← Тафсир

Тафсир · id 115129

التيسير في أحاديث التفسير

محمد المكي الناصري

Полный текст (2 848 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)

стр. 37

الربع الثالث من الحزب الأول في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم، نتناول الربع الثالث من الحزب الأول في المصحف الكريم، وبداية هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ونهاية قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ــ والحديث في هذا الربع متجه إلى بني إسرائيل المقيمين بالمدينة وما حولها، فقد كانت جالية كبيرة منهم تعايش الرسول وأصحابه المهاجرين والأنصار خلال الفترة التي تلت الهجرة النبوية، وكان لها نشاط هدام يتطلب من الإسلام يقظة وحذرا بالغين، وعن طريق هؤلاء يتجه الحديث في الحقيقة إلى جميع بني إسرائيل في العالم، وإلى الكتابيين جميعا. فبعدما استغربت الآيات الكريمة موقفهم من الإسلام والقرآن، وأشارت إلى أن اعتراف الدعوة الإسلامية برسالة موسى الكليم كان يقتضي مبادرتهم إلى تصديق هذه الدعوة والدخول تحت لوائها، وأن المعقول والمنتظر منهم هو أن يكونوا أسبق الكتابيين إلى الإيمان بالقرآن، لا أول الكافرين به كما ارتضوا ذلك لأنفسهم،

стр. 38

فتحملوا وزرهم وأوزار جميع الكافرين الذين أتوا من بعدهم وقلدوهم، كما قال تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾. توالت الآيات البينات في كشف القناع، وإلقاء الأضواء، على المساوئ التي اتصف بها بنو إسرائيل ومن سلك طريقهم، فمن كتمان لحق وطمس لمعالمه، إلى تزييف للحق وتلبيس له بالباطل، إلى تبديل لكلمات الله وتحريف لمعانيها، إلى نفاق في السلوك وازدواج في الشخصية، ينشأ عنه تناقض صارخ بين الظاهر والباطن، واختلاف كبير بين الأقوال والأعمال، ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾، ﴿فَبَدَّلَ الذِينَ ظَلَمُوا قَولاً غَيرَ الذِي قِيلَ لَهُم﴾. ثم أخذت الآيات الكريمة في تذكير بني إسرائيل بالأطوار الغامضة المضطربة التي مروا بها، وفي تعريف غيرهم بتلك الأطوار حتى يحسبوا لها ألف حساب في الموعظة والاعتبار. فمن إشارة إلى المعاملة القاسية والمحنة الكبرى التي لاقوها على يد فرعون وقومه، وما نالهم بعدها على يد موسى الكليم من نجاة وحرية. ومن إشارة إلى ما أكرم الله به موسى من تكليم ووحي، وما أتى قومه من نعم وارفة الظلال، حيث ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأباح لهم أكل الطيبات من الرزق، وقبل منهم التوبة بعد ارتكاب أكبر الذنوب والموبقات.

стр. 39

ومن تعريض بما ارتكبوه من انحراف عن الحق وانتكاس عن الهدى، حيث عبدوا العجل عندما غاب عنهم موسى، ثم طالبوه برؤية الله عيانا متحدين له عندما عاد إليهم ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. وواضح أن ما تذمه هذه الآيات وتنعاه على بني إسرائيل، من كتمان للحق، وتلبيس له بالباطل، ونفاق في السلوك، وجرأة على الله، وعناد لرسله، وتجاهل لنعم الله المتوالية وكفران بها-رغما عن أهميتها الكبرى-وإن كان الخطاب به متجها في الأصل إلى بني إسرائيل-ليس قاصرا عليهم وحدهم دون بقية الناس، بل إن ما فيه من الذم والنعي كما ينطبق عليهم بالأصالة، ينطبق بالتبع على جميع من سلك مسلكهم واقتدى بهم في خصالهم المستقبحة وسلوكهم المنحرف، وبذلك تعتبر هذه الآيات تنبيها دائما للمسلمين، وتحذيرا لهم، وإنذارا صريحا للمنحرفين منهم عن سواء السبيل، بسوء العاقبة وقبح المصير. ومما يناسب الوقوف عنده وقفة خاصة من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾. ذلك أن الخطاب الإلهي في هذه الآيات يعتبر توجيها عاما لا خاصا، فقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. فيه لفت نظر

стр. 40

المؤمن العاقل إلى ما بين الصبر والصلاة من تلازم في الغاية، وإلى ما بين الصبر والصلاة من تكامل في الطبيعة، بحيث يعتبر مجموعهما وكل منهما عونا إلهيا على مجابهة متاعب الحياة، ومددا ربانيا للتغلب على مشاكلها اليومية. فبالصلاة يقوى الرجاء في الله، ويرتكز الإيمان بالقدر خيره وشره على أقوى أساس، وعن طريق الصلاة يستمد المؤمن الهداية والإعانة من ربه دون انقطاع. وبالصبر يواجه المؤمن مسؤولياته الملقاة على عاتقه، بحكم أمانة الاستخلاف عن الله، مطمئن القلب، منشرح الصدر، معتصما بالله، معتمدا عليه، وقد تكرر هذا المعنى في نفس سورة البقرة بخطاب إلهي موجه إلى المؤمنين بالذات، إذ قال تعالى: ﴿فَاذكُرُوني أَذكُركُمْ واشْكُرُوا لِي ولَا تَكفُرُونِ﴾ - ﴿يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا استَعِينُوا بالصَّبرِ وَالصَّلاةِ، إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. دعوة من الله إلى عباده المؤمنين للإقبال على مائدته، والتناول من بساط رزقه الممدود غير المحدود، لكن مع الاقتصار على (الطيبات) التي أحلها، والاكتفاء بها دون (الخبائث) التي حرمها ﴿وَيُحلُّ لَهُمُ الطَّيَباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، وعد إلهي للمحسنين من عباده بالزيادة في رزقهم، وإغداق النعم عليهم، وكما يقتضي منطوق هذا النص وعدا للمحسنين بالمزيد من فضل الله وكرمه،

стр. 41

فإن مفهومه يتضمن وعيدا للمسيئين بالنقص والحرمان، على حد قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأنزَلنَا عَلَى الذِينَ ظَلَمُوا رِجزاُ مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفسُقُونَ﴾ فيه تحذير من ظلم عباده والعدوان على حقوقهم، إذ الخلق كلهم عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، طبقا لما جاء في الأثر، كما أن فيه إنذارا للظالمين بالعقاب الرادع والعذاب الشديد، ينزل عليهم من حيث لا ينتظرون ﴿رِجزاً مِّنَ السَّماءِ﴾، وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفسُقُونَ﴾ إدراج لمعنى الظلم في إطار الفسق نفسه، وتأكيد لما سبق من الآيات في وصف (الفاسقين) من خيانة للعهود، وقطع للأرحام، وإفساد في الأرض، فالظلم في حد ذاته أكبر مظهر للفساد في الأرض، وبذلك يندرج تحت الفسق ويلازم الفاسقين. أما قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فإنه يشير إلى الفترة القصيرة التي استقاموا فيها على طريقة موسى الكليم، ففي تلك الفترة التي لم تطل كان المؤمنون من بني إسرائيل أفضل من غيرهم، ممن حولهم من الكفار والمشركين، حتى إذا ما بدلوا وظلموا عاقبهم الله بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ولعل أعظم تأنيب يوجه إلى الشخص بعد تجريده من شرفه

стр. 42

وإنزاله عن مكانته عقابا له وتأديبا، هو تذكيره بما كان له من شرف سابق عند مولاه، ومكانة مرموقة عند الناس، حتى يقارن بنفسه بين يومه وأمسه، وسعده ونحسه، ﴿كَذَلِكَ يُريهِمُ اللهُ أعمَالَهُم حَسَراتٍ عَلَيْهِم﴾.

стр. 43

الربع الأخير من الحزب الأول في المصحف الكريم (ق) ــ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ

стр. 44

بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ

стр. 45

لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)

стр. 46

الربع الأخير من الحزب الأول في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم، نتناول الآيات الكريمة التي يشملها الربع الأخير من الحزب الأول في المصحف الكريم، لبداية هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ــ في هذا الربع الأخير من الحزب الأول استمرار في الحديث عن قصة موسى الكليم وقومه من بني إسرائيل، ووصف لما ناله ﵇ من إعنات وإرهاق في سبيل هدايتهم، وما قابلوا به رسالته من استكبار ودلال وعناد. وفيه بالخصوص وصف موجز لمعجزة موسى عندما قام يستسقي لقومه، فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا. ثم فيه وصف مستفيض لمعجزة موسى بعد ذبح البقرة، عندما استحالت عليه معرفة قاتل ارتكب جريمة القتل خفية، فأمر بني إسرائيل بذبح بقرة، وإلقاء عضو منها على القتيل، فأحياه الله

стр. 47

بعد قتله، ونطق باسم القاتل، وكان ذلك معجزة جديدة لموسى الكليم. وفي معرض الحديث عن هاتين المعجزتين، تناولت الآيات بالوصف الدقيق ما كان عليه بنو إسرائيل من شك وتردد وعناد، وإغراق في الجدل الفارغ، وتضييع للوقت في المناقشات الجزئية والجانبية بالمرة. فها هم أولاء يعربون عن سخطهم وعدم رضاهم بما رزقهم الله، ويلحون على موسى أن يدعو ربه، لتنبت لهم الأرض نباتات أخرى ترضي شهوتهم، وتكفي نهمهم ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾. وها هم أولاء يجادلون موسى في شأن البقرة التي أمرهم الله بذبحها جدالا عنيفا، فيلقون عليه وابلا من الأسئلة التي لا داعي إليها، مما يعبر عن شكهم، ويعرب عن ارتيابهم، في أمر بسيط لا يستحق كل هذا التردد، ولا كل هذه الحيرة ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾. ثم كرروا مرة أخرى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. -وأخيرا قالوا: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. ويلاحظ فيما جرت حكايته على لسان بني إسرائيل أنهم بدلا من أن يقولوا ادع لنا "ربنا" يفضلون أن يقولوا "ادع لنا ربك"،

стр. 48

ويكررونها عدة مرات بهذه الصيغة، كأنهم لا يزالون في شك من أمره، ولا يعتبرونه ربا لهم، بقدر ما يعتبرونه ربا لموسى وحده، وفي ذلك جحود منهم ظاهر لربوبية الله رب العالمين، وجرأة على مقامه الأقدس، وليس هذا بغريب عليهم، فقد قالوا من قبل لموسى كما سبق في الربع الماضي ﴿يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. ثم ها هو الحق ينعتهم بوصف خطير ومثير، ذلك هو وصفهم بالقسوة التي هي أشد من قسوة الحجارة، وهل يرجى التأثير في قلب أقسى من الحجر الصلد؟ ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. وهذا الوصف الذي وصف الله به بني إسرائيل هو السر في عنادهم وإصرارهم على ما هم عليه، والحافز لهم على الوقوف في وجه الدعوة الإسلامية موقف المعارضة والإنكار، والتبجح والاستكبار، كما كان موقفهم من المسيحية قبل الإسلام، وهو السر في موقفهم الانعزالي المتحفظ دائما من بقية الأمم والملل عبر التاريخ. ويتجه الخطاب من جديد إلى المؤمنين، منبها إياهم إلى أن يقطعوا كل أمل في انتقال بني إسرائيل انتقالا جماعيا من يهوديتهم إلى الإسلام، مذكرا بأن أولئك الذين سمعوا كلام الله بواسطة موسى الكليم، والذين عقلوا ما فيه، -وبالرغم عن ذلك كله تجرأوا على تحريفه عمدا وقصدا لحاجة في أنفسهم- قد تجاوز عنادهم كل

стр. 49

الحدود بحيث أصبحت الموعظة لا تؤثر فيهم، والذكرى لا تنفعهم ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.؟ ومن جهة أخرى، نجد الآيات الكريمة في هذا الربع تسجل غضب الله على بني إسرائيل، جزاء عصيانهم وعنادهم لأمره في مختلف المواقف، وكفاء تجاهلهم التام لإحسانه إليهم في مختلف المناسبات، إذ تقول الآيات: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ولا حاجة إلى التأكيد بأن عدل الله سبحانه يقتضي عقاب كل من عصاه وتعدى حدوده، في أي جيل، ومن أية ملة، إن لم يكن بنفس العقاب الذي ناله بنو إسرائيل، فبما يقرب منه ويدانيه، فضرب المثل بقصة موسى وقومه أولا، والقصد إلى الاعتبار بمضمونها وفحواها ثانيا، كل منهما غرض شريف من أغراض القرآن الكريم، ولذلك جاء في نفس السياق بعد قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ - ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.

стр. 50

الربع الأول من الحزب الثاني في المصحف الكريم (ق) ــ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ

стр. 51

سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا

стр. 52

الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)

стр. 53

الربع الأول من الحزب الثاني في المصحف الكريم (ت) عباد الله في حصة هذا اليوم، نتناول الربع الأول من الحزب الثاني في المصحف الكريم، وبداية هذا الربع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ــ وواضح أن الآيات الكريمة في هذا الربع ما تزال تتوالى في وصف بني إسرائيل، وتعريف المسلمين بسوابقهم، والكشف عن أسرارهم، وذلك لإلقاء الأضواء الكاشفة عليهم، والتعريف بحقيقتهم من جهة، وتحذير المسلمين من الوقوع تحت تأثير دعاويهم الكاذبة وتأويلاتهم الباطلة من جهة أخرى، الأمر الذي أوجب لبني إسرائيل خزي الناس في الدنيا، وغضب الله في الآخرة ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ - ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ومما كشفته هذه الآيات من الحقائق، أن صفة (الأمية) التي كان بنو إسرائيل يعيبون بها العرب، متبجحين بتفوقهم عليهم في القراءة والكتابة، لم تكن قاصرة عليهم وحدهم، بل كانت خصلة

стр. 54

شائعة بين بني إسرائيل أنفسهم، رغما عن ادعاءاتهم المزيفة وتظاهرهم بعكسها من العلم والمعرفة. وهكذا تفضحهم الآية الكريمة أمام المسلمين والناس أجمعين، عندما تنطق بالأمر الواقع الذي ليس له من دافع، فتقول: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. ولا تكتفي بفضح ما يدعيه جمهورهم من العلم بالكتاب على ما هو عليه من جهل، حتى تصم النخبة منهم، بوصمة التزوير والتلفيق، لا في النصوص العادية المجردة، بل في أقدس النصوص، نصوص الوحي الإلهي والكتب المنزلة، تلاعبا منهم بالدين، ومتاجرة بالعقيدة ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. ثم تعود الآيات الكريمة من جديد للإشارة إلى المواثيق الغليظة التي أخدها الله على بني إسرائيل ميثاقا بعد ميثاق، لكنهم لم يلبثوا إلا قليلا حتى نقضوها عروة عروة، الواحد بعد الآخر ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾. - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. وفي آية سابقة: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾. وتتصدى الآيات الكريمة للرد عليهم، وإبطال ما يدعونه لأنفسهم من امتياز وتفضيل على بقية الملل، بدعوى أنهم (شعب

стр. 55

الله المختار)، فتحكي قولهم: ﴿قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. ثم أكد القرآن الكريم أن حكم الله واحد لا يتبدل، بالنسبة لكل من انحرف عن سواء السبيل، كيفما كانت ملته، ومهما كانت نسبته، وعقب على ذلك بمبدأ عام ينطبق على الجميع لا استثناء فيه ولا تخصيص، ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وأعاد الحديث عنهم مرة أخرى فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. ومن أهم الموضوعات التي عالجها هذا الربع من القرآن الكريم، وصفه لما أبداه بنو إسرائيل من التعصب والاستكبار، والجحود والإنكار، إزاء الدعوة الإسلامية وكتابها الحكيم ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ - ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ - ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. ومما يستلفت النظر في هذا المقام ورود اسم (عيسى المسيح) إلى جانب اسم (موسى الكليم) لأول مرة في سورة البقرة، وفي ذلك تقرير لتسلسل الرسالات المنزلة من عند الله وتماسك حلقاتها، وتأكيد لترابطها وتكاملها، وإقامة للحجة على بني إسرائيل الذين أنكروا رسالة جميع الرسل بعد موسى، منذ عيسى بن مريم إلى محمد بن عبد الله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ

стр. 56

أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. - ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وهكذا نجد القرآن الكريم يضع أيدي المسلمين على مواطن الداء والدواء، ويرشدهم بجميع الأساليب إلى ما فيه الهدى والشفاء، حتى يكونوا على بينة من أمرهم، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.

стр. 57

الربع الثاني من الحزب الثاني في المصحف الكريم (ق) ــ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ

стр. 58

مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ

стр. 59

وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)

стр. 60

الربع الثاني من الحزب الثاني في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم، تحوي على الربع الثاني من الحزب الثاني في المصحف الكريم، وبدايته قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ ونهايته قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ــ في هذا الربع من القرآن الكريم، تشير الآيات الكريمة من جديد إشارة موجزة إلى أكبر كبيرة ارتكبها بنو إسرائيل، ورسولهم موسى الكليم لا يزال على قيد الحياة، ألا وهي اختيارهم عن قصد وهوى في النفس لعبادة العجل، وإقبالهم على هذا النوع من العبادة الوثنية البدائية التي ما أنزل الله بها من سلطان، بمجرد غيبة رسولهم موسى ﵇ عنهم فترة قصيرة من الزمان. وفيها كذلك لفت الأنظار مرة أخرى إلى الميثاق الذي أخذه الله عليهم عند جبل الطور، وهو أحد المواثيق الإلهية العديدة التي أخذها عليهم فنقضوها جميعا، ولم يوفوا ولو بواحد منها ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾.

стр. 61

ثم تنتقل الآيات الكريمة إلى استعراض الشبه والمزاعم التي أصبحوا يلوكونها بألسنتهم، ويرددونها بين المسلمين حتى يشككوهم في دينهم، وبين المشركين حتى لا يدخلوا في هذا الدين. وتتلخص هذه الشبه والمزاعم التي تتولى الآيات الكريمة في هذا الربع تفنيدها وإبطالها في أن الدار الآخرة-ويقصدون الجنة-ستكون خالصة لبني إسرائيل من دون الناس جميعا، وإذن فلن يكون فيها نصيب للمسلمين الذين أسلموا ولا للمشركين إذا أسلموا، وفي أن جبريل الملك الذي ينزل بالوحي على قلب رسول الله ﷺ إنما هو عدو لبني إسرائيل، إذ هو في زعمهم لا يتنزل إلا بالشر والقحط والجدب، ولهذا السبب فهم يرفضون الوحي الذي ينزل بواسطته على سيدنا محمد ﷺ ، وأن الوحي لو نزل بواسطة ميكائيل، ملك الرخاء والمطر والخصب، وصديق بني إسرائيل في زعمهم، لقبلوه وصدقوا به. وهكذا تصدع آيات القرآن بالرد عليهم وإفحامهم بالحجة البالغة ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ - ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. ثم تقرر الآيات الكريمة أن من عادى أحد الملائكة-وهو جبريل في هذا السياق-فقد عادى الملائكة جميعا ومن بينهم نفس ميكائيل، لأن الإيمان بالملائكة كل لا يتجزأ، كما أن من عادى أحد

стр. 62

الرسل-وهو سيدنا محمد ﷺ في هذا السياق-فقد عادى الرسل جميعا، وفي طليعتهم نفس موسى ﵇، لأن الإيمان بالرسل وحدة لا تنفصم ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. وهكذا يؤكد القرآن الكريم بصورة قاطعة أن جبريل وميكائيل ينتميان إلى فصيلة واحدة لا فرق في خصائصها ولا في مزاياها، ولذلك يعتبر عدو أحدهما عدوا للثاني، أي عدوا لهما معا َ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. وتعيد الآيات الكريمة إلى الأذهان معنى جوهريا وأساسيا سابقا، ألا وهو أن (فسق الفاسق) هو الذي يحجب قلبه عن الإيمان، وعقله عن الهداية، ويحدث فيه مضاعفات الشر والكفر ما لا سبيل له إلى قلوب المتقين ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾. وفي نفس هذا السياق تلقي الآيات البينات بعض الأضواء الخاصة على خصلة من خصال بني إسرائيل ومن سار في طريقهم، ألا وهي خصلة الالتواء والتذبذب، والروح الانتهازية الصرفة، وهكذا إذا أعطت جماعتهم للمسلمين عهدا لم تلتزمه كلها وفي مجموعها التزاما تاما، بل إن فريقا منها ينبذه في الحين وينتمي في السر إلى الجانب المعارض، بينما يحافظ الفريق الآخر على العهد ظاهرا، فيبقى مع الجانب الذي عاهده، وذلك ليضمنوا مصالحهم

стр. 63

مع كلا الجانبين، الجانب المتغلب اليوم، والجانب الذي يمكن أن يتغلب غدا، وهذا ما تشير إلى فحواه الآية الكريمة ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. وينتقل الحديث بعد ذلك إلى وصف ما اشتهر به بنو إسرائيل بين الأمم من إقبال على السحر وتهالك عليه، واستغلال لبسطاء العقول بواسطته، ولا سيما بين مشركي العرب الأميين. ويشير القرآن الكريم إلى أن بني إسرائيل كانوا يذيعون بين الناس أن السحر إنما هو تراث أخذوه عن سليمان ﵇، كما كانوا ينسبونه إلى الملكين هاروت وماروت، وقصدهم من ذلك أن يجعلوا للسحر سندا صحيحا مرفوعا إلى الأنبياء ومقام الملائكة جميعا. وهكذا ينفي القرآن الكريم تهمة السحر عن سليمان، كما ينفيها عن الملكين هاروت وماروت، وبذلك يهدم الأساس المزور الذي يبني عليه بنو إسرائيل سحرهم، ويثبت القرآن الكريم في نفس الوقت أن السحر إنما هو في الحقيقة من صنع الشياطين ووحيهم، وأن سند بني إسرائيل من السحر إنما مرده إلى الشياطين وحدهم أولا وأخيرا ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. أي ما تكذب به الشياطين عليه، وتنسبه إليه ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وواضح أن كلمة (الشياطين) كما تطلق على شياطين الجن

стр. 64

تطلق على شياطين الإنس، على حد قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. وفي آية أخرى يقول الحق : ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. ومن هذه الآيات الكريمة تتضح للمسلمين أمور ثلاثة: ١ - الأمر الأول: أن تعلم السحر لاستعماله يضر ولا ينفع ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾. ٢ - الأمر الثاني: أن عمل السحر واستعماله كفر أو يؤدي إلى الكفر ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ - ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: " من أتى عرافا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد ". ٣ - الأمر الثالث: أن الضرر الذي يراد إلحاقه بالمسحور عن طريق السحر لا يتحقق إلا إذا كان أمره قدرا مقدورا ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وفي ختام هذا الربع توضح الآية الكريمة النية السيئة التي يبيتها الكافرون من أهل الكتاب والمشركين للمسلمين، وتشير إلى أنهم يريدون صرفهم عن الدعوة الإسلامية بجميع الوسائل، وشغلهم عنها بالخرافات والأوهام والأماني، وبتعلم السحر وما شابهه مما لا خير فيه ولا نفع من ورائه، حتى لا يستنيروا بكتاب الله الذي فيه الهدى والنور، والعلم والحكمة، فيفتحوا أعينهم على آفاق

стр. 65

الكون الواسعة ورحابه الشاسعة، ويقيموا في الأرض دولة العلم والعدل والتقوى ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وسيأتي في الربع القادم آية أخرى لها صلة وثيقة بهذا المعنى، وهي قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ لكن الله خيب سعيهم، وصدق المؤمنين الصادقين وعده، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.

стр. 66

الربع الثالث من الحزب الثاني في المصحف الكريم (ق) ــ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ

стр. 67

بَصِيرٌ (١١٠) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ

стр. 68

قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)

стр. 69

الربع الثالث من الحزب الثاني في المصحف الكريم (ت) عباد الله حصة هذا اليوم، تتألف من الربع الثالث للحزب الثاني من المصحف الكريم، وبدايتها قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ونهايتها قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. ــ مما هو معلوم من الدين بالضرورة، أن رسالة الإسلام رسالة عامة موجهة إلى كافة البشر، وأن شريعته مهيمنة على ما سبقها من الشرائع. ومن هنا انطلقت الدعوة الإسلامية في كل اتجاه، فاتجهت إلى نفس أهل الكتاب، وفي طليعتهم بنو إسرائيل الذين كانوا يتمتعون بين مشركي العرب بشيء من الاحترام، فطالبتهم بالدخول في دين الله، والاندماج في الأمة الإسلامية اندماجا كاملا، إذ أن الإسلام جاء ناسخا لما قبله، ودعوته موجهة للجميع ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. وقد أشار القرآن الكريم إلى الدعوة الموجهة إليهم، وإلى

стр. 70

كيفية جوابهم عنها، فحكى عنهم موقفهم المتعنت ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾. وهم في هذا الجواب الملتوي لم يكشفوا عن حقيقة رأيهم كاملا، إذ إنهم في الحقيقة كانوا ينظرون من بعيد إلى اعتقادهم الراسخ بأن شريعتهم ليست موقتة بوقت محدود، ولا مغياة ببعثة رسول آخر يأتي من بعد موسى وعيسى اسمه " أحمد "، بل إن شريعتهم ستظل مستمرة ومطلقة. وإذن فلا يمكن أن يدخل عليها، أي نسخ، لأن نسخ الشريعة بأخرى في نظرهم مستحيل، وقد بنوا نظريتهم في استحالة النسخ على مزاعم واهية، واستنتاجات خيالية. وردا عليهم، وإبطالا لنظريتهم، جاءت الآية الكريمة تقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. فتؤكد -على عكس ما يدعون- إمكان النسخ في الشرائع، بل تثبت وقوعه فيها فعلا، ثم توضح وجه الحكمة فيه، وأن مرده هو ضمان خير البشرية ونفعها تبعا لاختلاف الظروف، وكأن هذه الآية الكريمة تقول لبني إسرائيل: إن الشريعة التي جاء بها الإسلام ودعاكم إليها قد نسخت شريعتكم ووضعت لها حدا، وعوضتكم عنها بشريعة أكمل وأفضل، وهي نخبة الشرائع وخاتمة الأديان، فلا يسعكم الآن إلا أن تتخلوا عن شريعتكم وتدخلوا في دين الله أفواجا. وبعد ما أثبتت هذه الآية مبدأ النسخ، وبينت وجه الحكمة فيه، وهو مصلحة المكلفين وخيرهم- ردا على مزاعم بني إسرائيل-عقبت على ذلك بما يؤكد أن الأمر في هذا المقام يتعلق

стр. 71

قبل كل شئ بقدرة الله المطلقة، ويرتبط بتصرفه الشامل، تلك القدرة وذلك التصرف اللذان لا يحدهما شئ، فلله أن يرسل من يشاء، ولله أن يأمر بما يشاء، في أي وقت شاء، وبذلك تنطق هذه الآيات: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وفي مثل هذا السياق جاء قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. ومن البديهيات المتعارفة أن الإنسانية قد مرت بعدة أطوار، وأن الله تعالى بفضل ربوبيته، وفيض رحمته، لم يزل يبعث لهداية الإنسان الأنبياء والرسل، فوجا إثر فوج، ما بين الفترة والأخرى، وكلفه على لسانهم في كل مرحلة من مراحل حياته بالتكاليف المناسبة لتلك المرحلة، أخذا بيد الإنسان، الذي اقتضت حكمته أن يستخلفه في الأرض، إلى طريق الرشاد، وتدريجا له في مدارج التكليف من حال إلى حال، على قدر إدراكه، وحسب استطاعته، وتبعا لحاجته، وهكذا كلما بلغ الإنسان درجة أرقى في التطور رفع عنه الحق من التكاليف ما لم يعد مناسبا، وكلفه بشرع جديد هو أكثر ملائمة لواقعه الجديد. فلما استدار الزمان بحلول موعد البعثة المحمدية، وأذن الله بدخول الإنسان في بداية مرحلة الرشد، وإعداده لدرجة أعلى من الوعي والنضج، بعث الله خاتم الأنبياء بخاتمة الشرائع التي لا شريعة بعدها، والتي جاءت بنسخ ما قبلها مما لا يتفق معها. ومن ثم كانت دعوة الرسول ﷺ عامة إلى الناس كافة،

стр. 72

للدخول تحت حكمها، والتزام القيام بتكاليفها، ومن ثم كان رفضه البات لعذر بني إسرائيل في التخلف عن ركب الإسلام، بدعوى استحالة النسخ وزعم (الالتزام). وعلاوة على ذلك فإن في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. إشارة خفيفة وتمهيدا مبدئيا لأمر إلهي آخر، سيوحي به الحق إلى رسوله والمؤمنين خلال فترة قريبة غير بعيدة، ألا وهو الأمر بالتخلي عن استقبال بيت المقدس في الصلاة، بعد استقباله منذ بدء الهجرة حوالي سبعة عشر شهرا، والتحول عنه إلى استقبال البيت الحرام، مما ستوضحه آيات أخرى في الحصص القادمة. نعم جاءت في حصتنا اليوم آية كريمة تمهد الجو لهذا الحادث المهم، الذي سيخصص للمسلمين قبلة يستقلون بها عن بقية الملل، والآية التي أومأنا إليها تشير للأمر المنتظر بمنتهى الإجمال والإيجاز، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ومن هنا يتجه الخطاب القرآني فجأة إلى المؤمنين محذرا إياهم من تقليد بني إسرائيل في إلقاء أسئلتهم المحرجة، القائمة على روح الجدل والتعنت، فيقول: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾. والتشبه هنا واقع بالأسئلة التي وجهها إلى موسى بنو إسرائيل في شأن البقرة وذبحها، طبقا لما حكته عنهم الآيات السالفة.

стр. 73

وتأتي في نفس المقام آية أخرى تستنكر أن يقف بعض البسطاء ممن لا يعلمون، موقفا مشابها لموقف بني إسرائيل، تقليدا لأساليبهم الملتوية في العناد والتردد، إذ تقول حكاية عن هذا الفريق " الإسرائيلي الاتجاه ": ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾. ثم تعقب على هذا القول كاشفة عن مصدره، ومبينة لسببه، إذ تقول: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. وواضح أن تشابه القلوب، أي تشابه العواطف والمشاعر، عامل من عوامل التشابه في الأفكار والآراء والارتسامات، والذين قالوا مثل هذا القول من قبلهم هم بنو إسرائيل، قالوه لموسى كما حكته عنهم آية سابقة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. وهكذا يكافح الإسلام كل ما يتسرب إلى مجتمعه من شبه بني إسرائيل وضلالاتهم ودعاياتهم. ويواصل الخطاب الإلهي تحذيره للمسلمين من الوقوع في أشراك وحبائل الملل الأخرى، ومن السير في ركاب أهلها، مؤكدا بأقوى وجوه التأكيد أن الرضى التام من غير المسلمين عن المسلمين مرهون مسبقا وقبل كل شئ بالاندماج فيهم وبالتنكر للإسلام، وهكذا يخاطب الله رسوله، وعن طريقه يخاطب كافة المؤمنين: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ثم يلقن الله لرسوله والمؤمنين الجواب الفاصل للدفاع في هذا الموقف ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ وإذن فلا هدى في سواه، وإنما في سواه الضلال والخبال، على حد ما جاء في الأثر في وصف القرآن

стр. 74

(من ابتغى الهدى في غيره أضله الله). ومن المعاني الجديدة في هذه الحصة، ما وصفه كتاب الله أحسن وصف وأوجزه، من انطباعات اليهود عن النصارى، وارتسامات النصارى عن اليهود، وما ظلت هاتان الملتان تتبادلانه عبر الأجيال من التهم والشتائم والأحقاد، حتى أن كل واحدة منهما لا تعترف بالأخرى اعترافا صحيحا، وفي ذلك نزلت هذه الآيات البيات: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ وقد جاوزت حدة النزاع بين الفريقين حدود الدنيا إلى الآخرة، فادعى اليهود أن الجنة قاصرة عليهم، وزعم النصارى أن الجنة خالصة لهم، وهذا معنى الآية الأخرى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. إلا أن كتاب الله قد فض النزاع بينهم في هذا المجال، فقال تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ كما قال تعالى في آية أخرى من سورة الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾

стр. 75

الربع الأخير من الحزب الثاني في المصحف الكريم (ق) ــ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ
следующие страницы →