Полный текст (2 848 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
الثمن الثاني من الربع الثاني في الحزب التاسع والثلاثين
بالمصحف الكريم (ت)
عباد الله
في هذه الحصة نتناول تفسير الثمن الثاني من الربع الثاني في الحزب التاسع والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من فاتحة سورة القصص المكية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
ــ
في الحديث الماضي ختمنا تفسير سورة النمل المكية حامدين الله شاكرين، واليوم نفتتح تفسير سورة القصص، مستعينين بالله، معتصمين به في البدء والختام، وهذه السورة مكية كسابقتها، وقد جاءت فاتحتها على غرار فاتحة سورة الشعراء، مبدوءة مثلها بنفس الحروف الهجائية المقطعة، وهي في كل منهما الطاء والسين والميم ﴿طسم﴾ فكانت ثالثة السور التي جاءت على هذا النمط في نسق واحد، تنبيها إلى أن آيات الكتاب العزيز تتألف من نفس الحروف التي يؤلف البشر منها كلامهم، لكن الله الذي خلق الإنسان من طين ثم نفخ فيه روح
стр. 1752
الحياة ينفخ في تلك الحروف من جلاله وعلمه وحكمته ما يجعلها معجزة باقية أبد الدهر لا قبل بها للإنسان، على ممر الزمان، ثم جاءت أول آية من هذه السورة بنفس النمط الذي جاءت به سورة الشعراء ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ وأطلق على هذه السورة " سورة القصص " أخذا من قوله تعالى في إحدى آياتها وهو يحكي ما دار بين موسى ﵇ و (صالح مدين) في أحد المواقف الحاسمة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [٢٥].
و" القَصص " هنا بفتح القاف لفظ مفرد بمعنى الخبر المحكي المقصوص، ويطلق لفظ القصص بمعنى رواية الخبر، أما القصص بكسر القاف فهو جمع قصة، وتشغل قصة موسى مع قصة قارون من قومه أكبر جزء من هذه السورة، فلقصة موسى ثمان وأربعون آية، من الآية الثانية إلى الآية التاسعة والأربعين، ولقصة قارون من قومه سبع آيات، من الآية السادسة والسبعين إلى الآية الثانية والثمانين، وبذلك يبلغ عدد آيات القصتين المرتبط بعضهما ببعض خمسا وخمسين آية من مجموع آيات هذه السورة، وهي ثمانون آية.
ومن أهم ما يلاحظ في كتاب الله بالنسبة للقصص التي تضمنها القرآن الكريم أن قصة موسى تردد ذكرها في سبع عشرة سورة، مختزلة أحيانا، ومختصرة أحيانا، ومتوسطة أحيانا، ومطولة أحيانا. وأطولها جميعا هي التي سبقت في سورة الأعراف، حيث استغرقت من آياتها خمسا وخمسين ومائة آية، ويليها في الطول
стр. 1753
قصته في سورة (طه) حيث استغرقت من آياتها تسعين آية، ويلي قصة موسى في سورة طه قصته في سورة الشعراء، حيث استغرقت من آياتها ستين آية، وتأتي في الدرجة الأخيرة من الطول قصته هنا في سورة القصص، حيث استغرقت منها مع قصة قارون من قومه خمسا وخمسين آية.
ومن أمثلة قصة موسى عندما ترد بشكل مختزل في آية أو آيتين قوله تعالى فيما سبق من سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [٦]، وقوله تعالى فيما سبق من سورة الفرقان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [٣٥، ٣٦]، وقوله تعالى فيما سيأتي من سورة الذاريات: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [٣٨، ٤٠].
ولا بد من التنبيه هنا إلى أن إعادة كتاب الله لقصة من القصص في عدة سور لا يعني أن فيه شيئا من التكرار، فبلاغة القرآن التي ميزه الله بها تعصمه من ذلك، وإنما تنصب الحكاية الجديدة للقصة على عناصر معينة منها، حيث يكون السياق يقتضي إبراز هذا العنصر بدلا من ذلك العنصر الذي سبق في مقام آخر، أو تفصيل هذا العنصر مع إجمال ذلك العنصر الذي سبق في مقام آخر، أو تفصيل هذا العنصر مع إجمال ذلك العنصر الذي سبق في مناسبة
стр. 1754
أخرى، وكتاب الله بوصفه كتاب هداية وتوجيه لا بد أن يلائم مقتضى الحال في كل الأحوال، يضاف إلى ذلك أن القصة عندما يتجدد ذكرها في سورة من السور لا محالة أنها تأتي بزوائد وفوائد، وفي ذلك زيادة في البيان، وإقامة للحجة والبرهان، على درجة الإعجاز التي ارتفعت إليها بلاغة القرآن.
وعلى ضوء هذا التنبيه نراجع الآيات التي تصدرت قصة موسى في هذه السورة، ونقارنها بما ورد في بعض السور الأخرى، ففي سورة القصص التي نحن بصدد تفسيرها نجد في الطليعة وصف المرحلة الأولى من حياة موسى ﵇ منذ طفولته إلى أن بلغ أشده، من الآية السادسة إلى الآية الثانية عشرة، ونجد وصف الحادثة التي اشتبك فيها موسى مع عدو لقومه نصرة لرجل من شيعته، فأدت إلى مقتل ذلك العدو، واضطرار موسى إلى التوجه نحو مدين، من الآية الثالثة عشرة إلى الآية العشرين، ونجد وصف خطوبته وزواجه بابنة (صالح مدين وشيخها الكبير)، وما سبق ذلك من مقدمات، وما انتهى إليه من نتائج، من الآية الواحدة والعشرين إلى الآية التاسعة والعشرين، كل ذلك بغاية التوضيح والتفصيل، مما لم يتقدم نظيره في السور الأخرى، وإذا راجعنا قصة موسى الواردة في سورة الأعراف لا نجد فيها أي أثر لهذه الأحداث وهذه المراحل، وإنما نجد في سورة طه إشارة خفيفة إليها في سبع آيات لا غير، ونجد في سورة الشعراء إشارة خاطفة إليها في خمس آيات لا غير، ففي سورة طه سبق قول الله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا
стр. 1755
عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [٣٦، ٤١]، وفي سورة الشعراء سبق قوله تعالى على لسان فرعون: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [١٨، ٢٢].
وبعد هذه التنبيهات والمقارنات لم يبق لنا إلا التوجه إلى تفسير الجزء الوارد من نفس القصة في هذه الحصة.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: وصف الكتاب بكونه " مبينا " لأنه يبين ويميز الحق من الباطل، والحلال من الحرام، والهدى من الضلال، في العقائد والشرائع والأقوال والأفعال. ثم جاء بتمهيد يسبق الشروع في قصة موسى وفرعون، كأنما هو عبارة عن عنوان الموضوع، أو براعة الاستهلال التي يبدأ بها عند الشروع ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي تجبر وتكبر، حتى ادعى الربوبية والألوهية، والمراد " بالأرض " هنا أرض مصر.
стр. 1756
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي فرق بينهم فأغرى بعضهم ببعض، وسلط بعضهم على بعض، حتى يكونوا أطوع له من بنانه، ويستسلموا لعدوانه وطغيانه.
﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ المراد " بالطائفة المستضعفة " في ذلك العهد بنو إسرائيل، ويجري على غيرها من الطوائف المستضعفة في بقية العهود ما جرى عليها. قال ابن عباس: " لما كثر بنو إسرائيل بمصر استطالوا على الناس وعملوا بالمعاصي، فسلط الله عليهم القبط وساموهم سوء العذاب، إلى أن نجاهم الله على يد موسى ".
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ سجل كتاب الله هنا على فرعون صفة " الفساد " التي هي أبغض صفة إلى الله تحرق الأخضر واليابس، وتدمر البلاد والعباد، وبهذا التسجيل الإلهي المؤكد أبرز كتاب الله أنه لا يرضى للرؤساء من عباده الكبر والجبروت، ولا يرضى للمرؤوسين منهم الفرقة والشتات، ولا يرضى استضعاف طائفة وتسخيرها وإهدار حقوقها لصالح بقية الطوائف، وإنما يرضى لهم جميعا المساواة في الحقوق والواجبات والعيش الكريم.
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ هذا وعد من الله بالنصر والتمكين لمن استضعفوا في الأرض، فالتجأوا إلى الله، واعتصموا بحبله واحتموا بحماه، فإذا استكبروا بعد
стр. 1757
الضعف، وانقلبوا أئمة للكفر والفساد، وكلهم الله إلى أنفسهم فانقلبوا صاغرين ورسفوا في الأغلال والأصفاد.
﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ هذا إنذار من الله لفرعون وهامان ومن سلك مسلكهما في الاستعلاء والطغيان، على ضعفاء بني الإنسان، بأنه سيهدم بنيانهم، ويدك أركانهم، بأيدي أولئك الضعفاء حتى يضرب بهم المثل فيقال: (على الدُّنيا العَفَاء).
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أجمع العلماء على أن " أم موسى " لم تكن نبية، " فالوحي " المسند إليها هنا وحي إلهام، لا وحي إعلام، والمراد " باليمِّ " هنا وادي النيل الذي يخترق أرض مصر ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ أي لا تخافي من غرقه وضياعه، ولا تخافي من أن يلتقطه من آل فرعون من يقتله ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ أي لا تحزني لمفارقتك إياه.
﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذا وعد صادق من الله لأم موسى، يهدئ روعها، ويطمئن قلبها، ويبشرها بحياته وجعله رسولا ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ قال أبو حيان: " استفصح الأصمعي امرأة من العرب أنشدته شعرا فقالت له: أبعد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فصاحة؟ وقد جمع بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين ".
стр. 1758
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ هذا مظهر من مظاهر العناية الإلهية، فقد سخر الحق وهو اللطيف الخبير لإنقاذ موسى من الغرق والقتل أعدى أعاديه من آل فرعون، فالتقطوه للتربية والتبني، ولو عرفوا سوء العاقبة الذي ينتظرهم على يده لاعتبروه أخطر عدو، وقضوا عليه في المهد، لكن الله تعالى الذي قدر الانتقام من طغيانهم وفسادهم، وكفرهم وعنادهم، على يد نبيه موسى، أعمى منهم البصائر والأبصار، لتنفذ فيهم عند حلول الأجل سهام الأقدار، والحزن بفتح الحاء والزاي على لغة قريش هو الحزن عند بقية العرب.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ أي كانوا خاطئين في كل شيء، ولم يصادفوا الصواب في أي شيء، فلا غرابة إذا أخطأوا في تربية موسى الذي اصطفاه الله لرسالته، ليكون مصيرهم المفجع على يده وبقيادته، ومعنى " الخاطئ " المتعمد للخطأ، ويطلق على من لا يتعمد الخطأ لفظ " مخطئ " وإنما أضيف الجند في هذه الآية: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ وفي الآية السابقة: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ إلى كل من فرعون وهامان، وإن كان هامان مجرد وزير لا جنود له، لأن المال هو قوام الجيش. وتسيير شؤون الدولة، وجباية الأموال اللازمة لمرافقها، لا يتم أمرهما إلا على يد الوزراء وبمعونتهم، فلهم ضلع كبير في تحمل مسؤوليات الدولة وتنظيم جيشها وتسيير مرافقها العامة.
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ
стр. 1759
يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ لما رأت ما يبدو عليه من مخايل الخير واليمن والقبول توسمت فيه النفع لها ولفرعون أولا، ثم مر بخاطرها أن تتبناه وتتخذه ولدا، ليكون قرة عين لها ولزوجها، ومبعث بهجة وسرور لأسرتها، فقال لزبانية فرعون لا تقتلوه، ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يدركون خطأهم العظيم في التقاطه ورجاء النفع منه، والتفكير في تبنيه، وغاب عنهم أن وليد اليوم هو رسول الغد، الذي سيكون هلاكهم على يديه، جزاء وفاقا لما مارسوه من ظلم وطغيان، واستهتار بحقوق الله وحقوق الإنسان.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ أي أن أم موسى حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش، اعتقادا منها بأن مصير وليدها هو القتل لا محالة، ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي تبدي أمره وقصته. قال ابن عباس: " كادت تصيح عند إلقائه في اليم: واولداه، فينكشف أمرها وأمره " ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي لولا أن الله تعالى ألهمها الصبر، وألقى السكينة في قلبها، فلم تفضح سرها الدفين ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي من الواثقين بوعد الله الذي لا يتخلف، لا بتبني فرعون وتعطف امرأته، ووعد الله هو رده إليها وجعله رسولا: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. و " الربط على القلب " هنا كناية عن قراره واطمئنانه، شبه بما يربط مخافة الانفلات، على غرار قوله تعالى في الفتية من أهل الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾ [الآية: ١٤].
стр. 1760
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي اتبعي أثره، وتتبعي خبره ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أي أبصرته أخته عن بعد وهي تختلس النظر إليه، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي لم يكونوا يشعرون بما تنطوي عليه أخته من اهتمام بأمره، وتتبع لحركاته، وقلق على مصيره، وأنه أخوها وهي أخته، وهكذا يتولى الله بحفظه ورعايته من أعدهم لتحمل رسالته، في مختلف المراحل والعهود، وفاء منه بما واثقهم عليه من المواثيق والعهود ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].
стр. 1761
الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثين
بالمصحف الكريم (ق)
ــ
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا
стр. 1762
لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)
стр. 1763
الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثين
بالمصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نلتقي مع الربع الثالث من الحزب التاسع والثلاثين في المصحف الكريم، وهذه الحصة مخصصة لتفسير الثمن الأول منه، ابتداء من قوله تعالى حكاية عن موسى في فجر طفولته: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
ــ
يواصل كتاب الله الحديث عن المرحلة الأولى من حياة موسى ﵇، فبعدما نجاه الله من الغرق في اليم والتقطه آل فرعون، وتدخلت امرأة فرعون لمنع ذبحه وقتله كغيره من مواليد بني إسرائيل، ها هو فرعون وامرأته يبحثان عن مرضعة ترضعه، وعن ثدي يلتقمه، ليركن إلى عطفه وحنانه، ويسلم نفسه إليه، لكن الله تعالى ألهمه أن لا يقبل رضاع لبن سوى لبن أمه من النساء وأشكل الأمر على أسرة فرعون، وأعيتهم الحيلة، خوفا على حياة موسى، إذا استمر من دون تغذية، وهو لا يزال في فجر طفولته، وأخطر أطوار حياته، وهنا تدخلت أخته التي كانت
стр. 1764
تتحسس كل ما يحيط بأخيها من الحركات والسكنات، من دون أن يعرف أحد من آل فرعون أنه أخوها وأنها أخته، فتقدمت إلى امرأة فرعون وزوجها تعرض استعدادها للبحث عن بيت يقوم بهذه المهمة الإنسانية على أحسن وجه، فيأخذ على عاتقه إرضاع هذا الوليد وحضانته، ويعنى بتربيته الأولى بكل نصح واعتناء، إلى أن يفارق مرحلة الرضاع، وتنجح أخته في مسعاها، فتأخذه معها إلى أمه، ويرده الله إليها كما وعدها من قبل، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في بداية هذا الثمن: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي ألهمناه قبل رده إلى أمه أن لا يقبل الرضاع من ثدي أية امرأة سواها، " فالتحريم هنا تحريم منع، لا تحريم شرع " كما قال القرطبي.
﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ والقائلة هي أخته ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، وبذلك سكنت نفسها، وتم أنسها، وترقرقت في عينيها دموع الغبطة والفرح التي تكون باردة في العادة ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ من " القر " ضد الحر، لا ساخنة مثل دموع الحزن والكمد، وتمت هذه العملية الخطيرة في حفظ الله وستره، فلم يكتشف السر فيها لا فرعون ولا زوجه ولا بقية آل فرعون، اعتقادا منهم جميعا بأن المرضعة التي عثروا عليها بإرشاد أخته لا علاقة لها بالوليد الرضيع، لا من قريب ولا من بعيد، وأنها مجرد مرضعة وحاضنة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى تعقيبا على نفس الحادثة: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 1765
وهنا تنتهي الآيات التي عنيت بوصف الطور الأول من حياة موسى لتبدأ الآيات التي ستعنى بمرحلة نضجه وشبابه، ووصف ما آتاه الله من عقل وفهم، ومعرفة بدين آبائه الصالحين، وتهتم بما اعترض حياته في هذه الفترة من الحادث المزعج، الذي أدى إلى مقتل أحد الرعايا الفرعونيين، وما واجهه عقب ذلك الحادث من مخاوف ومتاعب، حتى اضطر لأن يفارق مصر إلى بلد لم تبق فيه سلطة لفرعون وآله، فرارا من عقابه وعذابه.
وبداية الآيات الخاصة بهذا الطور الثاني من حياة موسى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ أي استكمل قوته الجسمية وقوته العقلية ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي حكمة وفهما ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي تلك سنة الله مع عباده المكرمين، الذين اصطفاهم ليكونوا من رسله وأنبيائه، وأصفيائه وأوليائه، وقد سبق في سورة يوسف على غرار هذه الآية قوله تعالى منوها بمكانة يوسف ﵇: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الآية: ٢٢].
ويبدأ " بلوغ الأشد " عند بلوغ الحلم، ومن توابع ذلك أن يصبح الفتى أهلا لممارسة الحياة الزوجية، وينظر لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] ويشهد له قوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الآية: ٥] وقوله تعالى في سورة غافر: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا
стр. 1766
شُيُوخًا﴾ [الآية: ٦٧]. وتصل مرحلة بلوغ الأشد إلى القمة عند بلوغ سن الأربعين، حيث تهيمن القوة العقلية على القوة الجسمية، قال الرازي: " فلهذا السر اختار الله تعالى هذا السن للوحي، ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس الأربعين سنة ". وقد اعتنى كتاب الله عناية خاصة بمرحلة الأربعين من حياة كل إنسان، وما ينتظر أن يبلغ فيها من وعي ونضج واستقامة، فقال تعالى فيما سيأتي من سورة الأحقاف: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الآية: ١٥].
ويلاحظ أن كتاب الله صدر الآيات المتعلقة بمرحلة الفتوة والشباب في حياة موسى ﵇ بذكر ما أنعم به عليه من الحكمة والفهم، وسجل اسمه في سجل المحسنين الخالدين من عباده، وكأن ذلك تمهيد لما سيقصه من الحادث الطارئ الذي أقض مضجع موسى قبل النبوة، وهو الحادث الذي لقي فيه على يده أحد الرعايا الفرعونيين مصرعه، عقب لكمة لم يكن ينتظر أن تؤدي إلى وفاته، وذلك حتى لا يسيء أحد الظن بموسى ولا ينتقص من مقامه الرفيع عند الله، فقد كانت تلك اللكمة تأديبا للظالم، وإغاثة للمظلوم، ونصرة للحق، وإلى هذه الحادثة يشير قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ووقت الغفلة يكون عادة إما في وقت القيلولة - في منتصف النهار - وإما بين العشاءين في الليل، عندما يتفرق الناس ويأوون
стр. 1767
إلى مساكنهم، وتخلو الطرق ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أي دفعه بكفه ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ولم يكن قصد موسى قتله، وإنما قصد دفعه فكانت فيه نفسه، وهو معنى " فقضى عليه "، وكل شيء أتيت عليه وفرغت منه فقد " قضيت عليه ". قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " وإنما أغاثه - أي أغاث الذي هو من شيعته وقومه - لأن نصر المظلوم دين في الملل كلها، وفرض في جميع الشرائع ".
ولم يلبث موسى بعد هذا الحادث المفاجئ أن استولى عليه الندم، لما آل إليه تدخله في هذا الاشتباك، وتمنى لو أنه دفع الظالم بأيسر مما دفعه، وود لو أن الأقدار مكنته من نصرة المظلوم وإغاثته، من دون أن يقع ما وقع ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ مشيرا إلى ما استولى عليه من الحدة والغضب أثناء الحادث المذكور ﴿إِنَّهُ﴾ أي الشيطان ﴿عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾. وتعبيرا عما أصابه من الحسرة والندم اتجه إلى ربه خاشعا مستغفرا ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ على نهج آدم وزوجه، إذ ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، فاستجاب له ربه ﴿فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ولا عتاب بعد المغفرة.
وبعد أن غفر الله له عاهد ربه على أن لا يتورط فيما يؤدي إلى مثل ما أدى إليه هذا الحادث، فكم من مظلوم يلتبس أمره على الناس
стр. 1768
فيظن أنه من الظالمين، وكم من ظالم يخدع الناس بأنه مظلوم وهو من كبار المجرمين ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾. وقد استنبط أهل العلم ﵃ من هذه الآية توجيها أخلاقيا دقيقا، ألا وهو وجوب البعد عن مناصرة الظلمة والفسقة، وعدم إعانتهم على ظلمهم وفسقهم بالمرة، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣].
ووصفت الآيات بعد ذلك انعكاسات الحادث على نفسية موسى من جهة وعلى وضعيته القلقة في المجتمع الفرعوني من جهة أخرى، ثم وصفت مضاعفات الحادث، وانتشار خبره بين الناس، وما يمكن أن يتطور إليه، وإلى ذلك كله تشير الآيات التالية: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ و " الترقب " انتظار الأمر المكروه ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ من الصراخ، أي يصيح به مستغيثا من فرعوني آخر ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي ظاهر الغواية واللدد، يقصد بذلك عتابه وتأنيبه ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أي عندما خيل للفرعوني أن موسى يهم بدفعه والبطش به ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ومعنى " الجبار " في هذا المقام الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن.
ولما وقعت هذه الواقعة وخرجت من طي الكتمان، وشاع
стр. 1769
أمرها بين الناس، وتردد اسم موسى بصفته مسؤولا عنها، هم آل فرعون بمؤاخذته عليها ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾، والرجل الذي اطلع على هذا السر من مصدره، وتحمل مشقة الانتقال للإفضاء به إلى موسى في غفلة عن الأنظار، وسباق مع الذين يتعقبون موسى، من زبانية فرعون الأشرار، حتى يخبره الخبر، فيبادر بمغادرة مصر قبل أن تمتد إليه أيديهم، هو فيما ذهب إليه أكثر المفسرين، " مؤمن آل فرعون " نفسه، الذي لم يكن على دين فرعون رغما عن كونه ابن عمه، والذي كان على ملة يوسف قبل أن يتنبأ موسى ويؤمن به. والوصف " بالرجولة " و " الفتوة " لا يلقيه كتاب الله جزافا، وإنما يصف به أصحاب المواقف الحاسمة في نصرة الحق والجهر به والدفاع عنه، والتمسك بحبله والثبات عليه، من أولي العزم الصادقين.
فمن الوصف " بالفتوة " التي هي كمال الصفات في الفتى، قوله تعالى في شأن إبراهيم: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، وقوله تعالى في شأن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الآية: ١٣].
ومن الوصف " بالرجولة " التي هي كمال الصفات في الرجل قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، وقوله تعالى هنا: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ
стр. 1770
يَسْعَى﴾، على غرار ما سيأتي في سورة يس: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الآيتان: ٢٠، ٢١]، وفي سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الآية: ٢٨].
ومعنى ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون في شأنك، والائتمار في الأصل التشاور، لأن من يحضر جمعا من هذا النوع لا يخلو من أن يشير على الآخرين بأمر من الأمور، في الوقت الذي يشير فيه الآخرون عليه بأمر آخر، ومن ذلك قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] أي ليأمر بعضكم بعضا بالمعروف لا بالمنكر.
وكما دبر أعداء موسى مؤامرة للتخلص منه قبل فوات الأوان، لأنه اشتهر عنه من قبل أن ينبأ تسفيه عقائدهم الباطلة التي ليس عليها دليل ولا برهان، وتجريح تصرفاتهم الجائرة القائمة على الظلم والطغيان، فقد دبر أعداء الرسالة الإلهية التي جاء بها خاتم الأنبياء والمرسلين لرسوله الأمين، نفس المؤامرة، وعنها تحدث كتاب الله في سورة الأنفال فقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الآية: ٣٠]. وبمجرد ما اطلع موسى على المؤامرة المدبرة للقضاء عليه من طرف فرعون وآله بادر إلى مغادرة مصر، ثقة بصدق الرجل الذي أسر إليه بذلك
стр. 1771
الخبر، وعملا بنصيحته الخالصة لوجه الله. وكما قال تعالى عن موسى وهو لا يزال في المدينة: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، ها هو يصفه وهو يغادر بنفس الوصف ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال القرطبي: " والخوف من الأعداء سنة الله في أنبيائه وأوليائه، مع معرفتهم به وثقتهم في نصره. والخوف لا ينافي المعرفة بالله ولا التوكل عليه، فالمخبر عن نفسه بخلاف ما طبع الله عليه نفوس بني آدم كاذب، وقد طبعهم على الهرب مما يضر نفوسهم ويؤلمها أو يتلفها ".
و" المكروه " الذي كان يتوقعه موسى وهو داخل المدينة هو إدانته ومؤاخذته بالحادث الذي اعترض طريقه، و " المكروه " الذي أصبح يتوقعه بعدما فارقها هو أن يدركه الطلب، ويتعرض له في الطريق أعوان فرعون وجنوده، الذين يبحثون عنه في كل مكان.
وبدلا من أن يقصد بنيات الطريق التي يطرقها عادة من يريدون الإفلات من قبضة الحكام، تسترا بها عن الأعين، كما توقع أعوان فرعون وجنوده، وذهبوا يتتبعون أثره فيها، ألهم الله موسى أن يسلك طريقا مأمونة ومطروقة من دون أن يشتبه في أمره أحد. فمضى في طريقه معتصما بالله، ومحتميا بالله، ومحتميا بحماه، واثقا بأن الله تعالى هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وحيثما حل وارتحل، في سهل أو جبل ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وبعد أن قطع مراحل الطريق في أمن وأمان، واستقبله " صالح مدين " استقبال ترحيب وحنان، قال له وهو يحاوره في نهاية
стр. 1772
المطاف: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. كما كانت بداية رحلة موسى وفاتحتها عند الشروع فيها: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فاستجاب الله دعاءه، وخيب أعداءه، وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣].
стр. 1773
الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثين
بالمصحف الكريم (ق)
ــ
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي
стр. 1774
ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)
стр. 1775
الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثين
بالمصحف الكريم (ت)
عباد الله
موعدنا في حصة هذا اليوم مع الثمن الثاني في الربع الثالث من الحزب التاسع والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
ــ
يتحدث كتاب الله في آيات هذا الثمن عن الفترة التي قضاها موسى مقيما بمدين لدى صهره (صالح مدين وشيخها الكبير) وذلك بعد مفارقته لمصر ونجاته من فرعون وصحبه، ويبدأ الحديث عن هذه الفترة بتوجه موسى إلى ربه قبل التوجه إلى ناحية مدين، الخارجة عن نفوذ فرعون، مستسلما إلى رعاية الله وكفالته، سائلا الحق أن يهديه سواء السبيل، حتى لا يضل الطريق إليها ويبلغها سالما آمنا، وذلك قوله تعالى حكاية عنه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. والمراد " بسواء السبيل " وسط الطريق الذي يسلكه إلى مكان مأمنه. قال الرازي: " أما قول موسى: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ فهو نظير قول جده إبراهيم ﵇:
стр. 1776
﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، وموسى ﵇ قلما يذكر كلاما في الاستدلال، والجواب، والدعاء، والتضرع، إلا ما ذكره إبراهيم ﵇، وهكذا الخلف الصدق (الصدق جمع صدوق) للسلف الصالح، صلوات الله عليهم وعلى جميع الطيبين المطهرين ".
وينتقل كتاب الله إلى الحديث عن رحلة موسى من بدايتها إلى نهايتها عندما وافى " ماء مدين " وكان الوقت وقت الهاجرة، ووجد الناس محلقين حول بئرهم التي يسقون منها، إذ هي مورد شربهم وسقيهم، وهم يتناوبون على السقي منها الواحد تلو الآخر، ثم يصبون الماء في الحياض لسقي مواشيهم، وكانوا أهل ماشية، وذلك ما يشير إليه إشارة خاطفة قوله تعالى هنا: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾، والمراد " بالأمة " هنا جماعة كثيرة العدد من أناس مختلفين، والظاهر أن موسى ﵇ كان في حالة عطش من تعب الطريق وشدة الحر، فبادر إلى " ماء مدين " لري عطشه وغسل أطرافه. غير أنه لاحظ في نفس الوقت وقوف امرأتين معتزلتين عن الزحام، مكتفيتين بحجز غنمهما عن حياض الماء وعن الاختلاط بأغنام الرعاة الأشداء الأقوياء، في انتظار انتهائهم من سقي مواشيهم وانصرافهم، عسى أن تنالا نصيبهما من الماء الذي يفضل عن الآخرين إن أسعدهما الحظ، وذلك ما يشير إليه كتاب الله هنا في إيجاز وإعجاز إذ يقول: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ أي تحجزان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الرعاة وتخلو لهما البئر.
стр. 1777
واستغرب موسى أن لا يلتفت أحد من ذلك الجمع الكبير من الرجال إليهما، فيأخذ بيدهما، ويسقي لهما ما يروي غنمهما ويزيل عطشهما، كما تقضي بذلك المروءة والرجولة والنجدة، لا سيما وهما المرأتان الوحيدتان من بينهم جميعا، إذ كان رجال مدين هم الذين يقومون بالسقي من دون النساء كما يفهم من السياق، فلم يلبث أن تقدم إليهما سائلا مستفسرا، ولم تلبثا أن عبرتا له في جواب موجز، لكنه جامع مانع، عن حالهما وعن حال كبير أسرتهما الذي بلغ من الكبر عتيا، فأصبح عاجزا عن الحضور، بنفسه لسقي الماء بدلا منهما، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى حكاية عنه وعنهما: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ قال جار الله الزمخشري: " وإنما فعل هذا رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف، والمعنى: أنه وصل إلى ذلك الماء وقد ازدحمت عليه أمة من أناس مختلفة، متكافئة العدد، ورأى الضعيفتين من ورائهم، مع غنيمتهما، مترقبتين لفراغهم، فما أخطأت همته في دين الله تلك الفرصة، مع ما كان به من النصب وسقوط خف القدم والجوع، ولكنه رحمهما فأغاثهما، وكفاهما أمر السقي في مثل تلك الزحمة بقوة قلبه وقوة ساعده، وما آتاه الله من الفضل، في متانة الفطرة، ورصانة الجبلة، وفيه على ما كان به من انتهاز فرصة الاحتساب ترغيب في الخير، وانتهاز فرصه، وبعث على الاقتداء في ذلك بالصالحين، والأخذ بسيرهم ومذاهبهم " انتهى ما قاله الزمخشري.
стр. 1778
ومعنى ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ أي ما شأنكما الغريب، و " الخطب " هو الأمر الخطير الذي يكثر فيه التخاطب، لكونه غير مقبول ولا مألوف، ولا شك أن الوضع الذي وجد موسى عليه المرأتين، من إهمال الرعاة الرجال لإسعافها، وعدم المبالاة بإعانتها، يعد وضعا غريبا، و " خطبا " عجيبا.
ومعنى ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي حتى ينصرف رعاة الغنم بمواشيهم ويرجعوا من وردهم، و " الرعاء " أحد الجموع التي يجمع عليها لفظ الراعي، ومثله الرعاة.
ومعنى ﴿تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ فارق موقع السقي المعرض لأشعة الشمس، والتجأ إلى ظل ظليل، اتقاء لشدة الحر، واستجماما من عناء السفر الطويل.
وبعدما تنفس موسى الصعداء، من ألم الجوع وشدة الإعياء، وهو وحيد فريد، توجه مرة أخرى إلى ربه الذي نجاه من القوم الظالمين، يسأله الرفد والمدد، والعطاء الذي لا ينفد ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
والظاهر أن المرأتين اللتين أسعفهما موسى وسقى لهما استرق سمعهما ما تردد على لسانه من التوجه إلى الله، وكان موسى يعتقد أنه لم يسمع أحد صداه، فغلب على ظنهما أن موسى جائع يحتاج إلى ما يسد رمقه، لكنه يتعفف ولا يصرح بالسؤال، وأخبرتا والدهما " بعابر السبيل " الذي وفد على بلدهما، وما يبدو عليه من جميل الخصال وتبدل الأحوال، فقال لهما
стр. 1779
أبوهما (صالح مدين وشيخها الكبير): " إذا هو جائع وينبغي إطعامه ".
ولو عرفتا موسى حق المعرفة لأدركتا أن همته العالية لا تهتم بالعيش الهنيء، والتمتع بأسباب الرفاهية، وإنما أراد بتوجهه إلى الله ومناجاته إياه إذ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾: أن الخير الذي أسديته إلي يا إلهي عندما نجيتني من القوم الظالمين وحررتني من رق فرعون، منة كبرى طوقت بها عنقي، لا يقوم بحقها أي شكر، وما ينعم به آل فرعون من شفوف وثروة وهناء، لا يساوي عندي شربة ماء، إذ هو في الحقيقة عين الذل والفقر والشقاء، و " الفقر " في حمى الخالق هو " الغنى " على وجه التحقيق ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] أما الغنى في حمى المخلوق فهو الفقر الذي لا فقر بعده.
ووجه صالح مدين إحدى بنتيه إلى موسى تدعوه لينزل ضيفا عليه ويقدم له القرى ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ وإنما جاءت " على استحياء "، لأن الحياء الذي هو عبارة عن الحشمة والانقباض عن القبائح أبرز طابع يميز الفتيات العفيفات وكرائم النساء، ولا سيما إذا كان المخاطب رجلا وليس محرما من محارمهن، وإنما قالت بنت صالح مدين: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ فبينت الداعي والغرض لأن الدعوة صادرة منه لا منها، ورفعا لكل
стр. 1780
شبهة أو ريبة يمكن أن تحمل عليها، وكما أحسن موسى إلى بنتي (صالح مدين) عندما سقى لهما، وأراحهما من عناء السقي وطول الانتظار من دون سابق معرفة، ها هو أبوهما الصالح يرى من واجبه أن يقابل الإحسان بالإحسان، وأن يبادر بدعوة موسى إلى ضيافته، واستقباله في بيته مع أعضاء أسرته لمكافأته، وإن لم يكن يعرف عنه إلا مجرد الملامح التي وصفتها له بنته الكبرى وبنته الصغرى.
وأجاب موسى الدعوة التي وجهها إليه صالح مدين على لسان بنته تصديقا لخبرها، فحضر من دون تأخر إلى بيته، ولما تعرف بعضهما إلى بعض، وجد كل منهما في الآخر ما يحببه في الصحبة والمرافقة، نظرا لما وجداه بينهما من مشاكلة وموافقة، وأفضى موسى بذات نفسه إلى صالح مدين، فما وسعه إلا أن يسليه عما فات، ويطمئنه على ما هو آت ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وحيث أن صالح مدين كانت له أغنام ولم يكن لديه أجير يرعى غنمه، وإنما كانت بنتاه هما اللتان تسوقان الغنم مكان الرعاة، لكونه لا عون له سواهما، فقد انتهزت إحدى بنتيه فرصة وجود موسى ضيفا على أبيها، واقترحت عليه أن يستأجر موسى ليتولى رعي الغنم، وتستريح هي وأختها من عبئها المضني ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ ودعمت ترشيحها موسى لهذه المهمة بكونه يتوفر فيه وصفان اثنان قلما يجتمعان في كثير من الناس، وكل منهما له أهمية بالغة بالنسبة لأية مهمة، صغر شأنها
стр. 1781
أو كبر: الوصف الأول أنه " قوي "، والوصف الثاني أنه " أمين "، إذ قالت، فجرى قولها مجرى المثل: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
وسبق في سورة النمل على لسان العفريت من الجن وهو يرشح نفسه لنقل عرش ملكة سبأ من مقرها إلى بلاط سليمان قبل أن يقوم من مقامه: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، فدعم ترشيحه لتلك المهمة بكونه " قويا " على نقل العرش، وكونه " أمينا " على ما فيه، والمراد " بالقوة " في هذا المقام ما يشمل القوة الجسمية والقوة الفكرية، من فطنة وكياسة، وسرعة بديهة، وحسن تصرف، ومن كان قوي الجسم ضعيف العقل، أو قوي العقل لكنه ضعيف الجسم، لا ينهض بالمهمة الموكولة إليه، ويتسرب الخلل إلى العمل المكلف به، بقدر ما هو عليه من ضعف جسمي أو ضعف فكري، أما " الأمانة " فهي بالنسبة لكل عامل صمام الأمان، الذي يحول بينه وبين الغش والكسل والإهمال، ويحميه من سوء التصرف والرشوة والاستغلال، قال أحد العلماء الحكماء: " إذا اجتمعت هاتان الخصلتان الكفاية والامانة في القائم بأمرك، فقد فرغ بالك، وتم مرادك ".
واقتناعا من (صالح مدين) وشيخها الكبير بما وصفت به بنته ضيفه موسى، حيث تأكدت فراستها فيه بفراسته هو وحديثه معه، وإلماما منه بما عليه موسى من كفاءة في الدين والحسب والنسب، وإحساسا منه بأن موسى يمر بمرحلة صقل وتصفية،
стр. 1782
وتهذيب وتربية، فكر (صالح مدين) في أن يرتبط معه برابطة المؤاجرة والمصاهرة، تيمنا به وتبركا، وحيث أن موسى أصبح فقيرا من الدنيا لا يملك ما يدفعه صداقا للزواج المقترح، فقد عرض عليه صالح مدين العمل عنده أجيرا للرعي والسقي خلال ثمان سنين، على أن يكون ما يستحقه فيها عن عمله، من العوض المعلوم، هو مبلغ الصداق، وبهذه الطريقة يضمن استبقاءه إلى جانبه طيلة هذه المدة، ويكون ذلك عاصما له من العودة إلى مصر، حتى لا يصاب فيها بأذى فرعون ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾. لكن موسى إذا مضى في عمله ثمان سنين، وأراد أن يتطوع بزيادة سنتين أخريين ليتم عشر سنين، كان أوفى واكمل، وذلك من دون أي إلزام بهذه الزيادة من طرف صالح مدين، ولا التزام بها من طرف موسى ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي ستجدني يا موسى من الصالحين في حسن العشرة والوفاء بالعهد، واتكل موسى على توفيق الله ومعونته، في القيام بعمله وخدمته، وأكد لمستأجره أنه سيكون عند حسن ظنه في حسن المعاملة والقيام بالواجب، ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾: أي هذا تمام قول ونفاذ عقد ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ أي ثمان سنين أو عشر سنين ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي على ما تعاهدنا عليه وتواثقنا شاهد ورقيب، اكتفاء منهما بإشهاد الخالق عليهما من دون حاجة إلى إشهاد أحد من خلقه.
стр. 1783
وقد استمد علماؤنا ﵃ من هذه الآيات البينات أربع فوائد:
- الأولى: مشروعية الإجارة، وأنها كانت أمرا معلوما ومشروعا بين أهل مدين، ودليل هذه الفائدة ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾. على أن الإجارة أمر متعارف في كل ملة، لأنها من ضروريات الخلطة والتعامل بين الناس.
- الثانية: عرض الولي الزواج بالبنت التي إلى نظره على من يراه كفوءا لها.
- الثالثة: تولي الولي للعقد عليها.
- الرابعة: تقديم ذكر الزواج في عقد الزواج على ذكر الزوجة، لأنه الملتزم للصداق والنفقة، والقيم على الأسرة، ودليل هذه الفوائد الثلاث ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾.
وإنما لم يقع تعيين البنت التي يريد تزويجها هنا، لأن الأمر كان ما يزال مجرد " عرض " لا " عقد "، فلما وقع قبول العرض تعينت الزوجة وتم العقد، وبهذا يتبين أن قصص الأنبياء التي يتحدث عنها كتاب الله مصدر للتوجيه، ومنجم خصب للاستنباط، علاوة على النصوص الصريحة في الأحكام من آيات الذكر الحكيم، وسنة رسوله الكريم، قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الآية: ٩٠]، وقال تعالى في نفس السورة: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الآية: ٨٧].
стр. 1784
تعليق وتحقيق
حول الرجل الذي لقيه موسى
وبقي اسمه " مبهما " في طي الكتمان
من دون أن يكشف عنه القرآن.
ــ
والآن وبعد أن فرغنا من تفسير الآيات الكريمة المتعلقة بهجرة موسى من مصر وحلوله بأرض مدين، وما جرى له مع بنتي " شيخ مدين الكبير " وما انتهى إليه أمره معه من مؤاجرة ومصاهرة، وإقامة بجواره خلال عشر سنوات، من حق أي سائل أن يتساءل: من هو ذلك " الشيخ الكبير " الذي لم يصرح كتاب الله باسمه، وإنما تركه " مبهما "؟ هل صحيح ما جرى على كثير من الألسنة والأقلام، من أن المراد به هو نفس النبي شعيب ﵇؟ أم ان ذلك مجرد تخمين أو التباس، أوقع فيه ما هو متعارف من كون " مدين " هي وطن النبي " شعيب "، وكون " شعيب " هو " أخ مدين " المرسل إلى أهلها، حتى أصبح اسم " مدين " مقرونا باسم " شعيب " واسم " شعيب " مقرونا باسم " مدين "، من باب " تداعي الخواطر والمعاني والأفكار "؟
وجوابا على هذا السؤال الملح نقدم الملاحظات التالية التي انتهينا إليها، بعد أن أعدنا النظر في هذا الموضوع، ودققنا البحث فيه بقدر المستطاع.
- أولا: إن شعيبا ﵇ حسبما حكى عنه كتاب الله ـ لم يكن فريدا ولا وحيدا دون أتباع ولا أنصار، بل كان له
стр. 1785
- كبقية الأنبياء - " رهط " من قومه المؤمنين به يقفون بجانبه في الشدة والرخاء، والسراء والضراء، حتى أن كفار مدين ـ رغما عن مهاجمتهم إياه وتحديهم له ـ لم يسعهم إلا الاعتراف بأن له عصبة قوية تقف في وجوههم، وتدفع عنه أذاهم، وهم يتفادون المواجهة معها، بدليل قولهم لشعيب وهم يخاطبونه: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ كما حكى عنهم كتاب الله في سورة هود [الآية: ٩١]، بينما " الشيخ الكبير " الذي سقى موسى لبناته يصوره كتاب الله فريدا وحيدا عاجزا عن القيام بشؤونه، ولذلك لجأ إلى تكليف بناته برعي غنمه وسقيها، وعندما يرد بناته " ماء مدين " يقفن منتظرات، من دون أن يبادر أحد من الرعاة الأشداء إلى مساعدتهن، اللهم إلا هذا الغريب و " عابر السبيل " الذي وفد من مصر إلى مدين ذات يوم، قبل أن ينبأ، واسمه " موسى "، ولو كان " الشيخ الكبير " الذي لقي موسى بناته هو نفس النبي شعيب ﵇ لما وكله " رهطه " والمومنون برسالته إلى نفسه، ولما تركوا بناته يقمن بهذا العمل المضنى، ولكان نبيهم هو أول من يسقون له ويرعون غنمه، ويقومون بخدمته، ولاسيما وهم يرون انه بلغ سن الشيخوخة والكبر، الذي يعجز فيه أغلب الناس عن كثير من الأعمال، ويحتاجون إلى المزيد من البرور والإحسان.
- ثانيا: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه "، وفي لفظ آخر: " ما بعث الله نبيا إلا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده " ـ رواه الإمام أحمد في مسنده. وهذا
стр. 1786
الحديث يتفق معناه مع الآية السابقة الواردة في سورة هود، التي تثبت أن لشعيب ﵇ " رهطا " ينصرونه ويقفون بجانبه، وبذلك كان شعيب ﵇ فعلا في " عز قومه ومنعة في بلده "، بينما " الشيخ الكبير " الذي لقي موسى بناته لما " ورد ماء مدين " يصوره كتاب الله في عزلة تامة لا يأخذ بيده إلا بناته المحتشمات من دون غيرهن، ولا يأخذ بيدهن أحد، لولا المفاجأة التي حصلت لهن عند حلول موسى بأرض مدين.
- ثالثا: إن كتاب الله وضح في سور عديدة المآل الذي آل إليه أمر شعيب ﵇، بعد أن بذل كل جهوده في تبليغ الرسالة إلى قومه ومحاجته لهم، ولم يبق له أمل في إيمانه الكثرة الساحقة منهم، وهو أنه " تولى عنهم " وفارقهم بالمرة، غير " آسف عليهم ولا محزون "، ووكلهم إلى عقاب الله وعذابه، فأصاب كفار مدين من العذاب ثلاثة ألوان: عذاب " يوم الظلة "، وهي سحابة اظلتهم، فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، وعذاب " الصيحة " التي جاءتهم من فوق رؤوسهم، وعذاب " الرجفة " التي جاءتهم من تحت أرجلهم، فزهقت منهم الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. ومعنى هذا أن قوم مدين الذي أرسل الله إليهم أخاهم شعيبا فكفروا به بادوا وانقرضوا. وإذن " فالأمة من الناس " الذين وجدهم موسى يسقون لما " ورد ماء مدين " لا يمكن أن يكونوا هم قوم شعيب الذين عاقبهم الله وقطع دابرهم، ولا يعقل أن يكونوا من الفئة القليلة التي آمنت به، إذ لو كانوا من المؤمنين برسالة شعيب، وشعيب لا
стр. 1787
يزال حيا يرزق بين أظهرهم، لما أهملوا أمره وأمر أهله إلى هذا الحد، بل لا شك أنهم قوم آخرون عمروا هذا المكان، واستقروا به بعد ذهاب أهله وانقراضهم، وانتهاء عصر شعيب ورسالته، ودخولهما في ذمة التاريخ.
- رابعا: على فرض أن النبي شعيبا ﵇ عاش ولم يفارق مدين حتى ادركه موسى، وأنه هو الذي استضافه وصاهره واستأجره، فقضى موسى بجانبه عشر سنوات كاملة، هل يعقل أن لا يتحدث كتاب الله عن عشرتهما الطويلة ـ والحال ان الأول نبي ورسول، والثاني مرشح في علم الله للنبوة والرسالة ـ إلا حديثا مقتضبا لا يتجاوز سبع آيات، من الآية ٢١ إلى الآية ٢٨ في هذا الثمن، ومن دون أن يمس في الصميم أي جانب من جوانب الدين الأساسية، التي طالما حاور شعيب قومه في شأنها، والتي سيحاور موسى في شأنها فرعون وملأه بعد فترة من الزمن، عندما يفارق مدين ويبعث من ربه رسولا. بينما نجد كتاب الله يطيل النفس في الحديث عن لقاء موسى، بعد نبوءته، بعبد من عباد الله آتاه الله من لدنه علما، ويفصل القول في تسجيل حوارهما الممتع والمثير، ويصف المفاجآت التي فوجئ بها موسى من طرف محاوره الصالح الحكيم أدق وصف وأغربه. وها هي سورة الكهف شاهدة على ذلك، فقد خصصت للقائهما اثنتين وعشرين آية، من الآية ٦٠ إلى الآية ٧٢، هذا وموسى وقتئذ هو الرسول، ومحاوره إنما هو رجل صالح علمه الله ما لم يكن يعلم، وليس في عداد الأنبياء، ألا يدل هذا كله على أن " الشيخ الكبير " الذي
стр. 1788
لقيه موسى بمدين لم يكن هو النبي شعيبا ﵇؟
- خامسا: إن كتاب الله عندما قص في سورة الأعراف قصة آدم في ست عشرة آية أتبعها بقصص مجموعة من الأنبياء والمرسلين على التتابع، فبدأ بقصة نوح مع قومه، التي استغرقت خمس آيات، أولها: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾، ثم ثنى بقصة هود مع عاد، التي استغرقت سبع آيات، أولها: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾، ثم ثلث بقصة صالح مع ثمود، التي استغرقت سبع آيات أيضا، أولها: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، ثم ربع بقصة لوط مع قومه، التي استغرقت أربع آيات، أولها: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾، ثم خمس بقصة شعيب مع مدين، التي استغرقت ثمان آيات، أولها: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، وعقب على قصص هذه المجموعة من الرسل بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ إلى قوله تعالى تعقيبا على الجميع، وإلحاقا بكل ما سبق من أخبار أولئك الرسل وأقوامهم: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، واستغرقت قصة موسى التي جاءت مستقلة عما سبقها من قصص الرسل السابقين أربعا وخمسين آية. قال الزمخشري: " الضمير في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ للرسل أو للأمم، عني الأمم التي أرسلوا إليها ". وقال ابن كثير: " يقول تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد الرسل المتقدم ذكرهم كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين،
стр. 1789
﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ أي بحججنا ودلائلنا البينة " انتهى كلام ابن كثير. وقال علاء الدين المعروف بالخازن: " قوله : ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني ثم بعثنا بعد الأنبياء الذين تقدم ذكرهم، وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈ ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ يعني بحججنا وأدلتنا الدالة على صدقه " انتهى كلام الخازن. وبشهادة هذه الآية الصريحة الواردة في سورة الأعراف وتفسيرها البين يتضح لكل ذي عينين أن شعيبا ﵇، كان سابقا على موسى، ولم يكن معاصرا له حتى يمكن أن يتم بينهما اللقاء، وإذن " فالشيخ الكبير " الذي آجر موسى وصاهره ليس هو شعيب المعروف " بخطيب الأنبياء "، لكن الظاهر من حاله ومقاله أنه أحد الصالحين الأتقياء.
قال ابن كثير ما نصه: " قد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو على أقوال: أحدهما انه شعيب النبي ﵇ الذي أرسل إلى أهل مدين، وهذا هو المشهور عند كثير من العلماء، وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب، وقيل رجل مومن من قوم شعيب، وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى ﵇ بمدة طويلة، لأنه قال لقومه: (وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل ﵇ بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى ﵉ مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد، وما قيل: إن شعيبا عاش مدة طويلة إنما هو - والله أعلم - احتراز من هذا الإشكال. ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه
стр. 1790
لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن ها هنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده ". ثم أشار ابن كثير إلى بعض الأقوال الأخرى التي حاولت تعيين الرجل الذي لقيه موسى، رغما عن " إبهام " القرآن لاسمه، وختم كلامه بما انفصل عليه ابن جرير الطبري في الموضوع من دون أدنى اعتراض إذ قال: " الصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر، ولا خبر تجب به الحجة في ذلك "، وإذن فلنقف عند حدود القرآن، فيما " أبهمه " ولم يثبت في شأنه أي بيان، والله تعالى أعلم فيما " أبهمه " ولم يثبت في شأنه أي بيان، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →