← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

- تعالى - فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ .. ﴾ (١) إلى قوله - سبحانه: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ فجعل لهم أَجرين، فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا معشر المسلمين، أما من آمن منا بكتابكم فله أجران، ومن لم يؤمن بكتابكم فله أَجر كأُجوركم، فأَنزل الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ .. ﴾ الآية ردًّا عليهم، ومن لم يؤمن بكتابكم، فله أجر كأُجوركم. وفي الكشاف أن قائل ذلك، من لم يكن آمن من أهل الكتاب، قالوه حين سمعوا تلك الآية يفخرون بها على المسلمين وعلى هذا فمعنى الآية: يا أيها الذين اتسموا بالإيمان اثبتوا على تقوى الله فيما نهاكم عنه يؤتكم نصيبين من رحمته لإيمانكم بالرسالات المتقدمة عليكم، وتصديقكم لرسلها، وإيمانكم برسولكم محمَّد ﷺ كما فعل أهل الكتاب الذين آمنوا به، فأَنتم وهم سواء في الإِيمان بالرسل أَجمعين. ٢٩ - ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: قال مجاهد: قالت اليهود: يوشك أَن يخرج منَّا نبي يقطع الأيدى والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا به، والآية تتعلق بمضمون جملة قبلها على تقدير: إن تتقوا الله وتؤمنوا بوسوله ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: (لَا) هنا زائدة أَي: ليعلم الذين يؤمنوا بمحمد ﷺ من أهل الكتاب اليهود والنصارى أنهم لا يقدرون على شيءٍ من فضل الله تحصيلًا لأَنفسهم أو منعًا لغيرهم، رزقًا أو هداية، أَو مغفرة وفضلًا، وأن الفضل كل الفضل بيد الله وليس بأَيديهم حتى يصرفوه عمن شاءُوا إلى من شاءُوا، وأنه - تعالى - يختص بفضله من يشاءُ إذا شاءَ

стр. 4937

وفي البخاري: حدثنا الحكم بن نافع قال: حدثنا شعيب عن الزهري قال: أَخبرنا سالم ابن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول - وهو قائم على المنبر -: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأُمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أعطى أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أَعطى أَهل الإِنجيل الإِنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر، ثم عجزوا فأَعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أعطيتم القرآن فعملتم حتى غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين، قال أَهل التوراة: ربنا، هؤلاء أَقل عملًا، وأَكثر أجرًا، قال: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. قال: فذلك فصلى أُوتيه من أَشاء". والله أعلم

стр. 4938

سورة المجادلة مدنية وآياتها ثنتان وعشرون أهم مقاصدها: بيان حكم ظهار الرجل من امرأته، بأَن يقول لها - مثلًا -: أنت عليَّ كظهر أمي، وأن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كتب الذين من قبلهم - أي: لعنوا مثلهم - وأَن لهم في الآخرة عذابًا مهينًا، وأَن الله تعالى يعلم جميع ما في السموات والأَرض، ومن ذلك أَنه يعلم السر والنجوى وبيان مصير الذين يتناجون بالإِثم والعدوان ومعصية الرسول ﷺ ، وأَن على المؤمنين إذا قيل لهم: تفسحوا في المجالس أَن يتفسحوا، وأَن الذين يتولون قومًا معادين الإسلام أعدَّ الله لهم عذابًا مهينًا، وأَن الله تعالى قضى بأَن يَغلب هو ورسله جميع أعداء الدين، وأن من يتركون مودة من يحادون الله ورسوله - ولو كانوا أقاربهم - أولئك كتب الله في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، وأنهم سيدخلون جنات تجري من تحتها الأنهار: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ). أسماء هذه السورة: تسمي المجادلة، بكسر الدال، وفتحها، والكسر أشهر، وتسمى أيضا سورة (قد سمع) وسورة الظهار. مناسبتها لها قبلها: ختمت السورة السابقة بفضل الله، وافتتحت هذه بما هو من ذلك حيث سمع الله شكوى هذه المرأة، وأزال شكوي كربتها، بما بينه من حكم الظهار، وجاء في مطلع السورة السابقة ذكر صفات الله الجليلة، ومنها الظاهر والباطن، وأنه سبحانه ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، وافتتح هذه السورة بذكر أنه تعالى سمع قول المجادلة التي شكت إليه تعالى، إلي غير ذلك من المناسبات.

стр. 4939

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ المفردات: (تَحَاوُرَكُمَا): تراجعكما في الكلام من حار إذا رجع، ويجوز أن يكون المراد به الكلام المردد السمع للمسموعات. التفسير: ١ - ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾: نزلت هذه الآية والآيات بعدها في امرأة من الأنصار اسمها خولة بنت ثعلبة بن مالك الخزرجي، وقيل غير ذلك، ولكن الأكثرين على أنها هي خولة بنت ثعلبة المذكورة، وأن زوجها هو أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، فدخل عليها يوما فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي، وكان هذا أول ظهار في الإسلام. وكان الرجل في الجاهلية إذا قال ذلك لامرأته حرمت عليه، فندم أوس من ساعته، فدعاها فأبت وقالت: والذي نفسي بيده: لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت، حتي يحكم الله ورسوله فينا، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أوسًا تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سني ونثرت بطني - أي كثر ولدي - جعلني عليه كأمه وتركني إلي غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشي بها وإياه فحدثني بها، فقال

стр. 4940

﵊: والله ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن - وفي رواية ما أراك إلا قد حرمت عليه - فقالت: ما ذكر طلاقا، وجادلت رسول الله ﵊ مرارا، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وحدتي وما يشق عليّ من فراقه. وفي رواية قالت: أشكو إلي الله - تعالي - فاقتي وشدة حالي، وأن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلي السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك، وما برحت حتى نزل القرآن فيها، فقال ﷺ : يا خولة أبشري فقالت: خيرًا. فقرأ عليها ﵊ (قَدْ سَمِعَ) وكان عمر ﵁ يكرمها إذا دخلت عليه ويقول: قد سمع الله تعالى لها. روي ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات: أنها رأته ﵁ وهو يسير مع الناس، فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها ووضع يده علي منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجال قريش علي هذه العجوز قال: ويحك أتدري من هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله لشكواها من فوق سبع سموات. هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف حتى أتى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها (١). وفي رواية أخري: أن عمر بن الخطاب ﵁ والناس معه على حمار، فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعي عُميرا، ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: يا أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب - وهو واقف يسمع كلامها فقيل له: يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟ فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلي آخرة، لا زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر. (٢)

стр. 4941

وروي النسائي وابن ماجه والبخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت بعد أن نزلت الآية (قَدْ سَمِعَ): الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلي النبي ﷺ وأنا في ناحية من البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله تعالي: (قَدْ سَمِعَ … ) الآيات (١). والسماع مجاز، أو كناية عن القبول، والسمع والبصر من صفات الله تعالي، وهما غير صفة العلم، فكل المسموعات والمبصرات يعلمه الله تعالي. وبعض العلماء قال: إنهما كناية عن العلم، وهذا خطأ لما فيه من محو صفتي السمع والبصر وهما في صفاته وأسمائه تعالي: (وَلله الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، نقل القرطبي عن الحاكم أبي عبد الله قوله: والسمع والبصر من صفات الله كالعلم والقدرة والحياة والإرادة فهما من صفات الذات. لم يزل الله متصفا بهما. والمعني الإجمالي للآية: قد سمع الله - تعالي - قول خولة بنت ثعلبة التي تسألك في حكم ظهار زوجها منها بقوله لها: أنت علي كظهر أمي، وتشتكي إلي الله تعالي لينزل في شأنها حكمها غير الطلاق الذي جعلوه في الجاهلية حكما للظهار، وكانت هذه الشكوي إلي الله - تعالي - بعد أن أفهمها الرسول ﷺ أنه - سبحانه - لم ينزل في شأنه حكما، والله يسمع تحاورها معك - أيها الرسول - وترديدها للشكوي، إن الله عظيم السمع للمسموعات وإن كانت همسا، عظيم البصر للمرئيات وإن كانت دقيقة، فلهذا لم يخف عليه - سبحانه - ما جري بينك وبينها من الحوار.

стр. 4942

﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ المفردات: (يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ): يقول الرجل منكم لامرأته: أنت علي كظهر أمي أو ما في معناه، وسيأتي بيانه. (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ): ما أمهاتهم. (مُنْكَرًا): يستنكره الشرع والعقل. (وَزُورًا): وكذبا منحرفا عن الحق. التفسير: ٢ - ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾: شروع في بيان الظهار وحكمة المترتب عليه شرعا، والظهار: مصدر ظاهر، وحقيقة الظهار - كما قال القرطبي -: تشبيه ظهر بظهر، والموجب الحكم منه تشبيه ظهر محلل بظهر محرم، وقد أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي فهو مظاهر، أما لو قال لها: أنت علي كظهر ابني وأختي أو غيرهما من المحارم فإنه يكون مظاهرا عند أكثر الفقهاء، ومنهم من قال: لا ظهار إلا بالتشبيه بظهر الأم، وهو مذهب قتادة والشعبي، لأنه هو الذي قام عليه الحكم، والأول هو المعتمد، لأن تشبيه المظاهر ظهر امرأته بظهر أمه، هو تشبيه بظهر محرم، فليكن مثله في الحكم التشبيه بظهور كل المحارم.

стр. 4943

قال القرطبي في المسألة الثالثة: وإنما ذكر الله الظهر كناية عن البطن وسترا. وفي الظهار صريحة وكنايته آراء شتى، فارجع إليها إن شئت في موسوعات التفسير أو الفقه. والظهار يكون في كل زوجة مدخول بها أو غير مدخول بها، علي أن يكون صادرا من كل زوج يجوز طلاقه. والمعني الإجمالي للآية: المؤمنون الذين يقولون لنسائهم: أنت علي كظهر أمي مخطئون (١) ما نساؤهم أمهاتهم عيل الحقيقة، فهوكذب لا يليق بالمؤمنين أن يقولوه، ما أمهاتهم علي الحقيقة إلا اللائي ولدنهم، فلا تشبه نساؤهم بهن، وإنما يشبه بهن المرضعات (٢) وزوجات الرسول - كما جاء في الكتاب والسنة - وإن هؤلاء المظاهرين ليقولون بهذا التشبيه منكرا في الشرع والعقل والطبع، وزورا - أي: وكذبا باطلا - وإن الله لعظيم العفو والغفران للتائبين وغيرهم فإنه تعالي واسع المغفرة. ويفهم من الآية أنه حرام، بل قال بعضهم: إنه من الكبائر؛ لأنه إقدام علي تبديل حكم الله بغير إذنه، ولهذا أوجب الله فيه الكفارة العظمي. ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾

стр. 4944

المفردات: (يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) قال الفراء: اللام في قوله (لِمَا قَالُوا) بمعنى عن، أي: يرجعون عما قالوه ويريدون وطء نسائهم بعد أن حرموه على أنفسهم. (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ): فعليه إعتاق رقبة. (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا): أي: من قبل أن يجامعها. (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ): أي: ذلك التغليظ في الكفارة لكي تعملوا بشرائع الله التي شرعها لكم، فلا تعودوا إلي الظهار الذي هو من شرائع الجاهلية. (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: أحكامه التي حددها فلا يحل تركها. التفسير ٣ - ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾: بين الله في الآية السابقة الحكم الإجمالي للظهار، وهو أنه منكر وزور، وجاءت هذه الآية وما بعدها بيانا لحكمه تفصيلا شاملا لظهار أوس زوج خولة التي حاورت الرسول ﷺ بشأنه، ولظهار غيره من الأزواج. وقد بينت الآية أن الظاهر الذي يعود لما قال في امرأته، فعلية تحرير رقبة من قبل أن يمسها بالوطء والعود لما قاله، رجوعه عن تحريمها علي نفسه كأمه، إلي الرغبة في وطئها الذي حرمه علي نفسه، فاللام فيه بمعنى: عن، كما قاله الفراء، أي: يعود ويرجع عن تحريمها إلي الرغبة في وطئها. وقد جاء في الآية أنه لا يحل له وطؤها حتى يكفر عن ظهاره بتحرير رقبة أي: إعتاق رقيق كامل الرق، ليصبح بهذا الإعتاق حرًّا بعد عبوديته، يتصرف تصرف الأحرار، لا تصرف العبيد، ولا بد في هذا الرقيق أن يكون سليما من العيوب - ذكرا كان أو أنثى - ويجب أن يكون مسلما عند مالك والشافعي كما في كفارة القتل، وعند أبي حنيفة:

стр. 4945

يجزئ الكافر ومن فيه شائبة رِق كالمكاتب، فإن أعتق نصفي عبدين فلا يجزئ عند المالكية والحنفية، وقال الشافعي: يجزئ، لأن نصفي العبدين في معني العبد الواحد، ولكل دليله. وقد أوجب الله في هذه الآية أن يكون الإعتاق قبل أن يجامعها، فإن جامعها قبل التفكير أثم وعصي ولا يسقط عنه التكفير، بل يأتي به قضاء كما لو أخر الصلاة عن وقتها، سواء أكانت الكفارة بالعتق أم بالصوم أم بالإطعام. أما مسُّها بغير الوطء قبل الكفارة كالقُبْلَة والمباشرة بغير وطء فلا يحرم عند أكثر العلماء، وقيل: ذلك وما أشبههن من أنواع المسيس حرام قبل أن يكفر، وبه قال مالك وهو أحد قولين عند الشافعي، وهو الظاهر؛ لأن مثل ذلك يؤدي إلي الوطء قبل التكفير (١). والمعني الإجمالي للآية: والرجال الذين يظاهرون من نسائهم ثم يرجعون عما قالوه من تحريم وطئهن كالأمهات إلي الرغبة في وطئهن، فعلى كل واحد منهم إعتاق عبد أو أمة إعتاقا كاملا قبل أن يجامع زوجته أو يستمتع بها عند بعضهم، ذلكم تؤمرون به، والله بما تعملون خبير، فيعفو عمن كفر قبل المسيس، ويعاقب من مسَّ قبل الكفارة. ٤ - ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾: أفادت هذه الآية الكريمة أن الكفارة مرتبة، فلا ينتقل إلي الصوم من قدر علي العتق، ولا إلي الإطعام من قدر علي الصيام، وتفصيل ذلك ما يلي: ١ - من لم يجد الرقبة ولا ثمنها، أو كان مالكا لها لكنه شديد الحاجة إليها لخدمته، أو كان مالكا لثمنها إلا أنه يحتاج إليه لنفقته، أو كان له مسكن وليس له غيره حتي يبيعه

стр. 4946

ويشتري الرقبة بثمنه، فله أن يصوم شهرين متتابعين عند الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يصوم وعليه عتق ولو كان محتاجا إلي ذلك. ٢ - الكفارة الثانية للظهار أن يصوم شهرين إن عجز من الإعتاق بأي وجه مما تقدم ويجب أن يكون صيامهما متتابعا، فإن أفطر في أثنائهما لغير عذر استنأنفهما، فإن كان الفطر لعذر كسفر ومرض، فقيل: يبني على ما صامه - وهو الصحيح الذي قال به أكثر الأئمة، وقال أبو حنيفة: يبتديء. وهو أحد رأيي الشافعية. ٣ - إذا ابتدأ الصيام ثم وجد الرقبة: أتمَّ الصيام وأجزأه عند مالك والشافعي: وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقطع الصيام ويعتق الرقبة. ٤ - إذا وطئ المظاهر نهارا في أثناء صومه بطل التتابع وعليه أن يستأنف، فإن كان ليلا فلا يستأنف؛ لأن الليل ليس محلا للصوم، وقال مالك وأبو حنيفة: يبطل وعليه الاستئناف؛ لأنه وطئ قبل الكفارة لقوله تعالى (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا). ٥ - من لم يقدر على الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينا إطعاما مشبعا، وذهب الشافعي وغيره إلي أنه مد واحد لكل مسكين. وفي الظهار أحكام فرعية كثيرة، فمن أرادها فليرجع إلي موسوعات التفسير أو الفقه. والمعني الإجمالي للآية: فمن ظاهر من امرأته ولم يجد رقيقا ليعتقه؛ لأنه قد لا توجد عبيدا أو كانت موجودة ولا قدرة له على ثمن العبد، أو له قدرة على ثمنه لكنه يحتاج إليه لخدمته أو نحوها مما سبق بيانه - فمن ظاهر من امرأته ولم يجد رقيقا يعتقه على النحو السابق فعليه قبل أن يمس امرأته أن يصوم ستين يوما متتابعة، فإن أفطر في بعضها لغير عذر استأنف، فإن كان لا يقدر على الصيام شهرين متتابعين، فعليه أن يطعم ستين مسكينا إطعاما مشبعا، ذلك البيان المفصل لكي تؤمنوا بالله ورسوله بتنفيذه، وتلك الأحكام هي حدود الله الفاصلة بين الحق والباطل، فالزموها وقفوا عندها، وللكافرين الذين يتعدونها ولا يعلمون بها عذاب شديد الإيلام.

стр. 4947

وإطلاق لفظ الكافرين على من يتعدون حدود الله لزجرهم والتغليظ عليهم، ونظيرة قوله - تعالى - ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾ المفردات: (يُحَادُّونَ): يعادون ويشاقون. (كُبِتُوا) أهلكوا أو أُخذوا. (عَذَابٌ مُهِينٌ): مذهب ومزيل لعزهم وكبرهم. التفسير: ٥ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)﴾: لما ذكر الله المؤمنين الواقفين عند حدوده، عقبهم بذكر المحادين المخالفين لها، قال القرطبي: والمحادة: المعاداة والمخالفة في الحد، وقال الزجاج: المحادة: أن تكون في حد يخالف حد صاحبك وأصلها الممانعة، ومنه الحديد، ومنه الحداد للبواب. أ. هـ

стр. 4948

وقال الآلوسي نقلا عن ناصر الدين البيضاوي في تفسير (يُحَادُّونَ اللَّهَ) يضعون، أو يختارون حدودا غير حدود الله تعالى - ورسوله ﷺ ، ثم قال نقلا عن شيخ الإسلام سعد الله جلبي: وعلى هذا ففيه وعيد عظيم لمن وضعوا أمورا خلاف ما حدده الشرع وسموها قانونا، والله - تعالى - المستعان على ما تصفون. انتهى بتصرف يسير. ثم قال الآلوسي: إنه لا شبهة في أنه لا بأس بالقوانين السياسية إذا وقعت باتفاق الآراء من أهل الحل والعقد، على وجه يحسن به الانتظام، ويصلح أمر الخاص والعام، ومنها تعيين مراتب التأديب والزجر على معاص وجنايات لم ينص الشارع فيها على حد معين، بل فوض الأمر في ذلك لرأي الإمام، فليس ذلك من المحادة لله تعالى ورسوله ﷺ في شيء، بل فيه استيفاء حقه، تعالى عن أتم وجه، لما فيه من الزجر عن المعاصي وهو أمر مهم للشارع ﵊ ثم قال: وفي كتاب الخراج للإمام أبي يوسف عليه الرحمة وإشارة إلي ذلك، ولا يعكر على ذلك ونحوه قوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) لأن المراد كماله من حيث تضمنه ما يدل على حكم الله تعالى خصوصا أو عموما، ويرشد إلي هذا عدم النكير على أحد من المجتهدين، إذا قال بشيء لم يكن منصوصا عليه بخصوصه ومن ذلك ما ثبت بالقياس بأقسامه، ونعم القانون الذي يكون وراء ذلك، بأن كان مصادما لما نطقت به الشريعة الغراء، زائغا عن سنن المحجة البيضاء، فيه ما فيه كما لا يخفي على العارف … إلخ. والآية عن الأكثرين أشارت إلي ما كان يوم الخندق، ولكن حكمها عام، يتناول أهل الخندق وكل من يعارض أحكام الله - تعالى - ويعاديها ويؤثر عليها قوانين من وضع البشر مخالفة للنصوص الشرعية، ما لم تكن تلك القوانين فيما لم يرد فيه حكم الله تعالى، ويدل لجواز وضع القوانين فيما لم تنص عليه الشريعة أنه ﷺ بعث معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي إلي اليمن قاضيا ومفقها وأميرا وجامعا للزكاة، فقال له: "كيف تصنع إذا عرض لك قضاء؟ " قال: بما في كتاب الله، قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي لا آلو -

стр. 4949

أي: لا أُقصر، قال: فضرب رسول الله ﷺ صدري ثم قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" رواه أحمد أبو داود والترمذي وابن ماجه. والمعني الإجمالي للآية: إن الذين يعادون الله فلا يعلمون بحدوده وأحكامه، وبما جاء به رسوله ﷺ ويرفضونها أو يضعون أحكاما مخالفة لنصوص الشريعة تفضيلا لها عليها، أخزاهم الله ولعنهم كما فعل بالذين من قبلهم، وهم الذين عارضوا رسل الله السابقين ورفضوا حدود الله وشرائعه التي أنزلها إليهم، وقد أنزلنا آيات واضحات الحجة بينات المحجة، وللكافرين بتلك الآيات أو بكل ما يجب الإيمان به عذاب يهينهم ويذلهم. ٦ - ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾: أي: أذكر لهم أيها الرسول تعظيما ليوم الحساب - اذكر لهم - يوم يبعثهم الله جميعا رجالا ونساء، ويحشرهم إلي ساحة القيامة، فينبئهم بما عملوا في الدنيا من الآثام والمعاصي، وفي جملتها معاداة شريعة الله - ينبئهم بما عملوه - بيانا أو تصويرا لها بالصورة اللائقة بها على رءوس الأشهاد تخجيلا وتشهيرا بحالهم، زيادة في خزيهم ونكالهم أحصى الله ما عملوه عددا ولم يفته منه شيء علما وكتابة في صحف أعمالهم ونسوه لكثرته وتهاونهم به حتى ذكرهم به الله، ليكون أبلغ في الحجة عليهم، والله على كل شيء مطلع وناظر، فلا تخفى عليه من أعمالهم خافية.

стр. 4950

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ المفردات: (نَجْوَى) النجوي: التناجي، وهو المسارَّة. (لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ): هلا يعذبنا الله بسبب ما نقول. (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ): كافيهم جهنم عقابا لهم في الآخرة. التفسير: ٧ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى (١) ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾:

стр. 4951

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في قوم من المنافقين واليهود كانوا يتناجون بما يسيء المسلمين فأعلم الله أنه لا يخفي عليه ذلك، قال مجاهد: نزلت في اليهود، والنجوي: مصدر بمعني التناجي، وقال القرطبي نقلا من غيره: كل سرارٍ نجوي، وقيل: النجوي يكون من خلوة ثلاثة يسرون شيئا يتناجون به، والسرار ما يكون بين اثنين (١). والمعني: ألم تعلم أيها الرسول أن الله تعالى يعلم ما في السموات وما في الأرض، من عناصرهما وما استقر فيهما، حتى المناجاة - أي: المسارة - فإنه يعلمها ويعلم المتسارِّين بها، ما يكون من مسارة بين ثلاثة إلا الله رابعهم بعلمه لا بحلوله معهم في مكانهم، فإنه - تعالى - لا يحل في مكان ولا يمر عليه زمان، وكل من الزمان والمكان من خلقه - تعالى - وما يكون من مسارة بين خمسة إلا الله سادسهم بعلمه، ولا أقل من ذلك كالاثنين والأربعة، ولا أكثر منه كالستة وما فوقها، إلا هو معهم بعلمه، فلا يخفي على الله من نجواهم شيء حيثما كانوا في ظاهر الأرض أو باطنها، فإنه علمه - تعالى - لا يتفاوت باختلاف الأماكن قربا وبعدا ثم يخبرهم بما عملوا يوم القيامة تشهيرا بما عملوا من هذه المسارة الخبيثة وسواها، وإظهارا لموجب عذابهم، وأن الله مطلع على كل شيء فلا تخفي عليه خافية، وهذه الآية تؤكد ما جاء قبلها من أنه - تعالى - يعلم الذين يحادون الله ورسوله، ويضعون أحكاما مخالفة لشرعه، وأنه تعالى سوف ينبئهم بما عملوه، ويجزيهم عليه، وخلاصة الآية أنه - تعالى - محيط بكل كلام، ومن ذلك أنه سمع مجادلة المرأة التي ظاهر منها زوجها، فإن قلت: لماذا اقتصر الله على الثلاثة والخمسة؟ فالجواب كما قال الفراء: المعني غير مصمود (٢) والعدد غير مقصود لأنه تعالى إنما قصد وهو أعلم أنه مع كل عدد قل أو كثر، يعلم ما يقولون سرا وجهرا ولا تخفي عليه خافية، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد دون بعض (٣).

стр. 4952

٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾: صح من رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة ﵂ أن أناسا من اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقال ﷺ : وعليكم. قالت عائشة: وقلت: عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم، وفي رواية: عليكم السام والذل واللعنة، فقال ﵊: يا عائشة: إن الله لا يجب الفاحش ولا المتفحش، فقلت: ألا تسمعهم يقولون: السام، فقال: يا عائشة أو ما سمعت أقول: وعليكم؟ فأنزل الله تعالى (وَإِذَا جَاءُوكَ .... ) الآية. وقال ابن عباس ﵄: إن الآية في اليهود والمنافقين، كانوا يتناجون دون المؤمنين، وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم عليهم، يوهمونهم عن أقاربهم أنهم أصابهم شر، فلا يزالون كذلك حتى تقدم أقاربهم، فلما كثر ذلك شكا المؤمنون إلي رسول الله ﷺ فنهاهم أن يتناجوا دون المؤمنين، فعادوا لمثل ذلك فنزلت الآية، فمن حديث عائشة عرفنا أن النجوي كانت من اليهود، وأن الآية نزلت بسبب سوء تحيتهم للنبي ﷺ ، ومن كلام ابن عباس عرفنا أن المنافقين كانوا يتناجون بالصورة التي رواها، ولا غرابة في ذلك فقد كان اليهود حلفاءهم قبل الإسلام، وعنهم أخذوا بعض الإسلام والمسلمين. ومعنى الآية: ألم (١) تعلم - أيها الرسول - ما فعله أولئك الذين نهيتهم عن المسارة فيما بينهم في شأنك وشأن المؤمنين، ثم يعودون لما نهوا عنه ويتسارون بالإثم والعدوان عليكم، وبمعصية الرسول ﷺ حيث لم ينتهوا عما نهوا عنه، وإذا جاءوك لأمر من الأمور حيوك بما لم يحيك به الله، فقالوا: السام عليك - والسام: الموت - وقد ثبت عن قتادة عن أنس أن يهوديا أتي على رسول الله ﷺ وعلي أصحابه فقال، السام عليكم - فرد عليه النبي ﷺ

стр. 4953

وقال: "أتدرون ما قال هذا؟ " قالوا الله ورسوله أعلم، قال: كذا ردوه عليّ، فردوه قال: "قلت السام عليكم؟ " قال: نعم، فقال النبي ﷺ عند ذلك: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: عليك ما قلت". وقال الله - سبحانه -: (حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ)؛ لأنه الله يحييه بالسلام في مثل قوله تعالى (وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) وقوله (وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) وبما جاء في التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" والتعبير بذلك للإيذان بشناعة ما قاله اليهود لمن اصطفاه الله للرسالة وسلم عليه، ويقول هؤلاء اليهود: لو كان محمد نبيا لعذبنا الله بما نقول فهلا يعذبنا، وقد فات هؤلاء الجاهلين أن الله تعالى يعصى بكل المعاصي ومنها الكفر به ولا يعذب أولئك العصاة عذابا عاجلا ولا يقطع عنهم الرزق وكم من نبي أسيء إليه من قومه، لم يعاجلهم الله بالعقوبة، وهذا مقرر ومعروف لديهم (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) عذابا يدخلونها ويصطلون بها (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) جهنم، فهي شر وأشد من عذاب الدنيا، وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ) (١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾

стр. 4954

المفردات: (تَنَاجَيْتُمْ): تساررتم. (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى): وتسارُّوا بالخير وتقوي الله تعالى. (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ): إنما المسارة بالمساءة، مصدرها والحامل عليها الشيطان. (وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ): وليس الشيطان أو التناجي بالسوء بضارِّ المؤمنين بنفسه، بل بإرادة الله. (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ): فليعتمدوا على الله، ويتركوا أمرهم إليه، فإنه يحفظهم من كل سوء لم يكتبه عليهم. التفسير ٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)﴾: هذه الآية للنهي عن المسارة بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ﷺ ، والخطاب فيها يجوز أن يكون للمؤمنين المخلصين تعريضا بالمنافقين، وكأنه قيل: يا أيها المؤمنون المخلصون في إيمانهم لا تفعلوا مثل المنافقين واليهود في تناجيهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ﷺ فإن ذلك هو اللائق بصدق إيمانكم. ويجوز أن يكون الخطاب للمنافقين، وإطلاق لفظ المؤمنين عليهم باعتبار ظاهر حالهم، ومسايرة لهم في زعمهم. وقيل: إنه خطاب لليهود، والمقصود من وصفهم بالإيمان إيمانهم بموسي ﵇ كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (١) وقد ختم الله الآية بقوله - سبحانه -: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).

стр. 4955

أي: وخافوا الله الذي إليه وحده تحشرون بعد بعثه لكم من قبوركم، لا إلي غيره استقلالا أو اشتراكا. ١٠ - ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾: أي: إنما التناجي والمسارة بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ﷺ من الشيطان، فهو المتسبب فيها والحامل عليها؛ ليدخل الحزن في قلوب المؤمنين، وليس الشيطان أو التناجي بالإثم والعدوان بضارهم شيئا من الضرر إلا بإرادة الله - تعالى - ومشيئته، وذلك بأن يقضي بالموت أو الغلبة على أقاربهم، وعلى الله فليتوكل المؤمنون فلا تكترثوا بتناجيهم، ولتتوكلوا على الله ولا تحزنوا فلا يقع في ملكة إلا ما يريد، والمقصود من الآية إزالة خوف المؤمنين من تناجي أعدائهم. وقد روي البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن ذلك يحزنه"، وعلق عليه الآلوسي فقال، ومثل التناجي في ذلك أن يتكلم اثنان بحضور ثالث بلغة لا يفهمها الثالث إن كان ذلك يحزنه. وعلق عليه القرطبي بقوله: يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجي أربعة دون واحد، ولا عشرة ولا ألف - مثلا - لوجود هذا المعني في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون التناجي دون هذا الواحد بالمنع أولي، وإنما خص الثلاثة بالذكر، لأنه أول عدد يتأتي ذلك فيه، وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ابن عمر ومالك والجمهور، وسواء كان التناجي في مندوب أو مباح أو واجب، فإن الحزن يقع به، وقد ذهب بعض الناس إلي أن ذلك كان في أول الإسلام، لأن ذلك كان في حال المنافقين، فيتناجي المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام سقط ذلك. أهـ. ورأي الجمهور أرجح من ذلك.

стр. 4956

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ المفردات: (تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ): توسعوا في أماكن الجلوس. (فَافْسَحُوا): فتوسعوا. (وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا): أي: وإذا قيل انهضوا للتوسعة على المقبلين فانهضوا. التفسير ١١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾: لما نهي الله فيما سبق عما هو سبب للتنافر والتباغض، أمر في هذه الآية بما هو سبب للمودة والوفاق، وهو أن يتفسحوا في المجالس في المسجد أو غيره لمن يقولهم لهم (١): تفسحوا

стр. 4957

والمعني: يا أيها الذين آمنوا إذا قال لكم قائل منكم: توسعوا في المجالس في المسجد أو غيره فاستجيبوا له وليفسح بعضكم عن بعض في المجالس، ولا تتضاموا فيها لمنعه من الجلوس بينكم، فإذا أفسحتم له يفسح الله لكم في رحمته أو في منازلكم في الجنة أو قبوركم أو في صدوركم أو في رزقكم، وقال بعضهم: المراد يفسح الله: سبحانه - لكم في كل ما تريدون الفسح فيه مما ذكر أو غيره. قال القرطبي: والصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير، والأجر، سواء أكان مجلس حرب أم ذكر أم مجلس يوم الجمعة، فإن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه فلا يقام منه كرها، بل يستأذن في التوسعة، قال ﷺ : "من سبق إلي ما لم يسبق إليه فهو أحق به" (١) ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك فيخرجه الضيق عن موضعه، روي البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه الذي يجلس فيه"، وعنه عن النبي ﷺ : "أنه نهي أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا"، وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه" واللفظ البخاري. والأكثر قالوا: إن الآية نزلت لما كان عليه المؤمنون من التضامِّ في مجلسه ﷺ والضِّنة بالقرب منه وترك التفسح لمقبل، قال الآلوسي: وأيا ما كان فالحكم مطرد في مجالسه ﷺ ومصاف القتال وغيرها. (وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا (٢) فَانشُزُوا يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). والمعنى كم قال القرطبي: وإذا قيل لكم: انهضوا إلي الصلاة والجهاد وعمل الخير، فانهضوا ولا تتباطئوا، وقال ابن زيد: هذا في بيت رسول الله ﷺ كان كل رجل منهم يجب أن يكون آخر عهده النبي ﷺ فقال - تعالى - (وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا) عن النبي ﷺ فانشزوا فإن له حوائج فلا تمكثوا.

стр. 4958

وذكر الله أجر من امتثل في قوله - تعالى - (يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) وهذه الدرجات إما أن تكون للذين أتوا العلم، وتنكير هذه الدرجات يؤذن بتعظيمها، وإما أن تكون لجميع المؤمنين وفيهم الذين أتوا العلم، وعطفهم على الذين آمنوا من عطف الخاص على العام تعظيما لهم كأنهم جنس آخر، ولذلك أُعيد لفظ الموصول معهم. أخرج الترمذي وأبو داود والدارمي عن أبي الدرداء مرفوعا: "فضلُ العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" - ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (١). ورفعهم درجات يكون في ثواب الآخرة وفي الكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على غير المؤمن، ويرفع العالم على من ليس بعالم. وختم الله الآية بقوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فيجزي من يعمل بهذه الآية خير الجزاء ويعاقب من لم يمتثل بما يناسبه من عقاب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾

стр. 4959

المفردات: (نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ): ساررتموه. (بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ): قبل نجواكم، وفي هذا التعبير استعارة تمثيلية أو مكنية، والنجوى: المسارة. (أَأَشْفَقْتُمْ): أخفتم، أو شق عليكم. (وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ): قبل توبتكم، أو رفع عنكم التكليف بتقديمها. التفسير ١٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾: ذكر الآلوسي في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس وقتادة، أن قومًا من المسلمين كثرت مناجاتهم للرسول ﷺ في غير حاجة إلا لتظهر منزلتهم، وكان ﷺ سَمْحًا لا يرد أحدا، فنزلت هذه الآية. وعن مقاتل أن الأغنياء كانوا يأتون النبي ﷺ فيكشرون مناجاته، ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره ﷺ طول جلوسهم ومناجاتهم فنزلت. قال الآلوسي تعليقا على نزول هذه الآية: وفي هذا الأمر تعظيم للرسول ﷺ ونفع الفقراء، وتمييز بين المخلص والمنافق، ومحب الآخرة ومحب الدنيا، ودفع للتكاثر عليه من غير حاجة مهمة. وقال زيد بن أسلم: لما نزلت هذه الآية انتهى أهل الباطل عن النجوى؛ لأنهم لم يقوموا بين يدي نجواهم صدقة، وشق ذلك على أهل الإيمان وامتنعوا عن النجوي، لضعف كثير منهم عن الصدقة، فخفف الله عنهم بما نزل بعد الآية. وهذه الصدقة كان من مقاصدها نفع الفقراء، فإنها طلبت لتعطي لهم، فإنه ﷺ كان لا يأكل من الصدقة، ولم يعين في الآية مقدارها؛ ليجزيء القليل والكثير منها، وقد نسخ العمل بها كما سيأتي بيانه في الآية التالية.

стр. 4960

قال القرطبي: الظاهر أن النسخ إنما وقع بعد فعل الصدقة، ثم قال: وذكر القشيري وغيره عن علي بن أبي طالب أنه قال: آية في كتاب الله ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، وهي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) كان لي دينار فبعثه، فكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت بدرهم حتى نَفِد، فنسخت بالآية الأخري: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ)، وقال ابن عباس أيضا: نسخها الله بالآية التي بعدها، وقال ابن عمر: لقد كانت لعلي بن أبي طالب ثلاث، لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليَّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوي. والمعني الإجمالي للآية: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله: إذا ساررتم الرسول ﷺ فقدموا قبل هذه المسارة والمناجاة صدقة تصرف على فقرائكم ذلك خير لكم وأطهر لقلوبكم، فإنه يعودها على حب البذل في الخير، كما أن فيه إعداد النفس لمزيد التلقي من رسول الله ﷺ فإن لم تجدوا ما تتصدقون به فإن الله غفور رحيم لمن ناجاه ولم يتصدق قبل المناجاة لفقره. ١٣ - ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾: أي: أخفتم الفقر بسبب أن تقدموا قبل نجواكم صدقات (١) أو أخفتم تقديم الصدقات لتوهم ترتب الفقر عليه (٢) فإذ (٣) لم تفعلوا ما أُمرتم به من تقديمها قبل المناجاة وتاب الله عليكم من كثرة المناجاة للرسول ﷺ من غير ضرورة، حيث عدلتم عنها بعد تكليفكم بتقديم الصدقة قبلها، والتزمتم القصد فيها والتخفيف فيها، فتحقق الغرض

стр. 4961

الأول من تكليفكم بها، وهو زيادة احترامكم لرسوله، وعدم إرهاقه بكثرة المناجاة له - فإذا لم تفعلوا تقديم الصدقة، وقبل الله توبتكم بالتزامكم القصد في مناجاته، فقد رفعنا عنكم تقديمها قبل المناجاة، ونسخنا تكليفكم بها، فالتزموا المثابرة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فهما ركنان هامان من أركان الإسلام، وأطيعوا الله ورسوله في كل ما أمركم به، ومنها ما تقدم في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ) الآية والله خبير بما تعلمونه ظاهرا أو خفيًّا، فيجازكم بما يتناسب مع أعمالكم، والتعبير بلفظ (صدقات) بالجمع، مع أن المطلوب صدقة واحدة قبل المناجاة، لأن الخوف لم يكن من تقديم صدقة واحدة، بل من تكرار تقديم الصدقة في كل مناجاة، ولأن جمع الصدقة في مقابل جمع المشفقين، يقتضي القسمة آحادًا. وفي قوله تعالى: (وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) إشعار بأنه - سبحانه - قد عذرهم ورخص لهم في ألا يقدموا صدقة. سؤال هام وجوابه: فإن قيل: أليس الله بأعلم بأنهم لن يتصدقوا، فما معنى تكليفهم بها ثم تغيير هذا الحكم؟ فالجواب: أنه لما حصل المراد من تكليفهم بها، وهو توفير وقت الرسول ﷺ وعدم إرهاقه بالمناجاة الشخصية التي لا يشترك فيها المسلمون، لم تعد هناك حاجة لبقاء التكليف بها، وحسبهم عنها الزكاة التي أوجبها الله على الموسرين منهم، فهي تأديب في ثوب بر، فحيث حصل الأدب من غير تقديمها فلا داعي لبقائها، ففي الزكاة كفاية عنها.

стр. 4962

* ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ المفردات: (تَوَلَّوْا قَوْمًا): أي: والوهم من المولاة والمناصحة والمراد: موالاة المنافقين لليهود. (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ): وهو قولهم: والله إنا لمسلمون. (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً): أي: أعدوها سترا ووقاية؛ ليخلصوا عن المؤاخذة. (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ): وذلك بتثبيط مَنْ لقوهم عن الدخول في الإسلام. (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ): أي: استولى عليهم وتحكم في أمورهم.

стр. 4963

التفسير ١٤ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾: شروع في إنكار موالاة المنافقين لليهود، وتعجيب من حالهم وهو خطاب للرسول ﷺ وإلي كل من يتأتى منه النظر. والمعنى: ألم تنظر أيها الرسول إلي حال المنافقين الذين كانوا يتخذون اليهود أولياء يناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، فإن حالهم ليدعو إلي العجب، حيث إنهم يوالون قوما غضب الله عليهم وهو اليهود (مَا هُمْ مِنْكُمْ) معشر المؤمنين (وَلا مِنْهُمْ) أي: من القوم المغضوب عليهم؛ لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك كما قال: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ (١) وجملة ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ مستأنفة أَو حال من فاعل تولوا. وجوز ابن عطية أن يكون هم في (مَا هُمْ مِنْكُمْ) لليهود، وضمير (وَلا مِنْهُمْ) للمنافقين وعلى ذلك يكون المعنى: ألم تر إلي الذين تولوا قومًا غضب الله عليهم ما هم أَي: القوم المغضوب عليهم منكم ولا من المنافقين الذين تولوهم فيكون فعل المنافقين على هذا أَخس؛ لأَنهم تولوا قومًا مغضوبًا عليهم ليسوا من أَنفسهم فيلزمهم ذِمَامهم ولا من القوم المحقين فتكون الموالاة صوابًا. (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أَي: ويحلف المنافقون على الكذب وهو قولهم: والله إِنا لمسلمون، أَو على أَنهم ما شتموا النبي ﷺ على ما روي أَنه كان جالسًا في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال: إِنه سيأتيكم إِنسان ينظر إِليكم بعين شيطان فإِذا جاءَكم فلا تكلموه. فلم يلبثوا أَن طلع عليهم رجل أَزرق فقال ﵊ حين رآه: علام تشتمني أَنت وأَصحابك، فقال: ذرني آتك بهم. فانطلق فدعاهم فحلفوا فنزلت، خرجه الإِمام أَحمد وغيره.

стр. 4964

حلف المنافقون على ذلك (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أَنهم كاذبون فيما حلفوا عليه، وفي ذلك إِشارة إلي عظيم شناعة ما فعلوا، فإِن الحلف على ما يعلم أَنه كذب في غاية القبح. ١٥ - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾: أَي: أَنه - سبحانه - أَعد للمنافقين نوعًا شديدًا من العذاب متفاقمًا، بسبب سوءِ صنيعهم الذي اقترفوه بموالاة الكافرين ونصحهم، ومعاداة المؤمنين وغشهم. وقد بلغوا في الإِساءَة إِليهم أقصى ما تعودوا الإِتيان به، وتمرنوا عليه من فساد وإِفساد منذ الأَزمان الماضية المتطاولة التي كانوا فيها يعيثون في الأَرض الفساد. ١٦ - ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾: المعنى: أَن اتخاذهم لأَيمانهم الكاذبة الفاجرة وقايةً وسترًا حتى تسلم دماؤهم وأَموالهم إذا ما افتضح وانكشف أَمرهم هو عبارة عن إِعدادهم لتلك الأَيمان، وتهيئتهم إِلي وقت الحاجة ليحلفوا بها، ويتخلصوا من المؤاخذة لا عن استعمالها بالفعل فإن ذلك متأَخر عن المؤاخذة وبما ذكر وضح أَن المراد من قوله - تعالى -: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) أَي: أَعدوها. أَما في قراءَة الحسن (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ) بكسر الهمزة، فالاتحاد عبارة عن التستر بالفعل كأَنه قيل: تستروا مما أَظهروه من الإِيمان عن أَن تستباح دماؤهم بالقتل وأَموالهم بالغنيمة وذرايهم بالسبي (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أَي: فصد المنافقون الناس عن سبيل الله في خلال أَمنهم بتثبيط من لقوا منهم عن الدخول في الإِسلام وتهوين أَمر المسلمين عندهم، أَو قصد: ومنع المنافقون المسلمين عن سبيل الله فيهم وهو قتلهم لكفرهم ونفاقهم هذا هو سبيل الله فيهم. ثم ختمت الآية بوعيد ثان ووصف آخر لعذابهم الذي وصف أَولًا بأَنه شديد في قوله - تعالى -: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ لبيان أَن العذاب بوصفيه الشديد والمهين بلغ الغاية في الشدة والإِهانة حتى حق عليهم قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ (١)، وقيل: الأَول لعذاب القبر والثاني للآخرة.

стр. 4965

١٧ - ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧)﴾: أَي: لن تدفع عنهم عذابَ الله أَموالهم مهما بلغت، ولا أَولادهم مهما كانت معونتهم، فلا تعني عنهم أَي غناء قليلًا كان أَو كثيرًا، وليس المراد خصوص الأَموال والأَولاد، بل كل ما يعتبره الإِنسان من دواعي القوة والمنعة. وإِنما خص الأَموال والأَولاد بالذكر؛ لأَن الإِنسان في الغالب تارة ما يدفع عن نفسه بالفداء، وأُخرى بالأَولاد (أُوْلَئِكَ) المنافقون الموصوفون بما ذكر (أَصْحَابُ النَّارِ) الملازمون لها (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أَي: المخلدون فيها لا يخرجون منها أَبد الآبدين. روي أَن رجلًا منهم قال: لنُنْصَرُنَّ يوم القيامة بأَنفسنا، وأَموالنا وأَولادنا فنزلت الآية. ١٨ - ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾: أَي: حين يبعثهم الله حينمًا من قبورهم ويساقون للقاءِ ربهم فيحلفون له - سبحانه - حينئذ بأَنهم مسلمون حيث قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كما يحلفون لكم في الدنيا، ويظنون أنهم بتلك الأَيمان الفاجرة على شيء من جلب منفعة أَو دفع مضرة كما كانوا عليه في الدنيا إذ كانوا يدفعون عن أَموالهم الغنيمة، وعن أَرواحهم القتل، وعن ذراريهم السبي بمثل تلك الأَيمان الفاجرة ويأملون بها فوائد دنيوية (أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ) البالغون الغاية في الكذب التي لا مطمح بعدها الكاذب، حيث استوت حالهم فيه الدنيا والآخرة بتجاسرهم على علام الغيوب الذي يعلم السر وأَخفى وزعموا أَن أَيمانهم تجعل الكذب مقبولًا لديه كما تجعله مقبولًا لدى المؤمنين الذين لا يعلمون إلاَّ ظاهر القول، أَما كُنْهُهُ وحقيقة أَمره فعلمه عند الله. ١٩ - ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾: أَي: استولي عليهم وتمكن من عقولهم بوسوسته وتزيينه حتى اتبعوه فأَنساهم بذلك ذكر الله، قال الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد أَن يشغله بعمارة ظاهرة من المآكل والمشارب والملابس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه والقيام بشكرها،

стр. 4966

ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب والغيبة والبُهْتَان، ويشغل لبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها (أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ) أَي: المصوفون بما ذكر من القبائح والتمادي في العصيان (حِزْبَ الشَّيْطَانِ) أَي: جنوده وأَتباعه (أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ) أَي: الموصوفون بما ذكر من القبائح والتمادي في العصيان (حِزْبَ الشَّيْطَانِ) أي: جنوده وأَتباعه (أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ) أَي: البالغون في الخسران أَقصاه حيث إنهم بسوءِ صنيعهم فوتوا على أَنفسهم النعيم المقيم، واختاروا بدله الشقاءَ الدائم، والعذاب الأَليم. وفي اشتمال الجملة على حرفي التنبيه والتأكيد وضمير الفصل وغير ذلك من فنون التوكيد ما لا يخفى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ المفردات: (يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): أَي: يعادونهما ويخالفون أَمرهما. (أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ): أَي: في جملة من هم أَذل خلق الله.

стр. 4967

(كَتَبَ اللَّهُ) أَي: أَثبته وأَوجبه. (أَوْ عَشِيرَتَهُمْ): العشيرة هي: القبيلة ولا واحد لها من لفظها، والجمع: عشرات وعشائر أهـ. مصباح. التفسير: ٢٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾: استئناف مسوق لتعليل ما قلبه من خسران حزب الشيطان، والتعبير بالموصول ذَمًّا لهم بما في حيز الصِّلة وإِشعارا بعلية الحكم. والمعنى: أُولئك الموصوفون بما ذكر من التولي والموادة للقوم المغضوب عليهم هم في جملة من جعله الله أَذل خلقه من الأَولين والآخرين؛ لأَن ذلة أَحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر. وحيث كانت عِزَّة الله غير متناهية كانت ذلة من يحاده كذلك. ٢١ - ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾: استئناف وارد لتعليل كونهم في الأَذلين. والمعنى: قضى الله وأَثبت في اللوح المحفوظ، حيث جري (كَتَبَ اللَّهُ) مجرى القسم أُجيب عنه بما أُجيب به القسم فقيل: (لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) أَي: بالحجة والعَدَد والعُدَّة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ (١) ويكفي في الغلبة تحققها للرسل - عليهم - السلام - في أَزمنتهم غالبا، فقد أَهلك الله الكثير من أَعدائهم بأَنواع العذاب كقوم نوح وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم. وبذلك تحققت الغلبة لرسله، كما تحققت للرسول ﷺ لأَن العاقبة كانت له بعد حرب استمرت بينه وبين أَعدائه، وكذا لأَتباع الرسل وبعدهم وذلك إِذا كان جهادهم أَعداءِ الدين على نحو جهاد الرسل لهم بأَن يكون خالصا لوجه الله لا لطلب ملك وسلطنه، وأَغراض دنيوية. ولن تجد مجاهدا كذلك إلاَّ منصورا غالبا. وخص بعضهم

стр. 4968

الغلبة في الآية بالحجة لاطرادها وهو خلاف الظاهر كما قال الآلوسي، ويبعده سبب النزول، فعن مقاتل: لَمَّا فتح الله - تعالى - مكة والطائف وخيبر وما حولها للمؤمنين قالوا: نرجو أَن يظهرنا الله - تعالى - على فارس والروم، فقال عبد الله بن أُبي: أَتظنون الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها، والله إِنهم لأَكثر عددا وأَشد بطشا من أَن تظهروا عليهم فنزلت الآية (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ينصر رسله وأَولياءَه بقوته القاهرة، وعزته البالغة: فلا يغلبه على مراده كائن كيفما كان. ٢٢ - ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾: الخطاب في الآية للرسول أَو لكن من هو أهل للخطاب. والمعنى: من الممتنع أَن تجد قوما مؤمنين يوادون من عادى الله ورسوله وذلك بأَن يجمعوا بين الإِيمان وموادة من عادى الله ورسوله. وهو المراد بنفي الوُجْدان، على معنى أَنه لا ينبغي أَن يتحقق ذلك، وحقه أَن يمتنع ولا يوجد بحال وإِن قصده وجَدَّ في طلبه كُلُّ أَحد، وذلك مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته والتصلب في مجانبة أَعداءِ الله ومباعدتهم. وقيل: المراد لا تجد قومًا كاملي الإِيمان على هذه الحال، والنفي باق على حقيقته، والمراد بموادة المحادين موالاتهم ومظاهرتهم، والظاهر أَن المراد بمن حاد الله ورسوله الكافر. وبعض الآثار تشير إِلي شموله الفاسق. روي عن الثوري أَنه قال: نزلت فيمن يصحب السلطان. وقال سهل: من صحح إِيمانه وأَخلص توحيده فإِنه لا يأنس لمبتدع ولا يجالسه، ويظهر له من نفسه العداوة والبغضاء، ومن داهن مبتدعًا سلبه الله حلاوة السنن، ومن تجبب إلى مبتدع لطلب عز الدنيا أَو غناها أَذلَّهُ الله بذلك العز وأَفقره بذلك الغنى، ومن ضحك إِلي مبتدع نزع الله نور الإِيمان من قلبه، ومن لم يصدق فليجرب.

стр. 4969

وأَخرج الإِمام أَحمد وغيره عن البراء بن عازب مرفوعًا: "أَوثق الإِيمان الحب في الله والبغض في الله"، ونعى الآلوسي على بعض المنتسبين إِلي بعض المتصوفة فقال: ومن العجب أَن بعض المنتسبين إِلي المتصوفة - وليس منهم ولا قلامة ظفر - يوالي الظلمة، بل من لا علاقة له بالدين منهم، وينصرهم بالباطل، ويظهر من محبتهم ما يضيق عن شرحه صدر القرطاس أهـ. وقد زاد - سبحانه - النهي عن موادة من عادى الله ورسوله تاكيدًا بقوله: (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) أَي: ولو كان من حادّ الله ورسوله آباء الموادين أَو أَبناءهم أَو إِخوانهم أَو من قبيلتهم التي ينتمون إِليها، ويستظلون بلوائها. وليس المراد بمن ذكر خصوصهم، وإِنما المراد الأَقارب مطلقًا. وقدم الآباءَ لوجوب طاعتهم على الأَبناءِ ومصاحبتهم في الدنيا بالمعروف، وثنى بالأَبناء لقوة الارتباط في الدنيا بهم لكونهم أَكبادهم، وثلث بالإِخوان؛ لأَنهم المناصرون لهم، وختم بالعشيرة للاعتماد على أَفراد القبيلة والتناصر بهم بعد الإِخوان غالبًا (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ) إِشارة إِلي الذين لا يوادون من حاد الله وروسوله وإِن كانوا أَقرب الناس إِليهم، وأَمسهم رحمًا بهم، وما في الإِشارة في معنى البعد في قوله - تعالى - (أُوْلَئِكَ) للتنويه برفعة شأنهم، وعلو قدرهم، وأُولئك كتب الله وأثبت في قلوبهم الإِيمان، ولَمَّا كان الشيء يراد أولًا ثم يقال ثم يكتب عبر عن المبتدأ بالمنتهى وهو الكتابة للتأكيد والمبالغة في اتصافهم به (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) أَي: قواهم بكتاب أَنزله، فيه حياة لهم وهو القرآن، أَو بروح من الإِيمان على أَنه في نفسه روح؛ لأَن به حياة القلوب، والمراد بالروح على هذا نور يقذفه الله في قلب من يشاء. تحصل به الطمأنينة، والعروج على معارض التحقيق. وتسميته روحًا؛ لأَنه سبب الحياة الطيبة الأَبدية. (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) ذلك بيان لآثار رحمته - تعالى الأُخروية إِثر بيان ألطافه الدنيوية حيث يدخلهم من جنات باسقة الأَشجار طيبة الثمار. تَتَخلَّلُ أشجارها وتنساب بين قصورها أنهار جارية متدفقة تزيدها جمالًا وبهاءً، ماكثين فيها أبد الآبدين.

стр. 4970

(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) استئناف جار مجرى التعليل لِمَا آتاهم الله من آثار رحمته التي أفاضها عليهم في الدارين الدنيوية والأُخروية أي: قبل أعمالهم (وَرَضُوا عَنْهُ) بيان لابتهاجهم الذي بدت آثاره عليهم بما أُوتوه عاجلًا وآجلًا. وقد شرفهم - سبحانه بقوله: (أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ) المختصون به تعالى - وذلك تشريف لهم لا يعدله تشريفٌ ما. (أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ): هذا بيان لاختصاصهم بسعادة الدارين، جاءَ بجملة مؤكدة تأكيدا قويًّا كما سبق بيانه قريبا. والآية قيل: نزلت في أبي بكر ﵁ أَخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: حُدّثت أَن أَبا قحافة سب النبي ﷺ وصكه أَبو بكر صكة فسقط، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: أَفعلت يا أَبا بكر؟ قال: نعم: قال: لا تعد. قال: والله لو كان السيف قريبًا مني لضربته. وفي رواية: لقتلته. فنزلت. وقيل: نزلت في أبي عبيدة بن عبد الله بن الجراح. أخرج ابن أَبي حاتم والطبراني وجماعة عن ابن عباس عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أَبي عبيدة يتصدى له يوم بدر وجعل أَبو عبيدة يحيد عنه فلما أَكثر قصده أَبو عبيدة فقتله فنزلت، وقيل: نزلت في مصعب بن عمير قتل أَخاه يوم أُحد، وقيل: نزلت في علي كرم الله وجهه، وحمزة وعبيدة ابن الحارث يوم بدر قتلوا عتبة وشيبه ابني ربيعة والوليد بن عتبة، وعلى أَي حال فالحكم عام. وإِن نزلت في أُناس بأَعيانهم كما لا يخفى.

стр. 4971

سورة الحشر مدنية وعدد آياتها أربع وعشرون وتسمى سورة بني النضير كما قال ابن عباس مناسبتها لما قبلها: إِن في آخر تلك ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، وفي أَول هذه (فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ)، وفي آخر السابقة ذكر من حاد الله ورسوله، وفي أَول هذه ذكر من شاق الله ورسوله، وأن في الأُولى ذكر حال المنافقين واليهود وتولي بعضهم بعضًا، وفي هذه ذكر ما حل باليهود، وعدم إِغناء تولي المنافقين إِيَّاهم شيئًا. أهم أغراض السورة: ابتدأَت بتنزيه الله وتمجيده، وبيان أن الكون له وحده بما فيه من إِنسان، وحيوان، وجماد ونبات يشهد بعظمته وسلطانه: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ … ) الآية ثم تحدثت عن مظاهر قدرته في إِخراج بني النضير وإِجلائهم عن ديارهم ولم تنفعهم حصونهم العالية ولا قلاعهم المنيعة: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .... ) الآيات ثم تناولت موضوع الفئ، فبينت شروطه وأَحكامه مع بيان الحكمة في إِعطائه الفقراءَ: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ .... ) الآيات، ثم أَشارت إِلي أَصحاب رسول الله وأَثنت عليهم الثناء العاطر بذكر تضحيات المهاجرين ومآثر الأَنصار: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ..... ) الآيات. وفي مقابلة المهاجرين والأَنصار ذكرت السورة المنافقين الأَشرار الذين تحالفوا مع اليهود ضد الإِسلام وكان مثلهم معهم كمثل الشيطان الذي يزين للإنسان سوءَ عمله، ثم يتخلى عنه ويخذله: (أَلَمْ تَرى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ … ) الآيات. وحثت المؤمنين على تقوى الله، وحذرت من ذلك اليوم الرهيب الذي لا ينفع المرء فيه إلاَّ ما قدمت يَدَاه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ .... ) الآية، وبينت الفرق الكبير بين

стр. 4972

أَهل الجنة، وأَهل السعير، وبين مصير السعداءِ، ومصير الأَشقياء: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ .... ) الآيات. وختمت السورة ببيان شأن القرآن، وعظيم تأثيره، وأَنه رفيع القدر، نابه الذكر؛ لأَن الذي أَنزله هو المتصف بالأَسماءِ الحسني: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ … ) الآيات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾

стр. 4973

المفردات: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) التسبيح: التنزيه لله - تعالى - اعتقادا وقولًا وعملًا عمَّا لا يليق به. (لأَوَّلِ الْحَشْرِ): عند أَول جمع اليهود لإِجلائهم. فالحشر معناه: الجمع، ومنه: وحشر لسليمان جنوده. (حُصُونُهُمْ): مفرده حصن، وهو المكان المنيع الذي لا يقدر عليه لارتفاعه، وحصن حصانة فهو حصين أَي: منيع. (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ): أَي: أَلقاه وأَنزله بشدة. (بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ): عادوهما وخالفوهما. (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ) اللينة - بكسر اللام -: النخلة القريبة من الأرض الكريمة الطيبة. التفسير ١ - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾: المعنى: نزَّه الله عما لا يليق به ما في السموات وما في الأَرض. وذلك يعم جميع ما كان مستقرًّا فيهما، وما كان من أَجزائهما حيث أُريد به معنى عام شامل لكل ما نطق بلسان المقال كالملائكة والمؤمنين من الثقلين، وما نطق بلسان الحال كغيرهم، وهو المراد من قوله - تعالى -: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (١)، وذكرت اللام في لفظ الجلالة مع الفعل المتعدي وهو سبَّح إِما للتأكيد أَو للتعليل بمعني فعل التسبيح لأَجل الله - تعالى - وخالصا لوجهه. وبدئت بعض السور بلفظ سبح وبعضها بلفظ يسبح للإِيذان بتحقق التسبيح في جميع الأَوقات (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الذي لا يُغالب ولا يُمانع ولا يعجزهُ شيءٌ كائنا ما كان، ولا يفعل إلاَّ ما تقتضيه الحكمة. وكرر الموصول هنا فقيل: (مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) لزيادة التقرير والتنبيه على استقلال كل من الفريقين بالتسبيح.

стр. 4974

روي أَنه ﵊ لمَّا قدم المدينة صالح بني النضير وهم رهط من اليهود من ذرية هارون ﵇ نزلوا بالمدينة في فتن بني إِسرائيل انتظارا لبعثة النبي ﷺ وفي صلحه معهم عاهدهم أَن يكونوا لا له ولا عليه. فلما ظهر ﵊ على المشركين يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رواية، فلما كان يوم أُحد ما كان ارتابوا ونكثوا العهد فخرج كعب بن الأَشراف زعيمهم في أَربعين راكبا إِلي مكة فخالفوا قريشا عند الكعبة على قتاله ﵊ فأَمر رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة الأَنصاري فقتل كعبا غيلة وكان أَخاه من الرضاعة ثم صبحهم ﵊ بالكتائب فقال لهم: اخرجوا من المدينة فاستمهلوه عشرة أَيام ليتجهزوا للخروج، فدس عبد الله بن أُبي المنافق وأَصحابه من قال لهم: لا تخرجوا من الحصن فإِن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم، فسدوا الأَزقة وحصنوها فحاصرهم النبي ﵊ إِحدي وعشرين ليلة فلما قذف الله في قلوبهم الرعب، وأَيسوا من نصر المنافقين لهم طلبوا الصلح، فأبى ﷺ إلاَّ الجلاءَ على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير. يحملون ما شاءُوا من متاعهم. فجلوا إِلى الشام إِلى أَريحا وأَذرعات إلاَّ أَهل بيتين منهم هما آل أَبي الحقيق وآل حيي بن أَخطب فإِنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة، فأَنزل الله: - تعالى - (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) إلي قوله: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقوله - تعالى -: ٢ - ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾: هذه الآية بيان لبعض آثار عزته تعالى، وإحكام حكمته إثر وصفه - تعالى - بالعزة القاهرة والحكمة البالغة على الإِطلاق في الآية السابقة، وعلى هذا فالضمير راجع إِلى الله .

стр. 4975

والمعنى: ذلك المنعوت بالعزة والحكمة: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) وهم يهود بني النضير. أَخرجهم من ديارهم بالمدينة لأَول الحشر بمعنى عند أول إِخراج لهم، والحشر: إِخراج الجماعة من مقرهم وإِزعاجهم عنه إِلي الحرب وغيرها، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاءٌ قط، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إِلي الشام وغيرها، وآخر حشرهم بإِجلاءِ عمر ﵁ إيَّاهم من خيبر إِلي الشام، وقيل: آخر حشرهم يوم القيامة. ومشروعية الإِجلاءِ كانت في ابتداءِ الإِسلام، أَما الآن كما يقول الآلوسي فقد نسخت فلا يجوز إِلاَّ القتل أو السبي أو ضرب الجزية. وكان من شأنكم أيها المسلمون أَنكم (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) من ديارهم لشدة بأسهم، ومنعة حصونهم وكثرة عددهم وعُددهم كما كان من شأنهم أنهم ظنوا أَن حصونهم مانعتهم من أمر الله تعالى: وكان مقتضي الظاهر أن يقال لمقابلة ما ظننتم أن يخرجوا، أن يقال: وظنوا ألاَّ يخرجوا ولكن عدل إِلي ما في النظم الجليل للإِشعار بأَن ظنهم قارب اليقين فناسب أن يؤتْي بما يدل على فرط وثوقهم بما هم فيه بتقديم الخبر وهو (مَانِعَتُهُمْ) على المبتدأ وهو (حُصُونُهُمْ) للدلالة على الاختصاص والتوكيد فكأَنه لا حصن أمنع من حصونهم ليكون مانعًا من الوصول إِليهم (فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أَي: نزل بهم أَمر الله وقدره المقدور لهم من حيث لم يتوقعوه ولم يخطر لهم على بال وهو قتل رئيسهم كعب بن الأَشراف فإِنه ممَّا أَضعف قوتهم، وفل شوكتهم، وسلب قلوبهم الأَمْنَ والاطمئنانَ وألبسهم أردية الخضوع والاستكانة (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ) بإِلقاءِ الخوف الشديد فيها بقوة، أو من مكان بعيد (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) الجملة مستأنفة جواب عن سؤال مقدر تقديره: فما حالهم بعد قذف الرعب فيها أَو معه؟ فأُجيب بالجملة. والمعنى: يخربون بيوتهم من باطنها بأيديهم ليسدوا بأَخشابِهَا وأَحجارها أَفواه الأَزقة تحصينًا لها وحتى لا تبقى صالحة لسكنى المسلمين والانتفاع بها بعد جلائهم عنها فيزيدهم ذلك ندمًا وحسرة، ولينقلوا ما فيها من جيد الخشب والساج معهم، كما كانوا يخربون تلك
следующие страницы →