← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11522

الطريق إلى الولد الصالح

وحيد عبد السلام بالي

Полный текст (52 стр.). Показаны 36–52 · переход к 41.

стр. 36

وخلاصة القول أن مسئولية التربية الإيمانية لدى المربين والآباء، والأمهات لهي مسئولية هامة، وخطيرة لكونها منبع الفضائل ومبعث الكمالات، بل هي الركيزة الأساسية لدخول الولد في حظيرة الإيمان. وبدون هذه التربية لا ينهض الولد بمسؤولية، ولا يتصف بأمانة، ولا يعرف غاية، ولا يتحقق بمعنى الإنسانية الفاضلة، ولا يعمل لمثل أعلى ولا هدف نبيل، بل يعيش عيشة البهائم ليس له هم سوى أن يسد جوعته، ويشبع غريزته، وينطلق وراء الشهوات والملذات، ويصاحب الأشقياء والمجرمين. فعلى الأب أو المربي أن لا يترك فرصة سانحة تمر إلا وقد زود الولد بالبراهين التي تدل على الله، وبالإرشادات التي تثبت الإيمان وبالصفات التي تقوي جانب العقيدة.

стр. 37

وهذا أسلوب فعال في ترسيخ العقيدة في نفوس الصغار، ولقد استعمله رسول الله ﷺ فها هو ينتهز فرصة ركوب عبد الله بن عباس خلفه على حمار فيقول له: (يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف).

стр. 38

وهاهو يرى غلاماً تطيش يده في الصحفة أثناء تناوله الطعام فيقول له: (يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) ثانياً: التربية الخلقية: التربية الخلقية هي مجوعة المبادئ الخلقية، والفضائل السلوكية والوجدانية التي يجب أن يتلقنها الطفل ويكسبها، ويعتاد عليها منذ تمييزه وتعقله إلى أن يصبح مكلفاً إلى أن يتدرج شاباً إلى أن يخوض الحياة.

стр. 39

ومما لاشك فيه أن الفضائل الخلقية، والسلوكية والوجدانية هي ثمرة من ثمرات الإيمان الراسخ، والتنشئة الدينية الصحيحة. والطفل منذ نعومة أظفاره حين ينشأ على الإيمان بالله، ويتربى على الخشية منه، والمراقبة له، والاعتماد عليه، والاستعانة به، والتسليم لجنابه فيما ينوب ويروع تصبح عنده الملكة الفطرية، والاستجابة الوجدانية لتقبل كل فضيلة ومكرمة، والاعتياد على كل خلق فاضل كريم. لأن الوازع الديني الذي تأصل في ضميره، والمراقبة الإلهية، التي ترسخت في وجدانه، والمحاسبة النفسية التي سيطرت على تفكيره

стр. 40

وإحساساته كل ذلك بات حائلا بين الطفل وبين الصفات القبيحة، والعادات الآثمة المرذولة، والتقاليد الجاهلية الفاسدة، بل إقباله على الخير يصبح عادة من عاداته، وتعشقه المكارم والفضائل يصير خلقا أصيلا من أبرز أخلاقه وصفاته. والعكس تماما حينما تكون التربية للطفل بعيدة عن العقيدة الإسلامية، مجردة من التوجيه الديني والصلة بالله ، فإن الطفل لاشك يترعرع على الفسوق والانحلال، وينشأ على الضلال والإلحاد، بل سيتبع نفسه هواها ويسير خلف نوازع النفش الأمارة، ووساوس الشيطان وفقاً لمزاجه وأهوائه وأشواقه الهابطة.

стр. 41

الأخلاق الهابطة: هناك عدة أخلاق منتشرة بين الأطفال لا مراعاتها والتحذير منها وهي: ١ - خلق الكذب: وهو خلق ذميم فواجب على الآباء والمربين أن يراقبوا أولادهم حتى لا يقعوا في ذلك الخلق الشنيع. ويكفي الكذب تشنيعا وتقبيحا أن عده الإسلام من خصال النفاق فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال:"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن

стр. 42

كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". ٢ - خلق السرقة: وهو لا يقل خطراً عن الكذب، وهو منتشر في البيئات المتخلفة التي لم تتخلق بأخلاق الإسلام، ولم تترب على مبادئ التربية والإيمان. ومن المعلوم بداهة أن الطفل منذ نشأته إن لم ينشأ على مراقبة الله والخشية منه، وأن يتعود على الأمانة وأداء الحقوق، فإن الولد- لاشك- سيدرج على الغش والسرقة والخيانة، وأكل

стр. 43

الأموال بغير حق، بل يكون شقيا مجرما، يستجير منه المجتمع، ويستعيذ من سوء فعاله الناس لهذا كان لزاماً على الآباء أن يغرسوا في نفوس أبنائهم عقيدة المراقبة لله، والخشية منه، وأن يعرفوهم بالنتائج الوخيمة التي تنجم عن السرقة وتستفحل بسبب الغش والخيانة. ٣ - خلق السباب والشتائم: وهو خلق قبيح منتشر في محيط الأولاد خاصة من تربوا بعيدا عن هدى القرآن، والالتزام بالإسلام. يقول عبد الله علوان: والسبب في انتشار ظاهرة السباب والشتائم. بين الأولاد يعود إلى أمرين:

стр. 44

الأول: القدوة السيئة: فالولد حينما يسمع من أبويه كلمات الفحش والسباب وألفاظ الشتيمة والمنكر .. فإن الولد- لاشك- سيحاكي كلماتهم، ويتعود ترداد ألفاظهم. فلا يصدر منه في النهاية إلا كلام فاحش، ولا يتلفظ إلا بمنكر القول وزوره. الثاني: الخلطة الفاسدة: فالولد الذي يُلقى للشارع، ويُترك لقرناء السوء، ورفقاء الفساد، فمن البديهي أن يتلقن منهم لغة اللعن. لهذا كله وجب على الآباء والأمهات والمربين جميعاً أن يعطوا للأولاد القدوة الصالحة في حسن الخطاب، وتهذيب اللسان، وجمال اللفظ

стр. 45

والتعبير كما يجب عليهم أن يجنبوهم لعب الشارع، وصحبة الأشرار، وقرناء السوء- حتى لا يتأثروا من انحرافهم ويكتسبوا من عاداتهم. ويجب عليهم كذلك أن يبصروهم مغبة آفات اللسان ونتيجة البذاءة في تحطيم الشخصية، وسقوط المهابة، وإثارة البغضاء والأحقاد بين أفراد المجتمع. ويمكنك أن تُلقى على أسماعهم بعض الأحاديث التي تنهى عن اللعن والسب مثل: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".

стр. 46

وحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه " قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل فيسب أباه، ويسب أمه". ٤ - خلق الميوعة والانحلال: يقول عبد الله علوان: أما ظاهرة الميوعة والانحلال فهي من أقبح الظواهر التي تفشت بين أولاد المسلمين وبناتهم في هذا العصر الذي يلقب بالقرن العشرين، فحيثما أجلت النظر تجد كثيرا من المراهقين الشباب والمراهقات الشابات قد انساقوا وراء التقليد الأعمى،

стр. 47

وانخرطوا في تيار الفساد والإباحية دون رادع من دين، أو وازع من ضمير، كأن الحياة في تصورهم عبارة عن متعة زائلة، وشهوة هابطة، ولذة محرمة، فإذا ما فاتهم هذا فعلى الدنيا السلام. وقد ظن بعض ذوي العقول الفارغة أن آية النهوض بالرقص الماجن، وعلامة التقدم بالاختلاط الشائن، ومقياس التجديد بالتقليد الأعمى، فهؤلاء قد انهزموا من نفوسهم، وانهزموا من ذوات شخصياتهم وإرادتهم قبل أن يهزموا في ميادين الكفاح والجهاد. فترى الواحد من هؤلاء ليس له هم في الحياة إلا أن يتخنفس في مظهره، وأن يتخلع في مشيته، وأن يتصيع في منطقة، وأن يبحث عن ساقطة مثله ليذبح رجولته عند قدمها،

стр. 48

ويقتل شخصيته في التودد إليها .. وهكذا يسير من فساد إلى فساد، ومن ميوعة إلى ميوعة حتى يقع في نهاية المطاف في الهاوية التي فيها دماره، وهلاكه. ومن هنا يتعين على المربي أن يهذب أخلاق الولد وأن يبعده عن صحبة السوء وأن يربطه بالصحبة الطيبة، وعليه أيضاً أن يباشر الولد فإذا وجد منه اعوجاجا سارع بتقويمه قبل أن يتأصل فيه.

стр. 49

ثالثا: التربية الفكرية: لقد انتشرت في الساحة الآن أفكار كثيرة منها الصالح والطالح والبناء والهدام، والحق والباطل. فعلى الوالد أن يبين لولده الحقيقة، ويفرق له بين الغث والسمين من هذه الأفكار حتى يشب على بينة من أمره، ولا تجتاحه الأمواج كما اجتاحت كثيراً من شباب المسلمين. ويدخل في هذا أيضاً أن يعلم ولده كيف ينزل الناس منازلهم فإذا ذكر أمامه رجل من أهل المجون والفسوق كالفجرة من المغنين والمغنيات مثلاً احتقره وحط من قدره حتى لا يتخذه الولد قدوة له، وإذا ذكر أحد الدعاة أو المصلين أو العلماء المستقيمين، رفع قدره،

стр. 50

وعظم أمره، وعود الولد على حبه كي يقتدي به، وهذه لفتة مهمة لمن تدبرها. ولابد من تعويد الولد وتنشئته على حب السنة وأهلها، وبغض البدعة وأهلها.

стр. 51

رابعا: التربية الجسمية: الجسد هو الدابة التي تحمل الروح في السفر إلى الله، فإن أكرمتها، وأحسنت إليها واصلت بك وإن أهملت أمرها انقطعت بك في الطريق (إن لجسدك عليك حقاً). فلا مانع من تعليم الولد بعض التمرينات الرياضية التي تقوي جسده وتنشط جسده وتنشط روحه، وقد قال غمر بن الخطاب ﵁ (علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل). فلو أحضرت لولدك بندقية وعلمته أصول الرماية الصحيحة لكان خيراً، وكذلك تعليمه قيادة السيارات والدراجات وغيرها من الآلات العصرية.

стр. 52

وأخيراً: عليك بالملاحظة التامة لولدك في كل حركاته وسكناته، وتصرفاته وتحاول أن تصلح ما تراه قد اعوج سالكاً في ذلك اللين والشدة، والرخاوة والقسوة، كل حسب حاجته، ولا تظن بذلك أن ولدك صار صالحاً كريما مقداما وإنما عليك بالدعاء إلى الله والتضرع إليه أن يصلح ولدك فإن الله وحده هو الذي بيده مفاتيح القلوب. ونسأل الله ﵎ أن يجعل هذه الكلمات معينة لنا على تربية أبنائنا تربية صحيحة إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى اللهم على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين من أئمة الهدى أجمعين. وكتبه أفقر الخلق إلى الله وحيد عبد السلام بالي المدينة المنورة في ٢٢/ ١/ ١٤١٠هـ