أَلم ييئس الأَقوام أَنى أَنا ابنه: وإِن كنت عن أَرض العشيرة نائيا.
وهو بهذا المعنى في لغة النخع -كما حكاه الفَرَّاءُ عن الكلبي- انظر القرطبى -وقيل في لغة هوازن كما قاله القاسم بن مِعْن، وسيأتى لذلك مزيد بيان في التفسير. (قارِعةٌ): مصيبة تصيبهم -من قَرعه إِذا أَصابه، والأَصل في القرع- الضرب، فكأَنها إِذ تصيبهم تدق قلوبهم وتضربها.
التفسير
٣١ - (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا):
حكت الآية (٢٧) من هذه السورة اقتراحهم آيات كونية على الرسول، إِذ قالوا: "لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ"، ثم نعتْ تلك الآية المذكورة وما بعدها عليهم ضلالهم، وبينت أَن ذكر الله -وهو القرآن- تطمئن به القلوب، فهو خير لهم مما اقترحوه من الآيات، ووعدت المؤْمنين الصالحين بالجنة، وبينت لهم أَن الرسول إِنما أُرسل بمعجزة القرآن ليتلو عليهم الذي أُوحاه الله إِليهم، فهو المعجزة الباقية ما بقى الزمان دون سائر المعجزات، فإِنها تصبح خبرا بعد عين، وحكاية ترْوَى بعد الرسول الذي جاءَ بها. فتكون في الأَجيال التالية عرضة للتصديق والتكذيب: وما كذلك القرآن.
وجاءَت هذه الآية لتبين عظمة القرآن ورجحانه على ما يقترحونه من الآيات. يروى أَن نفرا من مشركى قريش فيهم أَبو جهل وعبد الله بن أَبي أَمية المخزوميان جلسوا خلف الكعبة، ثم أرسلوا إِلى رسول الله ﷺ ، فأَتاهم فقال له عبد الله: إِنْ سَرَّك أَن نَتَّبعِك فَسَيِّر لنا جبال مكة بالقرآن، فأَذهبها عنا حتى تتسع أَرضنا الضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأَنهارا حتى نغرس ونزرع، فلست كما زعمت -بأَهون على ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه، وسخِّر لنا الريح فنركبها إِلى الشام نقضى عليها مِيرتَنَا وحوائجنا ثم نرجع من يومنا، فقد سخرت لسليمان الريح كما زعمت، فلست بأَهون على ربك من سليمان بن داود، وأَحْي لنا قَصَب (١) جدك أَو مَنْ شئت من موتانا نسأَله، أَحقٌّ
стр. 2207
ما تقول أَم باطل، فإِن عيسى كان يحيى الموتى، ولست بأَهون على الله منه، فأَنزل الله هذه الآية والآيات التي قبلها للرد عليهم.
والمعنى: ولو أَن أَيَّ قرآنٍ تسير به الجبال وتزول عن أَماكنها حين يقرأُ عليها، أَو تقطع وتُشَقَّقُ به الأَرض أَنهار وعيونا تروى بمائها الأَرض بعد إِزالة جبالها، أَو تكلم به الموتى لتصبح أَحياءَ، لكان الذي يحدث عنده كل هذا هو القرآن الذي أَنزله الله علىّ لأُبلغكم إِياه، لانطوائه على بيان عجائب قدرة الله وعظيم جلاله، ولأَنه كلام الحق سبحانه، الذي يقول للشئِ "كن فيكون" ولكن القرآن لم ينزل ليحقق لكم بذاته هذه المطالب الكونية من الينابيع وتسخير الرياح وغيرهما، بل نزِل ليرشدكم إِلى وسائل تحقيقها، ويعلمكم بذل الجهد العقلى والعملى لكي تحصلوا عليها، فإِن العالم الأَكبر ينطوى في الإِنسان بعقله وذكائه وقدرته وقواه التي أَودعها الله فيه.
وليعلم العاقل أَن الهدف الأَول للقرآن هو معرفة الله وأَداءُ واجبابه، والعمل للدنيا والآخرة، فقد مضى الزمن الذي كان يرتزق فيه الكسالى من دعاءَ أَنبيائهم، حيث كانوا يحصلون به على المن والسلوى ونحوهما، ويحصلون على الماء بالمعجزات، وجاءَ الزمن الذي يبرز فيه المولى سبحانه خيرات الأَرض والماءِ والهواءِ والطاقة بجهد الإِنسان وعرقه، واستخدام الطاقات التي أَودعها الله فيه، وهذا ما عني القرآن بتوجيه البشر إليه، كما في قوله تعالى "فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ". وقوله: "وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ"."وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وفِي السَّمَاءِ رِزْقكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ". وقوله: "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" وقوله: "قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" وقوله "فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ".
وغير ذلك من الآيات التي تحض على النظر والاستنباط، والانتفاع بخيرات الله ونعمه بالجد والاجتهاد والكدح.
ومن أَجل هذا المنهج السديد الذي رسمه القرآن لأُمة القرآن، امتلك المسلمون مفاتيح العلم، وتمكنوا من ولوج أَبوابه إِلى معاقد العز والرفعة والمجد في كل ناحية من نواحى الكرامة، والأُمم من حولهم يغطون في سبات عميق، وينتظرون موائد تنزل لهم من السماءِ، أَو يفسدون في الأَرض بغير الحق.
стр. 2208
ذلك هو شأْن القرآن الذي لم يحرك قلوب قريش ليؤمنوا به، ويكتفوا بمعجزته، مع أَنه تعالى يقول في شأْنه: "لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ".
واعلم أَن لكل نبى معجزة أَيده الله بها تناسب أُمته ومدة بقائها على شريعته، واختار الله لأُمة محمد ﷺ معجزة القرآن ليكون دستورا لها وآية إِلى أن تقوم الساعة، فإِن الله تعالى جعلها الأُمة الخاتمة للرسالات، فكانت معجزةُ نبيِّها ﷺ ، باقيةً ببقائها، وهاديًا بهديها ما بقى الزمان. ولقد أُوتى النبي ﷺ غير القرآن معجزات كثيرة، ولكنها لم تكن للتحدى، بل لتكريمه ﷺ ، ورحمة بالمؤمنين في مواقف الشدة، ومعظمها ظهر في المدينة كإِنزال الغيث ونبع الماءِ من بين أَصابعه، وتكثير الطعام القليل.
وقليل منها ظهر بمكة كانشقاق القمر، ووصْفِه لبيت المقدس وأَحوال عير قريش صباح ليلة الإِسراءِ والمعراج ولكن الله لم يأْذن له بالتحدي بشيء من ذلك، ولم يجعل تلك الخوارق آية رسالته الحاسمة، بل جعل آيتها دستورها الباقى بقاء الزمان، وهو القرآن، قال ﷺ : "مَا مِنَ الأَنبِيَاءِ نَبىُّ إِلَّا أُعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُه آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ. وإنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أَوْحاهُ اللهُ إِلىَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثرَهُم تَابِعًا يَوْم القِيَامَةِ"، أَخرجه البخاري في صحيحه.
(بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا): أَي لو أَن قرآنا سيرت به الجبال أَو قطعت به الأَرض أَو كُلم به الوتى لكان هذا القرآن، لكنَّ هذا لم يحدث بل حدث سواه، لأَن الأَمر لله وحده يفعل ما يريد وفقا لمشيئته وحكمته، التي اقتضت أَن تكون آية النبوة في الإِسلام هي دستوره، وهو القرآن لا غيره من الخوارق، ولهذا لم يأْذن الله للرسول بأَن يتحدى بما ظهر على يده من الخوارق سواه.
(أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا):
لم ينزل القرآن بلغة قريش وحدها. بل اشتمل عليها وعلى غيرها حتى يعلم العرب أَن القرآن بلغتهم جميعًا. وهذا ما عناه النبي ﷺ بنزول القرآن على سبعة أَحرف
стр. 2209
وكلمة "ييئس" هنا بمعنى يعلم في لغة النخع -كما حكاه الفراءُ (١) -وفي لغة هوازن -كما حكاه مجاهد والحسن والقاسم بن معين. (٢)
والمعنى على هذا: أَفلم يعلم الذين آمنوا أَنه لو يشاءُ الله هداية الناس جميعًا لفعل. ولكنه جعل سبيل الهداية إِلى الحق اختيار العبد وفعله، بعد أَن يسر الله له أَسبابها وأَزاح موانعها.
ومن العلماءَ من حملها على معناها المعروف وفسر الآية عليه كما يلي: أَفلم ييئس الذين آمنُوا من إِيمان المشركين لأَنه لو يشاء الله لهداهم جميعًا، وهم لم يهتدوا بل أصروا على الكفر فكان حقُّ المؤمنين أَن ييئسوا من إيمانهم، ويدركوا أَنه تعالى لم يشأْ هدايتهم.
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ):
أَي ولا يزال الكافرون من أَهل مكة تنزل بهم بسبب ما فعلوه من الكفر بالله وإِيذاءَ المؤمنين وإِخراجم من ديارهم -تنزل بهم بسب ذلك- داهية تقرعهم وتقلقهم من آن لآخر، كالذى كان يحدث لهم حينا بعد حين من القتل وَالأسْر وأَخذ غنائمهم في غزوات المسلمين وسراياهم، أَو تحل تلك الداهية في مكان قريب من دارهم (مكة) فيتطاير إِليهم شررها ويصابون بلهبها (٣)، حتى يأْتى وعد الله بفتح مكة وسقوط معقل الشرك، فيتم للمؤمنين النصر، ويدخل الناس في دين الله أَفواجا، إِن الله لا يخلف وعده في الأَمر كله.
ويصح أَن يراد من الذين كفروا، كل من كفر بالإِسلام، فتكون الآية وعيدا لمن يؤذى المسلمين بانتقام الله في الدنيا من آن لآخر، حتى يأْتى وعد الله بموتهم أَو بالقيامة فيجزيهم شر الجزاءِ، وإِلى هذا الرأْى مال الحسن وابن السائب.
في استهزاءِ الكافرين بك فإِن ذلك أَمر مطرد يلقاه رسلنا من أَقوامهم، فأَمهلت أَولئك المستهزئين لعملهم يثوبون إِلى رشدهم، ثم أَخذتهم بعقابى حين لم ينفعهم الإِمهال، وكان عقابى لهم هائلا، حيث لم يبق من الكافرين ديارٌ.
والمقصود من الاستفهام في قوله تعالى: "فَكَيْفَ كَانَ عِقَاب" التَّعَجِيب من شدة العقاب وفظاعته.
٣٣ - (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ):
هذا الاستفهام مترتب على بما سبق بيانه، من أَن الأَمر كله لله وأَنه يهدى من يشاءُ ويخذل من يشاءُ من أَهل الضلال، وأَنه يملى للكافرين ثم يأْخذهم بذنوبهم إِلى غير ذلك بما تقدم.
والمعنى: أَفمن كان شأْنه ما تقدم من هيمنته على كل نفس يعلم سرها ونجواها، ويجزيها بما كسبت من خير أَو شر. أَفمن كان كذلك يشبه الأَصنام التي ليس لها عليهم من سبيل وقد جعلوها له شركاءَ مع ضعفها وعدم فائدتها، ثم أَمر الله رسوله أَن يبكتهم فقال: (قُلْ سَمُّوهُمْ): أَي قل لهم أَيها الرسول تأْنيبًا وتقريعًا: اذكروا لي أَسماءَهم وأَوصافهم التي جعلتهم في نظركم يستحقون العبادة مع الله، ولن يجدوا لهم من الأَوصاف ما يستحقون به شيئًا من التكريم فضلا عن العبادة.
(أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ):
أَي بل أَتخبرون الله بشركاء زاعمين استحقاقها للعبادة وهو لا يعلمها في أَرضه، مع أَنه سبحانه لا تغيب عن علمه ذرة في الأَرض ولا في السماء، بل أَتخبرونه عن ألوهيتها ظاهر من القول من غير أَن يكون لها حقيقة ولا دليل، كتسمية القبيح وَسيمًا والزنجى كافورا.
(بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ): بل زين الشيطان لهؤلاءِ المشركين باطلهم وصدهم عن سبيل الحق.
(وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ): ومن يتخل الله عن معونته بسبب إِصراره على الكفر فليس له من هاد يوصله إلِى الحق، وينجيه من عاقبة ضلاله.
стр. 2212
٣٤ - (لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ):
أَي لأولئك المشركين عذاب في الحياة الدنيا بالقتل والأَسر والمصائب والمحن، ولعذاب الآخرة أَكثر من عذاب الدنيا مشقة لشدته ودوامه، وما لهم من عذاب الله من حافظ يعصمهم ويقيهم، نسأَل الله السلامة وحسن العاقبة.
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾
المفردات:
(مَثَلُ الْجَنَّةِ): المثل هنا بمعنى الصفة العجيبة، وأَصله بمعنى الشبيه والنظير.
(أُكُلُهَا دَائِمٌ): أَي ثمرها باقى لا يغيب ولا ينقطع.
(عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا): أَي مآلهم وعاقبتهم.
التفسير
٣٥ - (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ) الآية.
لما ذكر الله سبحانه في الآية السابقة عقاب الكفار في الدنيا والآخرة، عقبها بهذه الآية لبيان ثواب المتقين في الآخرة، والمقارنة بين عاقبتهم وعاقبة الكافرين.
والمعنى: صفة الجنة التي وعدها الله عباده المتقين وحالتها العجيبة الشأْن أَنها تجرى من تحت أَشجارها وقصورها الأَنهار بين جوانبها وحيث شاءَ أَهلها، كما قال تعالى: "يُفَجِّرُونَهَا تَفجِيرًا".
стр. 2213
فهم يصرفونها حيث شاءُوا وكيف أرادوا، وتلك الأَنهار كما قال سبحانه في سورة محمد: (فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى).
ومن صفتها: (أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا): أَي ثمرها باق لا ينقطع في أَي وقت من الأوقات وظلالها باقية لا تنحسر، مع اعتدال مناخها، وطيب هوائها. كما قال سبحانه: (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) (١)
(تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ): أَي هذه الجنة العظيمة الشأْن عاقبة الذين اتقوا ربهم فتجنبوا الكفر والمعاصي، وعاقبة الكافرين به وبنبيه النار، وشتان بين العاقبتين، فما بال الكافرين لا يعقلون.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)﴾
المفردات:
(الْكِتَابَ): المراد به هنا التوراة والإِنجيل.
(الْأَحْزَابِ): الجماعات القوية والأَقوام المتشابهون في ميولهم وعقائدهم.
(مَئَاب): مرجع ومصير.
стр. 2214
التفسير
٣٦ - (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ … ) الآية.
يرى الإِمام ابن عباس ﵁ أَن المقصود من الذين آتيناهم الكتاب هم مؤْمنو أَهل الكتاب من اليهود والنصارى، كعبد الله بن سلام وكعب، ومؤمني نجران والحبشة فهؤْلاءِ كانوا يفرحون بالقرآن حين يسمعونه إِيمانًا منهم بأَنه كتاب الله الذي أَنزله على رسوله محمد ﷺ ، الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأْمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر -وقيل: إِن المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم المسلمون وقد كانوا يفرحون بنور القرآن الكريم وتوالى نزول آياته.
(وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ): المراد بالأَحزاب على رأَى ابن عباس: كفرة اليهود والنصارى الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ بالعداوة والبغضاء، ككعب ابن الأَشرف والسيد والعاقب أَسقفى نجران وأَتباعهما، أَما على الرأْى الثاني القائل بأَن الذي يفرح هم المسلمون فالمراد بالأَحزاب كفار اليهود والنصارى، والمراد من (بعضه) الذي ينكره أَهل الكتاب هو الشرائِعُ التي جاءَت مخالفة للتوراة والإِنجيل تبعًا لتغير الزمان والأَجيال، أَو هو ما لا يوافق ما غيروه وبدلوه في كتبهم، وأَما ما يوافق ما في كتبهم فأَنهم لا ينكرونه وإِن لم يفرحوا به.
(قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ): أَي قُل يا محمد صادعًا بالحق غير مكترث بإنكارهم بعض القرآن، قل لهم: ما أَمرنى الله في القرآن الذي تنكرونه أَو تنكرون بعضه إِلا بأَن أَعبد الله وحده ولا أُشرك به شيئًا في عبادته، وقد أَمرنى أَن أَدعوكم إِلى ذلك بقوله سبحانه: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ".
(إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ): أَي إِلى عبادة الله وحده أَدعو الناس جميعًا، وإِليه وحده مرجعى ومرجعهم للجزاءِ فلذلك لا أُقِرُّ ما أَنتم عليه من اتخاذ اليهود عزيرا ابْنًا لله واتخاذ النصارى
стр. 2215
المسيح ابنًا له كذلك لاستحالة ذلك على الله تعالى، وإِذا كنت أَدعوكم إِلى وحدانيته، ولا برهان لكم على مزاعمكم، فلماذا لا تستجيبون لما دعوتكم إِليه، وكل الآيات تدل عليه وترشد إِليه.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾
المفردات:
(أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا): أَي أَنزلنا القرآن حاكمًا للناس في قضاياهم بلسان العرب
(وَلَا وَاقٍ): أَي ولا حافظ. عن وقاه يقيه وقاية، أَي حفظه.
التفسير
٣٧ - (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا … ) الآية.
أَي وكما أَرسلنا قبلك المرسلين وأَنزلنا عليهم الكتاب بلغاتهم وأَلسنتهم، أَرسلناك وأَنزلنا عليك القرآن عربيا بلسانك ولسان قومك، ليسهل عليهم تفهم معناه واستظهاره والرجوع إِليه في الأَحكام، وإِنما سمى القرآن حكمًا لما فيه من الأَحكام والشرائع التي يحتاج إليها المكلفون، وتقتضيها الحكمة ليصلوا بها إِلى السعادة في الدنيا والآخرة، وكان عربيا لأَن الأُمة التي بعث منها الرسول لغتها العربية، فجاء القرآن بلغتهم ليفهموه ويبلغوه لغيرهم.
(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ): أَي ولئن اتبعت يا محمد أَهواء الكافرين التي يدعونك إِليها مخالفة لما أُنزل إِليك من الحق كاستقبال بيت المقدس بعد تحويل القبلة، وعبادة غير الله ابتغاءَ مرضاتهم.
(بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ): أَي بعد ثبوت العلم عن طريق الوحى والحجج الساطعة والبراهين القاطعة.
(مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ): أَي ليس لك من دون الله ولى ولا ناصر ينصرك فينقذك منه، ويقيك من عذابه إِن أَراد عذابك. والخطاب هنا للنبي ﷺ والمراد الأُمة، وفي هذا وعيد لأَهل العلم إِن هم حادوا عن الطريق واتبعوا سبل أَهل الضلالة.
стр. 2216
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾
المفردات:
(لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ)؛ الأَجل: الوقت والمدة، والكتاب؛ الحكم المعين الذي يكتب على العباد حسب ما تقتضيه الحكمة.
التفسير
٣٨ - (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً … ) الآية.
في هذه الآية جواب عن شبهات أَوردها أعداءُ النبي محمد ﷺ ، من ذلك قولهم: ما نرى لهذا الرجل همة إِلا النساء، ولو كان رسولا من عند الله حقًّا لما اشتغل عن رسالته بالنساءِ، فأَجاب الله عن هذه الشبهة بقوله: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً". وفي هذا تذكير بما كان عليه سليمان وداود ﵉ حيث كانت لهما أَزواج كثيرات وذرية كثيرة، ولم يقدح ذلك في نبوتهما، على أَن الرسول ﷺ قد اقتصرت حياته الأُول على زوجة واحدة إِلى سن الثالثة والخمسين فلما هاجر ﷺ إِلى المدينة حدثت ظروف ودواع اقتضت الإِصهار إِلى القبائل لمصلحة الإِسلام، فكان من الخير أَن تتعدد زوجاته، بذلك تظهر الحكمة في هذا التعدد فلا مجال لإِثارة الشبه حول هذا التعدد في أَواخر حياته، لأَنه لا يعقل أَن يكون ذلك لدواعى الشهوة في سن الشيخوخة.
стр. 2217
والمعنى: ولقد أَرسلنا رسلا كثيرين من قبلك أَيها الرسول شأْنهم كشأْنك، حيث جعلنا لهم أَزواجًا كثيرات وذرية كثيرة، فلست في ذلك بدعًا من الرسل.
وحين قالوا: لو كان رسولا لجاءَ بالآيات التي طلبناها منه. رد الله عليهم بقوله سبحانه: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ): أَي ليس في وسع رسول من الرسل أَن يأْتى بمعجزة وفق ما يقترحه قومه إِلا متى شاءَ الله، فهو وحده يحكم ما يشاءُ ويفعل ما يريد. ثم بين الله سبحانه الحكمة في تغيير الشرائع بقوله جل شأنه:
(لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ): أَي لكل وقت من الزمان شرع كتبه الله يناب حال أَهله. وينتهى بانتهاءِ الحاجة إِلى هذا الشرع، فِإن الشرائع كلها لإِصلاح أَحوال العباد في المبدأ والمعاد، ويترتب على ذلك أَن الشريعة تختلف على حسب اختلاف أَحوال الناس التي تتغير بتغير الأَوقات وتتابع الأَزمان والأَجيال. ومثل ذلك كمثل اختلاف العلاج باختلاف أَحوال المرضى وبحسب الأَوقات.
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾
المفردات:
(يَمْحُو): المحو الإِزالة، والمراد به هنا نسخ الشرائع والأَحكام وتغييرها.
(أُمُّ الْكِتَابِ): أَصل الكتاب، والمراد به علم الله تعالى أَو اللوح المحفوظ.
التفسير
٣٩ - (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ … ) الآية.
أَي يمحو الله ما يشاءُ من الشرائع بالنسخ، ويبقى ما يشاءُ منها ثابتًا كما هو فلا ينسخه ولا يبدله، أَو يَأْتى بشرع جديد مكان شرع سابق ينسخه به، فإِن الحكمة تقتضى أَن ينسخ الله ما يشاءُ أَن ينسخه من الأَحكام والشرائع بحسب الوقت ويثبت بدله أَو يبقيه على حاله من غير نسخ، لأَن الشرائع كلها لأَصلاح أَحوال العباد في المبدأ والمعاد.
стр. 2218
واعلم أَنه جعل الشرائع كلها فتفقة في الأَصول، فكلما أَتى نبي جاءَ بشريعة متفقة مع الشرائع السابقة في تلك الأَصول التي لا سبيل إِلى تغييرها، ومن ذلك ما تضمنه قوله ﵎: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا … ) الآيات من سورة الأَنعام. فهذه الأَصول وأَمثالها لا تتغير ولا تتبدل بتغير الرسالات والكتب السماوية، أَما الفروع فإِنها عرضة للتغيير والتبديل، كطريقة الصيام وزمنه، ومقادير الزكاة والأَصناف التي تزكى، وكتحليل بعض المحرمات، وفي ذلك يقول الله تعالى على لسان عيسى ﵇: "وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ … ". وغير ذلك مما يتغير بتغير الأَجيال وأَحوالهم. هذا، ويمكن أَن تكون الآية الكريمة عامة في كل ما يمحوه الله ويثبته من شئون الكون، فالأمر كله لله يفعل ما يشاءُ بقدرته ويحكم ما يريد بحكمته.
(وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ): أَي وعند الله تعالى أَصل الكتاب وقد فصل فيه كل ما يجريه سبحانه في الشرائع من المحو والإِثبات، وفي الكون من التغيير والتبديل، فكل ذلك لا يثبته الله ابتداءً، وإِنما هو قضاءٌ عنده قديم يبرزه في وقته وحينه الذي حدده طبقًا لحكمته، وقد عرفت في المفردات أَن المراد بأُم الكتاب علم الله تعالى أَو اللوح المحفوظ.
﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾
المفردات:
(وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ): ما هنا لتأْكيد معنى الشرط، أَي وإِن أَريناك، والتعبير بالمضارع لحكاية الحال الماضية أَو لإِفادة تجدد الوعيد.
стр. 2219
(مِنْ أَطْرَافِهَا): الأطراف؛ الجوانب.
(لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ): أَي لا راد له. والمعقب هو الذي يكر على الشيءِ فيبطله. ويقال لصاحب الحق الذي يطالب به معقب، لأَنه يتتبع غريمه بالاقتضاءِ والطلب.
التفسير
٤٠ - (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ): أَي إِن أَريناك يا محمد مصارع أَعدائك المصرين على الكفر وما وعدناهم من إِنزال العذاب بهم، فذلك انتقام عاجل لك من أعدائك، وإِن توفيناك قبل حلول وعيدنا بهم، فلا تجزع لذلك، فما عليك إِلا تبليغ الدعوة وتبليغ الوعيد على الكفر بها، وعلينا وحدنا حسابهم وجزاؤهم على كفرهم ومعاصيهم، في الوقت الذي تقتضيه الحكمة فإِننا نعلم من المصالح الخفية ما لا تعلم، فدع الأَمر لنا وبلغ ما أَنزل إِليك من ربك، وفي التعبير بقوله: "نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ" إِشارة إِلى أَنه ﷺ سيرى بعض الموعود، ولهذا بشره الله عقب هذه الآية بظهور تباشير النصر بقوله:
٤١ - (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا): أَي أَينكر المشركون تنفيذ وعيدنا ونصرنا لرسولنا، ولم يروا أَننا ننقص أَرض الكفر من جوانبها ونواحيها، بفتحها على المسلمين شيئًا فشيئًا وإِلحاقها بأَرض الإِسلام، وقتل بعض من يقف في سبيل الدعوة أَو أسرهم أَو إِجلاءِ البعض الآخر، أَليس هذا بعض الذي نعدهم؟
(وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ): أَي والله يحكم في خلقه بما يشاءُ لا يتعقب حكمه أَحد ينقض ولا تغيير، وقد جرت سنته أَن الأَرض يستعمرها عباده الصالحون، بإِقامة موازين العدل فيها والسير على نهج الحق -وقد حكم للإِسلام وأَهله بالغلبة والإِقبال ما داموا في طاعة الله، يجاهدون في سبيله، واثقين من صدق وعده بالنصر لمن ينصرونه، وكما حكم للإِسلام وأَهله بالإِقبال والنصر لأَنهم أَهل الحق، حكم على الكفر وأَهله بالإِدبار والانتكاس، لما سلكوه من الظلم والفساد في الأَرض.
стр. 2220
(وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ): أَي سيحاسبهم ويجازيهم بعد قليل في الآخرة بأَلوان العذاب، وكل آت قريب، وذلك بعد تحقيق الوعيد عليهم في دنياهم بالقتل والأَسر والِإجلاءِ.
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾
المفردات:
(مَكَرَ): المكر، هو تدبير المكروه في خفية.
(فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا): أَي أَنه تعالى يعلم المكر كله، فلا تخفى منه خافية عليه سبحانه.
(عُقْبَى الدَّارِ): أَي عاقبة دار الدنيا.
(عِلْمُ الكِتَابِ): أَي علم القرآن وما هو عليه من البيان المعجز، والحكمة التي لا تضارع، أَو علم التوراة والإِنجيل وما فيها من البشارات برسول الله والإِسلام.
التفسير
٤٢ - (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): أَي مكر الذين كفروا من قبل مشركى مكة بِرُسُلِهم، وكادوا لهم. وكفروا بهم، كما فعل نمروذ وقومه بإِبراهيم، وفرعون وقومه بموسى، واليهود بعيسى ثم دارت الدائرة على الظالمين المفسدين.
(فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا): أَي فالله تعالى محيط بمكرهم كله، فلا يغيب عن علمه شيءٌ منه، وهو قادر على إِحباطه والانتقام من مدبريه، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ وتأْمين له من مكرهم، وقد صارحه الله بذلك حيث قال له: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (١)
стр. 2221
(يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ): من خير أَو شر، فيثبت أولياءه، ويحميهم من شرور أَعدائهم، ويعاقب الماكرين بهم بما يستحقونه من عقاب، وفي هذا تهديد ووعيد للكافرين الماكرين أَكده بقوله.
(وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ): أَي وسيعلم الكفار إِذا قدموا على ربهم يوم القيامة لمن العاقبة المحمودة، لهذه الدار الدنيا، أَهى لهم؟ أَم للنبي ﷺ ، ومن تبعه من المؤمنين، ولا شك أنهم سيعلمون يومئذ أَن العاقبة الحميدة للمتقين، كما قال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (١).
٤٣ - (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا): أَي ويقول المشركون من العرب، الجاحدون لنبوتك: يا محمد لَسْتَ برسَول من عند الله، وإِنما أَنت متقول على الله تعالى، يقولون له ذلك بعد أَن تحداهم أَن يأْتوا بسورة من مثل القرآن فعجزوا، ليعالجوا بهذا الإِنكار قصورهم وضعف حجتهم، فهم حينما ينكرون لا مستند لهم في إِنكارهم، بل قامت الأَدلة الواضحة على أَنه مرسل من عند ربه، فما أَكثر المعجزات التي أَيده الله بها
(قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ): أَي حسبى الله شاهدا لي بتأْييد رسالتى وصدقى أَنَّنى قد بلَّغت، وشاهدا عليكم أَيُّها المكذبون فيما تفترونه من البهتان.
(وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ): مِمَّن أَسلم من أَهل الكتابين التوراة والإِنجيل فإِنهم، كانوا يجدون البشارات عنه في كتبهم، وحاصل الجواب بذلك: لستم بأَهل للحكم في شأْنى، فاسأَلوا أَهله من أَهل الكتاب فإِنهم بجواركم، كما قال تعالى: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (٢).
والله أَعلم
стр. 2222
سورة إبراهيم
آياتها اثنتان وخمسون، وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وجابر، وهو الذي عليه الجمهور، وقال ابن عباس وقتادة مكية إِلا آيتين منها فهما مدنيتان، وهما قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) "
فقد نزلتا في قتلى بدر من المشركين، أَخرجه البخاري عن ابن عباس وأَبو الشيخ عن قتادة.
المقاصد التي تناولتها السورة
اشتملت سورة إِبراهيم على المقاصد التالية:
١ - الحديث عن القرآن الكريم وعن الرسول ﷺ وأَثرهما في إِخراج الناس من الظلمات إِلى النور بفضل الله وهداه، وإِنذار الذين ينصرفون عن الهدى بالهلاك إِذا أَصروا على الكفر والضلال.
٢ - تقرير أَن الله سبحانه أَرسل الرسل بلغات أَقوامهم حتى يستطيعوا فهمها وأَداءَ شعائرها ولتقوم عليهم حُجة الله.
٣ - ذكر نبذة من قصة موسى ﵇ مع قومه، وتذكيره إِياهم بنعم الله وما يجب عليهم له سبحانه من عبادة وشكر.
٤ - ذكر نبذة من أَخبار الرسل مع أَقوامهم، وما قابلوا به رسالاتهم من جحود وإِنكار وانتقام الله من هؤلاءِ المعاندين المكابرين.
٥ - تقرير ضلال الكفار وحبوط ما قدموه من أَعمال طيبة؛ لأَنها لا تقوم على الإِيمان.
стр. 2223
٦ - ذكر مشهد من مشاهد يوم القيامة حيث يتبَّرأُ أتباع الكفار من رؤَسائهم وحيث يتبرأُ الشيطان مِمن أَغواهم ودفعهم إِلى الفساد. على حين يَمُنُّ الله على عباده الأتقياءِ بأَحسن الجزاء.
٧ - ذكر الآثار الطَّيبة للكلمة الطيبة، وأَن الله يبارك فيها وفيمَنْ دعا إِليها ومن استجاب لها، وذكر الآثار السيئة للكلمة الخبيثة وأَن الله يمحقُها ويمحق من دعا إِليها ومن استجاب لها من المنحرفين.
٨ - الدعوة إلى التعجب ممن يقابلون نعم الله بالجحود والكفران، ويضلون أَقوامهم فيقودونهم إلى النار.
٩ - دعوة المؤمنين إلى التمسك بِإيمانهم وأَداءَ شعائر دينهم، وإِلى شكر نعم الله العديدة عليهم، وأنها لا يمكن إِحصاؤها سواءٌ في أَرجاءَ الأرض أَم آفاق السماوات.
١٠ - تذكير قريش بنعم الله عليهم، واستجابته لدعاءِ إِبراهيم ﵇ من أَجلهم وأَن عليهم أَن يعْبُدوا رب هذا البيت الذي أَطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.
١١ - إِنذار المشركين بما أَعَدَّه الله لهم من عذاب أَليم يوم القيامة، وتأْكيد هذا الإِنذار وأَنه واقع بهم لا محالة "يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ".
١٢ - تقرير ما ورد في السورة الكريمة من تبشير للمؤمنين وإِنذار لِلْكَافرين، وأَنَّ في هذا بلاغًا للجميع ليسرعوا بالعودة إِلى توحيد الله وعبادته، وليعلموا أَنما هو إِله واحد، وإِيقاظ العقول لتتجه إلى الإِيمان قبل فوات الأَوان.
стр. 2224
سورة إبراهيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣))
المفردات:
(الر): هذه وأَمثالها من فواتح بعض السور، قيل أنها أَسماءٌ لها، وقيل أَسرار محجوبة، وقيل إِنها رمز للتحدى، وقيل إِشارة لابتداءِ كلام وانتهاءِ كلام، وقيل غير ذلك.
وقد سبق تفصيل الكلام فيها أَول سورة البقرة، فارجع إِليه إِن شئت.
(الظُّلُمَاتِ): الضلالات، فِإنها ظلمات معنوية.
(إِلَى النُّورِ): إِلى الهدى، فإِنه نور معنوى يهدى إِلى الحق.
(بِإِذْنِ رَبِّهِمْ): بتيسيره وتوفيقه.
(إِلَى صِرَاطِ): أَي إِلى طريق.
(الْحَمِيدِ): أَي المحمود، والمراد أَنه تعالى مستحق للحمد لذاته وإِن لم يحمده الناس.
(وَوَيْلٌ): الويل: الشر والهلاك.
(يَسْتَحِبُّونَ): يختارون.
стр. 2225
(وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ): يمنعون غيرهم عن دينه الذي يوصل إِلى مرضاته وثوابه.
(وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا): أَي ويطلبونها. والضمير عائد على السبيل فإِنها مؤنثة، أَي ويطِلبون لسبيل الله العوج.
التفسير
١ - (الر):
أَجملنا الكلام على (الر) في المفردات، وأَحلنا القارئَ على ما كتبناه مفصلًا عن الفواتح الهجائية في أَول سورة البقرة فارجع إِليه إِن شئت.
(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ): أَي هذا كتاب أَنزلناه إِليك يا محمد وهو القرآن العظيم.
(لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ): أَي بعثناك بهذا القرآن وأَنزلناه إِليك.
لِتُخرِجَ الناس عربهم وعجمهم أَبيضهم وأَسودهم من ظلمات الكفر والجهل والحياة الضالة إِلى نور الإِيمان والعلم والحياة البارة الرشيدة لما اشتمل عليه من الآيات الباهرات التي تحث على التفكر والتدبر، والنظر في حقائق الكون الدالة على وحدانية الله وتفرده بالخلق والإبداع … ولما حواه من المنهج السديد الذي تسعد به البشرية كلما سلكته، وتشقى كلما ابتعدت عنه.
(بِإِذْنِ رَبِّهِمْ): أَي بتوفيقه إِياهم ولطفه بهم، فهو الهادي لمن أَراد له الهداية على يدى نبي هذه الأُمة ﷺ في حياته، وبما تركه لأُمته من كتاب الله تعالى وسنته بعد انتقاله إِلى ربه.
(إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ): أَي إِلى الطريق الذي ارتضاه الله لخلقه وشرعه لهم، طريق العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع، فهو القاهر لكل ما سواه المستحق للحمد، ويلاحظ أَن "صِرَاط العَزِيزِ الْحَمِيد" بيان للنور في قوله: "لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمُاتِ إِلَى النُّورِ". فهو النور الذي أَخرجهم من الظلمات إِليه في العقائد والأَخلاق والتشريعات الرشيدة.
стр. 2226
٢ - (اللهِ (١) الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ): أَي هذا الكتاب أَنزلناه لتخرج الناس إِلى صراط العزيز الحميد، الله الذي له ما في الكون ملكًا وإِبداعًا وتصرفًا، فهو سبحانه يتصرف فيه وحده حسب ما تقتضيه حكمته الأَزلية.
وقرأَ نافع وابن عامر: (اللهُ الذِى لَهُ مَا فيِ السَّمواتِ … ) برفع لفظ الجلالة، على الاستئناف.
(وَوَيْلٌ لِلكَافِرِينَ مِنْ عذَابٍ شَدِيدٍ): هذا وعيد لمن كفر بالقرآن وخالف من أَنزله، وكفر بمن أنزل عليه، أَي وهلاك يوم القيامة ناشئ من عذاب شديد لمن كذبك ولم يستجب دعوتك بإِخلاص التوحيد للفرد الصمد، القوى المنتقم الجبار .. وقد وصف الله الكافرين بصفات ثلاث -الأُولى في قوله:
٣ - (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الْآخِرَةِ): أَي ويل للكافرين الذين يختارون الحياة الدنيا وما فيها من شهواتَ مهلكات، ويؤثرونها على الآخرة، وما فيها من نعيم مقيم.
- والصفة الثانية في قوله سبحانه:
(وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ): أَي ويصرفون الناس عن الإِيمان باللهِ واتباع ما جاءَ به رسوله محمد بن عبد الله، وذلك لما ران على قلوبهم من الكفر والعصيان، والبعد عَمَّا يقرب من الرحيم الرحمن.
- والصفة الثالثة في قوله تعالى:
(وَيَبْغونَهَا عِوَجًا): أَي يطلبون لها الميل والزيغ لتتفق مع أَهوائهم وشهواتهم التي هي، أَبعد ما تكون عن صراط الله المستقيم، وبعد أَن وصفهم بهذه الصفات، قضى بضلالهم فقال:
(أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ): أي أولئك الموصوفون بإِيثارهم الدنيا وزهرتها، وصدهم عن الدين، وابتغائهم له الزيغ والعوج، أولئك في ضلال بعيد عن الحق لا يرجى لهم والحالة هذه هداية ولا رشاد.
стр. 2227
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾
المفردات:
(بِلِسَانِ قَوْمِهِ): أَي بلغة قومه.
(بِآيَاتِنَا): هي الآيات التسع التي أَجراها الله على يد موسى ﵇ وهي: الطوفان - والجراد - والقمل - والضفادع - والدم - والعصا - ويده - والسنون - ونقص من الأَموال والأَنفس والثمرات.
(مِنَ الظُّلُمَاتِ): من الكفر والجهالات المشبهات للظلمات.
(إِلَى النُّورِ): إلى الإِيمان بالله وتوحيده فهو النور الهادي إِلى سواءِ السبيل.
(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ): أَي بوقائعه التي وقعت على الأُمم السابقة، يقال فلان عالم بأَيام العرب أَي بحروبها وملاحمها.
(صَبَّارٍ شَكُورٍ): كثيرَ الصبر، كثير الشكر.
التفسير
٤ - (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ … ) الآية.
أَي وما أَرسلنا قبلك من رسول إِلا بلسان القوم الذين أَرسله الله إِليهم، ليبين لهم شريعة ربهم في سهولة ويسر، وليقطع أَعذارهم وتقوم به حجة الله عليهم، ومحمد
стр. 2228
صلوات الله وسلامه عليه وإِن بعث إِلى الناس جميعًا وأَلسنتهم مختلفة فإِرساله بلسان قومه أَولى من إِرساله بلسان غيرهم ليحملوا معه عبءَ الدعوة، ويبينوا الدين لمن كانوا على غير لسانهم، ويترجموه حتى يصير مفهومًا لهم كما فهموه، وعلى هذا فكل من تُرجِمَ له ما جاءَ به النبي ﷺ ترجمة دقيقة يفهمها لزمته الحجة. قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا". وقال ﷺ : "أُرسل كل نبى إِلى أُمته بِلسانها وأَرسلنى الله إِلى كل أحمر وأَسود من خلقه".
وقال: "والذي نَفْسِىْ بِيَدهِ لَا يَسْمعُ بي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّة يَهُودِىُّ وَلَا نَصْرَانىُّ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنْ بالذى أُرْسْلُت به إِلَّا كَانَ منْ أَصْحابِ النَّار". أَخرجه مسلم.
وحيث كانت رسالة الإِسلام عامة لأَهل الأَرض، فيجب على المسلمين أَن يكون فيهم من يعرفون اللغات المختلفة، ليحسنوا تبليغ الدعوة المحمدية التي تركها النبي أَمانة في أَعناقهم جميعًا، وعلى من أَسلم من غير العرب أَن يتعلم اللغة العربية ليحسن فهم الإِسلام من منابعه والعمل بشرائعه.
(فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَّشاءُ وَيَهْدِى مَن يَّشَاءُ): أَي فبعد إِرسال الله كل رسول بلسان قومه، لتقوم به حجة الله، يضل من ران على قلبه الغَواية والضلالة بما اجترح من آثام، ويهدى من اتبع سبيل الرشاد، وجانب أُسلوب العناد، فانشرح صدره للإِسلام، واستقام على المنهج السديد بتوفيق الله رب العالمين.
(وَهُوَ الْعَزِيزُ): فلا يغالب في مشيئته. (الحَكِيمُ): العظيم الحكمة فيما أَوجبه على الناس من شريعتة.
٥ - (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ … ) الآية. هذا شروع في تفصيل ما أَجمل في قوله: "وَمَا أرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ".
أَي ولقد أَرسلنا موسى بلسان قومه بني إِسرئيل، وأَيدناه بالآيات المعجزة الدالة على
стр. 2229
صدقه وأَمرناه بأَن يدعو قومه إِلى الإِيمان باللهِ وحده ليخرجوا من ظلمات ما كانوا عليه من الجهل والضلال إِلى نور الهدى والإِيمان.
(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ): أَي وذكرهم بوقائع الله في الأَمم قبلهم، قوم نوح وعاد وثمود أَو بأَيام الله التي أَنعم فيه على بني إِسرائيل بمختلف النعم، من إِخراجهم من أَسر فرعون وقهره، وفلقه البحر لهم، وتظليله إِياهم بالغمام، وإِنزاله عليهم المن والسلوى، ويجوز أَن يراد منها المحن الشديدة والنعم الجميلة، فكلتاهما من أَيام الله وآياته البينات.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ): أَي إِن في المذكور من أَيام الله لدلائل على وحدانية الله وقدرته وفضله ورحمته، لكل صبار في المحنة والبلية شكور في المنحة والعطية، قال قتاده: "نعم العبد، إِذا ابتلى صبر وإِذا أُعطى شكر".
وقال ابن كثير: جاءَ في الصحيح عن رسول الله ﷺ أَنه قال: "إنَّ أَمْر الْمؤْمِن كُلَّهُ عَجَبٌ لَا يَقضِى اللهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءٌ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ".
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧))
المفردات:
(يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ): أَي يبغون لكم سوءَ العذاب من قولهم: سمت كذا أَي ابتغيته وطلبته.
стр. 2230
(وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ): أَي ويبقونهن أَحياءً فلا يقتلونهن.
(بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ): أَي ابتلاءٌ بمعنى اختبار.
(تَأذَّنَ): أَي آذن بمعنى أَعلم كتوعدهُ بمعنى أَوعده، غير أَنه أَبلغ منه.
التفسير
٦ - (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) … الآية.
يقول الله تعالى مخبرًا عن موسى حين ذكر قومه بأَيام الله عندهم وما أَفاض عليهم من النعم، إذْ أَنجاهم من آل فرعون، وما كانوا يكلفونهم به من التكاليف الشاقة مع القهر والإِذلال والتعذيب السيءِ، وكيف كانوا يذبحون أَبناءَهم الذكور ويستبقون إِناثهم مستضعفات ذليلات، وهذا من أَسوأَ أَلوان البلايا والرزايا ولهذا قال سبحانه:
(وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ): أَي وفيما ذكر ابتلاءٌ واختبار عظيم من ربكم، لما فيه من التعذيب والمحن التي كان يصنعها بهم فرعون وقومه، ثم لما فيه من نعمة الإِنجاءِ من كل ذلك العسف والتنكيل.
فالابتلاءُ كما يكون بالضرر يكون بِالمنفعة كما قال تعالى: "وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً". فبالخير يبلو عباده أَيشكرون أَم يكفرون؟ وبالشر يبلوهم أَيصبرون أَم يجزعون؟ وهو في كلتا الحالتين يُثِيبُ المحسن ويعاقب المسيءَ.
٧ - (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ): أَي واذكروا يا بنى إِسرائيل حين آذنكم ربكم وأَعلمكم بوعده ووعيده إِعلامًا مؤَكَّدًا حيث قال:
(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ): أَي لئن شكرتم إِنعامى لأَزيدنكم من فضلى ونعمتى والتوفيق لطاعتى.
الآية نص على أن الشكر سبب المزيد من النعمة، فإِن من شكر الله على رزقه وسع عليه في الرزق، ومن شكره على ما أَقدره عليه من طاعته زَادَ ثوابَهُ في طاعته، ومن شكره
стр. 2231
على ما أَنعم به عليه من صحة زاده الله صحة وهكذا … وقد أُثر عن جعفر الصادق أَنه قال: "إِذَا سَمِعَتِ النعمةُ نِعْمَةَ الشُّكْر فتأهب للمزيد". وسئل بعض الصلحاءَ عن الشكر فقال: "أَلاَّ تتقوى بنِعمِهِ على معَاصِيه".
فَحَقيقة الشكر على هذا الرأْى اعتراف المنعم عليه بالنعمة للمنعم، وأَلا يصرفها في غير طاعته، وأَنشد الهادى وهو يأْكل:
أَنَالَكَ رِزْقَهُ لِتَقُومَ فيهْ … بطاعته وتشكر بَعْضَ حقِّه
فلم تشكر لنعمته ولكن … قويتَ على معاصيه بِرِزْقِه
فَغُضَّ باللقمه وخنقته العبرة.
(وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ): أَي ولئن كفرتم نعمة الله بإِنكار نسبتها إِليه
أَو التقصير في شكره عليها بالطاعة قولًا وعملًا، فترقبوا أَليم العذاب، إِن عذابه لشديد، وذلك بسلب النعم في الدنيا، وإِنزال النقم في الدنيا والآخرة، وفي الحديث: "إِن الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنب يُصِيبه".
(وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩))
المفردات:
(حَمِيدٌ): مستوجب للحمد لذاته وإِن لم يحمده أَحد.
стр. 2232
(بالْبَيِّنَاتِ): أَي بالآيات الواضحات.
(فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ): أي ردوها لكي يعضوها في أفواههم غيظًا.
(مُرِيبٍ): الريبة هنا بمعنى اضطراب النفس وعدم اطمئنانها.
التفسير
٨ - (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ):
أَي وقال موسى لقومه: إِن تُنكرُوا نعمة الله التي أَضفاها عليكم ولا تَشكروها؛ إِن تَفعَلوا ذلك يا بني إِسرائيل ومعكم كل من في الأَرض جميعًا، فما أَلحقتم الضرر إِلا بأَنفسكم إِذ حرمتموها من مزيد النعم وعرضتموها لشديد العذاب، في الوقت الذي أَنتم إلى الله أَحوج، وهو غنى عن شكركم وشكر غيركم، فإِنه لا تنفعه طاعتكم، كما لا تضره معصيتكم؛ وأَنتم إِن لم تحمدوه بأَلسنتكم، فإِن جوارحكم تلهج بحمده وأَنتم لا تشعرون، فإنه تعالى يقول: "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" (١).
وفي صحيح مسلم في أَبي ذر عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أَنه قال: "يَا عبَادى لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنسَكُمْ وَجنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ واحدٍ مِّنكمْ ما زَاد ذَلكَ فِي مُلْكى شَيْئًا، يَا عبَادى لَوْ أَن أَوَّلَكُمْ وَآخرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلى أَفجر قَلْبِ رَجُلٍ وَاحدٍ مِنكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِى شَيْئًا، يَا عِبَادِى لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فى صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِى فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسانٍ مسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِى شَيْئا إِلاَّ كَمَا يَنْقصُ الْمِخيطُ إِذَا دَخَلَ الْبَحْرَ".
فسبحانه وتعالى هو الغنى الحميد.
٩ - (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ … ) الآية.
стр. 2233
أي أَلم يأْتكم يا أَهل مكة خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأُمم المكذبة للرسل ممن لا يحصى عددهم ولا يعرف نسبهم إِلا الله .
(جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ):
أَي جاءوهم بالحجج الواضحات والدلائل الباهرات، وقد بين كل رسول لقومه طريق الهداية والأَمن ودعاهم إِليه، ولكنها لا تعمى الأَبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
(فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ): أَي جعل أُولئك القوم أَيديهم في أَفواههم ليعضوها غيظا مما جاء به الرسل، مقرونا بتسفيه أحلامهم، وشتم أَصنامهما، أو ردوها إِلى أَفواههم مشيرين بها إِلى أَلسنَتِهم وما يصدر عنها من المقالة، لينبهوا الرسل إلى تلقيها منهم وليقنطوهم. من التصديق والإِيمان عن جهتهم، وذلك ما حكماه الله عنهم في قولهم: "وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ … " الآية.
وقيل معناه: أَنهم أَشاروا إِلى أفواه الرسل يأمرونهم بالسكوت عنهم، لمَّا دعوهم إِلى الله ، قال أبو عبيدة والأَخفش: هو ضرب مثل أَي لم يؤمنوا ولم يجيبوا، والعرب تقول للرجل إِذا أَمسك عن الجواب وسكت: قَدْ رَدَّ يده في فيه.
(وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ):
أَي أَننا لا نصدقكم فيما جئتم به، وإِنا لَفِى شك قوىٍّ موقع في الريب وعدم الطمأْنينة بسبب ما جِئتم به من التعاليم والشَّرائِع وما تدعوننا إليه من إِيمان وتوحيد.
стр. 2234
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾
المفردات:
(أَفِي اللَّهِ شَكٌّ): الاستفهام للإِنكار بمعنى النفى وفيه معنى التعجب.
(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): خالقهما على غير مثال سبق.
(بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ): ببرهان بين له سلطان واضح على النفوس.
التفسير
١٠ - (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ … ) الآية.
حكى الله في الآية السابقة قول الكافرين لرسلهم: "وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ ممِاَّ تَدْعُونَنَا إلَيْهِ مُرِيبٍ". وجاءَت هذه الآية تحكى رد المرسلين واستنكارهها لما زَعَمُوهُ والتعجب منه.
стр. 2235
والمعنى: قالت الرسل لأُممهم مستنكرين شكهم في ربهم: أَفى وجود الله شك وارتياب حتى تقولوا لنا: "وَإنَّا لَفِى شَكّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ". في حين أَنه فاطر السماوات والأَرض ومبدعهما، أليس لكل صنعة صانع فلا بد للسماوات والأَرض من منشئ صانع له القدرة الكاملة، والإِرادة النافذة والعلم المحيط.
وجاءَ هذا الاستنكار والاحتجاج في محاجة الأَنبياءِ جميعا، فكل رسول من الرسل جعل نصب عينيه توجيه أُمته إِلى التفكر والتدبر في السماوات والأَرض، والتبصر في أَسرارهما، ليتعرفوا بذلك وجود الخالق ووحدانيته، واتصافه بكل كمال وتنزهه عن كل نقص.
ويجوز أَن يكون المعنى: أَفى أُلوهية الله وتفرده بوجوب العبادة شك .. ؟ وهو الخالق لجميع الأَرض والسماوات المدبر لأُمورها، فلا يستحق العبادة أَحد سواه.
وربما كان هذا المعنى أَولى، فإِن أَغلب الأُمم كانت تقر بوجود الخالق المدبر ولكنها، كانت تعبد معه غيره من الوسائط التي زعموا أَنها تقربهم إِلى الله زلفى، ثم قالت لهم رسلهم: (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى): أَي يدعوكم الله إِلى الإِيمان به وبوحدانيته وسائر صفاته وكمالاته، على أَلسنة رسله وشواهد آياته الكونية وكتبه المنزلة، ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان وضياء التوحيد، لِيَغْفِرَ لَكمْ بعض الذنوب، ويمحو عنكم بعض ما اقترفتموه من الآثام، وهى التي تتعلق بحقوق الله وحده. وفي ذلك يقول تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ).
أَما حقوق العباد فإِن الله لا يعفو عنها إِلا برضا أَصحابها وعفوهم عنها، ولهذا عبر في الآية بِمِنْ في قوله: "يَغْفِرْ لَكَمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ". فإِنها أَفادت التبعيض وهذا البعض الذي يغفر هو ما يتعلق بحق الله تعالى، فإِن حق الله تعالى مبنى على المسامحة بمقتضى هذا الوعد الكريم. أَما حقوق العباد فإِنها مبنية على المطالبة والمؤَاخذة، وكما يدعوكم الله إِلى الإِيمان ليغفر لكم من ذنوبكم، يدعوكم أَيضا إِلى الإِيمان لفائدة أَخرى، وهي أَن لا يستأْصلكم بالعذاب كما استأصل الكافرين قبلكم، بل يبقيكم تتمتعون في دنياكم حتى الأَجل الذي
стр. 2236
سَمَّاهُ وقدره لكل فرد من البشر، وهذا هو المعنى الذي عناه ابن عباس ﵄ بقوله: يمتعكم باللذات والطيبات إِلي الموت، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ" (١) ويحكى الله رد الأُمم الكافرة على دعوة رسلهم إِياهم إِلى الإِيمان فيقول:
(قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا): أَي قالوا عُتُوًّا وعنادا ومكابرة: ما أَنتم إِلا بشر مثلنا في الصورة والهيئة، فلا فضل لكم علينا يؤَهلكم للرسالة التي تدعونها، وتريدون بها أَن تمنعونا عن آلهتنا التي كان يعبدها آباؤُنا فإِن كنتم رسلا من عند الله كما ادعيم:
(فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ): أَي فأْتونا ببرهان ذى سلطان بَيِّن واضح، يدل دلالة قاطعة على استحقاقكم لمرتبة الرسالة وصحة ما تدعوننا إِليه، حتى نترك عبادة آلهتنا التي وجدنا عليها آباءَنَا.
لقد جاءَهم الرسل بالآيات والمعجزات التي تخر لها صم الجبال، ولكن القوم زعموا أَن كل ما جاءَتهم به الرسل معجزات ليس من جنس السلطان المبين الذي يقترحونه، وهكذا كانوا يجادلون في الحق بعد ما تبين لهم. ثم يحكى الله جواب الرسل لأَقوامهم فيقول:
١١ - (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ … ) الآية. أَي قالت الرسل لأُممهم: ما نحن إِلا بشر مثلكم كما قلتم، ولكن الله ينعم على من يشاءُ من عباده، فيصطفيهم لرسالته، يختصهم بها بمحض فضله وامتنانه، لا بحسب ولا نسبٍ ولا باجتهاد منهم في العبادة!
стр. 2237
والبشرية غير مانعة لمشيئته جل وعلا أَن يتفضل بهذا الاختصاص على من يشاءُ من عباده من أَهل الفضل والكمال، "اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (١) ". ولم يرسل الله إِلى البشر ملكًا، لِأنَّهُ لَا طَاقَةَ للناس بالتلقى عن الملائكة كما قال تعالى: "وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ".
ثم قالت الرسل جوابا لقول أُممهم: "فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ":
(وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ): أَي وما صح لنا وما استقام أَن نأْتيكم ببرهان كما طلبتم غير ما أَجراه الله على أَيدينا مِن المعجزات إلا بإِذن الله وتيسيره، فإِن لم يأْذن فلا سبيل إِليه، ولا قدرة لنا عليه، مع ما خصنا الله به من النبوة وشرّفنا به من الرسالة.
(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ): أي قال كل رسول لأُمته بعد ما تقدم: وعلى الله وحده فليتوكل المؤْمنون وليفوضوا جميع أُمورهم إِليه، وليصبروا على معاندة الكافرين ومعاداتهم، ثم أَيدوا وجوب توكلهم على الله بقولهم:
١٢ - (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا … ) الآية.
وأَى عذر لنا في ترك التوكل على الله وحده والاعتماد عليه في رفع أَذاكم وسُلُوك سبيله، وقد أَرشدنا إِلى سبيله المستقيم، ومنهاجه الذي شرعه له وأَوجب عليه سلوكه.
(وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا): بالعناد والتكذيب واقتراح الآيات، وما إِلى ذلك من السفه والَّلجاج؛ حتى يأْتينا نصر الله.
(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ): أَي وعلى الله فليعتمد المؤْمنون المتوكلون دائما فإنه هو الذي ينصرهم، وبيده وحده هزيمة أَعدائهم. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢)
стр. 2238
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾
المفردات:
(لَتَعُودُنَّ): لَتَصِيرُنًّ. (مَقَامِي): أَي الموقف المَملُوك لله، الذي يقف به العباد بين يَدَيه للحساب، أَو قيامه على عبده ومراقبته إِياه. (وَعيدِ): وعدى بعذاب الكفار والعصاة يوم القيامة.
التفسير
١٣ - (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا .. ) الآية.
استمر الكفار في جدالهم للرسل بالباطل، وضاقت صدورهم بالحق بعد ما تبين، وكبر عليهم أَن يرجعوا إِليه، فسلكوا مسلك العنْف والقوة وقالوا تهديدًا للرسل ووعيدا لهم:
(لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا):
لم يكتفوا بعصيانهم للرسل ومعاندتهم للحق بعد ما رأَوا الآيات البينات حتى اجترؤا على مقالتهم الشنعاء التي يعجز عنها الوصف، وأَقسموا: ليكونَنَّ أَحد الأَمرين لا محالة: إِما أَن نخرجكم من أَرضنا، وإِما أَن تعودوا إِلى ديننا وتتحولوا إِلى مِلتنا.
стр. 2239
(فَأَوحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ):
أي فأَوحَى إِلى الرسل ربهم ومالك أَمرهم تثبيتا للمؤمنين ووعيدا للكافرين قائلًا:
(لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ): أَي لنقتلنَّ الذين ظلموا أَنفسهم بشركهم، وظلموا الرسل والمؤمنين بتكذيبهم وإِيذائِهم -لنهلكنهم- أن استمروا على كفرهم وعنادهم، ثم أَكمل الله وعيده للكافرين ووعده للمؤمنين بصيغة التوكيد فقال سبحانه:
١٤ - (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ … (١)) الآية.
أَي ولنسكنكم أَيها المؤمنون أَرض هؤلاءِ الكافرين بعد إِهلاكهم، عقوبة لهم في الدنيا على قولهم لرسلهم: "لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا". وتلك سنة الله في رسله وعباده المؤمنين، أَلا ترى إِلى قوله تعالى: "وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا". وإِلى قوله جل سلطانه "وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا، سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٢) ".
(ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ): أَفادت هذه الجملة أَنه تعالى جرت سنته مع رسله ومن آمن بهم أَن ينصرهم على من كفر بهم، ويسكنهم الأَرض من بعد إِهلاكهم.
والمعنى: ذلك الذي مَرَّ بيانه من إِهلاك الظالمين، وإِسكان المؤمنين أَرضهم وديارهم أَمر ثابت لكل من خاف موقفى الذي يقف به العباد بين يدىَّ للحساب يوم القيامة، أَو خاف قيامى عليه بحفظ أَعماله ومراقبتى إِياه، فإِنى قائم على كل نفس بما كسبت، وذلك أَيضًا لمن خاف وعيدى بالعذاب للكفرة والعصاة.
стр. 2240
﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾
المفردات:
(وَاسْتَفْتَحُوا): وطلبوا الفتح، والمراد به هنا النصر. (وَخَابَ): وخسر وهلك.
(كُلُّ جَبَّارٍ): الجبار في اللغة؛ من يقهر الناس على ما يريده، والمراد به هنا المتكبر عن عبادة الله تعالى وطاعته المتعالى على رسله. (عَنِيدٍ): شديد العناد والمكابرة.
(مِنْ وَرَائِهِ): من خلفه -أَو من أَمامه. وأَصل معنى وراء: ما توارى عنك قدَّامك أَو خلفك.
(مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ): هو ما يسيل من أَجساد أَهل النار. وأَصل الصديد: الماءُ الرقيق الذي يخرج من الجرح.
(يَتَجَرَّعُة): أَي يتكلف بلعه مرة بعد أَخرى من الجَرْع وهو البلع.
(وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ): ولا يقارب أَن يبتلعه بسهولة.
التفسير
يخبر الله ﵎ عما انتهى إِليه أَمر الرسل مع مكذبيهم، بعد أَن صبروا عليهم وصابروهم حتى يئسوا كل اليأْس من إِيمانهم فيقول جل من قائل:
стр. 2241
١٥ - (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ):
أي لجأَ الرسل إِلى ربهم وسأَلوه الفتح والنصر على عدوهم، فاستجاب الله لرسله ونصرهم ظفروا وأَفلحوا، وخسر أَعداؤهم وهلكوا، جزاءَ تكبرهم وعنادهم.
والتعبير بقوله تعالى: "كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ"، بدلا من التعبير بقوله: وخابوا لِذَمِّهِمْ وتسجيل التجبر والعناد عليهم، وواضح على هذا المعنى أَن الضمير في قوله تعالى: "وَاسْتَفْتَحُوا" للرسل وحدهم كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقيل إِن الضمير للمكذبين وحدَهم، وكأَنهم لما قوى تكذيبهم وأَذاهم للرسل ولم يُعاجَلُوا بالعقوبة، ظنوا أَنهم على الحق، وأَن ما جاءَت به الرسل باطل، فاستفتسحوا على الرسل واستنصروا عليهم، أَو استفتحوا على أَنفسهم، على سبيل التهكم والاستهزاءِ، كقول قوم نوح: "قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ" (١) وقول قوم شعيب: "فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ" (٢) وقول المشركين من قريش: "وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" (٣).
وقيل: إِن الضمير للرسل ﵈ ولمكذبيهم، أَي أَنهم جميعًا سأَلوا الله تعالى أَن ينصر المحق ويهلك المبطل، وقد نصر الله رسله والمؤْمنين "فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (٤).
١٦ - (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ):
بينت الآية السابقة ما لقى مكذبو الرسل ومعاندوهم من الهزيمة والهلاك في هذه الدار، وتبين هذه الآية وما بعدها ما يلقاه كل منهم من أَنواع العذاب وأَلوانه في دار القرار.
والمعنى: مِنْ خَلْف كُلِّ جبارٍ معاند للرسل جهنمُ تستقبله عقب انتهاءِ حياته في الدنيا.
стр. 2242
وقال ابن كثير: "وراءَ" هنا بمعنى أَمام، كقوله تعالى: "وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا" (١). وكان ابن عباس يفسرها بذلك؛ وسواء فُسرت وراءُ بهذا أَو بذاك فالمقصود أَنهم يلقون عقابهم في جهنم يوم القيامة فهي، أَمامهم يستقبلونها وهى خلفهم بعد انقضاءِ حياتهم، والمعنى: من ورانه جهنم يلقاها ويسقى فيها من ماءٍ يشبه الصديد الذي مر بيانه في المفردات، ويجوز أَن يكون من الصَدِّ بمعنى الإِعراض، أَن يسقى من ماء كريه يعرض عنه، ويصف الله هذا الماء الذي لا يستساغ فيقول جل شأْنه:
١٧ - (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ … ) الآية.
أَي يتكلف الجبار العنيد جرعه وبلعه مرة بعد أَخرى فلا يقرب من استساغته، ولا يسهل عليه بلعه لحرارته ومرارته. وقيل إِن المعنى: لا يقارب أَن يدخله في جوفه قبل أَن يشربه فيُسقاه على الرغم منه قهرًا وقسرًا، أَخرج أَحمد والترمذي والنسائى والحاكم -وصححه- وغيرهم عن أَبي أمامةَ عن النبي صلى الله عيه وسلم أَنه قال في الآية: (يُقَرَّب إِليه فيتكرّهه فإِذا أُدنى منه شَوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإِذا شربه قطَّع أَمعاءَه حتى يخرج من دُبُرِه) يقول الله تعالى: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) (٢). وتستمر الآية في وصف عذاب الجبار العنيد وذلك في قوله تعالى:
(وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ): أَي ويأْتيه أَسباب الموت من الشَّدَائِدِ وأَنواع
العذاب من كل موضع، والمراد أَنه يحيط به من جميع الجهات، كما روى عن ابن عباس ﵄، وقيل من كل مكان في جسده حتى أَطراف شعره وإبهام رجله، "وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ" فيستريح بالموت. بل إِنه لا يخفف عنه العذاب في وقتٍ مَّا، كي ينفس عن نفسه بعض الكرب كما قال تعالى: (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) (٣). وكما قال : (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) (٤). فهم مخلدون في جهنم يستقبلون في كل وقت عذابا أَشد وأَشق مما كان
стр. 2243
قبله. ولهذا ختمت الآية بقوله :
(وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ): والضمير في (ورائه) يعود إِلى كل جبار أَو إِلى العذاب المفهوم من الكلام السابق. والمعنى: وأَمام كل جبار أَو: وأَمام كل عذاب ذاقه الجبار -عذابُ آخر شديد الغلظة، وأَهوال العذاب وأَنواعه وأشكاله لا يحصيها إِلا الله تعالى: "جَزاءً وِفَاقًا" (١) ". وَمَا ربُّكَ بِظَلاَّمٍ للْعَبِيدِ". (٢) واعلم أَن عذاب الكفر يتفاوت في الشدة وأَن النار دَركَات كما أَن الجنة درجات، وأَنه لا يستوى كافر عنيد متمرد يسعى في الأَرض فسادا، وكافر مغلوب على أَمره، وفي تفاوت عذاب الكفار يقول اللهَ تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا). (٣) ويقول ﷺ فيما رواه الشيخان عن النعمان بن بشير ﵄ "إِن أَهون أَهل النار عذابًا يوم القيامة لَرَجُلٌ وُضِعَ في أُخمص قدميه جمرةٌ يغلى منها دمِاغه" (٤).
(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨))
المفردات:
(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا). المثل في أَصل اللغة: بمعنى الشبيه والنظير، كالمثل والمثيل. ويطلق على الحال والصفة التي لها شأْن وفيها غرابة، كما فى هذه الآية وأَمثالها مما تقدم مرارا
стр. 2244
ويأتي كثيرا. (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ): العصف: اشتداد الريح، وُصف به زمان هبوبها تقوية لشدتها وتوكيدا، كما وصف النهار بالصيام والليل بالقيام في قولهم: نهاره صائم وليله قائم لكثيرِ الصيامِ والقيام.
التفسير
١٨ - (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ … ) الآية.
بعد أَن بين الله ﵎ في الآيات السابقة، ما يلقاه الكفار من العذاب الشديد يوم القيامة -بَيّن في هذه الآية أَن أَعمال الخير التي عملوها في الدنيا، تصير كلها في الآخرة ضائعةً باطلة، لا ينتفعون بشيء منها، وكذلك ما قدموه من القرابين لآلهتهم زاعمين أَنها تقربهم إِلى الله تعالى.
والمعنى: أَن أَعمال الكافرين التي يتقربون بها إِلى آلهتهم، أَو يفعلونها رغبة في البر -صِفتُها في حبوطها وذهابها دون أَن ينتفع بها أَصحابها يوم القيامة، وهم في أَشد الحاجة إِلى ثوابها- صِفَتُها -كصفة رماد بعثرته الريح الشديدة وفرّقته فلم تدعْ له أَثرا، لأَنها مَبْنيَّةً على أَساس باطل وهو الكفر، وما بني على باطل فهو مردود، وفي ذلك يقول الله تعالى: "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا" (١).
ثم أَكد سبحانه حبوط هذه الأَعمال وذهابَها، وعجزَ الكفرة عن الانتقاع بها فقال:
(لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ): أَي لا يقدر أُولئك الكافرون على نيل ثواب لما عملوه ينفعهم يومئذ، فقد أَضاعه كفرهم، كما أَضاعت الريح الشديدة التراب وبعثرته ولم تُبْقِ منه شيئا.
(ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ):
أي ذلك الكفر الذي جعل أَعمالهم الصالحة ضائعة لا ينتفعون بها، هو الضلال البعيد عن الطريق الموصل إِلى الخير، وإِلى الغاية الحميدة.
стр. 2245
ومما ورد في السنة دليلا على أَن عمل الكافر لا ينفعه يوم القيامة ولو كان صالحا، ما رواه مسلم في صحيحه عن أُم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله: ابنُ جُدْعَان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: "لا ينفعه، إِنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتى يوم الدين".
وكان عبد الله بن جدعانَ من وجوه بني تيْم ورؤَساء قريش، وكان قريبا لأُم المؤمنين عائشة ﵂ وله تاريخ حافل بالجود والمكارم، فأَهَمَّها شأْنُه، فسأَلت عنه من لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه، فأَجابها بأَن شيئًا من هذه الصالحات التي عملها لا تنفعه يوم القيامة، لأَنه لم يصدق بالبعث فمات كافرا، والإِيمانُ هو الشرط الأَساسى في قبول الصالحات وحُسْنِ جزائها في الآخرة بقوله تعالى في شأن الكافرين: "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا". أَما المؤمنون الصالحون، فإِنهم يُثابون أَحسن الثواب ولا يظلمون، قال تعالى: "وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا" (١) وقال سبحانه: "فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ" (٢).
وإِنما حُرم الكفار يوم القيامة ثواب ما عملوه في الدنيا منَ الصَّالحاتِ والمكارم؛ لأَنهم بنوها على غير أَساس سليم من معرفة الحق ﵎، والإِيمان به والإِخلاص لوجهه، فجعلها الله هباءً منثورا، وحسبهم من عدل الله الذي لا يظلم أَحدا مثقال ذرة، أَن يكافئهم على هذه الصالحات في الدنيا، من سعة في الرزق، ورغد في العيش، وما إِليهما من الطيبات المعجلة لم في هذه الحياة. وقد بيَّن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أَنس ابن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إِن الله لا يظلم مؤمنا حسنة: يُعطى بها في الدنيا، ويُجزَى بها في الآخرة، وأَما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها