← Сира

Сира · id 115132

في سبيل العقيدة الإسلامية

عبد اللطيف سلطاني

Полный текст (253 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

عبد اللطيف بن علي السلطاني في سبيل العقيدة الإسلامية الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م نشر دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة - الجزائر

стр. 2

عبد اللطيف بن علي السلطاني في سبيل العقيدة الإسلامية الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م نشر دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة - الجزائر

стр. 3

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

стр. 4

الإفتتاح إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا الآية ٩٦ من سورة مريم ﵍ جمعت هذه الآية بين الإيمان بقواعده في قوله آمنوا وبين الإسلام بقواعده في قوله وعملوا الصالحات.

стр. 5

الإهداء إلى أرواح المعذبين والمحرومين في مجتمعهم الإسلامي، إلى كل مؤمن بربه كامل في إيمانه، إلى كل مسلم صادق في إسلامه، إلى كل الأحرار غير المستعبدين في كل مكان، أهدي كتابي هذا ليثبتوا ويثبتوا فوق أرضهم أقدامهم، من أجل الحق والعقيدة الإسلامية وليفتحوا أبصارهم على ماضيهم، وينيروا بالإسلام بصائرهم. المؤلف

стр. 6

توجيه وإرشاد: الحمد لله ولى المؤمنين ومسبغ النعم على الخلق أجمعين، فمن شكرها وأدى حقها عد في جماعة المؤمنين، ومن جحدها وأنكرها وكفر بها حشر في زمرة الأغبياء الجاهلين والجاحدين الكافرين. والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وخاتم رسل الله أجمعين محمد بن عبد الله أكرم رسل الله المعظمين وعلى آلهم ومن تبع هداهم، واستمر فى سيره على الطريقة المثلى إلى يوم الدين، ولم يخرج عنها إلى بنيات الطريق بل حافظ على السير في خطها المستقيم عاملا، وناصرا، وداعيا، ومدافعا، فكان من الناجحين، فالله وحده ناصر الحق وأهله، على الباطل وجنده، وهو القائل: ((وكان حقا علينا نصر المؤمنين)) والقائل: ((الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)). وبعد فإن من حق الله الخلاق العليم على عباده أن يعبدوه وحده ولا يشركوا معه غيره، وأن يطيعوه ولا يخالفوا له أمرا ولا نهيا، ولا يخافوا سواه، أولئك

стр. 7

هم الذين استنارت عقولهم بنور التوفيق، فوهبوا حياتهم وكل ما يملكون إلى ما يغرس في نفوس عباد الله حبه وطاعته وذلك بإرشادهم إلى سلوك صراط الله المستقيم والسبيل الواضح القويم وهو دين الله الإسلام الذي لا يقبل من أحد غيره ((ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين))، إذ هو دين الله إلى البشر أجمعين وشريعته السمحة البينة عقيدة وعملا فقد كثرت عقائد الزيغ والضلال والبهتان وانتشر دعاتها في كل مكان، يصدون الناس عن سبيل الله ويوجهونهم شطر سبيل الشيطان وقد وجدوا في بعض الضالين من أعانهم على نشر باطلهم في المجتمعات وبلغ بهم هذا إلى المجتمعات الإسلامية، والأوساط الطلابية، والمفروض فيهم أن يكونوا على جانب من الحذر والنباهة، ولكنهم اغتروا بمعسول الكلام المزيف وألبس عليهم الأمر وانطلت عليهم الحيل وإنها - والله - لسبه شنيعة، وكارثة خطيرة لحقت بشعبنا المسلم وشبابنا المرجو للمهمات بعد أن استرد مجده السليب ووطنه العزيز من يد الغاصب الغريب ذلك هو شعبنا الجزائري الذي ما عرف في تاريخه القديم إلا بصلابة عوده وقوة عقيدته الإسلامية حتى في أحلك ليالي الاستعمار فقد كان له رصيد وافر من ذخيرة عقيدة التوحيد، فاستنار في حياته بنور الإسلام وعقيدة التوحيد، وبهذا - فقط - حافظ على شخصيته في دينه وعقيدته،

стр. 8

وعلى كل مميزاته ومميزات شخصيته الإسلامية من أخلاق فاضلة، وسجايا حميدة ذات الطابع الإسلامي، من حياء وكرم، وغيرة ونجدة في الملمات والمهمات، ولم يندمج فيما حاط به من جماعات الضلال، وتمسك بحبل الله المتين، واعتصم به وعقد العزم على أن لا يسل يده منه مهما نزل به ما نزل من صارفات الأيام وأحداثها فنجا - والفضل لله - من كل محاولات المستعمر الكثيرة، التي كم حاول واجتهد في صرفه عن دينه وعقيدته فباء في كل محاولاته بالفشل والخيبة واستمر شعبنا يقاوم الدخيل يتلك العقيدة إلى أن استرد أرضه وشرفه وحريته من غاصبها الدخيل وحررها من كل شيطان مارد. ومن المؤسف جدا أن تظهر في أوساط شباب هذا الشعب المسلم شرذمة قليلة حقيرة ادعت أنها من رجال العلم الحريصين على نفع الوطن وأهله فتفاءل الناس بها وقالوا عسى ولعل أن نرى منها قولا صحيحا وسلوكا سليما غير أن الواقع أبطل هذا التفاؤل وأظهر أنها ما اتخذت العلم لباسا إلا للتدليس وبث الإلحاد والبلبلة في أوساط الشباب - إذ يصعب عليها جلب الكبار المتشبعين بالتعاليم الصحيحة إلى ضلالها وإلحادها - فهي مسخرة ومسيرة ومأجورة من قبل أسيادها الملاحدة الذين يريدون مسخ شباب الأمة الجزائرية المسلمة ووجدت مساندة من بعض أبناء هذا الوطن ممن تغذوا بلبن المستعمر الكافر، وهم في حقيقتهم لا دين لهم،

стр. 9

ولا وطنية تعصمهم ولا ضمير يؤنبهم ولا هدف لهم سوى حب الشهرة وإشباع الشهوات، وتحريف الشباب الجزائري المسلم عن المنهج الأقوم وفتح المجال لهذه الشرذمة فأطنبت في الكذب والتزوير والبهتان، وأصدرت منشورات لطخت بياضها بسواد الكذب والبهتان كما لطخت بياض صحائفها فجاءت تلك الوريقات الملطخة ((وخذة)) وكارثة أصيبت بها أمتنا في شبابها! ومن العجب والوقاحة أنها صارت تعارض نشر الكتب الإسلامية في وطن الإسلام!! وما فكرت أنها في وطن إسلامي عريق في إسلامه، غيور عن معتقداته، وهي وأعوانها ومسيروها والحارسون عليها والراضون عنها في ذلك شركاء. فالبرغم من تشجيع هذه الشرذمة الضالة ورغم مساندتها المطلقة، فقد خابت في كل محاولاتها لإيقاف تيار الاتجاه الإسلامي فركضت وراء سرابها ما شاء لها الشيطان وأعوانه أن تركض وكذبت ما شاء لها الهوى أن تكذب، وشوشت على المصلين والعباد في بيوت الله إلى أن أطلقت لسانها وأقلامها المأجورة في أعز عزيز على الأمة الإسلامية وإلى ما في قلبها من عقيدة التوحيد، محاولة انتزاعها واقتلاع جذورها، ظنا منها أن هذا ميسور وسهل، ولكن هيهات ثم هيهات!! فقد اصطدمت بالواقع وباءت بالفشل الذريع والخيبة المرة. فتنبهوا أيها المسلمون إلى هذا ولا تغفلوا عما يراد بكم وبالوطن العزيز.

стр. 10

فإلى شبابنا المسلم الواعي لما يجب عليه هذه الفصول من حياة قادة التوحيد وأنصار عقيدته، والإدلاء على الخير وإصلاح النفوس وهم ما بين رسول من رسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام - فقد أمرنا خالقنا بالتأسي بهم - وبين مؤمن بدعوتهم، فأخذ عنهم خالص العقيدة الصحيحة، وزبدة الإيمان الصحيح في الصدق والوفاء للعقيدة، والاقتداء بعباده الصالحين، فاصبروا - أيها الأبناء البررة - على ما يصيبكم في سبيل عقيدتكم كما صبروا وستفوزون بالنصر كما فانوا وكونوا لعقيدتكم الصحيحة تكن لكم، تمسكوا بها ودافعوا عنها عدوان الإلحاد والملحدين فإنكم أنصار الحق ودعاته وهم إنما يدافعون عن الباطل ويدعون إليه تماما كما كان مشركو قريش يفعلون في دفاعهم عن أوثانهم فما أشبه اليوم بالأمس، والليلة بالبارحة، واثبتوا كما ثبت أسلافكم الأولون فإن العاقبة للصابرين الثابتين والنصر إنما يناله الصادقون المخلصون والهزيمة والخذلان من نصيب المعتدين الظالمين واجعلوا نصب أعينكم قول الشاعر الحكيم حين قال: قف دون رأيك في الحياة مجاهدا ... إن الحياة عقيدة وجهاد واذكروا - أيها الأبناء - موقف رسول الله - إبراهيم الخليل ﵇ من أجل عقيدته، التوحيدية،

стр. 11

حيث قال حسبي الله ونعم الوكيل فهل تركه ربه للظالمين؟؟ وهل تخلى عنه وتركه ولم ينصره؟ حين أرادوا به كيدا فجعلهم ربه الأحسرين؟ كلا وتفكروا - جيدا - في موقف أصحاب الأخدود وهم يعرضون على النار الواحد بعد الواحد تلك النار التي أوقدها لهم الظالمون وهل خافوها؟ واعتبروا بصلابة عود الصحابى ((بلال)) في عقيدته وظهره تحت سياط مشركي قريش في حر الظهيرة وفى بطحاء مكة، يريدون أن ينتزعوا منه عقيدة التوحيد ليكفر بالله وبرسوله محمد صل الله عليه وسلم ويؤمن باللات والعزى ويكون من المشركين، وهل أجابهم إلى ذلك؟ كلا بل أخذ يقول ويردد ((أحد أحد)). لهذا يجب على العلماء أمام هذا الإلحاد الذي يتزايد خطره وشره يوما بعد يوم محاولا بث عقيدته الإلحادية يجب عليهم اليقظة والانتباه والعمل لدرء هذا الخطر بما يليق به من نشر الكتب التي تقاومه وتبطل عمله إذ هو لا يؤمن برب ولا بخالق ولا ببعث ولا بما يأتي بعده من حساب وجزاء ولا بنار ولا بجنة، ولا بالحياة الأخرى الدائمة، فهو مادي ولا يؤمن إلا بالمادة، إذ هو يسعى بكل قواه أن ينجح في أعماله الإجرامية هذه فعلى العلماء أن يحاربوا الإلحاد بجميع أشكاله وأنواعه وأساليبه فنحن مسلمون مؤمنون نؤمن بما جاءنا من عند الله فنؤمن بالبعث وبالياء الأخرى بعد هذه الحياة

стр. 12

هذا هو توجيهنا لشبابنا ولكهولنا ولشيوخنا فالسكوت عن الإلحاد ودعوته وهي تنشر بيننا، جريمة كبيرة يقترفها من يسكت عنها ترضية لجانب فلان أو فلان، فالحق واحد والإسلام حق والإلحاد باطل (والإسلام يعلو ولا يعلى) متى وجد أنصارا مخلصين ومؤمنين به صادقين. ونرجو الله ربنا ومولانا أن يقوي إيماننا ويتقبل منا أعمالنا وأن يثيبنا عليها بقدر إخلاصنا لعقيدتنا وأن ينصر جند الإسلام جند الحق والهداية والسلام أينما كانوا وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنا كما قال القائل: كتبت وقد أيقنت يوم كتابي... بأن يدي تفنى ويبقى كتابها فإن كتبت خيرا ستجزى بمثله... وإن كتبت سوءا عليها حسابها.

стр. 13

تمهيد: قال بعض علماء الإسلام ومنهم (عبد الرحمن ابن مهدي) الذي كان من الملازمين للإمام مالك، كما كان من أعلم الناس بالحديث ينبغي لمن أراد أن يصنف كتابا - دينيا - أن يبدأه بالحديث الصحيح الذي رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وهو قوله: سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما ففي هذا الحديث تنبيه لطالب العلم الديني إلى تصحيح نيته لأن الجزاء على الأعمال إنما يكون على حسب نية العامل إذ لا يصح وضوء ولا صلاة ولا صوم ولا جهاد ولا أى شيء من جميع الطاعات إلا لمن نوى وقصد أنه أراد بعمله طاعة الله ، أما إذا تجرد العمل من النية فإنه يكون لغوا لا ثواب عليه ولا جزاء فيه إذ بالنية والقصد تتميز الأعمال الدينية عن غيرها من سائر الأعمال، فالنية عنصر أساسي في

стр. 14

صحة الأعمال وبطلانها، فليس عمل المنافق الذي يحضر مصلى المسلمين ويصلي معهم من غير وضوء - وهو غير مؤمن بها - كمن يصليها بنية فعل الواجب الذي أوجبه الله عليه لأنه مؤمن بوجوبها عليه وإلى هذا تشير الآية الكريمة وهي قوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء). وقد جرى بعض العلماء على هذا العمل من تقديم هذا الحديث على غيره، منهم الإمام البخاري في صحيحه، حيث ابتدأه بالحديث المذكور وقد ذكره في سبعة مواضع من صحيحه للمناسبة. ونظرا لكثرة فوائد هذا الحديث وصحته فقد قال فيه الإمام الشافعي ﵀ وغيره هو ثلث الإسلام، كما قال أنه يدخل في سبعين بابا من أبواب الفقه وقال آخرون من العلماء هو ربع الإسلام لما رأوا فيه من أن أصول الإسلام التي بنيت عليها أحكامه ترجع إلى أربعة أحاديث نبوية أولها حديث عمر هذا (إنما الأعمال بالنيات)، وثانيها حديث أبى هريرة رض الله عنه (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وثالثها حديث النعمان بن بشير ﵁ (إن الحلال بين وإن الحرام بين)، ورابعها حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ (إزهد في الدنيا يحبك الله الخ). وقيل غير هذه الأربعة وقد جمعها الحافظ أبو الحسن طاهر بن معوذ المعافري الإشبيلي الأندلسي فقال:

стр. 15

عمدة الدين عندنا كلمات...أربع من كلام خير البرية إتق الشبهات وازهد ودع ما...ليس يعنيك واعملن بنية وقيل قائلها الإمام الشافعي وحديث إنما الأعمال بالنيات المذكور حديث صحيح - كما مر - فهو من الأحاديث التي يدور عليها التكليف الديني، تعددت طرق رواياته وكلها تتصل بمن سمعه من رسول الله ﷺ وهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فلم يصح إلا من روايته هو عن النبي ﷺ واتفق العلماء على صحته لثقة رواته وتلقوه بالقبول واستخرجوا منه أنواعا شتى من أصول الأحكام والتوجيه وبه صدر الإمام البخاري صحيحه - كما تقدم قريبا - وأقامه مقام الخطبة لصحيحه حسبما أشار إليه من كتب عليه وشرحه وهذا العمل منه ﵀ إشارة إلى أن كل عمل أو قول لا يراد به وجه الله فهو لغو وباطل لا ثمرة له ولا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة مثل الذى يصلي رياء وسمعة من حيث لم يقصد بصلاته طاعة الله بفعل ما أوجبه عليه فإن صلاته لا تنفعه ولا تنهاه عن الفحشاء والمنكر لأن هذا من ثمرتها - وإن تردد فاعلها عن المساجد - وكمن يريد - باسم المجاهد وببطاقته - أن يكون مجاهدا له من الحقوق ما للمجاهدين في سبيل الله، ولم تكن له نية الجهاد في سيل الله، أو لم يجاهد

стр. 16

أصلا فحشر نفسه في زمرة المجاهدين بالرغم مما وضحه القرآن وبينه رسول الله ﷺ بفصيح العبارة فهو مجاهد - بالسيف - وبالرغم على الإسلام والقرآن والرسول ﷺ وفي الوقت نفسه رأيناه لم يستجب لما طلبه منه الإسلام بفعل ما فرضه عليه وترك ما نهاه عنه من الاستقامة على شرعه بتحليل حلاله وتحريم حرامه، والقيام بواجباته والكف عن منهياته فهو تارك للواجبات - كالصلاة مثلا - منتهك للمحرمات - كشرب الخمر مثلا - فكيف يعقل أو يتصور متصور أنه من المجاهدين في سبيل الله، وهذا محال تصوره في الإسلام، ومن قال غير هذا فهو جاهل بالإسلام، ولم يفهم أحكام الإسلام أو سولت له نفسه الافتراء على الله الكذب إذ شتان بين الجهاد والقتال! و ((إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)). هذا هو الحق والصواب حب من حب وكره وكره، وما سواه غش في الإسلام والنبي ﷺ قال (من غشنا فليس منا) ولا ينبغي لمن لا يفهم أحكام الإسلام أن يقحم نفسه بين العلماء - ولو لقبه العامة بالشيخ - لأنه يكتسب بذلك إثما، ويكون سبة وعارا على الشريعة الإسلامية وكارثة تنزل بها وعرضة لمسخ الله إلى شر مخلوقاته، فقد كثر أدعياء العلم حتى صاروا يتكلمون في كل شيء، ولو فيما لا يعرفون، كما سمعناهم يتكلمون فيما ليس لهم به علم قال جرير: وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القعانيس

стр. 17

ولمنزلة حديث عمر المتقدم (إنما الأعمال بالنيات الخ) ولمكانته عند من عرفوا منزلته في التشريع الإسلامي قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي - المتقدم الذكر - لو صنفت كتابا فيه أبواب لجعلت حديث عمر هذا في كل باب من أبوابه. أما الإمام مسلم ﵀ فقد أورده في كتاب الجهاد من صحيحه، وكأنه أراد بعمله هذا أن يشير إلى أن البعض ممن يدعون الجهاد - ولم تكن لهم نية فيه - لا نصيب لهم في ثمراته ولهذا نبههم إلى أن النية في العمل هي روحه ومخه، وبدونها فهو جسد ميت بلا روح. وكلمة - إنما - تفيد الحصر كما قال جمهور علماء العربية والأصول وغيرهم حيث قالوا أن لفظة إنما موضوعة للحصر فتثبت المذكور هنا - وهو قبول الأعمال والجزاء عليها إذا عملت مصحوبة بالنية، وتنفي ما سواها، فكأنه قال إن الأعمال تحسب وتقبل ويجازى عليها فاعلها إذا كانت بنية ولا تحسب ولا تقبل ولا جزاء عليها إذا تجردت منها، مثل سائر العبادات والطاعات جميعها كما مر، وتفصيل هذا في كتب الفقه والحديث. وبناء على ما جاء في هذا الحديث فإن الرسول ﷺ بين لأمته أنواعا ثلاثة ممن هاجروا من مكة إلى المدينة تاركين مكة أرض الشرك - في ذلك الوقت - إلى المدينة أرض الإسلام وهم: أ - مهاجر هاجر بنية وقصد تقوية حزب الله ونصره

стр. 18

وتأييد رسول الله ﷺ ، وعلى هذه النية غالب الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين. ب - ومهاجر هاجر بنية وقصد كسب الدنيا والمال، لأن من كان يتعامل معهم من المؤمنين في مكة هاجروا إلى المدينة فلحق بهم من أجل فائدته الدنيوية، فلم يسعه المقام بعدهم في مكة فلحق بهم لنيل مكاسب دنيوية لا تعود فائدتها إلا عليه وكان يغزو معهم لينال نصيبه من الغنيمة. ج - ومهاجر آخر خطب امرأة ليتزوج بها تدعى (أم قيس) فأبت أن تتزوجه ما دام في مكة، إلا إذا هاجر إلى المدينة فأجابها إلى شرطها وهاجر إلى المدينة من أجل الزواج بها وجاء في الروايات عن الصحابة أن هذا المهاجر كان يعرف باسم (مهاجر أم قيس) فهذان الصنفان الأخيران من المهاجرين لم يكونا من المهاجرين لله لما بينا من انعدام النية في هجرتهما فلم يفوزا بثواب الهجرة إذ الهجرة في الشرع هي الخروج من أرض الكفر إلى أرض الإسلام وفي وقتنا الحاضر انعكست هذه المعاني فصارت الهجرة تطلق على من هاجر من أرض الإسلام إلى أرض الكفر لمقاصد سياسية وغيرها. جاء في الحكم المأثورة (لو نفع علم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار وعلماء أهل الكتاب) و (لو نفع عمل بلا إخلاص لما ذم الله سبحانه المنافقين). نسأل الله العالم بالنيات أن يجعل نياتنا في أعمالنا وأقوالنا خالصة له من كل شائبة تفسدها وتحبطها، ونرجوه أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم آمين.

стр. 19

تقديم: العقيدة العقيدة هي قوة عظيمة تحتل مكان الإحساس من الإنسان فتهب لصاحبها الإيمان بما يعتقده وشدة المقاومة لكل ما لا يتفق مع ما مالت إليه تلك العقيدة وارتضته لنفسها وهذا لتأييد ما عقد عليه صاحبها عزمه واختياره وتحول بينه وبين الضعف والخور والذوبان في كل طارئء جديد، وهذه الصفة إحدى مميزاتها قال الشاعر المفلق الحطيئة: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البناء...وإن عاهدوا أوفوا وإن عاقدوا شدوا فالعقيدة مأخوذة من العقد بمعنى اللي يقول القائل عقدت الحبل فهو معقود فهذا في الحسيات وأما في المعنويات فمعناها التعهد والالتزام ومن هذا جاءت عقدة النكاح والبيع والشراء وغير ذلك من العهود والعقود والالتزامات والعقد - بالكسر - هو الخيط ينظم فيه الخرز واللؤلؤ وغيرهما.

стр. 20

قال علماء اللغة العربية - في مادتها - عقد يعقد - بالكسر - عقدا وعقودا معناه التزم بالعهد والعقد فيجب عليه الوفاء بما التزمه وعقده وتقول تعاقد القوم على كذا بمعني تعاهدوا والتزموا به، ومنه قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود). قيل في تفسيرها هي العهود، وقيل هي الفرائض التي التزموها وتحملوها بعقيدة التوحيد والإسلام. والعقيدة هي الحكم الذي لا يقبل الشك في نظر معتقده كما قال الجوهري. وفى الدين ما يتصف به الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود الله ، واعتقد كذا بقلبه آمن به وصدق، واعتقد الأمر صدقه وعقد عليه قلبه وضميره وتدين به واتخذه دينا فأصحاب العقيدة هم من كانت لهم عقيدة عقدوا عليها قلوبهم فصارت أرواحهم ونفوسهم وحياتهم مبذولة بسخاء في سبيل عقيدتهم فهم قد اشتروا بها - العقيدة - ما اعتقدوه - ودفعوها فداء وثمنا لها - وهي الغالية - في سبيل بقائهم على عقيدتهم التي اعتقدوها وعقدوا عليها حياتهم ورضوا بما دفعوه فيها، وذلك بثباتهم عليها وتمسكهم بها من غير أن يلزمهم بها أحد أو يجبرهم عليها مجبر، وهذا هو الإيمان بالعقيدة. وهذه فصول جمعتها من ملف حياة أبطال العقيدة الإسلامية الذين ظهروا مع ظهور دين الله الإسلام الخالد

стр. 21

تصلح لتربية النفوس وتوطينها عليها لكي تخوض معركة الحياة التي تجري بين الإيمان والإلحاد، فهي معارك ضارية من قديم الزمان إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم ويلزم مقاومة الإلحاد بالعقيدة القوية، فهي سلاح الانتصار الذي لا يغلب صاحبه جمعتها من قصص القرآن وكتب السيرة التي اهتمت بحياة أولئك الأبطال وما نالهم من خصوم الإسلام وأسميتها (في سبيل العقيدة الإسلامية) فهي تتناول مواقف شجاعة وقفها أولئك الأبطال في وجوه أعداء الله والأديان السماوية، مثلهم مثل كفار قريش الذين وقفوا في وجه العقيدة الإسلامية والدعوة المحمدية وحاولوا بكل قواهم صد الناس عنها وصرفهم عن الاهتداء بهديها غير أن الله مكن لها في الأرض وثبتها بثبات أولئك المؤمنين على عقيدتهم التي آمنوا بها فلم يرهبهم وعيد ولم يؤثر فيهم عذاب شديد بل صمدوا لكل ذلك صمود الجبال العظام ومنهم الرسل الكرام الذين اختارهم الله لتحمل الرسالة وتبليغ دين الله إلى البشر أجمعين وتطهير العقائد من كل ما يخل بعلو مرتبة الإنسان على سائر المخلوقات وقد ميزه خالقه بالعقل والإدراك للأشياء والموجودات على حقيقتها ومن غير اللائق به أن يخضع لمخلوق قد يكون أقل منه إدراكا وأحرى به إذا كان جمادا أو نباتا فإن في هذا الخضوع والطاعة لغير الخلاق العليم إهدارا لكرامة الإنسان التي أكرمه بها خالقه الحكيم ورفع منزلته على منازل غيره، وجعله هو

стр. 22

المتصرف فيها فقد ضل هذا الإنسان عن الصراط المستقيم - ولا زال في ضلاله إلى الآن - بالرغم من المراحل التي قطعها الإنسان في ميادين شتى من علوم وغيرها فجاءت دعوة الرسل والشرائع السماوية لتعود به إلى الطريق المستقيم التي حاد عنها بضلاله فآمن بها طائفة من هذا النوع هديت إليها فآمنوا بتلك الدعوة وهي تدعوهم إلى توحيد الله الخلاق العليم فأيدوها وكانوا من أنصارها بالرغم مما حاط بهم من مخاطر وأهوال تتفتت منها الجبال الصخرية ويذوب منها صلب الحديد من شدة فظاعتها وأهوالها لتكون لنا نعم العون على ما نلاقيه من أتعاب في سبيل حياتنا الإسلامية من خصوم الإسلام في بلد الإسلام سواء كانوا من الخارجين عنه بالأصالة أو المنتسبين إليه بالوراثة فقد كثر منهم التهجم والعدوان على العقيدة الإسلامية وعلى حامليها فنحن في حاجة ماسة إلى أمثلة بطولية صادقة، مما ضربه للعالم أولو العزم والثبات على العقيدة والمبدإ من أولئك الأبطال الذين هم من الرعيل الأول في بداية انبثاق نور الإسلام وعقيدة التوحيد، ففي ماضينا وتاريخنا - والفضل والحمد لله - أمثلة رائعة تصلح لتربية أنفسنا وأبناء زماننا عليها. فنذكرهم بهذه الأمثلة النادرة في غير ماضي الأمة الإسلامية لقد صرنا نخشى - والله - دروسها واندثارها بل ونسيانها حيث أننا شاهدنا ولمسنا وسمعنا بما يجرى في الأوطان الإسلامية من صدود

стр. 23

وإعراض ونكران لعقيدة الأسلاف، ولما أتت به هذه العقيدة - حيث لا أفضل منها في الوجود - ولقلة الدعاة لهذه العقيدة وتفرقهم وليست لهم أسلحة الدفاع العصرية فقد هجمت عليها عقيدة الإلحاد والكفر والذبذبة بوسائل العصر وهي تنادي وتقول أنها جاءت لمحاربة عقيدة الإسلام الموروثة عن الآباء والأجداد فالسكوت عن هذا الهجوم يعتبر من العقوق الفاضح الذي تلبس به أبناء هذا الجيل بل صرنا نخشى ضياعها حتى من أوساط من يزعمون أنهم من زمرة علماء الدين وورثة الأنبياء والمرسلين وهنا نتساءل هل سكت الأنبياء والمرسلون من تبليغ دعوتهم؟ وهل أهملوا دعوتهم التي كلفوا بها؟ وهل كان فيهم الذي لا يقول كلمة الحق للحق؟ وهل جرفتهم تيارات زمانهم الداعية إلى تلك العقائد الزائفة التي كانت سائدة في زمانهم؟ تلك العقائد التي كانت على شنا حفرة من النار وعلى شفا جرف هار. فنحن - الآن - إذا درسنا التاريخ وقرأناه فإنما ندرسه ونقرؤه من نافذة الحروب التي تشن على الأوطان - التراب والحجر والشجر الخ - وإذا مجدنا أبطاله إنما نمجدهم من زاوية مواقفهم في وجه الغزاة الفاتحين - ونعتز بهذا - أما من جهة العقيدة والدين والأخلاق، فذلك أمر تافه في نظر البعض منا - لا يدخل في الحساب والحقيقة هي كامنة في العقيدة والدين، وقد شاهدنا وعلمنا أن من كان يحيا بدون عقيدة ودين فإنه يسهل

стр. 24

عليه خيانة وبيع وطنه بأبخس الأثمان، والشاهد على هذا الذي قدمناه البطل المغوار المرحوم الأمير (عبد القادر ابن محيي الدين) فإنه إنما وقف في وجه الغزاة الاستعماريين حين احتلالهم للجزائر بلباس العقيدة والدين لا بسواهما مما تلوكه ألسنة القوم اليوم كل هذا مقصود به إبعاد الدين من ساحة الحرب والتحرير وهى نية خبيثة وقصد سيء لا يخفى على أحد. فالأمير عبد القادر ﵀ كان عالما دينيا بعقيدته التوحيدية فقيها إسلاميا بفقهه في أحكام دينه وأجوبته التي كان يجيب بها سائليه مبسوطة في الكتاب الذي حوى سيرته وأعماله (تحفة الزائر) فقد كان في حياته عالما قبل أن يكون أميرا وقائدا ولذا قدمه أهله وبنو عشيرته لقيادة المجاهدين في حربهم للإستعمار وجيوشه فهو من أبطال العقيدة المعروفين بمواقفهم النادرة فإذا ما مجدناه في يوم - ما - فلا ينبغي أن يخفى هذا المعنى علينا فأبطال العقيدة عندنا كثيرون والحمد لله ولم تصدر منهم خيانة ولا ضعف أيام المقاومة كما وقعت من غيرهم ممن لا عقيدة دينية لهم. فمواقف كهذه المواقف الراسخة تقتضي علماء الإسلام الناصحين - أينما كانوا - أن يوحدوا كلمتهم، ويقووا صفوفهم ويدعموها بصدق النية والإخلاص في العمل لنصرة العقيدة ولمجابهة هذا التيار الإلحادي المهاجم على دين التوحيد، إذ لو وجدهم أمامه في ساعة الهجوم

стр. 25

لاختفى بدلا من الظهور بهذا المظهر الذي ينم على التحدي لعقيدة الأمة في وطنها وعلى من كان منهم ضعيفا أن يتخلى عن تلك الذبذبة المشينة التي ظهرت عليهم في هذا العصر فقد ساقتهم إلى توهين كلمة الحق التي هي كلمتهم وتقوية صف الباطل والإلحاد بسكوتهم وبكل أسف وحسرة فقد رأينا منهم من أظهر عداءه لدعاة الحق وناصري العقيدة الإسلامية بل وحتى أن البعض منهم لم يكتف بسكوته حتى أظهر الشماتة والتشفي بسبب ما أصاب بعض الدعاة ويصيبهم من أعداء الحق والعقيدة الإسلامية، وما ذلك إلا لأغراض دنيئة ونفوس مريضة بمرض - ما - كالحسد - مثلا - وهو داء قديم فيهم، نسأل الله الشفاء لنا ولهم من هذا المرض الخطير، أو كان ذلك منهم لمصالح ذاتية خوفا من أن تفوتهم بوقوفهم إلى جانب الحق وأنصاره فضلوا وأضلوا والله وحده يتولاهم بما يشاء فإنه يمهل ولا يهمل وهو - وحده - القوي العزيز. فإلى حماة العقيدة الإسلامية أمثلة صحيحة من تلكم المواقف التي - ثبتت كركائز للحق اعتمد عليها، فثبتت أقدامه ودعمتها في أرض الإيمان - فنجعلها نصب أعيننا كمصباح منير يرينا ويكشف لنا طريق السلامة والنجاة من مخاطر هذه الحياة ويجنبنا سبل الغواية والضلال، فإنهم - أهل تلك المواقف - هم أهل العقيدة الصحيحة الثابتون عليها بالرغم مما نالهم من أجلها وفي

стр. 26

سبيلها، فحفظ لهم التاريخ أروع القصص وأسما الأمثلة، وأصدق الإيمان. والعقائد كثيرة ومتنوعة، فمنها عقيدة التوحيد، وهي عقيدتنا نحن المسلمين، وهي التي ندين الله بها. وعقيدة التثليث، وهي التي طرأت على المسيحية بعد أن كانت في أول أمرها وفي زمان رسولها عيسى ﵇ عقيدة توحيدية. وعقيدة الشرك بالله وفيها تعدد الآلهة المعبودة والمشركون أصناف وأنواع متعددة في إشراكهم. وعقيدة الملاحدة، التي تنكر وجود الإله بتاتا. وعقيدة التوحيد هي العقيدة الصحيحة وهي الحق الذي لا ينجو أحد إلا بها، وهي مبنية على توحيد الإله الخالق لكل شيء والذي تجب طاعته على كل المخلوقين إذ لا خالق سواه. ونراها في وقتنا الحاضر أصابها شيء من الضعف في قلوب البعض من المسلمين وهذا بسبب احتكاكهم بغيرهم ممن لا عقيدة لهم أصلا أو ممن لهم عقيدة باطلة وغير مقبولة شرعا وعقلا، وتظهر نتيجة هذا الضعف في الكلام الذي نسمعه من بعض من ينتسبون للإسلام، من ذلك أن بعض الناس ينطقون بكلمات تشعر بأن قائلها لا يفهم ما يقول، ولا يشعر بأن صفة الخلق والإيجاد لا تعطى

стр. 27

إلا لله الواحد القهار فهو الخالق لا خالق سواه وهذا معنى التوحيد ولا مدبر لشؤون الخلق إلا هو فهو العليم الحكيم، وليس له شريك يعينه، ولا وزير يؤازره بل هو وحده خالق كل شيء، لا إله معه، ولا قادر على الخلق والإيجاد يسانده أو ينوب عنه فهو كما قال: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون). وكما كان الرسول ﷺ يقول في دعائه: (اللهم إنك لست بإله استحدثناه، ولا برب ابتدعناه، ولا كان قبلك من إله نلجأ إليه ونذرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشركه فيك، تباركت وتعاليت). ومن إظهار سوء الأدب مع الخلاق العليم ما نسمعه - بين الحين والآخر - من بعض كبار الناس وصغارهم مما يعتبر في الشرع وقاحة وسوء أدب مع من خضعت له ولقدرته وعزته جميع المخلوقات من إنس وجان فقد سمعناهم يتفوهون بألفاظ نابية وغير لائقة بالعبد الضعيف والعاجز البين العجز فإذا أراد الواحد من هؤلاء الناس أن يتكلم عن العناية والاهتمام بالمواطن في تهذيبه وتهيئته لأي مهمة كانت لتناط بعهدته قال من غير حياء من الله خالقه وخالق كل شيء هكذا بتبجح وفخر (نريد خلق الإنسان المواطن) وهذه العبارة فيها إساءة الأدب - بل ربما الكفر والجحود للخالق الواحد - مع الله الذي لا شريك معه في خلق الإنسان المواطن وغيره فلا خالق مع الله الخالق لكل شيء، ومنه هذا المخلوق الخالق، غرورا، وجاء في القرآن الكثير من الآيات

стр. 28

لترفع عن هذا النوع من المغرورين غرورهم، فقد قال الله تعالى (يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) (١). وقال: (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل) (٢). فلا خالق إلا الله، فتنبهوا أيها (الغافلون المخطئون) العاجزون عن رد الموت عنكم إذا حل بكم وصححوا عقيدتكم في الله قبل أن يفوتكم الأوان فأي شيء جعلكم لا تدفعونه عنكم إذا نزل بساحتكم؟ ذلك هو عجزكم وضعفكم أيها الخالقون جهلا وغرورا واستخفافا بمن خلقكم ورزقكم فأنتم محتاجون إليه في كل حين. دعوا هذه الكلمات الغير اللائقة بالبشر الضعيف والتي قد تؤدي بصاحبها إلى الكفر شيئا فشيئا إذ هي من خصائص المدبر الحكيم والخالق - وحده - الذي له الخلق والإيجاد والهداية والإرشاد، دعوها حتى لا تلعنكم الأجيال المقبلة كما (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون) (٣) فقولوا نهيء بدل نخلق

стр. 29

أي السبل أنفع لنشر العلم ؟ إن حياة العالم العامل بعلمه موزعة بين تعليم العلم وبثه في أوساط أمته والراغبين فيه وبين تأليف الكتب لفائدة الخلق أجمعين وتصنيفها ونشر العلم بواسطتها، وكل هذا من واجبات العلماء العاملين بعلمهم ولكن أيهما أولى بالتقديم والعناية؟ هل نشر العلم وتصحيح العقيدة بواسطة التعليم للناس أهم وأولى بالاهتمام والتقديم؟ أو نشرهما بواسطة تأليف الكتب وتصنيفها؟ فمال بعض المفكرين من العلماء إلى الاهتمام بالتعليم ونشره بين الراغبين فيه وإعدادهم لقراءة الكتب التي تؤلف بينما مال البعض الآخر إلى نشره وتعميمه بواسطة تصنيف الكتب وتأليفها ليستفيد منها المعاصر وغيره إذ هي لمن حضر وعاصر مؤلفها ولمن سيأتي من بعد فهي بهدا الاعتبار من أهم ما يتركه الأولون للآخرين من التراث الغالي، كما هو الشأن فيما تركه لنا أسلافنا الأماجد، فقد استفدنا منها فوائد عظيمة لا تقوم بقيمة، إذ حفظت لنا لغتنا وديننا وعقيدتنا وأخلاقنا وتاريخنا وأدبنا وغير ما ذكر، ولولا ما تركه لنا أولئك الأسلاف العاملون بالرغم من

стр. 30

قلة الوسائل التي تعينهم على التأليف والنشر لولا تلك الكتب لضللنا عن طريقتهم المثلى ولأصابنا الزيغ والخسارة، إذ العلماء يموتون ويذهب علمهم بموتهم، إذا لم يدونوه - وهل عوضنا من مات من علمائنا في العهد الأخير؟ - بخلاف تآليفهم الباقية بعد موتهم فإنها تبقى ولا تضيع بموت مؤلفيها فمال إلى الرأي الأول واختاره كثير من العلماء السابقين، وإلى هذا الرأي مالت (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) فأنشأت المدارس لتعليم الصغار التعليم الابتدائي ومعهد ((عبد الحميد ابن باديس)) للتعليم الثانوي والمساجد لتعليم الكبار الراغبين في التعلم، وفيها وبواسطتها كانت تلقى دروس التوجيه الدينى والوعظ والإرشاد والأخلاق الإسلامية، للعامة الذين فاتهم التعلم في وقته. أما تأليف الكتب وتصنيفها بالنسبة إلى أفراد جمعية العلماء فكان قليلا بالنظر إلى صرف الاهتمام من معلميها وشيوخها إلى إعداد القراء للكتب أو للتأليف لأن شعبنا كانت فيه الأمية متفشية ومستحكمة الحلقات وكانت صحف الجمعية وغيرها قليلة الانتشار بالنظر إلى كثافة السكان، فقد رأينا البعض من أبناء الأمة يشتريها أو يشترك فيها بقصد التأييد والإعانة لا غير، أما القراءة لها والاستفادة منها فلا يستطيع لأنه أمي وبهذا الرأي عملت وداومت عليه حتى تخرج من مدارسها ومعهدها - الوحيد - لديها طائفة لا بأس بها استفادت منها الأمة فائدة أغنتها عن جلب الكثير ممن يقوم بأعباء

стр. 31

التعليم حين جاء وقت الاستقلال للوطن، وإن كان فيهم من اختار العمل في الإدارات الحكومية، فرارا من متاعب التعليم وأوزاره الثقيلة، وطلبا للراحة البدنية، وهذا عمل في غير محله إذ لو مال معلموهم القدامى إلى هذا من قبل أي إلى عبودية الإدارة لما كانوا هم في مستواهم الحالي وعلى كل حال فقد حصل ما حصل بواسطة التعليم وأتعابه ومشاقه. ولا زلت اذكر تلك السنوات التي قضيناها في التعليم وأشعر فيها براحة ضميري إذا ذكرتها أو تذكرتها فقد كنا نقضي معظم يومنا ونصيبا من ليلنا في التعليم بين تلامذة المدرسة ودروس المعهد ودروس المسجد للرجال وللنساء، وقد تصل ساعات العمل إلى اثنتي عشر ساعة بين اليوم والليلة وتارة تزيد على ما ذكر - وهو عمل مرهق ومضني - واخواني الشيوخ الأحياء يعرفون هذا. وبهذا تكون ((جمعية العلماء)) قد أدت ما عليها من واجبات ثقيلة لا يعرفها إلا من عاش معها ومارسها ولا يستسهل عملها أو يستصغره أو يستهين به إلا جاهل به أو مأفون الرأي عديم الذوق والمعرفة للأمور على حقيقتها ولا زلت أذكر ذلك اليوم الذي ودعنا فيه رئيسها المرحوم - إن شاء الله - الشيخ البشير الإبراهيمي في شهر مارس (١٩٥٢) حيث امتطى الطائرة في طريقه إلى المشرق العربي كي يسعى لدى

стр. 32

دوله حتى تمد يدها للشعب الجزائري لتعينه بقبول بعثات من طلبة المعهد الباديسي يدرسون في معاهدها وجامعاتها فكان منها ما أرادت الجمعية وانتقلت بعثاتها والتحقت بالمعاهد والجامعات الشرقية العربية، وجاء استقلال الوطن عن الاستعمار وعادت البعثات من المشرق العربي وكانوا على درجات متفاوتة في العلم وكانت الجمعية تعلق على رجوعهم مزودين بالعلوم النافعة كثير الأمال، إذا عادوا إلى وطنهم بعلم غزير ونشاط كبير وتضحية فريدة في بابها، نظرا لما تركوا عليه وطنهم ونظرا لما رأوه في شيوخهم عن النشاط والجد والتضحية في العمل كل ذلك بدون حساب أو عوض. رحم الله من مات من أولئك الشيوخ الذين ضربوا أحسن الأمثلة في البذل والتضحية في حين كان المستعمر يلوح من بعيد ويرغب في وظائفه غير أن الجمعية ورجالها المنخرطين فيها أعرضوا عن ذلك وبقوا مخلصين لمبدأ الجمعية، وهو الترفع عن وظائف المستعمر ورضوا بأتعاب جمعية العلماء فشيوخها معلمون في وقت التعليم وسعاة وجباة للمال في وقت العطلة الصيفية والتنقل في الجبال والصحراء لنشر دعوتها الإسلامية والعقيدة السلفية البعيدة عن البدع والخرافات إذ هذا هدف من أهدافها يقومون به في جولاتهم

стр. 33

أما الرأي الثاني وهو التأليف والتصنيف ونشر العلم بواسطته، فقد مال إليه البعض من العلماء وقالوا إن التصنيف والتأليف للكتب أولى وأهم من التعليم فيهم طائفة من العلماء الأفذاذ منهم العالم الفذ المكثر من التآليف أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ﵀ ورضي عنه وعن أعماله فهو صاحب التآليف في شتى الأغراض والفنون والعلوم وخاصة فيما له صلة بالدين والعقيدة والحديث والمواعظ فقد صرح في كتابه ((صيد الخاطر)) برأيه، والمتأمل في الرأيين يدرك أهميتهما معا بالنسبة إلى حاجة الأمة إليهما كليهما، ولكل من أصحاب الرأيين وجهة هو موليها بنى عليها رأيه وما اختاره وكل منهما مصيب إن شاء الله، ولازم للأمة ولا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر فقد عقد ابن الجوزي فصلا في كتابه المذكور حيث قال: فصل: الاشتغال بالتأليف واغتنام العمر . قال ﵀ ورضي عنه (رأيت من الرأي القويم أن نفع التصنيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة، لأني أشافه في عمرى عددا من المتعلمين وأشافه بتصنيفي خلقا لا تحصى ما خلقوا بعد. ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصنيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم فينبغي للعالم

стр. 34

أن يتوفر على التصانيف، إن وفق للتصنيف المفيد، فإنه ليس كل من صنف، صنف. وليس المقصود جمع شيء كيف كان إنما هي أسرار يطلع الله عليها من شاء من عباده ويوفقه لكشفها، فيجمع ما فرق أو يرتب ما شتت، أو يشرح ما أهمل، هذا هو التصنيف المفيد) اه كلام الإمام ابن الجوزي ﵀. وكلام الإمام ابن الجوزي هذا في غاية النصح والتوضيح والوضوح شأنه شأن علماء السلف الذين أفنوا أعمارهم في التعليم والتأليف بالرغم من قلة الوسائل التي تعينهم على عملهم الشاق والمرهق من الكتابة بأيديهم إلى نشر كتبهم بواسطة الأسفار إلى الأصقاع البعيدة ومع كل ما ذكر وغيره فقد عملوا وأنتجوا وتركوا لنا إنتاجهم مكتوبا بخطوط أيديهم وبأقلامهم القصبية فرحمهم الله وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرا وعوضهم عن اتعابهم تلك رضوانه وعفوه عنهم وأسكنهم جنات النعيم آمين. إن المتقدمين من علماء المسلمين قد عنوا عناية فاقت كل عناية بالتأليف فلم يأت منها خلفهم بعشر معشار ما أتي به الأولون منهم، فكأنهم قالوا (إن اليد التي لا تكتب، كالرجل التي لا تمشي). فهي معطلة عن وظيفتها التي خلقها الله لها وفي حكمة خلق الله لوظائف أعضاء الإنسان ما يدل على هذا، فقد قال:

стр. 35

(الذي علم بالقلم). وقال (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) والقلم لا تمسكه الرجل - إلا ما ندر بصعوبة - أو غيرها من سائر أعضاء الإنسان - بل إنما تمسكه اليد ببنانها لهذا شبهت بالرجل إذا لم تقم بوظيفتها، ولحكمة جعل الله يد الإنسان ذات أصابع ليتنفع بها في إمساك القلم بتلك الأصابع كما يستعين بها في الصناعات ولو كانت قطعة واحدة كيد الحمار - مثلا - لفاته هذا. ولكل زمان مصاعبه ومتاعبه ففي زماننا هذا سهل أمر التأليف والكتابة لكثرة الوسائل المعينة عليه من مواد وورق وأقلام ومطابع ونقل الخ وتعددت المصاعب والعقبات فكثيرا ما أهملت مؤلفات وإنتاجات لسبب أو لآخر! فهل نحن في عصر العلم والنور والتقدم والحرية؟ أم نحن في زمن مضى وانقطعت آثاره إلى الأبد؟؟ إن عصرنا هذا عصر الصراحة والنصح والدعوة إلى ما ينقذ البشرية من ربقة العبودية والتخلف وإنارة الطريق أمام من على بصيرته غشاوة لا عصر خنق الحريات وإهدار كرامة الأفكار ومن رأى غير هذا فقد وضع نفسه أمام مرآة لا تريه إلا ما وراء ظهره وتحجز عنه المستقبل! فالكتاب ينظر إليه من عدة نواح قيمته محتواه حاجة القراء إليه ... الخ لا إلى زخرفته وحجمه

стр. 36

وعنوانه فكثيرا ما ظهرت عناوين جذابة لكن محتواها إلحاد ودعوة لانحلال الأخلاق وميوعتها شجعتها وسائل الإعلام التي تشرف عليها حكومات إسلامية وتسيرها مثل الأشرطة الخليعة والأفلام اللادينية والتحقيقات اللاأخلاقية وو فأين الضمير الغيور؟ وأين الرجل المناسب في المكان المناسب؟! وقد رأينا وسمعنا شيئا يعارض هذا تماما وهو ادعاء الديمقراطية وأي ديمقراطية هذه التي تعمل على تعطيل حرية الرأي والقول .. ؟ إذ حرية الرأي والتعبير أو القول والنشر من الحريات الأساسية التي تربي الشعوب على الصراحة والنصح والصدق فيهما لا تلك الحريات المزعومة التي تطبع الأشخاص بطابع النفاق والملق والتزلف إلى الحكام لنيل عطفهم ورضاهم وإن كان في هذا غش للشعب ورميه في مجاهل القرون الوسطى المظلمة قرون الجهل والانحطاط والتخلف الفكري والحضاري وإن كان قرننا هذا يدعى في المحافل الدولية بقرن العلم والنور والتقدم والحرية الخ هذا ما يعلي شأن الأمم ويرفع من مقامها في صفوف أمم العالم المتحضرة أما العودة إلى زمان الاستعمار - في وقت الاستقلال - في خنق الحريات وإهدار كرامة الأفكار فهو دليل على التخلف الفكري وحب السيطرة والانتقام الشخصي وإن ادعى مدع غير هذا فهو في الأوراق لا غير.

стр. 37

الإنسان وحقوقه في هذه الحياة .. ؟ ونظيف إلى هذا دعوى أخرى مللنا - كثيرا - سماعها وهي هذا القول الشائع على الألسنة والأقلام تحت عناوين جد ضخمة عن ((حقوق الإنسان)) قالوا عن هذه الحقوق أو العقوق)) أنها مبدأ مسطر في قوانين ((جمعية الأمم)) الموقرة كثيرا ومعنى هذه الحقوق أن كل دولة انخرطت في هذه الهيأة لزمها أن تطبق هذه القوانين وتنفذها في بلدها على رعاياها فتمكن كل إنسان من حقه الطبيعي كي يعيش في حياته هذه كريما محترما، غير أن الواقع انكشف على خلاف ذلك فتسطير القوانين على الأوراق شيء وتطبيقها شيء آخر وأرى أن هذه خدعة أو خرافة من الخدع والخرافات التي تقال للصبيان لتنويمهم أو لتلهيتهم حتى لا يقلقوا آباءهم وأمهاتهم بسؤالهم طلب بعض ما يريدون ويشتهون. فقد رأينا أنه كلما جاءت ذكرى يوم الإعلان العالمي (لحقوق الإنسان) المزعومة، وهي يوم ١٠ ديسمبر ١٩٤٨ وذلك حين أعلنت جمعية الأمم عن حقوق الإنسان إلا ورأينا وسمعنا وسائل الإعلام انطلقت بأبواقها من صحافة وإذاعة وتلفزة ومجتمعات تعقد لهذا الغرض وهو تمجيد هذا اليوم الأغر في حياة الإنسانية التي عانت كثيرا من الظلم والاستبداد تمجده لما وقع فيه وهو هذا الحدث الهام الذي أعلنت فيه جمعية الأمم عن حقوق الإنسان.

стр. 38

ونحن كمسلمين ومؤمنين نومن بحقوق الإنسان مند أربعة عشر قرنا فإننا نعرف أن للإنسان حقوقه منذ أربعة عشر قرنا خلت، فقد قال لنا القرآن كتاب ربنا الذي ربانا عليه (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (١) وقال لنا رسول الله ﷺ : (كلكم لآدم، وآدم من تراب) وقال (الناس سواسية كأسنان المشط) (٢) وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ إن ديننا ((الإسلام)) قد ضمن للمسلم حريته في كل أطوار حياته في القول والتعبير والعمل ما لم يكن في ذلك أذى لغيره فإن كان القائل مصيبا فيما قال وأبدى رأيا فيه الخير والمنفعة للأمة سمع قوله وعمل به، وإن كان فيه المضرة والفساد أهمل وألغي وما لم يكن كفرا بالله ورسوله هكذا ربى ((الإسلام)) المسلم على الصراحة في القول وأوجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليصلح المجتمع الإسلامي حتى لا يكون فيه المنافق والمتملق والمداهن على حساب العقيدة فكان المسلمون يواجهون ملوكهم بالأسئلة المحرجة في المواطن الحرجة من غير أن يكموا أفواههم بالأمر بالسكوت، بل تعجبهم فيهم الصراحة إذا كانت

стр. 39

للمصلحة العامة، وشواهد هذا كثيرة في التاريخ الإسلامي وهذا بخلاف ما كان معمولا به في زمن ملوك الطوائف - وما أشبه زماننا هذا بزمن ملوك الطوائف - ولله الأمر من قبل ومن بعده ومن أبرز مظاهر تربية الإسلام لأمراء المسلمين وعامتهم على الصراحة أن رجلا من عامتهم قال لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب اتق الله يا عمر!! وهذا من باب النصيحة له فنهره أحد الحاضرين في المجلس وقال له أتقول لأمي المؤمنين إتق الله؟ فما كان من عمر إلا أن رد على هذا المنكر على الناصح قوله في كلمته المشهورة حيث قال: (دعه فليلها فإنه لا خير فيكم إذا لم تقولها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها) وكقوله لعمرو بن العاص وإلى مصر: (يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟؟؟) وهذا حين اعتدى بالضرب ابن الوالي عمرو بن العاص على ابن أحد الأقباط الشعبيين في سباق الخيل حين منعه من سبقه وقال له: أتسبق ابن الأكرمين؟ فاستدعى عمر الوالي وابنه في زمن الحج وأمر القبطي بأن يقتص من ابن الوالي في حضرة أبيه فهذا من عدل الإسلام في زمنه الأول، فما أعدل حكم الإسلام حين يلقى من يطبقه على المسلمين وغيرهم!!! بل كان بعض الأعراب يجابه الرسول ﷺ بالغلظة في القول فيعفو عنهم ولا يعاقبهم، وهو من هو؟ فهذا أبلغ درس عملي يلقيه الإسلام على الإنسانية المعذبة بالظلم والطغيان من لدن حكامها، وهذه هي

стр. 40

حقوق الإنسان في الإسلام تظهر بلا تهريج ولا صياح بلا فائدة من وراء ذلك الصياح والتهريج وهذه هي حقوق الإنسان والمواطن في الإسلام لو كان هذا العالم يبحث عن الحقيقة والواقع. وبعد الإسلام وقبل جمعية الأمم تلك وإعلانها المذكور قامت الثورة الفرنسية وأعلنت عن حقوق ((الإنسان)) سنة ١٧٨٩ فتقبل الناس هذا الإعلان بالإعجاب والإكبار، ولكن بقي هذا الإعلان بلا تطبيق ولا عمل به حتى لحقه صنوه فأهمل هو كما أهمل سابقه. فقد رأينا أن الإسلام هو السابق لكل ذلك ثم فرنسا وقد تبعتها بعض الدول في إعلانها ذلك.
следующие страницы →