَعُونَ وَحِصَّةُ دُنْيَا إلَى الْآنَ فِي يَدِ الَّتِي وَقَالَتْ إنَّهَا لَمْ تَحْضُرْ وَلَا وَكِيلُهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يَتَّصِلْ كِتَابُ
стр. 525
الْإِقْرَارِ بِالْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ لَكِنْ اتَّصَلَ بِهِ كِتَابٌ مُتَأَخِّرُ التَّارِيخِ ثَبَتَ فِيهِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى قَاضٍ أَنَّ الْمَكَانَ وَقْفٌ عَلَى الْإِخْوَةِ الْأَرْبَعَةِ أَوْلَادِ بَدْرِ الدِّينِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ عَقِبٍ فَنَصِيبُهُ لِعَقِبِهِ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَا عَقِبَ لَهُ فَلِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَمِنْ الْأَبِ.
(الْجَوَابُ) مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ ﵃ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى أَقْرَبِ أَقَارِبِهِ أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ وَلَهُ أَخٌ شَقِيقٌ وَأَخٌ مِنْ أُمٍّ يُصْرَفُ لِلْأَخِ الشَّقِيقِ وَأَخٍ مِنْ أَبِيهِ يُقَدَّمُ الشَّقِيقُ عَلَى الَّذِي مِنْ أَبٍ بِاتِّفَاقِ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ النِّكَاحِ وَهُوَ بَعِيدٌ مَرْدُودٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالنِّكَاحِ وَلَا يَكَادُ هَذَا الْخِلَافُ يَثْبُتُ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ فِي الْأَخِ لِلْأَبِ وَأَمَّا الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ رَامَ أَحَدٌ إثْبَاتَ خِلَافٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأَخُ لِلْأُمِّ سَوَاءٌ فَالْأَخُ لِلْأَبِ يُسَاوِي الشَّقِيقَ عِنْدَ قَوْمٍ يَلْزَمُ مُسَاوَاةُ الْأَخِ لِأُمٍّ الشَّقِيقَ عِنْدَهُمْ فَيَحْتَاجُ الَّذِي يَرُومُ هَذَا بِالتَّرْكِيبِ إلَى إثْبَاتِ أَنَّ الْمُسَوِّيَ بَيْنَ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأَخِ لِلْأُمِّ يَقُولُ بِمُسَاوَاةِ الشَّقِيقِ لِلْأَخِ لِلْأَبِ وَيَقُولُ بِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي قَدْرِ الْمُسَاوَاةِ وَيَصْعُبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَلَى ضَعِيفٍ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْمَذَاهِبِ تَقْدِيمُ الشَّقِيقِ عَلَى الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ وَغَيْرِهِ لَيْسَ بِمَنْقُولٍ لَا قَوْلًا وَلَا وَجْهًا وَلَا رِوَايَةً وَلَا عَنْ عَالِمٍ مَعْرُوفٍ وَلَا فَقِيهٍ مُصَرَّحٍ بِهِ. فَإِنْ قُلْتَ قَدْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ إنَّ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الْقُرْبِ وَلَكِنَّ الشَّقِيقَ أَقْوَى.
قُلْتُ هَذَا خَلْطٌ فَإِنَّ أَقْرَبَ: أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ وَهِيَ تَقْتَضِي زِيَادَةً فِي الْقُرْبِ وَالشَّقِيقُ ذُو قَرَابَتَيْنِ فَهُوَ أَزْيَدُ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ وَاحِدَةٍ نَعَمْ الْأَخُ لِلْأَبِ أَقْوَى مِنْ الْأَخِ لِلْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ وَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْقَرَابَةِ وَالْأَخُ لِلْأُمِّ فِي دُخُولِهِ فِي مُطْلَقِ اسْمِ الْقَرَابَةِ خِلَافٌ؛ وَيَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ أَنَّ الْأَبْوَابَ كُلَّهَا لَيْسَتْ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ بَلْ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ الْأَخَ الشَّقِيقَ مُقَدَّمٌ فِي الْمِيرَاثِ قَطْعًا عَلَى الْأَخِ مِنْ الْأَبِ وَفِيهِمَا فِي النِّكَاحِ خِلَافٌ وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ وَالْوَقْفُ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا الْقَطْعُ بِتَقْدِيمِ الشَّقِيقِ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ وَقِيلَ قَوْلَانِ كَالنِّكَاحِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَرْدُودَةٌ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافٌ فِي الْوَصِيَّةِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْوَقْفِ بَلْ قَطَعُوا بِالتَّقْدِيمِ، هَذَا كُلُّهُ فِي الْأَخِ الشَّقِيقِ مَعَ الْأَخِ لِلْأَبِ أَمَّا مَعَ الْأَخِ لِلْأُمِّ فَلَمْ نَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ بَلْ قَالُوا إنَّهُ أَقْرَبُ.
فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الْأَخِ لِلْأُمِّ فِي الْقَرَابَةِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مِنْ الْقَرَابَةِ.
قُلْتُ لَا إشْكَالَ فِي حُصُولِ مَعْنَى الْقَرَابَةِ فِيهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ اسْمَ الْقَرَابَةِ إذَا أُطْلِقَ هَلْ يَشْمَلُ
стр. 526
قَرَابَةَ الْأُمِّ فَمَنْ خَصَّهَا بِقَرَابَةِ الْأَبِ يَجْعَلُ هَذَا بِقَرِينَةِ الْإِطْلَاقِ وَلَا يُنْكِرُ مَعْنَى الْقَرَابَةِ فِيهَا، وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالنِّكَاحِ بِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي الْوَقْفِ إلَى الْأَلْفَاظِ وَالْمَرْجِعَ فِي النِّكَاحِ إلَى الْمَعْنَى، وَالْعُصُوبَةُ مَعْنَى الْقَرَابَةِ فَإِنْ قُلْت هَبْ أَنَّ مَشْهُورَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ اتَّفَقَتْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا مَا يُخَالِفُهُ أَمَا لِلْفَقِيهِ أَنْ يُخْرِجَ خِلَافًا مُسْتَنْبَطًا مِنْ مُسَاوَاةِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأَخِ لِلْأُمِّ وَالْخِلَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّقِيقِ. قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ يَمْنَعُ التَّخْرِيجَ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ التَّخْرِيجِ يَكُونُ قَوْلًا ضَعِيفًا.
فَإِنْ قُلْت إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ لَمْ لَا يَنْفُذُ.
قُلْت قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وَقَالَ ﷺ «قَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارُ» فَمَتَى أَقْدَمَ الْقَاضِي عَلَى حُكْمٍ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُهُ كَانَ حَاكِمًا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَقَاضِيًا بِشَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ فَلَا يَحِلُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَعْتَقِدَ أَنَّهُ الْحَقُّ. فَإِنْ قُلْت هَذَا فِي الْمُجْتَهِدِ أَمَّا الْمُقَلِّدُ فَمَتَى قَلَّدَ وَجْهًا جَازَ ضَعِيفًا كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ قَوِيًّا.
قُلْت ذَاكَ فِي التَّقْلِيدِ فِي الْعَمَلِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَمَّا فِي الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
فَإِنْ قُلْت إذَا اسْتَوَى عِنْدَهُ الْقَوْلَانِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ أَوْ يَحْكُمَ بِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ كَمَا إذَا اسْتَوَتْ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ أَمَارَتَانِ يَتَخَيَّرُ عَلَى قَوْلٍ.
قُلْت الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ بِتَعَارُضِ الْأَمَارَتَيْنِ قَدْ يَحْصُلُ حُكْمُ التَّخْيِيرِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا أَقْوَالُ الْإِمَامِ كَالشَّافِعِيِّ مَثَلًا إذَا تَعَارَضَتْ وَلَمْ يَحْصُلْ بَيْنَهُمَا تَرْجِيحٌ وَلَا تَارِيخٌ يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ مَذْهَبُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدُهَا لَا بِعَيْنِهِ حَتَّى يَتَخَيَّرَ فَلَيْسَ إلَّا التَّوَقُّفُ إلَى ظُهُورِ التَّرْجِيحِ.
فَإِنْ قُلْتَ لَوْ كَانَ الْحَاكِمُ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ.
قُلْتُ مَتَى كَانَ لَهُ أَهْلِيَّةٌ وَرَجَّحَ قَوْلًا مَنْقُولًا بِدَلِيلٍ جَيِّدٍ جَازَ وَنَفَذَ حُكْمُهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَذْهَبِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ.
قُلْتُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لَهُ إلَّا اتِّبَاعُ الَّذِي عَرَفَ تَرْجِيحَهُ فِي الْمَذْهَبِ.
فَإِنْ قُلْتَ فَلَوْ حَكَمَ بِقَوْلٍ خَارِجٍ عَنْ مَذْهَبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ رُجْحَانُهُ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ.
قُلْت إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ جَازَ وَإِنْ شُرِطَ عَلَيْهِ إمَّا بِاللَّفْظِ وَإِمَّا بِالْعُرْفِ وَإِمَّا بِأَنْ يَقُولَ وَلَّيْتُك الْحُكْمَ عَلَى مَذْهَبِ فُلَانٍ كَمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ التَّقَالِيدِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْحُكْمُ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ لَا تَشْمَلُهُ فَإِنْ صُحِّحَتْ اقْتَصَرَتْ عَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَإِنْ فَسَدَتْ امْتَنَعَ الْحُكْمُ مُطْلَقًا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ هَلْ تَفْسُدُ التَّوْلِيَةُ أَوْ تَصِحُّ وَيَفْسُدُ الشَّرْطُ أَوْ تَصِحُّ وَيَصِحُّ الشَّرْطُ، وَالْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ وَفَسَادِ الشَّرْطِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُجْتَهِدِ أَمَّا الْمُقَلِّدُ فَلَا وَالنَّاسُ الْيَوْمَ مُقَلِّدُونَ فَلَا يَأْتِي هَذَا الْقَوْلُ فِيهِمْ، وَاَلَّذِي أَقُولُهُ فِي
стр. 527
هَذِهِ الْأَعْصَارِ إنَّ الَّذِي تَوَلَّى الْقَضَاءَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إذَا أَطْلَقَ السُّلْطَانُ تَوْلِيَتَهُ لِحُكْمٍ بِمَشْهُورِ مَذْهَبِهِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا وَبِمَا يَرَاهُ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا وَاَلَّذِي يَقُولُ لَهُ السُّلْطَانُ وَلَّيْتُك الْقَضَاءَ عَلَى مَذْهَبِ فُلَانٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ مَشْهُورَ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِهِ فَلَهُ الْحُكْمُ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْهُ بِدَلِيلٍ قَوِيٍّ وَلَيْسَ لَهُ مُجَاوَزَةُ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ مُقَلِّدًا كَانَ أَوْ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ حَصَرَتْهُ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالشَّاذِّ الْبَعِيدِ جِدًّا فِي مَذْهَبِهِ وَإِنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْخَارِجِ عَنْ الْمَذْهَبِ.
فَإِنْ قُلْت: لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِأَنَّ الْأَخَ الشَّقِيقَ مُسَاوٍ لِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ أَوْ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ هَلْ يُنْقَضُ.
قُلْت الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَقْرَبِيَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَخِ الشَّقِيقِ نَصٌّ فَيَكُونُ كَمَا لَوْ خَالَفَ النَّصَّ وَإِذَا شَرَطَهَا الْوَاقِفُ وَحَكَمَ بِخِلَافِهِ فَيَكُونُ قَدْ خَالَفَ شَرْطَ الْوَاقِفِ، وَالْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ: شُرُوطُ الْوَاقِفِ كَنُصُوصِ الشَّارِعِ، وَأَنَا أَقُولُ مِنْ طَرِيقِ الْأَدَبِ شُرُوطُ الْوَاقِفِ مِنْ نُصُوصِ الشَّارِعِ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» وَإِذَا كَانَتْ مُخَالَفَةُ النَّصِّ تَقْتَضِي نَقْضَ الْحُكْمِ فَمُخَالَفَةُ شَرْطِ الْوَاقِفِ تَقْتَضِي نَقْضَ الْحُكْمِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ لَوْ وَقَفَ عَلَى قَرَابَتِهِ لَمْ يَدْخُلْ الْأَبُ وَالِابْنُ.
قُلْت؛ لِأَنَّهُمَا أَقْرَبُ الْأَقَارِبِ فَلَا يَسْبِقُ الذِّهْنُ مِنْ اسْمِ الْقَرَابَةِ إلَيْهِمَا وَهَذَا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ دَلَالَةِ إطْلَاقِ الِاسْمِ لَا مِنْ انْتِفَاءِ مَعْنَى الْقَرَابَةِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الشَّقِيقَ أَقْرَبُ مِنْ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ مُفَرَّعٌ عَلَى عَدَمِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ قَرِيبًا. قُلْت لَمْ يَقُلْ جَيِّدًا بَلْ هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي دُخُولِهِ فِي مُطْلَقِ اسْمِ الْقَرَابَةِ، وَاشْتِقَاقُ الْأَقْرَبِ مِنْ اسْمِ الْقَرَابَةِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ غَيْرُ الْأَخِ لِلْأُمِّ صُرِفَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْلَا أَنَّ مَعْنَى الْقَرَابَةِ مَوْجُودٌ فِيهِ لَمْ يُصْرَفْ إلَيْهِ وَهَذَا فِيمَا إذَا قَالَ أَقْرَبُ النَّاسِ أَمَّا إذَا قَالَ أَقْرَبُ قَرَابَتِي وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخٌ لِأُمٍّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُصْرَفُ إلَيْهِ عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْقَرَابَةِ بَلْ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ؛ لِأَنَّ أَقْرَبَ يَقْتَضِي أَنَّهُ شَارَكَ وَزَادَ وَهَذَا مَفْقُودٌ هُنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَخٌ شَقِيقٌ يَأْتِي هَذَا الْبَحْثُ وَمَحَلُّ هَذَا الْبَحْثِ إذَا قَالَ أَقْرَبُ أَقَارِبِي الْمَوْجُودِينَ أَمَّا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِالْمَوْجُودِينَ فَيُصْرَفُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَقَارِبَ هَذَا أَقْرَبُهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ انْقَرَضُوا فَإِنْ قُلْت لَوْ وَصَّى لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَقَارِبِهِ.
قُلْت قَالَ الْأَصْحَابُ يُصْرَفُ لِثَلَاثَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمَاعَةٌ لَا أَنْ يُقَالَ إنَّ الِاثْنَيْنِ إنَّمَا جُعِلَا جَمَاعَةً فِي ثَوَابِ الصَّلَاةِ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ سَوَّى الْفُقَهَاءُ بَيْنَ أَقَارِبِهِ وَقَرَابَتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ أَقَارِبَ جَمْعُ أَقْرَبَ وَهِيَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فَتَخْتَصُّ
стр. 528
بِالْأَقْرَبِينَ مِنْ الْقَرَائِبِ.
قُلْت لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ جَمْعَ أَقْرَبَ بَلْ تَكُونُ جَمْعَ قَرِيبٍ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي طَلْحَةَ فِي صَدَقَتِهِ أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. قُلْت؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ قَبِيلَتِهِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَلَمْ يَجْعَلْ لِي فِيهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا أَقْرَبُ إلَيْهِ.
فَإِنْ قُلْت كَيْفَ اقْتَصَرَ عَلَى اثْنَيْنِ مَعَ صِيغَةِ الْجَمْعِ.
قُلْت لَمْ يَقْتَصِرْ فَقَدْ قَسَمَهَا فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَسٌ حَسَّانَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْهُ فَإِنَّ أَبَا طَلْحَةَ وَزَيْدَ بْنَ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامٍ وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ وَحَرَامٌ هَذَا ابْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّار وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبِ بْن قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ.
فَأُبَيٌّ فِي رُتْبَةِ وَالِدِ أَبِي طَلْحَةَ وَحَسَّانُ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ حَسَّانَ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَبِي طَلْحَةَ وَلَكِنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُمَا إلَى جِذْمِ النَّسَبِ وَهُوَ مَالِكُ بْنُ النَّجَّارِ فَلِذَلِكَ أَعْطَاهُ وَلَمْ يُعْطِ أَنَسًا؛ لِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ ضَمْضَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنَمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ فَأَنَسٌ أَنْزَلُ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ وَحَسَّانَ بِثَلَاثِ دَرَجَاتٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ رَاعَى لَفْظَ الْأَقْرَبِينَ، وَلَمْ يُعَمِّمْ الْأَقْرَبِينَ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَجِدْ فِي رُتْبَةِ حَسَّانَ اثْنَيْنِ مُسَاوِيَيْنِ لَهُ إذَا قَرَّبَ فَأَدْخَلَ أُبَيَّ وَرَاعَى أَقْرَبِيَّتَهُ إلَى أَصْلِ نَسَبِهِ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ مُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ الْأَقْرَبِينَ مِنْ قَرَابَتِهِ الَّذِينَ هُمْ قَبِيلَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِنَا: أَقْرَبُ الْأَقَارِبِ وَأَقْرَبُ النَّاسِ وَتُعْطَى كُلُّ لَفَظَّةٍ حَقَّهَا، وَدَلَالَةُ الْجَمْعِ هَلْ تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ عِنْدَ التَّعْرِيفِ وَالْإِضَافَةِ أَوْ لَا؟ وَمَنْ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ مِنْ الْأَجْدَادِ فِي الْقَرَابَةِ حَتَّى تُبْنَى عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَحْكَامُ وَلَفْظُ الْقَرَابَةِ وَالْقَرَائِبِ مِثْلُ لَفْظِ ذَوِي الْقُرْبَى وَقَدْ قَصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فَالشَّافِعِيَّةُ ضَبَطُوهُ بِأَقْرَبِ جَدٍّ يُعْرَفُ بِهِ، وَأَقْرَبُ جَدٍّ مِنْ أَجْدَادِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْوَصْفِ هُوَ هَاشِمٌ، وَأَلْحَقَ النَّبِيُّ ﷺ بَنِي الْمُطَّلِبِ بِهِمْ وَأَحْمَدُ اعْتَبَرَ الْجَدَّ الرَّابِعَ؛ لِأَنَّ هَاشِمًا رَابِعٌ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْجَدَّ الثَّالِثَ.
فَإِنْ قُلْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ الْأَخَ مِنْ الْأُمِّ يَتَنَاوَلُ الشَّقِيقَ فِيمَا أَوْصَى بِهِ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ هَلْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ يَجْرِي فِي هَذَا الْوَقْفِ غَيْرَ أَخَوَاتِهَا الثَّلَاثِ وَبَقِيَّةِ أَهْلِ الْوَقْفِ خَالَاتُهَا أَعْلَى مِنْهَا وَلَيْسَ لَهَا أَوْلَادُ عَمٍّ وَلَا عَمَّةٍ فَانْحَصَرَتْ الطَّبَقَةُ فِي ثَلَاثٍ الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ وَالْأُخْتَيْنِ
стр. 529
لِلْأُمِّ وَقَدْ قَالَ الْوَاقِفُ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ تَقْتَضِي التَّبْعِيضَ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَعُمَّ الْجَمِيعَ وَيَصِيرُ هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ أَعْطُوهُ هَذَا الْأَقْرَبَ إلَيَّ مِنْ إخْوَتِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَكَانَ لَهُ أَخٌ شَقِيقٌ وَأَخَوَانِ مِنْ أُمٍّ فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ هُنَا إنَّ أَخَوَيْ الْأُمِّ يُعْطَيَانِ وَلَا يَجْرِي فِيهِ ذَلِكَ الْخِلَافُ قَطْعًا وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ التَّشْرِيكَ هُنَا مَقْطُوعٌ بِخَطَئِهِ.
فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَشْتَرِكُ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَمِنْ الْأَبِ فِيمَا وَقَفَ عِنْدَ تَقْدِيمِ الشَّقِيقِ. قُلْت يَشْتَرِكُ مَعَهُ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ وَلَا يَلْزَمُ تَشْرِيكُ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ أَلْفَاظَ الْوَاقِفِينَ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِلْفَرْقِ فَإِنَّ الْأَخَ لِلْأَبِ عَصَبَةٌ كَالشَّقِيقِ فَعَلَى الْوَاقِفِ يُرَاعَى جِهَةُ الْعُصُوبَةِ.
فَإِنْ قُلْت فَمَا مَعْنَى هَذَا التَّشْرِيكِ؟ قُلْت يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّسْوِيَةُ كَمَا سَوَّى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مَوْضِعَ الشَّقِيقَةِ أُخْتٌ لِأَبٍ تَقَدَّمَتْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّ الشَّقِيقَ مُقَدَّمٌ فَيَسْتَحِقُّ بِالْأَصَالَةِ، وَإِذَا وُجِدَ مَعَهُ أَخٌ لِأَبٍ شَارَكَهُ فِي نَصِيبِهِ وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَيَكُونُ الَّذِي مِنْ الْأَبِ عَوْلُهُ عَلَى الشَّقِيقِ لَا يَكُونُ لَهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا إذَا مَاتَ الَّذِي مِنْ الْأَبِ لَا نَقُولُ يَأْخُذُ نَصِيبَ وَلَدِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، بَلْ نَقُولُ إنَّ هَذَا نَصِيبُ الشَّقِيقِ يُوَفَّرُ عَلَيْهِ كَالْوَقْفِ عَلَى اثْنَيْنِ يَمُوتُ أَحَدُهُمَا فَيَخْتَصُّ بِهِ الثَّانِي وَإِذَا مَاتَ الشَّقِيقُ نَقُولُ يَنْتَقِلُ كُلُّ النَّصِيبِ إلَى الَّذِي مِنْ الْأَبِ وَاَلَّذِي مِنْ الْأُمِّ فِي النَّصِيبِ الْآخَرِ.
فَإِنْ قُلْت مَا ذَكَرْتُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ انْحِصَارِ الدَّرَجَةِ وَاقْتِضَاءِ مِنْ التَّبْعِيضَ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ وَلَا يَلْزَمُ التَّقَيُّدُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّا إنَّمَا نَنْظُرُ إلَى مَدْلُولِ لَفْظِ الْوَاقِفِ وَالدَّرَجَةُ أَعَمُّ فَيَصِحُّ التَّبْعِيضُ فِيهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّرَجَةِ إلَّا وَاحِدٌ صُرِفَ إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ التَّبْعِيضُ فِيهِ.
قُلْت إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الدَّرَجَةِ إلَّا وَاحِدٌ صُرِفَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ غَيْرُهُ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي الدَّرَجَةِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ وَهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فَيَجِبُ رِعَايَةُ التَّبْعِيضِ.
فَإِنْ قُلْت لَيْسُوا مُتَفَاوِتِينَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ هُمَا سَوَاءٌ إنْ كَانَ قَالَ بِذَلِكَ قَائِلٌ.
قُلْت لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ هُمَا سَوَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الشَّقِيقَ زَائِدٌ فِي الْقُرْبِ قَطْعًا؛ وَغَايَةُ مَا يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ يُجْعَلُ مِثْلَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ فَلَا يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ.
فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ الْمَذْكُورُ فِي إسْجَالِهِ إنَّهُ رَأَى قَوْلَ الْوَاقِفِ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَمِنْ الْأَبِ صَرِيحًا فِيمَا سَأَلَهُ السَّائِلُ.
قُلْت الَّذِي سَأَلَهُ السَّائِلُ الْحُكْمُ لِلشَّقِيقَةِ وَاللَّتَيْنِ مِنْ أُمٍّ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ خَطَأٌ قَطْعًا، وَلَا يَقُولُ عَرَبِيٌّ وَلَا عَجَمِيٌّ
стр. 530
وَلَا مَنْ لَهُ تَصَوُّرٌ وَنُطْقٌ يَقِفُ عِنْدَمَا يَقُولُ إنَّ لَفْظَ الْأَبِ صَرِيحٌ فِي الْأُمِّ وَلَا ظَاهِرٌ. فَإِنْ قُلْت الْأُمُّ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ.
قُلْت هَذَا يُقَالُ عِنْدَ التَّغْلِيبِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَأَمَّا إطْلَاقُ الْأَبِ عَلَى الْأُمِّ فَهَلْ سُمِعَ قَطُّ فِي كَلَامٍ فَصِيحٍ مِنْ نَظْمٍ أَوْ نَثْرٍ، وَهَذَا أَقَلُّ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ سُؤَالًا وَلَكِنَّهُ لَمَّا قِيلَ ذَكَرْته فَإِنِّي سَمِعْت مَنْ احْتَجَّ بِهَذَا لِهَذَا الْحَاكِمِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ الْحَاكِمُ مَعَ عِلْمِهِ بِالْخِلَافِ.
قُلْت فِيهِ: أَيْنَ هَذَا الْخِلَافُ وَعَجِيبٌ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ مَعَ أَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ صَرِيحُ الصَّرِيحِ، كَيْفَ يَخْتَلِفُ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْخِلَافِ كُنَّا نَقُولُ إنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْأُخْتَيْنِ مِنْ أَبٍ وَكَانَ يَكُونُ عُذْرًا وَيَكُونُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ مَا صَادَفَ مَحَلًّا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِأُخْتَيْ الْأُمِّ أَلْبَتَّةَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ لَوْمٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّهْوَ يَعْرِضُ لَكِنَّ قَوْلَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْخِلَافِ يَدْفَعُهُ؛ لِأَنَّ التَّشْرِيكَ بَيْنَ الشَّقِيقِ وَالْأَخِ مِنْ الْأَبِ مَعَ تَصْرِيحِ الْوَاقِفِ بِهِ لَا خِلَافَ فِيهِ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ يَكُونُ لِلْحَاكِمِ مُسْتَنَدٌ آخَرُ قُلْت تَضَمَّنَ إسْجَالُهُ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ صَرِيحًا وَحَكَمَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ رَتَّبَ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ عَلَى مَا رَآهُ مِنْ الصَّرَاحَةِ وَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ مُسْتَنَدُهُ فِي الْحُكْمِ وَكُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ يَقِينًا خَطَأَهُ فِي رُؤْيَةِ ذَلِكَ صَرِيحًا وَمَتَى كَانَ الْمُسْتَنَدُ خَطَأً كَانَ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ خَطَأً مِثْلَهُ فَيَكُونُ مَقْطُوعًا بِخَطَئِهِ وَكُلُّ مَقْطُوعٍ بِخَطَئِهِ يَجِبُ نَقْضُهُ.
فَإِنْ قُلْت فَالْحَاكِمُ مَتَى يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي مُسْتَنَدِهِ؟ قُلْت عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِمَا قَالَهُ فِي إسْجَالِهِ وَهَذَا حَقُّ آدَمِيٍّ وَلَيْسَ مِمَّا يَثْبُتُ حِسْبَةً فَلَيْسَ لَهُ الْآنَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِيهِ إلَّا بِدَعْوَى، وَالْإِخْبَارُ عَنْ الْقَاضِي بِأَنَّ لَهُ مُسْتَنَدًا آخَرَ يُخَالِفُ ظَاهِرَ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ وَقَوْلُ الْحَاكِمِ مَقْبُولٌ فِيمَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ.
فَإِنْ قُلْت فَقَدْ ذَكَرَ مُسْتَنَدَاتٍ لَا بَأْسَ أَنْ نَسْمَعَهَا وَنُجِيبَ عَنْهَا. قُلْت مَا ذَكَرَهَا وَأَنَا أَسْتَنْطِقُك بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْأَسْئِلَةِ لِيَنْتَظِمَ الْكَلَامُ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ سُؤَالًا وَجَوَابًا.
فَإِنْ قُلْت أَنْتَ تُثْبِتُ كَلَامَك كُلَّهُ عَلَى شَرْطِ تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ فِي جَمِيعِ الْبُطُونِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا فِيمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْإِخْوَةِ الْأَرْبَعَةِ، وَدُنْيَا الَّتِي الْكَلَامُ فِي نَصِيبِهَا لَيْسَتْ مِنْهُمْ بَلْ هِيَ بِنْتُ إحْدَاهُنَّ.
قُلْت قَدْ اتَّصَلَ فِي إثْبَاتِ كِتَابِ إقْرَارِ بَدْرِ الدِّينِ بِالْوَقْفِ وَأَنَّ الْمَوْقُوفَ كَانَ فِي يَدِهِ حَالَ الْإِقْرَارِ وَفِيهِ شَرْطُ تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ فِي جَمِيعِ الْبُطُونِ وَإِنَّمَا الْكِتَابُ الَّذِي اتَّصَلَ بِهَذَا الْحَاكِمِ الْحَنْبَلِيِّ وَتَارِيخُهُ بَعْدَ كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَوَفَاةِ الْمُقِرِّ وَانْتِقَالِ الْوَقْفِ إلَى أَوْلَادِهِ الْأَرْبَعَةِ فَشَهِدَ الشُّهُودُ وَمُسْتَنَدُهُ الِاسْتِفَاضَةُ بِأَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى الْأَرْبَعَةِ أَيْ انْتَهَتْ مَنَافِعُهُ إلَيْهِمْ وَإِنْ مَاتَ مِنْهُمْ، وَمُرَادُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ وَإِنَّمَا قَصَرُوا فِي الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالِاسْتِفَاضَةِ فَلَمْ يَضْبِطُوا لَفْظَ الْكِتَابِ وَالْكِتَابُ قَدْ ثَبَتَ فَالتَّمَسُّكُ بِهِ أَوْلَى وَلَا مُعَارَضَةَ بَلْ هُوَ
следующие страницы →