Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢) وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)
стр. 1367
الربع الأخير من الحزب الثاني والثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الأخير من الحزب الثاني والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ إلى قوله تعالى في ختام هذه السورة -سورة طه-: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾.
ــ
كلنا نذكر ما جاء في فاتحة سورة (طه) المكية التي خصصنا لتفسيرها الأحاديث الثلاثة الماضية، والتي يتم تفسيرها في هذا الحديث بإذن الله ومعونته، فقد قال تعالى في مطلعها: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾، وكان مطلعها هذا مناسبا تمام المناسبة لخاتمة سورة (مريم) التي سبقتها مباشرة، تلك الخاتمة التي تضمنت التنويه بكتاب الله، إذ جاء فيها قوله تعالى بالخصوص: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ فكانت بداية سورة طه تأكيدا جديدا لنهاية سورة مريم، إذ (التذكرة) التي استعملها كتاب الله هنا هي نفس (البشارة والنذارة) التي استعملها هناك.
стр. 1368
وقد لاحظنا في الربع الماضي أنه بمجرد ما انتهى كتاب الله من (حديث موسى) عاد إلى نقطة الانطلاق التي مهدت لذلك الحديث، فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾. وهكذا عاد كتاب الله إلى التنويه بالذكر الحكيم، وجدد الدعوة إلى الإقبال عليه واتباع هديه القويم، وبين ما يؤدي إليه ترك العمل به من الأوزار والآثام، وما يتعرض له المعرضون عنه من العقوبات الجسام. وزاد كتاب الله هذا المعنى توكيدا وتوضيحا، فقال تعالى في هذا الربع: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾. وواضح ما لهذه الآية الكريمة من ارتباط وثيق بقوله تعالى في مطلع السورة: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ فهي كما يقال " عود على بدء ". ومعنى لفظ " التذكرة " الوارد هناك هو نفس معنى (الذكر) الوارد في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ في هذا الربع، فكلاهما يؤدي في هذا السياق معنى العظة والتدبر والاعتبار.
وبمناسبة الحديث عن رسالة القرآن وأثرها العظيم في الحياة، لفت كتاب الله نظر رسوله إلى ما ينبغي أن يكون عليه من التأني والتثبت عند تلقي القرآن واستذكار مبانيه، وما ينبغي أن يتطلع إليه من مزيد العلم والفهم لاستيعاب معانيه، فقال تعالى خطابا لرسوله ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
стр. 1369
وكنموذج من " التذكرة والذكر " اللذين يتضمنهما الذكر الحكيم، عرض كتاب الله وصفا مؤثرا ومثيرا لما خص الله به يوم القيامة من مشاهد العظمة والجلال، وما يتقلب فيه الخلق يومئذ على اختلاف معتقداتهم ومقاماتهم من الخوف والرجاء، وهم بين يدي الكبير المتعال، وقد جاءت بداية هذا الوصف في عدة آيات من الربع الماضي، واسترسل نفس الوصف في آيات أخرى من هذا الربع.
ويستفاد من هذا الوصف أن الله تعالى سيجمع عباده ويحشرهم جميعا يوم القيامة، وأنهم سيجيبون في ذلك اليوم لدعوة الداعي مسرعين مهطعين، دون تردد ولا تخلف، على خلاف ما كانوا عليه في الدنيا من تجاهل الدعاة إلى الله، والإعراض عنهم، والسخرية منهم ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾.
ويستفاد من هذا الوصف أيضا ما يقتنع به الخلق يومئذ، خصوصا عباد الشهوات الذين أسرفوا على أنفسهم، من تفاهة متاع الحياة الدنيا، وقلة أهميتها، وقصر مدتها، بالنسبة للحياة الآخرة ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧].
وأمام هذا الشعور الطارئ يتسارون فيما بينهم، ويتساءلون من شدة الذهول: كم قضوا في حياتهم الأولى من مدة؟ فيقول قائلهم: قضينا عشر ليال، ويقول أمثلهم: قضينا يوما واحدا ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ
стр. 1370
يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾، وبنفس هذا المعنى ورد قوله تعالى في آية ثانية: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٣]. ويوجد من بينهم من يشعر بأن مدة حياته كلها كانت أقصر من ذلك، وأنها لم تزد عن ساعة واحدة، وتعبيرا عن شعور هذا الصنف من الخلق جاءت الآية الكريمة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥].
والغريب في الأمر أنه بمجرد ما يسيطر عليهم هذا الشعور يخيل إليهم أنهم قد وجدوا عذرا يعتذرون به أمام الله عن تقصيرهم واستهتارهم، ويخامرهم الأمل في الخلص من قبضة الله، والإفلات من الحساب والعقاب، بدعوى أن مدة حياتهم التي قضوها في الدار الفانية كانت مدة قصيرة لا تكفي للتذكر والاعتبار، ولا تساعد على الاستعداد للدار الباقية، ثم يصرخون في جهنم قائلين: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فيرد عليهم الحق بقوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].
ويستفاد من هذا الوصف أيضا ما يتعرض له العالم عند قيام الساعة من ظواهر كونية تقلب الأرض عاليها سافلها، ومن تلك الظواهر نسف الجبال ودكها دكا، حتى لا يبقى منها عين ولا أثر ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا
стр. 1371
صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾، ويشير لهذا المعنى نفسه قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ * فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ * وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [الآيات: ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٤]. وقد اهتدى العلم الحديث بطرائقه الخاصة إلى نفس النتيجة الحتمية التي أعلنها كتاب الله منذ أربعة عشر قرنا، ألا وهي أن الكون سيعترض لانقلاب شامل تتغير به معالمه، وتختل معه نواميسه ودعائمه.
ويستفاد من هذا الوصف أيضا ما يكون عليه الخلق يومئذ من الرهبة والجزع، وما يعلو وجوههم من الوجوم والفزع، حتى إذا ما تحادثوا فيما بينهم تحادثوا همسا دون جلبة ولا ضوضاء، بحيث لا يسمع لهم نطق ولا كلام، من هول ذلك المقام ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾.
ويستفاد من هذا الوصف أيضا ما أعده الله يوم الفصل من خيبة وخسران، للظالمين الذين لم يؤدوا حقوق الله، فكفروا به وأشركوا، ولم يقدروا الله حق قدره، أو لم يؤدوا حقوق العباد فعرضوهم للضياع والهلاك، وما أعده من شقاء في الدنيا وعماء في الآخرة للمعرضين عن كتابه، المتجاهلين لخطابه، الذين عميت منهم البصائر والأبصار، فلم ينفع فيهم تبشير ولا إنذار، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ
стр. 1372
مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
ويستفاد من هذا الوصف أيضا أن الوساطات والشفاعات التي اعتدها الناس في حياتهم بالنسبة للعصاة والمذنبين، جربا مع أهوائهم ومصالحهم، لا تأثير لها في الآخرة، لكن هناك شفاعة خالية من الأغراض والأهواء، يأذن بها الحق لمن يشاء، من المشفوع فيهم والشفعاء ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾.
وإلى جانب هذا كله تعهد الحق في هذا الوصف، للمؤمنين الصالحين من عباده، بالنصرة والتأييد، والهداية والتسديد، والسعادة الحقيقية التي لا يشوبها شقاء، في الدنيا والآخرة على السواء، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.
وكما قص كتاب الله في هذه السورة (سورة طه) قصة موسى مع فرعون، ردد فيها أيضا صدى قصة آدم مع إبليس، التي سبق ذكرها في سورة البقرة، وسورة الأعراف، وسورة الحجر، وسورة الكهف، والحكمة في ذلك حسبما يظهر من السياق هي تنبيه بني آدم إلى وجوب التحفظ من وسوسة الشيطان، والحذر التام من التعرض لغوائله، حتى يسعدوا بنعيم الجنة ولا يشقوا بعذاب النار
стр. 1373
﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
وجوابا عن سؤال: " كيف أسكن الله تعالى آدم وحواء الجنة، وكيف أزلهما الشيطان عنها "، أجاب القاضي عبد الجبار في كتابه (تنزيه القرآن عن المطاعن) قائلا ما خلاصته: " إن آدم وحواء اعتقدا أن الله تعالى إنما نهى عن شجرة بعينها، لا أنه نهى عن جنس الشجر كله، ولما ذهلا عن هذا التأويل وقع ما وقع، ولذلك قال تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ثم من بعد ذلك تاب الله عليهما، فزال تأثير تلك المعصية، ولذلك قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.
ومن لطائف التفسير التي عرفتها هذه القصة ما أبدع به القاضي أبو بكر (ابن العربي) عند تحليله لها إذ قال: " حاش لله أن يقع الأنبياء في الذنوب عمدا منهم إليها، واقتحاما لها مع العلم بها، فإن الأوساط من المسلمين يتورعون عن ذلك فكيف بالنبيين، ولكن الباري بحكمه النافذ، وقضائه السابق، أسلم آدم إلى المخالفة، فوقع فيها (متعمدا ناسيا)، فقيل في تعمده ﴿عَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾، وقيل في بيان عذره ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. ونظيره من التمثيلات أن يحلف الرجل: لا يدخل دارا أبدا، فيدخلها متعمدا، ناسيا ليمينه، أو مخطئا في تأويله، فهو عامد ناس، ومتعلق العمد غير متعلق النسيان ".
ويرى الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور في تفسيره " أن الخطيئة يومئذ لم يكن مرتبا عليها جزاء عقاب أخروي ولا نقص
стр. 1374
في الدين، وإنما أوجبت تأديبا عاجلا، لأن الإنسان يومئذ كان في طور كطور الصبا، فلذلك لم يكن ارتكابها بقادح في نبوة آدم، ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾. يضاف إلى ذلك أن العالم الذي عاش فيه آدم في مستهل حياته لم يكن (عالم تكليف) بالمعنى المتعارف عند أهل الشرائع، بل عالم تربية فقط، فإطلاق " المعصية " و " التوبة " و " ظلم النفس " مما ورد في قصة آدم هو بغير المعنى الشرعي المعروف، وتوبة الله عليها بمعنى التسبب في حرمانها من لذات كثيرة بسبب لذة قليلة،
وقوله تعالى في سورة البقرة في نهاية قصة آدم: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الآيتان: ٣٨، ٣٩] هو الذي بين لهم به الحق أن المعصية إن وقعت بعد ذلك اليوم يكون جزاؤها جهنم ".
وبنفس المعنى جاء قول الله تعالى في هذا الربع في ختام نفس القصة: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ كأن التكليف لم يكن مفعوله من قبل ساريا ولا حكمه سائدا، وإنما ابتدأ من الآن فصاعدا.
ووجه كتاب الله في نهاية هذه السورة الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، مستخلصا العبرة من قصة آدم وقصة موسى، منبها إياه إلى الائتساء بهما والاقتداء، في مكافحة العوائق
стр. 1375
ومواجهة الأعداء، داعيا رسوله الأعظم إلى الاستعانة على تبليغ الرسالة وأداء الأمانة بالصبر على المكاره والأغيار، والتسبيح آناء الليل وأطراف النهار، والتمسك بالقناعة والتوكل على الله في قضاء الأوطار، والتربص بأعداء الله والانتظار ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ - ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ - ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾.
стр. 1376
الربع الأول من الحزب الثالث والثلاثين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
٢١ - سورة الأنبياء مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ
стр. 1377
الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ
стр. 1378
مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)
стр. 1379
الربع الأول من الحزب الثالث والثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حديث هذا اليوم يتناول تفسير الربع الأول من الحزب الثالث والثلاثين في الصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى في سورة الأنبياء ﴿بسم الله الرحمن الرحيم اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
ــ
هذه السورة مكية باتفاق، وهي من سور القرآن الأول العتاق، روى البخاري من حديث عبد الرحمن بن زيد عن عبد الله بن مسعود أنه قال: " الكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، من العتاق الأولى، وهن من تلادي ". يعني أنها من قديم ما كسب وحفظ من القرآن الكريم، كالمال التلاد.
ومن دقق النظر في خاتمة سورة (طه) التي فرغنا من تفسيرها، وفاتحة هذه السورة سورة الأنبياء التي نحن بصدد تفسيرها الآن يجد بين هذه الفاتحة وتلك الخاتمة تناسبا تاما، حتى إن قارئهما لا يشعر بأنه فارق الجو الذي كان فيه بالمرة،
стр. 1380
فقوله تعالى هناك: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ يتضمن إنذار المشركين والكافرين وتهديدهم بما ينتظرهم في دار الجزاء من عذاب وشقاء، وقوله هنا: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ استمرار في نفس التهديد والإنذار، الموجهين من قبل إلى المشركين والكفار.
وبما أن " سورة الأنبياء " سورة مكية، والشأن في السورة المكية على العموم حسبما دل عليه الاستقراء أن تعنى قبل كل شيء بالدعامة الأولى للدين، وهي (العقيدة) بكل ما تتضمنه من توحيد ونبوة وساعة وبعث، فقد تركز الحديث في هذه السورة حول نفس الموضوع، وتخلل هذا الحديث وصف السنن الإلهية، والنواميس الكونية، التي يسير الكون بمقتضاها سيرا محكما منظما، مما هو برهان ناطق على وحدانية الله، وعنوان صادق على قدرته وحكمته.
وقبل أن نواصل تفسير الآيات البينات الواردة في هذه السورة، نرى من المفيد أن نعطي فكرة ولو مختصرة عن " الطريقة القرآنية " في معرفة وجود الخالق، التي نبه كتاب الله عليها، ودعا كل من أراد معرفة وجوده إليها، وذلك طبقا لما حققه فقيه المغرب والأندلس وحكيم الإسلام أبو الوليد الحفيد ابن رشد في كتابه (الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة)، فقد اهتدى ﵀ عن طريق استقراء الكتاب العزيز، إلى أن " الطريقة القرآنية " في هذا المجال تنحصر في نوعين اثنين:
стр. 1381
- النوع الأول - أن جميع الموجودات موافقة لوجود الإنسان، ملائمة لحياته، وهذه الموافقة والملاءمة لا يمكن أن تكون بنت الصدفة ومجرد اتفاق محض، وإنما هي بالضرورة صادرة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد له، وهو الله تعالى، ولنسم هذا النوع " دليل العناية ". فواجب على من أراد أن يعرف الله حق معرفته ويقدره حق قدره أن يفحص عن منافع الموجودات، ويتتبع الحكمة في كل موجود، ليعرف السبب الذي خلق من أجله، والغاية المقصودة به، وبذلك يكون وقوفه على دليل العناية أتم وأكمل. ومن أمثلة هذا النوع: موافقة المكان الذي يوجد فيه الإنسان وهو الأرض، وموافقة الليل والنهار والشمس والقمر، وموافقة الفصول الأربعة، وموافقة كثير من الحيوان والنبات والجماد، لقضاء ضروراته والحصول على حاجياته، وما يستفيده الإنسان وينتفع به من الأمطار والأنهار والبحار، إلى غير ذلك من الأشياء، من كل ما هو موافق لحياته، وملائم لوجوده.
- النوع الثاني - أن جميع الموجودات وجواهر الأشياء مخترعة مخلوقة، بما فيها النبات والحيوان والإنسان والجماد والأجرام، والأفلاك، وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، وبديهي أن كل مخترع مخلوق إنما هو صادر من قبل فاعل مخترع خالق وهو الله تعالى، ولنسم هذا النوع " دليل الاختراع ". فواجب على من أراد أن يعرف الله حق معرفته، ويقدره حق قدره، أن يتعرف على جواهر الأشياء، ليقف على الاختراع الإلهي والحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة
стр. 1382
الاختراع، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. ومن أمثلة هذا النوع: الجمادات التي تحدث فيها الحياة بعد أن لم تكن، فهي شهادة على أن هناك موجدا للحياة ومنعما بها، وهو الله ﵎، والأفلاك التي لا تفتر لها حركة ولا يختل لها نظام، فهي ناطقة بأن هناك مسخرا يسخرها وهو الله ﵎.
ومسند أبي الوليد ابن رشد فيما اهتدى إليه من " دليل العناية " و " دليل الاختراع " هو كتاب الله قبل كل شيء، ذلك أن آيات الذكر الحكيم الواردة في هذا المعنى إما آيات تتضمن التنبيه على " دلالة العناية "، وإما آيات تتضمن التنبيه على " دلالة الاختراع "، وإما آيات تجمع الأمرين معا، وهذا النوع هو الأكثر ورودا في القرآن:
- مثال الآيات التي تتضمن " دلالة العناية " وحدها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦]. ومثله قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] ومثلهما قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤]، ومثل هذا كثير في القرآن.
стр. 1383
- ومثال الآيات التي تتضمن " دلالة الاختراع " وحدها قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٥، ٦] ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، ومثل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى.
- ومثال الآيات التي تجمع الدلالتين معا قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢]، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تنبيه على " دلالة الاختراع "، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ إلى تمام الآية تنبيه على " دلالة العناية " قال ابن رشد: " فهذه الطريق هي الصراط المستقيم التي دعا الله الناس منها إلى معرفة وجوده، ونبههم على ذلك بما جعل في فطرتهم من إدراك هذا المعنى ".
ومجمل القول أن آيات التوحيد في كتاب الله تتجه إلى إبراز العناية والرعاية التي خص الله بها الإنسان، وإلى إبراز الإبداع والاختراع الذي أنشأ الله به الأكوان، ولا برهان على وجوده أوضح وأقرب إلى الأذهان، من مثل هذا البرهان.
والآن فلنمض على بركة الله في تفسير سورة الأنبياء.
стр. 1384
يقول الله تعالى ردا على منكري البعث: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾، فالمراد باقتراب الحساب اقتراب وقته، ومن أجل هذا الاقتراب ينبغي لعقلاء الناس أن يعدوا العدة ويتأهبوا ليوم الحساب، حتى لا يرجعوا من الغنيمة بالإياب، وبنفس المعنى جاء قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، والقرب والبعد أمران نسبيان، فقد يكون قرب يوم الحساب، بالنسبة إلى علم الله وتقديره، على حد قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، وقد يكون قرب يوم الحساب، بالنسبة لبقاء العالم، على اعتبار أن ما بقي من مدته أقصر مما مضى، على حد قوله ﷺ : " بعثت أنا والساعة كهاتين ". ومهما يكن من أمر فإن كل ما هو آت قريب، وإن طال انتظاره قرونا وأجيالا.
يقول الله تعالى نعيا على الغافلين اللاهين: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾، والمراد بالذكر هنا كتاب الله، ووصفه (بالمحدث) يصدق بمعنيين اثنين: المعنى الأول أن القرآن إنما أنزل منجما سورة بعد سورة، وآية بعد آية، فكان نزوله يتجدد من وقت لآخر، ولم ينزل دفعة واحدة كما هو معلوم، على حد قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]. والمعنى الثاني أن القرآن هو أحدث الكتب الإلهية نزولا وخاتمها بالمرة، على حد قول ابن عباس فيما روى عنه البخاري: " وكتابكم أحدث الكتب بالله، تقرأونه محضا لم يشب ".
стр. 1385
يقول الله تعالى كشفا عما أصاب المشركين من حيرة وتناقض: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ - ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ فها هم حيارى مرتبكون، لا يدرون أي وصف يصفون به القرآن العظيم، شأن المبطلين الضالين الذين لا يثبتون على رأي، فتارة يجعلونه سحرا، وتارة يجعلونه شعرا، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه فرية من مفتريات الكلام، مصدقا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨] قال جار الله الزمخشري: " ويجوز أن يكون ذلك تنزيلا من الله لأقوالهم في درج الفساد، وان قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني، والرابع أفسد من الثالث ". وهذه الحيرة والتناقض هما شعار أعداء القرآن في كل مكان، إلى الآن وحتى الآن. وقوله تعالى في أول هذه الآية حكاية عنهم: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ معناه بالغوا في إخفاء النجوى، إذ " النجوى " من التناجي وهو لا يكون إلا خفية، وإنما بالغوا في الإخفاء، مبالغة في كتمان سرهم عن جمهرة المسلمين، فكشف كتاب الله سرهم، وفضح أمرهم.
يقول الله تعالى زجرا للمشركين والكافرين، وإنذارا لهم بسوء العاقبة، إن أصروا على الشرك والكفر: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ
стр. 1386
وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾، وبهذه الآيات استحضر كتاب الله أمام الأنظار مشهد الظالمين الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، ولم يؤدوا حقوق الله ولا حقوق العباد، مؤكدا أنه إذا حان مصرع الظالمين لم يفلتوا مهما حاولوا أن يفروا من العذاب، ولم ينفعهم الندم ولا العتاب، فما أكثر عدد الظالمين الذين هلكوا وبادوا، فألقي عليهم رداء النسيان، وباستئصالهم التام، وحصدهم كما يحصد الزرع، دخلوا في خبر كان.
يقول الله تعالى تنويها بعدله وحكمته، وتنبيها إلى أنه لم يخلق الإنسان ولا الأكوان عبثا: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ على غرار قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الآية: ٣٨]، ثم قال تعالى موضحا هذا المعنى أكمل توضيح: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾.
وواضح من السياق الذي وردت فيه هذه الآيات أنها ترمي إلى إثبات حقيقة واقعية لا جدال فيها، ألا وهي أن الله الذي طبع الطبيعة هو الذي شرع الشريعة، وكما أن نواميس الطبيعة التي أبدعها تضبط سير الأكوان، لأن قوانين الشريعة التي أنزلها تضبط
стр. 1387
سلوك الإنسان، فما على الإنسان إلا أن يتحمل مسؤوليته كاملة ويطبق على سلوكه قوانين الشريعة، كما تطبق كافة الأكوان على سيرها نواميس الطبيعة، ولينظر الإنسان إلى حكمة الله السارية في الوجود، وإلى عنايته البارزة في كل موجود، فلا لعب ولا عبث في أفعال الحكيم العليم، ولا لهو ولا لغو في تصرفات الله العلي العظيم، وتعالى الله الملك الحق، الذي يبطل الباطل ويحق الحق. أما قوله تعالى في خلال هذه الآيات: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ فقد قال قتادة ومقاتل وابن جرير والحسن: " إن معناه (ما كنا فاعلين) ف (إن) هنا نافية لا شرطية ".
يقول الله تعالى إشارة لوحدة العقيدة التي جاء بها كافة الأنبياء والرسل: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ ويقول ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، فما تضمنه كتاب الله من الدعوة إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته،، والاعتراف بقدرته وحكمته، والدعوة إلى عبادته وطاعته، تضمنته جميع الكتب الإلهية، ما تقدم منها وما تأخر، وجاء به جميع الأنبياء والمرسلين، الأولين منهم والآخرين: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا﴾ [الشورى: ١٣]، لولا أن المشركين والكافرين أعرضوا عن الحق، ولم يلتفتوا إليه، لعرفوه من تلقاء أنفسهم ووقفوا عليه، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، وهذا دليل على أنهم لو أعطوه ما يستحق من العناية والاهتمام، لوجدوه منهم
стр. 1388
على طريق الثمام، وما داموا لم يبذلوا في التماس الحق أي مجهود، فلينتظروا اليوم الموعود ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 1389
الربع الثاني من الحزب الثالث والثلاثين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ
стр. 1390
هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ
стр. 1391
الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)
стр. 1392
الربع الثاني من الحزب الثالث والثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول تفسير الربع الثاني من الحزب الثالث والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾.
ــ
من المشاهدات والبديهيات أن قوام الإنسان على خلاف قوام الحيوان، فقوام الحيوان (أفقي) تضطر عينه إلى أن تتجه دائما إلى الأسفل، وقوام الإنسان (رأسي) يسمح له بأن تتجه عينه إلى أعلى وأن يحني رأسه إلى أسفل، كما قال الدكتور أحمد زكي في كتابه (مع الله في السماء): " فالذي صمم جسم الحيوان وركب هيكله كأنه لم يرد في هذا التصميم أن يتمكن الحيوان من النظر إلى السماء، لأن الحيوان لا يستفيد من هذا النظر شيئا، وعلى غير هذا الطراز صمم المصمم جسم الإنسان وركب هيكله، فالإنسان له عقل واع، كثير الوعي، وهو قادر، كثير القدرة، فهو يستفيد من النظر إلى السماء أكبر استفادة، لا سيما والأرض بالنسبة للسماء، كقطرة في محيط ماء، وساكن المحيط
стр. 1393
لا يكاد يتعرف على قطرات مائه، أو هي كحصاة في رمال صحراء، وساكن الصحراء لا يكاد يتعرف على حصوات رماله، وهذا الكون بسمائه وأرضه، على اختلاف أشيائه وتباعد أشيائه شيء واحد، أبدعه مبدع واحد، وأجراه مجر واحد، ونسق بين سننه منسق واحد، وهندسه مهندس واحد ".
وعليه فالإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض، مطالب من ربه بالنظر في عالم الملك والملكوت، مسؤول عن تقصيره في هذا النظر، لأنه بتقصيره فيه يكون عاصيا لله، جاهلا أو متجاهلا لحكمة الله، إذ لا عذر له يعتذر به في هذا الصدد، بعدما أمده الله بكل ما يلزمه للنظر، من أدوات ومدد، وحول هذا المعنى يدور قول الله تعالى في هذا الربع: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾.
ويفهم من " الرتق والفتق " الواردين في الآية الأولى أن الجميع كان في بدء الخلق متصلا بعضه ببعض، متراكما بعضه فوق بعض، ثم وقع الفتق والفرق، وفصلت السماوات عن الأرض بأمر الملك الحق. قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة: " يعني أنهما كانا شيئا واحدا ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء " وروى ابن أبي حاتم في كتابه عن ابن عباس أنه قال: " كانت السماوات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلما
стр. 1394
خلق الله للأرض أهلا فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات " على حد قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١، ١٢]. ونبه ابن عطية إلى المناسبة الموجودة بين قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وقوله تعالى قبله: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ وهي أن الماء الذي هو أصل الأحياء، نتيجة من نتائج فتق السماء، ويتصل بمعنى هذه الآية قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [الآية: ٤٥].
ويرى المؤمنون بكتاب الله من الباحثين المعاصرين في العلم الحديث، أن هذه الآية الكريمة هي إحدى الآيات البينات التي تثبت لكل منكر أن القرآن العظيم كتاب منزل من عند الله، وأنه لا مجال للشك في وجود الله، فقد سبقت هذه الآية بعدة قرون ما اهتدى إليه العم الحديث، من أن الأرض والشمس ومختلف الكواكب والأجرام إنما كانت سديما في الفضاء، وأن الأرض انفصلت عن هذا السديم عندما انقسم إلى عدة أجزاء، بدليل ما يوجد في باطن الأرض من حرارة شديدة، وما يقذف به جوف الأرض من براكين عديدة، وما يجري من المياه الساخنة في عدة عيون، مما لا يرقى إليه الشك ولا تختلط به الظنون، يضاف إلى ذلك أن تحليل طيف الشمس أدى إلى التأكد من أن هذه العناصر التي تتكون منها الشمس نفسها هي نفس العناصر التي تتكون منها الأرض، وهذه النظرية تعتبر عند القائلين بها رأيا مسلما لا يقبل الرفض، وهي على كل حال، وعلى وجه الإجمال، لا تعارض
стр. 1395
الآية الكريمة التي سبقتها بأجيال. ووصف السماء بكونها سقفا محفوظا في قوله تعالى هنا: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ يفسره قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الآية: ٢] إذ إن السماء في تصور سكان الأرض هي منزلة سقف الأرض، لكنه سقف محفوظ من كل تصدع وخلل، إلى أن يحل الأجل.
وإمعانا في إقامة الحجة على الكافرين والمشركين، والمنكرين والشاكين، عرض كتاب الله جملة من مظاهر عنايته بالإنسان، ورعايته له في كل آن، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ مشيرا بذلك إلى أنه قد سخر للإنسان كلا من المكان والزمان، فجعل طبيعتهما ملائمة لطبيعته، وجعل أحوالهما موافقة لمصلحته، فما بال الناس لا يزالون يشركون بالله ويكفرون، ويشكون في وجوده وينكرون؟ ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.
ويذكر كتاب الله الناسين والغافلين بأن الدنيا ليست دار إقامة وقرار، وإنما هي دار سباق بين الرفاق، وقنطرة عبور يمر بها الأبرار والفجار: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فالعاقل كل العاقل من اغتنم شبابه قبل هرمه، وصحته قبل سقمه، وفراغه قبل شغله، وحياته قبل موته،
стр. 1396
كما جاء في الحديث الشريف، وبذلك يحق له أن يقول مع القائلين من المؤمنين الصادقين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
ويكشف كتاب الله النقاب عما يندفع إليه الإنسان من العجلة وعدم التأني في كثير من المواقف والتصرفات، بدلا من الأناة والتثبت في تحديد الوسائل والغايات، حتى إذا ما أنذر بعقاب إلهي آجل، تحدى القدرة الإلهية في أن تنزل به ذلك العقاب حالا وفي العاجل، كأن قدرة الله ينبغي أن تكون طوع يديه، وينسى أنها لو واجهت تحديه بتحد مثله لأبادته وقضت عليه، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ونفس المعنى ورد في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١].
ويصور كتاب الله للكافرين والشاكين بكل دقة ووضوح ما ينتظرهم يوم القيامة من الأهوال والمفاجآت، مما ستذهب نفوسهم عليه حسرات، فيقول الحق : ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
ويصف كتاب الله ما يكون عليه الطغاة الظالمون، الغافلون
стр. 1397
عن مجرى سنن الله في الأرض، وأنه قد يمهل الظالمين، حتى إذا ما حان مصرعهم لم يفلتهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. والنقص من أطرافها يصدق بالنقص من الأموال والأنفس والثمرات، كما يصدق بالاستئصال والإبادة، والاستعباد وفقدان الحريات، وهكذا يصبح الطاغية مستضعفا، وينقلب الغالب مغلوبا. ومن ذلك أيضا تقلص اليابسة والخضرة أمام زحف البحار والصحارى.
ويجدد كتاب الله الدعوة إلى الخلق أجمعين، مبينا لهم ما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين، من هدايتهم إلى الله، وإنذارهم سوء العاقبة حتى لا يحل عليهم غضب الله، داعيا إياهم إلى أن يسمعوا ويعوا، حتى يهتدوا وينتفعوا، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾، فالله تعالى هو الذي ينذرهم، والرسول إنما يبلغهم ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٢، ٣، ٤].
ويذكر كتاب الله ما يصيب الظالمين الذين كانوا يستعجلون العذاب، من هلع وجزع، بمجرد ما يتعرضون لأقل امتحان، إذ ينزل بهم من الحسرة والندم والانهيار ما لم يكن في الحسبان، وذلك قوله تعالى هنا: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، و (النفحة) في قوله تعالى " نفحة من عذاب " هي الدفعة اليسيرة منه، قال أبو حيان في تفسيره:
стр. 1398
" وفي قوله - ولئن مستهم نفحة - ثلاث مبالغات، لفظ المس، وما في مدلول النفح من القلة، وبناء المرة منه، فالمعنى أنه بأدنى إصابة من أقل العذاب أذعنوا وخضعوا، وأروا بأن سبب ذلك ظلمهم السابق ".
ويسجل كتاب الله في هذا المقام ما يقوم عليه حساب الخلق وجزاؤهم عند الله، من مبالغة في العدل التام، دون أي اعتبار خارج عن حدود الطاعة والعصيان، مما يؤثر غالبا في عدالة الإنسان، وذلك قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.
وخُتِم هذا الربع بالتنويه برسالة موسى وهارون، ورسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، وبهذه المناسبة حدد كتاب الله الصفات الجوهرية التي خص الله بها وحيه الإلهي المنزل على أنبيائه ورسله، وهذه الصفات تتلخص في أن الوحي الإلهي (فرقان) يفرق به الناس بين الحق والباطل، و (ضياء) يضيء عقولهم وقلوبهم فيخرجهم من الظلمات إلى النور، و (ذكر) تخشع له الجوارح وتطمئن به القلوب، و (بركة) تنمو بها الإنسانية وتزدهر دينا ودنيا، روحا ومادة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
стр. 1399
الربع الثالث من الحزب الثالث والثلاثين
في المصحف الكريم (ق)
ــ
وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ
стр. 1400
هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)
стр. 1401
وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)
стр. 1402
الربع الثالث من الحزب الثالث والثلاثين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حديث هذا اليوم يتناول الربع الثالث من الحزب الثالث والثلاثين في المصحف الكريم، ابتدائ من قوله تعالى في سورة الأنياء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ إلى قوله تعالى" ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
ــ
في نهاية الربع الماضي نوه كتاب الله بموسى وهارون ﵉، وفي هذا الربع وما بعده قص كتاب الله على خاتم أنبيائه ورسله جملة من قصص بقية الأنبياء والرسل الكرام، فتحدث خلالها عن إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ولوط، ونوح، وداوود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، وذي النون، وزكريا، ويحيى، بأسمائهم وصفاتهم، وأشار إلى عيسى ابن مريم وأمه العذراء بتلويح أغنى عن التصريح، إذ قال عنه وعنها: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وبهذا العرض الجامع طابق اسم هذه السورة (سورة الأنبياء) مسماه، واتضح المراد من معناه، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ
стр. 1403
الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾.
وما دام محور الحديث الرئيسي في هذه السورة هو موضوع " العقيدة " التي هي أصل الدين وأساسه، فإن قصة إبراهيم مع قومه يجب أن تحتل الصدارة في هذا الميدان، وذلك هو ما تصدى له كتاب الله هنا بالشرح والبيان، إذ إن اسم (إبراهيم) أصبح منذ قرون طويلة، وفي جميع الأديان الكتابية، رمزا إلى مكافحة الوثنية، ومجابهة الشرك، وإعلان التوحيد ونشره بين الناس، حتى إنه ليعتبر بحق (إمام الموحدين)، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾.
وقبل أن يتولى كتاب الله في هذا الربع وصف ما دار بين إبراهيم وأبيه وقومه من حوار وصراع حول عقيدة التوحيد التي اهتدى إليها، ومعتقدات الشرك التي تلقوها أبا عن جد، أوجز القول في وصف مزايا إبراهيم، وما آتاه الله من رشد بلغ الغاية القصوى، عندما اختاره رسولا خليلا قبل موسى وهارون، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ ولولا ما ألهمه الله من رشد وثبات، وآتاه من حكمة وحجة بالغة، لما استطاع أن يواجه بمفرده مشركي قومه، على كثرة عددهم وقوتهم، وأن يفوز عليهم في الرهان، ويغلبهم بالحجة والبرهان.
ثم شرع كتاب الله يفصل المحاورة التي دارت بين إبراهيم وأبيه وقومه على الوجه الآتي: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.
стр. 1404
ومن هذه المقالة يتجلى أولا حرص إبراهيم الخليل بشكل خاص، على انتشال أبيه قبل غيره من حضيض الشرك، لما بين الأب والابن من علاقة خاصة لا تقوى قوتها بقية العلاقات، وفي نفس الوقت اهتم إبراهيم بانتشال بقية قومه من نفس الهوة التي تردوا فيها جميعا، وهذا الاتجاه الرامي إلى إنقاذ العشيرة الأقربين من الضلال قبل غيرهم أكده كتاب الله في خطابه لخاتم الرسل، إذ قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
ومن هذه المقالة يتجلى ثانيا رشد إبراهيم ﵇، وحذره من إلقاء الكلام على عواهنه، ولذلك لم يطلق على الأصنام التي كان يعبدها أبوه وقومه اسم (الآلهة) كما كانوا يعبرون عنها، وإنما أطلق عليها مجرد لفظ (التماثيل)، والتمثال اسم موضوع للشيء المصنوع باليد، الممثل بغيره، أي المشبه به، تقول مثلث الشيء بالشيء، إذا شبهته به، قال أبو حيان: " وفي قوله (ما هذه التماثيل)، تحقير لها، وتصغير لشأنها، مع علمه بتعظيمهم لها. وفي خطابه لهم بقوله (أنتم) استهانة بهم، وتوقيف على سوء صنيعهم ". وهكذا استنكر إبراهيم عكوفهم على عبادة الأصنام، وملازمتهم لتعظيمها دون نفع ولا جدوى.
ويحكي كتاب الله جواب قومه إذ يقول: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾، وليس في هذا الجواب أدنى حجة أو إقناع، وإنما مرده إلى التقليد الأعمى ومجرد الاتباع، فيرد عليهم إبراهيم قائلا: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وبهذا الرد يطعن في حجتهم، ويصم بالضلال قومه عن بكرة
стр. 1405
أبيهم، وهنا تتجلى معالم " الفتوة " التي امتاز بها إبراهيم ﵇، من جرأته في نصرة الحق، ومهاجمته للباطل، وتحديه للتقاليد البالية، مهما كلفه ذلك من التضحيات الغالية، ولا يلبث قومه أن يسألوه مستفسرين وهم مترددون: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ يريدون أن يعرفوا هل هو جاد فيما يقول، أم أن كلامه مجرد لعب وهزل،
لكن إبراهيم ينفي هذا الاحتمال، ويرفع في الحين كل إشكال، ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، وبهذا أفهم قومه أن الإله الوحيد الذي يجب أن يعبدوه هو رب السماوات والأرض الذي خلقهن، فهو ربهم الحق وحده لا شريك له، وزكى هذه الدعوى بشهادته عليها، إذ هو رسول الله وخليل الرحمن، وكفى بشهادته حجة وبرهانا، على غرار قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الآية: ١٨]، فلفظ ﴿الشَّاهِدِينَ﴾ في هذه الآية مأخوذ من (الشهادة) بمعناها المعروف، لا من (المشاهدة) بمعنى مجرد الرؤية والحضور.
ويفكر إبراهيم في وسيلة فعالة توقظ قومه، وتثير انتباههم، وتقنعهم بأن عبادة الأصنام لا جدوى لها ولا فائدة منها، لأن الأصنام لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، بل هي أضعف من الضعف، وأعجز من العجز، فيعقد العزم على إهانتها، مقسما على ذلك بالله العظيم، ويحدث نفسه قائلا: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾، ثم لا يلبث أن ينتهز فرصة
следующие страницы →