ومن أَراد معرفة مذاهب العلماء وآرائهم في السحر وأحكامه، فليرجع إلى المطولات.
وأما الشعوذة وما يجرى مجراها، مما فيه إظهار أمور عجيبة باستعمال آلات هندسية أو خفة يد، أو الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار، فإنها ليست من السحر، وإطلاق السحر عليهامن قبيل التجوز، أو لما فيها من الدقة كما ذكره الآلوسي.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ﴾ أي: أَتبع اليهود ما كانت تقرؤُه الشياطين على الكهنة من أبواب السحر من عهد ملك سليمان، زاعمين أن سلطانه قام عليه، واتبعوا أيضًا، ما أنزل على الملكين: هاروت وماروت ببابل، وذلك أَن بابل كانت مدينة بالعراق يسكنها الصابئون الذين يعبدون الكواكب، وكان منهم أُناس يزاولون السحر، ويدعون الناس إِلى الكفر؛ وتقديس الكواكب والشياطين، ويسيطرون عليهم بالسحر؛ ليحملوهم عل عبادتها.
ومن رحمة الله - تعالى - أنه جعل من نواميسه ألا يذر الشر وحده يسيطرعلى عباده، فلذا سخر رجلين صالحين - اسمهما هاروت وماروت- لنحذير الناس، فكانا لصلاحهما- يشبهان الملائكة، فلذا أطلق الله عليهما الملكين.
ولما كان لكل شيءٍ آفة من جنسه، فلذا ألقى الله في قلبيهما علم السحر، فكانا يعلمان الناس السحر لكي يتخلصوا بتعلمه من سيطرة السحرة من الصابئة، ويتقوا شرورهم، وكانا يمزجان التعليم بالتحذير، فيقولان لمن يعلمانه: إنما نحن فتنة، أي امتحان من الله -تعالى- لعباده لينظر: أينتفعون بسحرنا في اتقاءِ الشر وجلب الخير، أم يسيئون استخدامه في الإضرار بالناس، وإفساد العقائد؟، فهو سلاح ذو حدين، فكما ينفع، يضر ويفسد العقيدة.
وفي ذلك يقول الله - تعالى -:
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
والمقصود من إنزال السحر على هذين الرجلين المشبهين للملائكة: إلقاؤه في قلبيهما وتَعْليمهماَ إياه.
وكل العلوم والمعارف تنزل على القلوب من عند الله - تعالى-:
стр. 177
وقيل: انهما ملكان، وإن السحرة قد كثروا في ذلك العهد، واخترعرا فنونا غريبة من السحر: يموهون على الناس بها، وربما زعموا أَنهم أنبياءَ، فبعث الله - تعالى - هذين الملكين ليعلما الناس وجوه السحر حتى يمكنوهم من التمييز بينه وبين المعجزة، فيحذروا الكذابين، ولا ينخدعوا بسحرهم.
وما قلنا من أن الملكين: رجلان صالحان شبها بالملائكة لصلاحهما، هو الرأى الحق، وتؤيده قراءَة (الملكين) بكسر اللام.
أما من أخذ اللفظ على ظاهره، وقال: إنهما من الملائكة بعثهما الله لتحذير الناس من السحر، فقد جانبه الصواب؛ لأن سنة اقه أن يجعل رسله من البشر لا من الملائكة.
ولهذا لما طلبت قريش أن ينزل الله لهم ملكا، رد عليهم بقوله ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (١).
وقد دلت الآية على: أن تعلم السحر كله غير حظور، وإنما المحظور منه ما يؤَدى بصاحبه إلى الكفر، باعتقاد فاعلية الشيطان، والكواكب، وألوهيتها، أَو السجود لها أو لصنم أو غير ذلك مما ينافى الإيمان. فالمقصود من قوله ﴿فَلَا تكْفُرْ﴾: أي لا تكفر بما يخالف شروط الإيمان من قول أو عمل أَو اعتقاد.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾
ذكر الله في هذا الجزء من الآية، لونا من ألوان السحر، الذي كان يعلمه الملكان لأهل بابل، وهو السحر الذي يكون من أثره إزالة الألفة بين الزوجين، واحداث العداوة أو البغضاء بينهما، إلى أن يتفرقا. واختصه بالذكر؛ لأنه من الصور التي تظهر فيها مفسدة السحر بأشد ما يكون. فلهذا آثر إِبرازها ليعلم الناس منها مدى ما يصل إليه السحر من الإضرار بالمجتمع؛ فإن إفساد الأسرة افساد للمجتمع؛ لما فيه من تشريد الأولاد الذين هم أَساسه.
ويتسع الشر إذا أريد بالمرءِ وزوجه: الإنسان ومن يزاوجة وبقارنه، فينضم إلى الإنسان
وزوجته كل قرينين بينهما إلفة كالأخوين والشريكين والصالحين، ومن هذا المعنى.
قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ (٢).
стр. 178
﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أَي وما يضر السحرة بهذا السحر أَحدا كائنا من كان، إلا بعلم الله وإِرادته؛ فهم إِذن لا يستطيعون أَن يحدثوا بسحرهم ضررا دون ارادة الله، ودفع بهذا توهم أن يكون ضارًّا بذاته، بل بِإذن الله - تعالى - ربطا للمسببات بالأسباب.
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾: ويتعلمون من السحر ما يضرهم ولا ينفعهم لأَنهم يقصدون بتعلمه الشر والإضرار بالناس. وقصدُ المعصية يعتبر معصية يعاقب الله- تعالى- عليها يوم القيامة.
أو لأن العلم يدعو إلى العمل ويجر إليه، ولا سيما الشر الذي هو هوى النفس ومطلبها.
والتصريح بقوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ بعد إثبات ضرره؛ للإيذان بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضر، بل هو ضرر محض.
وظاهر هذه الفقرة من الآية يُقَوِّى رأى القائلين بحرمة تعلمه مطلقا.
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: ولقد علم هؤلاءِ اليهود الذين نبذوا: كتاب الله، واتبعوا السحر: أَن من استبدل السحر بكتاب الله وآثره على شرعه -سبحانه- ليس له أىُّ حظ من الجنة، ولا أي نصيب من الخير يوم القيامة؛ لأنه لم يكن له إيمان ولا عمل صالح يكافأ عليه.
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿شَرَوْا﴾ أي باعوا، وهي من الأضداد، ومما جاءت به بمعنى البيع أيضًا قوله تعالى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (١) أي باعوه بثمن قليل. والعلم هنا منزل منزلة اللازم، غير منظور فيه إلى مفعول، أيَ لوكان عندهم علم وعقل.
والمعنى: ولبئس هذ الذي باعوا به حظ أَنفسهم من الخير، وهو تعلم السحر والعمل به. ولو كان عندهم علم وعقل، لأدركوا أَن هذا السحر ضار، مفسد للنفس والعقل والناس، ولامتنعوا عن تعلمه والعمل به.
وإنما نفي عنهم العلم، لأن العالم إِذا لم يجر على موجب علمه، ينزل منزلة الجاهل وينفي عنه العلم كما ينفي عن الجاهل.
١٠٣ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أَي: ولو أن هؤلاء الذين يتعلمون السِّحْرَ ويؤثرونه على ما أنزل الله، أو أنهم آمنوا بالنبي - صلى
стр. 179
الله عليه وسم- وبما أنزل عليه من القرآن الذي فيه هدايتهم، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لأُثيبوا على ذلك، وثواب الله خير لهم من السحر. ولو كانوا من أولي العلم الذين ينتفعون بما يعلمون، لم يفعلوا ذلك، ولكنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، فكفروا وعصوا، فكانوا من الخاسرين.
وفي النظم الكريم: تنكير مثوبة ليبين فضلها باى قدر، فقليل من ثواب الله - تعالى - في الآخرة خير من نعيم الدنيا الفانية. مهما كثروعظم، فكيف وثواب الله - تعالى - كثير دائم:
وفي ذلك: ترغيب في طاعة الله، وترهيب من المخالفة التي تجر إِلى عقابه تعالى.
واستنبط بعض العلمان من الآية: أَن مَنْ تعلم السحر لا ليعمل به، ولكن ليتقى ضرر، أو علمه غيره لهذا الغرض، ة لا حرمة عليه، فإن القرآن الكريم ذكر عن الملكين انهما كانا يعلمان- الناس السحر، ولم يعقب حكاية ما فعلاه بالنهى عنه. وهذا يقتضى إباحة تعلمه، للتمييز بين السحر وببن المعجزة والكرامة. ولاتقاء ضرره.
ولا ننسى ما بيناه من الخلاف في حكم تعلمه وتعليمه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾.
المفردات:
﴿رَاعِنَا﴾: أي انتظرنا وتأَنَّ بنا حتى نفهم كلامك. وأصله من المراعاة، وهي المبالغة في الرعى. وهو الحفظ والتدبير. وتدارك المصالح.
﴿انْظُرْنَا﴾: انتظرنا وتأَنَّ بنا.
﴿مَا يَوَدُّ﴾: الود: محبة الشئ وتمني وقوعه.
стр. 180
التفسير
١٠٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا … ﴾ الآية.
هذا نداء من الله للمؤمنين، صدرت به الآية لأهمبة الأدب الذي دعت إلى الأخذ به؛ لأن نداء المؤمنين بوصفهم، يذكرهم بأَن الإيمان يقتضى من صاحبه: أن يتلقي أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة.
﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾: كان المسلمون- إذا ألقى الرسول عليهم شيئاً من العلم- يقولون: راعنا يا رسول الله، يريدون منها: انتظرنا وتأن بنا؛ حتى نفهم كلامك ونحفظه.
وهذه كلمة لا شئ فيهما من سوء الأدب، إلا أن اليهود حينما سمعوهم يقولون ذلك، صاروا يخاطبون الرسول بها، محرفين لها عن معناها الذي أراده المسلمون، إذ أَرادوا سبه بنسبته إلى الرعن، وهو الحمق أو الاستهزاء به باللغة العبرانية. فقد كانوا يتسابون فيما بينهم بكلمة ﴿راعنا﴾ العبرانية فاستعملوها مقلدين - في اللفظ- ما ينطق به المؤمنون مع سوه النية، على دأبهم دائما في تحريف الكلم عن معناه، كما حكى القرآن عنهم ذلك في سورة النساء بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ (١).
وكان سعد بن عبادة يعرف لغتهم، فلما سمعهم يقولون ذلك، قال لهم: عليكم لعنة الله، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبى ﷺ لأضربن عنقه فقالوا: أو لستم تقولونها؟ فأنزل الله الآية: نهيا للمؤمنين عن مخاطبة الرسول- ﷺ بهذه اللفظة: لألسنة اليهود، حتى لا يتخذوها ذريعة لسب النبي صل الله عليه وسلم - وإيذائه والاستهزاء به؛ فإن معناها في لغتهم كما قيل: اسمع لا سمعت، وأمرهم أن يقولوا له بدلا عنها ﴿انْظُرْنَا﴾: انتظرنا وتأنَّ بنا؛ حتى نحفظ
стр. 181
وتفهم ما تقول؛ فإنها تؤَدى المعنى الذي يقصدونه بقولهم: ﴿رَاعنِا﴾ ولا يمكن اليهوه أن يحرفوها إلى سبه ﵇ والاستهزاء به.
وفي هذا تنبيه إلى أدب كريم، وهو: أن الإنسان يتجنب في مخاطبته - صلى الله عليه وسم- الأَلفاظ التى توهم جفاء أوتنقصنا. وإلى جانب ذلك، هو نهج قويم للخلق الإسلامي والإنساني.
﴿وَاسْمَعُوا﴾: أيها المؤمنون قوله ﷺ سماع قبول وامتثال، مع وعى قلبي، حتى تحفظوا ما يلقيه عليكم، ولا يفوتكم منه شئ.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ولهؤلاء اليهود الذين كفروا برسالة محمَّد، وحرفوا الكلام عن مواضعه وآذوا الرسول ﷺ واسنهزأوا به، عذاب موجع فى نار جهنم.
وفي التعبير بقوله ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾: بيان لأن ما صدر عنهم من سوء الأدب في خطاب الرسول- صلى الله علبه وسلم - هو أثر من آثار الكفر، وأنهم استحقوا هذا العذاب المقصور عليهم بسبب كفرهم.
١٠٥ - ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ … ﴾ لآية.
لا يحب الكافرون من اليهود والنصارى، ولا المشركرن: أن ينزل الله عليكم -أيها المؤمنون-: شيئًا من الخير، وذلك لعداوتهم وحسدهم لكم، فهم لا يحبون لكم الخير.
وأَعظم الخيرات هو القرآن الكريم؛ لأنه الهداية العظمى إلى الصراط المستقيم.
وقد جمع. الله به شملكم، وأخرجكم به من الظلمات إلى النور، فكيف لا يحرق الحسد أكبادهم على إنعام الله عليكم بهده النعمة: وكذلك المشركون: يرون قى نتابع نزول القرآن، قوة للإسلام وتثبيتا: لدعائمه وأركانه. وهم يكرهون ذلك ويودون أن تدور الدائرة على المسلمين، ويستكثرون أَن يكون نزول القرآن على محمد -صلى
стр. 182
الله عليه وسلم- من بينهم ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾: (١)
وخص بعض العلماء الخير هنا، بالوحي. مراعاة للمقام. فهو الذي من أَجله كره أَهل الكتب والمشركون النبي والمؤمنين. وَيَسْتَدلون لذلك بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَي: والله يختص بنبوته من يشاء ممن أعدهم وهيأهم لها. فكانوا جديرين بها. ولهذا اختص بها محمد ﷺ من بين الناس؛ لتمام أهليته لذلك.
وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢).
وقد فسرها عَلي ﵁ بذلك، فهي الخير الذي بكرهه هؤلاء للنبى ﷺ ، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم﴾: فلا حرج على فضله تعالى، أَن يمنح النبوة من يشاء ممن هو أهل لها، فكيف يسحدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ومن حسد أحدًا على فضل الله، فهو ساخط على حكم الله: معترض على قضائه، ولا يضر الحاسد بحسده إلا نفسه.
وفي إِسناد الرحمة والفضل إِلى اسم الذات. بيان أنهما حقه - تعالى - لذاته، فليس لأحد من عبيده، أدنى تأثير في منحهما ولا في منعهما.
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾
المفردات:
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: النسخ لغة: المحو والإبطال، والمراد هنا بالآية: الجملة القرآنية ذات الحكم الكامل. والمراد بنسخها: بيان انتهاءِ التعبد بها. وقيل المراد بها: الشريعة، على حد قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾. (٣)
стр. 183
والمراد. من نسخها على هذا: تغييرها بشريعة أخرى تأتى بعدها، أَو: الآية المعجزة. ونسخها: الإتيان بآية أخرى غيرها. وسيأتي بيان ذلك.
﴿أَوْ نُنسِهَا﴾: نُبحْ لكم تركها. من نسي: بمعنى ترك، دخلت علية الهمزة للتعدية.
قال أَبو على وغيره من أَئمة اللغة: هذا متجه؛ لأَنه بمعنى: نجعلك تتركها.
وقريء نَنْسَأْهَا -بفتح النون مهموزا، من نسأه: إذا أخره أَي: نؤَخر نزولها
عليكم ﴿وَليّ﴾: من يلي أمرك أو يملكك. كالمولى
﴿نصير﴾: معين.
التفسير
١٠٦ - ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الربط:
جاءَ في الآية السابقة ما يفيد: أَن أهل الكتاب والمشركين، لا يودون أن ينزل الله على المسلمين- فى شخص الرسول- خيرا. أي: وحيا منه.
وكمان ذلك حسدًا منهم.
فاليهود كانوا يريدون الرسالة فيهم دون العرب؛ لانهم نشأوا في مهابط الوحي، والعرب أميون.
والمشركون كانوا يريدونها لرجل من القريتين عظيم، وقد أفحمهم الله بأَن هذا ليس من شأنهم، فالله يختص برحمته- أَي بنبوته- من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
لهذا ناسب أَن يذكر الله عقب ذلك حكمًا من أَحكام الوحى الذي اختص به رسوله ﵇، وهو النسخ: تقريرا له، وردا على الطاعنين في النسخ، الكارهين لنزول الوحي عليه ﷺ وذلك قوله سبحانه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا … ﴾
وسبب النزول: أن اليهود قالوا - بعد تحويل القبلة من ببت المقدس إلى الكعبة - إن محمدا يأْمر أصحابه بشئ ثم يناهم عنه، فما كان هذا القرآن إلا من عند محمَّد. ولهذا ينافض بعضه بعضا.
قالوا ذلك: إنكارا للنسخ وكراهة للتحويل، إذ كانوا يأنسون بموافقته لهم في القبلة.
стр. 184
فلهذا نزلت الآية للرد عليهم - كما نزل لذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (١)
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾
والمعنى: أيُّ شيءٍ من الآيات والاحكام: ننهى التعبد به، أو تجعلكم تتركونه؛ نأتي بأفضل منه: مثوبة أو نفعًا أَو خفة على المكلفين. أَو نأتى بمثله في ذلك. فإن تنزيل الآيات المشتملة على الأحكام الشرعية، يكون وففًا للحِكَم والمصالح؛ وذلك يختلف باختلاف الأحوال. قرب حُكْم تقتضيه الحكمة في حال؛ تقتضى نقيضه في حال أخرى، فلو لم يجز النسخ، لا ختل ما بين الحكمة والأَحكام عن النظام.
وهذا الحكم غير مختص بالآية الواحدة كاملة. بل هو جارٍ فيما فوقها وما دونها.
وتخصيصها بالذكر، باعتبار الغالب.
ثم ختم الله الآية بهذا التقرير:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾:
الخطاب فيه لكل من لدبه علم وعقل. الاستفهام للتقرير.
والمراد بهذا التقرير: الاستشهاد بعلم المخاطب، بأنه تعالى؛ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾:
على قدرته على النسخ؛ والإتيان بما هو خير من المنسوخ أو مثله، أي أنك تعلم أَن الله على كل شئ قدير، فتدرك - بمقتضي علمك هذا قدرته تعالى على نسخ الآيات، والإتيان بخير منها، أو مثلها لمصلحة عباده.
وتعريف النسخ شرعا: إزالة حكم شرعى سبق، بخطاب ورد متأخرا، كما قال القاضيان: عبد الوهاب وأبو بكر. وزاد الأَخير: لولاه لكان السابق ثابتا.
ومن أراد معرفة الفرق بينه وبين التقييد والتخصيص، وأحوال النسخ وأمثلته، وهل يجوز نسخ القرآن بالسنة أولًا؟ فعليه أَن يرجع إِلى المطولات: ق التفسير وكتب الأصول. ونسخ الأحكام للمصلحة، موجود في جميع الديانات.
ففي صحيح مسلم: "لم تكن نبُوَّة قط إلا تناسخت" أي تحولت من حال إلى حال بالنسبة إلى المكلفين- ذكره القرطبي في المسأَلة الثالثة من مباحث الآية.
стр. 185
وأنكرته طوائف من اليهود، زاعمين أَن ذلك من البداء، وهو مستحيل على الله، وقد كذبوا؛ فإن النسخ: النقل من حكم إلى حكم، لضرب من المصلحة.
ولا خلاف بين العقلاء، في أن شرائع الرسل قصد بها مصالح الخلق: الدنيوية والأخووية.
وأَما البداء، فهو: ترك ما عزم عليه أولا والعدول عنه، كقولك لشخص: امض إِلى فلان، ثم يبدو لك نقض الرأي الأول فتقول: لا تمض. أو تقول: له: إزرع كذا. ثم يبدو لك خلافه فتقول له: لا تزرعه، بل ازرع كذا لشئ آخر، على سببل التناقض والتقلب في الرأي
وهذا محال على الله - تعالى - لكمال علمه وحكمته، جائز الخلق لنقصانهم.
فكل حكم له تعالى صالح، وله حكمة فى وقته: منسوخًا كان أو ناسخًا، وليس في أَحكامه تعالى بداء.
رأى آخر فى النسخ
ذكرنا- فيما تقدم- رأى جمهور العلماء سلفا وخلفا في معنى النسخ فى الآية الكريمة، وحكمته. وخلاصته أنه: إزالة حكم شرعى سابق، بخطاب ورد متأخرا عنه، وأن كلا من المنسوخ والناسخ لمصلحة العباد في حينه.
ومن العلماء طائفة لا يقولون بنسخ الأَحكام، فرارا من البداء المستحيل على الله، فإِن تغيير الأحكام في الشريعة الواحدة، شأن من لا يعلم المصلحة كما ينبغى العلم، حينما شرع. فلما علمها، عدل عما شرعه أَولا، وذلك لا يليق بالله - تعالى - العليم الحكيم.
ويقولون: إن الآية الكريمة، ليست دليلًا على ما يقوله الجمهور في معناها، بل إن السياق يدل على خلافه، فإِن الآية قبلها تدل على أَن أَهل الكتاب يكرهون نزول الخير:
أي الوحي من الله على المسلمين. وإنما كرهوا ذلك لأنهم كانوا يريدون بقاءَ النبوة في
بني إسرائيل، وأَن تظل التوراة شريعة الناس: لا تنسخ، فهم يحسدون الناس على ما آتاهم
الله من فضله.
فأخبرهم الله- تعالى- بأنه يختص برحمته- أَي نبونه وشريعته- من يشاء، لأن أمرها ليس لهم، بل لله وحده ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. فلا يحق لهم أَن يحتكروا فضله عليهم.
стр. 186
وعقَّب. ذلك، بما يدل على أن نسخ شريعتهم بالشريعة الإسلامية ليس بدعًا، بالنسبة إلى شأنه وإلى مع سائر الشرائع، فقال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أَي: ما نغير من شريعة من الشرائع العلومة للناس: كالتوراة والإِنجيل والزبور، أو نجعلها منسية دارسة لا علم للناس بها - كالشرائع المجهولة لنا، النازلة على بعض من قصهم الله علينا من الأَنبياء ومن لم يقصصهم علينا، نأْت بشريعَة هَة خير منها أَو مثلها، حسبما ينبغى لحال الأْمة التي شرعت لها.
وقد اقتضت الحكمة نسخ شريعتكم أيها اليهود، بشريعة الإِسلام، التي هي خير للأُمة التي كلفت بها، من شريعتكم، فلماذا تكرهون نزول الوحي على سواكم ناسخا لشريعتكم، وتلك سنة الله فى جميع الشرائع؟
ويؤول أصحاب هذا الرأي الآيات التي ظاهرها التعارض والنسخ، بحيث يبعدونها عن دائرة النسخ بمعنى تغيير الحكم.
وقد اتضح مما سبق بيانه، أن المراد بالأية عند أَصحاب هذا الرأي: الشريعة، وقد أطلقت عليها، لأَنها علامه يهتدى بها الناس في معاشهم ومعادهم.
وذلك يتفق مع المعنى اللغوى لكلمة الآية فإنها بمعنى العلامة.
رأى ثالث النسخ
ومن الباحثين من قال المراد: بالآية، المعجزة، وبنسخها، تغييرها. وعنده أَنها نزلت للرد على من اقترح أن يأتى محمَّد بمعجزة، كمجزة موسى، كما يؤذن به قوله تعالى ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
والمقصود من الَاية الكريمة على هذا الرأي: بيان أن معجزة النبي- ﷺ جاءَت من نوع آخر غير معجزات من سبقه وهى محققة لنبوته، ولذا ختم الآية بقوله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي وإِذا كان الله كل كل شئ قدير، فلا يفترح عليه تعالى آيات بعينها، فلكل نبي آياته. ولكل عصر ما يلائمه، وقد أيد محمدا ﷺ بما هو كاف من المعجزأت أعظم الكفاية.
стр. 187
ومن أرد مزيدا من البيان فليرجع إِلى المطولات للموازنة بين تلك الآراء.
والله الموفق.
١٠٧ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ … ﴾ الآية.
لما قرر في الآية الله السابقة: أَنه تعالى على كل شئ قدير، ذكر هنا ما هوكالدليل على ذلك، وهو أَنه تعالى: له ملك السمؤات والأَرض، واستشهد على ذلك بعلم كل ذي علم فقال ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كما فعل هناك. فالخطاب فيه لكل من يعلم.
والعلم بذلك قدر مشترك بين المسلمين وأَهل الكتاب والمشركين.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (١)﴾. وفي شمول الخطاب للمعاندين، أَبلغ ود عليهم. فهو إلزام لهم بما يعلمونه.
ولكون التعميم مرادًا، ختمت الآية بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ والهمزة في: ﴿أَلَم تعْلَمْ﴾ للإِنكار والنفي، دخلت النفي. ونفى النفي إثبات. والمعنى: أنك أَيها المخاطب، تعلم علمًا يقينيا: أنه تعالى، له ملك السنوات والأرض ومن كان كذلك، فهو على كل شئِ قدير.
وإِذا ثبتت قدرتة على كل له شيءٍ بما ثبت له من ملك السموات والأرض- فهو صاحب الأمر في خلقه. فله نسخ الآية بخير منها أَو مثلها: تدرجا في الحكم، وتطويرًا له، حسب تطور حاجة البشر ومصلحتهم؛ فإِن رب الخليقة ومالك الكون، من شأْنه أن يرعى مصاحة عباده.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: معطوف على الخبر، دأخل معه في حيز المعلوم للمخاطب.
و ﴿دُونِ﴾ بمعنى: غير. والولى: من يلي الاَّ مر أَو يملكه، والنصر: المعين، وجمع بينهما؛ لأَن المالك أَو ولى الأمر، قد لا يستطيع النصر، والنصر قد يكون أَجنبيا غير مالك، فأفادت الآية أَنه تعالى، اتصف با لوصفين جميعا: الملك والنصر.
والمراد: وما لكم من غير الله مالك ولا معين. فلذا يرعى مصالحكم في التشريع وغيره.
وأَتى بصيغة: فعيل في: ﴿ولى﴾ و ﴿نصير﴾ لأَنها أبلغ من فاعل، ولأن وليا أكثر استعمالا من
من والٍ.
стр. 188
وجيءَ بهذه الفقرة، إشارة إلى أن الراجب على العاقل أن يتجه بكليته إلى من له ملك السموات والأرض، لا إلى غيره، ممن لا يستطيع دفع ضر أو جلب نفع لنفسه.
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾
المفردات:
﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾: أَم هنا منقطعة. بمعنى بل، وهمزة الإنكار، أي: بل أتريدون.
﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾: أي يجعل الكفر في موضع الإيمان من نفسه
﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: السببل: الطريق، وإضافة سواء إليه، من إضافة الصفة إلى الموصوف،
أي الطريق المستوى.
التفسير
١٠٨ - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ … ﴾ الآية.
سبب نزول الآية:
اختلف المفسرون في سبب نزولها. والراجح: أنها نزلت في شأْن اليهود حين قالوا: يا محمَّد، اتتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة جملة، وخاطبهم بذلك - بعد رد طعنهم في النسخ- تهديدا لهم. واخنار هذا الإمام الرازى. وقال: إنه الأصح، لأن الحديث - من أول قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ (١) إلى هذه الآية - حكاية عن اليهود ومحاجة معهم؛ ولأنه جرى ذكرهم قبل ذلك دون غيرهم.
وعبر بالمضارع عل هذا في قوله: ﴿أنْ تَسْألوا﴾ مع أنهم سألوا قيل ذلك إحضارا للصورة لغرابتها، فقد جهلوا أن تنزيل القرآن، كان على حسب الوقائع، وذلك يقتضى إنزاله عل دفعات، فلا وجه لطلب إنزاله جملة.
وقيل: إنها نزلت في المؤمنين: توصية لهم بالثقة بالرسول ﷺ وترك الاقتراح عليه، بعد أن رد طعن اليهود في النسخ.
стр. 189
على حد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١).
ولذا، نزل بعدها قوله سبحانه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ … ﴾. والخطاب - على السبب الأول- لليهود. وإضافق الرسول إليهم باعتبار الواقع، وإن خالف اعتقادهم. وعلى السبب الثاني، يكون الخطاب للمؤمنين، وعلى هذا يكون المعنى:- لا نكونوا أيها المؤمنون- فيما أنزل عليكم من القرآن- مثل اليهود في ترك الثقة بالآيات البينات، واقتراح غيرها، فتضلوا وتكفروا. يعني: أن شأْنكم- وأنتم مؤمنون- ألا تتجهوا لإرادة ذلك. وإضافقالرسول إليهم- على هذا- باعتبار الواقع والاعتقاد.
﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾:
المعنى: ومن يَخْتَرِ الكفرَ لنفسه، في مقابل الإيمان وبدلا عنه. فقد عدل عن الطريق السوى الموصل إلى أسمى الغايات.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾
المفردات:
﴿وَدَّ﴾: تمنى وأحب.
﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾: العفو: ترك العقوبة على الذنب. والصفح: ترك اللوم علية وهو أبلغ من العفو، إذ قد يعفو ولا يصفح.
стр. 190
﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾: بإِذنه في القتال.
﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾: تجدوا ثوابه عنده.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أَدُّوها -بأركارنها وشروطها وهيئاتها- في أوقاتها. وأصله: أفعل من قام الحقُّ: ظهر وثبت أي أظهِروها على النحو الذي يرتضيه الشرع
(بَصِيرٌ): عليم.
التفسير
١٠٩ - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ … ﴾ الآية
سبب النزول:
روى الواحدي عن ابن عباس: أن طائفة من كبار اليهود قالوا للمسلمين - بعد وقعة أحد - ألم تروا إلى ما أصابكم؟ ولو كنتم على الحق لما هزمتم، فارجعوا إلي ديننا فهو خير لكم فنزلت: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ … ﴾
المعنى: تمنى كثير من اليهود - أَهل الكتاب - أن يُرجعوكم - أيها المسلمون من بعد إيمانكم- كفارا: حسدًا لكم. نابعا من أَصل نفوسهم وأَعماق قلوبهم.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: من بعد ما اتضح لهم الحق الذي أنتم عليه، بما جاء عنه -أي عن الحق- من النعوت في كتابهم، وبما ظهر لهم من الآيات التي أَيد الله بها رسوله، فلذلك ينتهزون الفرص لتنفيركم من دينكم - حتى ترتدوا عنه فلا تبالوا بهم.
﴿فَاعْفُوا﴾: عنهم ولا تعاقبوهم. (وَاصْفَحُوا): ولا تلوموهم. (حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِامْرِه). أي: بإذنه في قتالهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فينتقم منهم حين يجيء أو ان الانتقام. وحسبهم -الآن- أن يأْكل الحسد قلوبهم.
стр. 191
وقد أَنزل الله بعد ذلك الإذن بقتالهم، في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١)، كما أَذن بإجلائهم.
وفي التعبير بقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ … ﴾ الخ، للذان بأن منهم من لم يتمن ارتداد المؤمنين عن الإيمان، وهم الذين آمنوا من اليهود، كزيد بن سعنة وعبد الله ابن سلام.
١١٠ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ … ﴾ الآية.
بعد أن أَمر الله المؤمنين بمداراة أهل الكتاب- بالصبر على حسدهم وعلى ثمنيهم ارتدادهم عن الإيمان، وبالعفو والصفح عنهم؛ حتى يأْذن الله بأن ينتقموا منهم- أمرهم باللجوءِ إليه تعالى بالعبادة، تكميلا لأنفسهم واشتغالا بها عنهم، وتوسلا بها لنصره لهم فقال:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أدوها كاملة الأركان والشروط، مستوفية لهيئات. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾
أي: أعطوها لمستحقيها من الأصناف الثمانية المجتمعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ مهما كان نوعه ﴿تَجِدُوهُ﴾ أي: تجدوا ثوابه يوم القيامة ﴿عِندَ اللهِ﴾ تعالى: فيما أعده في جنته للمحسنين. وقد أعد لهم ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾، إِيذان بأن الخير الذي تعطيه لأخيك المسلم كأنما تقدمه لنفسك؛ لأن المجتمع الإسلاى كالجسد الواحد.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فلا يضيع عنده عمل العاملين.
стр. 192
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
المفردات:
﴿هُودًا﴾: جمع هائد، كعُوذ جمع عائذ. ومعنى الهائد في الأصل: التائب. والمقصود هنا بالهود: اليهود.
﴿أَوْ نَصَارَى﴾: يعنون المسيحيين، جمع نصران ونصوانة، سموا بذلك نسبة إلى بلدة الناصرة التي كان ينزل بها عيسى، أو لأَنهم أجابوا عيسى إِلى نصره لما قال لهم: من أنصارى إلى الله؟.
﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾ الأمانيَّ: جمع أمنية- بتشديد الياء- وهي: تقدير شى، في النفس وتصويره. فيها. ولما كان أكثر. عن تخمين، صار الكذب فيه أكثر. فأ كثر التمني: تصور ما لا حقيقة له.
﴿بُرْهَانَكُمْ﴾: حجتكم.
﴿بَلَى﴾: حرف جواب، وهي هنا نفي لقولهم.
﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾: أخلص توجهه وقصده، أو أخلص نفسه، وعبر عنها بالوجه، لأنه أَشرف الأعضاء ومجمع المشاعر، ومظهر آثار الإخلاص.
التفسير
١١١ - ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى … ﴾ الآية.
بعد أن حكى الله عن أهل الكتاب: أن كثيرا منهم يتمنون أن يردوا المسلمين إلى الكفر، أتبعه بأكذوبة أخرى من أكاذببهم وهي قول اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كمان يهوديا وفول النصارى: لن بدخلها إلا من كان نصرانيا. بعنون بذلك: أن المسلمين لن يدخلوها، تنفيرًا المسلمين من دينهم. وإثارة للفتنة بينهم؛ لأنهم كما تقدم. يودون ردتهم.
стр. 193
وجمع بي كلام الفريقين فى التظم الكريم: للإيجاز، وثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله؛ لأن العداوة بين القريقين معلومة.
ولقد رد الله فريتهم هذه مشيرا إليها بكل بقولة: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ أي تلك أوهامهم الكاذبة التي لا أَساس لها. والأماني تطلق على ما يتمنى دون أَن يكون له سبب. فلذا أُريد منها -هنا- الأكاذيب مجازا. وجمعت مع أُنها أُمنية واحدة، لتعدد أَصحابها، أو لأَنها مشتملة على أَماني ثلاث: أُمنية اليهود دخول الجنة وحدهم، وأُمنية النصارى كذلك، وأُمنيتهم جميعا أَلا يدخلها المسلمون. ثم أمر الله نبيه ﷺ أن يقول لهم مبكتا: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أَي: أَحضروا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما زعمتموه، فإن كل دعوى لا دليل عليها باطلة. و"إن" تستعمل لفرض ما لا يتوقع حصوله أحيانا، كما هنا.
ثم نفى سبحانه ما زعموه صريحا بعد أَن عرَّض بكذبه، وأثبت عكس ما يقولون فقال:
١١٢ - ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ … ﴾ الآية.
أي: بل يدخل الجنة: من أَخلص نفسه وذاته لله، فآمن به ونزهه - تعالى- عن الولد ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: في جميع أعماله التي منها الإسلام. ﴿فَلَهُ أَجْرُه﴾ اللائق به ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾: المنعم المتفضل المربي في دار كرامته، كما وعده سبحانه. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الدارين من لحوق مكروه. (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) على فوت مطلوب. فأمرهم كله أَمان واستبشار. أَما أَنتم -يأهل الكتاب- فلم تسلموا وجوهكم لله ولم تحسنوا، إذ كفرتم برسوله وكتابه، فلا حق لكم في جنته. وسوف تكونون في خوف داثم وحزن مقيم، وجعل الوجه كناية عن النفس؛ لأنه ترجمان عما تنطوى عليه من عقائد وأخلاق وصفات. فهو مظهر مشاعرها.
قال القرطبي: والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء. ويصح أن يكون الوجه في الآية: المقصد. اهـ.
стр. 194
وسمي الثواب أجرًا، للإيذان بكمال استحقاقه عنده تعالى، كما يستحق العامل أجره على عمله. وإضافة الأجر إليهم للإيذان بأنه أَجر يليق بهم وبإحسانهم. وعبر عن الثواب في الجنة بقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾، لتكريمهم بإضافتهم إلى الرَّب. والإيذان بتحقيق ما وعدهم به فإن شأن الرب - سبحانه - أن يحقق لعباده ما وعدهم به.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾
المفردات:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: المراد بهم عبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم من الجهلاءِ.
﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: بأن قالوا عن أهل كل دين آخر: ليسوا على شيءٍ.
التفسير
١١٣ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ … ﴾ الآية.
سبب النزول:
نزلت لما قدم وفد نجران -المسيحي- على رسول الله ﷺ وأَتاهم أحبار اليهود، فتناظروا وارتفعت أصواتهم، وقال كل فريق منهم للآخرين: لستم على شيء.
الربط: بعد أن بين الله - تعالى - أن اليهود يتلاقون مع النصارى في كراهيتهم لغيرهم وادعاءِ لك منهم أنهم الذي يدخلون الجنة دون غيرهم - شرع هنا يبين تضليل كليهما للآخر فقال:
стр. 195
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ معتد به في أمر الدين. ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ كذلك. ثم الله مدى جهلهم وعنادهم جميعًا، بحكاية حالهم فقال: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ السماوي، ومن كان تاليًا للكتاب السماوي، فشأنه أن يعترف بما في كتاب سماوي مثله من الحق، وألا يقول لأهله: لستم على شيء.
فاليهود يقرءُون في كتابهم: ما يقتضى صحة رسالة عيسى وصدق ما جاء به، والنصارى يقرءون في كتابهم - الإنجيل - أن موسى نبي، وأن التوراة من عند الله، إذ الكتب السماوية متصادقة، فقولهم هذا: دليل الجهل والعناد. ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أي: مثل ذلك القول قاله الذي لا علم لهم أصلًا، وهم المشركون وأمثالهم من المعطلة والجهلاءِ، فلا تيأس يا محمد لما يقولون عن الإسلام ﴿فَاللَّهُ﴾ وحده ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فهو الذي يعلم الدين الحق ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في شأن الدين، فيقضي بأن دين كل منهما، كان على الحق في زمانه: قبل أن يبدل، وقبل أن ينسخ بما بعده، ويعاقب كلا بما يستحق من عقاب على افترائه.
وفي التعبير بعلى - في قول بعضهم لبعض: لستم ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ المفيدة للاستعلاء والتمكن، وتنكير (شَيْءٍ) المفيد للتحقير - كمال المبالغة في تضليل كل فريق منهما للآخر.
وفي التعبير بقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ إيذان بأن تلك المقالة لا تصدر عن شخص متصف بالعلم، بل هي مما يقول الجاهلون، فإن شأن أهل العلم أن يقروا بالحق لأهله، وفي هذا توبيخ عظيم لكلا الفريقين، حيث نظموا في سلك لا يعلم أصلا، وحذف المحكوم به على كل فريق، تهويلًا لشأْنه.
стр. 196
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾
المفردات:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ من: استفهام إنكاري، بمعنى النفي. والمعنى: لا أحد أظلم.
﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾: المراد بها جميع مساجد الله، وأماكن عبادته، فالآية قاعدة عامة، وإن كان سبب النزول خاصًا كما سيأتي:
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾: هوان وذلة.
التفسير
١١٤ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ … ﴾ الآية
الربط:
ندَّد الله - سبحانه - فيما سبق، باليهود والنصارى، لتضليل بعضهم بعضًا وفي هذه الآية، بَيَّن أن من يعطل الشَّعائر في بيوت العبادة، يُعاقب.
وقد دخل في ذلك: أهل الكتاب المذكورون، كما أن فيها نفيًا لزعمهم: أنهم أهل الجنة المختصون بها.
سبب النزول:
نزلت في المشركين لأنهم منعوا رسول الله ﷺ عام الحديبية من دخول المسجد الحرام.
وعلى أي حال، فالمراد من المساجد: دور عبادة الله جميعًا، لأن العبرة بعموم اللفظ.
وهذا يدل على أن الإسلام يحترم دور العبادة في الديانات السماوية السابقة له.
المعنى:
لا أحد أظلم ممن منع الناس من ذكر الله في دور العبادة: فردًا كان المانع أو جماعة،
стр. 197
وسعى في خرابها بإلقاءِ القاذورات فيها، أو إغلاقها، أو الحيلولة دون دخول العابدين فيها، وتعطيل شعائرها الدينية بأي وجه من الوجوه.
وإنما وقع المنع على المساجد - مع أن الممنوع هم الناس - لأن طرح الأذى والتخريب ونحوهما، متعلق بالمساجد لا بالناس.
وظاهر الآية يفيد: أنه لا يوجد أظلم منه.
ولكن المراد: نفي وجود من يساويه في الظلم أيضًا، كما يدل عليه العرف.
فإذا قيل في معرض المدح مثلًا، من أكرم من فلان؟ فمعناه عرفًا: أنه لا يوجد أكرم منه ولا من يساويه.
﴿أُولَئِكَ﴾: المانعون المخربون للمساجد. ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ أي: ما كان ينبغي لهم دخولها إلا خاشعين خاضعين، بدلًا من الاجتراء على تخريبها أو تعطيلها. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لأولئك المانعين المخربين هوان وذلة في الحياة الدنيا، أي: أن هذا الحكم يبقى إلى يوم القيامة، ولهم في الآخرة عقاب في النار عظيم لا يقادر قدره.
وإذا كان المراد من مساجد الله، مساجد المسلمين خاصة، وأن الآية نزلت في أعدائهم الكافرين، فمعنى الآية: لا أظلم من الكافرين الذين منعوا ذكر الله في مساجد المسلمين، بتخريب أو غيره، أولئك الكافرون، ما كان يحق لهم أن يدخلوها إلا خائفين من بطش المؤمنين بهم، فكيف يستقيم أن يستولوا عليها، ويمنعوا المؤمنين منها.
والخزي الذي لهم في الدنيا: بقتل مشركيهم، وضرب الجزية على أهل الذمة منهم. وحبسهم، ونحو ذلك.
ويقتضي حمل الآية على هذا المعنى: أن على المؤمنين أن يرهبوا الكافرين أعداء الله، ويكونوا في قوة ومنعة حتى يحموا بيوته، ويمنعوا أولئك الأعداء من تخريبها وتعطيلها.
واستنبطوا منها تحريم دخولهم فيها، وهذا رأي المالكية. وعليه يجعل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: كناية عن النهي عن تمكينهم من دخولها، ليتفق ذلك مع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١)
стр. 198
والمساجد يجب تطهيرها من النجاسات، ولذا يمنع الجنب والحائض والنفساءُ من دخولها. ولكن الحنفية يجيزون دخولهم فيها بإذن المسلمين، فإن الآية تفيد دخولهم بخشية وخضوع، ولأن وفد ثقيف قدموا على النبي ﷺ فأنزلهم في المسجد.
وعلى فرض أن الآية تفيد النهي، فهو محمول على كراهة التنزيه لا التحريم.
أو على دخول الحرم بقصد الحج لأن النبي ﷺ في فتح مكة قال للمشركين: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. ومن دخل الكعبة فهو آمن".
وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره. وقال: الحديث منسوخ بالآية. ذكره الآلوسي.
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾
المفردات:
﴿الْمَشْرِقُ﴾: موضع الشروق.
﴿وَالْمَغْرِبُ﴾: موضع الغروب. والمراد بهما هنا: هما وما بينهما من الجهات والأماكن.
﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: فهناك جهته. أي: قبلته التي أمر عباده أن يتجهوا إليها، فالوجه والجهة شيء واحد.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: يوسع على عبادة في التشريع. أو واسع العلم. محيط بما تستطيعون عمله، فلا يكلفكم ما يشق عليكم.
التفسير.
١١٥ - ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ … ﴾ الآية.
قال ابن عمر نزلت في المسافر: يتنقل حيثما توجهت به راحلته، خرّج مسلم عنه قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي - وهو مقبل من مكة إلى المدينة - على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ نقله القرطبي.
стр. 199
لا يمنع السبب المذكور، من ارتباط الآية بما قبلها: فإن الآية السابقة أفادت: أن بعض الظالمين قد يمنعون المصلين من الصلاة في مساجد الله، وهذه الآية أباحت الصلاة في أي مكان غير المساجد الممنوعة، على أن يتجهوا إلى جهة الله، أي قبلته التي شرعها، كما تضمنت إباحة صلاة النافلة للمسافر على الراحلة ونحوها، متجهًا إلى مقصده فهو قبلته، وهو الذي استفيد أيضًا من سبب النزول.
ولله وحده الأرض كلها: مشرقًا ومغربًا وما بينهما، ففي أي مكان، وجهتم وجوهكم نحو القبلة التي أمر الله عبادة بالاتجاه إليها: للعبادة والدعاء والذكر، فهناك - حيث توجهتم - جهة الله أي قبلته التي أُمرتم بالتوجه إليها.
فإن مُنعتم عن الصلاة إليها في مسجد أو مكان، فاستقبلوها - في فروضكم ونوافلكم - في مسجد أو مكان آخر. فإن إمكان الاتجاه إليها غير مختص بمسجد دون مسجد، أو مكان دون مكان.
ومن كان راكبًا على دابة ولا يمكنه أن ينزل عنها، لخوف - على نفسه أو ماله - من ضرر يلحقه بالانقطاع عن القافلة، أو كان بحيث لو نزل عنها لا يمكنه العودة إلى ركوبها، أو نحو ذلك، فإنه يصلي الفرض في هذه الأحوال على الدابة، إلى أي جهة يمكنه الاتجاه إليها، وتسقط عنه أركان الصلاة التي لا يستطيع فعلها على الصفة المطلوبة، ولا إعادة عليه (١). وحكم السيارة والقطار والطيارة حكم الدابة أيضًا.
وقيل: المراد: بوجه الله: ذاته. وهذا كناية عن عمله - تعالى - بعبادتهم في أي مكان.
قال أصحاب هذا الرأي: إن الآية نزلت لتنزيهه - تعالى - عن أن يكون في حيز وجهة، توطئة لتحويل القبلة إلى الكعبة.
والمعنى عليه: ولله المشرق والمغرب، فلا يختص ملكه وعلمه بمكان دون مكان، فأينما تولوا وجوهكم في الصلاة والدعاءِ، فهناك - حيث اتجهتم - سلطان الله وعلمه بعبادتكم، فلن تضيع عليكم.
ثم ختم الآية بهذا التذييل:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم بما ليس في وسعهم ﴿عَلِيمٌ﴾: بمصالحهم وبما يعملون في مختلف أماكنهم.
стр. 200
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾
المفردات:
﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيها وتبرئة لله لائقة به مما قالوا.
﴿قَانِتُونَ﴾: منقادون خاضعون.
التفسير
١١٦ - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ … ﴾ الآية.
بعد أن بين الله - سبحانه - شيئًا من مآثم اليهود وضلالهم، وأشار إلى تعصبهم الذي أرداهم، ووقوع النصارى فيما وقع فيه اليهود: حيث اتَّهَمَ بعضهم بعضًا بأنهم ليسوا على شيء، تكلم في شأن النصارى واليهود. ومن جاراهم في نسبة الولد لله من المشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله.
جاء الإسلام بتوحيد الخالق وتنزيهه عن الولد، بين أهل كتاب ومشركين: يزعمون أن لله ولدًا، فاليهود يزعمون أن عزيرًا ابن الله، والنصارى يزعمون مثل ذلك لعيسى، والمشركون يزعمون مثله للملائكة، فيقولون إنها بنات الله.
وقد أنزل الله - تعالى - هذه الآية الكريمة لتبرئته - تعالى - عما يزعمون، وضمنها الدليل على ذلك في قوله: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
وقد تضمن الدليل: أنه لا يصح أن يكون لله ولد، لأنه مالك السموات والأرض، ومن يدعونه ولدًا ليس كذلك، ولابد أن يشبه الولد أباه.
ولأنه مملوك لله ومخلوق له، فهو من جملة السماء والأرض التي يختص بملكها الله، والمملوك لا يكون ولدًا، وأن الولد يُحتاج إليه ليعين أباه، ويرثه بعد موته، والله غير محتاج إلى معونة لخضوع الكل له - تعالى - وانقيادهم لإرادته، كما أنه حي لا يموت، فلا حاجة له إلى ولد يرثه بعد موته. فخضوع الكائنات لربها، واحتياجها إليه باقٍ لا ينتهي، فكيف يموت حتى يرثه ولده: تعالى الله عما يقولون.
стр. 201
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾
المفردات:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعهما ومخترعهما على غير مثال سابق. من بدعه بمعنى أنشأه واخترعه. وكما يأتي فعيل بمعنى مفعول، يأتي بِمَعْنَى فاعل، كما هنا. ونظيره: السميع بمعنى الْمُسْمِعُ، في قول الشاعر:
"أمن ريحانة الداعي السميع"
وكل من أنشأَ ما لم يسبق إليه يُقال له: مبدع، ومنه أصحاب البدع.
﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾: أي شاءَ إيجاد شيء.
﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾: نفذه في حينه بيسر وسهولة.
التفسير
١١٧ - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ … ﴾ الآية.
هذه حجة أخرى لإبطال دعوى الولادة لله - تعالى - وتقريرها: أنه تعالى مبدع لكل ما سواه، فاعل على الإطلاق، وهذا أمر لا ينازِعُ فيه صاحب كتاب ولا مشرك.
وبما أن من زعموه ولدًا لله - تعالى - داخل ضمن من أبدعه واخترعه من السموات والأرض، فلهذا، لا يصح أن يكون ولدًا له سُبْحَانَه، لأن الولد ينشأُ عن التوالد لا الخلق.
وأشار إلى حجة أخرى في قوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ومن زعموه ولذا، ليس له هذه القدرة والسرعة في التكوين، فكيف يكون ولدًا لله، والولد على سنة أبيه! وليس المراد بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ حقيقة الأمر والامتثال، لأنه تعالى يخلق المعدوم، والمعدوم لا يؤمر، بل المراد تمثيل سهولة تَأَتِّي المقدورات وفق مشيئة الله - تعالى - وتصوير حدوثها: بانفعال المأْمور وطاعته للآمر القوي المطاع. تقريبًا للأذهان
стр. 202
والأمر عنده تعالى أيسر من ذلك، فالخلق عنده لا يتوقف على أن يأمر بـ (كنْ)، بل يتوقف على الإرادة والمشيئة، فإذا أراد شيئًا كان كما أراد في حينه ومكانه.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾
التفسير
١١٨ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ … ﴾ الآية.
بعد أن حكى الله - سبحانه - عن الكافرين اعتقادهم أن لله ولدًا، حكى هنا تعنتهم، وطعنهم في نبوة سيدنا محمد ﷺ .
اختلف المفسرون في المراد من: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فقال ابن عباس: هم اليهود. وقال مجاهد: هم النصارى. وأكثر أهل التفسير على أنهم مشركوا العرب. لقوله حكاية عنهم: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ (١). وعبر عنهم بالذين لا يعلمون، استهجانًا لذكرهم، لقبح ما صدر عنهم، ولأن ما يحكي عنهم لا يصدر إلا عن الجهلاء. وفي التعبير بالفعل: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ تيئيس من علمهم، فهم لن يتجدد لهم علم - مع تجدد الآيات والعبر والعظات - لغباوتهم.
﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أي: هلَّا يكلمنا الله بغير واسطة: آمرًا وناهيًا، أو مصدقًا على نبوتك.
﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾: المراد من الآية: ما اقترحوه من جعل "الصفا" ذهبًا. ورُقِيِّه في السماء وغيرهما مما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ (٢).
وهذا منهم غاية في الجحود والإنكار، لاستهانتهم بما أنزله الله عليهم من آيات، وبما أيده به من معجزات.
стр. 203
ثم سرَّى الله عن نبيه، فقال: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ - أي - مثل ذلك القول السقيم، قال الذين كانوا قبلهم من الأمم السابقة، أو من اليهود والنصارى، إذ قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً (١)﴾ وقالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ (٢)﴾ وقالوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ (٣)﴾ وقالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ (٤)﴾.
﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تشابهت قلوب السابقين مع قلوب اللاحقين في الكفر، والإعراض عن الحق، والعناد، والمكابرة. والمعنى: أن تشابه أقوالهم نابع من تشابه قلوبهم.
﴿قدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: يطلبون اليقين، وهو العلم الذي لا يخالطه شك، وذلك بالنظر والاستدلال.
ولم يتعرض للرد على طلبهم تكليم الله، لظهور بطلانه.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾
المفردات:
(بشيرًا ونذيرًا) أي: مخبرًا لمن آمنوا بما يسرهم من الثواب، ومنذرًا لمن كفروا بما يحزنهم من العقاب.
(الجحيم): النار، إذا شب وقودها واضطرمت.
التفسير
١١٩ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ … ﴾ الآية.
هذه الآية تسلية للنبي ﷺ وبيان لمهمته، كي يتوجه إليها بكلِّيَّتِهِ، ولا يلتفت إلى معارضيه من أهل الكتاب والمشركين، بعد ما سجل تعنتهم.
إنا أرسلناك أيها الرسول، بالدين الحق، المؤيد بالبراهين، إلى أهل الأرض جميعًا ﴿بَشِيرًا﴾ أي: مبشرًا من آمن بصلاح الحال وحسن المآل ﴿وَنَذِيرًا﴾: ومنذرًا من كفر بعذاب الجحيم، ليختاروا ما أحبو لأنفسهم. ولست مجبرًا لهم على الإيمان، فلا عليك إن أصرُّوا
стр. 204
وكابروا: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ فيقال لك: لماذا لم يؤمنوا؟ ولن يُنسب إليك تقصير، بعد ما بلغتهم رسالة ربك.
وفي التعبير عن الكافرين بأنهم أصحاب الجحيم: استهجان لذكرهم، وإيذان بعقابهم بالجحيم، وأنهم ملازمون لهذا العقاب، لما تفيده الجملة الإسمية من الاستمرار والدوام.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾
المفردات:
(لئن): مكونة من لام القسم وإن الشرطية.
التفسير
١٢٠ - ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى … ﴾ الآية.
أراد الله سبحانه: أن يبين لرسوله غاية أعدائه من اقتراح الآيات، ويحذره منهم، فقال ما معناه: إن اليهود والنصارى يقترحون الآيات تعجيزًا، لا طلبًا للهداية، فلو أتيتهم يا محمد، بكل ما يسألون، فلن يرضوا عنك، ولن تنال رضاهم، حتى تتبع دينهم الزائف المنحرف، قل لهم يا محمد: إن هدى الله الذي أنزله إليك، هو الهدى الذي يجب اتباعه والاهتداء به، إذ لا هادي غيره، لأن غيره ليس من عند الله، ونقسم: لئن اتبعت يا محمد، ديانتهم الباطلة الناشئة عن الهوى - بعد الذي جاءك من الوحي المقتضى للعلم بالحق - مالك من جهة الله وليُّ يواليك ولا نصير يعينك.
والغرض من توجيه الخطاب إلى رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ … ﴾ الآية:
стр. 205
هو إقناط اليهود والنصارى من إمكان تخلِّيه عن دعوته، وليس المراد تحذيره حقيقةً من اتباع أهوائهم بعد ما جاءَه من الحق، فإن ذلك لا يُتصور حصوله منه.
وقوله: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية: جواب القسم في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ أغنت عن جواب الشرط، على القاعدة المعروفة، وهي: أن القسم والشرط إذا اجتمعا يكون الجواب للمتقدم، ولذا خلت الجملة عن الفاء. ويجوز أن يكون التحذير للأمة المحمدية، مخاطبة به في شخص الرسول الكريم، وهو بهذا الوجه قائم دائم للمسلمين أجمعين إلى يوم القيامة.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾
التفسير
١٢١ - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ … ﴾ الآية.
الذين تفضلنا عليهم بإعطائهم الكتاب من أحبار اليهود حالة كونهم يقرأونه حق قراءته فلا يحرفونه، بل يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويحرمون حرامه ويصدقون كل بشاراته، أولئك يتمتعون حقًا بنعمة الإيمان بكتابهم، ولذلك أسلموا.
أما الذين كفروا به، بأن حرفوه وأساءُوا تأوليه، وجحدوا بشارته، فأُولئك هم - وحدهم - الخاسرون دون سواهم. ولذلك لم يسلموا كما أسلم الأولون.
ولا وجه لتخصيص الآية بمن أسلم من أهل الكتاب كما جنح إليه بعض المفسرين، فقد تضمنت من كفر منهم في آخرها.
وقد حمل بعض المفسرين: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ على أصحاب النبي ﷺ والكتاب على القرآن. وهذا الحمل خطأ، فإنَّ عُرْفَ القرآن: على أن أهل الكتاب هم: اليهود والنصارى. ولم يذكر المسلمون فيه. إلا بعنوان المسلمين والمؤمنين. كما أن السياق واللحاق، في بني إسرائيل فلا وجه لما قاله هؤلاء المفسرون.
стр. 206
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾
المفردات:
﴿إِسْرَائِيلَ﴾ هو: يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، ﵈.
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: تذكروا ما أنعمت به عليكم، من: الإنجاء من بطش الفراعنة، وإنزال التوراة، وغير ذلك.
والمقصود من أمرهم بتذكرها: أن يشكروها بالإيمان، بما يجب الإيمان به.
﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: على عالمي زمانهم.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾: المراد باليوم: يوم القيامة، وباتقائه: التحفظ من عقابه.
﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا تحمل عنها شيئًا من جزاء عملها.
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي: لا يُقبل منها فداء.
التفسير
١٢٢ - ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ … ﴾ الآية.
بعد أن نفى الله ما افتراه أهل الكتاب والمشركون من أن لله ولدًا، وأيد نبوة محمد ﷺ التي أنكروها، ذكَّرَ بني إسرائيل بنعمه عليهم، وحذَّرهم من كفرها.
وقد سبق التذكير بهذه النعم في الآيتين ٤٧، و ٤٨ من هذه السورة، ولكنه كرر تذكيرهم بها هنا، تأكيدًا لوجوب شكرها بالإيمان، وليرتب عليها الوعيد الشديد.
يا أبناء النبي إسرائيل، تذكروا ما أنعمنا به من النعم على آبائكم حتى شملتكم، ومنها أنَّي فضلتكم على عالمي زمانكم، بما آتاكم الله من التوراة دونهم.
ومن حَقَّ تذكركم لهذه النعم وتقديركم لها: أن تشكروها.
стр. 207
ومن شكرها: أن تؤمنوا برسالة محمد ﷺ التي بشرت بها التوراة، التي فضلْتكم بها على الوثنيين والمعطلين المعاصرين لكم، فقد انتهى العمل بالتوراة.
١٢٣ - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا … ﴾ الآية.
أي: واتقوا بإيمانكم بمحمد عقاب يوم: لا تحمل فيه نفس مؤمنة عن نفس كافرة شيئًا من الجزاءِ، ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: أي فداء، مهما عظم، لَوْ وَجَدَتْهُ. ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ إذ لا شفاعة لكافر ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ من أحد، إذ لا غالب للقهار ﷻ (١) - واليوم المذكور هو يوم القيامة، وإنما خوطب اليهود في زمان النبي ﷺ بما في الآيتين، لأن ما أُنعم به على آبائهم، هو نعمة عليهم.
ولكي يأمرهم بوقاية أنفسهم من العقاب: أمرهم بالإيمان بما جاء به النبي ﷺ شكرًا لهذه النعم.
وفي خطابهم منسوبين إلى جدهم - إسرائيل ﵇ إشعار لهم بأن ذرية الرسول الصالح: الذي أمرهم ألا يموتوا إلا وهم مسلمون، يجب عليهم امتثال ما يأمرهم به رسول الإسلام، الذي هو دين جميع الأنبياء والرسل ﵈.
والتعرض لنفي الفداء والشفاعة والنصرة في هذا اليوم، لأَنها هي الأمور التي اعتادها بنو آدم في تخليصهم إذا وقعوا في شدة.
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾
المفردات:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: اختبره ببعض التكاليف.
﴿بِكَلِمَاتٍ﴾: هي ما كلفه الله به من التكاليف، التي سنتحدث عنها في المعنى.
﴿إِمَامًا﴾: قدوة للناس.
стр. 208
﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: أي واجعل من أبنائي أئمة.
﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: العهد هنا: الإمامة والنبوة. وينال: بمعنى يدرك، أو يصيب. وعهدي: فاعل، والظالمين: مفعول.
التفسير
لما ذكر فيما تقدم اشتراك أهل الكتاب، وعبدة الأصنام في جعلهم ولدًا لله، وفَنَّدَ هذه الدعوى الكاذبة، ودعا بني إسرائيل إلى أن يتقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا، أتبع ذلك ذكر ما كان عليه إبراهيم ﵇ من عقائد مخالفة لما قالوا، موافقة لما دعاهم إليه رسوله محمد ﷺ .
والغرض من ذكر ذلك توبيخهم على ما هم عليه مما يخالف ما كان عليه إبراهيم، مع ادعائهم الانتساب إليه، وسيرهم على ملته.
١٢٤ - ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ … ﴾ الآية.
الابتلاء: الامتحان. وهو عند الخلق لاستجلاء ما خفي علمه لديهم. والمراد به - في حق الخالق - تكليفُ العبد ببعض التكاليف. وأُطلق عليه الابتلاء - مع أنه تعالى لا يخفى عليه -شيء - لما فيه من إظهار أعمال العبد التي كانت خفية قبل أن يفعلها، كما يحدث في الامتحان. والكلمات هي: الواجبات التي كلفه الله بها، ولما كان التكليف بها يكون بكلمات، أُطلقت عليها مجازًا.
قال ابن العربي: تسمية الشيء بمقدمته أحد قِسْميِ المجاز.
والمراد بها التكاليف: ما كلفه الله به من شرعه. ومنها ما سيأتي مما حكاه الله في شأنه، وقد أبرزه من بين تكاليفه، لاتصاله بموضوع المحاجة مع أهل الكتاب والمشركين وجماعها الإسلام.
والمراد من قوله ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أنه وَفَّى بتلك التكاليف جميعًا.
روى عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلى الله أحدًا بهن فقام بها كلها، إلا إبراهيم: ابتلى بالإسلام فأَتمه، فكتب الله له البراءة، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (١)﴾.
стр. 209
وقد بين الله هنا: أنه تعالى كافأَه على هذا الإتمام، بأن جعله للناس - عامة - إمامًا يؤتم به، وقدوة يُقتدى به في جميع العصور والأجيال والمل لمن بعده. بخلاف كل نبي، فإمامته خاصة بأُمته، ولهذا جيءَ به موعظة وزجرًا لأهل الكتاب والمشركين: الزاعمين أنهم يسيرون على منهاجه.
ولما بشر إبراهيم بهذه المكافأة، طلب إبراهيم مثلها لبعض ذريته فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي واجعل بعض ذريتي إمامًا للناس، وهو كعطف التلقين، كما يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا، فتكون الجملة دعائية - فرد الله عليه قائلًا: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يدرك عهدي بالنبوة الظالمين العصاة، ولا يصيبهم، لأن الأنبياء معصومون من المعاصي.
وإطلاق الظالمين على العصاة، لأنهم ظلموا بمعاصيهم أنفسهم وغيرهم.
وقد حصلت بركة دعوته هذه لعدد من بنيه الصالحين، جعلهم الله أنبياء، وهذه القراءة: نصبت الظالمين مفعولًا لينال، و (عَهْدِي) فيها مرفوع محلًا على الفاعلية، أي لا يصيب عهدي - بالنبوة - الظالمين.
وقرأ قتادة والأعمش: (الظَّالِمُونَ) بالرفع فاعلًا لينال، وعهدي حينئذ مفعول.
والمراد من القراءتين واحد، إذ الفعل تصح نسبته إلى كل من العهد والظالمين، على الفاعلية أو المفعولية، فإن مانالك فقد نلته.
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾
المفردات:
﴿الْبَيْتَ﴾: المراد به الكعبة.
﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾: مرجعًا لهم للعبادة. من ثاب بمعنى: رجع.
стр. 210
﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾: هو الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت.
﴿مُصَلًّى﴾: مكان صلاة.
﴿وَعَهِدْنَا﴾: أي أمرنا أمرًا مؤكدًا.
﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾: نظفاه من كل ما لا يليق من الأوثان، وجميع الخبائث.
﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾: أي المعتكفين في المسجد، أي: الملازمين له زمنًا ما.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: الركع جمع راكع، والسجود جمع ساجد، والمراد بهما المصلون.
التفسير
١٢٥ - ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا … ﴾ الآية.
أي واذكر يا محمد وقت أن أمرنا بأَن تصير الكعبة المعظمة مرجعًا للحجاج: يرجعون إليه بعد أن يتفرقوا عنه، أو موضع ثواب يُثاب الناس بالحج إليه، والاعتمار فيه.
(وَأَمنًا) أي موضع أمن، والمقصود من جعل البيت مكان أمن: أن الحج إليه، يجعل الحاج مطمئنًا إلى رحمة الله، فإنه مكفر لكثير من الذنوب، وأن من لاذ به، كان آمنًا من ظالميه، لغلظ عقوبة الاعتداء فيه وفي الحرم الذي حوله، تشريفًا وتكريمًا له.
ولقد سرى هذا الأمن إلى حيوانه غير المستأنس، فيحرم صيده فيه، ولذا أُطلق الأمن في الآية ولم يُقيد.
وتكريمًا لإبراهيم ﵇ أمر الله تعالى أن يتخذ الناس - عند الحجر الذي قام عليه لبناء البيت - موضع صلاة لركعتي الطواف وسواهما. والأمر استحباب.
ثم أمر سبحانه إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ أن يطهرا هذا البيت - وما حوله - من كل ما لا يليق بعبادة الله وحده فيه، وفي مقدمته الأوثان، حتى تكون العبادة خالصة لله، وقد حفّ بالعابد: الطهر والنظافة من الأوساخ الحسية والمعنوية: كالضوضاء، وأدران القلوب، وهكذا يجب أن يكون الأمر في دور العبادة في شريعتنا، فالحكم ممتد إلينا من عهد إبراهيم ﵇. وقد تقرر بالسُّنة إلى جانب ما ورد هنا، وإنما خص البيت بالحكم، لمناسبة الحديث عن شئونه. وقد أمر بتطهيره - على هذا النحو - من أجل الطائفين به للنسك من أهل الحرم، أو الوافدين عليه من بقاع الأرض، ومثلهم الزائرون.
стр. 211
فالتطهير عام من أجل الجميع.
وكما أمره بتطهيره مما ذكر للطائفين، أشرك معهم في هذا الحكم: المعتكفين فيه عن الناس لعبادة ربهم، والمصلين الذين عناهم سبحانه بقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
وإنما عبر عن المصلين بالركع السجود، لأن أبرز معاني الطاعة والخضوع لله في الصلاة، يتجسم في الركوع والسجود.
ولم يستجب أهل الكتاب والمشركون لهذا الأمر ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ لكفرهم فإن أهل الكتاب لا يصلون إلى البيت الحرام، الذي بناه جدهم إبراهيم، وصرف وجوه الناس إليه، وحملهم على أداء النسك حوله، والمشركون لوثوه بالأوثان والذبائح حولها، وهذا ما يَدَّعون الانتساب إليه، فأين دعواهم هذه مما يعملون؟
أما محمد ﷺ فهو الذي أحيا شريعة جده وحافظ عليها كما أمر.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾
التفسير
١٢٦ - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا … ﴾ الآية.
مازال الحديث متصلًا، فبعد أن تكلم إبراهيم وتكلم عن البيت الذي بناه، شرع يتكلم عن مكَّة: بلد البيت وموطن ولده إسماعيل، وموضع نسكهما.
والمعنى: واذكر وقت أن قال إبراهيم - وقد أنزل ولده الرضيع وأمه بوادٍ غير ذي زرع - يا رب اجعل هذا المكان المقفر: الذي لا شجر فيه ولا زرع ولا ماء، اجعله ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ بأن تحوله من هذا الإقفار إلى بلد آهل بساكنيه، ذي أمن، فلا يُعتدى على قاطنيه، وقد كانت مكة حرمًا آمنًا قبل إبراهيم ﵇.
فقد روى مسلم عن ابن عباس مرفوعًا "أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض" الحديث، ودعاء إبراهيم لإظهار تلك الحرمة وتجديدها.
стр. 212
﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ الذي يسكنونه ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ المختلفة، بأن تجعل بقربه قرى تثمرها، أو أن تُيَسّر جلبها إليهم من الأقطار الشاسعة، وخص دعوته بالمؤمنين منهم بقوله: (من آمن منهم بالله واليوم الآخر) إظهارًا لشرف الإيمان وخطره، واهتمامًا بشأن أهله، ومراعاة لحسن الأدب، وإيذانًا بأنهم هم المستحقون لهذا الرزق، دون من كفر من أهل الكتاب والمشركين ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ منهم ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ زمانًا ﴿قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ وألجئه إليه يوم القيامة فلا يستطيع الفكاك منه جزاء له على كفره.
والواو في ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ عطف على جملة من كلام الله على جملة) من كلام إبراهيم ﵇ وهي ﴿مَنْ آمَنَ﴾ عطف تلقين، للإيجاز في القول.
وقد أرشدت الآية: إلى أن الله يرزق الكافر في الدنيا كما يرزق المؤمن، وإن كان المؤمن أهلًا لكل خير. فرزق الكافر لاستدراجه، ولو حرم الله الكافرين من التوسعة في الرزق في الدنيا وخص بها المؤمنين، لانساقوا إلى الإيمان قسرًا. وقد قضت حكمته - سبحانه - أن يكون الإيمان اختياريًا، حتى يتجه إليه الإنسان عن طريق النظر في آيات الله، التي يبصرها قوم ويعمى عنها آخرون. ووصف التمتع بالقلة، لأن مدة الدنيا قليلة بالنسبة إلى الآخرة، ولتعرض متعها إلى الزوال كل لحظة.
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾
المفردات:
﴿يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾: القواعد: الأسس، جمع قاعدة، ورفعها: البناءُ عليها.
стр. 213
﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾: جماعة مستسلمة ومنقادة لك بالإيمان والعمل الصالح، أو المراد بها: أُمة دينها الإسلام، وهي أمة محمد ﷺ .
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾: متعبداتنا في الحج.
﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: أي من أنفسهم، ولم يبعث من ذريتهما فيهم غير محمد ﷺ .
﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: وضع الأُمور في مواضعها.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: ويطهرهم من دنس الشرك والمعاصي.
﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالب الذي لا يُقهر.
﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة.
التفسير
١٢٧ - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
واذكر يا محمد أيضًا حين بنى إبراهيم فوق أُسس الكعبة، ورفعها هو وإسماعيل ابنه، وهما يقولان داعيين: ربنا تقبل منا بناء هذا البيت: الذي سيكون قبلة ومطافًا لعبادك، إنك أنت وحدك دون سواك السميع دائمًا لأقوالنا، العليم في كل حين بخفايا نياتنا.
١٢٨ - ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
يا ربنا وأضف إلى تفضيلك بتقبل طاعتنا في بناء الكعبة منا، تفضلك بأن تجعلنا منقادين دائمًا لك: لا نخالف أمرك، ولا نعصي نهيك، بحيث يكون قياد قلوبنا بيدك وحدك.
ياربنا وأضف إلى ما تفضلت به: أن تجعل بعض ذريتنا جماعة مستسلمة ومنقادة لك، في إيمانها وطاعتها، لا للهوى والشيطان.
وعرِّفنا يا ربنا أماكن حجنا ومذابح هدينا، واقبل توبتنا وتوبة ذريتنا، إنك أنت - لا سواك - مانح التوبة، والمتفضل بقبولها وإن عَظُمَ الذنب وتعدد، وأنت كثير الرحمة، عظيم الإحسان.
стр. 214
فإن قيل: إن الأنبياء لا يعصون ربهم، فما وجه طلب إبراهيم وإسماعيل من ربهما أن يتوب عليهما؟ أي يقبل توبتهما:
فالجواب: أن ذلك محمول على هضم النفس، أو على أن يتوب عليهما مما خالفا به الأَوْلى، أو فعلاه سهوًا أو أفراد ذرياتهما.
١٢٩ - ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
يا ربنا، وأتمَّ على ذريتنا نعمتك: بأَن تبعث فيهم رسولًا منهم، لا من غيرهم. يتحدث بلغتهم ويقرأُ عليهم آياتك البينات، ويعلمهم معاني القرآن وأسراره، ويعلمهم الحكمة. أي وضع الأمور في مواضعها، ويطهرهم من دنس الشرك وقبيح العادات، إنك أنت يا رب - لا سواك - العزيز: الغالب الذي لا يُقهر، الحكيم: المدبر عن حكمة وإتقان.
تفصيلات لبعض ما تقدم: لم نشأْ أن نقطع على القاريء اتصال المعنى الإجمالي بشيء من التفصيلات وقد رأينا أن نأْتي بما يلزم منها فيما يلي.
في نداء إبراهيم وإسماعيل لله - سبحانه - بعنوان الربوبية لهما إذ يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ مظهر من مظاهر الخضوع والإجلال له - سبحانه - وقد أكد رجاءَهما في تقبله - تعالى - لدعائهما بقولهما: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فإن من كان هذا شأنه يتفضل بقبول عملنا الذي علم أننا أخلصناه لوجهه.
وبما أنهما مسلمان مخلصان له تعالى، يكون قولهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ مراد منه: أَدِم علينا نعمة هذا الإسلام لك: بامتثال أوامرك واجتناب نواهيك دائمًا. فالمسلم لا يطلب أن يُجعل مسلمًا، بل أن يدوم على إسلامه، والمقصود من الإسلام فيما قالا: الخضوع والاستسلام إلى الله - تعالى - بتوحيده، ونفي الشركاء والأولاد والزوجات عنه - تعالى - وغير ذلك من أمهات الفضائل: التي اشتركت فيها جميع الأديان، إلى جانب ما اختصا به في شريعتهما.
وما من شريعة إلا كان الغرض منها الإسلام لله أي الخضوع له فيما شرعه.
فالإسلام بهذا المعنى: هو دين الأنبياء جميعًا، وعليه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾.
стр. 215
وهذا يفيد: أن الإسلام الذي يدين به، هو ما ليس فيه الشرك الذي تردى فيه اليهود والنصارى والوثنيون.
ويجب أن يُعرف أن دين إبراهيم، ليس مطابقًا للإسلام في فروع الشريعة، بل في أُصولها وأُصول العقائد.
فإن كل دين، جاءت فيه فروع تناسب الأمة التي كلفت بها.
وقد كان دين إبراهيم يسيرًا في شرائعه وأحكامه، إذ جاءَ في صحائف، ولم يأت في كتاب كبير، كالإسلام واليهودية والنصرانية.
وقد امتاز الإسلام بأنه تناول كل فروع الحياة، وأعطاها الأحكام المناسبة لها، فكان - لذلك - صالحًا لكل زمان ومكان.
وقد طلب إبراهيم وإسماعيل ﵉ من ربهما أن يجعل من ذريتهما جماعة مسلمة له - تعالى - ولم يعمما الذرية، لما وقر في نفسيهما، من أن بعضهم سيكونون كفارًا، لما عرفاه من طبائع البشر، وسيرهم على هواهم، وتنكرهم لشرائع رسلهم.
وخصَّا ذريتهما بالدعاءِ، لأنهم أحق بالشفقة، والدعاء لهم بالصلاح مطلوب شرعًا. ومعنى ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾: وفقنا للتوبة أو تقبل توبتنا.
والتوبة في حق الأنبياء تكون من ترك ما هو الأولى، أو من خطأ في الاجتهاد. وعلى هذا نحمل التوبة التي يسأل الأَنبياءُ والمرسلون قبولها.
ولعل في ذكر هذه الجملة هنا بعد قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ إرشادًا إلى أن تلك المواضع، أمكنه التخلص من الذنوب، وطلب التوبة مما فات منها.
والغرض من قولهما: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ التوسل إلى قبول توبتهما، بما عُرف من شأنه - تعالى - وهو: أنه كثير التوبة على عباده، رحيم بهم.
وقد واصل إبراهيم وإسماعيل دعواتهما فقالا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أي في ذريتهما ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ وقد استجاب الله دعاءهما فبعث محمدًا ﷺ .
والرسول - في عرف المتكلمين - إنسان ذكر، حُر، أُوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه. فإن لم يؤمر بتبليغه كان نبيًا فقط، وليس برسول.
وسأل إبراهيم وإسماعيل أن يكون الرسول من الأُمة ليكون أَدعى إلى الاستجابة، لمعرفتهم بحاله - في نشأته - وبلسانه.
وسرُ الجمع بين الأمور الأربعة الواردة في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾