← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الربع الثاني من الحزب السادس في المصحف الكريم (ق) ــ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً

стр. 212

إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ

стр. 213

يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)

стр. 214

الربع الثاني من الحزب السادس في المصحف الكريم (ت) عباد الله حديث هذا اليوم يستوعب الربع الثاني من الحزب السادس في المصحف الكريم، وأوله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وآخره قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. ــ سبق لنا في بداية الحزب الخامس ضمن سورة البقرة قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وفي هذا الربع الذي نحن بصدد تفسيره يتصدى القرآن الكريم بتفصيل أوفى لبيان قصة حمل مريم وقصة ميلاد ابنها عيسى، موضحا لرسول الله ﷺ وجه الحق في أمرهما، مبطلا كل الأساطير والشبهات التي قامت من حولهما. وأول آية في هذا الربع هي بمنزلة المدخل والتمهيد إلى هذه القصة المثيرة، الباعثة على مزيد من التأمل والاعتبار، والآية التمهيدية هنا تشير على وجه العموم إلى الأسرة الفاضلة التي برزت بواسطتها

стр. 215

وعن طريقها إرادة الحق في مجال الخلق والإبداع، مجال الأمر والاتباع ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. وهذه الأسرة الصالحة التي نفذت إرادة الله، وبلغت إلى الخلق أمره ونهيه، تعني أسرة الأنبياء والرسل، ممن أخذوا على عاتقهم هداية الخلق وتربيتهم، وتولوا نقل الأمانة التي اختار الله لحملها الإنسان، وعملوا على حفظها وصيانتها من كل ما قد يتسرب إليها، وقاموا بتجديد أمرها على مر الزمان. وفي رأس القائمة لهذه الأسرة الروحية الكبرى التي تدين لها البشرية يرد اسم آدم، الأب الأول للبشر، واسم نوح، الرائد الأول للأنبياء والرسل، ثم يقع التنصيص بالخصوص على فرعين كريمين منها، تسللت فيهما وراثة النبوة وتناقلت في عقبهما الدعوة إلى الله والتبشير بدينه الحق، وهما آل إبراهيم وآل عمران، فهؤلاء جميعا انتدبهم الحق لتنفيذ إرادته وإبلاغ شريعته، وجزاء لهم على قيامهم بالواجب-طبقا لمقتضى الأمر الإلهي- فضلهم الله على العالمين، وخلد ذكرهم في الصالحين، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وها هنا يجب التنبيه إلى أن النظرة الإسلامية القرآنية في التفضيل والتفاوت بالنسبة لإنسان على آخر، وفريق على فريق، إنما تقوم في البداية، وتؤول في النهاية، إلى عوامل أخلاقية ونفسية بحتة، ترتبط بمجرد السلوك والعمل، فالتفضيل الإسلامي تفضيل معنوي روحي أخلاقي لا علاقة له بالجنس ولا باللون ولا بالبيئة

стр. 216

الاجتماعية التي ينتمي إليها الشخص، على حد قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. ومن طريف ما في هذه الآية الكريمة الإشارة الواضحة إلى الأثر العميق الذي تحدثه البيئة أيا كان مستواها على الأفراد المنتمين إليها، والمحتكين بها، فالتعقيب على الاصطفاء والاختيار بقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ تنبيه إلى أن بيئة الصلاح والتقوى والبر، وتقدير المسؤولية، التي يعيش فيها الأبناء إلى جانب آبائهم، تؤثر في أبنائهم أبلغ وأعمق تأثير، وتطبعهم بطابع الاستقامة واليقظة، وتعدهم إعدادا خاصا لعمل الخير والتمسك بالفضيلة، وعلى العكس من ذلك بيئة الفساد والفسق والشر، والانحلال والإهمال، التي يعيش فيها الأبناء إلى جانب آبائهم، تترك في أبنائهم أثرا سيئا، لا يمحى، وتجعلهم أسرع الناس إلى المغامرة في مجالات الشر والرذيلة، تقليدا لآبائهم، وسيرا في طريقهم، وهكذا يحسن الأب الفاضل والأم الفاضلة إلى نفسهما وإلى ذريتهما أكبر إحسان، ويسيء الأب والأم المتنكران للفضيلة إلى نفسهما وذريتهما في حياتهما ومن بعد موتهما، أكبر إساءة. ثم تحكي الآية على لسان امرأة عمران أنها نذرت لله الجنين الذي كان في بطنها، وسألت منه سبحانه أن يتقبل منها نذرها وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ومعنى هذا أنها التزمت بأن تقدم جنينها ووليدها، الذي هو فلذة كبدها، إلى المعبد، هبة لله، وقربة إليه ابتغاء مرضاته، وذلك لما هي عليه من

стр. 217

التقوى والنسك والتجرد لله، غير أن في تعبيرها كلمة جديرة بالتعليق ولفت النظر، ألا وهي كلمة (مُحَرَّرًا) بعد قولها ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ فهذه الكلمة تعني عزم امرأة عمران بنية صادقة على أن تجعل جنينها ووليدها (مُحَرَّرًا) من كل التكاليف العادية، والالتزامات العائلية واليومية، حتى يكرس حياته كلها لعبادة الله دون شاغل يشغله، لا من أمر نفسه ولا من أمر عائلته، كما تعني هذه الكلمة أن امرأة عمران تتمنى على الله أن يكون جنينها ووليدها عبدا خالصا لله، محررا من كل رق أو خضوع لسواه، بحيث لا يسلم وجهه إلا إليه، ولا يعتمد إلا عليه، إذ إن التعبد لله على وجهه الصحيح هو التحرر الكامل، نفسيا وأخلاقيا. وقوله تعالى على لسان امرأة عمران ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ لم يرد في سياق التنقيص من المرأة أو الحط منها، بل إن السياق العام الذي جاءت فيه نفس هذه الآية هو على العكس من ذلك سياق تكريم للمرأة وتمجيد لها في شخص امرأة عمران أم مريم، وفي شخص مريم أم عيسى، فهذا الربع كله تقريبا يتحدث في شخصهما عن الدرجة العليا عند الله والمكانة المرموقة عند الناس، اللتين تستطيع أن تصل إليهما المرأة، متى التزمت في سلوكها سيرة التقوى وطريق الصلاح. وإذن فالمراد من آية ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ إنما هو مجرد تقرير حقيقة فطرية وطبيعية، هي أن الله تعالى خلق الذكر لأمر، وخلق الأنثى لأمر آخر، وليس كل ما يمكن القيام به لأحدهما ممكنا للثاني، فطبيعتهما مختلفة، ومهمتهما متنوعة، وهما عنصران

стр. 218

متكاملان، بحيث لا يكمل الذكر إلا بالأنثى، ولا تكمل الأنثى إلا بالذكر. وهذا التكامل الضروري بينهما، الذي يحتاج إليه كل منهما يشمل جميع الجوانب، ولاسيما الجانب النفسي، والجانب الخلقي، والجانب الاجتماعي والتربوي الذي يرتبط به مصير النوع الإنساني عموما، ومصير الأسرة على الخصوص ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ومن هنا نستطيع أن نستشف ونكتشف سر الحكمة الإلهية في تكوين الأنثى تكوينا عضويا مختلف للتكوين العضوي الذي عليه الذكر، وذلك حتى يؤدي كل منهما في الحياة الوظيفة المعينة التي خصص لأدائها من عند الله. ولو لم تكن في هذا التنويع حكمة مقصودة على الدوام والاستمرار، ولو كان الغرض إنشاء نوع متساو للقيام بوظائف عضوية واجتماعية واحدة لا تنويع فيها ولا اختلاف، لما عملت القدرة الإلهة على تصميم النوع الإنساني تصميما مختلفا، وعلى تكوين صنفين متغايرين من هذا النوع، هما نوع الذكر ونوع الأنثى، ولكان الإنسان كله إما ذكرا دون أنثى، أو أنثى دون ذكر، وهذا ما يخالف الفطرة ويناقض الحكمة تماما. وقوله تعالى حكاية عن امرأة عمران بعدما وضعت ابنتها مريم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ فيه إشارة

стр. 219

إلى ما ينبغي للأبوين من تحصين وليدهما بالدعاء الصالح والتوجيه الصالح، ابتداء من ساعة خروجه من بطن أمه، بحيث تكون تلك الفترة فترة ابتهاج وشكر لله، من جهة، وفترة ابتهال إلى الله ودعاء، من جهة أخرى. وقد جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه) الحديث. ثم يقول أبو هريرة: (واقرؤوا إن شئتم: وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم). وقوله تعالى حكاية عن زكرياء، كافل مريم في طفولتها، عندما دعا ربه بدوره ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ فيه توجيه لعباده المؤمنين حتى يملؤوا قلوبهم بمثل هذا الأمل والرجاء، وهو في نفس الوقت تنويه (بالذرية الطيبة) التي هي من نعم الله الكبرى الجديرة بالابتهال والدعاء، ومثل الرجل الذي لا ذرية له مثل الشجرة التي لا ثمرة لها. غير أن الذرية المرغوبة والمطلوبة هي الذرية (الطيبة) كما في دعاء زكرياء، لا الذرية الخبيثة، " وطيب الذرية " مرجعه في أغلب الأحوال إلى طيب منبتها، أي إلى طيب الأسرة وحسن تربيتها، وإلى قدرتها على تحمل مسؤوليتها، من الوجهتين الروحية والمادية، الدينية والدنيوية، وإلا كانت الذرية نقمة لا نعمة، نقمة على نفسها أولا، ونقمة على أسرتها ثانيا، ونقمة على وطنها كله في نهاية

стр. 220

الأمر، وعلى مثل هذا النوع من الذرية التي لا ينبغي أن يترك لها الحبل على الغارب ينطبق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وذلك حتى لا يستشري فيها الفساد، ويضيع منها الرشاد، فينطبق عليها حينئذ قوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. ولب اللباب الذي تدور حوله القصة المفصلة في هذا الربع أمران أساسيان: الأمر الأول: الرد على اليهود وإبطال ما اتهموا به مريم العذراء بنت عمران وأم عيسى، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ فإثبات القرآن الكريم لطهارة مريم إبطال لتهمة اليهود المغرضة، التي حاولوا إلصاقها بأم المسيح، ونقض لتهجمهم على عرضها من الأساس. الأمر الثاني: الرد على النصارى، وتأكيد أن عيسى المسيح إنما هو ابن مريم وولدها، وليس ابن الله ولا ولده، كما يدعي النصارى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإثبات أن ولادة مريم لعيسى، دون أن يمسها بشر، أمر اقتضته حكمة الخالق البالغة، ونفذته قدرته الباهرة، التي لا يحدها حد ولا يقيدها قيد، وذلك قوله تعالى على لسان مريم نفسها ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

стр. 221

وسيأتي في الربع المقبل ما يوضح أن ولادة عيسى بهذه الطريقة ليس فيها ما يدعو إلى أي استغراب، فقد سبقتها سابقة أخرى أقدم وأروع وأعجب، وقد سلم بها الجميع، ولم يستغربها أحد من الناس، ألا وهي خلق آدم أب البشر، الذي خلقه الله دون أم ولا أب، فميلاد عيسى بن مريم من أم دون أب يعتبر أقل غرابة، وأبعد عن إثارة الدهشة بالنسبة إلى خلق آدم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. وهكذا يقف القرآن الكريم موقف الصدق والحق يرد لمريم العذراء اعتبارها، ويدفع عن عيسى بن مريم ما ألصقته به الخرافات والأساطير، فيغسل العار الذي ألحقه اليهود بمريم، ويرفع الوهم الذي ألحقه النصارى بعيسى ابن مريم، والظلم الذي ألحقوه بمقام العلي الأعلى، إذ جعلوا له الشريك والولد، وهو سبحانه ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.

стр. 222

الربع الثالث من الحزب السادس في المصحف الكريم (ق) ــ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 223

فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)

стр. 224

مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)

стр. 225

الربع الثالث من الحزب السادس في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب السادس في المصحف الكريم، وهذا الربع يبتدىء من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ وينتهي بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ــ في هذا الربع من سورة آل عمران وصف لموقف بني إسرائيل من نبيهم الجديد عيسى بن مريم، وإشارة إلى موقفه منهم عند وداعه لهم الوداع الأخير ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وفيه أيضا تنظير وتمثيل لعيسى بآدم ﵉، وفيه إشارة إلى مباهلة الرسول ﷺ لنصارى نجران بعد مناظرته لهم في شأن عيسى المسيح وأمه مريم العذراء، وإقامته الحجة عليهم، وإظهار ما آلت إليه عقيدتهم من تحريف وفساد ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.

стр. 226

وفيه دعوة عامة إلى جميع أهل الكتاب على اختلاف كتبهم ومللهم للدخول في الإسلام، الذي هو الدين الوحيد العام، والتنازل عن جميع الفوارق والخرافات والأوهام. وفيه علاوة على ذلك-عودا على بدء-حديث جديد عن إبراهيم الخليل، وبراءته من اليهودية والنصرانية، فضلا عن الشرك والوثنية، وإثبات سند الإسلام المتصل بإبراهيم ورسالته، وكون الإسلام مجرد تجديد وإحياء لملته ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والآن فلنوضح ما يسمح به الوقت من الآيات البينات. فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ جاء عقب الإشارة إلى أن الله قد بعثه إلى بني إسرائيل رسولا مصدقا لما بين يديه من التوراة، وليحل لهم، رحمة بهم، بعض الذي كان قد حرم عليهم قبل بعثته، مما وقع تحريمه عليهم عقابا لهم وتأديبا. وقد أشارت الآيات السابقة في آخر الربع الماضي إلى المعجزات التي أيد الله بها عيسى، مما هو متناسب ومنسجم مع طبيعة المعجزة التي برزت في ميلاده من أم عذراء وبغير أب ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ - وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. غير أن جميع هذه الدلائل التي جاء بها عيسى على قوتها لم

стр. 227

تؤثر في عقول بني إسرائيل، ولم تزعزعهم عن موقف التعصب والعناد إزاء عيسى ورسالته ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فلم يلبث عيسى ﵇ أن أحس منهم الكفر وأخذ يبحث عمن يناصره ويسانده، لا جبنا ولا خوفا، ولكن ليجد عونا على تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، وذلك هو قوله تعالى على لسان عيسى وحكاية عنه: (قَالَ: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ؟) فما كان من العناية الإلهية إلا أن وفقت فريقا منهم للإيمان بعيسى، كما وفقت الأنصار من الأوس والخزرج إلى بيعة رسول الله ومناصرته في السراء والضراء، وطاعته في المنشط والمكره، وذلك قوله تعالى حكاية عن حواريي عيسى ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. فها هنا نضع اليد مرة أخرى على الوحدة القائمة بين رسالات الرسل ومواقف أتباعهم الصادقين، ونجد هذه الوحدة بارزة حتى في الألقاب والأسماء والاصطلاحات، فأتباع عيسى ﵇ يسميهم القرآن (أنصارا) كما سمى أتباع الرسول ﷺ الذين بايعوه على النصرة، من الأوس والخزرج، أنصارا ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾. وكما نسمي نحن أنفسنا (مسلمين) فقد سمى الحواريون أنفسهم بنفس الاسم، إبرازا للصفة المهيمنة على حياة المؤمنين، والموجهة لهم في جميع أعمالهم وتصرفاتهم، ألا وهي صفة الطاعة المطلقة، والامتثال الكامل، والتسليم لتوجيهات الله وتعليماته في

стр. 228

تدبير شؤونهم الخاصة والعامة، دون مناقشة منهم ولا اعتراض ولا تمرد ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. وكما أن الإسلام لا يكتفي من معتنقيه بمجرد الإيمان القلبي والاعتقاد النظري الصرف، بل يطالبهم بإظهار شعائره، وتطبيق شرائعه، وإلا كان لهم من الإسلام مجرد الاسم، فإن حواريي عيسى الذين عرفوا حقيقة رسالته، وأدركوا طبيعتها على وجهها، أكدوا هذا المعنى الحيوي الذي يستلزمه مقتضى الإسلام، وسجلوه كما حكى الله عنهم قالوا لنبيهم ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ثم اتجهوا إلى الخالق مؤكدين نفس المعنى قائلين فيما حكى عنهم القرآن الكريم: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ فاتباع المؤمنين لرسولهم، وتطبيقهم لشريعته على حياتهم اليومية الخاصة والعامة، هو وحده البرهان الناطق على قوة إيمانهم، وهو وحده المعيار الصحيح لصدق عقيدتهم، وهو وحده الأساس الذي تبنى عليه الشهادة لهم بأنهم من المسلمين، والذي يسجلون على أساسه في عداد (الشاهدين). ولذلك كانت (الشهادة) مما بني عليه الإسلام، بل هي أول ما بني عليه كما قال ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا). ولذلك كانت الشهادة أيضا عنصرا ضروريا في الأذان إلى الصلاة وعند إقامتها، ولذلك أيضا خصص من الصلاة جزء للتشهد فيها، فالتشهد تعبير دائم ونطق صريح شبيه بالأمر اليومي

стр. 229

الذي تصدره قيادة الجيش إلى القوات العاملة فيه، مضمونه أن المؤمن المتشهد مقتنع كل الاقتناع بدينه، ملتزم له فكرا وقولا وعملا، وأنه مرتبط بإلهه ونبيه ارتباطا مستمرا، وأنه معتز بهذا الارتباط، وأنه مفتخر بهذا الانتساب وهذا الالتزام، أمام العالم أجمع، بما فيه من مسلمين وغير مسلمين، وإذا كانت الشهادة بمعناها العادي تتضمن اقتناع الشاهد بمحتواها، وحرصه التام على إبرازها وعدم كتمانها، وامتناعه من إدخال أي تبديل أو تغيير عليها، فما بالك بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، التي هي أم الشهادات جميعا؟ وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ دعوة لأهل الكتاب على اختلاف كتبهم ومللهم أولا، ولغيرهم ثانيا، إلى الاجتماع والاتحاد والدخول في حظيرة الإسلام، إذ إنه هو الدين الوحيد المتسلسل، عن طريق الوحي المنزل، إلى كافة الأنبياء والرسل، الذي يجب أن تجتمع عليه الكلمة، دون تفرقة في عقائده، ولا تفاوت بين أتباعه، بل على أساس الوحدة الروحية والإنسانية المجردة، والإجماع على الاعتراف بسلطة الله العليا وبتوجيهه الأسمى، ووضعها فوق كل سلطة وفوق كل توجيه، ثم تحرير عباد الله، من كل تبعية البشر، فمن أجابها فاز بالحسنى، ومن أهملها سقطت حجته وكان مسؤولا عن إهماله أمام الله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.

стр. 230

الربع الأخير من الحزب السادس في المصحف الكريم (ق) ــ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ

стр. 231

وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا

стр. 232

فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)

стр. 233

الربع الأخير من الحزب السادس في المصحف الكريم (ت) عباد الله تتناول حصة هذا اليوم الربع الأخير من الحزب السادس في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. ــ هذا الربع من سورة آل عمران يمس عدة موضوعات حيوية، من العبادات والمعاملات، ففي آياته البينات إشارة إلى موضوع الأمانة بالنسبة لشؤون الدنيا، وإلى موضوع الأمانة بالنسبة لشؤون الدين، وفي آياته تحديد وتوكيد لما نادى به القرآن الكريم من إعفاء البشر من كل شيء زائد على العبودية لله، ومن تحريرهم من كل أنواع العبودية الأخرى التي تعارف عليها الناس لسواه ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.

стр. 234

وفي آياته تعريف للمؤمنين بما أخذه الله على النبيين السابقين، من ميثاق الإيمان والنصرة لخاتم الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. وفي آياته توضيح جديد لمعنى الإسلام، وإثبات أنه الدين الذي لا يقبل الله دينا سواه ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ - ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وفي آياته إشارة إلى ما قد يصيب بعض ضعفاء الإيمان من ردة بعد إيمانهم تتبعها التوبة قبل الموت، أو يعقبها الإصرار عليها إلى حين الموت ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾. أما الأمانة المتعلقة بشؤون الدنيا فيشير إليها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 235

وهذه الآية الكريمة تصف في الأصل حال الكتابيين الذين كانوا يعايشون المسلمين بالمدينة وما حولها، وتبين أنهم ليسوا أهلا لثقة المسلمين، ولا أهلا لائتمانهم، إذ إن أولئك الكتابيين في مجموعهم لا يلتزمون جميعا الأمانة في معاملاتهم مع المسلمين، بل فيهم من يلتزمها حتى في المبلغ الكبير كالقنطار من الذهب والفضة، وفيهم من لا يلتزمها ولو في المبلغ الزهيد كالدينار الواحد وما ماثله. وعدم التزام فريق منهم للأمانة يجعلهم جميعا عرضة للشك والريب، حيث لا يدري الذي يتعامل معهم هل أنه يتعامل مع أمين أو مع خائن، إذن فالأولى والأفضل للمسلمين، وهم في بداية تنظيم المجتمع الإسلامي وإقامة دعائم الدولة الإسلامية، أن لا يعرضوا أموالهم لخطر، وأن يكتفوا بالتعامل فيما بينهم، وأن يتركوا التعامل مع الكتابيين بالمرة. وتأكيدا لهذا التوجه الإسلامي أشار كتاب الله إلى أن الكتابيين الذين لا يلتزمون الأمانة في معاملاتهم اختلقوا لذلك عذرا دينيا ومبررا شرعيا يبررون به خيانتهم للمسلمين، ألا وهو أن الأمانة الواجبة في المعاملات إنما تجب على أهل الكتاب فيما بينهم بعضهم مع بعض، لا فيما بينهم وبين غيرهم من المسلمين، وجاءت تسمية المسلمين على لسان أولئك الكتابيين في هذه الآية باسم (الأميين) وهم يقصدون بذلك من لم ينزل عليهم كتاب من عند الله، مما يبين استمرار عنادهم وإصرارهم على إنكار رسالة سيدنا محمد ﷺ وإنكار الوحي المنزل عليه، وبذلك قرروا أن

стр. 236

أكلهم أموال المسلمين ليس بظلم، وإنما هو الحلال الطيب ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. غير أن كتاب الله عاد على دعواهم بالنقض والإبطال، وبين أن الأمانة في المعاملة واجب ديني عليهم بالنسبة لجميع الناس، لا بالنسبة إليهم فيما بينهم وحدهم دون بقية الناس، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وغني عن البيان أن استنكار القرآن الكريم لعدم التزام الأمانة في المعاملات لا يقتصر على أهل الكتاب دون من سواهم، بل يشملهم ويشمل غيرهم، وهذا هو السر في التعقيب بعد ذلك بالمبدأ العام الذي قرره الدستور القرآني الخالد، إذ قال ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وفي القرآن الكريم آيات متعددة تحض على الأمانة وتدعو إليها سيأتي التعليق عليها في مكانها إن شاء الله، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. ومما يتصل بموضوع الأمانة وبضدها الذي هو الخيانة ما يستعمله التجار لترويج تجارتهم من الأيمان الكاذبة، وقد كان ذلك شائعا بين تجار اليهود، واقتدى بهم غيرهم، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فهنا يتصدى كتاب الله بالتوبيخ والإنذار للتجار المستغلين من أجل تلاعبهم بمصالح المؤمنين، ويبين لهم العقوبات الإلهية القاسية التي تنتظرهم في الدنيا والآخرة، جزاء تطاولهم على الله،

стр. 237

وتلاعبهم باسمه الأقدس، وحلفهم الأيمان الفاجرة، من أجل ربح يحاولون الحصول عليه، وهو في الحقيقة منتهى الخسارة لهم، ومنتهى البوار لتجارتهم. فقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ معناه أنهم لا نصيب لهم في الجنة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ معناه أنهم سيكونون محل السخط والغضب والهوان، لدى الملك الديان، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ معناه لا يرحم ضراعتهم، ولا يقبل إغاثتهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ معناه أنه يتركهم على ما حشروا عليه من أدناس ذنوبهم وأوساخها، وهل بعد هذا العقاب على خيانة الأمانة واستغلال اسم الله الأقدس في الأيمان الفاجرة، من أجل تجارة خاسرة، عقاب أكبر وأخطر، ثم يأتي ختام هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي لهم عذاب مؤلم وموجع، وذلك زيادة في تأكيد العقوبات التي فصلتها الآية وأوضحتها، حتى يتجنبها من يريد لنفسه النجاة والخلاص. روى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة يشنؤهم الله: التاجر الحلاف، والفقير المحتال، والبخيل المنان). وأما الأمانة المتعلقة بشؤون الدين فيشير إليها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فهذه الآية تشير إلى استنكار الإسلام لما تواطأ عليه أحبار اليهود ورهبان النصارى

стр. 238

من الزور والبهتان، فكم من عقائد سليمة حرفوها عن أصلها، وكم من عقائد باطلة وشعائر فاسدة أدمجوها في صلب الدين وليست منه، وكم من شرائع غيروها وبدلوها ترضية للأهواء والشهوات، وكشف كتاب الله عن تضليلهم وتزويرهم النقاب، فبين أن فريقا منهم (يلوون ألسنتهم بالكتاب)، أي يتمتمون بعض الفقرات والجمل أمام أتباعهم، إيهاما لهم بأن ما يتمتمون به قول صحيح وارد في كتاب الله، لا مجرد قول من أقوالهم، وأنه من عند الله لا من عندياتهم. ولا حاجة على التنبيه على أن ما استنكره القرآن الكريم من تحريف أحبار اليهود ورهبان النصارى للدين وتزييفهم للكتب المنزلة، وتقولهم على الله ما لم يقل، ومن استغلالهم للشعور الديني استغلالا فاحشا في سبيل أغراضهم وشهواتهم، وتضليل البسطاء من أتباعهم، كلها أمور لا يقبلها الله تعالى من أي أحد من علماء المسلمين، فالعالم المسلم يجب عليه أن يحتاط كل الاحتياط من الوقوع في المزالق، ويجب عليه أن يحرص كل الحرص على حفظ أمانة العلم الشريف، وأن يصونها-مهما كلفه الأمر- من التحريف والتزييف، وإلا حقت عليه كلمة العذاب، واندرج في زمرة من ﴿يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بنص الكتاب. وفي ختام هذا الحديث ينبغي لفت النظر إلى ما ذكره (ابن العربي) المعافري أثناء تفسيره لهذه الآيات في كتابه (أحكام القرآن) إذ قال ما نصه: " فائدتها-أي فائدة هذه الآية-النهي عن ائتمانهم على " مال " -يقصد أهل الكتاب-ثم زاد ابن العربي قائلا: وقال

стр. 239

شيخنا أبو عبد الله العربي: فائدتها ألا يؤتمنوا على " دين " يدل عليه ما بعده من قوله ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فأراد أن لا يؤتمنوا على نقل شئ من التوراة والإنجيل. قال القاضي: " والصحيح عندي أنها في المال نص، وفي الدين سنة، فأفادت المعنيين لهذين الوجهين " انتهى كلام القاضي أبي بكر (ابن العربي). وإذا كان أهل الكتاب لا يؤتمنون على التوراة والإنجيل، فيكون من باب أولى وأحرى أن لا يؤتمنوا على القرآن، كما هو الشأن في غلاة المستشرقين والرهبان، الذين تجب محاربة أرائهم الفاسدة، والوقوف في وجه انتشارها بين شبان المسلمين في مختلف البلدان.

стр. 240

الربع الأول من الحزب السابع في المصحف الكريم (ق) ــ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ

стр. 241

شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا

стр. 242

الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)

стр. 243

الربع الأول من الحزب السابع في القرآن الكريم (ت) عباد الله حصتنا اليوم تستغرق الربع الأول من الحزب السابع في المصحف الكريم، وأول آية في هذا الربع قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وآخر آية فيه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ــ في هذا الربع من سورة آل عمران تتناول الآيات الكريمة موضوع الإنفاق والبر ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وموضوع الحلال والحرام من الأطعمة بالنسبة لبني إسرائيل ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ وموضوع ملة إبراهيم ومقام إبراهيم ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ - ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وموقف أهل الكتاب من الإسلام وأتباعه، رغما عن كونه هو نفس الحنيفية السمحة التي جاء بها إبراهيم، ثم تتناول آيات هذا الربع وجوب الاعتصام بالإسلام ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ - ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. كما تتناول وصف

стр. 244

الأمة التي تدعو إلى الخير، والتي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وتتناول أيضا ذم التفرق والاختلاف ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، كما تنبه الآيات الكريمة إلى ما ينال المسلمين من أذى أهل الكتاب ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ وإلى ما يناله المسلمون من نصر عليهم وغلبة لهم في النهاية ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. ولنأخذ الآن في إلقاء نظرة فاحصة على جملة من الآيات البينات في هذا الربع: يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فهاهنا تنطق الآية الكريمة بما يضعه خصوم الإسلام في طريق انتشاره من العراقيل، وما يبثون ضده من الدعايات الباطلة، إذ يضربون من حوله سورا حديديا لا يستطيع أن يتخطاه المعجبون به والراغبون فيه، بل إن هذه الآية لتنطق بما هو أنكى وأشد، ألا وهو محاولة خصوم الإسلام أن يصدوا عنه ويخرجوا من حظيرته نفس المؤمنين الذين سبق لهم الإيمان به، فهم لا يحولون بين الإسلام وبين من لم يسلم بالمرة، بل إنهم يطمعون في إخراج المسلمين أنفسهم من دائرة الإسلام، ويحاولون ذلك عمليا، لا تمنيا، هذا وهم يعرفون أن الإسلام دين الحق والصدق، ولكنهم

стр. 245

قوم بهت جبلوا على التضليل والتزييف والتعصب، وهم لا يفترون عن محاولاتهم المسمومة في الأوساط الإسلامية منذ اليوم الأول، ولعل ذلك هو السر في التعقيب بقوله تعالى مخاطبا لخصوم الإسلام: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. على أن هذا التعقيب فيه إيماء وإشارة إلى ما يلزم المسلمين من اليقظة والحذر، وعدم الغفلة عن دسائس خصوم الإسلام ومؤامراتهم ومحاولاتهم المضللة، وأساليبهم الملتوية، التي يرمون من ورائها إلى قتل الروح الإسلامية في نفوس المسلمين، وإلى تجريد حياتهم من كل المعاني والقيم الإسلامية، وإلى جعل المسلمين أشباحا بدون أرواح، وإلى إفراغ الإسلام من محتواه الإعتقادي، ومحتواه الشرعي، ومحتواه الأخلاقي، ومحتواه الاجتماعي، حتى يصبح دين الإسلام مجرد شبح من الأشباح ووهم من الأوهام. ثم يقول الله تعالى مخاطبا ومحذرا للمؤمنين، حكاما ومحكومين رؤساء ومرؤوسين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ فهذه الآية قول صدق وحق نطق به الحق ، بحيث لا يحتمل معناها عند المؤمن بربه أدنى شك ولا ريب، وهي تعلن صراحة وبدون حجاب أن فريقا من أهل الكتاب يحاولون أن يجروا المسلمين إلى ما هم عليه من الآراء والأوضاع، وأنهم يستدرجون المسلمين إلى الثقة بهم، وإلى متابعتهم والسير في ركابهم، وإغرائهم بالدخول في طاعتهم، التي هي أكبر معصية يعصى بها الله، وليس

стр. 246

ضروريا أن تكون الطاعة هنا طاعة المحكوم للحاكم والمغلوب للغالب، فهناك طاعة أخطر منها وأشد وقعا، هي طاعة القلب المظلم، الذي يمتلئ بحب الكفر والإعجاب بأهله، وطاعة الضمير الميت، الذي يتنكر للإسلام، ولا يتحرك للغيرة عليه أو الدفاع عنه. فهذه الطاعة المعنوية التي تستولي على المشاعر، وتسخر الفكر والإرادة والضمير تسخيرا أعمى لصالح الكفر وأهله، هي التي تجعل من المؤمن كافرا بعد إيمانه، وهي التي تنقله من بيئة الإسلام إلى بيئة الكفر نقلة نهائية لا رجعة بعدها، حيث لا يتنفس الصعداء، ولا يحس بالانسجام والوئام إلا مع إخوانه الكافرين، وإن كان يحمل زورا وبهتانا " اسم محمد وأحمد " في مجتمع المسلمين. وبعدما سجل القرآن الكريم هذه الظاهرة الغريبة، وحذر المؤمنين من هذا الخطر البالغ فقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ عاد مرة أخرى إلى أولئك المرتدين عن الإيمان، أو الذين هم في طريق الارتداد، يوجه إليهم خطابه، ويحذرهم عذابه، في لهجة من الاستنكار والتعجب والاستغراب، يتأثر لها أولو الألباب، فقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ أي ما هو الشيء الذي يبرر كفركم وآيات الله تتلى عليكم شهادة ناطقة، تفصل بين الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، وفيكم رسول الله يبين لكم العقائد الصحيحة من

стр. 247

العقائد الباطلة، والشعائر السافلة من الشعائر الفاضلة، والشرائع العادلة من الشرائع الظالمة. على أنه إذا غاب عنا رسول الله ﷺ بشخصه، فإن كتاب الله الذي أنزل عليه حاضر أبدا لا يغيب، وناطق دائما لا يصمت، وشاهد في كل وقت لا يكذب. ثم عقبت الآية على ذلك كله بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي أن من التزم دين الله واهتدى بكتابه وتمسك بعهده كل التمسك، كان مضمون الهداية مضمون التوفيق، إذ إن نور الله يسعى بين يديه يسدده في خطواته، ويوجه حركاته وسكناته، وهذا المعنى يقتضي بحكم المفهوم أن من لم يعتصم بالله لا بد أن يفقد الهداية والنور، وأن تحيط به الظلمات من كل جانب، ظلمات بعضها فوق بعض، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ وذلك هو ما أشار إليه الأثر الوارد في فضائل القرآن (من ابتغى الهدى في غيره أضله الله). ويقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ويقول سبحانه ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. هذه الآيات من سورة آل عمران تعالج موضوعا حيويا وجوهريا في الإسلام، قد عالجه القرآن الكريم وجدد القول في شأنه في عدة آيات وفي عدة سور، إذ به فضل الله المسلمين على غيرهم من الأمم، ألا وهو موضوع القيام بالدعوة الإسلامية والأمر

стр. 248

بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد قام الإسلام من أول نشأته على الدعوة إلى الله، والدعوة إلى الخير بكافة وجوهه وبجميع أصنافه، وهذه الدعوة مترتبة في ذمم المسلمين وفي أعناقهم، عليهم واجب القيام بها في كل عصر نحو أنفسهم ونحو الناس أجمعين، ولا يعفيهم منها ولا يسمح لهم بالتقصير فيها أي شئ. أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو واجب جماعي على كافة المسلمين، بحيث يقوم به كل من استطاع منهم في دائرة المحيط الداخل تحت إشرافه، والذي له عليه سلطة ونفوذ، فعلى الأب أن يأمر أبناءه بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وعلى الزوج أن يأمر أهله وخدم بيته بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وعلى المعلم أن يأمر تلامذته، والأستاذ أن يأمر طلابه، والشيخ أن يأمر مريديه، والعالم أن يأمر مستمعيه بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وعلى التاجر والصانع والعامل وصاحب العمل أن يأمر كل منهم بالمعروف وينهى عن المنكر، وهكذا كل في دائرة اختصاصه ومنطقة نفوذه، من أبسط شخص في الأمة إلى أقوى واحد فيها. غير أن من وضع الله في أيديهم مقاليد الحكم، ومكنهم من زمام السلطة التنفيذية الفعلية، وبسط سلطانهم على الرقاب والأموال والأملاك بالحق من أمراء المؤمنين وولاة المسلمين، يقع عليهم أكبر عبء وأعظم مسؤولية في الزجر عن المناكر، إذ هم أقدر المسلمين جميعا على إحياء المعروف وإماتة المنكر، وهم الذين قيل في مثلهم ما جاء في الأثر: " إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن "، ومعنى هذا أن هناك أفرادا متمردين على الله لا تؤثر فيهم

стр. 249

الموعظة الحسنة بالقرآن، وإنما يؤثر فيهم العقاب الرادع على يد السلطان. وسوط العقاب على المنكر والوقوف في وجهه إنما يضعه قانون الإسلام، بصفته منبعا للاستقرار والنظام، في يد أمير المؤمنين وحده، ثم في أيدي أعوانه وخدامه من الولاة المتقين، لا سيما ولاة الحسبة المختصين، لكن بإذنه وأمره، ودون افتيات عليه، فهو وحده الذي يملك من بين المسلمين حق إيقاف المنكر بالقوة، ومتابعة أهله بالعقاب، حماية للملة، وصيانة للأمة. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي) في تفسير هذه الآيات ما نصه: " ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). وفي هذا الحديث من غريب الفقه أن النبي ﷺ بدأ في البيان بالخير في الفعل، وهو تغيير المنكر باليد، وإنما يبدأ باللسان والبيان، فإن لم يكن فباليد، يعني أن يحول بين المنكر وبين متعاطيه، بنزعه عنه، وبجذبه منه، فإن لم يقدر إلا بمقاتلة وسلاح فليتركه، وذلك إنما هو الفتنة، وآئلا إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعني بقوله (وذلك أضعف الإيمان) أنه ليس وراءه في التغيير درجة. انتهى المقصود منه والمراد، وعلى الله الاعتماد.

стр. 250

الربع الثاني من الحزب السابع في المصحف الكريم (ق) ــ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
следующие страницы →