← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

٤٦ - ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: أي: في هذا اليوم الذي هو يوم بدر لا يفيد ولا يغني عنهم ما مكروا به ودبروه في دار الندوة لإلحاق الأذى برسول الله ﷺ هذا الكيد والمكر الذي عاونهم فيه إبليس - عليه اللعنة - كما لم ينفعهم ما أعدوه من العدد والعدة لمناصبة رسول الله ﷺ وهم وراء ذلك لا يجدون أحدًا ينصرهم ويمنع عنهم نزول الهزيمة بهم، وقتل سادتهم وشجعانهم وأشرافهم. ٤٧ - ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لا يقف شأن إنزال الهوان والعذاب بهم عند هذا الحد ولا يقتصر على إحاطته بهم يوم بدر، بل وإن لهؤلاء الظالمين أنفسهم بكفرهم، والظالمين غيرهم بالقتل والتعذيب والإذلال، إن لهؤلاء جزاءَ ظلمهم - عذابًا مهينًا غير هذا العذاب الذي نزل بهم وهو ما يصيبهم من القحط والجدب في السنين السبع التي أكلوا فيها الجيف، وردئ الطعام ومُرَّه، أو ما يلقونه من مصائب الدنيا وعذاب القبر، وهم عن ذلك في غفلة، وأكثرهم لا يعلمون ما سيحل بهم من الوبال والهلاك، وبعضهم يعرفه ويعلمه غير أنه يصر على الكفر والضلال عنادًا وكبرًا وصدًّا. ٤٨ - ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾: أي: اصبر - يا محمَّد - على ما حملك الله من رسالته، وما يتبع ذلك مما ابتلاك الله به من سفه قومك وإعراضهم ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بمرأى ومنظر منا نرى ونسمع ما يحدث منك وما يفعله أعداء الله بك، فنحفظك ونرعاك ونحرسك، وفي التعبير بصيغة الجمع في قوله - تعالى -: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ للدلالة على المبالغة في الحفظ، كأن معه من الله - تعالى - حُفَّاظًا يكلؤُونه بأعينهم، وقال الإمام الآلوسي نقلا عن العلامه الطيبي: إنما أفرد هناك - يعني في سورة طه - فقال في شأن موسى ﵇: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ لإفراد الفعل هناك وهو كلاءَة موسى "رعايته وحفظه" وهنا لما كان لتصبير الحبيب - يعني محمَّدا، ﷺ على المكابد ومشاق التكاليف والطاعات ناسب الجمع لأنها

стр. 4762

أفعال كثيرة كل منها يحتاج إلى حراسة منه ثم قال: ومن نظر بعين بصيرة علم من الآيتين الفرق بين الحبيب والكليم - عليهما أفضل الصلاة والتسليم - وفي هذا وعد للرسول ﷺ بالنصر والحفظ والرعاية، وبشارة للمسلمين بالظفر والأمان. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: نزه ربَّك وقدِّسه، قال عون بن مالك وابن مسعود وغيرهما: المراد: يسبح الله حين يقوم من مجلسه فيقول: سبحان الله وبحمده، أو سبحانك اللهم وبحمدك، فإن كان المجلس خيرًا ازددت ثناءً حسنًا، وإن كان غير ذلك كان كفارة له، ودليل هذا ما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلَّا غفر له ما كان في مجلسه ذلك" وقيل: المعنى: حين تقوم من منامك، قال حسان بن عطية: ليكون متفتحًا لعمله بذكر الله، وقال الكلبي: واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة وهي صلاة الفجر، وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: "اللهم لك الحمد؛ أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، وأنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنَّار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وأسررت وأعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلَّا أنت ولا إله غيرك" متفق عليه. وعن ابن عباس أيضًا أنه ﷺ كان إذا استيقظ من الليل مسح النوم عن وجهه، ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران.

стр. 4763

٤٩ - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: أي: وفي بعض الليل نزه ربك وقدِّسه وعظمه، وخص - سبحانه - بعض الليل وأفرده بالتسبيح والتقديس له - جل شأنه - لأن العبادة في جوف الليل أشق على النفس وأبعد عن الرياء، ويجوز أن يراد بالتسبيح هنا: الصلاة في الليل والتهجد فيه، وهذه الصلاة من خصوصياته ﷺ الواجبة عليه وحده، والصلاة تسمى تسبيحًا لما فيها من التسبيح لله، ومنه سُبحة الضحى، أي: صلاة الضحى ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: هو ذهاب ضوئها إذا طلع الفجر الثاني، وهو البياض المنشق من سواد الليل، والمراد به: صلاة ركعتين قبل الفجر، وهذا مروي عن كثير من الصحابة كعمر وعلي وأبى هريرة وغيرهم ﵃ جميعًا - كما هو مأثور أيضًا عن كثير من التابعين كالحسن البصري والنخعى والشعبي وغيرهم، كما روى عن ابن عباس ﵄ قوله: بت ليلة عند النبي ﷺ فصلى ركعتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال: "يا بن عباس، ركعتان قبل الفجر إدبار النجوم، وركعتان بعد المغرب إدبار السجود" وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح. وعنها أن النبي ﷺ قال: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها. والله أعلم.

стр. 4764

سورة والنجم وتسمى - أيضًا - سورة النجم - بدون واو - وهي مكية وآياتها ثنتان وستون آية، وهي كما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: أول سورة أعلن النبي ﷺ بقراءتها فقرأها في الحرم والمشركون يسمعون، وأخرج البخاري وغيره قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة: (والنجم) فسجد رسول الله ﷺ وسجد الناس كلهم إلَّا رجلًا رأيته أخذ كفًّا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا، وهو أُميّة بن خلف، وفي البحر أنه ﵊ سجد وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس غير أبي لهب، فإنه رفع حفنة من تراب وقال: يكفي هذا، فيحتمل أنه هو وأمية بن خلف فعلا ذلك. وعن عروة بن الزبير ﵄ أن عتبة بن أبي لهب، وكانت تحته بنت رسول الله ﷺ أراد الخروج إلى الشام فقال: لآتين محمدًا فلأوذينّهُ، فأتاه فقال: يا محمَّد هو كافر بالنجم إذا هوى والذي دنا فتدلى، ثم تفل في وجه رسول الله ﷺ وردّ عليه ابنته وطلقها، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك) وكان أبو طالب حاضرًا فوجم لها وقال: ما كان أغناك يا بن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره، ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: إن هذه الأرض مسبعة (كثيرة السباع) فقال أبو لهب لأصحابه: أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمَّد، فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم واحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله" وقال حسان: من يرجع العام إلى أهله … فما أكِيلُ السبع بالراجع ومناسبتها لما قبلها: أن سورة الطور ختمت بقوله - تعالى -: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾، وافتتحت سورة النجم بقوله - تعالى -: ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وأيضًا في مفتتحها ما يؤكد الإنكار

стр. 4765

والرد على الكفرة فيما نسبوه إلى الرسول ﷺ من الشعر والكهانة والجنون، ومن الزعم بأنه يتقول ويختلق على الله القرآن، ويدّعي أنه من عند الله، مما هو مذكور في سورة الطور كقوله - تعالى -: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ وقوله - تعالى -: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وذكر أبو حيان: أن سبب نزولها قول المشركين: إن محمدًا ﵊ يختلق القرآن، فنزلت السورة الكريمة للرد عليهم. بعض مقاصد السورة: ١ - أنها - شأن السور المكية - تعني بالرسالة وتؤكدها، قال - تعالى -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. ٢ - أن السورة الكريمة تحدثت عن المعراج الذي كان تسلية لرسول الله ﷺ بعد عام الحزن على وفاة زوجه أم المؤمنين السيدة خديجة ﵂ وعمه أبي طالب، وما رآه ﵊ من آيات ربه الكبرى، وعجائبه العظمى في الملكوت الأعلى، عند سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى. ٣ - أنها تنعى وتعيب على هؤلاء المشركين عبادة غير الله من الأوثان والأصنام وغيرها من المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، بل إن بعضها قد صنعوه بأيديهم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ الآيات. ثم إنها تسفههم على أن آثروا أنفسهم بالبنين، وجعلوا لله ما يكرهونه ويأنفون منه وهو البنات قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. ٤ - أنها أخبرت عن الحساب والجزاء يوم القيامة: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.

стр. 4766

٥ - أنها تحدثت عن أن الله هو الذي يحيى ويميت وأنه إليه المنتهى والمصير، وأنه وحده هو الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى، قال - تعالى -: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾. وكانت خاتمة السورة أن ذكرت أصنافًا من العذاب لأمم خالفت أنبياءها وآذتهم، فأنزل الله بهم ما يستحقون، وذلك تسلية لرسول الله ﷺ ووعد له وللمؤمنين بنصر الله، كما أن فيها وعيدًا وتهديدا للمشركين أن يحل بهم ما نزل بغيرهم ممن هم على شاكلتهم، قال - تعالى -: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾.

стр. 4767

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُومِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ المفردات: ﴿هَوَى﴾: سقط أو نزل. ﴿مَا ضَلَّ﴾: ما زلَّ ولا بعد عن طريق الهدى. ﴿وَمَا غَوَى﴾: ما خاب ولا أمعن في الجهل. ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: ذو حصافة في رأيه ومتانة في دينه. ﴿فَاسْتَوَى﴾: فاستقام على صورته الحقيقية. ﴿دَنَا﴾: قرب. ﴿فَتَدَلَّى﴾: امتد من أعلى إلى أسفل فزاد قربه. ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ القاب: ما بين المقبض وطرف القوس، والقوس: آله على هيئة الهلال ترمى بها السهام، أي: مقدار قوسين عربيتين. ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾: من المِراء، وهو الملاحاة والمجادلة، أي: أفتجادلونه.

стр. 4768

التفسير ١، ٢، ٣، ٤ - ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ المراد بالنجم هنا: هو جنس النجوم، وهي من خلق الله، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وتصك وترمي بجُزَيْئَات منها الشياطين التي تسترق السمع فيتبعها من هذه النجوم الشهاب الثاقب الذي يصدها ويدفعها، كما أنها تزين السماء الدنيا بالزينة الحسنة، والحلية البهيجة قال - تعالى -: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ (١) فضلا عن أن هذه النجوم آية باهرة تدل على كمال اقتداره - سبحانه - وعظيم سلطانه، إذ هي في أفلاكها ومداراتها لا تضل ولا يصطدم بعضها ببعض بل تسير وفق نظام بديع محكم والمراد بِهُوِيِّ النجم سقوطه على الشياطين، وفيه إشارة إلى أن أمر رسول الله ﷺ سيظهر ويقهر الله أعداءه، كما تفعل الصواعق التي تهوى من النجوم بما يكون في طريقها. أقسم - جل شأنه - بالنجم الذي له هذه الصفات الجليلة والخصائص العظيمة ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ على أن رسول الله ﷺ لم يضل ولم يبعد عن الحق ولم يغب أو ينأ عن الهدى، بل هو على الصراط المستقيم ﴿وَمَا غَوَى﴾ أي: وما خاب ولا انخرط في سلك الجهال المارقين عن الدين الصحيح، بل هو راشد مهتد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغيّ. وفي القسم بالنجم بهذا المعنى على أنه ﵊ منزه عن شائبة الضلال والغواية - في هذا القسم - من البراءة البديعية، وحسن التصوير، وجمال الواقع ما لا غاية وراءه؛ لأن النجم شأنه أن يهتدي به الساري إلى مسألك الدنيا كأنه قيل: والنجم الذي يهتدي به السابلة إلى مقاصدهم، ويسترشدون به في مسالكهم نحو غاياتهم ما عدل محمَّد عن طريق الحق الذي هو مسلك الآخرة، وفي هذا من التمثيل ما يعطى

стр. 4769

بأنه ﵊ على الصواب في أفعاله وأقواله، ما اعتقد باطلا قط، وعطف قولى: ﴿وَمَا غَوَى﴾ على قوله: ﴿مَا ضَلَّ﴾ من قبيل عطف الخاص على العام. ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ أي: وما يتكلم به محمد ﷺ من القرآن الكريم عن هوى نفسه ورأيه أصلًا إنما هو وحي من عند الله يوحيه الله إليه، وقيل المراد: ما يصدر نطقه ﵊ في شأن الدين مطلقًا - قرآنا كان أو غيره - عن هوى بل كُلُّهُ وحي. وهناك من المفسرين من يرى أن نطق رسول الله ﷺ واجتهاده ليس صادرًا عن هوى النفس، وإنما هو واسطة بين ذلك والوحي، ويجعل الضمير في قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ راجعًا للقرآن الكريم، وبهذا قال العلامة الآلوسي. كأنه قيل: إذا كان هذا شأنه ﵊ أنه لا ينطق عن الهوى فما هذا القرآن الذي جاء به وخالف ما عليه قومه، واستمال به قلوب كثير من الناس، وكثرت الأقاويل فيه. ما هو إلا وحي يوحيه الله إليه ﷺ ليبلغه الناس. وفي قوله - تعالى -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ﴾ مضارعًا وهو ما يدل على الحال والمستقبل مع قوله - سبحانه -: مَا ﴿ضَلَّ﴾ ﴿وَمَا غَوَى﴾ بصيغة الماضي فيهما ما يدل على أنه ﷺ لم يكن له سابقة غواية وضلال منذ ميَّز، وقبل أن يتدرج ويترقى في أمور الحياة ويتدرب عليها، وقبل أن يختاره ربه - جل وعلا - نبيًّا ورسولا فكيف به وقت أحكمته التجارب وتوجته الرسالة فهو لا شك - وهذه حاله - أبعد من أن ينطق عن هوى نفسه، أو يتكلم عن شهوة، وفي هذا الأسلوب - كما يقول العلامة الآلوسي -: حث لهم على أن يشاهدوا منطقه الحكيم. ٥ - ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾: أي: علم رسول الله ﷺ القرآن الكريم وأنزله عليه من عند الله ملك شديدة قواه وهو جبريل ﵇ ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم

стр. 4770

لوط ثم قلبها، وقد صاح صيحة بثمود قوم صالح ﵇ فأصبحوا جاثمين هالكين، كما كان هبوطه على الأنبياء ﵈ وصعوده في أسرع من رجعة الطرف. ٦ - ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: ذو حصافة في عقله، وجزالة في رأيه، ومتانة في دينه، وقد ائتمنه الله - تعالى - على وحيه إلى جميع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي: فاستقام جبريل ﵇ على صورته الحقيقية التي خلقه الله - تعالى - عليها دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وكان ينزل على رسول الله ﷺ في صورة الصحابي الجليل "دحية الكلبي" كما كان يتمثل وينزل في صورة أعرابي، وذلك أن رسول الله ﷺ أحب أن يراه في صورته التي جبل وخلق عليها. ٧ - ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾: أي: جبريل ﵇ بالجهة العليا من السماء فاستقام وظهر وملأ الأفق، وكان ذلك عند غار حراء في أوائل النبوة. ٨ - ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾: أي: ثم قرب جبريل ﵇ من رسول الله ﷺ ﴿فَتَدَلَّى﴾ فتعلق في الهواء ودنا من رسول الله ﷺ دُنُوًّا خاصًّا ونزل بقربه. ٩ - ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾: أي: فكان مقدار مسافة قرب جبريل ﵇ من رسول الله ﷺ كمقدار قوسين عربيتين أو أقرب من ذلك على تقديركم ومعاييركم، وهذا كناية عن شدة القرب.

стр. 4771

١٠ - ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾: أي: فأوحى جبريل ﵇ إلى عبد الله ورسوله ﷺ الذي أوحاه إليه من عند الله - سبحانه - ولم يبين - جل شأنه - الموحى به، وذلك لتفخيمه وتعظيمه، أي: أوحى إليه أمرًا عظيمًا. ١١ - ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: أي: ما كذب قلب محمَّد ما أبصره بعينيه من صورة جبريل ﵇ أي: ما قال فؤاده ﷺ لما رآه ببصره: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبًا وحاشاه أن يكون كذلك، بل إنه ﵇ عرفه بقلبه كما رآه ببصره. ١٢ - ﴿أَفَتُمَارُونَهُ (١) عَلَى مَا يَرَى﴾: أي: أفتكذبونه فتجادلونه على ما يراه معاينة من صورة جبريل ﵇ الحقيقية بعد ما رآه قبل على صور تمثل فيها بصورة آدمية؟ كان ذلك حتى لا يشتبه عليه بأي صورة ظهر فيها.

стр. 4772

﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ المفردات: ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾: مرة أخرى من النزول. ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ السدرة: شجرة نبق في السماء، إليها ينتهي علم كل الخلائق. ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾: الجنة التي يأوى إليها المتقون، وقيل غير ذلك. ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾: ما مال بصر الرسول عما رآه. ﴿وَمَا طَغَى﴾: وما تجاوز ما رآه إلى غيره. ﴿آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: عجائبه الملكية والملكوتية. ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾: أصنام لهم كانوا يعبدونها. ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾: قسمة جائرة.

стр. 4773

﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾: من برهان وحجة. ﴿مَا تَمَنَّى﴾: ما تشتهي نفسه. التفسير ١٣ - ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾: أي: ولقد رأى النبي ﷺ جبريل ﵇ في صورته التي جبل عليها مرة أخرى، والرؤية في هذه المرة كانت بنزول كالرؤية في المرة الأولى عند غار حراء يشير إلى ذلك قوله تعالي: ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ وقيل: رأى محمد ﵊ ربه - جل وعلا - بلا كيف ولا انحصار. كما ذهب إلى ذلك ابن عباس وغيره. ١٤ - ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾: هذه السدرة هي شجرة نبق عن يمين العرش في السماء السابعة. ﴿الْمُنْتَهَى﴾: اسم مكان؛ لأنها - كما أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس - إليها ينتهي علم كل عالم، وما وراءها لا يعلمه إلَّا الله - تعالى - وقيل: لأنها تنتهي إليها أعمال الخلائق بأن تعرض على الله عندها، أو تنتهي عندها أرواح الشهداء، أو أرواح المؤمنين مطلقًا. ١٥ - ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾: أي: عند سدرة المنتهى تكون جنة المأوى التي يأوي ويرجع إليها المتقون، أو يصير وينزل فيها أرواح الشهداء. ١٦ - ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾: أي: رأى محمَّد ﷺ جبريل ﵇ وقت ما يغطي ويستر الصدرة ما يغطيها ويسترها من الأشياء الدالة على عظمة الله وجلاله مما لا يحيط به الوصف، ولا يقدر على إدراك حقيقته الأفهام، وقيل: ما غشاها وسترها من الملائكة. أخرج عبد بن حميد قال: استأذنت الملائكة الرب ﵎ أن ينظروا إلى النبي ﵊ فأذن لهم فغشيت الملائكة السدرة لينظروا إليه ﷺ

стр. 4774

١٧ - ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾: أي: ما عدل بصر الرسول ﵊ عن رؤية العجائب التي أُمر برؤيتها، وما تجاوز ما أُذن له في رؤيته ولا تعداه إلى سواه، فقد أثبت ما رآه إثباتا مستيقنًا صحيحًا من غير أن يزيغ بصره أو يتجاوزه، وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة، فإنه ما فعل إلا ما أمر به، ولا يسأل فوق ما أعطى له، ولله درّ القائل: رأى جنة المأوى وما فوقها ولو … رأى غيره ما قد رآه لتاها ١٨ - ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: أي: لقد نظر وأبصر رسول الله ﷺ بعضًا من عجائب خلق الله وآياته العظمى كرؤيته جبريل ﵇ في صورته الحقيقية وكرؤية سدرة المنتهى وما شاهده فيها، وقد أخرج البخاري وجماعة، عن ابن مسعود في الآية: (رأى رفرفًا أخضر من الجنة قد سد الأُفق). ١٩، ٢٠ - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾: لما ذكر الوحي إلى النبي ﷺ في الآيات السابقة وذكر - سبحانه - أيضًا بعض آثار قدرته حاجَّ المشركين وسفههم ووبخهم إذ عبدوا ما لا يعقل، وقال: أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونها وقد أوحت وأنزلت إليكم شيئًا كما أوحينا إلى محمد؟ وهل رأيتم من عجائب خلقها كما رأى محمَّد من آيات ربه الكبرى؟ واللات والعزى ومناة أصنام لهم كانوا يعبدونها من دون الله: فاللات لثقيف بالطائف. وقيل في هذا الصنم: إنه كان رجل يلت السويق للحاج على حجر، فلما مات عبدوا ذلك الحجر إجلالا له وسموه بذلك، وهناك أقوال أخرى غير هذه في سبب التسمية، وبقيت اللات إلى أن أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار، أما العزى: فكانت لقريش أو لغطفان وهي سمرة ببطن نخلة بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها، داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، فضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك

стр. 4775

ورجع وأخبر رسول الله ﷺ فقال ﵊: "تلك العزى ولن تعبد أبدًا". وكانت مناة لهذيل وخزاعة، وقيل: لبني هلال، فبعث رسول الله ﷺ عليًّا - كرم الله وجهه - فهدمها عام الفتح، وسميت (مناة)؛ لأن دماءَ الذبائح والنسائك كانت تمنى (تراق) عندها تقربًا إليها، أو هي مأخوذة من النوء لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركًا بها ﴿الْأُخْرَى﴾: صفة ذم وهي المتأخرة الرضيعة، وهي - أيضًا - تدل على ذم السابقتين ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، لأن أخرى تأنيث آخر تستدعي المشاركة مع السابق عليها في الحكم، وهو هنا الذل والوضاعة ونزول القدر والمكانة. ٢١ - ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾: بعد أن سفه الله أحلامهم ووبخهم على ما اقترفوه من عبادة هذه الأصنام مع وضوح آثار عظمة الله في ملكه وملكوته، وجلاله وجبروته - بعد ذلك - أنحى عليهم مرة أخرى بالتقريع والتوبيخ لتفضيلهم أنفسهم على جنابه حيث جعلوا له - سبحانه - الإناث التي يأنفون منها، واختاروا لأنفسم الذكور، وكانوا يقولون: إن هذه الأصنام والملائكة بنات الله وكانوا يعبدونها ويزعمون أنها شفعاؤهم عند الله - تعالى - فقال لهم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ أي: أيستقيم قولهم هذا لدى أرباب العقول السليمة والفطر المستقيمة؟ ٢٢ - ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾: أي: قسمتكم هذه قسمة جائرة ظالمة حيث اصطفيتم لأنفسكم الذكور، وجعلتم لله الإناث، ومن شأنكم أنَّكم تستنكفون من أن يولدن لكم وينسبن إليكم، فضلا عن أن تجعلوا هؤلاء الأناث أندادًا لله وتسمونهنَّ آلهة. ٢٣ - ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾.

стр. 4776

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾: أي: ما الأصنام التي تدَّعون أنها آلهة - ما هي - إلا أسماءٌ ليس تحتها في الحقيقة مسميات، وما تزعمونه لها هو أمر أبعد شيء عنها، وأشد منافاة لها، فهي لا تدفع عن نفسها ولا تنفع ولا تضر غيرها ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أي: قد تابعتم آباءكم وقلدتموهم في عبادتها واتخاذها آلهة، وهي ليست إلَّا مجرد تسميات لجمادات وضعتموها أنتم ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. أي: ما هي إلَّا أسماء سميتموها بهواكم وشهوتكم، ليس لكم على صحة تسميتها آلهة برهان ودليل من الله تتعلقون وتتمسكون به. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾: المراد بالظن هنا: هو التوهم، وشاع استعماله فيه، أي: ما تتبعون ولا تسيرون إلَّا وراءَ وهم باطل حيث يدور في خلدكم العليل وعقلكم السقيم أن ما أنتم عليه حق، وأن ما تزعمونه من آلهة تشفع لكم. ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾: أي: والحال أن الله - سبحانه - أرسل إليكم رسوله ﷺ تفضلا منه وإنعامًا عليكم يهديكم إلى الحق وإلي صراط مستقيم، فكيف تتركون ما جاءكم من الهدى والرشاد إلى ما أنتم عليه من دين باطل واعتقاد فاسد. ٢٤ - ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾: أي: بل ليس للإنسان مطلقًا ما يتمناه وتشتهيه نفسه يتصرف فيه حسب إرادته، وهذا يقتضي نفي أن يكون للكفرة ما كانوا يطمعون فيه من شفاعة الآلهة والظفر بالحسنى لدى الله يوم القيامة، قال تعالى - حكاية - عن بعض هولاءِ الكفار: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ كما ينفي ما كانوا يشتهونه من نزول القرآن على رجل من القريتين عظيم، أو يكون بعضهم هو النبي ونحو ذلك من أمانيهم الكاذبة الخادعة.

стр. 4777

٢٥ - ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾: أي: هو - سبحانه - وحده مالك الدنيا والآخرة يعطي منهما من يشاءُ ويمنع من يشاء وليس لأحد أن يعقب عليه في شيء منهما، بل ما شاء الله - تعالى - له كان وما لم يشأ لم يكن. والله أعلم. ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾ المفردات: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ كم هنا: اسم استفهام خبري فلا يحتاج إلى جواب، والمراد منه التكثير، ومحله الرفع على الابتداء، وخبره جملة ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ ومعناه: وكثير من الملائكة. ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ أي: لمن يشاء الله أن يشفع له الملائكة ويراه أهلا للشفاعة.

стр. 4778

﴿يُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ بأن يقولوا: إنَّهم بنات الله، ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يقُولُونَ عُلوًّا كَبِيرًا﴾. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: ما يتبعون إلا التوهم الباطل. ﴿لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾: لا ينفع الظن من الحق شيئًا من النفع. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾: اترك ولا تهتم بمن أعرض عن قرآننا. التفسير ٢٦ - ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾: بهذه الآية يوبخ الله من عبد الملائكة والأصنام، وزعم أن عبادتهم تقرب إلى الله تعالى، فقد نبهت ودلت على أن الملائكة مع كثرة عبادتهم وكرامتهم على الله لا تملك أن تشفع إلا لمن أذن الله - تعالى - أن يشفعوا له من عباده ممن يستحق الشفاعة من الموحدين فكيف تطمعون أن يشفعوا لكم؛ لأنكم تعبدونهم؟ وإذا كانت الملائكة المقربون إلى الله لا تشفع لكم فكيف تطمعون في شفاعة الأصنام أيها المشركون. ومعنى الآية على هذا: وكثير من الملائكة لا تنفع شفاعتهم شيئًا من النفع لأحد من عباده المذنبين إلا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاؤه من عباده ويرضاه أهلا للشفاعة من أهل التوحيد، وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فالله لا يأذن لأحد من الملائكة في الشفاعة لهم، أو لا تكون منهم شفاعة أصلًا إلا من بعد أن يأذن الله … الخ. وأجاز بعضهم أن يكون معنى الآية: وكثير من الملائكة لا تنفع شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاؤُه منهم بالشفاعة، ويراه أهلا لها. ٢٧، ٢٨ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾:

стр. 4779

إن الذين لا يصدقون بالبعث والحساب والجزاء في الآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأُنثى، فيقولون: هم بنات الله - تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا - وليس لهم بهذا الادّعاء من علم، فإنه ليس عليه دليل عقلي ولا نقلي، ما يتبعون في هذه التسمية إلَّا التوهم الباطل، وإنه لا يغني من الحق شيئًا من الإغناء. وقد أنكر الله في هاتين الآيتين آمرين ونفاهما: أحدهما: دعوى أنوثتهم. وثانيهما: أنهم بنات الله، وقد توعدهم الله على ذلك في سورة الزخرف فقال - سبحانه -: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (١). ٢٩، ٣٠ - ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾: اترك ولا تهتم أيُّهَا الرسول بمن أعرض عن ذكرنا المفيد للعلم بالحق، وهو القرآن العظيم، المشتمل على العقائد الصحيحة، وعلى علوم الأولين والآخرين، ولم يرد إلا الحياة الدنيا قاصرًا نظره عليها كالنضر بن الحرث، والوليد بن المغيرة، ولا تحرص على هداهم أكثر مما فعلت، ولا تأس على القوم الكافرين، ذلك الذي تقدم في شأن عقيدتهم، وقصر نظرهم على الدنيا وإنكارهم للآخرة هو منتهى ما وصلوا إليه من الإدراك والفهم، إن ربك هو أعلم بمن انحرف عن السبيل الموصل إلى مرضاته، وهو أعلم بمن اهتدى إليه، فسوف يجزى كليهما بالجزاء الذي يستحقه.

стр. 4780

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ المفردات: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾: ويجزي الذين اهتدوا بالمثوبة الحسنى. ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ الذين: خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين يجتنبون. إلخ والجملة بيان لمن اهتدى، وكبائر الإثم: ما عظم من الذنوب ويكبر عقابه. ﴿اللَّمَمَ﴾: ما صغر من الذنوب، وأصله: ما قل قدره، ومنه لمة الشَّعر؛ لأنها دون الوفرة. ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾: فلا تصفوها بالطهارة. التفسير ٣١ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾: أي: ولله وحده جميع ما في السموات وما في الأرض من أجزائهما وما استقر فيهما، - له تعالى كل ذلك - خلقًا وملكًا وتصرفًا، خلقهما وخلق ما فيهما ومَلَكَه ليجزي الذين أساءوا بعقاب ما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا فآمنوا وعملوا الصالحات بالمثوبة الحسنى.

стр. 4781

٣٢ - ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾: هذه الآية بيان للذين أحسنوا ومدح لهم، فكأنه قيل: المحسنون هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ولا يفعلونها، ولكن قد يفعلون اللمم. وكبائر الإثم: ما عظم من الذنوب، ووصفها بعضهم بما ورد فيه وعيد شديد كالغيبة والنميمة، والفواحش هي نفس الكبائر - كما ذهب إليه بعض العلماء - فعطفها على الكبائر لتقبيحها، وذهب آخرون إلى التفرقة بينهما، فالكبائر: ما ورد فيه وعيد شديد أو لعن بلا إقامة حدّ، والفواحش: ما ورد فيها الحد كالزنى والسرقة والقتل بغير حق، ويشبه هذا الرأي ما نقل عن مقاتل: كبائر الإثم: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش: كل ذنب فيه الحد. واللَّمَمَ: ما يُلم به العبد من صغائر الذنوب، ومثَّل له أبو سعيد الخدري بالنظرة، والغمزَة، والقبلة، وفسره الرُّمَّاني: بأنه هو الهم بالذنب وحديث النَّفس دون ارتكاب له، وعليه فالاستثناء فيه منقطع بمعنى: (لكن) قد يحدث منهم اللمم، وعن ابن عباس: هو الرجل يُلِمُّ بالذنب ثم يتوب، وبه قال مجاهد والحسن، ودليل ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (١) ثم قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ … ﴾ (٢) ودليله من الآية ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وعليه يكون متصلا. والآية عند الأكثرين تدل على انقسام المعاصي إلى كبائر وصغائر حقيقة كما تقدم [وقال جماعة من الأئمة منهم أبو إسحاق الإسفرايني والباقلاني وإمام الحرمين - قالوا -: إن المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها كبيرة والأُخرى صغيرة بالنسبة إليها، وكلها قابلة للتوبة منها وتكفر بها، وبهذا قال معظم المعتزلة. وقال بعض العلماء: إنه لا خلاف في المعنى بين الرأيين، فإنه لا خلاف بين العلماء في أن من المعاصي ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح فيها، وإنما سَمَّوها كلها كبائر نظرًا لعظمة الله الذي لا يصح أن يعصى.

стр. 4782

وبعد هذا نقول: استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك، واحذر الصغائر فإنها مدرجة إلى الكبائر، نسأل الله العصمة منها. ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ حيث يغفر الصغائر بتجنب الكبائر؛ بل ويغفر الكبائر بالتوبة منها. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ الله أعلم بكم أيها الناس حين أنشأكم من الأرض، حيث خلق أباكم آدم من ترابها، أو أنشأكم جميعًا منها، فإن النطفة التي خلقكم منها ناشئة من الأغذية، والأغذية منشؤها الأرض. والله تعالى أعلم بكم وقت كونكم أجنة في بطون أمهاتكم على أطوار مختلفة بعضها يلي بعضًا، وإذا كان الأمر كذلك فلا تزكوا أنفسكم وتصفوها بالطهر من الإثم، هو أعلم بمن اتقى المعاصي كما يعلم من فعلها، فيجازي كلا على عمله، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. وهذه الآية نزلت - على ما قيل - في قوم من المؤمنين، كانوا يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون استعظاما لها وتكاثرا: صلاتنا وصيامُنا وحجنا، وهذا مذموم منهي عنه إذا كان بطريق الإعجاب أو الرياء، أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس به، ولذا قيل: المسرَّة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر. ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)﴾ المفردات: ﴿الَّذِي تَوَلَّى﴾: الذي رجع معرضًا عن الإِسلام بعد ما كان مقبلا عليه. ﴿وَأَكْدَى﴾: أمسك ورجع عن الإِسلام، وأصله: بلغ الكُدْية: وهي الصخرة، يقال لمن

стр. 4783

يحفر الأرض وتصادفه كدية فيمسك عن الحفر - يقال له -: أكدى، ثم استعمله العرب فيمن أعطى ولم يتمم العطاء، ولمن طلب شيئًا ولم يبلغ آخره. التفسير ٣٣، ٣٤ - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ (١): هاتان الآيتان وما بعدهما مما يتصل بهما نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله ﷺ على دينه فعيَّره بعض المشركين وقال: لم تركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت أنهم في النار؟ فقال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له أن يتحمل عنه عذاب الله إن أعطاه شيئًا من باله، فأعطاه ما كان قد وعده به ثم بخل بباقيه فنزلت. وقال مقاتل: كان الوليد قد مدح القرآن ثم أمسك عنه فنزل ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾ أي: من الخير بلسانه ثم قطع ذلك وأمسك عنه، وقيل غير ذلك. ووجه صلة هذه الآيات بما قبلها: أنه - تعالى - لما بين في الآيات السابقة جهل المشركين في عبادة الأصنام، ذكر في هذه الآيات قصة أحد زعمائهم في جهله ورجوعه عن الحق. والمعنى: أفرأيت - أيها الرسول - هذا الذي رجع عن الحق ولم يثبت عليه، وأعطى قليلًا من مدح الإِسلام والإقبال عليه، وقطع العطاء فلم يستمر عليه، بل رجع إلى شركه ودين قومه.

стр. 4784

﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ المفردات: ﴿يُنَبَّأْ﴾: يُعْلم ويُخبر. ﴿وَفَّى﴾: أتم ما أمر بتبليغه على أكمل وجه في الوفاء. ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي: أنه، والوِزر: الحمل. ﴿سَوْفَ يُرَى﴾: سوف يعرض عليه وعلى أهل القيامة، من: أريته الشيء أي: جعلته يراه. ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ قال الأخفش: يقال: جزيته الجزاء، وجزيته بالجزاء سواء لا فرق بينهما. التفسير ٣٥ - ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾: أي: أعند هذا الذي أكدى علم بما غاب عنه من أمر عذاب الآخرة وأهوالها فهو يعلم أن صاحبه يتحمل عنه يوم القيامة ما يخافه، أو معناه: فهو يرى أن ما سمعه من القرآن باطل. ٣٦ - ٣٨ - ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾:

стр. 4785

أي: بل ألم يخبر هذا الذي تولى عن الإِسلام وأعطى قليلا منه ولم يستمر عليه، ألم يخبر بتوراة موسى وصحف إبراهيم الذي وفى ما كلف به؟ فما أمره الله بشيءٍ إلَّا فعله، وما نهاه عن شيء إلَّا تركه - ألم يُخْبَر بما في هذه الصحف - أن لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى من الذنوب؟! فلا يؤاخذ أحد بذنب غيره، ولا يعاقب إلا بذنب نفسه. وأطلق على النفس لفظ وازرة "حاملة" لأن من شأنها حمل الذنوب، سواء أكانت مذنبة أم لم تكن مذنبة. فإن قيل: إن رسول الله ﷺ قال: "من سنَّ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" فقد دل على أن الإنسان يحمل ذنب غيره، فالجواب أنه في ذلك يحمل ذنب إضلاله لغيره الذي هو ذنبه لا ذنب سواه، بالإضافة إلى ذنب نفسه، أمّا الآخر الذي قلده فإنه يحمل ذنب ضلال نفسه. وتخصيص صحف موسى وإبراهيم بالذكر دون سائر الأنبياء؛ لأن موسى أقرب أصحاب الشرائع إليهم، وأن إبراهيم كان رسول الله إليهم، ولا تزال بقية مما جاء به معروفة بينهم، أما صحف غيرهما من الأنبياء فإنها لم تكن لها بقية لديهم. وفي تفسير ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قال الإِمام ابن عباس ﵄: كانوا قبل إبراهيم ﵇ يأخذون الرجل بذنب غيره، يأخذون الولي بالولي - أي: القريب بالقريب - في القتل والجراحة فيقتل الرجل بذنب أبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وابن عمه، والزوجة بزوجها، وزوجها بها وبعبدهِ، فبلغهم إبراهيم ﵇ عن الله تعالى: (أَن لَّا تَزِرُ نَفْسٌ وِزْرَ أُخْرَى). وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير: "وفَّى" أي: عمل بما أُمِر به وبلغ رسالات ربه، قال القرطبي: وهذا أحسن لأنه عام. ونحن نقول: لا خلاف بينهم وبين ابن عباس فيما قالوه، لأن ابن عباس لا يقصد أنه اقتصر على تبليغهم ذلك، فإنه بعض ما أمره الله تعالى به ووفاه، ولذا قال تعالى في شأنه:

стр. 4786

٣٩ - ٤١ - ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾: أي: وجاء في صحف موسى وإبراهيم ﵉: أن عمل الإنسان سوف يراه حاضرو القيامة ويطلعون عليه، تشريفًا للمحسن وتوبيخًا للمسئ، أو يعوض عليه ويكشف له يوم القيامة في صحيفة أعماله. وجاء في هذه الصحف أيضًا أن الإنسان سوف يجزى يوم القيامة على سعيه وعمله الجزاء الأوفى. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾ المفردات: ﴿الْمُنْتَهَى﴾ المراد به: انتهاء الخلق ورجوعهم إلى الله - تعالى -. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ أي: من نطفة إذا تصب وتدفق في الرحم، يقال: أمْنَى الرجل ومنى، ومعناهما واحد، وأصل النطفة في اللغة: الماء القليل، ثم أطلقت على المني لقلته. ﴿النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾: الإحياء بعد الإماتة. التفسير ٤٢ - ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾: أي: أن الخلق ينتهون إلى الله - تعالى - ويرجعون إليه وحده لا إلى غيره، حيث يحاسبهم فيثيب المحسن ويعاقب المسئ.

стр. 4787

وقيل: معناه: أنه منتهى الأفكار، فلا تزال الأفكار تبحث في حقائق الأشياء حتى إذا اتجهت إلى ذات الله وصفاته انتهى سيرها فلا تفكر في ذلك وإلا هلكت، وأيد هذا المعنى بما أخرجه البغوي عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال في الآية: "لا فكرة في الرب". ٤٣ - ٤٧: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾: معنى هذه الآيات: أنه - تعالى - أضحك عباده وسرهم بما يبعث على فرحهم وسرورهم، وأبكاهم بما يبعث على حزنهم وبكائهم، ومن ذلك أنه - تعالى - وحده أمات الأحياء فأبكى من حولهم، وأحياهم حين منَّ عليهم بالذرية فضحكوا عند ميلادهم، وأنه - تعالى - خلق الزوجين الذكور والإناث من الإنسان وغيره - خلقهم من نطفة إذا تدفقت في الأرحام، وأنه - تعالى - سوف يحيى الموتى في النشأة الأُخرى ليحاسبهم ويجزي المحسن بالإحسان، والمسئ بالإساءة وفاءً بوعده الذي لا يخلف، وذلك لكي لا يتساوى المحسن والمسئُ. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ المفردات: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أي: أنه هو أغنى من شاء وأعطاه القنية، وهي: ما يبقى من المال. ﴿الشِّعْرَى﴾: ألمع كوكب وأضوؤُه.

стр. 4788

﴿عَادًا الْأُولَى﴾: أولى القوم هلاكًا بعد قوم نوح، وللكلام بقية في التفسير. ﴿الْمُؤْتَفِكَةَ﴾: قرى قوم لوط ائتفكت بأهلها، أي: انقلبت. ﴿أَهْوَى﴾ أي: أهواها الله - تعالى - إلى الأرض بعد أن رفعها. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾: فبأي نعم ربك تتشكك؟!. التفسير ٤٥ - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾: أي: وأنه - تعالى - هو وحده أغنى من شاء من عباده وأعطاهم القَنية، وهي ما يبقى ويدوم من الأموال، كالرياض والحيوان والبناء والتحف، وإفراد ذلك بالذكر مع دخوله في قوله - تعالى -: ﴿أَغْنَى﴾ لأن القنية هي أشرف الأموال وأنفسها، وعن ابن زيد والأخفش: معناهما: أغنى وأفقر، ووُجِّه ذلك بأنَّهُما جعلا الهمزة للسلب والإزالة في أقنى، كما في أشكى، أي: أزال شكواه، وقيل غير ذلك. ٤٦ - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾: الشعرى: كوكب قوي الإضاءة، ويطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وأُطلق عليها لفظ العبُور؛ لأنها عبرت الحجرة فلقيت سهيلا، كذا قيل، وهما شِعْريان، الشعرى العبور، والشعرى الغُمَيصاء، ويقال: إن الشعرى أكبر من الشمس، وإنما ترى أصغر منها لأنها بعيدة عنها بُعدًا كبيرًا في جو السماء، ولهذا جاء ذكرها في الآية، فكان ذلك من آيات إعجاز القرآن. وقيل: إنما ذكرت لأن العرب كانوا يعبدون شِعرَى العبور، لأنها أكبر حجمًا من شِعرى الغميصاءِ، فقيل لهم: إنه - تعالى - هو رب الشعرى ومالكها، فهو أحق بالعبادة منها. قال السُّدِّى: عبدتها حمير وخزاعة، وقال غيره: أول من عبدها أبو كبشة، رجل من خزاعة، أو هو سيدهم، واسمه وَخْز بن غالب.

стр. 4789

ومن العرب من كان يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم، ويزعمون أنها تقطع السَّماء عرْضًا، وسائر النجوم تقطعها طولا، ويتكلمون على المغيبات عند طلوعها، ولكن هذا الفريق من العرب كان لا يعبدها ويقتصر على تعظيمها. وجاء في هامش المنتخب الذي أصدره المجلس الأعلى للشئون الإِسلامية - جاء فيه - أَن قدماءَ المصريين كانوا يعبدونها أيضًا، لأن ظهورها من جهة الشرق حوالي منتصف شهر يوليو قُبَيْلَ شروق الشمس متفق مع زمن الفيضان في مصر الوسطى، أي: مع أهم حادث في العام عندهم. ولما كانت الشعرى لا تظهر قبيل شروق الشمس إلَّا مرة واحدة في العام، فلهذا جعلوا ظهورها أول العام الجديد. انتهى بتصرف يسير. ٥٠ - ٥٢ - ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾: وصف القرآن الكريم عادًا المهلكة بأنَّها الأولى، والمراد من هذا الوصف: أنَّها أولى الأمم هلاكًا بعد قوم نوح - كما قاله جمهور المفسرين. وقال الطبري: وصفت بالأولى لأن في القبائل عادًا الأُخرى، هي قبيلة كانت بمكة مع العماليق، وقال المبرد: عاد الأخرى هي ثمود، وقيل غير ذلك. والمعنى: وأنه - تعالى - أهلك عادا الأولى لتكذيبهم رسولهم وبقائهم على الشرك بالله، وأهلك ثمودًا فما أبقى أحدا من كفارهما، وأهلك كفار قوم نوح من قبل إهلاك عاد وثمود، لأنهم كانوا أشد منهما ظلما للحق ولأنفسهم، وأشد منهما طغيانًا، فإن نوحًا ﵇ مكث يدعوهم إلى الحق ألف سنة إلَّا خسمين عامًا، فلم يؤمن منهم سوى من ركبوا سفينته، فهم الذين نجوا من الإهلاك بالطوفان. ٥٣ - ٥٥ - ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾: أي: وأسقط قرى لوط إلى الأرض بعد أن رفعها إمعانًا في تعذيبهم، لأنهم كانوا مع

стр. 4790

شركهم يأتون الرجال دون النساء، ولم ينفع فيهم نصح لوط ﵇ فَغَشى الله أهلها ما غشى من الحجارة التي رجمهم وغطاهم بها، كما جاءَ في قوله - تعالى -: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (١) فبأي نعم ربك تتشكك يا أيها الذي أعطى قليلًا وأكدى. ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ المفردات: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾: هذا القرآن منذرٌ لكم من نوع الكتب الأولى التي أنذر بها الأنبياء. ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾: قربت القيامة الموصوفة في القرآن بقربها. ﴿كَاشِفَةٌ﴾: نفس قادرة على تبيين وقتهَا، من الكشف بمعنى التبيين. ﴿الْحَدِيثِ﴾ أي: القرآن. ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾: وأنتم لاهون.

стр. 4791

التفسير ٥٦ - ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾: لفظ (هذا) يشير إلى القرآن الكريم، ومعنى الآية: هنا القرآن نذير لكم من جنس الكتب الأُولى التي جاء بها الرسل السابقون، فإنها أنذرتهم من عذاب الله على شركهم كما أنذركم القرآن، وبهذا الرأي قال قتادة. وقيل: إنَّهُ يشير إلى نبينا محمَّد ﷺ والمعنى: هذا النبي منذرٌ لكم، من جنس الأنبياء المنذرين قبله، فإن أطعتموه نجوتم من عذاب الله، وإن خالفتموه لَحِق بكم ما حلّ بمكذبي الرسل السابقين. وهذان الرأيان من أفضل ما قيل في معنى الآية: ٥٧، ٥٨ - ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾: أي: قربت الساعة الموصوفة بالقرب في عدة مواضع من القرآن الكريم، وقيل: لفظ الآزفة: علمٌ بالغلبة على الساعة. وقد أخبر الله - تعالى - أن هذه الآزفة ليس لها من غير الله نفس كاشفة ومبينة لوقت وقوعها، لأنها من أخفى المغيبات، فالكشف هنا بمعنى التبيين، وهذا هو رأي الطبري والزجاج، وهذا التفسير موافق في المعنى لقوله - تعالى -: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (١) هو من أحسن ما قيل في معنى الآية. والتاء في (كاشفة) لتأنيث الموصوف المُقدَّر، وهو كلمة (نفس) التي ذكرناها في معنى الآية، وقيل: إن كلمة (كاشفة) مصدر من المصادر السماعية كالعافية وخائنة الأعين، أي: ليس لها من دون الله كشف وتبيين.

стр. 4792

٥٩ - ٦٢ - ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾: الاستفهام في لفظ ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ للتوبيخ، والحديث: ما يتحدث به، والمراد به هنا: القرآن، ولفظ ﴿سَامِدُونَ﴾ معناها: لاهون - كما قال ابن عباس - واستشهد عليه بشعر هزيلة بنت بكر وهي تبكي قوم عاد: ليت عادًا قبلوا الحق … ولم يبدوا جحودًا قيل قم فانظر إليهم … ثم دَعْ عنك السمودا وقال الضحاك: سامدون: شامخون متكبرون. وفي الصحاح: سَمَد سُمُودًا: رفع رأسه تكبرًا، وكل رافع رأسه فهو سامد، وقيل غير ذلك. ومعنى هذه الآيات: أفمن هذا القرآن الذي حدثتكم به تعجبون إنكارًا، وتضحكون استهزاء وأنتم لاهون عنه، غير مقبلين عليه، فاسجدوا لله واعبدوه، ولا تسجدُوا لأصنامكم ومعبوداتكم.

стр. 4793

سورة القمر مقاصدها: تحدثت هذه السورة عن قرب الساعة وإعراض المشركين عن الإيمان بها، مع أنهم قد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر، وتحدثت عن تكذيب قوم نوح له وكفرهم بما جاءهم به، فأغرقهم الله - تعالى -، ثم عقَّبته بقوم عاد وتكذيبهم لرسولهم هود ﵇ فأهلكهم الله بالريح الصرصر العاتية، وذكرت بعده قصة ثمود، وأنهم عوقبوا بصيحة واحدة جعلتهم كهشيم المحتظر، لتكذيبهم رسولهم صالحًا ﵇ وعقرهم الناقة التي جعلها الله آية لصدقه. وجاءت بعدها قصة قوم لوط وعقابهم صباحًا بريح تحمل الحصباء، وتقذفهم بها حتى هلكوا؛ لأنهم كانوا يأتون الرجال من دون النساء مع شركهم. وتلتها قصة آل فرعون الذي ادعى الألوهية فأغرقه الله مع جيشه الذي تبع بني إسرائيل وهم هاربون من قتله لهم وتسخيرهم - تبعهم - ليردهم إلى مصر. وذكرت عقب ذلك أن كفار قريش ليسوا خيرًا من هؤلاء المهلكين، فسيهزمهم الله ويولون الدبر، وسوف يعذبهم الله في الآخرة، وأن عذابهم فيها أدهى وأمر من إهلاكهم في الدنيا. وبينت السورة أَن كل شيء خلقه الله بقدر، وما أمره في الإتيان بالساعة إلا كلمح بالبصر، وأن كل شيء فعلوه مثبت في كتب أعمالهم، يكتبها ملائكة جعلهم الله لكتابة أعمال العباد، وختمت السورة بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾.

стр. 4794

تفسير سورة القمر هذه السورة مكية، وآياتها خمس وخمسون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ المفردات: ﴿السَّاعَةُ﴾: القيامة. ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾: دائم. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾: وكل أمر من الأمور منته إلى غاية يستقر عندها. ﴿مُزْدَجَرٌ﴾: ازدجار ومنع من القبائح. ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ أي: واصلة إلى غاية الأحكام. ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾: فما يفيد المنذرون لهؤلاء، والنذر: جميع نذير، بمعنى منذر، وكلمة ﴿مَا﴾ في قوله تعالى: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ إمَّا نافية فتكون حرفًا، أو استفهامية للإنكار والتوبيخ فتكون اسمًا.

стр. 4795

التفسير ١ - ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: هذه السورة تبين مواقف الكفار في مواجهة الحق مثل التي قبلها، والمراد من اقتراب الساعة شدة قربها، وذلك بنسبة ما بقي من عمر الدنيا إلى ما مضى منه، فالباقى منها قليل وإن مضى أكثر من أربعة عشر قرنًا بعد نزول هذه الآية، والله - تعالى - هو وحده الذي يعلم مقدار ما مضى من عمرها منذ إنشاء الخليقة، فقد يكون ملايين السنين، وقد جاء من حديث رسول الله ﷺ ما يشير إلى ذلك، روى قتادة عن أنس قال: خطب رسول الله ﷺ وقد كادت الشمس تغيب فقال: "ما بقي من دنياكم فيما مضى إلا ما بقي من هذا اليوم" وما نرى من الشمس إلا يسيرا. ولا صحة لما روي عن كعب ووهب، وهو أن عمر الدنيا ستة آلاف سنة، مضى منها خمسة آلاف وستمائة، فهذا رجم بالغيب ولم يُرْوَ عن المعصوم ﷺ ولأن الباقي من عمرها على ما قالوا هو أربعمائة سنة، مع أنه قد مضى بعد نزول الآية أكثر من أربعة عشر قرنًا، وذلك يوضح كذب هذا الخبر. وانشقاق القمر حقيقة وقعت قبل هجرة النبي ﷺ فقد صح من رواية الشيخين وابن جرير عن أنس: (أن أهل مكة سألوه ﵊ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما). وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين، فرقة على الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا". ومن حديثه أيضًا: "انشق القمر على عهد رسول الله ﵊ فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، فقال رجل: انتظروا ما يأتيكم به السُّفَّار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء السُّفار فأخبروهم بذلك" رواه أبو داود الطيالسي

стр. 4796

وفي رواية البيهقي: فسألوا السفار وقد قدموا من كل وجه، فقالوا: رأيناه: فأنزل الله - تعالى -: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وقد أجمع جمهور المحدثين والمفسرين على أن الانشقاق حقيقة، قال القرطبى، ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره، من حديث ابن مسعود وابن عمر، وأنس، وجبير ابن مطعم، وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم - ثم قال: وقال قوم: لم يقع انشقاق القمر بَعْدُ، وهو منتظر، أي: قرب وقوعه، يقول الماوردي تقريرًا لعدم وقوعه: إنه إذا انشق ما بقي أحد إلا رآه لأنه آية، والناس في الآيات سواء. وقيل معناه: وضح الأمر وظهر، والعرب تضرب بالقمر مثلا فيما وضح. ثم قال القرطبي: قلت: قد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوي الناس في رؤيته، لأنها كانت آية ليلية، وأنها كانت باستدعاء النبي ﷺ من الله عند التحدى … (١) إلى آخر ما قاله القرطبي. ونحن نقول: إنه آية وحقيقة مرئية، بدليل قوله - تعالى - عقب ذلك ما يلي: ٢ - ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾: فهذه الآية ناطقة بأنهم رأوا انشقاق القمر، ووصفوه بأنه سحر مستمر. أي: متتابع، وهو ظاهر في ترادف معجزاته ﷺ وقد اختلف في تفسير كلمة ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ فقيل: معناه دائم، وقيل: معناه ذاهب، قاله أنس وقتادة ومجاهد والفراء وغيرهم، واختاره النحاس، وهو يفيد أنهم يتعللون بذهابه تسلية لأنفسهم، وقال أبو العالية والضحاك معناه: محكم قوي شديد، من المِرَّة، وهي القوة، وقيل غير ذلك، والمعنى: وإن تُشاهد قريش علامة وبرهانًا على صدق محمَّد ﷺ يعرضوا عن الإيمان بنبوته، ويقولوا: هذا سحر؛ فإنه لا بقاء له، مع أن هذه الآية من أقوى الأدلة على نبوته، وإن مثلها كمثل

стр. 4797

انشقاق البحر لبني إسرائيل حتى عبروا على أرض يابسة، والماء على أيمانهم وشمائلهم، لا يصيبهم منه شيء، وكذلك شأن آيات المرسلين، فهي خارقة للعادة، لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها، حتى تكون آية ومعجزة أيدهم الله بها، للدلالة على صدقهم. ٣ - ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾: وكذبت قريش هذه الآية، واتبعوا أهواءهم في تكذيبهم إياها، مع أنها واضحة الدلالة على صدقه، وكل أمر من الأمور منته إلى غاية يستقر عليها لا محالة، ومن حجتها أمر النبي ﷺ فسوف يمضي إلى غاية يتبين عندها حقيقته وعلو شأنه، ولن ينجح عنادهم في إبطال أمره، ومنع استقراره. ٤، ٥ - ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾: أي: وبالله فقد جاء قريشًا في القرآن من أخبار الأولين وأخبار الساعة، ما فيه ازدجار وانتهاء عمَّا هم فيه من الضَّلَال والقبائح. هو حكمة واصلة إلى غاية الأحكام لا خلل فيها ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١) ولكنهم أصروا على الكفر والتكذيب، فأيَّ إغناء تغنيه النذر عنهم، وأية فائدة تحصل لهم. والنُّذُر: جمع نذير، بمعنى منذر. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾

стр. 4798

المفردات: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: فأَعرض عنهم. ﴿الدَّاعِ﴾ الداعى: هو إسرافيل ﵇ وقيل: غيره. ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ المنكر: بمعنى المنكر الفظيع، وهو أهوال يوم القيامة. ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ أي: ذليلة، والمراد ذليلة نفوسهم؛ لأن خشرع الأبصار ناشئ عن خشوع النفوس، فهو غاية عنه. ﴿الْأَجْدَاثِ﴾: القبور، وهو جمع جَدَث. ﴿مُهْطِعِينَ﴾: مسرعين مادين أعناقهم. التفسير ٦ - ٨ - ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾: الأَمر في قوله - تعالى -: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ مترتب على ما قبله من عدم إفادة النُّذُر لهم، ولذا قُرِن بالفاء التي هي لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وكأَنه قيل: إذا كانت النذر لا تغنى عنهم ولا تفيد فأعرض عنهم واترك الاهتمام بهم، والأَسى على عدم إيمانهم، فقد أديت الرسالة ووفيت الأمانة فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. وليس الغرض منه الأَمر بترك تبليغ الرسالة لهم، فإنه ﷺ ظل يدعوهم إلى الحق قبل الهجرة وبعدها، حتى آمنوا جميعًا في العام الهجرى الثامن، فالغرض منه أَن لا يبالي بكفرهم، وقد عقَب الله هذا الأمر بوعيدهم بعذاب الآخرة بقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أي: اذكر لهم يوم ينادى المنادى إلى شيء منكر فظيع، قال الآلوسي: يكنى بالنُّكر عن الفظيع ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ ذليلة نفوسهم، يخرجون من القبور كأنهم في كثرتهم وانتشارهم في كل مكان - ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ - جراد منتشر - يخرجون - مسرعين إلى الداعى، مادين أعناقهم خوفًا وهلعًا، يقول الكافرون من شدة الهول وسوء المنقلب - يقولون -: هذا يوم صعب شديد. نسأَل الله السلامة.

стр. 4799

* ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ المفردات: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ أي: وصفوا نوحًا ﵇ بالجنون وزجروه عن التبليغ بأنواع الأَذية والتخويف. ﴿فَانْتَصِرْ﴾: فانتقم لي منهم. ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾: كثير متتابع، يقال: همره يهمِره ويهمُره بكسر ميم المضارع وضمها: صبّه. فهمر وانهمر. ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: قد قضاه الله أزلا، وهو هلاكهم بالطوفان. ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾. على سفينة ذات ألواح عريضة ومسامير تثبت بها تلك الأَلواح، ودسر جمع دِسار أو دَسْر: وهو المسمار. ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾: بكلاءَة وحفظ منا: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ أي: أبقينا خبرها أمرا داعيا للعظة والاعتبار.

стр. 4800

﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من معتبر بتلك الآية؟ والأَصل مدتكر: أبدلت التاء دالا وأَدغمت الدال في الدال، وقيل غير ذلك في أصلها. التفسير ٩ - ١٧ - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: شروع في تعداد بعض ما ذكر من الأَنباءِ الموجبة للازدجار، وتفصيل لها، وبيان عدم تأَثرهم بها تقريرًا لما يشير إليه قوله - تعالى -: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. والمعنى: كذب قبل أهل مكة قومُ نوح فكذبوا عبدنا نوحًا ﵇ تكذيبًا إثر تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذّب جاءَ عقيبه منهم قرن آخر مكذب مثله. وقيل: معنى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ابتدأَت التكذيب، ومعنى ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ أَتموه وبلغوا نهايته. أو: لما كانوا مكذبين للرسل جاحدين للنبوة رأسًا كذبوا نوحًا لأَنه من جملة الرسل، والفاء - عليه - للسببية، وفي ذكر ﵇ بعنوان العبودية مع الإضافة إلى نون العظمة تفخيم له وتشنيع على مكذبيه الذين لم يقتصروا على مجرد التكذيب، ولم يقنعوا به بل دفعهم حقدهم وسوء طويتهم إلى أَن ينسبوه إلى الجنون حيث قالوا عنه: إنه مجنون؛ يقول ما لا يقبله عاقل، وزجرره عن تبليغ الرسالة بأَنواع الأَذية والتخويف، والوعيد الشديد فقالوا له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (١). ولما استحكم يأْسه من استجابتهم له بعد أن دعاهم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وعلنا لجأ إلى ربه فدعاه قائلا: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾ من جهة قومي، ما لى قدرة على الانتقام منهم ﴿فَانْتَصِرْ﴾ لي
следующие страницы →