← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11539

حاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك

الصبان

Полный текст (1 369 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول المقدمات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة الصبان ١: هو أبو العرفان الشيخ محمد بن علي الصبان الشافعي، ولد بمصر وحفظ القرآن والمتون واجتهد في طلب العلم وحضر على أشياخ عصره وجهابذة مصر وشيوخه، ولم يزل الشيخ الصبان يخدم العلم ويدأب في تحصيله حتى تمهر في العلوم العقلية والنقلية وقرأ الكتب المعتبرة في حياة أشياخه، وربى التلاميذ واشتهر بالتحقيق والتدقيق والمناظرة والجدل وشاع ذكره وفضله بين العلماء بمصر والشام. ومن مؤلفاته: حاشيته على الأشموني التي سارت بها الركبان وشهد بدقتها أهل الفضائل والعرفان، وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وحاشية على شرح العصام على السمرقندية، وحاشية على شرح الملوي على السلم، ورسالة في علم البيان، ورسالة عظيمة في آل البيت، ومنظومة في علم العروض وشرحها، ونظم أسماء أهل بدر، وحاشية على آداب البحث، ومنظومة في مصطلح الحديث ستمائة بيت، ومثلثات في اللغة، ورسالة في الهيئة، وحاشية على السعد في المعاني والبيان، ورسالتان على البسملة صغرى وكبرى، ورسالة في مفعل، ومنظومة في ضبط رواة البخاري ومسلم. توفي الشيخ الصبان في جمادى الأولى سنة ١٢٠٦هـ، بعد أن توعك بالسعال وقصبة الرئة، وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن بالبستان.

стр. 2

ترجمة الأشموني ١: هو علي بن محمد بن عيسى بن محمد الأشموني الأصل ثم القاهري الشافعي نور الدين أبو الحسن. فقيه، أصولي، مقرئ، نحوي، متكلم، ناظم. من تصانيفه: شرح ألفية ابن مالك، ونظم منهاج الدين للحليمي في شعب الإيمان، ونظم جمع الجوامع في الأصول، والينبوع في شرح المجموع في فروع الفقه، ونظم إيساغوجي في المنطق، وتعليقة على الأنوار لعمل الأبرار للأردبيلي في فروع الفقه الشافعي. اختلف في وفاته، فقيل نحو سنة ٩٠٠هـ، وقيل: سنة ٩١٨هـ، وقيل: سنة ٩٢٩هـ، وقيل غير ذلك.

стр. 3

مقدمة المؤلف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد حمد لله على ما منح من أسباب البيان. وفتح من أبواب التبيان. والصلاة ــ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نحمدك اللهم على ما وجهت نحونا من سوابغ النعم. ونشكرك على ما أظهرت لنا من مبهمات الأسرار ومضمرات الحكم. ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك الفاعل لكل مبتدأ ومبتدع، ونشهد أن سيدنا محمدا عبدك ورسولك المفرد العلم والإمام المتبع. اللهمّ صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما رفعت منصب المنخفض لجلالك. وجبرت بالسكون إليك كسر الجازم بوحدتك في ذاتك وصفاتك وأفعالك. أما بعد فيقول راجي الغفران "محمد بن علي الصبان" غفر الله ذنوبه وستر في الدارين عيوبه. هذه حواش شريفة. وتقريرات جليلة منيفة. وتحقيقات فائقة. وتدقيقات رائقة. خدمت بها شرح العلامة نور الدين أبي الحسن "علي بن محمد الأشموني" الشافعي على ألفية الإمام "ابن مالك" كل الخدمة. وصرفت في تحرير مبانيها وتهذيب معانيها جميع الهمة. ملخصا فيها زبد ما كتبه عليه المشايخ الأعيان. منبها على كثير مما وقع لهم من أسقام الأفهام وأوهام الأذهان. ضاما إلى ذلك من نفائس المسطور ما ينشرح به الخاطر. مضيفا إليه من عرائس بنات فكري ما تقر به عين الناظر. وحيث أطلقت شيخنا فمرادي به شيخنا العلامة المدابغي. أو قلت شيخنا السيد فمرادي به شيخنا المحقق السيد البليدي. أو قلت البعض فمرادي به الفهامة الفاضل سيدي يوسف الحنفي ﵏ وجزاهم عنا خيرا. وما كان زائدا على ما في حواشيهم وليس معزوا لأحد فهو غالبا مما ظهر لي وربما نسبته إليّ صريحا. وعلى الله الاعتماد إنه ولي السداد. قوله: "أما بعد حمد الله إلخ" اعترض بأن هذه العبارة إنما تفيد سبق حمد وصلاة وسلام منه وهذه الإفادة لا يحصل بها المطلوب من الإتيان بالثلاثة في ابتداء التأليف. ويجاب أولا بأنا لا نسلم تلك الإفادة لأن القصد من قوله حمد الله إنشاء الحمد. وقوله حمد الله وإن لم يكن جملة في قوة الجملة فكأنه قال أما بعد قولي أحمد الله منشئا للحمد. وثانيا بأنا سلمنا تلك الإفادة لكن لا نسلم أن المطلوب لا يحصل بها لأن إفادة سبق الحمد منه تتضمن أن المحمود أهل لأن يحمد وهو وصف بالجميل فقد حصل الحمد ضمنا بهذه العبارة الواقعة في ابتداء التأليف ولا يضر عدم حصوله صريحا إذ المطلوب حصول الحمد مطلقا في الابتداء ومثل ذلك يقال في الصلاة والسلام بناء على أن المقصود بهما التعظيم وهو حاصل بإفادة سبقهما كما أفاده العلامة ابن قاسم في نكته عند قول المصنف: أحمد ربي الله خير مالك مصليا الخ وبه يعرف ما في كلام البعض وما أجاب به هو وشيخنا من أن الشارح أتى بالثلاثة لفظا لا يحسم مادة

стр. 4

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والسلام على من رفع بماضي العزم قواعد الإيمان. وخفض بعامل الجزم كلمة البهتان. ــ الاعتراض لبقاء المؤاخذة بعدم كتابتها المطلوبة أيضا والجواب بحصول الحمد بالبسملة غير نافع في الصلاة والسلام. فإن قلت لا نسلم عدم حصول الحمد صريحا هنا لما تقرر من أن الإخبار عن الحمد حمد أي صريح. قلت ما تقرر إنما هو في الإخبار عن الحمد بثبوته لله بالجملة الاسمية أعني الحمد لله لأنه ثناء بجميل صراحة فهو حمد صريح بخلاف الإخبار عن الحمد بسبق وقوعه، ومثله الإخبار بأنه يقع كما في أحمد ربي الله على أنه خبر لفظا ومعنى فتنبه. قوله: "على ما منح من أسباب البيان" على تعليلية وما موصول اسمي أو نكرة موصوفة فمن بيانية والعائد محذوف. ويظهر لي عند عدم استدعاء المقام أحد الوجهين ترجح الثاني لأن النكرة هي الأصل ولأن شرط الموصول إذا لم يكن للتعظيم أو التحقير عهد الصلة وقد لا يحصل عهدها إلا بتكلف فاحفظه، أو موصول حرفي ويقوّي هذا أن الحمد يكون حينئذٍ على الفعل والحمد على الفعل أمكن من الحمد على أثره لأن الحمد على الفعل بلا واسطة وعلى أثره بواسطته. ومن زائدة على مذهب الأخفش وبعض الكوفيين أو تبعيضية نكتتها الإشارة إلى أنه تعالى يستحق الحمد على بعض نعمه كما يستحق الحمد على الكل بالأولى. والمنح الإعطاء وبابه قطع وضرب، والمنحة بالكسر العطية كذا في المختار. والبيان يطلق بمعنى الظهور وبمعنى الفصاحة وبمعنى المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير أي المنطوق به لا المعنى المصدري لأنه لا يوصف بالفصاحة حقيقة وهذا هو المراد هنا. والمراد بأسبابه جميع ما له دخل في حصوله كسلامة اللسان من العيّ والفهاهة وسلامة القلب من موانع الإدراك لا خصوص ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته لقصوره. قوله: "وفتح من أبواب التبيان" قياس ما كان على التفعال فتح التاء كالتكرار والتذكار وشذ كسر تاء التبيان والتلقاء بعكس الفعلال، وورد الفتح أيضا في التبيان كما في القاموس وإن كان كسره أكثر. والتبيان كما قاله الخطابي أبلغ من البيان لأنه بيان مع دليل وبرهان فهو جار على الأصل من زيادة المعنى لزيادة المبنى. والمراد بأبوابه كل ما له دخل في حصوله كالإدراكات القوية وجودة اللسان والقلب فالأبواب استعارة مصرحة والفتح ترشيح أو في التبيان استعارة بالكناية والأبواب تخييل والفتح ترشيح. وذكر المنح والأسباب في جانب البيان والفتح والأبواب في جانب التبيان لأن التبيان أبلغ كما مر فالوصول إليه أصعب يحتاج إلى فتح أبواب مغلقة. قوله: "والصلاة والسلام" مجروران عطفا على حمد الله. قوله: "على من رفع" متعلق بمحذوف صفة للصلاة والسلام أي الكائنين على من رفع، أو حال منهما. وقال شيخنا تبعا للمصرح متعلق بالسلام لقربه وهو مطلوب أيضا للصلاة من جهة المعنى على سبيل التنازع. ا. هـ. ومراده كما قاله الفاضل الروداني محشي التصريح التنازع المعنوي الذي هو مجرد الطلب في المعنى لا العملي بدليل كلامه فقوله متعلق بالسلام لقربه يعني مع حذف متعلق الصلاة فسقط ما اعترض به البعض من أن التنازع لا يكون إلا في فعلين متصرفين أو اسمين يشبهانهما كما سيأتي

стр. 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ "محمد" المنتخب من خلاصة معد ولباب عدنان. وعلى آله وأصحابه الذين أحرزوا ــ وما ذكر ليس كذلك أي لأن الصلاة والسلام اسما مصدرين جامدان على أنه سيأتي أن المراد اسمان يشبهانهما في العمل لا في التصرف بدليل تمثيلهم باسم الفعل والمصدر. وممن وافق على ذلك هذا البعض وحينئذٍ لا يدل ما سيأتي على عدم جريان التنازع الاصطلاحي بين اسمي المصدر بل على جريانه بينهما كالمصدرين فيتلاشى الاعتراض من أصله. والرفع الإعلاء والمراد به هنا الإظهار والإعزاز. قوله: "بماضي العزم" من إضافة الصفة إلى الموصوف أي العزم الماضي قال في المصباح: عزم على الشيء وعزمه عزما من باب ضرب عقد ضميره على فعله. ا. هـ. لكن سيذكر الشارح قبيل باب التنازع أن عزم لا يتعدّى بنفسه وإن قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاح﴾ [البقرة: ٢٣٥] على تضمين معنى تنووا والماضي إما بمعنى النافذ يقال مضى الأمر أي نفذ، وإما بمعنى القاطع يقال سيف ماض أي قاطع فيكون قد شبه في النفس العزم بالسيف والماضي بمعنى القاطع تخييل. قوله: "قواعد الإيمان" يحتمل وهو الظاهر أن يراد بالإيمان التصديق القلبي فتكون إضافة القواعد إليه من إضافة المتعلق بفتح اللام إلى المتعلق بكسرها والمراد بالقواعد جميع ما وجب الإيمان به مما ينبني عليه غيره كعقائد التوحيد وضوابط الفقه المجمع عليهما، أو جميع ما وجب الإيمان به سواء بنى عليه غيره أو لا فيكون في التعبير بالقواعد تغليب، أو البراهين الدالة على حقيقة الإيمان، ويحتمل أن يراد به الإسلام لتلازم الإيمان والإسلام الكاملين فالإضافة من إضافة الأجزاء إلى الكل. والمراد بالقواعد الأركان الخمسة المذكورة في حديث: "بني الإسلام على خمس" وعليه ففي الكلام تلميح إلى هذا الحديث. قوله: "وخفض بعامل الجزم" الجزم القطع وعامله آلته كالسيف ووصفها بالعمل مجاز عقلي من وصف آلة عمل الشيء به. فإن قلت عامل الجزم لا يخفض في العربية فلا تتم التورية قلت التورية لا تتوقف على خفضه في العربية وإنما روي بخفضه الذي لا يقع في العربية للإشارة إلى أن ما وقع منه ﷺ أمر فوق ما ألفه البشر خارج عن طوقهم. قوله: "كلمة البهتان" البهتان الكذب والمراد به هنا الكفر أو مطلق الباطل والمراد بالكلمة الكلام وإضافتها إلى البهتان استغراقية. قوله: "محمد" بدل من أو عطف بيان وقوله المنتخب أي المختار نعت لمحمد لا لمن لئلا يلزم تقديم البدل أو عطف البيان على النعت مع أن النعت هو المقدم على بقية التوابع عند اجتماعها. قوله: "من خلاصة معد ولباب عدنان" خلاصة الشيء بضم الخاء وكسرها ما خلص منه وبمعناه اللباب ففي عبارته تفنن. ومعد بفتح الميم والعين ولد عدنان لصلبه قال الجوهري وهو أبو العرب. وعدنان آخر النسب الصحيح لرسول الله ﷺ . وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، فعلم وجه ذكر معد وعدنان. ويحتمل أنه أراد بمعد وعدنان ذرية معد وذرية عدنان المسماتين باسمي أبويهما. وإنما أخر عدنان ذكرا مع تقدمه وجودا لأنه لو قدمه لم يكن لذكر معد

стр. 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قصبات السبق في مضمار الإحسان. وأبرزوا ضمير القصة والشأن بسنان اللسان ولسان السنان. فهذا شرح لطيف بديع على ألفية ابن مالك. مهذب المقاصد واضح المسالك. ــ فائدة لأنه يلزم من كونه ﵊ منتخبا من لباب عدنان كونه منتخبا من خلاصة معد ولا عكس. قوله: "أحرزوا" أي حازوا وقوله قصبات السبق الخ كان من عادة العرب أن تغرز قصبة في آخر ميدان تسابق الفرسان فمن أعدى فرسه إليها وأخذها عد سابقا ففي الكلام استعارة تمثيلية إن شبه حال الصحابة في غلبتهم لمن قاواهم في الإحسان بحال السابقين على الخيل في الميدان في سبقهم إلى قصبة السبق بجامع مطلق حوز ما به الشرف، أو استعارة مكنية إن شبه في النفس الإحسان بساحة ذات ميدان وجعل إثبات المضمار أي الميدان تخييلا وإحراز قصبات السبق ترشيحا، أو استعارة مصرحة إن شبهت مراتب العلو بقصبات السبق وجعل المضمار ترشيحا والإحسان تجريدا والمراد بالإحسان إما معناه الشرعي المبين في حديث جبريل بقوله ﵊: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" أو مطلق الطاعة وهذا أقرب. قوله: "وأبرزوا" أي أظهروا. وقوله ضمير القصة والشأن يحتمل أن المراد المضمر المستور الذي كان له قصة وشأن عظيمان وهو دين الإسلام فيكون تسميته مضمرا باعتبار ما كان. ويحتمل أن المراد ضمير القصة والشأن الاصطلاحي الواقع في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه﴾ [محمد: ١٩] ففي الكلام حذف مضاف أي مفسر ضمير الخ لأن الذي أظهروه مفسره وهو لا إله إلا الله، أو مجاز مرسل علاقته المجاورة حيث سمي المفسر بكسر السين باسم المفسر بفتحها. قوله: "بسنان اللسان ولسان السنان" السنان نصل الرمح، والتركيبان إما من إضافة المشبه به إلى المشبه أي اللسان الذي كالسنان في التأثير والسنان الذي كاللسان في كثرة استعماله، أو من الاستعارة بأن يكون شبه في التركيب الأول كلام اللسان بالسنان في التأثير وشبه في النفس السنان في التركيب الثاني بالإنسان في صدور الفعل العظيم عن كل وأثبت له اللسان تخييلا، أو شبه طرف السنان الذي به الجرح باللسان في كثرة استعماله، وجعل شيخنا إطلاق لسان السنان على طرفه الجارح لا تجوز فيه ممنوع لأنه ليس من معاني اللسان الحقيقية كما يؤخذ من القاموس وغيره. وفي قوله بسنان الخ من أنواع البديع العكس وهو تقديم المؤخر وتأخير المقدم كقولهم عادات السادات سادات العادات. وقد اشتملت خطبته على أنواع أخر كبراعة الاستهلال والتورية في الفتح والرفع والماضي ونحوها. والطباق في الرفع والخفض والإيمان والبهتان والإفراط والتفريط. والجناس اللاحق في الأسد والجسد والتحقيق والتدقيق والمخل والممل، وكذا بين الأدراج والأبراج كما قاله شيخنا والبعض وإن جعل شيخنا السيد الجناس بينهما مضارعا لما سيأتي والجناس المضارع في خلا وعلا. والفرق بين الجناسين أن الاختلاف إن كان بحرف بعيد المخرج فاللاحق أو قريبه فالمضارع. ومعنى بعد المخرج أن يختلف الحرفان في جنس المخرج ومعنى قربه أن يتحدا في جنسه ويختلفا في شخصه. قوله: "فهذا" اسم الإشارة راجع إلى الألفاظ الذهنية المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة على أرجح الأوجه فهو مستعار مما وضع له، وهو المبصر الحاضر للمعقول لشبهه به

стр. 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يمتزج بها امتزاج الروح بالجسد. ويحل منها محل الشجاعة من الأسد. تجد نشر التحقيق ــ في كمال إتقان المشير أو السامع إياه حتى كأنه مبصر عنده، وهل استعارة اسم الإشارة ونحوه أصلية أو تبعية خلاف بيناه في رسالتنا في المجازات. والفاء واقعة في جواب إما وجواب الشرط لا بد أن يكون مستقبلا وكون الألفاظ المشار إليها شرحا لطيفا بديعا غير مستقبل فلا بد من تقدير أقول بعد الفاء كما أفاده في التصريح، نعم إن كانت الخطبة قبل التأليف وجعل الشرح بالمعنى اللغوي على أنه مصدر بمعنى الشارح أي خارجا لم يحتج إلى التقدير لأن الشرح الخارجي المدلول على هذا الشرح الذي هو محط الجزاء مستقبل حينئذٍ بل قال الروداني في حواشيه على التصريح إنما يحتاج إلى التقدير لو أريد بالشرط الذي تضمنته أما التعليق مع أن المراد منه مجرد استلزام شيء لشيء، ولو سلم فالتعليق قد يكون في الاستقبال وقد يكون في الماضي كما في شرط لو فليكن هذا منه. ا. هـ. نعم قال يس: يندفع بتقدير القول إشكال آخر وهو أن كون هذه الألفاظ شرحا لطيفا بديعا ثابت حمد أو لم يحمد فما معنى كونه بعد الحمد، فإذا جعل الجزاء القول كان هو المقيد بالبعدية. ا. هـ. وهو مبني على أن الظرف من متعلقات الجزاء كما هو الأحسن مع أن هذا الإشكال الآخر يندفع بجعل شرح بمعنى شارح مرادا منه المعنى اللغوي لصحة تقييده بالبعدية على أنه يرد على تقدير القول أن حذف القول يوجب حذف الفاء معه كما سيصرح به الشارح، لكن في الهمع ما يدل على أن بعضهم يجوز حذف القول مع بقاء الفاء كما سيأتي بسطه في محله فتنبه. قوله: "لطيف" يعني لا يحجب ما وراءه من المعاني مجازا عما لا يحجب ما وراءه من المحسوسات. قوله: "بديع" فعيل بمعنى المفعول أي مبتدع أي مخترع لا على مثال سابق فإنه بهيئته المخصوصة لم يسبق له مثال والمراد أنه فائق في الحسن على غيره من الشروح ويجيء بديع بمعنى مبدع ومنه بديع السموات والأرض. قوله: "على ألفية ابن مالك" متعلق بمحذوف خاص دل عليه السياق أي دال على ألفية ابن مالك أي على معانيها، أو على بمعنى لام التقوية متعلقة بشرح بمعنى شارح أي كاشف كما قاله البعض، وفيه أنه يلزم على هذا نعت المصدر قبل استيفاء معموله أو بمعنى لام الاختصاص متعلقة بمحذوف صفة لشرح فيكون على استعارة تبعية أو شبه الشرح والمتن بجسم مستعل وجسم مستعلى عليه وذكر على تخييلا. قوله: "مهذب إلخ" التهذيب التنقية، والمقاصد المعاني، والمسالك الألفاظ، وهما مجروران بإضافة الوصف إليهما أو منصوبان على التشبيه بالمفعول به. قوله: "يمتزج بها إلخ" في الكلام مبالغة وإلا فالمزج الخلط بلا تمييز مع أن الشرح والمتن متمايزان، وأشار بهذه السجعة إلى ما في شرحه مما لا بد منه في بيان المتن وبالسجعة الثانية إلى ما زاد على ذلك والمقصود منهما وصف شرحه بجودة السبك وحسن التركيب مع ألفاظ المتن. قوله: "امتزاج الروح" أي امتزاجا كامتزاج الروح بالجسد. لا يقال عبارته تفهم أن شرحه للمتن كالروح للجسد وأن المتن بدونه كالجسد بدون الروح وفي هذا تنقيص لبقية الشروح لأنا نقول مقام المدح لا ينظر فيه إلى أمثال هذه المفاهيم. قوله:

стр. 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من أدراج عبارته يعبق. وبدر التدقيق من أبراج إشاراته يشرق. خلا من الإفراط الممل. ــ "ويحل" بضم الحاء وكسرها لأن حل بمعنى نزل يجوز في حاء مضارعه الوجهان كما في القاموس وبهما قرئ في السبع قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] فاقتصار البعض كشيخنا على الضم تقصير. وأما حل ضد حرم فجاء مضارعه بالكسر فقط. وحل بمعنى فك فجاء مضارعه بالضم فقط. قوله: "منها" قال شيخنا السيد: حال أي كائنا منها لأن حل لا يتعدى بمن وكذا قوله من الأسد أي كائنة من الأسد. ولعل معنى كائنا منها وكائنة من الأسد منتسبا إليها ومنتسبة إلى الأسد ولا يبعد أن من في الموضعين بمعنى في. لا يقال الظرفية في الأول غير ظاهرة لأنا نقول لما امتزج بها كأنه حل فيها. وقوله محل الشجاعة أي حلولها فمحل مصدر ميمي أي حلولا كحلول الشجاعة والمراد بالشجاعة الجراءة لا الملكة المخصوصة لاختصاص الملكات بذوي العلم. قوله: "تجد نشر التحقيق إلخ" النشر الرائحة الطيبة. والتحقيق يطلق على ذكر الشيء على الوجه الحق ويطلق على إثبات المسألة بدليلها مع رد قوادحه. والأدراج بفتح الهمزة جمع درج بفتح الدال وسكون الراء أو فتحها ما يكتب فيه كما في القاموس ويعبق بفتح الباء مضارع عبق الطيب بكسرها عبقا بالتحريك من باب فرح ظهرت رائحته ولا يكون إلا للذكية كما في المصباح، ففي كلامه استعارة مكنية وتخييل وترشيح حيث شبه التحقيق في نفاسته بنحو المسك والنشر تخييل ويعبق ترشيح قال شيخنا السيد: وفي العبارة قلب أي من عبارات أدراجه. ا. هـ. ونكتة القلب الإشارة إلى قوة النشر حتى سرى من العبارات إلى محلها المكتوبة فيه. قوله: "وبدر التدقيق إلخ" البدر القمر ليلة كماله. والتدقيق يطلق على إثبات المسألة بدليلين أو أكثر وعلى إثبات دليل المسألة بدليل، وعلى ذكر الشيء على وجه فيه دقة. والأبراج جمع برج وهو أحد أقسام الفلك الإثني عشر المسماة بالبروج، وعبر بالأبراج وهو جمع قلة مع أنها اثنا عشر لمزاوجة أدراج. ويشرق بضم أوله وكسر ثالثه مضارع أشرق أي أضاء أو بفتح أوله وضم ثالثه مضارع شرق كطلع وزنا ومعنى، وعلى كل ففي كلامه عيب السناد وهو اختلاف حركة ما قبل الروي. وفي كلامه استعارة مكنية وتخييل وترشيحان حيث شبه التدقيق بالليلة المقمرة كمال الإقمار بجامع الكمال والبدر تخييل والإشراق والأبراج ترشيحان قاله شيخنا السيد. وجعل شيخنا التدقيق مشبها بالسماء في العلوّ. والمتانة ولك أن تجعل الأبراج استعارة مصرحة لعبارات الإشارات أي المعاني الدقيقة إن شبهت بالأبراج في أن كلا محل لما ينتفع به إذ العبارات محل للمعاني والأبراج محل للكواكب، أو تخييلا لاستعارة مكنية إن شبهت الإشارات بالسموات في الرفعة والمتانة ثم ذكر شيخنا السيد أن هنا أيضا قلبا أي من إشارات أبراجه ولا حاجة إليه كما لا يخفى. قوله: "خلا من الإفراط إلخ" الإفراط مجاوزة الحد، والتفريط التقصير أي خلا من الإفراط في التطويل وعلا عن التفريط في تأدية المعاني. وعبر في جانب الإفراط بخلا وفي جانب التفريط بعلا لأن التفريط أفحش فهو أحق بالتباعد عنه الذي هو المراد من علا. وأخر هاتين السجعتين مع أنهما من باب التخلية وما قبلهما من باب التحلية التفاتا إلى تقدم الإثبات على النفي وشرف الوجود على العدم. والممل والمخل وصفان لازمان لأن المراد الذي

стр. 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعلا من التفريط المخل. ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وقد لقبته "بمنهج السالك إلى ألفية ابن مالك" ولم آل جهدًا في تنقيحه وتهذيبه وتوضيحه وتقريبه. والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم. وأن ينفع به من تلقاه بقلب سليم. إنه قريب مجيب. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. ــ شأنه الإملال والذي شأنه الإخلال. قوله: "وكان بين ذلك قواما" أي عدلا. وأفرد اسم الإشارة مع رجوعه إلى اثنين الإفراط والتفريط لتأوله بالمذكور والمرجح للإفراد حصول الاقتباس. قوله: "وقد لقبته" أي سميته وإنما آثر التعبير بالتلقيب لما في هذا الاسم من الإشعار بالمدح كاللقب. قوله: "ولم آل" مضارع مبدوء بهمزة تكلم تليها ألف منقلبة عن همزة ساكنة كما هو القاعدة عند اجتماع همزتين ثانيتهما ساكنة حذف منه الجازم لامه التي هي واو، وماضيه ألا كعلا، ومصدره إن كان بمعنى التقصير أو الترك أو الاستطاعة: ألو كدلو وألوّ كعلوّ كما في القاموس، وإن كان بمعنى المنع ألو كدلو كما في حاشية شيخنا السيد لكن في حاشية ابن قاسم على المختصر وحاشية خسرو على المطول أن المنع معنى مجازي مشهور للألو لا حقيقي ويصح هنا ما عدا الاستطاعة فعلى الأول قوله جهدا أي اجتهادا منصوب على التمييز محول عن الفاعل والتقدير لم يقصر اجتهادي على الإسناد المجازي، أو نزع الخافض أي في اجتهادي أو حال بمعنى مجتهدا، وعلى الثاني مفعول به وعلى الأخير مفعوله الثاني وحذف مفعول الأول لعدم تعلق الغرض بذكره والتقدير ولم أمنع أحدا جهدا. وعن أبي البقاء أن لم آل من الأفعال الناقصة بمعنى لم أزل، فجهدا خبر بمعنى جاهدا والذي يؤخذ من القاموس والمختار أن الجهد بمعنى الاجتهاد أو المشقة بفتح الجيم لا غير وبمعنى الطاقة بالفتح والضم. قوله: "وتهذيبه" عطف تفسير قاله شيخنا. قوله: "وتقريبه" عطف لازم. قوله: "والله أسأل إلخ" سأل إن كان بمعنى استعطى كما هنا تعدى لمفعولين بنفسه فالله مفعول قدم لإفادة الحصر أو للاهتمام لعظمته، وأن يجعله مفعول ثان. وإن كان بمعنى استفهم تعدى للأول بنفسه وللثاني بعن نحو ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَال﴾ أو ما بمعناها نحو فاسأل به خبيرا أي عنه. قوله: "سليم" أي سالم من الحقد والحسد ونحوهما. قوله: "وما توفيقي إلا بالله" استقبح أهل اللسان نسبة الفعل إلى الفاعل بالباء لأنه يوهم الآلة فلا يحسن ضربي بزيد إذا كان زيد ضاربا والحسن ضربي من زيد. وفاعل التوفيق هو الله تعالى فالحسن وما توفيقي إلا من الله. وتوجيهه على ما يستفاد من الكشاف في تفسير سورة هود أنه على تقدير مضاف وأن التوفيق مصدر المبني للمجهول حيث قال أي وما كوني موفقا إلا بمعونته وتوفيقه أفاده ابن قاسم. قوله: "عليه توكلت" أي اعتمدت في جميع أموري كما يؤخذ من حذف المعمول أو في الأقدار على تأليف هذا الشرح كما يؤخذ من القيام. وتقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر لأن الاعتماد في جميع الأمور والأقدار على تأليف هذا الشرح لا يكون إلا عليه تعالى وإن كان قد يعتمد في بعض الأمور على غيره. قوله: "أنيب" أي أرجع.

стр. 10

خطبة الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال محمد هو ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك ــ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "قال محمد هو" الإمام العلامة أبو عبد الله جمال الدين بن عبد الله "ابن مالك" ــ قوله: "قال محمد" فيه التفات من التكلم إلى الغيبة إن روعي متعلق البسملة المقدر بنحو أؤلف أو تأليفي فإن لم يراع كان فيه التفات على مذهب السكاكي المكتفي بمخالفة التعبير مقتضى الظاهر. وأتى بجملة الحكاية ولم يتركها خوفا من الرياء لقصد الترغيب في كتابه بتعيين مؤلفه المشهور بالجلالة في العلم والإخلاص فيه وبالانتفاع بكتبه وهذا أرجح من مراعاة الحذر من الرياء خصوصا مع الأمن من ذلك كما هو حال المصنف، ولم يقدمها على البسملة أيضا ليحصل لها بركة البسملة ولئلا يفوت الابتداء الحقيقي بالبسملة ولم يؤخرها عن الحمدلة ليقع اسمه بين الجملتين الشريفتين فتحيط به بركتهما فاحفظه. قوله: "العلامة" معناه لغة كثير العلم جدا لأن الصيغة للمبالغة والتاء لزيادتها وكثرة العلم جدا تحصل بالتبحر في أنواع من الفنون فما اشتهر من أنه الجامع بين المعقولات والمنقولات لعله اصطلاح لبعضهم. قوله: "جمال الدين" هذا لقبه أي مجمل أهل الدين. فإن قيل كل من جمال الدين ومحمد يشعر بالمدح فجعل أحدهما اسما والآخر لقبا تحكم، قلت يؤخذ جواب ذلك مما بحثه بعض المتأخرين ونصه: والذي يظهر أن الاسم ما وضعه الأبوان ونحوهما ابتداء كائنا ما كان، وأن ما استعمل في ذلك المسمى بعد وضع الاسم فإن كان مشعرا بمدح كشمس الدين فيمن اسمه محمد أو ذمّ كأنف الناقة فيمن اسمه ذلك فلقب، أو كان مصدرا بأب كأبي عبد الله فيمن اسمه ذلك أو أمّ كأمّ عبد الله فيمن اسمها عائشة فكنية، وعلى هذا يصح ما حكاه ابن عرفة فيمن اعترض عليه أمير إفريقية في تكنيته بأبي القاسم مع النهي عنه فأجاب بأنه اسمه لا كنيته نقله شيخنا عن الشنواني. وحاصل الجواب أن اعتبار الأشعار والتصدير أما يكون بعد وضع الدال على الذات ابتداء. والظاهر أن الموضوع للذات ابتداء محمد فهو الاسم والموضوع ثانيا مشعرا جمال الدين فهو اللقب. قوله: "ابن عبد الله بن مالك" قد يتوهم من صنيع الشارح أنه جر ابن مالك صفة لعبد الله وليس كذلك لأنه يلزم عليه تغيير إعراب المتن وحذف ألف ابن مع أنها واجبة الثبوت في المتن بل هو باق على رفعه فيكون بالنظر إلى كلام الشارح خبرا آخر لهو فاعرفه. فإن قلت في قول المصنف هو ابن مالك الباس لإيهامه أن مالكا أبوه. قلت هذا الإلباس لا يضر هنا لأنه ليس المقصود هنا بيان نسبه بل تمييزه عمن شاركه في اسمه وهو إنما يتم بهذه الكنية لغلبتها عليه دون غيرها قاله سم، وأيضا فيها تفاؤل بملكه رقاب العلوم. والأكثر حذف ألف مالك العلم وإن كان رسمها أيضا جيدا ومنه رسمها في: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِك﴾ [الزخرف: ٧٧] في المصحف العثماني ويجب رسم ألف مالك الصفة كالذي آخر

стр. 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطائي نسبًا، الشافعي مذهبًا، الجياني منشأ، الأندلسي إقليمًا، الدمشقي دارا ووفاة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان عام اثنتين وسبعين وستمائة وهو ابن خمس وسبعين سنة "أحمد ربي الله خير مالك" أي أثني عليه الثناء الجميل اللائق بجلال عظمته وجزيل نعمته التي ــ البيت. وأما رسم مالك يوم الدين بدونها فيه فلأن الخط العثماني لا يقاس عليه مع أنه لا يرد على قراءته بدون ألف. قوله: "الطائي نسبا" سيأتي في المتن أن قولهم الطائي من شواذ النسب. قوله: "الجياني منشأ" نسبة إلى جيان بلد من بلاد الأندلس فكان الأولى تأخيره عن قوله الأندلسي إقليما ليكون للمتأخر فائدة، وجواب شيخنا السيد بأنه قدم الجياني اهتماما بالأخص غير نافع وقد يجاب بأن الفائدة حاصلة على تأخير قوله الأندلسي إقليما لمن لا يعلم كون جيان من بلاد الأندلس. والأندلس بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال وضم اللام كذا في شرح ميارة على متن العاصمية في فصل المزارعة. ثم قال وهي جزيرة متصلة بالبر الطويل والبر الطويل متصل بالقسطنطينية. وإنما قيل للأندلس جزيرة لأن البحر محيط بها من جهاتها إلا الجهة الشمالية. وحكي أن أول من عمرها بعد الطوفان أندلس بن يافث بن نوح ﵇ فسميت باسمه. ا. هـ. من مختصر ابن خلكان. ونقل صاحب المعيار عن القاضي عياض أن الأندلس كانت للنصارى دمرهم الله تعالى ثم أخذها المسلمون فمنها ما أخذ عنوة ومنها ما أخذ صلحا ثم أسلم بعض أولئك النصارى وسكنوها مع المسلمين. ا. هـ. ما قاله ميارة ببعض حذف، أي ثم بعد مدة طويلة أخذها النصارى ثانيا. هذا ونقل بعض الطلبة أنه رأى نصا بضم الهمزة والدال أيضا. قوله: "ووفاة" كذا في بعض النسخ وفي بعضها ووفاته والأولى أحسن لإفادتها محل الوفاة دون الثانية. وقبره بسفح قاسيون ظاهر يزار والتمييزات المذكورة من تمييز النسبة غير المحول بناء على ما ذهب إليه كثير كابن هشام أن تحويل تمييز النسبة أغلبي لا المحول عن الفاعل كما زعم لعدم صحته في الجميع ولا من تمييز المفرد وإن قاله شيخنا لأن تمييز المفرد عين مميزه في المعنى والأمر هنا ليس كذلك. قوله: "عام اثنين إلخ" أي عام تمام اثنين إلخ. قوله: "أحمد" بفتح الميم مضارع حمد بكسرها قال المعرب وتبعه شيخنا والبعض: كان مقتضى الظاهر أن يقول يحمد بياء الغيبة لكنه التفت من الغيبة إلى التكلم. ا. هـ. وهو غير صحيح لأن مقتضى الظاهر أن يعبر المتكلم عن فعله أو قوله بما للمتكلم، فلفظ أحمد هو المقول للمصنف فهو الذي يحكى بقال، وشرط الالتفات أن يكون التعبير الثاني خلاف مقتضى الظاهر كما في المطوّل والمختصر وغيرهما فلا التفات في نحو قال إني عبد الله ونحو أنا زيد فاعرفه ولا تكن أسير التقليد. قوله: "ربي الله خير مالك" ذكر في عبارة حمده الفعل والذات والصفة إشارة إلى أنه تعالى يستحق الحمد لفعله وذاته وصفته وإنما قدم الأول لأنه إنعام فالحمد عليه كما هو مقتضى تعليق الحكم بالمشتق يقع واجبا لكن هذا لا يناسب تفسير الشارح الرب بالمالك وإنما يناسب تفسيره بالمربي وهو أولى هنا لذلك ولأن المالكية مذكورة في قوله خير مالك، إلا أن يقال تفسيره بالمالك باعتبار الأشهر وقطع النظر عن خصوص كلام المصنف. وخير أفعل تفضيل حذفت همزته تخفيفا

стр. 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا النظم من آثارها واختار صيغة المضارع المثبت لما فيها من الأشعار بالاستمرار التجددي وقصد بذلك الموافقة بين الحمد والمحمود عليه أي كما أن آلاءه تعالى لا تزال ــ لكثرة الاستعمال كشر ويظهر لي أنه من الخير مصدر خار يخير أي تلبس بالخير أو من الخير بكسر الخاء وهو الكرم والشرف. وبين مالك الأول ومالك الثاني الجناس التام اللفظي لا الخطي إن رسم الأول بغير ألف كما هو الأكثر في مالك العلم فإن رسم بها كما هو أيضا جيد كان لفظيا خطيا فإطلاق البعض كونه لفظيا خطيا محمول على الحالة الثانية. قوله: "الجميل" صفة كاشفة أو مخصصة على الخلاف بين الجمهور القائلين باختصاص الثناء بالخير والعز بن عبد السلام القائل بعمومه للخير والشر. قوله: "بجلال عظمته" لا يبعد أنه إشارة إلى قوله خير مالك وأن قوله وجزيل نعمته إشارة إلى قوله ربي، لكن يعكر على هذا تفسيره فيما بعد الرب بالمالك إلا أن يقال ما تقدم. والجلال العظمة ولا يتعين كون إضافته إلى ما بعده من إضافة الصفة إلى الموصوف كما يوهمه كلام البعض بل ولا يترجح لأنه وإن اقتضته مشاكلة قوله وجزيل نعمته يحوج إلى تأويل الجلال بالجليل. قوله: "وجزيل نعمته" من إضافة الصفة للموصوف قال البعض وأشار إليه شيخنا المراد بالنعمة الإنعام بقرينة قوله التي هذا النظم أثر من آثارها لأنه ليس أثرا للنعمة بمعنى المنعم به بل هو فرد من أفراده. ا. هـ. ولا يتعين ذلك بل يصح أن تكون النعمة بمعنى المنعم به ويترتب عليها ذلك الأثر كنعمة العلم والفهم والقدرة على التأليف فإنه يترتب عليها هذا الأثر. قوله: "واختار صيغة المضارع" أي على الجملة الاسمية والماضوية. قوله: "المثبت" لا حاجة إليه بل هو لبيان الواقع إذ المنفي لا يتأتى هنا. قوله: "لما فيها من الأشعار" أي بواسطة غلبة الاستعمال. وقوله بالاستمرار التجددي أي الذي هو المناسب هنا كما بينه بعد بقوله وقصد إلخ وقوله التجددي أي الحاصل من تجدد الحمد مرة بعد أخرى وهكذا أو الموصوف به تجدده كذلك أي وكل من الاسمية والماضوية لا يفيد الاستمرار التجددي أصلا، فإن الأولى لا تفيد التجدد وإن كانت تفيد الاستمرار بواسطة العدول كما سيذكره الشارح تبعا لبعضهم أو بواسطة غلبة الاستعمال كما هو الأرجح، والثانية لا تفيد الاستمرار أصلا بل ولا التجدد بمعنى الحصول مرة بعد أخرى وهكذا وإن أفادت التجدد بمعنى الوجود بعد العدم. وقد اختلف هل الاسمية أبلغ أو المضارعية والتحقيق أن كلا أبلغ من الأخرى من بعض الوجوه، فالاسمية أبلغ من حيث تعيين الصفة المحمود بها فيها وهي ثبوت الحمد له تعالى إذ معنى الحمد لله الحمد ثابت لله والمعين أوقع في النفس، والمضارعية أبلغ من حيث صدق المحمود به فيها بجميع الصفات وببعضها الأعم من تلك الصفة لأن معنى أحمدك أثني عليك بالجميل وصفاته تعالى جميلة كلها وبعضها، فالمضارعية أكثر فائدة. قوله: "والمحمود عليه" يعني التربية المفهومة من قول ربي على ما تقدم فاندفع ما اعترض به البعض هنا بناء على ظاهر تفسير الشارح الرب بالمالك من أن كلام الشارح ربما يقتضي أن المصنف أوقع حمده في مقابلة نعمه مع أنه لم يذكر ذلك، ولا حاجة إلى اعتذاره بأنه يمكن أن يقال مراده المحمود عليه الذي يغلب وقوع الحمد في مقابلته. قوله:

стр. 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تتجدد في حقنا دائمًا كذلك نحمده بمحامد لا تزال تتجدد. وأيضًا فهو رجوع إلى الأصل إذ أصل الحمد لله أحمد أو حمدت الله فحذف الفعل اكتفاء بدلالة مصدره عليه. ثم عدل إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبوت. ثم أدخلت عليه أل لقصد الاستغراق. والرب ــ "دائما" توكيد لقوله: لا تزال تتجدد. وقوله: كذلك تأكيد لقوله: كما. قوله: "نحمده بمحامد لا تزال تتجدد" اعترضه البعض كشيخنا بأنه سيصرح بأن الجملة إنشائية معنى، وعليه لا يظهر ما ذكره لأن الحمد الإنشائي ينقطع بانقطاع التلفظ به فأين التجدد وإنما يظهر ذلك على جعلها خبرية لفظا ومعنى. ويمكن دفعه بأن إشعارها بالتجدد باعتبار حالها الأصلي الثابت لها قبل نقلها إلى الإنشاء، وكأنه لم يقطع النظر بعد النقل عما كان قبله بقرينة مناسبة المقام، ولعل هذا مراد شيخنا من الاعتذار بأن ذلك الإشعار على سبيل التوهم والتخيل فافهم. قوله: "وأيضا" هو مصدر آض إذا رجع، وهو إما مفعول مطلق حذف عامله أو بمعنى اسم الفاعل حال حذف عاملها وصاحبها، فالتقدير هنا على الأول أرجع إلى التعليل رجوعا، وعلى الثاني أقول راجعا إلى التعليل، وإنما تستعمل مع شيئين بينهما توافق ويغني كل منهما عن الآخر فلا يجوز جاء زيد أيضا، ولا جاء زيد ومضى عمرو أيضا، ولا اختصم زيد وعمرو أيضا، قاله شيخ الإسلام زكريا. قوله: "فهو" الفاء للتعليل كما علم مما مر آنفا والضمير للاختيار المفهوم من قوله واختار لكن هذا التعليل إنما ينهض لاختيار المضارعية على الاسمية دون اختيارها على الماضوية بخلاف الأول ولهذا قدمه على هذا. قوله: "إلى الأصل" أي أصل الجملة الاسمية. قوله: "فحذف الفعل" أي وجوبا إن ذكر بعده وشكرا، وشرط بعضهم في الوجوب ذكر لا كفرا بعدهما وجوازا إن ذكر وحده كما سيأتي في باب المفعول المطلق، وإطلاق شيخنا الوجوب في غير محله. قوله: "ثم عدل إلى الرفع إلخ" هذا يقتضي أنه لو لم يعدل إلى الرفع لانتفت الدلالة على الدوام وهو كذلك كما صرح به الرضي في باب المبتدأ لأن بقاء النصب صريح في ملاحظة الفعل وتقديره وهو يدل على التجدد فلا يستفاد الدوام إلا بالعدول إلى الرفع، ولا يكفي في إفادته وجوب حذف العامل مع النصب وإن صرح به الرضي في باب المصدر، وحمل شيخنا السيد ما صرح به في باب المبتدأ على حالة جواز حذف العامل ليوافق كلامه في باب المصدر، لكن الأوجه إبقاؤه على إطلاقه كما يقتضيه التعليل السابق. لا يقال الاسمية هنا خبرها ظرف متعلق إما بفعل وإما باسم فاعل بمعنى الحدوث بقرينة عمله في الظرف فيكون في حكم الفعل، والاسمية التي خبرها فعل تفيد التجدد والحدوث لا الدوام، لأنا نقول: لا نسلم كون اسم الفاعل هنا للحدوث حتى يكون في حكم الفعل ويكفي لعمله في الظرف رائحة الفعل فيعمل فيه بمعنى الثبوت أيضا، ولئن سلمناه فمحل إفادة الاسمية التي خبرها فعل للتجدد إذا لم يوجد داع إلى الدوام، والعدول المذكور داع إليه ذكره الغزي. قوله: "لقصد الدلالة" أي لمقصود هو الدلالة ولو حذف قصد لكان أخصر، هذا أريد بمدخول اللام العلة الغائية، فإن أريد السبب المتقدم على المسبب فقصد على حقيقته ومحتاج إليه. قوله: "والثبوت" إن أراد به ثبوت المسند للمسند إليه

стр. 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المالك. والله علم على الذات الواجب الوجود أي لذاته المستحق لجميع المحامد ولم يسم به سواه قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أي هل تعلم أحد تسمى الله غير الله. وهو عربي عند الأكثر، وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم: وقد ذكر في القرآن. في ألفين وثلاثمائة وستين موضعًا واختار الإمام النووي تبعًا لجماعة أنه الحي القيوم قال: ولهذا لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع: في البقرة وآل عمران وطه والله أعلم. تنبيه: أوقع الماضي موقع المستقبل تنزيلًا لمقولة منزلة ما حصل إما اكتفاء ــ وهو المتبادر فهو حاصل قبل العدول فكان الواجب حذفه، وإن أراد به الاستمرار فهو مستغنى عنه بقوله الدوام فكان الأخصر حذفه. قوله: "لقصد الاستغراق" أي مثلا وإلا فقد يكون لقصد العهد أو الجنس. قوله: "والله علم" أي بالوضع لا بالغلبة التقديرية على التحقيق كما بيناه في رسالتنا الكبرى في البسملة. وسيأتي في المعرف بأداة التعريف الفرق بين الغلبة التحقيقية والتقديرية. قوله: "الواجب الوجود" وصف الذات بالواجب الوجود والمستحق لجميع المحامد لإيضاح الذات المسمى لا لاعتبارها فيه وإلا كان المسمى مجموع الذات والصفة مع أنه الذات المعينة فقط على الصحيح. وتخصيص هذين الوصفين بالذكر لأن وجوب الوجود للذات مبني كل كمال. واستحقاق جميع المحامد هو وجه حصر الحمد في كونه لله. قوله: "أي لذاته" يحتمل وجهين: الأول أنه تفسير لواجب الوجود والمعنى حينئذٍ أي الموجود لذاته. والثاني: أنه تقييد للوجوب أي الواجب الوجود لذاته أي ليس وجوب وجوده لغيره كما في الحوادث المتعلق علم الله بوجودها. قوله: "وهو عربي عند الأكثر" وقيل معرب وأصله بالسريانية. وقيل بالعبرانية لاها فعرّب بحذف ألفه الأخيرة وإدخال أل. قوله: "وقد ذكر إلخ" مسوق لتعليل كونه الاسم الأعظم، ووجه الدلالة أن من أحب شيئا أكثر من ذكره. قوله: "قال ولهذا لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع" اعترض الناس عليه بأن القلة لو كانت علة الأعظمية لكان اسمه المهيمن أولى بها لأنه لم يذكر إلا مرة واحدة، وفيه بحث لأنه لم يجعل القلة الأعظمية بل جعل الأعظمية علة الذكر في المواضع الثلاثة فقط لأنه لم يقل لأنه لم يذكر إلخ بل قال ولهذا لم يذكر إلخ، ولئن سلم أنه قال لأنه لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع قلنا ليس قصده التعليل بالذكر في المواضع الثلاثة فقط من حيث القلة بل من حيث ورود خبر بأنه في الثلاثة وهو ما روي عنه ﷺ أنه قال: "هو في ثلاث سور البقرة وآل عمران وطه" لكنه لا يرد على الجمهور القائلين بأعظمية اسم الجلالة لأنه متكلم فيه فاعرفه. قوله: "والله أعلم" أي بالاسم الأعظم أو بكل شيء. قوله: "تنبيه" الذي حققه العصام في شرح الرسالة الوضعية أن أسماء الكتب من علم الشخص وأنها من الوضع الشخصي الخاص بموضوع له خاص. قال إذ الكتاب الذي هو عبارة عن الألفاظ والعبارات المخصوصة لا يتعدد إلا بتعدد التلفظ وذلك التعدد تدقيق فلسفي لا يعتبره

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالحصول الذهني أو نظرًا إلى ما قوي عنده من تحقق الحصول وقربه نحو: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وجملة هو ابن مالك معترضة بين قال ومقوله لا محل لها من ــ أرباب العربية، ألا ترى أنهم يجعلون وضع الضرب والقتل وضعا شخصيا لا نوعيا لجعل الموضوع أمرا متعينا لا متعددا. ا. هـ. ومثل أسماء الكتب أسماء التراجم بكسر الجيم كالخواتم والعوالم وكثير من الناس يضمها لحنا، بل وأسماء العلوم لأن مسمياتها وهي الأحكام المعقولة المخصوصة إنما تتعدد بتعدد التعقل. وهذا التعدد تدقيق فلسفي لا يعتبره أيضا أرباب العربية، هذا هو المتجه عندي وإن اشتهر الفرق فتأمل. والتنبيه لغة الإيقاظ، واصطلاحا جملة دالة على بحث يفهم إجمالا من البحث السابق قيل أو على بحث بديهي، فالترجمة به لما لم يفهم مما سبق ولم يكن بديهيا غير جارية على الاصطلاح كما هنا بل غالب تنبيهات الشارح من هذا القبيل فالمراد بها مطلق الإيقاظ الذي هو المعنى اللغوي. قوله: "أوقع الماضي موقع المستقبل" أي على سبيل المجاز. وقرينة هذا المجاز الخطبة على المقصود بدليل وأستعين الله. وكون المراد وأستعين الله على إظهار ألفية أو الانتفاع بها فلا ينافي تأخر الخطبة عن المقصود خلاف المتبادر وقوله تنزيلا لمقوله أي الذي سيحصل في الخارج منزلة ما حصل أي في الخارج. وعلل هذا التنزيل بعلتين ذكر الأولى بقوله أما اكتفاء أي في التنزيل بالحصول الذهني يعني أنه لما حصل في الذهن قوله نزله منزلة ما حصل في الخارج، فالجامع على هذه العلة مطلق الحصول، وذكر الثانية بقوله أو نظرا أي في التنزيل إلى ما قوي عنده إلخ يعني أنه لما قوي ما عنده من تحقق حصول قوله خارجا في المستقبل وقربه نزله منزلة الحاصل في الخارج فالجامع على هذه العلة تحقق الحصول، لكن لو قال الشارح في العلتين أما لحصول مقوله ذهنا أو لتحقق حصوله خارجا عنده لكان أخصر وأظهر. والذي أراه أن التنزيل في كلام النحاة بمعنى التشبيه في كلام البيانيين وأنه لا خلاف بينهما إلا في العبارة بل كثيرا ما يعبر البيانيون بالتنزيل والنحاة بالتشبيه، وأن التنزيل عند النحاة في مثل ما نحن بصدده لا يكفي عن التجوّز في اللفظ بل يقتضيه وإلا لزم أنهم يقولون بحقيقة كل لفظ استعمل في غير ما وضع له لتنزيله منزلة ما وضع له كالأسد في الرجل الشجاع المنزل منزلة الحيوان المفترس وهو في غاية البعد أو باطل. وبهذا مع ما قررنا به أولا كلام الشارح يبطل اعتراض البعض على الشارح بما حاصله: أن قوله أوقع إلخ لا يصح لا على طريقة النحاة لأن التجوز في مثل ذلك على طريقتهم إنما هو في التنزيل، ولا تجوز في الماضي فهو واقع موقعه لا موقع المستقبل، ولا على طريقة البيانيين لأنه لا تنزيل في مثل ذلك على طريقتهم بل فيه تشبيه أحد المصدرين بالآخر واستعارة الفعل، إلا أن يراد بالتنزيل التشبيه على المسامحة، واعتراضه بأن قول الشارح أما اكتفاء إلخ لا يصح أيضا لأن الاكتفاء المذكور لا يحتاج معه إلى التنزيل والعكس. قوله: "من تحقق الحصول" أي وجوده وثبوته، وليس المراد بالتحقق التيقن لأنه لا يناسب قوله ما قوي عنده فتأمل. قوله: "معترضة" بكسر الراء وبفتحها على الحذف والإيصال

стр. 16

مصليا على النبي المصطفى ... وآله المستكملين الشرفا ــ الإعراب. ولفظ رب نصب تقديرًا على المفعولية، والباء في موضع الجر بالإضافة. والله نصب بدل من رب أو بيان وخير نصب أيضًا بدل أو حال على حد دعوت الله سميعا، وموضع الجملة نصب مفعول لقال ولفظها خبر ومعناها الإنشاء أي أنشئ الحمد "مصليًا" ــ والأصل معترض بها، وفائدة الاعتراض بها تمييز المصنف عن غيره ممن شاركه في اسمه، وتجويز جماعة كونها استئنافا بيانيا لا يخرجها عن كونها معترضة، وجوز بعضهم كونها نعتا لمحمد بتقدير تنكيره وهو بعيد، وبعضهم كونها حالا لازمة من محمد فمحلها على هذا نصب وعلى ما قبله رفع ولا محل لها على كونها معترضة. واندفع بكون الجملة معترضة غير مقصود بها قطع النعت أو نعتا أو حالا ما أورد على المصنف من أنها من قطع النعت وهو إنما يجوز إذا تعين المنعوت بدونه، ولو سلم أنها من قطع النعت نقول يكفي في جوازه تعين المنعوت ادعاء كما هنا. ولا يرد عليه وجوب حذف عامل النعت المقطوع لأن محله إذا كان النعت لمدح أو ذم أو ترحم. فائدة: يصح اقتران الجملة المعترضة بالواو والفاء لا بثم. قوله: "ولفظ رب نصب" أي منصوب ويصح قراءته بلفظ الماضي المجهول وكذا يقال فيما بعد. قوله: "تقديرا إلخ" فقد اجتمع في أحمد ربي الإعراب اللفظي في أحمد والتقديري في ربي والمحلي في الياء. والفرق بين التقديري والمحلي أن المانع في الأول من ظهور الإعراب قائم بآخر الكلمة وفي الثاني قائم بالكلمة بتمامها قاله الشيخ خالد. قوله: "بدل من رب" وكون المبدل منه في نية الطرح أغلبي كما قاله جماعة، أو بحسب العمل لا المعنى كما قاله آخرون، أو معناه كما قاله الدماميني، أنه مستقل بنفسه لا متمم لمتبوعه كالنعت والبيان. وقوله أو بيان أي لرب لأنه أوضح منه ورجح ابن قاسم كونه بدلا من جهة أن البدل على نية تكرار العامل فيكون حامدا في عبارته مرتين، ورجح المعرب الثاني من جهة أن المبدل منه توطئة للبدل وفي حكم الطرح غالبا. قوله: "بدل أو حال" كونه بدلا لا يخلو عن ضعف لأن بدلية المشتق قليلة بل مقتضى كلام ابن هشام الذي نقله عنه المعرب امتناعها مع ما في جعله بدلا من ربي أن جعل الله بدلا من مخالفة الجمهور المانعين تعدد البدل وما في جعله بدلا من الله أن جعل الله بدلا من مخالفتهم في منعهم الإبدال من البدل. وكونه حالا أي لازمة فيه كما قاله ابن قاسم إيهام تقييد الحمد ببعض الصفات فالأولى جعله منصوبا بنحو أمدح. قوله: "وموضع الجملة" أي جملة أحمد ربي الله خير مالك أي والجمل بعدها معطوفة عليها كما سيصرح به الشارح عند قوله: وأستعين الله في ألفية. وعبارة السندوبي وجملة أحمد ربي إلى آخر الكتاب في محل نصب لأنها محكية بالقول. ا. هـ. ويظهر لي حمل الأول على حالة ملاحظة العاطف من الحكاية وجعل كل جملة مقولا مستقلا، وحمل الثاني على حالة ملاحظة العاطف من المحكي واعتبار كون المقول مجموع الجمل وجعل كل جملة جزء المقول فاحفظه فإنه نفيس. وإنما لم يقل مفعول به ليجري على القولين كونه مفعولا به وكونه مفعولا مطلقا وإن كان الراجح الأول.

стр. 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أي طالبًا من الله صلاته أي رحمته "على النبي" بتشديد الياء من النبوة أي الرفعة لرفعة رتبته على غيره من الخلق أو بالهمز من النبأ وهو الخير لأنه مخبر عن الله تعالى فعلى الأول هو فعيل بمعنى مفعول، وعلى الثاني بمعنى فاعل. ومصليًا حال من فاعل أحمد منوية لاشتغال مورد الصلاة بالحمد أي ناويًا الصلاة على النبي "المصطفى" مفتعال من الصفوة ــ قوله: "ومعناها الإنشاء" قد عرفت في الكلام على قول الشارح أما بعد حمد الله أنه يصح كونها خبرية معنى ويكون حامدا ضمنا. قوله: "مصليا" هذه الحال وإن كانت مفردة إلا أنها في قوة جملة إنشائية أو خبرية على ما مر عند قول الشارح أما بعد حمد الله إلخ أفاده ابن قاسم. ويلزم على الوجه الأول وقوع الإنشاء حالا وهو ممنوع فتأمل. وإنما لم يأت بجملة صريحة إشارة إلى الفرق بين ما يتعلق به تعالى وما يتعلق به ﷺ . ولم يذكر السلام جريا على عدم كراهة إفراد أحدهما عن الآخر بل إذا صلى في مجلس وسلم في مجلس ولو بعد مدة طويلة كان آتيا بالمطلوب وهذا هو المختار عندي وفاقا للحافظ ابن حجر وغيره. والآية لا تدل على طلب قرنهما لأن الواو لا تقتضي ذلك. قوله: "أي رحمته" أي اللائقة بمقامه فالإضافة للعهد. قوله: "بتشديد الياء من النبوة إلخ" هكذا اشتهر تخصيص المشدد بكونه من النبوة والمهموز بكونه من النبأ بالتحريك وهو الخبر. وأنا أقول يصح أن يكون المهموز من النبء بسكون الباء وهو الارتفاع على ما ذكره صاحب القاموس أنه يقال نبأ بالهمز كمنع أي ارتفع بل هذا أولى لكون الساكن مصدرا بخلاف المتحرك، وأن يكون المشدد مسهلا من المهموز فيكون من النبأ بفتح الباء أو سكونها فاعرف ذلك. وعلى كون النبي من النبوة يكون واوي اللام وأصله نبيو اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. قوله: "أي الرفعة" فيه مسامحة إذ النبوة المكان المرتفع وكأنه على حذف مضاف وموصوف أي المكان ذي الرفعة. قوله: "لأنه مخبر عن الله" أي ولو بكونه نبأه فلا يرد أن النبي على الأصح لا يشترط فيه أن يؤمر بتبليغ الشرع الموحى إليه. قوله: "فعلى الأول إلخ" يصح على كل من الأول والثاني أن يكون بمعنى اسم الفاعل وأن يكون بمعنى اسم المفعول ففي كلامه احتباك. قوله: "حال" اعترض بأن الحالية تقتضي تقييد حمده بهذه الحالة ويدفع بأنها إنما تقتضي تقييد حمده في هذا المتن بهذه الحالة لا تقييد مطلق حمده ولا ضرر في ذلك بل هو الواقع. قوله: "منوية" هي المقدرة ودفع بهذا الاعتراض بأن الصلاة غير ممكنة في حال الحمد لاشتغال موردها حينئذٍ بالحمد. وفيه أنه حينئذٍ لا يكون مصليا بالفعل لأن نية الصلاة ليست صلاة فالأولى أنها مقارنة والمقارنة في كل شيء بحسبه، فمقارنة لفظ للفظ وقوعه عقبه، فاندفع الاعتراض، ودفعه بعضهم بحمل الحمد بناء على خبرية جملته على العرفي لكن يرد عليه أن المأمور بالابتداء به الحمد اللغوي لا العرفي لحدوثه بعذر منه ﷺ : وتوجيه كونها مقارنة بأن المعنى أحمده بلساني وأصلي بقلبي يرد عليه أن الصلاة بالقلب من غير تلفظ لا ثواب فيها. قوله: "من الصفوة" كذا بالتاء في نسخ وعليها فتذكير الضمير في قوله بعد وهو الخلوص من الكدر لما قاله ابن الحاجب من أن كل لفظتين وضعتا لشيء واحد وإحداهما مؤنثة والأخرى

стр. 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو الخلوص من الكدر قلبت تاؤه طاء لمجاورة الصاد ولامه ألفًا لانفتاح ما قبلها ومعناه المختار "وآله" أي أقاربه من بني هاشم والمطلب "المستكملين" باتباعه "الشرفا" أي العلو. تنبيه: أصل آل أهل قلبت الهاء همزة كما قلبت الهمزة هاء في هراق الأصل أراق، ــ مذكرة وتوسطهما ضمير جاز تأنيث الضمير وتذكيره. وفي نسخ من الصفو بلا تاء وتذكير الضمير بعد ظاهر عليها. قوله: "وهو الخلوص من الكدر" هذا يفيد أن معنى المصطفى في الأصل الخالص من الكدر فقوله ومعناه المختار أي معناه المراد هنا. قوله: "لمجاورة الصاد" أي لأنها من حروف الأطباق الأربعة الصاد والضاد والطاء والظاء والتاء إذا وقعت بعد أحدها تقلب طاء. قوله: "أي أقاربه" الأنسب هنا تفسيره بأتباعه في العمل الصالح وحينئذٍ يدخل الصحب فلا يلزم على المصنف إهمالهم بل يكون فيه من أنواع البديع التورية لا خصوص الأقارب ولا عموم الأتباع ولو في أصل الإيمان لعدم ملاءمته لقوله: "المستكملين الشرفا" وما اشتهر من أن اللائق في مقام الدعاء تفسير الآل بعموم الاتباع لست أقول بإطلاقه بل المتجه عندي التفصيل: فإن كان في العبارة المدعو بها ما يستدعي تفسير الآل بأهل بيته حمل عليهم نحو اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا، أو ما يستدعي تفسير الآل بالأتقياء حمل عليهم نحو اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد الذين ملأت قلوبهم بأنوارك وكشفت لهم حجب أسرارك، فإن خلت مما ذكر حمل على الأتباع نحو اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ونحو اللهم صل على محمد وعلى آل محمد سكان جنتك وأهل دار كرامتك. قوله: "المستكملين" صفة لازمة لآل. والسين والتاء إما للطلب والمطلوب كمال زائد على الكمال الحاصل عندهم فالشرف بفتح الشين مفعول المستكملين، أو زائدتان للتأكيد والمعنى الكاملين فهو منصوب على التشبيه بالمفعول به أو على نزع الخافض بناء على القول بأنه قياسي. ومما يدل على أن ثم قولا بقياسيته قول الشمس الشوبري في حواشيه على التحرير الفقهي: الراجح أن النصب بنزع الخافض سماعي. ا. هـ. أو يقال إن المصنفين نزلوه منزلة القياسي لكثرة ما سمع منه فاعرف ذلك. أو للصيرورة كاستحجر الطين أي الذين صاروا كاملين فهو كذلك. واستشكل كلامه بأنهم لم يبلغوا شرف الأنبياء فكيف تصح دعوى استكمالهم الشرف. وقد يقال المراد الشرف اللائق بهم، أو الكلام محمول على المبالغة إشارة إلى أنهم لعلوّ مراتبهم في الشرف كأنهم استكملوه. ومنهم من ضبطه بضم الشين فيكون جمع شريف صفة ثانية ويكون معمول المستكملين محذوفا أي كل شرف أو كل مجد مثلا. وجعل البعض هذا أولى بما في الحذف من الإيذان بالعموم الأنسب بمقام المدح وفيه نظر لأن ذكر المعمول هنا مساو لحذفه لأن المعمول المذكور الشرف بأل الاستغراقية فهو مساو للمحذوف مع أن ذكر الشرفا بالضم بعد المستكملين ليس فيه كبير فائدة لانفهام الثاني من الأول. قوله: "قلبت الهاء همزة" أي توصلا لقلبها ألفا فلا يرد أن الهمزة أثقل من الهاء مع أنها قلبت همزة باقية في ماء وشاء، ولعل وجهه

стр. 19

واستعين الله في ألفية ... مقاصد النحو بها محوية ــ ثم قلبت الهمزة ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها كما في آدم وآمن هذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله أول كجمل من آل يئول تحركت الواو وانفتح ما قبلها ألفًا وقد صغروه على أهيل وهو يشهد للأول، وعلى أويل وهو يشهد للثاني ولا يضاف إلا إلى ذي شرف بخلاف أهل فلا يقال آل الأسكاف ولا ينتقض بآل فرعون فإن له شرفًا باعتبار الدنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر فمنعه الكسائي والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي أنه من لحن العوام والصحيح جوازه قال عبد المطلب: ١- وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك وفي الحديث: "اللهم صل على محمد وآله" "وأستعين الله في" نظم قصيدة ــ أنهم قصدوا بقلب هائهما همزة جبر ضعفهما الحاصل بقلب عينهما ألفا لأن الهمزة أقوى من الهاء فتأمل. ولم تقلب الهاء ابتداء ألفا لعدم مجيئه في موضع آخر حتى يقاس عليه. قوله: "كما قلبت الهمزة هاء" أشار بهذا التنظير إلى أن الحرفين تعارضا. قوله: "كما في آدم وآمن" مثل بمثالين من الاسم والفعل. قوله: "وقد صغروه على أهيل" ضعف باحتمال أنه تصغير أهل لا آل فلا يشهد للأول، وأجيب بأن حسن الظن بالنقلة يقتضي أنهم لا يقدمون على التعيين إلا بدليل. قوله: "وهو يشهد للأول" إن قيل الاستدلال بالتصغير فيه دور لأن المصغر فرع المكبر فهو متوقف عليه وقد توقف العلم بأصل ذلك الحرف في المكبر على وجود الأصل في المصغر أجيب بأن توقف المصغر على المكبر توقف وجود وهو غير توقف العلم بالأصالة فجهة التوقف مختلفة فلا دور. قوله: "ولا يضاف إلا إلى ذي شرف" لا ينافي هذا تصغير آل المقتضي الحقارة لأن شرف المضاف إليه لا ينافي تصغير المضاف. ولو سلم أن شرف المضاف إليه يقتضي شرف المضاف نقول الشرف باعتبار يجامع الحقارة باعتبار آخر. وقوله إلى ذي شرف أي معرف مذكر ناطق. وسمع آل المدينة وآل البيت وآل الصليب وآل فلانة. قوله: "الإسكاف" بكسر الهمزة اسم جنس لمن يصلح النعال، والأسكوف لغة فيه والجمع، أساكفة. قوله: "فمنعه الكسائي والنحاس" لعل شبهتهم أن الآل إنما يضاف إلى الأشراف والمفصح عنهم هو الظاهر لا الضمير، والحجب منع الحصر لأن الضمير كمرجعه في الدلالة. ا. هـ. نجاري على المحلي. قوله: "أنه" أي المذكور من الإضافة. قوله: "قال عبد المطلب" أي حين قدم أبرهة بالفيل إلى مكة لتخريب الكعبة. قوله: "وانصر على آل الصليب" يدل بظاهره على جواز إضافته إلى غير الناطق فينافي ما تقدم، ويجاب بأنه بمنزلة الناطق عند أهله أو شاذ ارتكب للمشاكلة. قوله: "وأستعين الله" أي أطلب منه الإعانة. والمراد بالإعانة هنا الأقدار وسماه إعانة لأنه بصورة الإعانة من حيث كون المقدور بين قدرتين: قدرة العبد كسبا بلا تأثير وقدرة الله تعالى إيجادا وتأثيرا إذ لا يصدق على

стр. 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ "ألفية" أي عدة أبياتها ألف أو ألفان بناء على أنها من كامل الرجز أو مشطوره، ومحل هذه الجملة أيضًا نصب عطفًا على جملة أحمد، والظاهر أن في بمعنى على لأن الاستعانة ــ هذه الإعانة الإعانة الحقيقية التي هي المشاركة في الفعل ليسهل أفاده الشيخ يحيى في حواشيه على المرادي. وأصل أستعين أستعون بكسر الواو نقلت كسرتها إلى ما قبلها فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. وإنما لم يقدم اسم الجلالة على أستعين ليفيد الحصر مع صحة الوزن على تقديمه أيضا للاهتمام بالاستعانة في نحو هذا المقام كما قالوه في: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك﴾ [العلق: ١] ، على بعض التقادير. قوله: "في نظم قصيدة" قدر نظم لأن الاستعانة إنما تكون على الفعل، وقصيدة لتجري عليه الصفة أعني ألفية لكن في تسميته هذه الألفية قصيدة ما ستعرفه. قوله: "ألف" نقل شيخنا السيد أن بعضهم أخبر بأنها تنقص عن الألف ستة أبيات فلينظر فإن جماعة ممن أثق بهم أخبروني بعد التحري في عدها بأنها ألف. قوله: "أو ألفان" لا يخفى بعده ولا يرد عليه أنه كان عليه حينئذٍ أن يقول ألفينية لأن علامة التثنية والجمع يجب حذفها عند النسبة. قوله: "بناء على أنها إلخ" فيه لف ونشر مرتب. قوله: "من كامل الرجز" وزنه مستفعلن ست مرات. والشطر حذف النصف بأن يكون البيت على مستفعلن ثلاث مرات فعلى أنها من كامله يكون مثلا: قال محمد هو ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك بيتا مصرعا أعني مجعولة عروضه موافقة لضربه، ويكون كل بيت شعرا مستقلا. وعلى أنها من مشطوره يكون مثلا قال محمد هو ابن مالك بيتا، وأحمد ربي الله خير مالك بيتا ويكون كل بيتين شعرا مزدوجا مستقلا فعلى كل لا يسمى مثل هذه الأرجوزة قصيدة لأنهم لا يلتزمون بناء قوافيها على حرف واحد ولا على حركة واحدة، فلو جعلنا مجموع الأبيات قصيدة للزم وجود الأكفاء والاجازة والأقواء والأصراف في القصيدة الواحدة وتلك عيوب يجب اجتنابها، وهم لا يعدون ذلك في هذه الأراجيز عيبا ولا نجد نكيرا لذلك من العلماء كذا في الدماميني على الخزرجية. ومنه يعلم ما في قول الشارح قصيدة. ويمكن أن يقال سماها قصيدة من حيث مشابهتها للقصيدة في تعلق بعضها ببعض وفي كونها من بحر واحد فتدبر. قوله: "والظاهر أن في بمعنى على" فتكون لفظة في استعارة تبعية لمعنى على كما في: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل﴾ [طه: ٧١] ومقابل الظاهر قوله أو أنه ضمن إلخ فهو معطوف على قوله والظاهر. وإنما كان الأول ظاهرا لأن الاستخارة قبل الفعل للمتردد والمصنف جازم لشروعه في الفعل ولأن ارتكاب التجوّز في الحرف أخف منه في الفعل لا على قوله إن في بمعنى على إذ ليس ثم غير هذين الوجهين حتى يكون مقابل الظاهر. لا يقال المتبادر من كلامه التضمين النحوي وهو أشراب كلمة معنى أخرى بحيث تؤدي المعنيين فيكون مقابل الظاهر التضمين البياني وهو تقدير حال تناسب الحرف لأنا نمنع كون التضمين النحوي ظاهرا عن البياني للخلاف في كون النحوي قياسيا وإن كان الأكثرون على أنه قياسي كما في ارتشاف أبي حيان دون البياني فاعرفه. قوله:

стр. 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وما تصرف منها إنما جاءت متعدية بعلى قال تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] ، ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون﴾ [يوسف: ١٨] أو أنه ضمن أستعين معنى أستخير ونحوه مما يتعدى بفي أي وأستخير الله في ألفية "مقاصد النحو" أي أغراضه وجل مهماته "بها" أي فيها "محوية" أي محوزة ــ قوله: "لأن الاستعانة" أي أصل هذه المادة فلا يرد أن أعانه في الآية من تصاريف الإعانة لا الاستعانة. قوله: "إنما جاءت" لم يثن الضمير مراعاة لمعنى ما وهو المتصرفات بعد مراعاة لفظها في تصرف، أو الضمير للاستعانة وخبر ما محذوف لعلمه من هذا. وقوله متعدية أي إلى المستعان عليه لا المستعان لتعديها إليه بنفسها كما هنا وبالباء كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّه﴾ [الأعراف: ١٢٨] . قوله: "قال تعالى إلخ" استشهاد على التعدية بعلى لا استدلال على المدعي من الحصر المذكور لأن الآية لا تدل عليه. قوله: "معنى أستخير ونحوه" أحسن منه معنى أرجو ونحوه لما عرفت من أن الاستخارة قبل الفعل للمتردد. قوله: "أي أغراضه" هذا تفسير بحسب اللغة. وقوله وجل مهماته عطف تفسير للمراد أشار به إلى أن مراده بالمقاصد المهمات التي عبر بها في آخر الكتاب وأن في كلامه حذف. مضاف ودفع بذلك التنافي بين ما هنا وقوله آخر الكتاب: نظما على جل المهمات اشتمل وقد أجيب بأجوبة غير هذا: منها أن ما هنا في حيز الطلب وما يأتي إخبار بما تيسر له. وأما الجواب بأن المقاصد اسم كتاب للمصنف فباطل من وجوه ذكرها السيوطي في آخر نكته، وصرفوا ما هنا إلى ما يأتي دون العكس لأن ما يأتي هو المطابق للواقع لأنه ترك من المقاصد باب القسم وباب التقاء الساكنين وغيرهما. قوله: "بها أي فيها" من ظرفية المدلول في الدال لأن الألفية اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة والمقاصد تلك المعاني. ويصح أن تكون الباء سببية وصلة محوية محذوفة أي محوية لمتعاطيها بسببها. قوله: "محوية" اسم مفعول أصله محووية اجتمعت الواو الثانية والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وكسرت الواو الأولى التي قبل الياء المدغمة للمناسبة. قوله: "النحو في الاصطلاح إلخ" تعريف الفن أحد الأمور التي يتوقف الشروع فيه على بصيرة عليها. ومنها موضوعه وغايته وفائدته: فموضوع هذا الفن الكلمات العربية من حيث عروض الأحوال لها حال أفرادها كالإعلال والإدغام والحذف والإبدال أو حال تركيبها كحركات الإعراب والبناء. وغايته الاستعانة على فهم كلام الله ورسوله والاحتراز عن الخطأ في الكلام. وفائدته معرفة صواب الكلم من خطئه كذا في شرح الخطيب على المتن. وفي كلام البعض جعل الاحتراز عن الخطأ هو الفائدة وله أيضا وجه. وفي الاصطلاح إما مستقر متعلق بمقدر معرف صفة للنحو أو منكر حال منه على تجويز بعض النحاة مجيء الحال من المبتدأ، وإما لغو متعلق بمعنى النسبة التي اشتملت

стр. 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تنبيه: النحو في الاصطلاح هو العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها. قاله صاحب المقرب فعلم ــ عليها الجملة. قوله: "العلم" أي القواعد المعلومة أي التي من شأنها أن تعلم لا ما علم بالفعل لأن النحو له حقيقة في نفسه سواء علم أو لم يعلم فهو مجاز على مجاز بحسب اللغة، والعلاقة في الأول التعلق بين المصدر وما اشتق منه، وفي الثاني الأول، وإن كان مجازا فقط بحسب العرف علاقته الأول لأن إطلاقه على القواعد المعلومة بالفعل حقيقة عرفية كإطلاقه على الملكة أي الكيفية الراسخة في النفس التي يقتدر بها على استحضار ما كانت علمته واستحصال ما لم تعلمه. وأما إطلاقه على الإدراك فحقيقة لغة وعرفا. وأما إطلاقه على فروع القواعد أي المسائل الجزئية المستخرجة منها بجعل القاعدة كبرى لصغرى سهلة الحصول هكذا زيد من قام زيد فاعل وكل فاعل مرفوع فزيد من قام زيد مرفوع فمجاز عند الحكماء. حقيقة عرفية عند علماء الشريعة والأدب كما نقله البعض عن سري الدين. والمجاز على المجاز جائز عند البيانيين والأصوليين إلا الآمدي كما في البحر المحيط في الأصول للزركشي فنقل شيخنا السيد المنع عن الأصوليين فيه نظر. والباء في قوله بالمقاييس للتصوير. وما ذكرناه من أن العلم هنا بمعنى القواعد والباء للتصوير هو اللائق هنا لا الإدراك ولا الملكة سواء جعلنا الباء للسببية متعلقة بالمستخرج إذ لا يستخرجان بالمقاييس المذكورة، أو جعلناها للتصوير إذ لا يتصوران بها ولا الفروع وإن قال به البعض لأنه يلزم عليه كما قاله شيخنا أن لا تسمى تلك القواعد نحوا وفيه ما فيه بل الظاهر أنها هي النحو فتأمل. وخرج بالمستخرج العلم المنصوص في الكتاب أو السنة. قوله: "بالمقاييس" بغير همز لأصالة الياء الأولى كما في معايش جمع مقياس وهو ما يقاس عليه الشيء ويوافق به من القواعد الكلية. قوله: "من استقراء كلام العرب" من إضافة الصفة إلى الموصوف أي من كلام العرب المستقرأ أي من أحوال أجزائه ففي العبارة حذف مضافين وإن أوّلت الكلام بالكلمات كان فيها حذف مضاف واحد وخرج بهذا القيد المستخرج من الكتاب والسنة والطب ونحوه. قوله: "الموصلة" صفة للمقاييس وتوصيلها لمن بعد الصدر الأول كما أن استنباطها من الصدر الأول. فاندفع ما يقال: استنباط المقاييس من أحوال أجزاء كلامهم يقتضي سبق معرفة تلك الأحوال على استنباط المقاييس وتوصيلها إلى معرفة تلك الأحوال يقتضي تأخرها عنه وفي هذا تناقض وهو ظاهر ودور لتوقف المعرفة على المقاييس المتوقفة على المعرفة مع أن هذا إنما يرد إذا جعل الضمير في قوله أجزائه راجعا إلى عين كلام العرب، أما إذا جعل راجعا إلى جنس كلامهم لأن أحكام ما تكلموا به عرفت بنطقهم فلا تناقض ولا دور أصلا لأن السابق معرفة غير المتأخر معرفته حينئذٍ. وحاصل الدفع الأول اختلاف المعرفة باختلاف العارف. وحاصل الثاني اختلافها باختلاف المعروف وخرج بهذا القيد علم المعاني والبيان ونحوهما. قوله: "أحكام أجزائه" المراد بالأحكام ما يشمل الأحكام التصريفية والأحكام النحوية. قوله: "التي ائتلف منها" صفة للأجزاء والضمير في ائتلف يرجع إلى الكلام فالصلة جرت على غير ما هي له، ولم يبرز

стр. 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن المراد هنا بالنحو ما يرادف قولنا علم العربية لا قسيم الصرف، وهو مصدر أريد به اسم المفعول أي المنحو كالخلق بمعنى المخلوق، وخصته غلبة الاستعمال بهذا العلم وإن كان علم منحوا أي مقصودًا كما خصت الفقه بعلم الأحكام الشرعية الفرعية وإن كان كل علم فقها أي مفقوها أي مفهومًا. وجاء في اللغة لمعان خمسة: القصد يقال نحوت نحوك أي قصدت قصدك، والمثل نحو مررت برجل نحوك أي مثلك، والجهة نحو توجهت نحو البيت أي جهة البيت، والمقدار نحو له عندي نحو ألف أي مقدار ألف، والقسم نحو هذا على أربعة أنحاء أي أقسام. وسبب تسمية هذا العلم بذلك ما روي أن عليًّا رضي الله ــ الضمير جريا على مذهب الكوفيين من جواز عدم إبرازه عند أمن اللبس. وقال البعض نقل الراعي في باب المبتدأ والخبر كما أفاده البهوتي أن البصريين فصلوا في وجوب إبراز الضمير بين ما إذا كان المتحمل للضمير وصفا أو فعلا فأوجبوه في الأول دون الثاني. ا. هـ. وهو مخالف لما في الهمع والتصريح من أن الفعل كالوصف في الخلاف المذكور. قوله: "فعلم" أي من تعريف النحو بما يشمل التصريف. قوله: "ما يرادف قولنا علم العربية" أي المراد به ما يشمل النحو والصرف فقط لتخصيص غلبة الاستعمال علم العربية بهما وإن أطلق على ما يشمل اثني عشر علما: اللغة والصرف والاشتقاق والنحو والمعاني والبيان والعروض والقافية وقرض الشعر والخط وإنشاء الخطب والرسائل والمحاضرات ومنه التواريخ، وجعلوا البديع ذيلا لا قسما برأسه. وإضافة علم إلى العربية من إضافة العام إلى الخاص. قوله: "لا قسيم الصرف" هذا اصطلاح القدماء واصطلاح المتأخرين تخصيصه بفن الإعراب والبناء وجعله قسيم الصرف، وعليه فيعرّف بأنه علم يبحث فيه عن أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء وموضوعة الكلم العربية من حيث ما يعرض لها من الإعراب والبناء. قوله: "وهو مصدر إلخ" قال البهوتي انظر هل يجوز استعمال اسم المصدر بمعنى اسم المفعول كما استعملوا المصدر كذلك أولا. قال البعض لا مانع من الجواز فكان عليه أن يقول هل وقع استعماله كذلك أولا. ا. هـ. وأقول وقع في قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ [ص: ٣٩] كما يفيده كلام البيضاوي. قوله: "وخصته غلبة الاستعمال بهذا العلم" أي صار علما بالغلبة عليه والباء داخلة على المقصور عليه. قوله: "وجاء في اللغة لمعان خمسة" زاد شيخ الإسلام سادسا وهو البعض كأكلت نحو السمكة. وذكر أن أظهر معانيه وأكثرها تداولا القصد ولهذا صدر به الشارح، قيل لما كان اللغوي متعددا أخره عن الاصطلاحي وإن كان الأنسب تقديم اللغوي. قوله: "وسبب تسمية هذا العلم بذلك" أي سبب إطلاقه عليه بالغلبة لا بالوضع فلا ينافي ما مر. قوله: "الديلي" ضبطه بعضهم بكسر الدال وسكون التحتية وبعضهم بضم الدال وفتح الهمزة. واسمه ظالم بن عمرو. قال في التصريح: وقد تظافرت الروايات على أن أول من وضع النحو أبو الأسود وأنه أخذه أولا عن علي بن أبي طالب ﵁ وكان أبو الأسود كوفي الدار بصري المنشأ ومات وقد أسن. واتفقوا على أن أول من وضع التصريف معاذ بن مسلم الهراء بفتح الهاء وتشديد الراء نسبة إلى بيع الثياب الهروية. قوله:

стр. 24

تقرب الأقصى بلفظ موجز ... وتبسط البذل بوعد منجز ــ تعالى عنه لما أشار على أبي الأسود الديلي أن يضعه وعلمه الاسم والفعل، والحرف وشيئًا من الإعراب قال: انح هذا النحو يا أبا الأسود "تقرب" هذه الألفية للأفهام "الأقصى" أي الأبعد. من المعاني "بلفظ موجز" الباء بمعنى مع أي تفعل ذلك مع وجازة اللفظ أي اختصاره "وتبسط" أي توسع "البذل" بالمعجمة أي العطاء وهو إشارة إلى ما تمنحه لقارئها ــ "وشيئا من الإعراب" أي حيث قال الأشياء ظاهر ومضمر وغيرهما وهو الذي يتفاوت في معرفته. قال السيرافي يعني اسم الإشارة. قوله: "انح هذا النحو يا أبا الأسود" روي أن مما ذكره أبو الأسود حكم إن وأن وكأن وليت ولعل ولم يذكر لكنّ فأمره الإمام كرم الله وجهه أن يزيدها فزادها. قوله: "تقرب إلخ" إسناد التقريب إليها مجاز عقلي من باب الإسناد إلى الآلة إذ الفاعل في الحقيقة الله تعالى وفي الظاهر المصنف. قوله: "أي الأبعد من المعاني" تفسير بحسب ظاهر اللفظ فلا ينافي أن المناسب جعل أفعل التفضيل هنا على غير بابه ليشمل بالمطابقة الأبعد والبعيد لأن البعد مقول بالتشكيك. وما قيل من أنه على ظاهره وتقريب البعد يفهم بالأولى ضعف بأنه لا يلزم ذلك لأنها قد تهتم بالأبعد لشدة خفائه ولا تقرب البعد. قوله: "الباء بمعنى مع" لم يجعلها سببية لأن المعهود سببا للتقريب البسط لا الإيجاز. قال سم: ويصح كونها للسببية ويكون فيه غاية المدح للمصنف حيث اتصف بالقدرة على توضيح المعاني بالألفاظ الوجيزة التي من شأنها تبعيدها. ولا إشكال في كون الإيجاز قد يكون سببا للإيضاح إذا بولغ في تهذيب الوجيز وتنقيحه وترتيبه. ا. هـ. وقد يقال السبب حينئذٍ هذه المبالغة لا الإيجاز. قوله: "مع وجازة اللفظ" دفع بتقدير المضاف اتحاد المصاحب والمصاحب وعليه ففي الكلام وضع الظاهر موضع المضمر والأصل مع وجازتها. وأنت خبير بأن الاتحاد إنما يأتي إذا جعلت المعية حالا من فاعل تقرب ويصح أن تكون من الأقصى فيكون أحد المتصاحبين المعنى والآخر اللفظ فلا اتحاد. وما نقله البعض هنا عن ابن قاسم فيه ما فيه فانظره. قوله: "أي اختصاره" ظاهره ترادف الإيجاز والاختصار وهو ما عليه جماعة. وفي المصباح أن الإيجاز تقليل اللفظ مع عذوبته وسهولة معناه فهو أخص من الاختصار على هذا. قوله: "وتبسط البذل" فسره الشارح بتوسع العطاء أي الإعطاء يعني تكثر إفادة المعاني، ففيه استعارة إما تمثيلية بأن يكون شبه حال الألفية في كثرة إفادتها المعاني عند سماعها بحال الكريم في كثرة إعطائه ووفائه بما يعد، أو مصرحة حيث شبه إفادة المعاني ببذل المال والوعد ترشيح، أو مكنية حيث شبه الألفية بكريم والبذل تخييل والوعد ترشيح. قوله: "وهو" أي البذل إشارة إلى ما تمنحه أي إلى منح ما تمنحه ليوافق تفسيره أولا البذل بالعطاء أي الإعطاء. ويحتمل أن هذا إشارة إلى أن المراد بالبذل المبذول وأن تفسيره أولا بالعطاء بالنظر إلى معناه الأصلي. وقوله من كثرة الفوائد أي من الفوائد الكثيرة. قوله: "بوعد منجز" الباء بمعنى مع أو سببية. فإن قلت الإعطاء بدون وعد أبلغ في المدح فلم قيد بالوعد؟ قلت كأنه لأنه الواقع لأن فهم المعاني منها لا يحصل بمجرد وجودها بل لا بد من

стр. 25

وتقتضي رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن معطي ــ من كثرة الفوائد "بوعد منجز" أي موفى سريعًا. تنبيه: قال الجوهري أوعد عند الإطلاق يكون للشر ووعد للخير وأنشد: ٢- وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي "وتقتضي" أي تطلب لما اشتملت عليه من المحاسن "رضا" محضًا "بغير سخط" يشوبه "فائقة ألفية" الإمام العلامة أبي الحسن يحيى "ابن معطي" بن عبد النور الزواوي الحنفي الملقب زين الدين سكن دمشق طويلًا واشتغل عليه خلق كثير ثم سافر إلى مصر ــ الالتفات إليها وتصور ألفاظها فكأنها لتهيئها للفهم منها وتوقف الفهم منها على ذلك تعد وعدا ناجزا قاله سم. ويمكن أن يوجه أيضا التقييد بالوعد بأنه للإشارة إلى عزة معانيها لأن الموعود به تتشوف إليه النفس فتكون أحرص عليه ويكون هو أعز عليها. وبين موجز ومنجز الجناس اللاحق وإن قال بعضهم مضارع. قوله: "ووعد للخير" أي عند الإطلاق وحذفه اكتفاء. قوله: "لمخلف إيعادي إلخ" فيه لف ونشر مرتب. قوله: "وتقتضي أي تطلب" أي من الله أو من قارئها أو منهما معا وإسناد الطلب إليها مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب إذ الطالب في الحقيقة ناظمها. ويحتمل أنه شبه الألفية بعاقل تشبيها مضمرا في النفس على طريق الاستعارة المكنية وإثبات الطلب تخييل ويحتمل أنه أراد بالاقتضاء الاستلزام على التجوّز. قوله: "رضا" كسر رائه سماعي كضم سين سخط وسكون خائه والقياس الفتح لأن فعلهما كفرح يفرح. قوله: "محضا" كأنه زاد تمهيدا لقوله بغير سخط يشوبه ليقع قوله بغير سخط يشوبه تفسيرا لمحضا. وقوله يشوبه أي يتخلل بين أزمنة الرضا. أو المراد يشوبه من وجه آخر غير وجه الرضا. وعلى كل علم أن قوله وتقتضي رضا لا يغني عن قوله بغير سخط، والسخط تغير النفس وانقباضها لأخذ الثأر والمراد منه في حقه تعالى لازمه وهو إرادة الانتقام أو الانتقام. قوله: "فائقة" أي عالية في الشرف. وإنما فاقتها لأنها من بحر واحد وألفية ابن معطي من بحرين فإن بعضها من السريع وبعضها من الرجز، ولأنها أكثر أحكاما من ألفية ابن معطي. قوله: "الحنفي" في حواشي الشيخ يحيى أنه كان مالكيا وتفقه بالجزائر على أبي موسى الجزولي ثم تشفع كابن مالك وأبي حيان حين الخروج من الغرب. ا. هـ. ويمكن أنه تحنف بعد أن تشفع. قوله: "الملقب زين الدين" يؤخذ منه مع قوله في الديباجة وقد لقبته بمنهج السالك أن لقب يتعدى بنفسه وبالحرف كسمى. قوله: "بالجامع العتيق" هو جامع عمرو بن العاص. قوله: "لأقراء الأدب" اسم لما يشمل الاثني عشر علما المتقدمة فهو مرادف للعربية بالمعنى الشامل لها. قوله: "في سلخ" أي آخر. قوله: "على شفير الخندق" أي حرف الخليج الذي حفره عمرو بن العاص بأمر عمر بن الخطاب ليحمل على السفن فيه الغلال إلى

стр. 26

وهو بسبق حائز تفضيلًا ... مستوجب ثنائي الجميلا ــ وتصدر بالجامع العتيق لإقراء الأدب إلى أن توفي بالقاهرة في سلخ ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وستمائة ودفن من الغد على شفير الخندق وبقرب تربة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ومولده سنة أربع وستين وخمسمائة. تنبيه: يجوز في فائقة النصب على الحال من فاعل تقتضي والرفع خبر المبتدأ محذوف والجر نعتًا لألفية على حد ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَك﴾ في النعت بالمفرد بعد النعت بالجملة والغالب العكس وأوجبه بعضهم "وهو" أي ابن معطي "بسبق" الباء للسببية أي بسبب سبقه إياي "حائز تفضيلًا" على "مستوجب" على "ثنائي الجميلا" عليه لما يستحقه السلف من ثناء الخلف وثنائي مصدر مضاف إليه فاعله وهو الياء والجميل إما ــ الحرمين متصلا بالبحر المالح. قوله: "ومولده سنة" بنصب سنة على الظرفية متعلق بمحذوف إن جعل مولده مصدرا ميميا بمعنى الولادة أي كائن في سنة، وبرفعها على الخبرية إن جعل اسم زمان. قوله: "في فائقة" أي في هذا اللفظ بقطع النظر عن حركة آخره. قوله: "من فاعل تقتضي" لم يجعلها من ألفية لأنها وإن كانت نكرة تخصصت بالوصف، أو من فاعل تقرب أو تبسط لقرب تقتضي. قوله: "خبر المبتدأ محذوف" أي والجملة حالية أو استئنافية. قوله: "بالجملة" أي جنسها فيصدق بما زاد على واحدة كما في المتن. قوله: "وأوجبه بعضهم" قال شيخنا والبعض لعل القائل بالوجوب يجعل مبارك في الآية خبر مبتدأ محذوف. ا. هـ. وأحسن منه أن يجعل خبرا ثانيا لهذا. قوله: "بسبق" أي علي في الزمن والإفادة وفي تقديم المعمول إشارة إلى أنه لم يحز الفضل على المصنف إلا بالسبق، والجار والمجرور مرتبط بكل من حائز ومستوجب. قوله: "حائز تفضيلا" أي فضلا من إطلاق المسبب على السبب، أو هو مصدر المبني للمفعول فاندفع الاعتراض بأن التفضيل صفة المفضل بالكسر فكيف يحوزه المفضل بالفتح ويمكن أن يدفع أيضا بأن الحيازة في كل شيء بحسبه. فمعنى حيازة التفضيل تعلقه به على وجه التعظيم له. ولا يرد على الجواب الثاني والثالث أنه لا يلزم من التفضيل له على غيره أنه فاضل في نفسه عليه حتى يكون فيه كبير مدح لأن المراد التفضيل ممن يعتد بتفضيله. قوله: "مستوجب" قال سم أي مستحق. ا. هـ. ويحتمل أن السين والتاء للتصيير أي مصير الثناء واجبا عليّ. قوله: "لما يستحقه السلف إلخ" لا يظهر أنه علة لمستوجب لتقديم المصنف علته وهي السبق بناء على ارتباط قوله بسبق بقوله مستوجب أيضا بل هو علة للعلية أي لكون السبق علة للاستيجاب، لكن لا يظهر التعليل إلا بتقدير مضاف أي لوجوب ما يستحقه إلخ ولو قال لاستحقاق السلف ثناء الخلف لكان أخصر وأوضح. قوله: "مصدر" فيه مسامحة لأن الثناء اسم مصدر اثني، ويمكن أن يجعل كلامه على حذف المضاف. قوله: "أما صفة" أي لازمة أو مخصصة على القولين في الثناء وعلى الوصفية يحتاج إلى تعليق قول الشارح عليه بمحذوف حال من ثنائي أو بدل منه أي كائنا عليه أو ثنائي عليه، لا بثنائي

стр. 27

والله يقضي بهبات وافره ... لي وله في درجات الآخرة ــ صفة للمصدر أو معمول له "والله يقضي" أي يحكم "بهبات" جمع هبة وهي العطية أي عطيات "وافره" أي تامة "لي وله في درجات الآخرة" الدرجات. قال في الصحاح: هي الطبقات من المراتب. وقال أبو عبيدة: الدرج إلى أعلى والدرك إلى أسفل والمراد مراتب السعادة في الدار الآخرة، ولفظ الجملة خبر ومعناها الطلب. تنبيه: وصف هبات وهو جمع بوافرة وهو مفرد لتأوله بجماعة وإن كان الأفصح وافرات لأن هبات جمع قلة والأفصح في جمع القلة مما لا يعقل وفي جمع العاقل مطلقًا ــ المذكور لاستلزامه وصف المصدر قبل تمام عمله. وقوله أو معمول له أي على أنه صفة لمفعول مطلق لهذا المصدر حذف وأنيب هو منابة أي ثنائي الثناء الجميل، أو على أنه مفعول به على التوسع بإسقاط الخافض والأول أولى لأن الثاني سماعي على الأصح. قوله: "أي يحكم" فسر القضاء في كلامه بالحكم كما هو معناه لغة لأن معناه عند الأشاعرة -كما في شرح المواقف- إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال وهذا لا يناسب الطلب. قال: وتقديره إيجاده إياها فيما لا يزال على ما هي عليه فيه. ا. هـ. والمراد بالحكم هنا التعلق التنجيزي فيرجع إلى التقدير. قوله: "أي عطيات" أتى به مع علمه من تفسير المفرد تحسينا لسبك قول المصنف وافرة مع ما قبله من كلام الشارح. قوله: "أي تامة" أفاد به أن وافرة اسم فاعل وفر اللازم لا المتعدي يقال وفر الشيء يفر وفورا أي تم، ووفرته أفره وفرا أي أتممته. قوله: "لي وله في درجات الآخرة" الظرفان صفتان لهبات. وخص درجات الآخرة بالذكر لأنها المهم عند العاقل ولأن الدعاء لابن معطي بعد موته إنما يتأتى بها دون درجات الدنيا. قوله: "قال في الصحاح" بفتح الصاد ومعناه في الأصل الصحيح ومنهم من يكسر على صيغة الجمع. قوله: "هي الطبقات من المراتب" أي علية أو دنية فهو أعم من تفسير أبي عبيدة قاله البعض ورد جعل بعضهم كلام أبي عبيدة بيانا لما في الصحاح. قوله: "والمراد" أي من درجات الآخرة وأشار بهذا إلى أن الإضافة في درجات الآخرة على معنى في. قوله: "وصف هبات إلخ" هذا تصحيح لوصف الجمع بالمفرد وحاصله أن المطابقة في الافراد حاصلة تأويلا فقوله لتأوله بجماعة أي وهو مفرد لفظا وإن كان جمعا معنى. قوله: "وإن كان الأفصح وافرات" أي محافظة على المطابقة اللفظية والواو للحال وإن زائدة ويظهر لي في الجواب عن المصنف أن الإفراد لاستعماله جمع القلة في الكثرة كما هو المناسب لمقام الدعاء فهو جمع كثرة بحسب المعنى فاحفظه فإنه نفيس. قوله: "لأن هبات جمع قلة" أي بناء على مذهب سيبويه أن جمعي السلامة للقلة. والذي ارتضاه السعد التفتازاني والدماميني أن جمعي القلة والكثرة مبدؤهما ثلاثة ومنتهى جمع القلة ولا منتهى لجمع الكثرة فهما مشتركان في المبدأ مختلفان في المنتهى. والمشهور أن مبدأ جمع

стр. 28

الكلام وما يتألف منه: كلامنا لفظ مفيد كاستقم ... واسم وفعل ثم حرف الكلم ــ المطابقة نحو الأجذاع انكسرت ومنكسرات والهندات والهنود انطلقن ومنطلقات والأفصح في جمع الكثرة مما لا يعقل الإفراد نحو الجذوع وانكسرت ومنكسرة. خاتمة: بدأ بنفسه لحديث "كان رسول الله ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه" رواه أبو داود وقال تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨] وعن موسى ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [الأعراف: ١٥١] وكان الأحسن أن يقول رحمه الله تعالى: والله يقضي بالرضا والرحمة ... دلي وله ولجميع الأمة لما عرفت ولأن التعميم مطلوب. الكلام وما يتألف منه: الأصل هذا باب شرح الكلام وشرح ما يتألف الكلام منه اختصر للوضوح ــ الكثرة أحد عشر فيكونان مختلفين في المبدأ والمنتهى. وعلى هذا يأتي استشكال القرافي الذي ذكر أن له عشرين سنة يطلب جوابه ولم يجده وهو أنه إذا قال عليّ دراهم كان إقرارا بثلاثة إجماعا وحقه بأحد عشر لأنه أقل جمع الكثرة فلم قدم المجاز مع إمكان الحقيقة. وإن أجيب عنه ببناء الأقارير على العرف وأما على ما مر عن السعد والدماميني فلا مجاز ولا استشكال. قوله: "والأفصح في جمع القلة إلخ" وجه ذلك بأن العاقل منظور إليه فاعتنى بشأنه في المطابقة بخلاف غيره. وطوبق جمع القلة لغير العاقل جبرا للقلة. وقال شيخنا السيد المطابقة في جمعي العاقل وجمع القلة لغيره على الأصل وعدمها في جمع الكثرة لغيره لأنه لانحطاطه عن العاقل في حكم المفرد بالنسبة إليه ولم يراع ذلك في جمع القلة جبرا للقلة. قوله: "مما لا يعقل" أي من جموع ما لا يعقل. قوله: "وقال تعالى إلخ" لما لم يصلح دليلا لكونه شرع من قبلنا وهو ليس شرعا لنا وإن ورد في شرعنا ما يقرره على ما رجحوه في مذهبنا معاشر الشافعية لم يقل وقوله عطفا على مجرور اللام وإنما ذكره استئناسا. قوله: "لما عرفت" أي من ارتكاب خلاف الأفصح. قوله: "ولأن التعميم مطلوب" قال سم: لعله عمم في اللفظ دون الكتابة ويبقى الكلام في أنه هل يطلب التعميم في الكتابة أيضا وهو محل نظر. ا. هـ. أقول الأقرب الطلب قياسا على طلب كتابة البسملة والحمدلة والصلاة والسلام فتأمل. الكلام وما يتألف منه: أي والكلم بمعنى الكلمات العربية الثلاث التي يتألف الكلام منها، وذكر الضمير مراعاة للفظ ما. قوله: "أي هذا باب شرح الكلام إلخ" لا شك أنه شرح الكلام وما يتألف منه على

стр. 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ "كلامنا" أيها النحاة "لفظ" أي صوت مشتمل على بعض الحروف تحقيقًا كزيد أو تقديرًا ــ هذا الترتيب. فشرح الكلام أولا بتعريفه والكلم الثلاث التي يتألف منها ثانيا بذكر أسمائها وعلاماتها فالشرح مختلف، وللإشارة إلى اختلافه صرح بلفظ شرح في المعطوف، على أنه كما قال الروداني تقدير معنى لا تقدير إعراب وإن أوهمه صنيع الشارح لأن شرح المضاف إلى المعطوف عليه متسلط على المعطوف أيضا عند عدم إعادته معه لأن الصحيح أن العامل في المعطوف نفس العامل في المعطوف عليه لا مقدر مثله. وما أشار إليه من أن الكلام خبر مبتدأ محذوف تبعا للموضح غير متعين إذ يجوز كما قاله الشنواني رفعه على أنه مبتدأ حذف خبره أي باب الكلام هذا الآتي، ونصبه على المفعولية بنحو خذ مقدرا لا هاك كما وقع لبعضهم لأن اسم الفعل لا يعمل محذوفا. وفي قوله ما يتألف الكلام إشارة إلى رجوع ضمير يتألف في كلام المصنف إلى الكلام فالصلة جارية على غير ما هي له ولم يبرز الضمير لأمن اللبس المجوز لعدم إبرازه عند الكوفيين. قوله: "اختصر للوضوح" قيل على التدريج لأنه أنسب بالقواعد وأوقع في النفس بأن حذف المبتدأ ثم خبره وأنيب عنه شرح، ثم شرح وأنيب عنه الكلام. وقيل دفعة واحدة لأنه أقل عملا وعليه يحتمل أن الكلام نائب عن الخبر فقط أو عن الخبر والمضاف إليه. ورفع لشرف الرفع على الجر لكونه حكم العمد فلم ينب الكلام عن المبتدأ على هذا القول أصلا كما لم ينب عنه على القول الأول، بل هو على القولين حال في مكانه مقدر ملحوظ فيه لم يقم مقامه شيء، فتجويز البعض نيابته عن المبتدأ على الثاني غير صحيح فتدبر. قوله: "كلامنا" أتى بالإضافة وإن كان مستغنى عنها بكون التأليف في النحو كما صرح به في الخطبة للإشارة إلى اختلاف الاصطلاحات في الكلام وللإشارة إلى أن المصنف من مجتهدي النحاة. قوله: "أيها النحاة" أي مبنية على الضم في محل نصب بأخص محذوفا. وها للتنبيه والنحاة نعت له على اللفظ. ويظهر لي أن معنى قولهم على اللفظ أنه ضم اتباعا لضم لفظ أي، فتكون ضمته ضمة اتباع ويكون منصوبا بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الاتباع ضرورة أن النعت موافق للمنعوت في إعرابه ثم رأيته عن بعض المحققين كما سيأتي في محله فاحفظه. قوله: "صوت" يستعمل مصدرا لصات يصوت فيكون معناه فعل الشخص الصائت، ويستعمل بمعنى الكيفية المسموعة الحاصلة من المصدر وهو المراد هنا أفاده يس. وهو قائم بالهواء وقيل الصوت الهواء المتكيف بالكيفية المسموعة. قوله: "مشتمل على بعض الحروف" من اشتمال الكل على جزئه المادي كما قاله البعض لكن هذا ظاهر إذا كان اللفظ حرفين أو أكثر فإن كان حرفا واحدا كواو العطف كان من اشتمال المطلق على المقيد أو العام على الخاص. قوله: "تحقيقا إلخ" تعميم في الصوت فالمنصوب مفعول مطلق لمحذوف أي محقق تحقيقا أو مقدر تقديرا أو بمعنى محققا أو مقدرا حال، ويعلم من هذا التعميم أن لماهية اللفظ أفرادا محققة وأفرادا مقدرة. قال الروداني: واستعماله في كل منهما حقيقة لا أنه في المقدرة مجاز. ا. هـ. ومن التحقيقي المحذوف على ما قاله البعض لتيسر النطق به صراحة وكذا كلامه تعالى اللفظي قبل التلفظ به لا كلامه القديم على قول جمهور أهل السنة أنه ليس بحرف ولا صوت، فالتحقيقي إما

стр. 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالضمير المستتر "مفيد" فائدة يحسن السكوت عليها "كاستقم" فإنه لفظ مفيد بالوضع فخرج باللفظ غيره من الدوال مما ينطلق عليه في اللغة كلام كالخط والرمز والإشارة. وبالمفيد المفرد نحو زيد، والمركب الإضافي نحو غلام زيد، والمركب الإسنادي المعلوم ــ منطوق به بالفعل أو بالقوة والتقديري ما لا يمكن النطق به فإن الضمير المستتر كما قاله الرضي لم يوضع له لفظ حتى ينطق به، قال وإنما عبروا عنه باستعارة لفظ المنفصل للتدريب. ا. هـ. فقول المعربين في استقم مثلا ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت أي تصوير معناه تقريبا وتدريبا أنت، قال البعض وحينئذٍ فليس في اضرب مثلا إلا الفاعل المعقول واكتفى بفهمه من غير لفظ عن اعتبار لفظ له فأقيم مقام اللفظ في جعله جزء الكلام الملفوظ كجعله جزء الكلام المعقول فهو ليس من مقولة معينة بل تارة يكون واجبا وتارة يكون ممكنا جسما أو عرضا وتارة يكون من مقولة الصوت إذا رجع الضمير إلى الصوت فقول بعضهم كالجامي ليس من مقولة الحرف أو الصوت أصلا ليس على ما ينبغي أفاده العصام. قوله: "المستتر" أي وجوبا وجوازا فيما يظهر. قوله: "مفيد" أي بالوضع فاندفع ما أورد على التعريف من أنه يشمل اللفظ المفيد عقلا أو طبعا مع أن المراد بالفائدة في تفسير المفيد بالدال على فائدة يحسن السكوت عليها النسبة بين الشيئين. قوله: "فائدة يحسن السكوت عليها" مراد الشارح بهذا بيان ما يطلق عليه المفيد عندهم لا ذكر قيد زائد على ما في المتن لئلا يلزم كون تعريف المتن غير مانع. واندفع بهذا البيان ما يقال المفيد يصدق بما يفهم معنى ما ولو مفردا والمراد بالسكوت سكوت المتكلم على الأصح، ويحسنه عدّ السامع إياه حسنا بأن لا يحتاج في استفادة المعنى من اللفظ إلى شيء آخر لكون اللفظ الصادر من المتكلم مشتملا على المحكوم عليه وبه. قوله: "بالوضع" الظاهر أن مراده الوضع العربي الذي هو قيد لا بد منه في تعريف الكلام كما قال الشاطبي وغيره ليخرج كلام الأعاجم، لا القصد لأنه أدرجه في الإفادة كما سيأتي لكن لا وجه لزيادته في بيان انطباق التعريف على المثال مع تركه في نفس التعريف، فكان الأولى زيادته في التعريف أيضا. ثم حمل الوضع على الوضع العربي مبني على أن المركبات موضوعة وهو الصحيح لكن وضعها نوعي فهو المراد في التعريف. قوله: "فخرج باللفظ" لما كان بينه وبين فصله العموم الوجهي أخرج به. قوله: "من الدوال مما ينطلق إلخ" من الأولى بيانية والثانية تبعيضية إذ ينطلق الكلام لغة على غير الدوال من كل قول. وقيد بقوله من الدوال مع أن اللفظ يخرج غيره دل أولا لأن الدال هو المتوهم دخوله لتسميته كلاما في اللغة وغيره يفهم خروجه بالأولى. قوله: "والرمز" بابه قتل وضرب وهو الإشارة بالحاجب أو الهدب أو الشفة كما في المصباح فعطف الإشارة عليه عطف عام على خاص. قوله: "وبالمفيد إلخ" أخرج به أمورا خمسة وكان الأحسن ذكر المركب التقييدي والمزجي مع الإضافي. قوله: "والمركب الإسنادي المعلوم إلخ" جرى في إخراج الضروري وغير المقصود من الكلام على ما ذهب إليه المصنف ونقله في شرح التسهيل عن سيبويه والراجح خلافه كما ذهب

стр. 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مدلوله ضرورة كالنار حارة، وغير المستقبل كجملة الشرط نحو إن قام زيد وغير المقصود كالصادر من الساهي والنائم. تنبيهات: الأول اللفظ مصدر أريد به اسم المفعول أي الملفوظ به كالخلق بمعنى المخلوق. الثاني يجوز في قوله كاستقم أن يكون تمثيلًا وهو الظاهر فإنه اقتصر في شرح الكافية على ذلك في حد الكلام، ولم يذكر التركيب والقصد نظرًا إلى أن الإفادة تستلزمها لكنه في التسهيل صرح بهما، وزاد فقال: الكلام ما تضمن من الكلم إسنادًا ــ إليه أبو حيان وغيره، فالمراد بإفادة اللفظ فائدة يحسن السكوت عليها دلالته على النسبة الإيجابية أو السلبية سواء كانت حاصلة عند السامع قبل أو لا. قصد بها المتكلم الكلام أولا، طابق كلامه الواقع أولا. قوله: "مصدر أريد به اسم المفعول" أي لا اسم جنس جمعي للفظة حتى يرد اعتراض أبي حيان على التعريف باستلزام أن الكلام المركب من كلمتين لا يسمى كلاما لأن مدلول اسم الجنس الجمعي ثلاثة فأكثر فيكون التعريف غير جامع، ولا باق على مصدريته حتى يرد أن اللفظ فعل اللافظ والكلام النحوي ليس فعلا. فإن قلت: إطلاق المصدر بمعنى اسم المفعول مجاز فلا يحسن دخوله في التعريف. قلت: صار حقيقة عرفية في الملفوظ به لهجر النحاة معناه الأصلي وهو الرمي مطلقا أو من الفم فلا إشكال، فتنظيره بالخلق بمعنى المخلوق الباقي على مجازيته لعدم هجر معناه الأصلي وهو الإيجاد إنما هو في مجرد إطلاق المصدر وإرادة المفعول. قوله: "أن يكون تمثيلا" أي فقط وعليه فهو خبر لمبتدأ محذوف أي وذلك كاستقم. قوله: "وهو الظاهر" أي من العبارة فلا ينافي أن كونه تمثيلا وتتميما كما أشار إليه ابن الناظم أولى. وإنما كان ظاهرها التمثيل فقط لما ذكره الشارح بقوله فإنه اقتصر إلخ ولأن عادتهم بعد إيراد تعريف الشيء إيراد الكاف ومجرورها لمجرد تمثيله. قوله: "فإنه اقتصر في شرح الكافية" أي والألفية خلاصة الكافية. قوله: "نظرا إلى أن الإفادة تستلزمهما" أي لأن المفيد الفائدة المذكورة لا يكون إلا مركبا، ولا ترد الأعداد المسرودة لما تقدم من أن المراد بالإفادة الدلالة على النسبة الإيجابية أو السلبية، وحسن سكوت المتكلم يستدعي أن يكون قاصدا لما تكلم به. قوله: "لكنه إلخ" استدراك على قوله فإنه اقتصر إلخ لدفع توهم اقتصاره على ذلك في بقية كتبه أيضا. قوله: "صرح بهما" أما تصريحه بالقصد فظاهر. وأما بالتركيب فلذكره بدله الإسناد المفسر كما في شروح التلخيص بضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى أو ما يجري مجراها بحيث يفيد أن مفهوم إحداهما ثابت لمدلول الأخرى. وفسره شيخنا السيد تبعا لغيره بالنسبة بين الركنين، وأرجع بعضهم الأول إلى الثاني بتأويل الضم بالانضمام وتقدير مضاف أي لازم انضمام كلمة إلخ. ثم قال شيخنا السيد فهو شرط في تحقق الكلام لا جزء منه وإن اقتضاه كلام ابن الحاجب وصرّح به الرضي، فقد استشكله السيد الصفوي قاله الشيخ يس والشيخ يحيى. ووقع الخلاف أيضا في الفضلات هل هي خارجة عن الكلام أو داخلة فيه قولان والثالث

стр. 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مفيدًا مقصودًا لذاته فزاد لذاته، قال: لإخراج نحو قام أبوه من قولك جاءني الذي قام أبوه وهذا الصنيع أولى لأن الحدود لا تتم بدلالة الالتزام، ومن ثم جعل الشارح قوله كاستقم تتميمًا للحد. الثالث إنما بدأ بتعريف الكلام لأنه المقصود بالذات إذ به يقع التفاهم. الرابع ــ التفصيل فإن كان حذفها مضرا كنساؤه طوالق إلا هند أو عبيده أحرار إلا زيدا دخلت وإلا فلا. ا. هـ. وسيأتي لهذا مزيد بحث. قوله: "من الكلم" أي الكلمات ومن تبعيضية وهي ومجرورها في موضع الحال من ضمير تضمن. قوله: "فزاد لذاته" زاد بعضهم أيضا من ناطق واحد احترازا من أن يصطلح اثنان على أن يذكر أحدهما فعلا والآخر فاعلا، وأجيب بأن هذه الزيادة غير محتاج إليها لأن كل واحد من المصطلحين متكلم بكلام، وإنما اقتصر على التصريح بإحدى الكلمتين اتكالا على تصريح الآخر بالأخرى فهو مقدر ما صرح به الآخر فلا يتصوّر تركيب كلام واحد من متكلمين، ولو سلم قلنا اتحاد الناطق غير شرط في الكلام كما أن اتحاد الكاتب غير شرط في الخط أفاده في الهمع. قوله: "لإخراج نحو قام أبوه إلخ" أي لأن الإسناد فيه ليس مقصودا لذاته بل لتعيين الموصول وتوضيحه، ومثلها الجملة الخبرية والحالية والنعتية. قوله: "وهذا الصنيع" أي التصريح بأجزاء الماهية في الحد. قوله: "لأن الحدود لا تتم بدلالة الالتزام" اعترضه شيخنا السيد بأن الظاهر أن التركيب والقصد داخلان في مفهوم المفيد فدلالته عليهما تضمنية لا التزامية والتضمنية غير مهجورة في الحدود، ولو سلم أنها التزامية فهجرها إنما هو في الحدود الحقيقية التي بالذاتيات ومثل هذا التعريف ليس منها بل من الرسوم، وقد ينازع فيها استظهره وفي قوله ومثل هذا التعريف ليس منها بل من الرسوم. فإن الأمور الاصطلاحية حصلت مفهوماتها ووضعت أسماؤها بإزائها فليس لها معان غير تلك المفهومات فتكون هي حدودا أفاده شيخ الإسلام في آخر مبحث الكليات من شرحه على إيساغوجي نقلا عن الإمام الرازي. قوله: "ومن ثم" أي هنا من أجل أن الحدود لا تتم بدلالة الالتزام. قوله: "جعل الشارح" يعني ابن الناظم. قوله: "تتميما للحد" أي من جهة الدلالة به على أمرين يتضمنهما معتبرين في الكلام أي وتمثيلا أيضا من جهة الإيضاح به للمحدود لا تمثيلا فقط. ولا ينافي ذلك قول ابن الناظم في آخر كلامه فاكتفى عن تتميم الحد بالتمثيل لأن معناه أنه اكتفى عن تتميم الحد بذكر التركيب والقصد صريحا بتتميمه بالمثال المتضمن لهما، على أنه لو منع مانع كونه تتميما وتمثيلا وسلمنا له ذلك والتزمنا أن المراد تتميما للحد فقط فالمنافاة مدفوعة بحمل ما قاله في آخر كلامه على المعنى الذي ذكرناه، وأن تسمية قول المصنف كاستقم تمثيلا باعتبار الصورة، وعلى كلا الوجهين سقط ما نقله البعض عن البهوتي وأقره من الاعتراض على الشارح بأن في آخر كلام ابن الناظم ما ينافي أما سنده إليه الشارح وإن كان في أول كلامه ما يشير إليه فتأمل. والظاهر على كونه تتميما للحد أن كاستقم ظرف مستقر نعت ثان للفظ. وقول البعض هو في موضع النعت لمفيد يلزم عليه نعت النعت مع وجود المنعوت من غير مقتض مع أنه يضاربه قوله بعد ذلك ومجرور الكاف محذوف والتقدير كفائدة استقم. ا. هـ. لأن

стр. 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنما قال: وما يتألف ولم يقل: وما يتركب لأن التأليف كما قيل أخص إذ هو تركيب وزيادة وهي وقوع الألفة بين الجزأين "واسم وفعل ثم حرف الكلم" الكلم مبتدأ خبره ما قبله أي الكلم الذي يتألف منه الكلام ينقسم باعتبار واحده إلى ثلاثة أنواع: نوع الاسم ونوع الفعل ــ مقتضى هذا أن يكون كاستقم نعتا لمفعول مفيد محذوفا والأصل مفيد فائدة كفائدة استقم، فعليك بالإنصاف. قوله: "إنما بدأ بتعريف الكلام إلخ" جواب عما يقال: لم بدأ بالكلام مع أن الكلمات أجزاؤه والجزء مقدم على الكل ولهذا بدأ كثير بالكلمة؟ وحاصل الجواب أنه راعى كون المقصود بالذات الكلام وأما قصد الكلمات فلتألف الكلام منها والنكات لا تتزاحم. قوله: "لأن التأليف إلخ" وقال السيد هما بمعنى واحد، قال البعض وهو معنى التأليف. قوله: "وقوع الألفة" المراد بها الارتباط بين الكلمتين بإسناد إحداهما إلى الأخرى، أو إضافتها إليها، أو وصفها بها أو نحو ذلك بخلاف ضمها إليها بدون شيء من ذلك كقام جاء قاله الشنواني أي وليس المراد بها تناسبهما في المعنى لئلا يخرج نحو الحجر مأكول. قوله: "الكلم مبتدأ إلخ" أي كما يقتضيه قولهم إذا اجتمعت معرفة ونكرة فالمعرفة مبتدأ والنكرة خبر. واعلم أن الشارح حمل الكلم في عبارة المصنف على الكلم الاصطلاحي كما يدل عليه كلامه الآتي في غير موضع، وإن كان قوله أي الكلم الذي يتألف منه الكلام يفيد حمل الكلم على الكلمات لأن تألف الكلام منها لا من الكلم الاصطلاحي فيؤول بتقدير مضاف ليوافق أكثر كلامه أي من أجزائه التي يتركب من مجموعها. وقوله باعتبار واحده يحتمل أن المراد بواحده مفرده الاصطلاحي الذي هو لفظ كلمة، ويحتمل أن المراد به جزؤه أي جزء ما صدق عليه. وعلى كل ففي عبارته حذف مضاف تقديره على الأول مفهوم واحده لأن الانقسام إلى الثلاثة باعتبار مفهوم كلمة لا لفظها. وتقديره على الثاني جنس واحده لأن جزأه فرد من أفراد الكلمة والانقسام إلى الثلاثة باعتبار جنس الكلمة لا فرد من أفرادها ثم انقسام الشيء باعتبار شيء آخر انقسام للآخر في الحقيقة فاتضح قول الشارح لأن المقسم وهو الكلمة إلخ. وبتقريرنا كلام الشارح على هذا الوجه تلتئم عبارته ويسقط ما اعترض به البعض وغيره عليه هنا وفيما يأتي فتنبه. ولك أن تستغني عن اعتبار واحد الكلم في تقسيم المصنف الكلم إلى اسم وفعل وحرف بأن تجعل الكلم في كلامه بمعنى الكلمات وترجع الضمير في واحده إلى الكلم بمعنى الكلم الاصطلاحي على الاستخدام لا بمعنى الكلمات وإلا لأنث الضمير فيصير المعنى واسم وفعل ثم حرف الكلمات أي الأنواع الثلاثة للكلمة، وواحد الكلم الاصطلاحي كلمة وهذا أولى لعدم إحواجه إلى تقدير. قوله: "لأن المقسم" أي محل القسمة يعني المقسوم. قوله: "صادق إلخ" قال يس: الصدق في المفردات بمعنى الحمل، ويستعمل بعلى فيقال: صدق الحيوان على الإنسان. وفي القضايا بمعنى التحقق ويستعمل بفي فيقال: هذه القضية صادقة في نفس الأمر أي متحققة. قوله: "من تقسيم الكل إلخ" تقسيم الكل إلى أجزائه تحليل المركب إلى أجزائه التي تركب منها.

стр. 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونوع الحرف فهو من تقسيم الكلي إلى جزئياته لأن المقسم وهو الكلمة صادق على كل واحد من الأقسام الثلاثة أعني الاسم والفعل والحرف. وليس الكلم منقسمًا إليها باعتبار ذاته لأنه لا جائز حينئذ أن يكون من تقسيم الكل إلى أجزائه؛ لأن الكلم ليس مخصوصًا بهذه الثلاثة بل هو مقول على كل ثلاث كلمات فصاعدًا، ولا من تقسيم الكلي إلى جزئياته وهو ظاهر. ودليل انحصار الكلمة في الثلاثة أن الكلمة إما أن تصلح ركنًا للإسناد أولًا الثاني الحرف، والأول إما أن يقبل الإسناد بطرفيه أو بطرف الأول الاسم والثاني ــ وتقسيم الكلي إلى جزئياته ضم قيود إلى أمر مشترك لتحصل أمور متعددة بعدد القيود. والتقسيم حقيقي إن تباينت أقسامه وإلا فاعتباري. قوله: "ليس مخصوصا بهذه الثلاثة" أي باجتماعها أي لتحققه بدون اجتماعها نحو زيد أبوه قائم والباء داخلة على المقصور عليه. وقوله بل هو مقول على كل ثلاث كلمات فصاعدا أي وإن كانت من نوع الاسم فقط، أو من نوع الاسم والفعل فقط، أو الحرف فقط، والظاهر من كلامهم أن المراد بالكلمات في الكلم الكلمات الاصطلاحية فلا يطلق الكلم على ما تركب من ثلاثة ألفاظ مهملة كلها أو بعضها. ويمكن اختيار كونه من تقسيم الكل إلى أجزائه ويكون جعل الثلاثة أجزاءه باعتبار تركبه من مجموعها وإن لم يتركب من جميعها. قوله: "وهو ظاهر" للزوم تحقق الكلم في الاسم الواحد والفعل الواحد والحرف الواحد مع أنه باطل. قوله: "ودليل انحصار إلخ" أخذ الانحصار من تقديم الخبر في قوله واسم إلخ وإنما يتم هذا الدليل بمعونة الاستقراء وإلا فيمكن أن يقال: لا نسلم أن ما لا يصلح ركنا للإسناد هو الحرف فقط، وما يقبله بطرفيه هو الاسم فقط، وما يقبله بطرف هو الفعل فقط. قوله: "أن الكلمة" أظهر مع تقدم المرجع لئلا يتوهم عود الضمير إلى الثلاثة. قوله: "إما أن تصلح إلخ" إما حرف تفصيل وأن تصلح في تأويل مصدر خبر أن على تقدير مضاف أي ذات صلوح، أو تأويل المصدر باسم الفاعل أي صالحة لأن الكلمة ليست الصلوح. وهذا أحسن من تقدير مضاف قبل اسم إن أي حال الكلمة لأنه المناسب للمقام، إذ الكلام في تقسيم نفس الكلمة لا في تقسيم حالها، ولأنه في وقت الحاجة لا قبلها، ولأن التقدير قبل اسم أن يحتاج معه في صحة قوله الثاني الحرف إلى تقدير أي ذات الثاني الحرف أو الثاني حال الحرف ولأن الحصر لا يصح عليه لأن حال الكلمة لا ينحصر في الصلوح وعدمه. وفرق السيد بين صريح المصدر وأن والفعل حيث قال: من رجع إلى المعنى يعرف أن الأول لا يرتبط بالذات من غير تقدير أو تأويل بخلاف الثاني. قال شيخنا السيد: ويؤيده صحة عسى زيد أن يقوم دون عسى زيد قياما. وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر الموصول. قوله: "أو بطرف" ليس المراد الطرف الدائر الصادق بأن تكون الكلمة مسندة وبأن تكون مسندا إليها بل الطرف المعين وهو أن تكون الكلمة مسندة بقرينة قوله والثاني الفعل. قوله: "الأول الاسم" أورد عليه أن من الأسماء ما لا يقبله أصلا كالظروف التي لا تتصرف، وما لا يقع إلا مسندا كأسماء الأفعال، وما لا يقع إلا مسندا إليه

стр. 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفعل. والنحويون مجمعون على هذا إلا من لا يعتد بخلافه. وقد أرشد بتعريفه إلى كيفية تألف الكلام من الكلم بأنه ضم كلمة إلى كلمة فأكثر على وجه تحصل معه الفائدة المذكورة لا مطلق الضم. وأقل ما يكون منه ذلك اسما نحو ذا زيد وهيهات نجد، أو فعل واسم نحو استقم وقام زيد بشهادة الاستقراء، ولا نقض بالنداء فإنه من الثاني. ــ كالضمائر المتصلة. وأجيب بأن الكلام باعتبار الغالب أفاده في الأشباه. قوله: "على هذا" أي انحصار الكلمة في الثلاثة. قوله: "إلا من لا يعتد بخلافه" هو أبو جعفر بن صابر فإنه زاد اسم الفعل مطلقا وسماه خالفة والحق أنه من أفراد الاسم. قوله: "إلى كيفية تألف" الإضافة للبيان أي كيفية وحالة هي تألف. وقوله بأنه في موضع الحال من التألف والباء للتصوير، والمراد بالضم الانضمام من إطلاق اسم الملزوم على اللازم. ووجه الإرشاد أنه ذكر في التعريف الإفادة المستلزمة للتركيب. فعلم أن التأليف يكون بالضم والإفادة. وقوله على وجه حال من الضم والمراد بهذا الوجه الحكم بإحدى الكلمتين على الأخرى وقوله الفائدة المذكورة أي التي يحسن السكوت عليها. قوله: "وأقل ما يكون منه ذلك" أي التألف. وظاهر أن الكلام يتركب من أكثر من اسمين أو اسم وفعل وهو ما اعتمده ابن هشام وفصله في شرح القطر مع الإشارة إلى ما دل عليه قول ابن الحاجب لأنه لا يتأتى إلا من اسمين أو اسم وفعل. ويوافقه قول الرضي وكان على المصنف يعني ابن الحاجب أن يقول كلمتين أو أكثر. ا. هـ. لكن قال السيد: قيل الإسناد نسبة فلا يقوم إلا بشيئين مسند ومسند إليه لا بأكثر. وهما إما كلمتان أو ما في حكمهما في قبول إسناده أو الإسناد إليه فلذلك اقتصر على كلمتين. ا. هـ. وقال في محل آخر: إن الكلام إنما يتحقق بالإسناد الذي يتحقق بالمسند إليه والمسند فقط، وهما إما كلمتان أو ما يجري مجراهما وما عداهما من الكلمات التي ذكرت في الكلام خارجة عن حقيقة الكلام عارضة لها. ا. هـ. نقله اسم. قوله: "اسمان" أي حقيقة كما مثل به أو حكما كزيد قائم فإن الضمير المستتر في الوصف كالعدم لأنه لا يبرز في تثنية ولا في جمع فلا يقال: زيد قائم ثلاثة أسماء لا اسمان فقط. قوله: "نحو ذا زيد" اعترض بأن الأولى نحو ذا أحمد لأن التنوين حرف معنى. ورد بمنع أنه حرف معنى لا سيما على مذهب من زاد في تعريف الكلمة قيد الاستقلال لإخراج مثل ألف المفاعلة وياء التصغير وياء النسب وحروف المضارعة وتاء التأنيث كالمصنف في تسهيله. والمراد بالمستقل ما يسوغ النطق به وحده بنفسه أو بمرادفه فلا ترد الضمائر المتصلة. قوله: "أو فعل واسم" قدم الفعل على الاسم لأن المؤلف من فعل واسم يلزم فيه تقديم الفعل فقدمه في الذكر. ا. هـ. يس. قوله: "وقام زيد" إنما مثل بالماضي وفاعله الظاهر لأن الماضي على تقدير أن فيه ضميرا لا يسمى كلاما على الأصح لأن شرط حصول الفائدة مع الفعل والضمير المنوي أن يكون الضمير واجب الاستتار أفاده في التصريح. وناقشه يس بأنه لا شك في أن قام في جواب هل قام زيد ونحوه كلام فكيف يشترط وجوب الاستتار ويمكن حمله على غير الواقع جواب سؤال. قوله: "ولا نقض بالنداء" أي الجملة الندائية فإنه أي عند الجمهور من الثاني أي المركب من فعل

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تنبيه: ثم في قوله ثم حرف بمعنى الواو إذ لا معنى للتراخي بين الأقسام. ويكفي في الأشعار بانحطاط درجة الحرف عن قسيمية ترتيب الناظم لها في الذكر على حسب ترتيبها في الشرف ووقوعه طرفًا. واعلم أن الكلم اسم جنس على المختار. وقيل: جمع ــ واسم لأن يا نائية عن أدعو وهو فعل واسم وأما المنادى فهو فضلة زائدة على حقيقة الكلام لا منها حتى يقال إن يا زيد مركب من فعل واسمين لا من الثاني. فإن قلت قد أسلفت أن ظاهر قوله وأقل ما يكون إلخ أن الكلام يتركب من أكثر من اسمين أو اسم وفعل ومقتضاه عد المنادى من أجزاء حقيقة الكلام فيكون منافيا لقوله هنا فإنه من الثاني، قلت: لعله يشترط في الأكثر الذي يتألف منه الكلام أن تتوقف عليه الإفادة نحو زيد أبوه قائم وإن قام زيد قمت فلا يلزم عد المنادى من الأجزاء حتى ينافي ما سلف لعدم توقف إفادة أدعو على ذكر المدعو، ثم لا يلزم من نيابة لفظ عن لفظ أن يعطى جميع أحكامه حتى يرد أن النداء إنشاء وأدعو إخبار، على أنه لا مانع من أن يقال إنما نابت يا عن أدعو بعد نقله إلى الإنشاء فتأمل. وأورد أيضا ألا ماء لأنه كلام مركب من حرف واسم لأن ألا التي للتمني لا خبر لها لا ظاهرا ولا مقدرا، ويمكن دفعه بما قيل في يا زيد. قوله: "ثم في قوله ثم حرف بمعنى الواو" قال الدماميني في قول المغني الباب الثاني من الكتاب في تفسير الجملة وذكر أقسامها وأحكامها ما نصه: الباب مبتدأ والثاني صفة له وفي تفسير الجملة خبر، ومن الكتاب إما حال من الضمير المستكن في الخبر ولا يضر هنا تقديم الحال على عاملها المعنوي لأنها ظرف. وقد صرح ابن برهان بجوازه لتوسعهم في الظروف وإما حال من المبتدأ على حد ما أجاز سيبويه في قول الشاعر: لمية موحشا طلل إذ صاحب الحال عنده هو النكرة وهو عنده مرفوع بالابتداء وليس فاعلا للظرف كما يقول الأخفش والكوفيون والناصب للحال الاستقرار الذي تعلق به الظرف فكذا أما نحن فيه، وغاية ما يلزم كون العامل في الحال غير العامل في صاحبها وهذا ليس بمحذور عنده، وأما صفة للمبتدأ بأن يقدر متعلقه معرفة أي الباب الثاني الكائن من الكتاب على القول بجواز حذف الموصول مع بعض صلته. وقد اعتمد هذه الطريقة كثير من الأعاجم المتأخرين. ا. هـ. وما ذكره في قول المعنى من الكتاب يأتي مثله في قول الشارح في قوله ثم حرف. قوله: "إذ لا معنى للتراخي بين الأقسام" فيه أن هذا من حيث الانقسام لا من حيث ذواتها فإن بين الأقسام التراخي الرتبي من حيث ذواتها فتكون ثم للتراخي الرتبي بينها من حيث ذواتها. وقوله: يكفي في الأشعار إلخ فيه أن ثم أدل على ذلك لأن المتأخر ذكرا قد يكون أشرف كما في آية: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّة﴾ [الحشر: ٢٠] فالأولى إبقاء ثم على حالها وجعلها للتراخي الرتبي بين الأقسام من حيث ذواتها لا من حيث الانقسام. قوله: "أن الكلم اسم جنس على المختار" أي لدلالته وضعا على الماهية من حيث هي. وللبهوتي اعتراض بتنافي كلام الشارح نقله البعض وأقره، وقد

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقيل: اسم جمع، وعلى الأول فالمختار أنه اسم جنس جمعي لأنه لا يقال إلا على ثلاث كلمات فأكثر سواء اتحد نوعها أو لم يتحد أفادت أم لم تفد. وقيل: لا يقال إلا على ما فوق العشرة. وقيل: إفرادي أي يقال على الكثير والقليل كماء وتراب. وعلى الثاني فقيل: جمع كثرة وقيل: جمع قلة، ويجري هذا الخلاف في كل ما يفرق بينه وبين واحده بالتاء. وعلى المختار يجوز في ضميره التأنيث ملاحظة للجمعية والتذكير على الأصل وهو الأكثر ــ عرفت سقوطه مما قررناه سابقا عند قوله الكلم مبتدأ فلا تغفل. قوله: "وقيل جمع" رد بأن الغالب تذكيره والغالب على الجمع تأنيثه. وقوله: وقيل اسم جمع رد بأن له واحدا من لفظه والغالب على اسم الجمع خلافه. وقوله: فالمختار أنه اسم جنس جمعي الجمعي صفة لاسم لا لجنس على الصواب قاله يس. واعلم أن الجمع ما دل على آحاده دلالة تكرار الواحد بالعطف. واسم الجمع ما دل على آحاده دلالة الكل على أجزائه والغالب أن لا واحد له من لفظه كقوم ورهط وطائفة وجماعة وقد يكون كركب وصحب. واسم الجنس الإفرادي ما دل على الماهية لا بقيد قلة أو كثرة كماء وتراب والجمعي ما دل على أكثر من اثنين وفرق بينه وبين واحده بالتاء غالبا كتمر وكلم. قال اللقاني: اسم الجنس موضوع للماهية من حيث هي ولا يخفى أن ذلك مناف لكونه جميعا وجوابه ما في الرضي في باب الجمع من أنه وضع للماهية واستعمل في الجمع فهو اسم جنس وضعا جمعي استعمالا. قال الروداني لكن يلزم كونه مجازا دائما والظاهر أنه غير مجاز. وقد يقال أنه مستعمل في الجنس في ضمن أفراد كذا قيل. وفيه أنه لا يدفع التجوز لما قال المحققون من أن استعمال رجل في زيد إن كان من حيث الرجولية مع قطع النظر عن خصوص التشخص فحقيقة، وإن كان بملاحظة خصوصه فمجاز فالأولى التزام لزوم المجاز ولا ثلم فيه. ا. هـ. وأقول الأولى أن يقال إنه غلب استعماله في ثلاثة أفراد فأكثر حتى صار حقيقة عرفية في ذلك فاندفع التجوز من أصله. ولا يبعد حمل كلام الرضي على ما قلنا بأن يكون معنى قوله واستعمل في الجمع وغلب استعماله في الجمع بحيث صار حقيقة عرفية فيه فاحفظه. ثم أقول بقي أن تقسيم اسم الجنس إلى إفرادي وجمعي غير حاصر إذ منه ما ليس جمعيا ولا إفراديا كأسد ثم رأيت بعض المحققين زاده سماه أحاديا. قوله: "وقيل لا يقال" أي الكلم لأنه المحدث عنه لا مطلق اسم الجنس الجمعي. قوله: "أي يقال على الكثير والقليل" هذا بناء على أنه ما دل على الماهية من حيث هي وأما على أنه ما دل عليها بقيد الوحدة الشائعة فلا يستقيم إطلاقه على الكثير إلا من أل مثلا ولذا تدخل عليه مجردا عن الوحدة على هذا، قاله يس. قوله: "ويجوز في ضميره" أي الكلم لا مطلق اسم الجنس الجمعي لأن المحدث عنه الكلم ولأن من اسم الجنس الجمعي ما يجب تذكير ضميره كغنم وما يجب تأنيث ضميره كبط وما يجوز في ضميره الأمران كبقر وكلم وكذا اسم الجمع منه واجب التذكير كقوم ورهط وواجب التأنيث كإبل وخيل وجائز الأمرين كركب كذا قال أرباب الحواشي وفي غالبه خلاف

стр. 38

واحده كلمة والقول عم ... وكلمة بها كلام قد يؤم ــ نحو: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] وقد أنثه ابن معطي في ألفيته فقال: واحدها كلمة. وذكر الناظم فقال "واحدة كلمة" ونظير كلم وكلمة من المصنوعات لبن ولبنة، ومن المخلوقات نبق ونبقة. فاسم الجنس الجمعي هو الذي يفرق بينه وبين واحده بالتباء غالبًا بأن يكون واحده بالتاء غالبًا والاحتراز بغالبًا عما جاء منه على العكس من ذلك أن يكون بالتاء دالا على الجمعية وإذا تجرد منها يكون للواحد نحو كمء، وكمأة. وقد يفرق بينه وبين واحده بالياء نحو روم ورومي وزنج وزنجي. وحد الكلمة قول مفرد وتطلق في الاصطلاح مجازًا على أحد ــ نذكره إن شاء الله تعالى في باب العدد. قوله: "واحده كلمة" قال سم: أي واحد معنى الكلم يسمى كلمة. ا. هـ. ومراده بواحد معناه جزء ما صدق عليه ويصح أن يكون مراد المصنف بواحده مفرده الاصطلاحي كما مر. قوله: "ومن المخلوقات" أي ما ليس للعبد دخل فيه وإلا فالعبد وصنعته مخلوقان لله تعالى. قوله: "فاسم الجنس الجمعي" قال البعض تفريع على قول المصنف واحده كلمة هـ وفيه أنه لا تعرض في كلام المصنف لكون الكلم اسم جنس جميعا حتى يتفرع عليه أن اسم الجنس الجمعي يفرق إلخ فالوجه أنه تفريع على قول الشارح سابقا فالمختار أنه اسم جنس جمعي مع قول المصنف واحده كلمة، لكن ما سيذكره من الغلبة غير داخل في التفريع. ولكن أن تجعل الفاء فصيحة أي إذا أردت معرفة اسم الجنس الجمعي فاسم إلخ والجمعي صفة لاسم كما مر. قوله: "هو الذي يفرق إلخ" أي ولم يغلب تأنيثه ليخرج نحو تخم مما فرق بينه وبين واحده بالتاء وهو جمع. واعلم أن فرق بالتضعيف والتخفيف في الأجرام والمعاني وما نقل عن القرافي من تخصيص المضعف بالأجرام والمخفف بالمعاني لعله أريد به الأولوية لأن الفرق لما كان أظهر في الأجرام ناسبه التضعيف عكس المعاني وإلا فأهل اللغة متواطئون على أن مثل كسرته وكسرته في المعاني والأجرام مطلقا أفاده الروداني. فإن قلت يرد على التخصيص وإن حمل على الأولوية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم﴾ [الأنعام: ١٥٩] ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْر﴾ [البقرة: ٥٠] ، قلت أريد في الآية الأولى إفادة التكثير وإنما يؤتى بالمخفف إذا لم ترد تلك الإفادة، وفي الثانية لما كان الماء جسما لطيفا شفافا فهو كالمعاني أتى فيه بالمخفف. قوله: "والاحتراز بغالبا" أي الثانية وأما محترز غالبا الأولى فقد ذكره بقوله وقد يفرق إلخ. قوله: "وزنج" بكسر الزاي وفتحها طائفة من السودان. قوله: "قول" خبر عن حد وتطابقهما ظاهر. وقول البعض لم يؤنث الخبر مع أن شروط التطابق موجودة لكونه في الأصل مصدرا لا يثنى ولا يجمع وإن أريد به هنا المقول لأن اعتبار الأصل جائز في مثله إنما يستقيم لو قال الشارح: والكلمة قول مفرد لكنه لم يقل ذلك فليس بمستقيم. والتاء في الكلمة للوحدة الراجعة لوحدة الافراد بحيث لا تطلق الكلمة على قولين مفردين معا لا تنافي كلية الجنس المدلول عليه بأل الداخلة على المحدود. وزاد في التسهيل في حد الكلمة قيد الاستقلال لتخرج ألف المفاعلة وأحرف

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جزأي العلم المركب نحو امرئ القيس فمجموعهما كلمة حقيقة، وكل منهما كلمة مجازًا وفيها ثلاث لغات: كلمة على وزن نبقة وتجمع على كلم كنبق. وكلمة على وزن سدرة وتجمع على كلم كسدر. وكلمة على وزن تمرة وتجمع على كلم كتمر. وهذه اللغات في كل ما كان على وزن فعل ككبد وكتف. فإن كان وسطه حرف حلق جاز فيه رابعة وهي اتباع فائه لعينه في الكسر اسمًا كان نحو فخذ أو فعلا نحو شهد "والقول" وهو على الصحيح لفظ دال على معنى "عم" الكلام والكلم والكلمة عمومًا مطلقًا فكل ــ المضارعة وياء التصغير وياء النسب وتاء التأنيث. ونحو ذلك فإنها ليست بكلمات على مذهب المصنف، وذهب الرضي إلى أنها كلمات. قوله: "وتطلق في الاصطلاح مجازا" وكذا في اللغة. وخص الاصطلاح بالذكر لأنه أهم لأن وضع الكتاب لبيانه فسقط قول البعض الصواب إسقاط قوله في الاصطلاح لتوافق اللغة والاصطلاح في ذلك. والمجاز المذكور مرسل علاقته الكلية وما ذكره الشارح من أن هذا الإطلاق مجاز أحد قولين. والثاني أنه حقيقة عند النحاة وأن المفرد عندهم اللفظة الواحدة بدليل إعراب كل منهما بإعراب مستقل والإعراب إنما يكون على آخر الكلمة وأن تفسيره بما لا يدل جزؤه على جزء معناه اصطلاح المناطقة فذكره في العربية من خلط اصطلاح باصطلاح. قوله: "وتجمع" أي جمعا لغويا لا اصطلاحيا فلا ينافي ما سبق من اختياره أنه اسم جنس جمعي لا جمع. قوله: "كسدر" أي بسكون الدال وأما بفتحها كعنب فجمع لسدرة كقربة وقرب، وتجمع أيضا على سدور وسدرات بسكون الدال وكسرها للاتباع وفتحها للتخفيف كما في القاموس وغيره. قوله: "في كل ما كان على وزن فعل" أي من الأسماء فقط كما يشعر به التمثيل. وقوله فإن كان وسطه أي وسط ما كان على وزن فعل لا بقيد كونه من الأسماء فقط بدليل بقية كلامه. وقوله جاز فيه لغة رابعة أي زيادة على جواز الثلاثة فتجوز الأربعة فيما على وزن فعل ووسطه حرف حلق اسما كان أو فعلا، فتسمية اللغة الأخيرة رابعة ليست بالنسبة إلى الأسماء فقط وإن توهمه البعض، بل بالنسبة إلى الأفعال التي وسطها حرف حلق أيضا. قال السعد في شرح تصريف العزى في نحو نعم وشهد أربع لغات: كسر الفاء مع سكون العين، وكسرها وفتح الفاء مع سكون العين وكسرها وهذه اللغات جارية في كل اسم أو فعل على فعل مكسور العين وعينه حرف حلق. ا. هـ. ومثله للشارح في باب نعم وبئس فإن لم يكن وسط الفعل الذي على فعل حلقيا كعلم فليس فيه إلا فتح فائه وكسر عينه أو سكونها تخفيفا. قوله: "والقول" أي المقول. قوله: "على الصحيح" مقابله أربعة أقوال ذكر الشارح منها فيما يأتي قولين. والثالث أنه مرادف للكلمة. والرابع أنه مرادف للفظ حكاه السيوطي في جمع الجوامع. قوله: "لفظ دال" المراد باللفظ ما يشمل الحقيقي كالكلمات القرآنية لأنها ملفوظة بالفعل بالنسبة لغيره تعالى والحكمي كالضمير المستتر. والمراد بالدال ما يدل بالوضع الشخصي

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كلام أو كلم أو كلمة قول ولا عكس. أما كونه أعم من الكلام فلانطلاقه على المفيد وغيره والكلام مختص بالمفيد. وأما كونه أعم من الكلم فلانطلاقه على المفرد وعلى المركب من كلمتين وعلى المركب من أكثر والكلام مختص بهذا الثالث. وأما كونه أعم من الكلمة فلانطلاقه على المركب والمفرد وهي مختصة بالمفرد. وقيل: القوم عبارة عن اللفظ المركب المفيد فيكون مرادفًا للكلام. وقيل هو عبارة عن المركب خاصة مفيدًا كان أو غير مفيد فيكون أعم مطلقًا من الكلام والكلم ومباينًا للكلمة. وقد بان لك أن الكلام والكلم بينهما عمومًا وخصوص من وجه فالكلاتم أعم من جهة التركيب وأخص من ــ كزيد ورجل أو النوعي كالمركبات والمجازات. ومن هذا يعلم سقوط تشكيك صاحب التصريح المذكور في تصريحه فانظره. قوله: "على معنى" أي واحد أو أكثر فدخل المشترك. والمعنى مصدر ميمي بمعنى المفعول أي المقصود من اللفظ. قوله: "عم الكلام والكلم والكلمة عموما مطلقا" أي عم كلا من الثلاثة عموما مطلقا يجتمع مع كل وينفرد عنه لوضعه للقدر المشترك الشامل لها ولنحو غلام زيد. وليس مراده عم مجموع الثلاثة بدليل قوله عاطفا بأو فكل كلام أو كلم أو كلمة إلخ وبدليل قوله أما كونه إلخ. وحمل الشارح عم على أنه فعل ماض لتبادره وعدم إحواجه إلى تكلف وقرره على وجه يستفاد منه ما يستفاد على جعل عم أفعل تفضيل حذفت همزته ضرورة من كونه عم كلا منها وزاد بشموله نحو غلام زيد لحمله العموم على العموم المطلق فلم يكن جعله أفعل تفضيل أكثر فائدة من جعله فعلا هكذا ينبغي تقرير عبارة الشارح، وبه يعلم ما في كلام البعض فانظره. ومثل جعله أفعل تفضيل في البعد بل أبعد جعله اسم فاعل حذفت ألفه ضرورة. واعلم أن عم كغيره من الألفاظ المشددة الموقوف عليها في الشعر يجب تخفيفه لئلا يفسد الوزن. قوله: "ولا عكس" أي بالمعنى اللغوي. قوله: "وقد بان لك" أي من تعريف المصنف الكلام وتعريف الشارح الكلم بقوله سابقا بل هو مقول على كل ثلاث كلمات فصاعدا، وليس مراده بان لك من تكلم المصنف على الكلام والكلم إذ لا قرينة على هذه الإرادة. فسقط ما نقله البعض عن البهوتي وأقره من اعتراضه بقوله هذا أي قول الشارح وقد بان لك إلخ ظاهر أن أعرب الكلم مبتدأ خبره ما بعده لأنه حينئذٍ مستعمل في معناه الاصطلاحي وهو المركب من ثلاث كلمات فصاعدا، فإن أعرب مبتدأ خبره ما قبله كما مشى عليه الشارح أشكل لأنه حينئذٍ بمعنى الكلمات النحوية وهي الاسم والفعل والحرف. ا. هـ. مع أن دعواه ظهور ذلك البيان على جعل الكلم في عبارة المصنف بمعناه الاصطلاحي غير مسلمة لأن كون الكلام والكلم بينهما العموم من وجه إنما يتبين بتعريفهما لا بتعريف الكلام ومجرد أن واحد الكلم كلمة. ومع أن دعواه كون الكلم بمعنى الكلمات النحوية على إعرابه مبتدأ خبره ما قبله كما مشى عليه الشارح غير مسلمة أيضا لجواز كونه على هذا الإعراب بمعناه الاصطلاحي كما بيناه سابقا فتنبه ولا تكن أسير التقليد. قوله: "بينهما عموم وخصوص من وجه" الجار والمجرور راجع لكل من عموم
следующие страницы →