← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1153

الشرح الكبير على المقنع - ط المنار

ابن أبي عمر

Полный текст (7 422 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

تجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر بالنية بعيداً كان البلد أو قريباً، فيستقبل القبلة ويصلي عليه كصلاته على الحاضر، وسواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن وبهذا قال الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز، وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية كقولهما ليس من شرط الصلاة على الجنازة حضورها بدليل ما لو كان في البلد ولنا أن النبي ﷺ نعى النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه وصلى بهم بالمصلى فكبر عليه أربعاً متفق عليه. فإن قيل فيحتمل أن النبي ﷺ زويت له الأرض فأري الجنازة قلنا لم ينقل ذلك ولو كان لأخبر به ولنا الاقتداء بالنبي ﷺ ما لم يثبت ما يقتضي اختصاصه ولأن الميت مع البعد لا تجوز الصلاة عليه، وان رئي ثم لو اختصت الرؤية بالنبي ﷺ لا اختصت الصلاة به وقد صف النبي ﷺ أصحابه فصلى بهم، فإن قيل لم يكن بالحبشة من يصلي عليه. قلنا ليس هذا مذهبكم فانكم لا تجيزون الصلاة على الغريق والأسير، وإن كان لم يصلى عليه ولأن هذا بعيد لأن النجاشي كان ملك الحبشة وقد أظهر اسلامه فيبعد أنه لم يوافقه أحد يصلي عليه (فصل) فإن كان الميت في أحد جانبي البلد لم يصل عليه من في الجانب الآخر في أصح الوجهين اختاره ابو حفص البرمكي لأنه يمكنه الحضور للصلاة عليه أو على قبره أشبه ما لو كانا في جانب واحد والثاني يجوز كما لو كان في بلد آخر. وقد روي عن ابن حامد أنه صلى على ميت مات في أحد جانبي بغداد وهو في الآخر * (فصل) * وتتوقت الصلاة على الغائب بشهر كالصلاة عى القبر لأنه لا يعلم بقؤه من غير تلاش أكثر من ذلك، فعلى هذا قال ابن عقيل في أكيل السبع والمحترق بالنار يحتمل أن لا يصلى عليه لذهابه، ويصلى على الغريق اذا غرق قبل الغسل كالغائب البعيد لأن الغسل تعذر لمانع أشبه الحي إذا غجز عن الغسل والتيمم صلى على حسب حاله * (مسألة) * (ولا يصلى الإمام على الغال ولا من قتل نفسه) الغال هو الذي يكتم غنيمته أو بعضها ليأخذها لنفسه ويختص بها فهذا لا يصلى عليه الامام ولا على قاتل نفسه عمداً ويصلي عليهما سائر الناس نص على هذا أحمد: وقال عمر بن عبد العزيز والاوزاعي لا يصلى على قاتل نفسه بحال لأن من لا يصلي عليه الامام لا يصلى عليه غيره كشهيد المعركة، وقال عطاء والنخعي والشافعي يصلي الامام وغيره على جميع المسلمين لقول النبي ﷺ " صلوا على من قال لا إله إلا الله " رواه الحلال باسناده ولنا ما روى جابر بن سمرة أن النبي ﷺ جاؤه برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه

стр. 1157

رواه مسلم. وروى أبو داود نحوه، وعن زيد بن خالد الجهني قال: توفي رجل من جهينة يوم خيبر فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال " صلوا على صاحبكم " فتغيرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم قال " إن صاحبكم غل من الغنيمة " احتج به أحمد واختص الامتناع بالإمام لأن النبي ﷺ لما امتنع من الصلاة على الغال قال " صلوا على صاحبكم " وروي أنه أمر بالصلاة على قاتل نفسه، وكان ﷺ هو الامام فألحق به من ساواه في ذلك، ولا يلزم من ترك صلاة النبي ﷺ ترك صلاة غيره فانه كان في بدء الاسلام لا يصلى على من عليه دين لا وفاء له ويأمرهم بالصلاة عليه، فإن قيل هذا خاص بالنبي ﷺ لأن صلاته سكن. قلنا ما ثبت في حق النبي صلى الله عليه ثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه به دليل. فإن قيل فقد ترك النبي ﷺ الصلاة على من عليه دين. قلنا ثم صلى عليه بعد، فروى أبو هريرة أن النبي ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيقول " هل ترك لدينه من وفاء " فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا قال للمسلمين " صلوا على صاحبكم " فلما فتح الله الفتوح قام فقال " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين وترك ديناً علي قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته " قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ولولا النسخ كان كمسئلتنا، وهذه الأحاديث خاصة فيجب تقديمها على قوله " صلوا على من قال لا إله إلا الله " * (فصل) * قال أحمد: لا أشهد الجهمية ولا الرافضة ويشهده من شاء، قد ترك النبي ﷺ الصلاة على أقل من ذا: الدين والغلول وقاتل نفسه، وقال: لا يصلى على الواقفي " وقال أبو بكر بن عياش: لا أصلي على رافضي ولا حروري. وقال الفريابي: من شتم أبا بكر فهو كافر لا يصلى عليه. قيل له فكيف تصنع به وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال لا تمسوه بأيديكم ادفعوا بالخشب حتى تواروه. وقال أحمد: أهل البدع لا يعادون ان مرضوا، ولا تشهد جنائزهم ان ماتوا، وهو قول مالك. قال ابن عبد البر: وسائر العلماء يصلون على أهل البدع والخوارج وغيرهم لعموم قوله ﵇ " صلوا على من قال لا إله إلا الله " ولنا أن النبي ﷺ ترك الصلاة بأدون من هذا فأولى أن تترك الصلاة به، وروى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال " إن لكل أمة مجوساً وإن مجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم " رواه الإمام أحمد * (فصل) * ولا يصلى على أطفال المشركين لأن لهم حكم آبانهم الامن حكمنا بإسلامه بأن يسلم أحد أبويه أو يموت أو يسبى منفرداً من أبويه أو من أحدهما فانه يصلى عليه، وقال أبو ثور فيمن سبي مع أحد أبويه لا يصلى عليه حتى يختار الاسلام ولنا أنه محكوم باسلامه أشبه من سبي منفرداً منهما

стр. 1158

* (فصل) * ويصلى على سائر المسلمين أهل الكبائر والمرجوم في الزنا وغيرهم قال أحمد من استقبل قبلتنا وصلى صلاتنا نصلي عليه وندفنه ونصلي على ولد الزنا والزانية والذي يقاد منه في القصاص أو يقتل في حد. وسئل عمن لا يعطي زكاة ماله قال نصلي عليه ما نعلم أن النبي ﷺ ترك الصلاة على أحد إلا على قاتل نفسه والغال وهذا قول عطاء والنخعي والشافعي وأصحاب الرأي إلا أن أبا حنيفة قال لا يصلى على البغاة ولا على المحاربين لأنهم باينوا أهل الاسلام أشبهوا أهل دار الحرب وقال مالك لا يصلى على من قتل في حد لان أبا برزة الاسلمي قال لم يصل النبي ﷺ على ماعز بن مالك ولم ينه عن الصلاة عليه، رواه أبو داود ولنا قول النبي ﷺ " صلوا على من قال لا إله إلا الله " رواه الخلال وروي عن أبي شميلة، أن النبي ﷺ خرج إلى قباء فاستقبله رهط من الأنصار يحملون جنازة على باب فقال النبي ﷺ ما هذا؟ قالوا مملوك لآل فلان قال " أكان يشهد أن لا إله إلا الله " قالوا نعم ولكنه كان وكان فقال " أكان يصلي؟ " قالوا قد كان يصلي ويدع فقال لهم " ارجعوا به فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه وادفنوه والذي نفسي بيده لقد كادت الملائكة تحول بيني وبينه " وأما أهل الحرب فلا يصلى عليهم لكفرهم لا تقبل فيهم شفاعة ولا يستجاب فيهم دعاء وقد نهينا عن الاستغفار لهم، وأما ترك الصلاة على ماعز فيحتمل أن النبي ﷺ ترك الصلاة عليه لعذر بدليل أنه صلى على الغامدية فقال له عمر ترجمها وتصلي عليها فقال " لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم " كذلك رواه الأوزاعي وروى معمر وهشام أنه أمرهم بالصلاة عليها والله أعلم * (مسألة) * (وإن وجد بعض الميت غسل وصلي عليه وعنه لا يصلى على الجوارح) وهذا المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعي وعنه لا يصلى على الجوارح نقلها عنه ابن منصور قال الخلال ولعله قول قديم لأبي عبد الله والأول الذي استقر عليه قوله. وقال أبو حنيفة ومالك ان وجد الأكثر صلى عليه وإلا فلا لأنه بعض لا يزيد على النصف فلم يصل عليه كالذي بان في حياة صاحبه والشعر والظفر. ولنا إجماع الصحابة ﵃ قال أحمد صلى أبو أيوب على رجل وصلى عمر على عظام بالشام وصلى أبو عبيدة على رءوس بالشام رواهما عبد الله بن أحمد بإسناده وقال الشافعي القى طائر يداً بمكة من وقعة الجمل عرفت بالخاتم وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصلى عليها أهل مكة وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم نعرف من الصحابة مخالفاً في ذلك ولأنه بعض من جملة تجب الصلاة عليها فيصلى عليه كالاكثر وفارق مابان في الحياة لأنه من جملة لا يصلى عليها والشعر والظفر لا حياة فيه

стр. 1159

* (فصل) * وإن وجد الجزء بعد دفن الميت غسل وصلي عليه ودفن إلى جانب القبر أو نبش بعض القبر ودفن فيه ولا حاجة الى كشف الميت لأن ضرر نبش الميت وكشفه أعظم من الضرر بتفرقة أجزائه. * (مسألة) * (وإن اختلط من يصلي عليه بمن لا يصلى عليه صلي على الجميع ينوي من يصلي عليه) قال أحمد ويجعلهم بينه وبين القبلة ثم يصلي عليهم، وهذا قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة إن كان المسلمون أكثر صلي عليهم وإلا فلا لأن الاعتبار بالأكثر بدليل أن دار المسلمين الظاهر فيها الاسلام لكثرة المسلمين بها وعكسها دار الحرب لكثرة الكفار بها ولنا أنه أمكن الصلاة على المسلمين من غير ضرر فوجب كما لو كانوا أكثر ولأنه إذا جاز أن يقصد بصلاته ودعائه الأكثر جاز أن يقصد الأقل ويبطل ما قالوه بما اذا اختلطت أخته باجنبيات أو ميتة بمذكيات فانه يثبت الحكم للأقل دون الأكثر * (فصل) * وإن وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر؟ نظر إلى العلامات من الختان والثياب والخضاب فإن لم يكن عليه علامة وكان في دار الإسلام غسل وصلي عليه، وإن كان في دار الكفر لم يغسل ولم يصل عليه، نص عليه أحمد لأن الأصل أن من كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه دليل. * (مسألة) * (ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد إذا لم يخف تلويثه) وبهذا قال الشافعي وإسحق وأبو ثور وداود وكره ذلك مالك وأبو حنيفة لأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال " من صلى على جنازة في المسجد فلا شئ له " رواه أحمد في المسند ولنا ما روى مسلم وغيره عن عائشة ﵂ قالت ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن ييضاء إلا في المسجد، وروي سعيد قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه قال صلى علي أبي بكر في المسجد وقال حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال صلى علي عمر بالمسجد وهذا كان بمحضر من الصحابة ﵃ فلم ينكر فكان إجماعاً ولأنها صلاة فلم يمنع منها في المسجد كسائر الصلوات وحديثهم يرويه صالح مولى التؤمة وقد قال فيه ابن عبد البر: من أهل العلم من لا يحتج بحديثه أصلاً لضعفه، ومنهم من يقبل منه ما رواه عن ابن أبي ذئب خاصة ثم يحمل على من خيف منه الانفجار وتلويث المسجد. * (فصل) * فأما الصلاة على الجنازة في المقبرة ففيها روايتان إحداهما لا باس بها لأن النبي صلى

стр. 1160

صلى الله عليه وسلم صلى على قبر وهو في المقبرة، وقال ابن المنذر ذكر نافع أنه صلى على عائشة وأم سلمة وسط قبور البقيع، صلي على عائشة أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر وفعله عمر بن عبد العزيز والرواية الثانية يكره، روى ذلك عن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس وبه قال عطاء والنخعي والشافعي واسحق وابن المنذر لقول النبي ﷺ " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " ولأنه ليس بموضع للصلاة غير صلاة الجنازة فكرهت فيه صلاة الجنازة كالحمام * (مسألة) * (وإن لم يحضره إلا النساء صلين عليه) لأن عائشة ﵂ أمرت أن يؤتى بسعد بن أبي وقاص لتصلي عليه، ولأن الصلاة على الميت صلاة مشروعة فتشرع في حقهن كسائر الصلوات * (فصل في حمل الميت ودفنه) * * (مسألة) * (يستحب التربيع في حمله) ومعناه الخذ بقوائم السرير الأربع وهو سنة لقول ابن مسعود ﵁: إذا اتبع أحدكم جنازة فيأخذ بجوانب السرير الأربع ثم ليتطوع بعد أو ليذر فانه من السنة رواه سعيد في سننه وهذا يقتضي سنة النبي ﷺ . * (مسألة) * قال (وهو أن يضع قائمة السرير اليسرى المقدمة على كتفه اليمنى ثم ينتقل إلى المؤخرة ثم يضع قائمته اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى ثم ينتقل إلى المؤخرة) هذا صفة لتربيع في المشهور في المذهب اختاره الخرقي واليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وعن أحمد أنه يدور عليها فيأخذ بعد ياسرة المؤخرة يامنة المؤخرة ثم المقدمة وهو مذهب إسحق، روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير وأيوب ولأنه أخف، ووجه الأول أنه أحد الجانبين فينبغي أن يبدأ فيه بمقدمه كالأول. * (مسألة) * (وإن حمل بين العمودين فحسن) حكاه ابن المنذر عن عثمان وسعد بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير وقال به الشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر وكرهه النخعي والحسن وأبو حنيفة واسحق والصحيح الأول لأن الصحابة ﵃ فعلوه وفيهم أسوة حسنة وقال مالك ليس في حمل الميت توقيت يحمل من حيث شاء ونحوه قال الأوزاعي واتباع الصحابة ﵃ فيما فعلوه وقالوه أحسن * (مسألة) * (ويستحب الإسراع بها)

стр. 1161

لا نعلم فيه خلافاً بين الأئمة ﵏ وذلك لقول النبي ﷺ " أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم " متفق عليه واختلفوا في الاسراع المستحب فقال القاضي هو اسراع لا يخرج عن المشي المعتاد وهو قول الشافعي، وقال أصحاب الرأي يخب ويرمل، لما روى أبو داود عن عيبنة بن عبد الرحمن عن أبيه قال كنا في جنازة عثمان بن أبي العاص وكنا نمشي مشياً خفيفاً فلحقنا أبو بكر فرفع سوطه فقال لقد رأيثنا مع رسول الله ﷺ نرمل رملاً: ولنا ما روى أبو سعيد عن النبي ﷺ أنه مر عليه بجنازة تمخض مخضاً فقال " عليكم بالقصد في جنائزكم " رواه الإمام أحمد في المسند ولأن الاسراف في الاسراع يمخضها ويؤذي حامليها ومتبعيها ولا يؤمن على الميت، وقال ابن عباس في جنازة ميمونة لا تزلزلوا وارفقوا فانها أمكم * (فصل) * واتباع الجنائز سنة لقول البراء أمرنا النبي ﷺ باتباع الجنائز متفق عليه واتباع الجنائز على ثلاثة أضرب أحدها، أن يصلي عليها ثم ينصرف قال زيد بن ثابت اذا صليت فقد قضيت الذي عليك، وقال أبو داود رأيت أحمد ما لا أحصي صلى على جنائز ولم يتبعها الى القبر

стр. 1162

ولم يستأذن، الثاني أن يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن لقول رسول الله ﷺ " من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن فله قيراطان - قيل وما القيراطان؟ قال مثل الجبلين العظيمين " متفق عليه. الثالث: أن يقف بعد الدفن فيستغفر له ويسأل الله له التثبيت ويدعو له بالرحمة فإنه روى عن النبي ﷺ أنه كان إذا دفن ميتاً وقف فقال " استغفروا الله (١) واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسئل " رواه أبو داود، وروي عن ابن عمر أنه كان يقرأ عنده عند الدفن أول البقرة وخاتمتها ويستحب لمتبع الجنازة أن يكون متخشعاً متفكراً في حاله متعظاً بالموت وبما يصير اليه الميت، لا يتحدث بأحاديث الدنيا ولا يضحك، قال سعد بن معاذ ما تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هو مفعول بها ورأى بعض السلف رجلاً يضحك في جنازة فقال تضحك وأنت تتبع الجنازة لا كلمتك أبداً * (مسألة) * (ويستحب أن يكون المشاة أمامها والركبان خلفها) أكثر أهل العلم يرون الفضيلة للماشي أن يكون أمام الجنازة، روى ذلك عن ابي بكر وعمر وعثمان وابن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبي قتادة وأبي أسيد وشريح والقاسم بن محمد وسالم والزهري ومالك والشافعي. وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي المشي خلفها أفضل لما روى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال " الجنازة متبوعة ولا تتبع ليس منها من تقدمها " وقال علي ﵁: فضل الماشي خلف الجنازة على الماشي قدامها كفضل المكتوبة على التطوع سمعته من رسول

стр. 1163

الله ﷺ ، ولأنها متبوعة فيجب أن تقدم كالأمام في الصلاة. ولهذا قال في الحديث الصحيح " من تبع جنازة " ولنا ما روى ابن عمر قال رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، رواه أبو داود والترمذي وعن أنس نحوه رواه ابن ماجه قال إبن المنذر ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة، وقال أبو صالح كان أصحاب رسول الله ﷺ يمشون أمام الجنازة ولأنهم شفعاء له بدليل قوله ﵇ " ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة لهم يشفعون له إلا شفعوا فيه " رواه مسلم، والشفيع يتقدم المشفوع له، وحديث ابن مسعود يرويه أبو ماجد وهو مجهول، قيل ليحيى من أبو ماجد هذا؟ قال طائر طار قال الترمذي سمعت محمد بن اسماعيل يضعف هذا الحديث والحديث الآخر لم يذكره أصحاب السنن وقالوا هو ضعيف ثم نحمله على من تقدمها إلى موضع الصلاة أو الدفن ولم يكن معها وقياسهم يبطل بسنة الصبح والظهر فانها تابعة لهما وتتقدمهما في الوجود * (فصل) * ويكره الركوب في اتباع الجنائز لما روى ثوبان قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأى ناساً ركباناً فقال " ألا تستحون أن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب " رواه الترمذي. فان ركب فالسنة أن يكون خلف الجنازة، قال الخطابي: في الراكب لا أعلمهم اختلفوا

стр. 1164

في أنه يكون خلفها لقول النبي ﷺ " الراكب يمشي خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها " رواره أبوداد والترمذي، ولفظه " الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها. والطفل يصلى عليه " وقال هذا حديث صحيح ولأن سير الراكب أمامها يؤذي المشاة، فأما الركوب في الرجوع من الجنازة فلا بأس به. قال جابر بن سمرة: أن النبي ﷺ أتبع جنازة ابن الدحداح ماشياً ورجع على فرس، قال الترمذي هذا حديث صحيح * (فصل) * ويكره رفع الصوت عند الجنائز لنهي النبي ﷺ إن تتبع الجنائز بصوت، قال إبن المنذر: روينا عن قيس بن عباد أنه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند ثلاث: عند الجنائز، وعند الذكر، وعند القتال. وكره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن والنخعي وإمامنا وإسحق قول القائل خلف الجنازة استغفروا له. قال الأوزاعي بدعة. وقال سعيد بن المسيب في مرضه إياي وحاديهم هذا الذي يحدو لهم يقول استغفروا له غفر الله لكم. وقال فضيل بن عمرو بينا ابن عمر في جنازة إذ سمع قائلاً يقول: استغفروا له غفر الله لكم. فقال ابن عمر لا غفر الله لك. رواهما سعيد. قال أحمد ولا يقول خلف الجنازة سلم رحمك الله فانه بدعة،

стр. 1165

ولكن يقول بسم الله وعلى ملة رسول الله ويذكر الله اذا تناول السرير. ومس الجنازة بالأيدي أو الأكمام والمناديل محدث مكروه ولا يؤمن معه فساد الميت، وقد منع العلماء مس القبر فمس الجسد مع احتمال الأذى أولى بالمنع * (فصل) * ويكره اتباع الميت بنار، قال إبن المنذر: يكره ذلك كل من يحفظ عنه من أهل العلم روي عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن مغفل ومعقل بن يسار وأبي سعيد وعائشة وسعيد بن المسيب أنهم وصوا أن لا يتبعوا بنار، وروى ابن ماجة أن أبا موسى حين حضره الموت قال: لا تتبعوني بمجمر. قالوا له أو سمعت فيه شيئاً؟ قال نعم. من رسول الله ﷺ وروى أبو داود بإسناده أن النبي ﷺ قال " لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار " فان دفن ليلاً فاحتاجوا الى ضوء فلا بأس به إنما كره المجامر فيها البخور، وفي حديث عن النبي ﷺ أنه دخل قبراً ليلاً فأسرج له سراج، قال الترمذي هذا حديث حسن * (فصل) * ويكره اتباع النساء الجنائز لما روي عن أم عطية قالت: نهينا عن إتباع الجنائز ولم يعزم علينا متفق عليه. كره ذلك ابن مسعود وابن عمر وأبو أمامة وعائشة ومسروق والحسن والنخعي والاوزاعي وإسحق. وروي أن النبي ﷺ خرج فإذا نسوة جلوس، قال " ما يجلسكن؟ " قلن ننتظر الجنازة. قال " هل تغسلن " قلن لا. قال " هل تحملن " قلن لا. قال " هل تدلين فيمن

стр. 1166

يدلي " قلن: لا. قال " فارجعن مأزورات غير مأجورات " رواه ابن ماجه. وروي أن النبي ﷺ لقي فاطمة قال " ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ " قالت يا رسول الله أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به. قال لها رسول الله ﷺ " فلعلك بلغت معهم الكدى " قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر. قال " لو بلغت معهم الكدى " فذكر تشديدا رواه أبو داود * (فصل) * فإن كان مع الجنازة منكر يراه أو يسمعه، فإن قدر على انكاره وإزالته زاله، وإن لم

стр. 1167

يقدر على إزالته ففيه وجهان: أحدهما ينكره ويتبعها فيسقط فرضه بالإنكار ولا يترك حقاً لباطل، (والثاني) يرجع لأنه يؤدي إلى استماع محظور ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك

стр. 1168

* (مسألة) * (ولا يجلس من تبعها حتى توضع) وممن رأى أن لا يجلس حتى توضع عن أعناق الرجال الحسن بن علي وابن عمر وأبو هريرة

стр. 1169

وابن الزبير والنخعي والشعبي والاوزاعي واسحق، ووجه ذلك ما روى مسلم بإسناده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ " إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع " وقال الشافعي

стр. 1170

هذا منسوخ بقول علي قام رسول الله ﷺ ثم قعد رواه مسلم. قال إسحق معنى قول علي: كان النبي ﷺ إذا رأى الجنازة قام ثم ترك ذلك بعد. وعلى هذا التفسير لا يصح

стр. 1171

دعوى النسخ، وليس في اللفظ عموم فيعم الأمرين جميعاً فلم يجز النسخ بأمر محتمل ولأن قول علي قام رسول الله ﷺ ثم قعد يدل على ابتداء فعل القيام، وها هنا إنما وجدت منه الاستدامة إذ ثبت هذا فأظهر الروايتين أنه أريد وضعها عن أعناق الرجال وهو قول من ذكرنا من قبل.

стр. 1172

وقد روي الحديث " إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع بالأرض " ورواه أبو معاوية " حتى يوضع في اللحد " وحديث سفيان أصح.

стр. 1173

وأما من تقدم الجنازة فلا بأس أن يجلس قبل أن تنتهي اليه. قال الترمذي: روى عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يتقدمون الجنازة فيجلسون قبل أن تنتهي اليهم، واذا جاءت وهو جالس لم يقم لها لما يأتي بعد

стр. 1174

* (مسألة) * (وإن جاءت وهو جالس لم يقم لها لما ذكرنا من حديث علي وقد فسره اسحق بما حكينا) وقد روي عن أحمد أنه قال: ان قام لم أعبه وان قعد فلا بأس. وذكر ابن أبي موسى والقاضي

стр. 1175

ان القيام مستحب لأن النبي ﷺ قال " إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه " رواه مسلم. وقد ذكرنا أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك القيام لها

стр. 1176

والأخذ من آخر أمره أولى. وقد روي في حديث أن يهودياً رأى النبي ﷺ قام للجنازة

стр. 1177

فقال يا محمد: هكذا نصنع؟ فترك النبي ﷺ القيام لها

стр. 1178

* (مسألة) * (ويدخل قبره من عند رجل القبر ان كان أسهل عليهم) المستحب أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر ثم يسل سلا الى القبر روى ذلك عن ابن عمر وأنس وعبد الله بن يزيد الانصاري والنخعي والشعبي والشافعي. وقال أبو حنيفة توضع الجنازة على جانب القبر مما يلي القبلة ثم يدخل القبر معترضاً لأنه يروي عن علي ﵁، وقال النخعي حدثني من رأى أهل المدينة في الزمن الأول يدخلون موتاهم من قبل القبلة وان السل شئ أحدثه أهل المدينة ولنا أن الحارث أوصى أن يليه عند موته عبد الله بن يزيد الأنصاري فصلى عليه ثم دخل القبر فأدخله من رجلي القبر وقال هذه السنة وهذا يقتضي سنة رسول الله ﷺ رواه الإمام أحمد. وروى ابن عمر وابن عباس أن النبي ﷺ سل من قبل رأسه سلا، وما ذكر عن النخعي لا يصح لأن مذهبه بخلافه ولأنه لا يجوز على العدد الكثير أن يغيروا سنة إلا بسبب ظاهر أو سلطان قاهر ولم ينقل شئ من ذلك، ولو نقل فسنة النبي ﷺ مقدمة على فعل أهل المدينة فأما إن كان أخذه من قبل القبلة أو من رأس القبر أسهل عليهم فلا حرج فيه لأن استحباب أخذه من عند رجل القبر إنما كان طلباً للأسهل. قال أحمد كل لا بأس به * (فصل) * قال أحمد يعمق القبر الى الصدر الرجل والمرأة في ذلك سواء. كان الحسن

стр. 1179

وابن سيرين يستحبان ذلك، وروى سعيد بإسناده أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه أمرهم أن يحفروا قبره الى السرة ولا يعمقوا، فان ما على ظهر الأرض أفضل مما سفل منها. وذكر أبو الخطاب أنه يستحب أن يعمق قدر قامة وبسطة وهو قول الشافعي لأن النبي ﷺ قال " احفروا وأوسعوا وأعمقوا " رواه أبو داود ولأن ابن عمر أوصى بذلك. والمنصوص عن أحمد ما ذكرنا أولاً لأن التعميق قدر قامة وبسطة يشق ويخرج عن العادة وقوله ﷺ " أعمقوا " ليس فيه بيان قدر التعميق ولم يصح ما رووه عن ابن عمر، ولو صح عند أحمد لم يعده إلى غيره. إذا ثبت هذا فانه يستحب تحسينه وتعميقه وتوسيعه للخبر. وقد روى زيد بن أسلم قال: وقف رسول الله ﷺ على قبر فقال اصنعوا كذا اصنعوا كذا ثم قال: " ما بي أن يكون يغني عنه شيئاً، ولكن الله يحب إذا عمل العمل أن يحكم " قال معمر وبلغني أنه قال " ولكنه أطيب لأنفس أهله " رواه عبد الرزاق في كتاب الجنائز * (مسألة) * قال (ولا، يسجى القبر إلا أن يكون لامرأة) قال الشيخ ﵀ لا نعلم في استحباب تغطية قبر المرأة خلافا بين أهل العلم، وقد روى ابن سيرين أن عمر قال يغطى قبر المرأة، ومن علي ﵁ بقوم قد دفنوا ميتاً وبسطوا على قبره الثوب فجذبه وقال: انما يصنع هذا بالنساء ولأن المرأة عورة ولا يؤمن أن يبدو منها شئ فيراه الحاضرون فأما قبر للرجل فيكره ستره لما ذكرنا وكرهه عبد الله بن يزيد ولم يكرهه أصحاب الرأي وأبو ثور والأول أولى لأن فعل علي يدل على كراهته ولأن كشفه أمكن وأبعد من التشبه بالنساء مع ما فيه من اتباع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1180

* (مسألة) * (ويلحد له لحداً وينصب عليه اللبن نصباً) لقول سعد بن أبي وقاص: ألحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً كما صنع برسول الله ﷺ رواه مسلم. ومعنى اللحد أنه إذا بلغ أرض القبر حفر فيه مما يلي القبلة مكاناً يوضع فيه الميت، فإن كانت الأرض رخوة جعل له شبه اللحد من الحجارة. قال أحمد ولا أحب الشق لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال " اللحد لنا والشق لغيرنا " رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال غريب، فإن عجز عن اللحد شق له في الارض، ومعنى الشق أن يحفر في أرض القبر شقاً يضع الميت فيه ويسقفه عليه بشئ

стр. 1181

* (مسألة) * (ولا يدخل القبر خشباً ولا شيئاً مسته النار) قال ابراهيم كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب، ولا يستحب الدفن في تابوت لأنه خشب ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وفيه تشبه بأهل الدنيا والأرض أنشف لفضلاته، ويكره الآجر وسائر ما مسته النار تفاؤلاً أن لا تمسه النار * (مسألة) * (ويقول الذي يدخله بسم الله وعلى ملة رسول الله) لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر قال " بسم الله وعلى ملة رسول الله " وروي " في سبيل الله وعلى سنة رسول الله " قال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وروى ابن ماجة عن سعيد بن المسيب قال: حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال " بسم الله وعلى ملة رسول الله " فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال " اللهم أجرها من الشيطان ومن عذاب القبر، اللهم جافي الأرض عن جنبيها، وصعد روحها، ولقها منك رضوانا " قلت يا ابن عمر أشئ سمعته من رسول الله ﷺ أم قلته برأيك؟ قال إني إذا لقادر على القول بل سمعته من رسول الله ﷺ روي عن عمر أنه كان إذا سوى على الميت قال: الله اسلمه إليك الأهل والمال والعشيرة وذنبه عظيم وفاغفر له. رواه ابن المنذر

стр. 1182

* (فصل) * وإذا مات في سفينة في البحر فقال أحمد ينتظر به إن كانوا يرجون أن يجدوا له موضعاً يدفنونه حبسوه يوماً أو يومين ما لم يخافوا عليه، فإن لم يجدوا غسل وكفن وحنط ويصلى عليه ويثقل بشئ ويلقى في الماء. وهذا قول عطاء. قال الحسن: يترك في زنبيل ويلقى في البحر. وقال الشافعي يربط بين لوحين ليحمله البحر الى الساحل فربما وقع الى قوم يدفنونه، وإن ألقوه في البحر لم يأثموا، والأول أولى لأنه يحصل به الستر المقصود من دفنه، وإلقاؤه بين لوحين يعرض له التغير والهتك وربما بقي على الساحل مهتوكاً عرياناً وربما وقع الى قوم من المشريكين فكان ما ذكرنا أولى * (مسألة) * (ويضعه في لحده وعلى جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه) لقول النبي ﷺ " إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه " ويستحب أن يضع تحت رأسه لبنة أو حجراً أو شيئاً مرتفعاً كما يصنع الحي وإن تركه فلا بأس لأن عمر ﵁ قال: اذا جعلتموني في اللحد فافضوا بخدي الى الأرض. ويدنى من الحائط لئلا ينكب على وجهه، ويسند من ورائه بتراب لئلا ينقلب. قال احمد ما أحب أن يجعل في القبر مضربة ولا مخدة وقد جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء فان جعلوا قطيفة فلعلة، فإذا فرغوا نصبوا عليه للبن نصبا لما ذكرنا من حديث سعد ويسد عليه بالطين لئلا يصل اليه التراب وإن جعل مكان اللبن قصباً فحسن لأن الشعبي قال جعل على لحد النبي ﷺ طن قصب. قال الخلال

стр. 1183

كان أبو عبد الله يميل الى اللبن ويختاره على القصب ثم ترك ذلك ومال الى استحباب القصب على اللبن وأما الخشب فكرهه على كل حال ورخص فيه الضرورة قال شيخنا: وأكثر الروايات عن أحمد استحباب اللبن وتقديمه على القصب لحديث سعد وقوله أولى من قول الشعبي لأن الشعبي لم ير ولم يحضر وكلاهما حسن. قال حنبل: قلت لأحمد فإن لم يكن لبن قال ينصب عليه القصب والحشيش وما أمكن من ذلك * (مسألة) * (ويحثو (١) التراب في القبر ثلاث حثيات ويهال عليه التراب) روي عن أبي عبد الله أنه حضر جنازة فلما ألقي عليها التراب قام إلى القبر فحثى عليه ثلاث حثيات ثم رجع إلى مكانه وقال: قد جاء عن علي وصح أنه حثى على قبر ابن المكفف وروي عنه أنه قال: إن فعل فحسن وإن لم يفعل فلا بأس، ووجه استحبابه ما روي أن النبي ﷺ صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت من قبل رأسه فحثى عليه ثلاثا أخرجه ابن ماجة. وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعاً رواه الشافعي. وعن ابن عباس أنه لما

стр. 1184

دفن زيد بن ثابت حثي في قبره ثلاثا وقال هكذا يذهب العلم، فإذا فرغ من لحده أهال عليه التراب لأن دفنه واجب وذلك يحصل باهالة التراب عليه * (فصل) ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً. ويستحب رفع القبر عن الأرض ليعرف أنه قبر فيتوفى ويترحم على صاحبه. وقد روى الساجي عن جابر أن النبي ﷺ رفع قبره عن الأرض قدر شبر، وروى القاسم بن محمد قال: قلت لعائشة يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء رواه أبو داود. ولا يستحب رفعه أكثر من ذلك لما ذكرنا ولقول النبي ﷺ لعلي " لا تدع تمالا إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته " رواه مسلم وغيره، والمشرف ما رفع كثيراً بدليل قول القاسم في صفة قبر النبي ﷺ وصاحبيه لا مشرفة ولا لاطئة. ولا يستحب

стр. 1185

رفع القبر بأكثر من ترابه نص عليه أحمد ورواه عن عقبة بن عامر. وروى الحلال باسناده عن جابر قال نهى رسول الله ﷺ أن يزاد على القبر على حفرته (فصل) وتسنيم القبر أفضل من تسطيحه وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري، وقال الشافعي تسطيحه أفضل، قال: وبلغنا أن النبي ﷺ سطح قبر ابنه ابراهيم. وعن القاسم قال: رأيت قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر مسطح ولنا ما روى سفيان التمار قال: رأيت قبر النبي ﷺ مسنماً رواه البخاري، وعن الحسن مثله ولأن التسطيح أشبه بأبنية أهل الدنيا وهو أشبه بشعار أ؟ ل البدع فكان مكروهاً وحديثنا أثبت من حديثهم وأصح فكان أولى * (مسألة) * (ويرش عليه الماء ليتلبد ترابه) قال أبو رافع: سل رسول الله ﷺ سعداً ورش على قبر: ماء رواه ابن ماجه، وعن جابر: أن النبي ﷺ رش على قبره ماء رواه الخلال

стр. 1186

(فصل) ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة يعرفه بها نص عليه أحمد لما روى أبو داود بإسناده عن عبد المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازة فدفن أمر النبي ﷺ أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله، فقام رسول الله ﷺ فحسر عن ذراعيه ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال " أعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهله " ورواه ابن ماجة عنه ﵇ من رواية أنس (فصل) فأما التلقين بعد الدفن فقال شيخنا: فلم نسمع فيه عن احمد شيئاً، ولا أعلم فيه للأئمة قولاً سوى ما رواه الأثرم قال: قلت لأبي عبد الله فهذا الذي يصنعون اذا دفن الميت يقف الرجل فيقول يا فلان ابن فلان اذكر ما فارقت عليه: شهادة ان لا إله إلا الله؟ فقال ما رأيت أحداً فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء انسان فقال ذلك. قال وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه. وقال القاضي وابو الخطاب يستحب ذلك ورويا فيه عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال " إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم

стр. 1187

عند رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة؟ فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل يا فلان بن فلانة الثانية، فيستوي قاعداً، ثم ليقل يا فلان بن فلانة؟ فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تسمعون. فيقول اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة ان لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماما. فإن منكراً ونكيراً يتأخر كل واحد منهما فيقول: انطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته. ويكون الله تعالى حجته دونهما " فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه؟ قال " فلينسبه إلى حواء " رواه ابن شاهين باسناده في كتاب ذكر الموت * (مسألة) * (ولا بأس بتطيينه) وممن رخص في ذلك الحسن والشافعي، وروى أحمد بإسناده عن نافع قال: توفي ابن لعبد الله ابن عمر وهو غائب فقدم فسألنا عنه فدللناه عليه فكان يتعاهد القبر ويأمر بإصلاحه. وقال ابن عقيل روي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ رفع قبره من الأرض شبراً، وطين بطين أحمر من العرصة، وجعل عليه من الحصباء. وان تركه كان حسناً لما روى الحسن عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " لا يزال الميت يسمع الأذان ما لم يطين قبره " أو قال " ما لم يطو قبره "

стр. 1188

* (مسألة) * (ويكره تجصيصه والبناء عليه والجلوس والوطئ عليه والاتكاء اليه والكتابة عليه) لما روى جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن نجصص القبر وأن نبني عليه وأن نقعد عليه رواه مسلم والترمذي، وزاد وأن يكتب عليها وقال حديث حسن صحيح، ولأن ذلك من زينة الدنيا فلا حاجة بالميت اليه، وكره أحمد أن يضرب على القبر فسطاط لأن أبا هريرة أوصى حين حضره الموت أن لا تضربوا علي فسطاطاً، وروى أبو مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها " رواه مسلم. وقال الخطابي ثبت أن النبي ﷺ نهى أن توطأ القبور. قال: وروي أن النبي ﷺ رأى رجلاً قد اتكأ على قبر فقال " لا تؤذ صاحب القبر " وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس عى قبر مسلم " رواه مسلم. ويكره التغوط بين القبور لما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ " لأن أطأ على جمرة أو سيف أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق " رواه الخلال وابن ماجة (فصل) ولا يجوز اتخاذ السرج على القبور لقول النبي ﷺ " لعن الله زوارات القبور والمتخذات عليها المساجد والسرج " رواه أبو داود والنسائي بمعناه، ولو أبيح لم يلعن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1189

من فعله، ولأن فيه تضييعاً للمال في غير فائدة، ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر ولأن النبي ﷺ قال " لعن الله اليهود إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر مثل ما صنعوا متفق عليه ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها. وقد روي أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها (فصل) ويستحب خلع النعال لمن دخل المقابر لما روى بشير بن الخصاصية قال: بينا أنا أماشي رسول الله ﷺ إذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال له " يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتك " فنظر الرجل فلما عرف رسول الله ﷺ خلعها فرمى بهما رواه أبو داود. قال أحمد إسناده جيد اذهب الأمر عليه!! وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأساً. قال جرير بن حازم: رأيت الحسن وابن سيرين يمشيان بين القبور بنعالهما. ومنهم من احتج بقول النبي ﷺ في الميت اذا دفن وتولى عنه أصحابه أنه يسمع قرع نعالهم رواه البخاري. وقال الخطابي: يشبه أن يكون النبي ﷺ إنما كره للرجل المشي في نعليه لما فيه من الخيلاء فان نعال السبت من لباس أهل التنعم، قال عنترة * يحذى نعال السبت ليس بتوأم * ولنا أمره ﵇ في الحديث المتقدم، وأدنى أحوال الأمر الندب، ولأن خلع النعلين أقرب الى الخشوع وزي أهل التواضع واحترام أموات المسلمين. وإخبار النبي ﷺ إن الميت يسمع قرع نعالهم لا ينفي الكراهة إنما يدل على وقوع هذا منهم ولا نزاع فيه. فأما إن كان للماشي عذر يمنعه من الخلع من شوك يخاف منه على قدميه، أو نجاسة تمسهما لم يكره المشي فيهما لأن العذر يمنع الوجوب في بعض الأحوال فالاستحباب أولى، ولا يدخل في الاستحباب نزع الخفاف لأنه يشق

стр. 1190

وقد روي عن أحمد أنه كان إذا أراد أن يخرج إلى الجنازة لبس خفيه مع أمره بخلع النعال، فأما غير النعال مما يلبس كالتمشكات وغيرها ففيه وجهان: أحدهما يخلع قياساً على النعال، والثاني ان الكراهة لا تتعدى النعال ذكره القاضي لأن النهي غير معلل فلا يتعدى محله (فصل) والدفن في مقابر المسلمين أعجب إلى أبي عبد الله من الدفن في البيوت لأنه أقل ضررا على الأحياء من الورثة، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحاري. فأما النبي ﷺ فإنما قبر في بيته قالت عائشة: لئلا يتخذ قبره مسجداً رواه البخاري ولأنه ﷺ كان يدفن أصحابه بالبقيع وفعله أولى من فعل غيره وانما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك، ولأنه روي يدفن الانبياء حيث يموتون، وصيانة له عن كثرة الطراق، وتمييزاً له عن غيره ﷺ (فصل) ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة فقد روي في البخاري ومسلم إن موسى ﵇ لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه الى الأرض المقدسة رمية بحجر (فصل) وجمع الأقارب في الدفن حسن لقول النبي ﷺ حين حضر عثمان بن مظعون " ادفن إليه من مات من أهله " ولأنه أسهل لزيارتهم وأكثر للترحم عليهم، ويسن تقديم الأب ثم من يليه في السن والفضيلة اذا أمكن (فصل) ويستحب دفن الشهيد حيث قتل. قال أحمد: أما القتلى فعلى حديث جابر أن النبي ﷺ قال " ادفنوا القتلى في مصارعهم " وروى ابن ماجة أن النبي ﷺ أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم ولا ينقل الميت من بلد إلى آخر إلا لغرض صحيح وهذا قول الأوزاعي وابن المنذر.

стр. 1191

قال عبد الله بن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشة فحمل الى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت الا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك، ولان ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغيير، فأما إن كان فيه غرض صحيح جاز. قال احمد: ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلدة الى بلدة أخرى بأساً. وسئل الزهري عن ذلك فقال: قد حمل سعد ابن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق الى المدينة. وقال ابن عيينة: مات ابن عمر هاهنا فأوصى أن لا يدفن هاهنا وأن يدفن بسرف (فصل) واذا تنازع اثنان من الورثة فقال أحدهما يدفن في المقبرة المسبلة وقال الآخر يدفن في ملكه دفن في المسبلة لأنه لامنة فيها وهو أقل ضرراً على الورثة، فإن تشاحا في الكفن قدم قول من قال نكفنه من ملكه لأن ضرره على الوارث بلحوق المنة وتكفينه من ماله قليل الضرر: وسئل أحمد عن الرجل يوصي أن يدفن في داره؟ قال: يدفن في المقابر مع المسلمين وان دفن بداره أضر بالورثة، وقال لا بأس ان يشتري الرجل موضع قبره ويوصي أن يدفن فيه، فعل ذلك عثمان وعائشة وعمر بن عبد العزيز ﵃، واذا تشاح اثنان في الدفن في المقبرة المسبلة قدم أسبقهما كما لو تنازعا في مقاعد الأسواق ورحاب المساجد، فان تساويا أقرع بينهما

стр. 1192

(فصل) واذا تيقن أن الميت قد بلي وصار رميماً جاز نبش قبره ودفن غيره فيه، وإن شك في

стр. 1193

ذلك رجع إلى قول أهل الخبرة، فإن حفر فوجد فيها عظاماً دفنها وحفر في مكان آخر نص عليه،

стр. 1194

واستدل بأن كسر عظم الميت ككسره وهو حي. وسئل أحمد عن الميت يخرج من قبره الى غيره؟ فقال:

стр. 1195

إذا كان شئ يؤذيه، قد حول طلحة وحولت عائشة. وسئل عن قوم دفنوا في بساتين ومواضع رديئة؟
следующие страницы →