وقد عقب الله ذلك بأمر الرسول بالاتجاه في صلاته إلى البيت الحرام، سواءٌ أكان بالمدينة، أم كان خارجها، تعميمًا لاستقبالها في أي مكان.
وأَمرُ الرسول أمر لأُمّتِه. فهو إمامهم ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: وإن الاتجاه إلى المسجد الحرام في أي مكان، لهو الأَمر الثابت الموافق للحكمة، المنزل عليك من ربك: الذي وَالَاكَ بفضْلهِ وإحسانه. فلا تعْدِل عن استقبال القبلة التي شرعها لك، فإنه مُطَّلع على عملك، وعلى أعمال عباده جميعًا، فيجازيهم حسبما عملوا.
وفي نسبة إلى (ربك): إيذان بصدقه ﷺ فيما جاءَ به وأنه - تعالى - يحفظه من مؤَامرات أعدائه، ويعاقبهم عليها.
وختم الآية بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. لوعد المطيع، ووعيد العاصي.
١٥٠ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ … ﴾ الآية.
أمر الله رسوله بالتوجه إلى المسجد الحرام، ثلاث مرات:
الأولى في قوله:
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
والثانية في قوله:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
والثالثة في قوله:
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
وحكمة هذا التكرير: أن القبلة لها شأن خطيرٌ. والنسخ من مظان الشبهة والفتنة فلذا أكد أمرها مرة بعد أُخرى. مع أنه قد ذكر في كل مرة حكمة جديدة.
ذكره أبو السعود.
стр. 247
وقال القرطبي - نقلا عن غيره في تعليل التكرار -: إن موقع التحويل كان معنتًا في نفوسهم جدًا، فأَكد الأَمر، ليرى الناس الاهتمام به، فيخف عليهم، وتسكن نفوسهم إليه.
ويمكن حمل التكرار على أن الآية الأُولى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، لتشريع تحويل القِبْلَة من بيت المقدس إلى الكعبة، وقوله بعد ذلك:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لتشريع الاتجاه إليها في الأسفار، وقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ لتشريع الاتجاه إليها من المقيمين في بقاع الأرض المختلفة.
وعلل الأمر باتجاههم إلى الكعبة في كل مكان يصلون فيه، بقوله:
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
فَأَهل الكتاب يعلمون من كتابهم: أن اتجاهكم إلى الكعبة حق. فإذا اتجهتم إليها لم يكن عليكم أي دليل ينقص من عملكم، فهي قِبْلَةُ أبيهم إبراهيم، وإن لم يعجبهم انصرافكم عن قبلتهم.
والمشركون سيعلمون - بهذا الاتجاه - أنكم ورثة ملَّة أبيكم إبراهيم وقبلته، وكانوا يعترضون عليكم، بمخالفة قبلته، والآن: سقط هذا الاعتراض.
أما الظالمون المعاندون: فلا حيلة لكم معهم. فهؤلاء يقولون: ما تحوَّلَ إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه، وحبًا لبلده. أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه. ويوشك أن يرجع إلى دينهم، وتسمية هذه الكلمة الشنعاء (حُجَّة) - مع أنها أفحش الأباطيل - من قبيل قوله تعالى: " ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ (١) حيث كانوا يسوقونها مساق الحُجَّةِ.
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾: فإن مطاعنهم ل تضركم.
﴿وَاخْشَوْنِي﴾: فلا تخالفوا أمري.
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
стр. 248
أي: وأمرتكم بذلك، لأُتِمَّ نعمتي عليكم، ولعلكم تهتدون بامتثال ما أمرتكم به إلى سعادة الدارين.
ومن تمام نعمة الله على المسلمين: تطهير البيت الحرام من الأصنام، وتطهير الجزيرة العربية كلها منها، وقد تم هذا في آخر حياة الرسول ﵇ فحقق الله وعده ونصر جنده، وهزم الأحزاب وحده.
وقد تحققت للمسلمين البُشْرَيَاتُ الثلاث، التي أشارت إليها الآية الكريمة: قطع ألسنة السفهاء، وإتمام النعمة بإكمال الأمن، وتعميم الهداية ونشرها بين الأُمم والشعوب.
قال تعالى: " ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا … ﴾ (١) الآية.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾
المفردات:
﴿يُزَكِّيكُمْ﴾: يطهركم.
﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن الكريم.
﴿الْحِكْمَةَ﴾: السنة النبوية، أو ملكة عقلية للتمييز بين الحق وغيره.
التفسير
١٥١ - ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا … ﴾ الآية.
الخطاب للعرب، و ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ متعلق بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ﴾.
والمعنى: ولأُتم نعمتي عليكم بما سبق من جعلكم أمة وسطًا، وكونكم شهداء على الناس، واستقبالكم الكعبة قبلَةَ أبيكم إبراهيم، كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم، أي عربيًا
стр. 249
مثلكم، وأنزلت عليه كتابًا سماويًا معجزًا، محفوظًا من التحريف والتبديل، يتلوه عليكم فيخرجكم به من الظلمات إلى النور.
﴿وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
ويُطَهِّر نفوسكم، ويمحصها لله بوعظه وإرشاده، حتى يكون عملكم خالصًا، لوجه الله - تعالى - وتتلاقى القلوبُ على محبة ورضوان من الله، وتكونوا - دائمًا - في نصرة دين الله، ويعلمكم كتاب الله وما فيه: من أُصول التوحيد، وشعائر الدين، ومناهج الخُلُقِ الفاضل ليكون كل ذلك دستورًا لكم، ويعلمكم الحكمة، وهي: سنة الرسول ﷺ كما قال الإمام الشافعي.
ومن معاني الحكمة: إصابة الحق والصواب.
وما من شك في أن فهم القرآن والسنة والعمل بهما، يُنَمِّي في المؤمن موهبة الحكمة التي تهديه إلى الصواب، فيما يتعرض له من مشكلات.
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١)
والمؤمن البصير، يدرك الصواب بنور الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (٢).
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾
التفسير
١٥٢ - ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ … ﴾ الآية.
فاذكروني بالطاعة واللسان، أذكركم بالثواب وبالثناء في الملإِ الأعلى. وإن نعم الله المتوالية عليكم: تستدعي أن تلهج ألسنتكم بذكر الله - تعالى - وتنفعل جوارحكم بطاعته.
стр. 250
ومن كرمه - تعالى - إكرامه الذين يذكرونه: بذكره إياهم.
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ في حديث قدسي عن الله - عزل وجل -:
يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا مَعَهُ حين يذكرني. فإن ذكرني في نفسِه، ذكرتُهُ في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ، ذكرته في ملإٍ خيرٍ منه" (١).
والذكر من العبد: يكون بالأقوال والأفعال الخالصة، ومن الرب: بحسن المكافأة.
﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ أي: اشكروا نعمي عليكم. ومن أجَلِّها أنني أرسلت فيكم رسولًا منكم يزكيكم، ويعلمكم، ويهديكم إلى الله.
وشكر المُنعم واجب.
والشكر يكون: بتوجيه الجوارح إلى ما خلقها الله له، وبذلك المال فيما أباحه وندب إليه، ونشر العلم فيما ينفع، لوجه الله - تعالى - فشكر العالم: نشر العلم، وشكر القوي: مساندة الضعيف، وشكر الغني: الصدقة، وشكر الحاكم: العدل والتواضع. وهكذا.
وقد وعد الله الشاكرين بموالاة نعمه عليهم: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢).
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أي: ولا تكفروا نعمي بجحدها أو منع زكاتها، أو ترك طاعة الله شكرًا له عليها، فإن العقاب على ذلك شديد.
وقد أعطى الله قارون المال الوفير، فلما ادَّعَى أنه ناله بجهوده وعلمه، و ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (٣) خسف الله به وبداره الأرض. ولما أعطى الله - سبحانه - سليمان ﵇ ملكه الواسع، قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (٤) فشكر الله، فَحَفِظَ عليهِ نعمتَه.
стр. 251
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾
المفردات:
(الصَّبْر): ضبط النفس، وقوة الاحتمال.
التفسير
١٥٣ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ … ﴾ الآية.
يُعِدُّ الله المسلمين لما سيواجهونه من الفتن والمحن والحروب، ويدربهم تدريبًا نفسيًا على ملاقاة الشدائد، واحتمال الأهوال، فيأمرهم ، أن يستعينوا على خوض غمار الأحداث والمحن بسلاحين رئيسيين، هما: الصبر والصلاة.
أما الصبر، فيكون برياضة النفس على احتمال المكاره، وقمع الشهوات، وملاقاة النكبات، مع التسليم لله بقضائه، وانتظار فرجه، والرضا بحكمه.
وبعض المفسرين يقسم الصبر إلى ثلاثة أنواع: صبر على ترك المحارم، وصبر على فعل الطاعات، وصبر على المكاره والنوازل.
ومن أهم مواطن الصبر: الصبر عند لقاء العدو جهادًا في سبيل الله.
ولهذان كان ثواب الصابرين غير محدود: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١).
ولأهمية الصبر: ورد ذكره في القرآن، في نحو سبعين موضعًا، وأورد ابن القيم الجوزية في كتابه: "عدة الصابرين" أكثر من عشرين فضيلة للصبر.
وأما الصلاة: فهي: أُم العبادات، ومعراج المؤمنين إلى منازل الصالحين. واستغراق المؤمن فيها، علاج لما قد يتعرض له من أخطار الحياة، لأَن المؤمن الذي يستعين فيها بالله
стр. 252
- تعالى - على شدائده، لا يتخلى عنه سبحانه، بل يعينه على الخلاص منها، وقد كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
ثم أكد نتيجة الاستعانة بذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: يمنحهم السكينة والعزاء والعوض، والمدد الذي يعين على الثبات والخروج من المآزق، ولم يقل إن الله مع الصابرين والمصلين، لأن الصلاة تجعل المصلي مع الله - تعالى - وإذا كان المصلي مع الله، فالله معه مثلما هو مع الصابر، كما أن الصلاة نوع من الصبر.
وليس الصبر بلادة في الإحساس، واستسلامًا للنوازل، وإنما هو: ثبات على مكافحة البلاءِ.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾.
التفسير
١٥٤ - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ … ﴾ الآية.
إن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف، بل بعدها مرحلة القبر، ثم البعث، ثم الحساب ثم الجنة أو النار.
والشهداء في قبورهم أحياءٌ حياة كريمة، وإن كانت غير مشاهدة، فلهذا نهى الله الناس عن أن يقولوا: إنهم أموات، وقرر أنهم أحياءٌ فقال:
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
أي: بل هم أحياءٌ: حياة مؤكدة، وإن لم نشعر بها، لأننا لا ندرك مما يحيط بنا إلا القليل. وحياة الشهداء مصحوبة بالرزق. قال تعالى:
стр. 253
﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١).
فهم أحياءٌ ممتعون برزق ربهم، وهم به فرحون، ويستبشرون بما يقدمه إخوانهم من الجهاد في سبيل الله وما ينتظرهم من ثوابه الجزيل، ولكن كنه هذه الحياة، علمه عند الله.
وقد أنبأنا النبي ﷺ فيما رواه مسلم: "إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر، تسرح في الجنة كيف شاءَت … الخ". وكل ما نعلمه فيما عدا ذلك: أن الشهداء في حياة خير مما نحن فيه.
وذكر حالة الشهداء بعد الحض على الصبر، لأَنها من ثمراته الطيبات.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾
المفردات:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ البلاء: الاختبار.
التفسير
١٥٥ - ١٥٦ - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ … ﴾ الآية.
اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون هذه الدنيا دار ابتلاء وتمحيص، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (٢)
стр. 254
والإيمان درجات: فمن الناس " ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (١)، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (٢)، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٣).
والله - سبحانه - ليس في حاجة إلى أن يختبر عباده، ولكنه اختبرهم ليقيم عليهم الحجة: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٤).
وسنة الله تجري على خلقه أجمعين، حتى الأنبياء.
روى البخاري والترمذي عنه ﷺ أنه قال: "أشد الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل". وخرَّج مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا من رسول الله ﷺ قوله: "ما يُصيب المؤمن مِنْ وَصَبٍ ولا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، ولا حَزَنٍ، حتى الهَمّ يهمه، إلا كُفِّرَ به من سيئاته".
وقد أعدَّ الله المسلمين لحمل رسالتهم الكبرى إلى العالم، فأمرهم بالصبر والجهاد، حتى تعلو كلمة الله، وأنبأهم بأنهم سيتعرضون لشيءٍ من الخوف، وهو غير الجبن، إذ هو: غريزة توقظ في صاحبها التوقِّي من الأخطار.
وقد حدث الخوف للمسلمين في غزوة الخندق وحُنين، وأنبأَهم - سبحانه - أنهم سيتعرضون لشيءٍ من الجوع، فقد كان صلوات الله وسلامه عليه، يربط على بطنه من الجوع.
وقالت عائشة - رضوان الله عليها -: "لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين" رواه مسلم.
وكان ﵊: يغزو مع أصحابه أحيانًا، وليس لهم طعام إلا ورق الشجر، أو ثمرات يتبلغ بها الواحد منهم.
стр. 255
كما أنبأهم - جل شأنه - أنهم سيتعرضون لنقص من الأموال، كما حدث لهم في أُحُد وتَبُوك، ولفقد الأنفس، كما حصل لهم في أُحُد ومُؤتة، ولنقص الثمرات، كما حدث في عام الرَّمادة.
ومعنى الابتلاء من الله: أن يعاملهم معاملة المختبر - وهو العالم بحالهم - ليتميز الصابر المجاهد المحتمل، من الضعيف في دينه ونفسه، وفق ما علمه الله منه أزلا، فيجازى كل منهما على ما عمله، لا على ما علمه الله منه.
والخوف: يكون من إزعاج أعدائهم لهم وإرهابهم إياهم، أو من توقع المكاره في النفس أو المال أو الولد.
والجوع: يكون من قلة الموارد، ونحو ذلك.
ونقص الأموال: بقلة الكسب والخسارة في التجارة ونحوها.
ونقص الأنفس: بالقتل أو الموت.
ونقص الثمرات: بنحو الآفات.
وقد أردف الله تأكيد الابتلاء بذلك، بالحث على الصبر وبيان عاقبته، فقال:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
الخطاب في قوله ﴿بَشِّرِ﴾: للنبي ﷺ أو لكل من يستطيع التبشير.
والمصيبة: المكروه الذي يؤلم. وليس الصبر هو: الاسترجاع باللسان وحده، بل بالقلب معه، بأن يتذكر أن نعم الله عليه كثيرة، وأن ما أبقاه الله له، أضعاف ما استرده منه، فيهون المصاب بذلك على نفسه، ويستسلم، فذلك هو المقصود بقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، لا مجرد الاقتصار على النطق: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وإن كان ثواب هذا القول عظيمًا.
قال ﷺ : "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم آجرني، إلا آجره الله - تعالى - في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها … " إلخ. أخرجه مسلم.
стр. 256
وإطلاق البشرى - بدون تقييد - يشير: إلى أن ثواب الصابرين الذين يقولون ذلك، لا يحيط به الوصف.
ويجوز أن يكون المُبَشّرُ به، هو ما دلت عليه الآية التالية من أن: عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأنهم مهتدون، فما أعظمها بشارة.
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾
المفردات:
﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: الصلاة من الله: الرأفة والمغفرة.
التفسير
١٥٧ - ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ … ﴾ الآية.
هذا هو جزاء الصابرين الذين يُبَشَّرُونَ به، وهو: أن لهم من ربهم ثلاث بشريات.
الأُولى: صلوات الله عليهم. وذُكِرَت بصيغة الجمع للتكثير. وصلاة الله عليهم، هي مغفرته لهم، ورأفته بهم.
والثانية: رحمته، بإزالة آثار المصيبة، أو تعويضهم بما ينعم به عليهم، من جلب نفع أو دفع ضر.
والبشرى الثالثة: جاءت في قوله تعالى:
(وأولئك هم المهتدون) إلى مطالبهم الدنيوية والأُخروية، فإن من نال رأفة الله ورحمته، لم يفته مطلب.
стр. 257
وقد جمع في البشارة بين الصلاة - وهي هنا بمعنى الرأفة - وبين الرحمة - وهي شاملة للرأفة - للمبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً (١)﴾، وقوله: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢)﴾.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾
المفردات:
﴿الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾: هضبتان ملحقتان حاليًا بالمسجد الحرام: يسعى بينهما الحاج والمعتمر.
﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: من علامات دين الله في الحج والعمرة. والشعائر: لغة: جمع شعيرة، وهي العلامة.
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾: أي قصد الكعبة لأداء المناسك في موسم الحج.
والحج لغة: القصد، وشرعًا: قصد الكعبة للنُّسُك المشتمل على الوقوف بعرفة، في زمن مخصوص.
﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾: أي زار الكعبة لنسك العمرة، وهي كالحج، فيما عدا الوقوف بعرفة وأنها لا تختص بزمان. والاعتمار في اللغة: الزيارة مطلقًا، كالعمرة.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾: فلا إثم عليه في أن يسعى بينهما.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾: أي ومن زاد خيرًا على ما طُلب منه.
التفسير
١٥٨ - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
стр. 258
روى البخاري عن عاصم بن سليمان قال: "سألت أنس بن مالك، عن الصفا والمروة، فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما" فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وفي رواية الترمذي، عن أنس، أنهما: "كانا من شعائر الجاهلية".
ويشرح الشعبي أمرهما في الجاهلية، فيقول: "كان على الصفا في الجاهلية صنم يُسمى: إسافًا، وعلى المروة صنم، يُسمى: نائلة، فكانوا يمسحونهما، إذا طافوا، فامتنع المسلمون عن الطواف بهما من أجل ذلك، فنزلت الآية"، أي نزلت لرفع الحرج من السعي بينهما. بعد ما أُزيلت عنهما الأصنام.
والمعنى: إن الصفا والمروة من معالم دين الله، فهما من مناسك الحج والعمرة في الإسلام، بعد أن أُزيل الصنمان من فوقهما، وتمحض الذكر بينهما لله - تعالى -
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾: أي فمن كان حاجًا أو معتمرًا، أو جامعًا بين الحج والعمرة، فلا إثم عليه في أن يسعى بينهما.
وقد علمت مما تقدم: أن السعي بينهما كان نسكًا وعبادة في الجاهلية، ولكن العبادة فيه كانت للوَثَنَيْن القائمين فوقهما، فكان الساعون من أهل الجاهلية يمجدون وثنيتهما أثناء السعي. فلماء جاءَ الإسلامُ، أقر السعي بينهما، بعد أن أزال الأصنام، وجعل الذكر لله - تعالى - وحده، وهذا وأمثاله من السياسة الشرعية في الإسلام، فإنه إذا أقر أمرًا كان معروفًا في الجاهلية، لحكمة تقتضي إقراره، جرده من مظاهر الوثنية، ووجهه إلى الله - تعالى - قصدًا وذكرًا.
قال الآلوسي: وقد وقع الإجماع على مشروعية الطواف - أي السعي بينهما في الحج والعمرة - لدلالة نفي الجُناح على ذلك، لكنهم اختلفوا في الوجوب، فعن أحمد: أنه سُنَّة، وبه قال أنس، وابن عباس، والزبير، لأن نفي الجناح يدل على الجواز، والمتبادر منه
стр. 259
عدم اللزوم، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا (١)﴾ وليس مباحًا بالاتفاق، لقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فيكون مندوبًا.
عن الشافعي ومالك: أنه ركن فيهما، وحجتهما في ذلك: ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا". وكتب بمعنى: فرض، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ (٢)﴾. وما رواه مسلم، عن عائشة، قالت: "ما أَتَمَّ الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة، ولا عمرته"، ولقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم". وقد صح أن النبي ﷺ سعى بينهما.
وعن أبي حنيفة: أنه واجب يجبر تركه بدم. اهـ. بتصرف.
ومن أراد مزيدًا في تعرف وجوه نظر الأئمة. فليرجع إلى كتب الفقه.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
التطوع: ما يأتي به الإنسان من الطاعة غير المفروضة عليه، أي وَمَن أتى بشيء من النوافل، فإن الله ﴿شَاكِرٌ﴾ له، أي يثيبه عليه ﴿عَليمٌ﴾ بكل شيءٍ، فلا يخفى عليه تطوعه، نيةً وكيفيةً ومقدارًا، فلا ينقص من أجره شيئًا.
واعلم أن السعي بين الصفا وا لمروة، شعيرة موروثة عن أُم إسماعيل ﵇ فقد جاء في حديث طويل، رواه البخاري عن ابن عباس، بعد ما ذكر: أن إبراهيم ﵇ جاء بهاجر وابنها إسماعيل، عند مكان البيت، وتركهما، فقالت له: "يا إبراهيم: أين تذهب، وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيءٌ؟ "، ثم قالت له: "آلله أَمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا" ومضى ابن عباس في الحديث إلى أن قال: "حتى إذا نَفِد ما في السقاء، عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يَتلَوَّى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر، هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من
стр. 260
الصفا، حتى إذا بلغت الواديَ، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، ثم جاوزت الوادِيَ، حتى أتت المروة، فقامت عليه .. إلى أن قال: "ففعلت ذلك سبع مرات". قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فذلك سعي الناس بينهما" ومضى في الحديث، إلى أن قال: "فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماءُ: (أي ماء زمزم) إلى آخر الحديث.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾
المفردات:
﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: الحجج الواضحات، جمع بينة.
﴿الْهُدَى﴾: ما يهدي إلى الحق والرشاد.
﴿فِي الْكِتَابِ﴾: المرادُ به ما يشمل جميع الكتب السماوية، ومنها التوراة والإنجيل والقرآن.
﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾: يطردهم من رحمته.
﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: يسخط عليهم الناس.
﴿وَبَيَّنُوا﴾: أي أظهروا ما كتموه.
التفسير
١٥٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى … ﴾ الآية.
стр. 261
قال الآلوسي: أخرج جماعة عن ابن عباس، قال: سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد، نفرًا من أحبار يهود، عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه وأَبَوا أن يخبروهم، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية.
وعن قتادة: أنها أنزلت في الكاتمين من اليهود والنصارى.
المعنى في هذه الآية الكريمة - وإن كان سبب نزولها خاصًا - وعيدٌ لكل من كتم علمًا يحسنه: سواءٌ أكان من اليهود، أم النصارى، أم غيرهم. فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فكل من آتاه الله علمًا، وَجَبَ عليه أن يبذله للمحتاجين إليه، ولا يكتمه، وإلا كان آثمًا. ولكونها عامة، قال أبو هريرة، فيما رواه البخاري عنه: "لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدًا بشي أبدًا" ولعله قال ذلك، حين قيل له: أكثرت في الرواية.
وكما جاء الوعيد عن الكتمان في القرآن، جاء في السنة.
أخرج أبو يعلي والطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من سُئل عن علمٍ فكتمه، جاء يوم القيامة مُلجَمًا بلجام من نار".
ومع أن العلم يجب تبليغه، فليس على العالم أن يبلغ منه إلا ما يناسب السامع، لكيلا يضل بسبب ضعف استعداده الفكري، أو العلمي أو وهن دينه.
ولهذا كان ابن مسعود يقول: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة".
وفي هذا المعنى، يقول ﷺ : "حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله" (١)؟!.
وقد دلت الآية على هذا المعنى. فإن الوعيد فيها، إنما هو على كتمان ما كان من البينات الواضحات، والهدى الذي لا يضل به الناس.
أما سواه، فيُكتم - إلا عن أهله - مخافة الفتنة. وقد فعل ذلك أبو هريرة.
стр. 262
روى البخاري عنه: أنه قال: "حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءَين أما أحدهما: فبثثته، وأما الآخر: فلو بثثته، قطع هذا البلعوم".
قال القرطبي: قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة، وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل، إنما هو يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين والمنافقين، ونحو هذا، مما لا يتعلق بالبينات والهدى.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾.
المراد بالكتاب: جنس الكتاب الشامل للتوراة والإنجيل والقرآن.
فاليهود من أهل هذا الوعيد، لأنهم كتموا ما في كتابهم، من نعت محمد ﷺ الذي ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (١)، وكتموا عقوبة الرجم، وغير ذلك من الحق الذي أخفوه وهم يعلمون.
والنصارى كذلك لكتمانهم ما في كتابهم الإنجيل من البشارة برسول يأتي من بعد عيسى اسمه أحمد، وأنه أُمِّيُّ، وغير ذلك من نعوته، ونعوت أتباعه التي منها أنهم ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ (٢).
وكل من حبس علمًا عن الناس بينه الله في القرآن أو السنة، فهو كاتم لما بيَّنَهُ الله في الكتاب.
وينطبق هذا على كل علم نافع ضروري.
﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾:
أي أولئك الكاتمون للعلم الذي بَيَّنَهُ الله في الكتاب، يطردهم الله من رحمته، ويسخط عليهم الخلق، فيزدرونهم وينبذونهم، ففي العلم حياة النفوس، وهو حق للناس يجب بذله.
١٦٠ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا … ﴾ الآية.
стр. 263
استثنى الله من أولئك الكاتمين المعاقبين بالطرد من رحمته وبسخط الخلائق: من تابوا ورجعوا عن كتمانهم العلم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ بإظهار ما كتموه، وتصحيح ما حرَّفوه أو أساءوا فيه الفتوى، وردهم ما أخذوه بسبب التحريف أو الكتمان ﴿وَبَيَّنُوا﴾ الحق دائمًا، ليكون ذلك أمارة على صدق توبتهم من الكتمان. فهؤلاء: لا يعاقبهم الله بما توعد به الكاتمين لأن الله - تعالى - يفرح بتوبة عباده، وقد أكد الله - سبحانه - العفو عنهم، المأخوذ من الاستثناء بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أقبل توبتهم المقرونة بالإصلاح، وتبيين الحقن ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ومن كان شأنه المبالغة في قبول التوبة وسعة الرحمة، فهو الجدير بأن يتوب على عباده ويرحمهم، إذا بادروا بالتوبة والإصلاح والتبيين.
وقد اشتملت الآية على أركان التوبة:
١ - الرجوع عن الذنب ويشير إليه قوله: (تابُوا).
٢ - الندم على ما فات لأنه من تمام التوبة.
٣ - رد المظالم إن وجدت، ويشير إليهما قوله: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾.
٤ - العزم على عدم العود، ويشير إليه قوله: ﴿وَبَيَّنُوا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾
التفسير
١٦١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ … ﴾ ألآية.
بَيَّنَ الله قبل ذلك: أن الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى، يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. واستثنى منهم من تابوا، وأصلحوا، واستقاموا على تبيين الهدى فأُولئك يقبل الله توبتهم، ويعفو عنهم.
стр. 264
وبين في هذه الآية والتي بعدها، عقوبة الكافرين بصفة عامة. ويدخل فيهم الذين كفروا بكتمان الهدى من أهل الكتاب، تأكيدًا لعقوبتهم السابقة.
والمعنى: إن الذين كفروا بالهدى الذي جاء به محمد ﷺ وأصروا على الكفر، فلم يتوبوا - غير مكترثين بما يقرع أسماعهم من آيات الهدى، وما تراه أبصارهم من دلائل الحق، وأقاموا على إصرارهم، حتى ماتوا وهم كفار - أولئك تستمر عليهم لعنة الله التي لازمتهم من أول كفرهم، ولعنة الملائكة والناس.
وجميع هؤلاء تستمر لعنتهم عليهم، بسبب إصرارهم على الكفر.
وكلمة: ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد وليست خاصة بالناس، وليس المقصود من لعنة الناس لهم: أنهم جميعًا يلعنونهم، بل المقصود: أن كثيرًا من الناس يلعنونهم.
١٦٢ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾
أي خالدين في لعنة الله، أو في النار. لا يخفف عنهم العذاب بأنواعه، يوم القيامة فهم فيه معذبون بغضب الله ونار جهنم، والزمهرير.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: أي ولا هم يؤخرون ساعة دون عذاب. مأخوذ من الإنظار بمعنى التأخير، أو المعنى: ولا هم يُنظرون من الله - تعالى - نظر رحمة (١)، وإرجاع الضمير في قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إلى النار، ولم يسبق ذكرها، للإيذان بأنها معروفة حاضرة في الذهن، وإن لم تذكر. تهويلًا لأمرها، ولأن لعنة الله تؤذن بها، فإنها هي الطرد من رحمته ومَن طرده الله من رحمته، عذبه بناره.
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾
المفردات:
﴿إِلَهٌ﴾ الإله: المعبود.
стр. 265
﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: صيغتان للمبالغة في الرحمة، الأولى سماعية، والثانية قياسية، وتختص الأولى بالله - تعالى - ويجوز إطلاق الثانية على غيره.
التفسير
١٦٣ - ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.
لما ذكر الله في الآيتين السابقتين وعيد الكافرين، وختمه بأنهم خالدون في العذاب وأنهم لا يُخفف عنهم ولا يُنظرون، أتبعهما هذه الآية والتي تليها، ليرشدهم إلى توحيده - سبحانه - لعلهم ينقذون أنفسهم من هذا الوعيد الذي ينتظرهم، فهما مسوقتان لإثبات الألوهية لله - تعالى - وتفرده بها، وقد مرّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى … ﴾ الآية. لإثبات نبوة محمد ﷺ الذي كتموا شهادة الكتب السماوية بنبوته.
وسبب النزول على ما نقله الآلوسي:
عن ابن عباس ﵁: أن كفار قريش قالوا: للنبي ﷺ : صف لنا ربك، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ومع أن السبب خاص، فالخطاب عام لكل من يصلح للخطاب، والسائلون في جملتهم.
والمعنى: وإله البشر الذي يستحق العبادة، إله واحد، هو الله - تعالى - لا إله إلا هو بليغ الرحمة، فقد عمت رحمته في الدنيا المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وعمت رحمته في الآخرة، هل الإيمان: من وفَّى منهم، ومن قصر وتاب.
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ … ﴾ (١).
ومن كان كذلك: فلا يصح أن يُعبد معه سواه، فإن سواه مجرد من صفات الأُلوهية محتاج إلى الله في خلقه وتدبيره، كما أنه لو كان معه إله آخرن لفسد العالم.
стр. 266
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١)
والتعبير بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بعد قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لتقرير وحدانية الإله وتأكيدها. ونفى الشريك عنه نفيًا حاسمًا، باستعمال أسلوب القصر.
وبعد أن ذكر هذه الآية الناطقة بتوحيد المعبود، أتبعها ما يدل على ذلك فقال:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾
المفردات:
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أي تعاقبهما، أو اختلافهما بالزيادة والنقصان وغيرهما.
﴿وَالْفُلْكِ﴾: اسم يُطلق على سفينة أو أكثر، بلفظ واحد. ومن الأول: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٢) ومن الثاني: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (٣).
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾: أي ونشر فيها من كل نوع من الدواب. والدابة: ما يدب، ويمشي على الأرض.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: أي تقليبها جنوبًا وشمالًا وشرقًا وغربًا، حارة وباردة، إلى آخر أنواعها.
﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾: المنقاد لله: يوجهه كيف يشاء.
стр. 267
التفسير
١٦٤ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ … ﴾ الآية.
بينت الآية السابقة: أن المعبود بحق يجب أن يكون واحدًا فقال كفار قريش: كيف يسع الناس إله واحد؟! وقالوا: هل من دليل على ذلك؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. رواه سفيان عن أبيه عن أبي الضحى.
وساء أصح هذا السبب في نزول الآية، أم لم يصح، فقد ذكر فيها أدلة جليلة على ما جاء في الآية التي قبلها، وهو: أن إلهنا إله واحد، تثبيتًا له وتأييدًا. فقد ذكر الله - تعالى - في هذه الآية أدلة كونية عظيمة، تدل من يعقلون، على وحدانية الله - تعالى - وأنه رحمنٌ رحيمٌ.
وأول هذه الأدلة: أنه - سبحانه - أبدع السموات والأرض متناسقة على غير مثال سبق.
قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (١).
كل ما في السماء عجيب نافع، فشمسها المشرقة نهارًا: تبث في أرضنا الدفءَ، وتنشر فيها الضوء، وتنبت الزرع، وتستخلص من مياهنا المالحة بخارًا حُلْوًا نَقِيًا، يصيره الله بقدرته سحابًا، ثم يعيده إلينا مطرًا عذبًا، فيسلكه في أعلى الأرض أنهارًا، ويسلكه في جوفها ينابيع، فنعيش به، ويعيش حيواننا، على ما أوجد الله بسبب الشمس من الماء والنبات ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٣) سبحانه، هو أرحم الراحمين.
стр. 268
وقمرها المضيء ليلًا، خلقه الله ليهدي السائرين، ويرشد الحائرين.
ونجومها المنيرة السابحة وكواكبها اللامعة الزاهرة: جُعِلَت معالم للحيارى، ومراشد للمدلجين: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١).
وفي هذه النيرات نجوم ملتهبة منيرة كشمسنا أو أكبر، وكواكب تدور حولها كمجموعتنا الشمسية، وتستمد ضوءَها منها، كما تستمد مجموعتنا الشمسية ضوءَها من شمسنا. وهذه وتلك، جاوزت أرقام الحساب التي عرفها البشر، وفاقت عظمتها ما يخطر بالعقول. وقد ارتبط بعضها ببعض، بنظام الجذب والدفع الذي حفظ الله به توازنها.
وكل ما في الأرض عجيب مفيد، فجبالها أوتادٌ لها، تحفظها من أن تميد بنا، وأنهارها وبحارها مصادر لأرزاقنا، ومعابر لسفننا، وسبب لحفظ حياتنا، ومعادتها نتخذ من بعضها حُلينا وعملتنا، ونتخذ من بعضها أوانينًا وأدواتنا ومواد بنائنا، وأسلحة دفاعنا وهجومنا على أعدائنا، والسهل من أرضها نزرع فيه أقواتنا، والتلال والهضاب نتخذ فيها الحصون والقلاع لنرد عادية خصومنا، وأشجارها وزرعها وطيورها وحيوانها لأرزاقنا ومنافعنا، وهواؤُها حياة لنفوسنا وحيواننا ونباتنا.
أفلا يدل ذلك على إله عليم قادر حكيم، رحمن رحيم لا شريك له فيما صنع! فإن وحدة الوجود وكماله واتساقه يشهد بوحدة الخالق المدبر، إذ التعدد مصدر للفساد، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٢).
وثاني هذه الأدلة: ﴿اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، واختلافهما: تعاقبهما، فبينما الليل يلف الأرض بظلامه، والناس فيه رقود ساكنون، إذ ينبعث النهار من تحت إهابه، فتسجع الأطيار، وتطير من الأوكار باحثة عن رزق الكريم الرحيم، ويهب النائمون من مراقدهم، يبحثون عن أرزاقهم، ويسعون في سبيل عيشهم.
وكما أن الليل والنهار يختلفان بالتعاقب، فإنهما يختلفان كلاهما بالطول تارة والقِصَر أخرى.
стр. 269
فمن أبدع ذلك لصالح خلقه سوى إله واحد قدير عليم، مهيمن حكيم؟!.
وثالث هذه الأدلة: ﴿الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فهذه الفلك: أرشد الخالقُ العقول البشرية إلى صنعها من خشب أو حديد، على نحو معين يسمح لها بأن تطفو فوق سطح الماء بما تحمله من أثقال، وأن تتحرك يَمنةً أو يَسرة، حسب الاتجاه الذي يُراد لها، وأن تجري بالريح التي تملأ أشرعتها وتدفعها، أو بالآلات والوسائل والأسباب التي يسر الله للعقول استحداثها، وهي تحمل أثقالنا وأنفسنا، وتجارتنا النافعة لنا، من قُطر إلى قُطر، وتربط البلاد بعضها ببعض: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ (١).
والله تعالى كما يمسك بنواصي النفوس، يمسك أسباب السلامة في رحلة هذه السفن. ولو شاء لأسكن الريح، ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ (٢)، ولو شاء لعطل آلاتها، فتغرق بمن فيها، أو يموت راكبوها جوعًا وظمأ. فمن الذي خلق المواد التي صُنعت منها؟ ومن الذي أرشد العقول إلى صنعها على نحو يُرجى فيه السلامة؟ ومن الذي يسَّر لها أسباب الأمان، سوى إله واحد قادر عليم، رحمن رحيم؟
ورابع هذه الأدلة: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ والسماء هنا: السحاب، والآية تشير إلى حجة عظيمة، تتجلى فيها الرحمة والشفقة بالعباد أو يتجدد فيها التعهد بالفضل والنعمة، كلما احتاجت الكائنات الحية إلى الماء: أصل الحياة وينبوعها. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (٣)﴾.
فبينما نرى السماء صافية الأديم، إذا رحمة حانية من الخالق الكريم الحكيم، تبعث الرياح، فتثير سحابًا كونته قدرته تعالى من بخار المياه، فيبسُطه برحمته فوق أرجاء مختلفة من الأرض، ويوزعه بعدالته بين عباده الذين يعيشون على رحماته، وينزل مياهه - بحكيم تدبيره - على الروابي والبطاح والسهول والجبال، فتتخذ سبيلها إلى خزانات وأغوار فوق سطح الأرض أو تحت سطحها.
стр. 270
فأَمَّا مياه الخزانات العلوية، فتتخذ سبيلها في أنهار وغدران، إلى أطراف البلاد. وأما مياه الخزانات السفلية. فتتفجر ينابيع، تجرب بالعذب الزلال، ويظل هذا الفضل ممدودًا، وتلك الرحمة مرسلة، ينهل منها من يشاء، ويغرس ويزرع على سلسبيلها من أراد أن ينشيءَ: ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ (١) يتغذى بأرزاقها، ويتفكه بفواكهها وثمارها، ويطعم منها دوابه المختلفة.
ولم تنس هذه العناية الرحيمة دواب الصحراء الشاردة، فقد أنبتت لهم في واحاتها المراعي المخضرة، دون أن يزرعها الزارعون، وأخرجت لهم المياه العذبة، دون أن يستنبطها المستنبطون. فمن الذي صنع هذا الجميل، وتعهد به عباده؟ إنه إله واحد عليم، رحمن رحيم!!
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (٢).
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ (٣).
﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٤).
وخامس هذه الأدلة: أنه: ﴿بَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾.
والدابة: ما يَدِب ويمشي على الأرض، ويدخل فيها الحيوان كله، حتى الطير. قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ (٥) .. الآية.
والدواب من آيات الألوهية، بخلقها ونشرها في أنحاء الأرض، لينتفع بها سكانها في مرافقهم وضروراتهم وحاجاتهم المختلفة. فقد علم الإله الرحيم: أن الإنسان لا غنى
стр. 271
له عنها، فخلقها إلى جواره، وذَلَّلَها له، لينتفع بها في أغراضه. فَمَنْ يقدر على ذلك سوى إله واحد رحمن رحيم، قادر عليم؟.
وسادس هذه الأدلة: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: أي تقليبها وتلوينها.
فأحيانًا تكون نسيمًا عليلًا طيبًا، ينعش الأرواح، وأخرى تكون جافة حارة تضيق بها النفوس، وتارة تجدها لينة رخاءً، وأخرى عاصفة هوجاء، وأحيانًا ريحًا عقيمًا: " ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (١) إلى غير ذلك: مما تقتضيه حكمة الحكيم: الذي أحسن كل شيءٍ خلقه، ورتبه على حسب مشيئته وما ينبغي لصلاح أرضه، ولو أمسك الريح ساعة لهلك كل شيء حي على سطحها، فمن فعل هذا سوى إله واحد: حكيم عليم، قهار مقتدر!!.
وسابع هذه الأدلة: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
فهذا السحاب جعله الله مصدر المطر الذي به حياة الكائنات الحية، ومخازن له متنقلة متجددة من آن لآخر، وهو يشبه الضباب الذي نراه صباحًا، في الأوقات التي يكون الجو فيها مشبعًا بالرطوبة.
وهو يتكون من بخار الماء، ويكون في الجو كالجبال، وقد سخره الله بقدرته وذَلَّلَهُ، وجعله مطواعًا للريح، تنقله إلى حيث شاء الله.
والسحاب في تكوينه، وتسخيره، وجعله بين السماء والأرض، ورعده، وبرقه، ومطره - آية عظيمة، من آيات الخالق : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (٢).
ثم ختم الله هذه الآية بقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي إن هذه الآيات الكونية السبع، لدلائل واضحة على ما جاء في الآية التي قبلها من صفات الله وهي قوله تعالى:
стр. 272
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وهي آيات لقوم يتفكرون، فإن من تأمل في كل آية مما سبق، وجدها مشتملة على وجوه كثيرة من الدلالات على وجوده تعالى ووحدانيته، ورحمته وسائر صفاته.
وفي الآية تعريض بجهل المشركين وغبائهم، لاقتراحهم على الرسول آية تدل على ذلك.
أخرج ابن أبي الدنيا وابنُ مردويه، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ لما قرأ هذه الآية قال: "وَيْلٌ لِمنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَدَبَّر فِيهَا".
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾
المفردات:
﴿أَنْدَادًا﴾: الأنداد: جمع نِد، وهو النظير والشبيه. والمراد بها هنا: الأوثان.
التفسير
١٦٥ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ … ﴾ الآية.
لما عرض في آخر الآية السابقة، بعدم تعقل من يعبدون الأوثان العاجزة المصنوعة، ويجعلونها أندَادًا ونظراءَ لمن له تلك الأدلة الواردة فيها، الشاهدة بتفرده بالألوهية، أتبع هذا التعريض ببيان سائر أحوالهم مع هَؤُلاء الأنداد في الدنيا والآخرة.
والأنداد هنا: الأوثان، على ما رآه مجاهد وأكثر المفسرين. وإطلاقها عليها هو الشائع في القرآن الكريم.
وقيل: هم الرؤساء الذين يطيعونهم طاعة الأرباب. ومن الممكن أن يراد هنا بالأنداد: الأوثان والرؤساء الذين يصرفون الناس عن عبادة الله - تعالى - وحده، دون شريك. فلا مانع من إرادتهما معًا.
стр. 273
والمعنى: ومن الناس من يتخذ من غير الله الواحد - الذي وردت آياته الكونية العظمى في الآية السابقة - نظراء له وأمثالًا، فلا يقصرون الطاعة عليه - سبحانه - بل يطيعون معه أُولئك النظراءَ، ويحبونهم كحبهم لله الذي يؤمنون به، ويخلطون هذا الإيمان والحب بطاعتهم لرؤسائهم في الشرك والمعاصي وحبهم لهم.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾
والذين صدقوا بوحدانية الله، أَشَدُّ حبًّا له من حُبِّ أُولئك المشركين لأوثانهم ورؤسائهم، أو أشد حبًا لله - تعالى - من حب المشركين له، لأن المؤمنين لا يعبدون سواه. ويلجأون إليه في الرخاء والشدة ولا اتجاه لهم إلى غيره، أما هؤلاء: فقد وزعوا حُبَّهم بين أوثانهم وشركائهم، وبين الله - تعالى - والله لا يرضى عن هذا الشرك ولا يغفره ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
وهذه شهادة من الله للمؤمنين يعتزون بها، ويجب أن يكونوا أهلًا لها، بطاعته والإخلاص له فيها، وأن يحذروا الشرك الخفي، حتى لا يبغضهم الله ويتخلى عنهم.
ففي الحديث القدسي "أنا أغنى الشركاءِ عن الشِّرك، فمن عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُهُ وشريكَهُ".
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾
المراد: بالذين ظلموا: هم هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، فهم ظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب، وظالمون للحق بجعلهم لله أندادًا وهو غني عن العالمين. و"يَرَى" الأولى علمية، والثانية بصرية.
والمعنى - كما قال الزمخشري - ولو يعلم هؤُلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة لله على كل شيء، من العقاب والثواب، دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين، لكان منهم مالايدخل تحت الوصف، من الندم والحسرة على ظلمهم وضلالهم.
ثم قال: فحذف الجواب هنا، كما في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ (٢) وكما في قولهم: لو رأيت فلانًا حين تأخذه السياط اهـ. أي: لرأيت أمرًا عظيمًا!
стр. 274
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾
المفردات:
﴿الْأَسْبَابُ﴾ معناها اللغوي: الحبال، جمع سبب والمراد بها في الآية: ما يصل الرؤساء والأتباع بعضهم ببعض من الصلات، كالدين الواحد والأنساب والأتباع.
﴿كَرَّةً﴾: رجعة إلى الدنيا.
﴿حَسَرَاتٍ﴾: جمع حسرة، وهي أشد درجات الندامة على شيٍ فات.
التفسير
١٦٦ - ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.
الربط: في هذه الآية والتي تليها، حكاية لما سوف يحدث في الدار الآخرة، من العداوة بين التابعين والمتبوعين، وتبرؤُ كل فريق منهما من الآخر، حين يرون العذاب.
ومعنى الآية مع ما قبلها: ولو يرى المشركون الظالمون أن القوة لله جميعًا وقتما يرون العذاب، حينئذ، تنقطع بينهم الأسباب والصلات، فلا يهتمون بما كان يجمعهم بهم، من عقيدة أو نسب أو تبعية أو مصلحة، ويتبرأُ بعضهم من بعض، لعل ذلك يخفف عنهم العذاب، ويقول الرؤساء لله تعالى، في تبرئهم من تبعة شركهم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ (١) ويأتي بعد ذلك دور التابعين، وهو ما حكاه الله بقوله:
стр. 275
١٦٧ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا … ﴾ الآية.
والمعنى: وقال التابعون: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا، فنتبرأ من هؤلاء الرؤساء المتبوعين، كما تبرءُوا منا، يريدون بذلك التمنى أن يعودوا إلى الدنيا، ويطيعوا الله - تعالى - حتى إذا ماتوا وحُشروا، استطاعوا أن يتبرءُوا منهم، وهم في حالة صالحة للتبرؤ.
وقيل: إنَّ المعنى: لو أنَّ لنا نحن وهم رجعة إلى الدنيا، فنتبرأ منهم فيها، كما تبرءُوا منا هنا ونخذلهم، ونتشفى فيهم.
﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾.
المعنى: مثل ذلك الذي بينته الآية من عذابهم وتبرؤ بعضهم من بعض، يريهم الله أعمالهم التي عملوها، بتقديس الأنداد وإغواء التابعين، أو التبعية للرؤساء المشركين، إذ يجدونها حسرات وندامات عليهم.
والمقصود: أنَّ أعمالهم لا يجدون لها أثرًا من الخير، بل يبدلها الله حسراتٍ وزفراتٍ، حين يرون العذاب على كل عمل منها.
﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ بل يخلدون فيها أبدًا.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾
المفردات:
﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾: حلالا لا شبهة في حله، أو لا تعافه النفوس.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: خطوات: جمع خُطوةٍ، بضم الخاء وفتحها، كما قال الفراءُ. والمراد بالنهي عن اتباع خطواته: ألا يسيروا تبعًا لوساوسهِ ومغرياتهِ.
стр. 276
﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: أي عدو بيِّنُ العداوةِ وَاضِحُها.
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ﴾: أي ما يحرضكم إلا على ما يسوؤُكم، ويحزنكم في عاقبته وهو المعاصي.
﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾: ما اشتد قبحه من الذنب.
التفسير
١٦٨ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
بعد أن ذكر الله - فيما تقدم - أن إله الناس واحد ورحمن ورحيم، وأقام الأدلة على ذلك، وحذر من عاقبة الإشراك، أتبعه إباحة الحلال الطيب. مما في أرضه - تعالى - لهم، وحذرهم أن يتبعوا الشيطان في أمرهم كله من عقائد وأعمال وأرزاقٍ، لعداوته لهم، ولأنه لا يأمر الناس بغير السوء والفحشاء، وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
وقد نزلت هذه الآية فيمن حَرَّموا طيبات أُحلِّت لهم، فالمشركون لم يقتصروا على الإشراك بالله - تعالى - بل ضموا إلى ذلك تحريم البَحِيرَةِ، والسَّائِبَة، والوَصِيلة، والحام، وهي أنواع من الإبل، حَرَّموا ذبحها وأكلها. وسيأتي بيانها في تفسير سورة المائدة آية (١٠٣).
واليهود كانوا يحرمون لحم الإبل على أنفسهم.
والآية الكريمة، وإن نزلت في هؤُلاء، فهي عامة الخطاب لهم ولمن على شاكلتهم، كالسيخ من أهل الهند الذين يحرمون ذبح البقر وأكل لحمها، لأنهم يعبدونها.
هؤُلاء جميعًا، يقول لهم ربهم - سبحانه - ما معناه:
يأيها الناس كلوا مما في الأرض، من حيوانها ونباتها وثمارها، حلالًا لا حرمة فيه، طيبًا لا تعافه النفوس، فلا تمنعوا أنفسكم من هذه المطاعم التي حَرَّمتموها وهي لكم حلال، كما لا تمنعون أنفسكم من غيرها، بشرط أن تكسبوها بطريق مشروع، وألا تكون محرمة لخبثها أو لعارض، كذكر اسم الأوثان عليها. والأمر في: "كُلُوا": للإباحة.
стр. 277
والتعبير بقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، لتعميم دائرة الإباحة المذكورة، وإفساح مداها.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي لا تسيروا تابعين للشيطان في أُموركم كلها من عقائد واكتساب للأرزاق، وتناول للمطاعم والمشارب، وغير ذلك من العبادات والمعاملات.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي إنه عدو ظاهر العداوة لكم، فقد أخرج أبويكم: آدم وحواء من الجنة حَسَدًا لهما. والحسد كامن في نفسه لذرياتهما، والعداوة تابعة للحسد. فلا ينبغي لعاقل أن يستمع لما يزيِّنه له عدوه، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (١)؟!
١٦٩ - ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
علل الله النهي عن اتباع خطوات الشيطان بعلتين:
أولاهما: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وقد تقدمت.
والثانية: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ … ﴾ الآية.
وخلاصة الآيتين: لا تتبعوا وساوس الشيطان، لأنه لا يأمركم إلا بما يسوؤكم ويحزنكم في العاجلة أو الآجلة، وبما اشتد فحشه وقبحه من الذنوب، كالإشراك بالله والزنى وعقوق الوالدين، وادعاء أن الله حرم ما لم يحرمه: كذبح البحيرة والسائبة، أو حلل ما لم يحلله: مثل شرب الخمر وأكل الربا، ومن كان شأنه الأمر بذلك، فلا يصح اتباع وساوسه.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾
стр. 278
التفسير
تمهيد: نهى الله الناس في الآيتين السابقتين عن اتباع خطوات الشيطان، لعداوته وأَمرِه بالسوءٍ والفحشاءِ، وذلك يستلزم أنهم مأمورون باتباع ما أنزل الله. فجاءت هذه الآية لتوضح حالهم عند الأمر باتباع ما أنزل الله، فقال تعالى:
١٧٠ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا … ﴾ الآية.
المعنى: وإذا قيل لهم: اتبعوا في دينكم ما أنزل الله على نبيه محمد ﷺ قالوا معرضين: لا نتبعه، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. وسواء قالوا ذلك بلسان المقال، أم قالوه بلسان الحال، فالمراد: أنهم أصروا على سلوك سبيل آبائهم البعيدة عن الهدى. وتركوا سبيل مولاهم الحق، وقالوا ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١) والآية عامة: تشمل كل أهل الباطل المقلدين لغيرهم فيه، ويدخل فيهم المشركون.
﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
الهمزة في "أَوَ لَوْ": للإنكار. والمعنى: أيتبعوهم، ولو كان حال آبائهم أنهم لا يعقلون شيئًا، ولا يهتدون إلى رشاد، لتعطيلهم قوى الإدراك والهدى، إن هذا الاتباع الأعمى أمر تنكره العقول السليمة.
ما يُستنبط من الأحكام
التقليد: هو قبول قول الآخرين دون معرفة الحجة.
والتقليد في الباطل مذموم، لأن هذا هو الذي عابه الله على الكفار.
أما التقليد لأهل العلم لأهل العلم الأمناء في الحق فهو - كمال قاله القرطبي - فرض على العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أُصولها فيما يحتاج إليه، مما لا يعلمه من أمر دينه، عملًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
стр. 279
وحكى ابن عطية: أنَّ التقليد في العقائد مجمع على منعه. وحكى - فيه خلافًا - القاضي أبو بكر الباقلاني، وعثما بن عيسى، والشافعي وغيرهم.
هذا: والآيات السابقة تنهض بالعقول، وتحميها من إسار التبعية والتقليد للآخرين، وفقًا للقواعد المقررة في الإسلام: "أما ما زعمه الجهال كطائفة الحشوية من وجوب التقليد وحرمة النظر والاستدلال فباطل، لقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) وغير ذلك من الأدلة.
وتعتبر هذه الآيات مصدرًا لتكوين الشخصية المستقلة الجديرة بالمسلم، بحيث لا يكون إمعة، أو تابعًا لسواه دون رويّةٍ أو تفكيرٍ.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾
المفردات:
﴿يَنْعِقُ﴾: يصيح، والنعيق: التصويت على البهائم للزجر.
﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾: الدعاء والنداء: استدعاء الآخرين. فهما بمعنى واحد، وقيل: الأول: لطلب القريب، والثاني لطلب البعيد.
﴿صُمٌّ﴾: لا يسمعون.
﴿بُكْمٌ﴾: لا يتكلمون.
التفسير
١٧١ - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾:
بينت الآية السابقة أنَّ الكفارَ يقلدون آباءَهم فيما هم فيه من الكفر، من غير تعقل، وأنَّهم إذا دعاهم داعٍ إلى ما أنزل الله أعرضوا، وأصروا على دين آبائِهم، ولو كان يعقلون شيئًا ولا يهتدون.
стр. 280
وجاءت هذه الآية، لتمثيل حالهم هذه - مع من يدعوهم إلى الحق، وهم لا يعقلون ما يُقال - بحال البهائم مع الراعي الذي يدعوها ويحذرها، وهي لا تعي منه إلا مجرد الصياح والصراخ.
وفي الكلام مضاف مقدر، إما في جانب المشبه، والتقدير: مثل داعي الذين كفروا إلى الإيمان، كمثل الذي ينعِق، أو في جانب المشبه به، والتقدير: ومثل الذين كفروا كمثلِ بهائم الذي ينعق. وسنأتي بالمعنى على الوجه الأول، ومنه يُفهم المعنى على الوجه الثاني.
المعنى: ومثل هادي الذين كفروا وداعيهم إلى الحق، وهم لا يعقلون، كمثل الراعي الذي ينعق بماشيته، ويصيح بها، ليكفها عن الرعي في مرعى وخيم يضرها. وكما أن البهائم لا تعي من الراعي إلا صوت الدعاء والنداء، دون أن تفهم غرضه وهو كفُّهم عن المرعى الوخيم العاقبة، فعدم تمييزها، فكذلك هؤلاء المقلدون، لم يدركوا من هاديهم وداعيهم إلى الحق ومحذرهم من الباطل سوى الدعاء والنداء، لانهماكهم في التقليد الذي أغلق عقولهم، فلم تدرك ما يقول، وكما أن البهائم وقعت في المرعى الوخيم العاقبة - بجهلها - فكذلك هؤلاء، وقعوا في مهاوي الردى، بإعراضهم عن الهدى.
ويجوز أن يكون المراد: تمثيلهم في اتباع آبائهم على ظاهر حالهم - جاهلين حقيقتها الأليمة - بالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفهم المراد منه.
ثم ذكرت الآية أنهم ﴿صُمُّ﴾: لا يسمعون الدعوة إلى الحق لانصرافهم عنه. ﴿بُكْمٌ﴾: لا يتكلمون بالحق لجهلهم إياه ﴿عُمْىٌ﴾ لا يُبصرون الحق لإغماضهم عيونهم عن أضوائه.
﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: لا يدركون شيئًا لفقدان الحواس الثلاث التي هي أبواب العلم. وليس المراد نفي هذه الحواء والعقل حقيقة، بل المراد: أنها لا يُنتفع بها فكأنها مفقودة.
стр. 281
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾
المفردات:
﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: المراد من الطيبات: المستلذات، أو الحلال من الرزق.
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: أي وما ذُبِحَ مذكورًا عليه اسم غير الله، وأصل الإهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم أُطلق على رفع الصوت مطلقًا، ومنه إهلال الصبي عند الولادة.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾: فمن أجبرته الضرورة على تناول شيء مما ذُكر، لإنقاذ نفسه من الهلاك، غير ظالم لغيره.
﴿وَلا عَادٍ﴾: ولا معتد بتجاوزه ما يمسك الرمق ويدفع الجوع.
التفسير
١٧٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله: أَبَحْنا لكم أن تأكلوا من المستلذات، وأن تنتفعوا بما أحللناه لكم من أرزاقنا التي مننا بها عليكم، وأمرناكم أن تشكروا الله على ما أنعم به عليكم، إن كنتم تخصونه بالعبادة، ولا تُشركون معه غيره فيها، فإن من شأن المؤمن الذي يخص ربه بالعبادة: أن يقتصر على ما أحله له، وألا يتوسع في تناوله، حتى لا تَطْغَى نفسُه وتتجاوز الحلال إلى الحرام.
стр. 282
١٧٣ - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ...... ﴾ الآية.
بيَّن الله في هذه الآية: ما حرمه علينا من المطعومات، لأسباب تقتضيها.
وأول هذه المحرمات: ﴿الْمَيْتة﴾، فإذا ماتت بهيمة - سواء أكانت تحل مذبوحة، كالبقرة والشاة والطير، أم لا تحل كالخنزير - حرم أَكلها، مهما كان سبب موتها، فسواء في التحريم: أن تموت بمرض أو بغيره.
وحكمة التحريم في الموت بالمرض: ظاهرة، وفي الموت بسواه: الاحتياط للسلامة، فإن البهيمة التي تموت غريقة أو نحو ذلك، قد تكون مريضة وصاحبها لا يعلم مرضها، وإنما خلت الذبائح من الحيوانات التي يحل ذبحها، لأن الدم الذي يخرج منها بالذبح، يخرج معه ما عسى أن يكون فيها من أسباب الأمراض. فضلًا عن أنه - بدفعه لا بمسيله - أَمارةٌ على السلامة والحيوية في الذبيحة.
وفي حكم الميتة في التحريم: ما يقطع من الحيِّ من لحمه، أو أعضائه. فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه، عن أبي واقد قال: قال رسول الله ﷺ : "ما قُطع من البهيمة، وهي حية، فهو ميتة".
ويُستثنى من تحريم الميتة: السمك والجراد، لما أخرجه ابن ماجة والحاكم، من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "أُحلَّت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال". وفي العُرف أنه إذا قال قائل: أكل فلان الميتة، لم يتطرق إلى الذهن السمك والجراد.
ويحل الانتفاع بجلدها بعد الدبغ. وإذا ذُبحت أُنثى حيوان يحل أكله، وفي بطنها جنين - حلَّ أكله إذا وُجد ميتًا، لأن ذكاة الجنين بذكاة أُمه، فإن وُجد حيًا ذُبح ليحل أكله.
وثاني هذه المحرمات: (الدَّم) والمراد به: الدم المسفوح، لما صرحت به آية الأنعما: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (١). أما الدم المعقود: وهو الكبد والطحال من الحيوان المذبوح، فيحل أكله.
стр. 283
واستدل بالآية: على نجاسة الدم المسفوح، ولو كان ذلك من السمك، وإنما حرم الدم، لأنه يشتمل على جراثيم الأمراض، ويتعرض للفساد بسرعة.
وثالث هذه المحرمات: ﴿لَحْم الْخِنزِيرِ﴾، لأَنه يحمل بويضات الدودة الشريطية، وهي أخطر أسباب الضعف وفقر الدم للإنسان، فإنها تمتص خلاصات الأغذية التي يتناولها، وهي على شكل شريط طويل، يمتد في الأمعاء، وهي شديدة النهم، ولا تكاد تشبع، وربما كان التحريم لحكم أُخرى، لا تزال مجهولة لنا.
ورابع هذه المحرمات: ﴿مَا أُهل بِه لِغَيْرِ اللهِ﴾ أي ما ذُبح، وقد ذكر عليه اسم غير الله، وإذا كانت المحرمات السابقة قد حرمت لخبث ذاتها، فمما ذكر اسم غير الله عليه، حُرّم، لخبثه معنويًا: فقد ذكر عليه اسم غير خالقه المنعم به عند ذبحه، ولولا ذلك لكان حلالًا، وسُمي الذكر إهلالًا: لما فيه من الإهلال أي رفع الصوت، والمراد بغير الله: ما يشمل الأصنام وغيرها.
وذهب عطاءٌ والحسن ومكحول والشعبي وسعيد بن المسيب، إلى تخصيص التحريم بما ذكر عليه اسم الصنم ولهذا أباحوا ذبيحة النصراني، إذا ذُكر عليها اسم المسيح، وقد خالفوا بذلك ظاهر النص، وما عليه الجمهور من التحريم، وقد شمل حكم الآية: ذبيحة الوثني، والمجوسي، وكذا ذبيحة المعطل الذي لا يعتقد في الله - تعالى - فهي حرام كذبيحة من ذكر اسم غير الله عليها.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
في هذا الجزء من الآية، إباحة هذه المحرمات للمضطر، وهو من أُكره على تناولها ليعيش. والمضطر هنا، هو الجائع جوعًا مهلكًا، ولا يجد غير تلك المحرمات، ومثله من كان في يد عدُوٍّ، أكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره.
ومعنى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، كما قال السدي: غير طالب لأكلها شهوة وتلذذًا، ولا عادٍ: باستيفاء الأَكل إلى حد الشبع اهـ.
ومن كان في مجاعة مستمرة فله الشبع من هذه المحرمات، استبقاءً لنفسه.
стр. 284
وعند الشافعي وأبي حنيفة: أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه، لأن الإباحة للاضطرار.
وذهب مالك: إلى أنه يأكل منها حتى يشبع ويتزود، فإن وجد غيرها طرحها. والكلام مبسوط في المطولات.
وقد استفيد من الآية: أنه لا إثم على المضطر في الأكل مما ذكر في الآية. أما وجوب الأكل منها لحفظ حياته فلا يُؤخذ منها، بل من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١).
وليس المراد من الآية حصر التحريم فيما ذكر، فإن المحرمات أوسع منها، ولكن المقصود رد اعتقاد المشركين أن الأكل منها حلال.
وختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: للإيذان بأن الحرمة باقية، إلا أنه تعالى، أسقط الإثم عن المضطر وغفر له، لاضطراره.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾
المفردات:
﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: ويأخذون بدله عوضًا قليلًا.
стр. 285
﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾: أي ما يأكلون من الطعام المشترى بهذا العوض إلا ما يؤدي بهم إلى النار.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: ولا يطهرهم من دنس الذنوب.
﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: باعوا الهدى بالضلالة، وجعلوها مكانه.
التفسير
١٧٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
نزلت هذه الآية - كما روى عن ابن عباس - في علماء اليهود. كانوا يصيبون من سفلتهم هدايا، وكانوا يرجون أن يكون النبي الموعود منهم. فلما بعث من غيرهم، كتموا، وغيروا صفته ﷺ في كتابهم، خشية أن يتبع، فتزول رياستهم، وتنقطع هداياهم.
وإطلاق النار على الرشوة، لأَنها تُؤَدى بهم إليها.
أو نزلت فيهم، لأنهم كتموا من الكتاب أحكام المحللات والمحرمات من الأطعمة، كما أشارت الآية السابقة.
والآية - وإن نزلت فيهم - فهي عامة في كل من يكتم شيئًا من كتب الله التي أنزلها على رسله. ولا يبين أحكام الله لعباده لقاء عرض من أعراض الدنيا الفانية.
والمعنى: إن الذين يخفون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام، في مقابل عرض قليل من أعراض الدنيا - وكل عرضها قليل وإن كان كثيرًا - هؤلاء ما يأكلون في بطونهم من هذا العرض الدنيوي إلا ما يؤدي بهم إلى النار، ولا يكلمهم الله يوم القيامة كلام رحمة، وإن كان يكلمهم بلسان ملائكته كلام سخط ومؤاخذة.