Полный текст (7 422 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
خمر لم يقبل وإن فسره بكلب أو حد قذف فعلى وجهين) متى فسر المقر إقراره بما يتمول عادة قبل تفسيره ويثبت إلا أن يكذبه المقر له ويدعي جنسا آخر أولا يدعي شيئاً فيبطل إقراره، وإن فسره بمالا يتمول عادة كقشر جوزة أو قشر باذنجانة لم يقبل تفسيره لأن إقراره اعترف بحق عليه ثابت في ذمته وهذا لا يثبت في الذمة وكذلك أن فسره بما ليس بمال في الشرع كالخمر والميتة، وإن فسره بكلب لا يجوز اقتناؤه فكذلك، وإن فسره بكلب يجوز اقتناؤه أو جلد ميتة غير مدبوغ ففيه وجهان (أحدهما) يقبل لأنه شئ يجب رده وتسليمه إليه فالإيجاب يتناوله (والثاني) لا يقبل لأن الإقرار إخبار عما يجب ضمانه وهذا لا يجب ضمانه، وإن فسره بحبة حنطة أو شعير ونحوها لم يقبل لأنه هذا لا يتمول عادة على انفراده، وإن فسره بحد قذف قبل لأنه حق يجب عليه وفيه وجه آخر أنه لا يقبل لأنه لا يؤول إلى مال والأول أصح لأن ما يثبت في الذمة يصح أن يقال هو علي ويصح تفسيره بحق شفعة لأنه حق واجب ويؤول إلى المال وإن فسره برد السلام أو تشميت العاطس ونحوه لم يقبل لأنه يسقط بفواته ولا يثبت في الذمة وهذا الإقرار يدل على ثبوت الحق في الذمة ويحتمل أن يقبل تفسيره إذا أراد حقاً علي رد سلامه إذا سلم وتشميته إذا عطس لما روي في الخبر (للمسلم على المسلم ثلاثون حقاً يرد سلامه ويشمت عطسته ويجب دعوته) (مسألة) (وإن قال غصبت منه شيئاً ثم فسره بنفسه أو ولده لم يقبل) لأن الغصب لا يثبت عليه
стр. 2977
وإن أراد اني حبستك وسجنتك قبل ذكره في المحرر وإن فسره بما ليس بمال مما ينتفع به قبل لأن الغصب يشتمل عليه كالكلب وجلد الميتة لأنه قد يقهره عليه، وإن فسره بمالا نفع فيه أو مالا يباح الانتفاع به لم يقبل لأن أخذ ذلك ليس بغصب وهذا الذي ذكرناه في هذا الباب أكثره مذهب
الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يقبل تفسير إقراره بغير المكيل والموزن لأن غيرهما لا يثبت في الذمة بنفسه.
ولنا أنه مملوك يدخل تحت العقد فجازأن يفسر به الشئ في الإقرار كالمكيل والموزون ولأنه يثبت في الذمة في الجملة فصح التفسير به كالمكيل ولا عبرة بسبب ثبوته في الإخبار به والإخبار عنه (فصل) تقبل الشهادة على الإقرار بالمجهول لأن الإقرار به صحيح وما كان صحيحاً في نفسه صحت الشهادة به كالمعلوم (مسألة) (وإن قال له على مال عظيم أو خطير أو كثير أو جليل قبل تفسيره بالكثير والقليل) كما لو قال له على مال ولم يصفه وهذا قول الشافعي وحكي عن أبي حنيفة لا يقبل تفسيره بأقل من عشرة لأن يقطع به السارق ويكون صداقاً عنده وعنه لا يقبل أقل من مائتي درهم وبه قال صاحباه لأنه الذي تجب فيه الزكاة وقال بعض أصحاب مالك كقولهم في المال ومنهم من قال يزيد على ذلك أقل زيادة منهم من قال قدر الدية وقال الليث بن سعد اثنان وسبعون لأن الله قال
стр. 2978
(لقد نصر كم الله في مواطن كثيرة) وكانت غزواته وسراياه اثنتين وسبعين قالوا ولأن الحبة لا تسمى مالا عظيما ولا كثيراً ولنا أن العظيم والكثير لاحد له في الشرع ولا اللغة ولا العرف ويختلف الناس فيه فمنهم من يستعظم القليل ومنهم من يستعظم الكثير ومنهم من يحتقر الكثير فلم يلبث في ذلك حد يرجع في تفسيره إليه ولأنه ما من مال إلا وهو عظيم كثير بالنسبة إلى ما دونه ويحتمل أنه أراد عظيماً لفقر نفسه ودناءتها وأما ما ذكروه فليس فيه تحديد الكثير وكون ما ذكروه كثيرا لايمنع الكثرة فيما دونه وقد قال الله تعالى (واذكروا الله كثيرا) فلم ينصرف إلى ذلك وقال تعالى كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة فلم يحمل على ذلك والحكم فيما إذا قال عظيم جداً أو عظيم كما لو لم يقله لما قررناه (فصل) وإن أقر بمال قبل تفسيره بالقليل والكثير كالمسألة قبل هذا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقبل تفسيره بغير المال الزكوي لقول الله سبحانه (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم
وتزكيهم بها) وقوله (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) وحكى بعض أصحاب مالك عنه ثلاثة أوجه الأول كقولنا والثاني لا يقبل الافي أول نصاب من نصب الزكاة من نوع أموالهم والثالث ما يقطع به السارق ويصح مهراً لقول الله تعالى (لن تبتغوا بأموالكم)
стр. 2979
ولنا أن غير ما ذكروه يقع عليه اسم المال حقيقة وعرفاً ويتمول عادة فيقبل تفسيره به كالذي وافقوا عليه وأما آية الزكاة فقد دخلها التخصيص وقوله تعالى (في أموالهم حق) لم يرد بها الزكاة لأنها نزلت بمكة قبل قرض الزكاة فلا حجة لهم فيها ثم يرد قوله تعالى (أن تبتغوا بأموالكم) والترويج جائز بأي نوع كان من المال وبما دون النصاب (مسألة) (وإن قال له علي دراهم كثيرة قبل تفسيره بثلاثة فصاعداً) أما إذا قال له علي دراهم لزمه ثلاثة لأنها أقل الجمع، وإن قال له دراهم كثيرة أو وافرة أو عظيمة لزمته ثلاثة أيضاً وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقبل تفسيره بأقل من عشرة لأنها أقل جمع الكثرة وقال أبو يوسف لا يقبل أقل من مائتين لأن بها يحصل الغنى وتجب الزكاة ولنا أن الكثرة والعظمة لا حد لها شرعاً ولا لغة ولاعرفا وتختلف بالأوصاف وأحوال الناس فالثلاثة أكثر مما دونها وأقل مما فوقها ومن الناس من يستعظم اليسير ومنهم من لا يستعظم الكثير ويحتمل أن المقر أراد كثيرة بالنسبة إلى ما دونها أو كبيرة في نفسه فلا تجب الزدياة بالاحتمال (مسألة) (وإن قال له علي كذا درهم أو كذا وكذا درهم أو كذا كذا درهم بالرفع لزمه درهم) لأن تقديره شئ هو درهم وإن قال بالخفض لزمه بعض درهم لأن كذا يحتمل أن يكون جزءاً
стр. 2980
مضافاً إلى درهم ويرجع في تفسيره إليه إذا فسره بذلك لأنه محتمل (مسألة) (وإن قال كذا درهما بالنصب لزمه درهم) ويكون منصوباً على التمييز (مسألة) (وإن قال كذا وكذا درهما بالنصب فقال ابن حامد والقاضي يلزمه درهم) لأن الدرهم الواحد يجوز أن يكون تفسيراً لشيئين كل واحد بعض درهم (وقال أبو الحسن التميمي يلزمه درهمان) لأنه
ذكر جملتين فسرهما بدرهم فيعود التفسير إلى كل واحدة منهما (كقوله عشرون درهماً) إذا قال كذا ففيه ثلاث مسائل (أحدها) أن يقول كذا بغير تكرير ولا عطف (الثانية) أن يكرر بغير عطف (الثالثة) أن يعطف فيقول كذا وكذا: فأما الأولى فإذا قال له على كذا درهم لم يخل من أربعة أحوال (أحدها) أن يقول له علي كذا درهم بالرفع فيلزمه درهم وتقديره شئ هو درهم فجعل الدرهم بدلامن كذا (الثاني) أن يقول درهم بالجر فيلزمه جزء درهم يرجع في تفسيره إليه والتقدير جزء درهم أو يعض درهم ويكون كذا كناية عنه (الثالث) أن يقول درهما بالنصف فيلزمه درهم ويكون منصوباً على التفسير وهو التمييز وقال بعض النحويين هو منصوب علي القطع كأنه قطع ما ابتدأ به وأقر بدرهم وهذا على قول الكوفيين (الرابع) أن يذكره بالوقف فيقبل تفسيره بجزء درهم أيضاً لأنه يجوز أن يكون أسقط حركة
стр. 2981
الجر للوقف وهذا مذهب الشافعي وقال القاضي يلزمه درهم في الحالات كلها وهو قول بعض أصحاب الشافعي.
ولنا أن كذا اسم مبهم فصح تفسيره بجزء درهم في حال الجر والوقف (المسألة الثانية) (إذا قال كذا كذا بغير عطف فالحكم فيها كالحكم في كذا بغير تكرير سواء) لا يتغير ولا يقتضي تكريره الزيادة كأنه قال شئ مشئ ولأنه إذا قاله بالجر احتمل أن يكون قد أضاف جزءاً إلى جزء ثم أضاف الجزء الأخير إلى الدرهم فقال نصف سبع درهم وهكذا لو قال كذا كذا لأنه يحتمل أن يرد ثلث خمس تسع درهم ونحوه (المسألة الثالثة) (إذا عطف فقال كذاوكذا درهم بالرفع لزمه درهم واحد) لأنه ذكر شيئين ثم أبدل منهما درهماً فصار كأنه قال هما درهم، وإن قال درهماً بالنصب ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) يلزمه درهم واحد وهو قول أبي عبد الله بن حامد والقاضي لأن كذا يحتمل أقل من درهم فإذا عطف عليه مثله ثم فسرهما بدرهم واحد جاز وكان كلاماً صحيحاً وهذا يحكي قولاً للشافعي (الثاني) يلزمه درهمان وهو اختيار أبي الحسن التميمي لأنه ذكر جملتين فإذا فسر ذلك بدرهم عاد التفسير إلى كل واحد كقوله عشرون درهماً يعود النفسير إلى العشرين كذا ههنا وهذا يحكي قولا ثابنا للشافعي (الثالث) يلزمه أكثر من درهم ولعله
ذهب إلى أن الدرهم تفسير للجملة التي تليه فيلزمه بها درهم والأولى باقية على إبهامها فيرجع في تفسيرها إليه وهذا يشبه قول التميمي، وقال محمد بن الحسن إذا قال كذا درهماً لزمه عشرون درهماً لأنه أقل
стр. 2982
عدداً يفسر بالواحد المنصوب، وإن قال كذا كذا درهماً لزمه أحد عشر درهماً لأنه أقل عدد مركب يفسر بالواحد المنصوب، وإن قال كذا وكذا رهما لزمه أحد وعشرون درهماً لأنه أقل عدد عطف بعضه على بعض يفسر بذلك وإن قال كذا درهم بالجر لزمه مائة لأنه أقل عدد يضاف إلى الواحد وحكي عن أبي يوسف أنه قال كذا كذا أو كذا وكذا يلزمه بهما أحد عشر درهماً ولنا أنه يحتمل ما قلنا ويحتمل ما قالوا فوجب المصير إلى ما قلنا لأنه اليقين وما زاد مشكوك فيه فلا يجب بالشك كما لو قال علي دراهم لم يلزمه إلا أقل الجمع ولا يلزم كثرة الاستعمال فإن اللفظ إذا كان حقيقة في الأمرين جاز التفسير بكل واحد منهما، وعلى ما ذكره محمد يكون اللفظ المفرد يوجب أكثر من المكرر فإنه يجب بالمفرد عشرون وبالمركب أحد عشر ولا نعرف لفظاً مفرداً متناولاً لعدد صحيح يلزم به أكثر مما يلزم بمكرره (مسألة) (وإن قال له على ألف رجع في تفسيره إليه فإن فسره بأجناس قبل منه) لأنه يحتمل ذلك (مسألة) (وإن قال له على ألف ودرهم أو ألف ودينار أو ألف وثوب أو فرس أو درهم وألف أو دينار وألف فقال ابن حامد والقاضي الألف من جنس ما عطف عليه) وبه قال أبو ثور وقال التميمي وأبو الخطاب يرجع في تفسير الألف إليه لأن الشئ يعطف على غير جنسه قال الله تعالى (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) ولأن الألف مبهم فيرجع
стр. 2983
في تفسيره إلى المقر كما لو لم يعطف عليه، وقال أبو حنيفة إن عطف على المبهم مكيلا أو موزونا كان تفسيراً له، وإن عطف مذروعاً أو معدوداً لم يكن تفسيراً لأن علي للإيجاب في الذمة فإذا عطف عليه ما يثبت في ذمته بنفسه كان تفسيراً له كقوله مائة وخمسون درهماً ولنا أن العرب تكتفي بتفسير إحدى الجملتين عن الأخرى قال الله تعالى (ولبثوا في كهفهم
ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا) وقال تعالى (عن اليمين وعن الشمال قعيد) ولأنه ذكر مبهماً مع تفسير لم يقم الدليل على أنه من غير جنسه فكان المبهم من جنس المفسر كما لو قال مائة وخمسون درهماً أو ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، يحققه أن المبهم يحتاج إلى التفسير وذكر التفسير في الجملة المقارنة له يصلح أن يفسره يوجب حمل الأمر على ذلك، وأما قوله أربعة أشهر وعشرا فإنه امتنع أن تكون العشر أشهر الوجهين (أحدهما) أن العشر بغير هاء عدد للمؤنث والأشهر مذكرة فلا يجوز أن تعد بغير هاء (والثاني) أنها لو كانت أشهراً لقال أربعة عشر شهراً بالتركيب لا بالعطف كما قال (عليها تسعة عشر) وقولهم إن الألف مبهم قلنا قرن به ما يدل على تفسيره فأشبه مالو قال مائة وخمسون درهماً أو مائة ودرهم عند أبي حنيفة فإن قيل إذا قال مائة وخمسون درهماً فالدرهم ذكر للتفسير ولهذا لا يراد به العدد فصلح تفسير الجميع ما قبله بخلاف قوله مائة ودرهم فإنه ذكر الدرهم للإيجاب لا للتفسير بدليل أنه زاد به العدد قلنا هو صالح للإيجاب والتفسير معاً والحاجة داعية إلى التفسير فوجب حمل الأمر على ذلك صيانة لكلام المقر عن الإلباس والإبهام وصرفاً له إلى البيان والإفهام، وقول أبي حنيفة أن علي للإيجاب قلنا فمتى عطف ما يجب بها على ما لا يجب وكان أحدهما مبهماً والآخر مفسراً وأمكن تفسيره به وجب أن يكون المبهم من جنس المفسر، فأما إن لم يكن من جنس المفسر مثل أن يعطف عدد المذكر
стр. 2984
على المؤنث أو بالعكس ونحو ذلك فلا يكون أحدهما من جنس الآخر ويبقى المبهم على إبهامه كما لو قال له أربعة دراهم وعشر (مسألة) (وإن قال له على ألف وخمسون درهماً أو خمسون وألف درهم فالجميع دراهم) ويحتمل على قول التميمي أن يرجع في تفسير الألف إليه وهو قول بعض أصحاب الشافعي وكذلك إن قال ألف وثلاثة دراهم أو مائة وألف درهم والصحيح الأول فإن الدرهم المفسر يكون تفسيراً لجميع ما قبله من الجمل المبهمة وجنس العدد قال الله تعالى مخبراً عن أحد الخصمين أنه قال (إن هذا أخي له تسع وتسعون تعجة) وفي الحديث أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وقال عنترة:
فيهان إثنتان وأربعون حلوبة * سودا كخافية العراب الأسحم ولأن الدرهم ذكر تفسيراً ولهذا لا يجب به زيادة على العدد المذكور فكان تفسيراً لجميع ما قبله ولأنها تحتاج إلى تفسير وهو صالح لتفسيرها فوجب جمله على ذلك وهذا المعنى موجود في قوله ألف وثلاثة دراهم وسائر الصور المذكورة، فعلى قول من لا يجعل المجمل من جنس المفسر لو قال بعتك هذا بمائة وخمسين درهماً أو بخمسة وعشرين درهماً لا يصح وهو قول شاذ ضعيف لا يعول عليه وإن قال له على ألف درهم إلا خمسين فالمستثنى دراهم لأن العرب لا تستثني في الإثبات إلا من الجنس (مسألة) (وهذا اختيار ابن حامد والقاضي وقال أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب يكون الألف مبهماً يرجع في تفسيره إليه وهو قول مالك والشافعي) لأن الاستثناء عندهما يصح من غير الجنس ولأن لفظه في الألف مبهم والدرهم لم يذكر تفسيراً له فبقي على إبهامه.
стр. 2985
ولنا أنه لم يرد عن العرب الاستثناء في الإثبات إلا من الجنس فمتى علم أحد الطرفين علم أن الآخر من جنسه كما لو علم المستثنى منه وقد سلموه علته تلازم المستثنى والمستثنى منه في الجنس فما ثبت في أحدهما ثبت في الآخر فعلى قول ابي الحسن التميمي وأبي الخطاب يسئل عن المستثنى فان فسره بغير الجنس بطل الإستثناء وعلى قول غيرهما ينظر في المستثنى إن كان مثل المستثنى منه أو أكثر يبطل في الأصح (فصل) وإن قال له تسعة وتسعون درهماً فالجميع دراهم ولا أعلم فيه خلافاً وكذلك إن قال مائة وخمسون درهماً وخرج بعض أصحابنا وجهاً أنه لا يكون تفسيراً إلا لما يليه وهو قول بعض أصحاب الشافعي (مسألة) (وإن قال له في هذا العبد شركة أو هو شريكي فيه أو هو شركة بينهما رجع إلى تفسير نصيب الشريك إليه) وقال أبو يوسف يكون مقراً بنصفه لقول الله تعالى (فهم شركاء في الثلث) فاقتضى ذلك التسوية بينهم كذا ههنا.
ولنا أن أي جزء كان له منه فله فيه شركة فكان له تفسيره بما شاء كالنصف وليس إطلاق لفظ الشركة على ما دون النصف مجازاً ولا مخالفاً للظاهر والآية ثبتت التسوية فيها بدليل آخر، وكذلك الحكم اذا قال هذا العبد شركة بيننا وإن قال له فيه سهم فكذلك وقال القاضي يحمل على السدس كالوصية (مسألة) (وإن قال له على أكثر من مال فلان قيل له فسرفان فسره بأكثر منه قدر اقبل وإن قال أردت أكثر بقاء نفعا لأن الحلال أنفع من الحرام قبل قوله مع يمينه) سواء علم مال فلان أو جهله أو ذكر قدره أولم يذكره أما إذا فسره بأكثر منه قدراً فإنه يقبل تفسيره ويلزمه أكثر منه وتفسر الزيادة بما يريد من قليل أو كثير ولو حبة حنطه، ولو قال ما علمت لفلان أكثر من كذا وقامت البينة بأكثر منه لم يلزمه
стр. 2986
أكثر مما اعترف به لأن مبلغ المال حقيقة لا تعرف في الأكثر وقد يكون ظاهراً وباطنا يملك ما يعرفه المقر فكان المرجع إلى ما اعتقده المقر مع يمينه إذا ادعى عليه أكثر منه وان فسره بأقل من ماله مع علمه بماله لم يقبل، وقال أصحابنا يقبل تفسيره بالكثير والقليل وهو مذهب الشافعي سواء علم مال فلان أو جهله أو ذكر قدره أولم يذكره أو قاله عقيب الشهادة بقدره أولاً لأنه لا يحتمل أنه أكثر منه بقاء أو منفعة أو بركة لكونه من الحلال أو لأنه في الذمة، قال القاضي ولو قال لي عليك ألف دينار فقال لك على أكثر من ذلك لم يلزمه أكثر منها لأن لفظة أكثر مبهمة لإحتمالها ما ذكرنا ويحتمل أنه أراد أكثر منه فلوساً أو حبة حنطة أو شعير أو دخن فيرجع في تفسيرها إليه وهذا بعيد فإن لفظة أكثر إنما تستعمل حقيقة في العدد أو في القدر وينصرف إلى جنس ما أضيف أكثر إليه لا يفهم في الإطلاق غير ذلك قال الله تعالى (كانوا أكثر منهم) وأخبر عن الذي قال (أنا أكثر منك مالا وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا) والإقرار يؤخذ فيه بالظاهر دون مطلق الاحتمال، ولهذا لو أقر بدراهم لزمه أقل الجمع جيادا صحاحاً وازنة حاله ولو قال له على دراهم لم يقبل تفسيرها بالوديعة ولو رجع إلى مطل الإحتمال سقط الإقرار وإحتمال ما ذكروه أبعد من هذه الإحتمالات التي لم يقبلوا تفسيره بها فلا يعول على هذا (مسألة) (ولو ادعى عليه ينا فقال لفلان علي اكثر ممالك، وقال أردت التهزئ لهما لزمه ويرجع
في تفسيره إليه في أحد الوجهين) وفي الآخر لا يلزمه شئ لأنه أقر لفلان بحق موصوف بالزيادة على مال المدعي فيجب عليه ما أقربه لفلان ويجب للمدعي حق لأن لفظه يقتضي أن يكون له شئ، وفي الآخر لا يلزمه شئ لأنه يجوز أن يكون أراد حقك على أكثر من حقه والحق لا يختص بالمال
стр. 2987
(فصل) إذا قال له على ألف إلا شيئاً قبل تفسيره بأكثر من خمسمائة لأن الشئ يحتمل الكثير والقليل لكن لا يجوز استثناء الأكثر فيتعين حمله على ما دون النصف، وكذلك إن قال إلا قليلاً لأنه مبهم فأشبه قوله إلا شيئاً وإن قال له على معظم ألف أو جل ألف أو قريب من ألف لزمه اكثر من نصف الألف ويحلف على الزيادة إن ادعيت عليه (فصل) وإن قال له على ما بين درهم وعشرة لزمته ثمانية لأن ذلك ما بينهما وان قال من درهم إلى عشرة ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) يلزمه تسعة وهذا يحكى عن أبي حنيفة لأن من لابتداء الغاية وأول الغاية منها وإلى لانتهاء الغاية فلا تدخل فيها كقوله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل) (والثاني) تلزمه ثمانية لان الاول والعاشر حدان فلا يدخلان في الاقرار ويلزمه ما بينهما كالتي قبلها.
(والثالث) تلزمه عشرة لأن العاشر أحد الطرفين فيدخل فيها كالأول وكما لو قال قرأت القرآن من أوله الى آخره، وإن قال أردت بقولي من واحد إلى عشرة مجموع الأعداد كلها أي الواحد والإثنان كذلك إلى العشرة لزمه خمسة وخمسون درهماً وإختصار حسابه أن تزيد أول العدد وهو واحد على العشرة فيصير أحد عشر ثم اضربها في نصف العشرة فما بلغ فهو الجواب (مسألة) (وإن قال له علي درهم فوق درهم أو تحت درهم أو فوقه أو تحته أو قبله أو بعده أو معه درهم أو درهم ودرهم أو درههم بل درهمان أو درهمان بل درهم لزمه درهمان) إذا قال له علي درهم فوق درهم أو تحت درهم أو معه درهم أو مع درهم فقال القاضي يلزمه درهم وهو أحد قولي الشافعي لأنه يحتمل فوق درهم في الجودة أو فوق درهم لي وكذلك تحت درهم، وقوله معه درهم يحتمل معه درهم لي وكذلك مع درهم فلم يجب الزائد بالإحتمال، وقال أبو الخطاب يلزمه درهمان وهو القول الثاني للشافعي
لأن هذا اللفظ يجري مجرى العطف لكونه يقتضي ضم درهم آخر لايه وقد ذكر ذلك في سياق الإقرار
стр. 2988
فالظاهر أنه إقرار، ولأن قوله علي يقتضي في ذمتي وليس للمقر في ذمة نفسه درهم مع درهم المقر له ولا فوقه ولا تحته فإنه لا يثبت للإنسان في ذمة نفسه شئ، وقال أبو حنيفة وأصحابه إن قال فوق درهم لزمه درهمان لأن فوق يقتضي في الظاهر الزيادة وإن قال تحت درهم لزمه درهم لأن تحت يقتضي النقص.
ولنا إن حمل كلامه على معنى العطف فلا فرق بينهما وإن حمل على الصفة للدرهم المقر به وجب أن يكون المقر به درهماً واحداً سواء ذكره بما يقتضي زيادة أو نقصاً، وإن قال له على درهم قبله درهم أو بعده درهم لزمه درهمان فإن قال قبله درهم وبعده درهم لزمه ثلاثة لأن قبل وبعد تستعمل للتقديم والتأخير (مسألة) (وإن قال له علي درهم ودرهم أو درهم فدرهم أو درهم ثم درهم لزمه درهمان) وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه، وذكر القاضي وجها فيما إذا قال درهم فدرهم وقال أردت درهم فدرهم لازم لي أنه يقبل منه وهو قول الشافعي لأنه يحتمل الصفة ولنا أن الفاء أحد حروف العطف الثلاثة فأشبهت الواو وثم ولأنه عطف شيئاً على شئ بالفاء فاقتضى ثبوتهما كما لو قال أنت طالق فطالق وقد سلمه الشافعي، وما ذكروه من إحتمال الصفة بعيد لا يفهم حالة الإطلاق فلا يقبل تفسيره به كما لو فسر الدراهم المطلقة بأنها زيوف أو صغار أو مؤجلة، وإن قال له على درهم ودرهم ودرهم لزمته ثلاثة وحكى ابن أبي موسى عن بعض أصحابنا أنه إذا قال أردت بالثالث تأكيد الثاني وبيانه أنه يقبل وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن الثالث في لفظ الثاني وظاهر مذهبه أنه تلزمه الثلاثة لأن الواو للعطف وهو يقتضي المغايرة فوجب أن يكون الثالث غير الثاني كما كان الثاني غير الأول والإقرار لا يقتضي تأكيداً فوجب حمله على العدد، وكذلك الحكم
стр. 2989
إذا قال علي درهم فدرهم اودرهم ثم درهم ثم درهم فإن قال له على درهم ودرهم ثم درهم أو درهم
فدرهم ثم درهم أو درهم ثم درهم فدرهم لزمته الثلاثة وجهاً واحداً لأن الثالث مغاير للثاني لاختلاف حرفي العطف الداخلين فلم يحتمل التأكيد (مسألة) (فإن قال له علي درهم بل درهمان أو درهم لكن درهمان لزمه درهمان وبه قال الشافعي وقال زفر وداود تلزمه ثلاثة لأن بل للإضراب فلما أقر بدرهم وأضرب عنه لزمه لأنه لا يقبل رجوعه عما أقر به ولزمه الدرهمان اللذان اقربهما ولنا أنه إنما نفى الإقتصار على واحد وأثبت الزيادة عليه فأشبه مالو قال له على درهم بل أكثر فإنه لا يلزم أكثر من اثنين.
(مسألة) (وإن قال له علي درهمان بل درهم أو درهم لكن درهم فهل يلزمه درهم أو درهمان؟ على وجهين) ذكرهما أبو بكر (أحدهما) يلزمه درهم واحد لأن أحمد قال فيمن قال لامرأته أنت طالق بل أنت طالق أنها لا تطلق إلا واحدة وهذا مذهب الشافعي لأنه أقر بدرهم مرتين فلم يلزمه أكثر من درهم كما لو أقر بدرهم ثم أنكره ثم قال بل علي درهم، ولكن للاستدراك فهي في معنى بل إلا أن الصحيح إنها لا تستعمل إلا بعد الجحد إلا أن يذكر بعدها الجة (والوجه الثاني) يلزمه درهمان ذكره ابن أبي موسى وأبو بكر عبد العزيز ويقتضيه قول زفر وداود لأن ما بعد الإضراب يغاير ما قبله فيجب ان يكون الدرهم الذي أضرب عنه غير الدرهم الذي اقربه بعده فيجب الإثبات كما لو قال له علي درهم بل دينار ولأن بل من حروف العطف والمعطوف غير المعطوف عليه فوجبا جميعاً كما لو قال له علي درهم ودرهم ولأنا لو لم نوجب عليه الادرهما جعلنا كلامه لغواً وإضرابه غير مفيد والأصل في كلام العاقل أن يكون مفيداً.
стр. 2990
(مسألة) (ولو قال له على هذا الدرهم بل هذان الدرهمان لزمته الثلاثة) لا نعلم في ذلك خلافاً لأنه متى كان الذي أضرب عنه لا يمكن أن يكون المذكور بعده ولا بعضه مثل أن يقول له علي درهم بل دينار أو قفيز حنطة بل قفيز شعير لزمه الجميع لأن الأول لا يمكن أن يكون الثاني ولا بعضه فكان مقراً بهما ولا يقبل رجوعه معن شئ منهما وكذلك كل جملتين أقر بإحداهما ثم رجع إلى الاخرى لزماه
(مسألة) (وإن قال درهم في دينار لزمه درهم وإن قال له على درهم في عشرة لزمه درهم إلا أن يريد الحساب فيلزمه عشرة، أما إذا قال له عندي درهم في دينار فإنه يسئل عن مراده فإن قال أردت العطف أو معنى مع لزمه الدرهم والدينار وإن قال أسلمته في دينار فصدقة المقر له بطل إقراره لأن سلم أحد النقدين في الآخر لا يصح وإن كذبه فالقول قول المقر له لأن المقر وصل إقراره بما يسقطه فلزمه درهم وبطل قوله في دينار وكذلك إن قال له درهم في ثوب وفسره بالسلم أو قال في ثوب إشتريته منه إلى سنة فصدقه بطل إقراره لأنه إن كان بعد التفرق بطل السلم وسقط الثمن وإن كان قبل التفرق فالمقر بالخيار بين الفسخ والإمضاء وإن كذبه المقر له فالقول قوله مع يمينه وله الدرهم وأما اذا قال درهم في عشرة وقال أردت في عشرة لي لزمه درهم لأنه يحتمل ما يقول وإن قال أردت الحساب لزمه عشرة وإن قال أردت مع عشرة لزمه أحد عشر لأن كثيراً من العوام يريدون بهذا اللفظ هذا المعنى فإن كان من أهل الحساب احتمل أن لا يقبل لأن الظاهر من الحساب إستعمال ألفاظه في معاينها في إصطلاحهم ويحتمل أن يقبل فإنه لا يمتنع أن يستعمل إصطلاح العامة (مسألة) (وإن قال هل عندي تمر في جراب أو سكين في قراب أو ثوب في منديل أو عبد عليه عمامة أو دابة عليها سرج فهل يكون مقراً بالمظروف دون الظرف؟ وجهان) (أحدهما) يكون مقراً بالمظروف دون الظرف وهذا اختيار ابن حامد ومذهب مالك والشافعي لأن إقراره يتناول الظرف فيحتمل أن يكون في ظرف للمقر فلم يلزمه (والثاني) يلزمه الجميع لأنه ذكر ذلك في سياق الإقرار فلزمه كما لو قال له علي خاتم فيه فص وكذلك إن قال غصبت منه ثوبا في منديل أو زيتاً في زق، وإختار شيخنا فيما إذا قال عبد عليه عمامة أن يكون مقراً بهما وهو قول أصحاب الشافعي وقال أبو حنيفة في الغصب يلزمه ولا يلزمه في بقية الصور لأن المنديل يكون ظرفاً للثوب فالظاهر أنه ظرف له في حال الغصب فصار كأنه قال غصبت ثوباً ومنديلا
стр. 2991
ولنا أنه يحتمل أن يكون المنديل للغاصب وهو ظرف للثوب فيقول غصبت ثوبا في منديل ولو قال هذا لم يكن مقرا بغصبه فإذا أطلق كان محتملاً له فلم يكن مقراً بغصبه كما لو قال غصبت دابة في إصطبلها
(مسألة) (وإن قال له عندي خاتم فيه فص فهو مقر بهما) لأن الفص جزء من الخاتم فأشبه مالو قال له على ثوب فيه علم ويحتمل أن يخرج على الوجهين فيكون مقراً بالخاتم وحده، وإن قال فص في بالخاتم احتمل وجهين، فإن قال له عندي خاتم وأطلق لزمه الخاتم بفصة لأن إسم الخاتم بفصة لأن إسم الخاتم يجمعهما وكذلك إن قال له علي ثوب مطرز لزمه الثوب بطرازه لما ذكرنا.
(فصل) وإن قال له عندي دار مفروشة أو دابة مسرجة أو عبد عليه عمامة ففيه أيضاً وجهان ذكرناهما وقال أصحاب الشافعي تلزمه عمامة العبد دون السرج لأن العبد يده على عمامته ويده كيد سيده ولا يد للدابة والدار.
ولنا أن الظاهر أن سرج الدابة لصاحبها وكذلك لو تنازع رجلان سرجاً على دابة أحدهما كان لصاحبها فهو كعمامة العبد فأما إن قال له عندي دابة بسرجها أو دار بفرشها أو سفينة بطعامها كمان مقرابهما بغير خلاف لأن الباء تعلق الثاني بالأول (مسألة) (وإن قال له علي درهم أو دينار لزمه أحدهما يرجع في تفسيره إليه) لأن أو وإما في الخبر الشك وتقتضي أحد المذكورين لاهما فإن قال له على إما درهم وإما درهمان كان مقرا بدرهم والثاني مشكوك فيه فلا يلزم بالشك
стр. 2992
كتاب العارية وهي مشتقة من عار الشئ إذا ذهب وجاء ومنه قيل للبطال عيار لتردده في بطالته، والعرب تقول أعاره وعاره مثل أطاعه وطاعه، وهي إباحة الإنتفاع بعين من أعيان المال، والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى ويمنعون الماعون روي عن ابن عباسن وابن مسعود قالا العوراي وفسرها ابن مسعود قال القدر والميزان والدلو.
وأما السنة فروى عن النبي ﷺ أنه قال في خطبته في حجة الوداع (العارية مؤداة والمنحة مزدودة والدين مقتضي والزعيم غارم) قال الترمذي حديث حسن غريب وروى صفوان بن أمية أن النبي ﷺ استعار منه أدراعاً يوم حنين فقال أغصباً يا محمد؟ قال (بل عارية مضمونة) رواه أبو داود
وأجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها ولأنه لما جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع ولذلك صحت الوصية بالاعيان والمنافع جميعا، وهي مندوب إليها غير واجبة في قول أكثر أهل العلم وقيل هي واجبة للآية ولما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال (مامن صاحب ابل لايؤدي حقها) الحديث قيل يا رسول الله وما حقها؟ قال (إعارة دلوها وإطراق فحلها ومنحة لبنها يوم ورودها) فذم الله تعالى
стр. 2993
مانع العارية وتوعده رسول الله ﷺ بما ذكره في خبره ولنا قول النبي ﷺ (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك) رواه ابن المنذر وروي عن النبي ﷺ أنه قال (ليس في المال حق سوى الزكاة) وفي حديث الإعرابي الذي سأل النبي ﷺ ماذا فرض الله علي من الصدقة؟ أو قال الزكاة، قال هل علي غيرها؟ قال (لا، إلا أن تتطوع شيئاً) أو كما قال والآية فسرها ابن عمر والحسن بالزكاة وكذلك زيد بن أسلم وقال عكرمة إذا جمع ثلاثتها فله الويل إذا سها من الصلاة وراءى ومنع الماعون.
(فصل) ولا تجوز إلا من جائز التصرف لأنه تصرف في المال أشبه البيع وتنعقد بكل لفظ أو فعل يدل عليها كقوله أعرتك هذا، أو يدفع اليه شيئاً ويقول أبحتك الانتفاع به أو خذ هذا فانتفع به أو يقول أعرني هذا أو أعطنيه أركبه أو أحمل عليه فيسلمه إليه وأشباه هذا لأنه إباحة للتصرف فصح بالقول والفعل الدال عليه كإباحة الطعام بقوله وتقديمه إلى الضيف.
(مسألة) (وهي هبة منفعه تجوز في كل المنافع إلا منافع البضع) تجوز إعارة كل عين ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها على الدوام كالدور والعيبد والجواري والدواب والثياب والحلي للبس والفحل للضراب والكلب للصيد وغير ذلك لأن النبي ﷺ استعار ادراعا وذكر إعارة دلوها وفلها وذكر ابن مسعود عارية القدر والميزان فثبت الحكم في هذه الأشياء
стр. 2994
وما عداها يقاس عليها إذا كان في معناها ولأن ما جاز للمالك استيفاؤه من المنافع ملك إباحته إذا لم يمنع منه مانع كالثياب ويجوز إستعارة الدراهم والدنانير للوزن فإن استعارها لينفقها فهو قرض
وهذا قول أصحاب الرأي، وقيل لا يجوز ذلك ولا تكون العارية في الدنانير وليس له أن يشتري بها شيئاً ولنا أن هذا معنى القرض فانعقد القرض به كما لو صرح به فأما منافع البضع فلا تستباح بالبذل ولا بالإباحة إجماعاً وإنما يباح بأحد شيئين الزوجية وملك اليمين قال الله سبحانه (والذين هم لفروجهم حافظهون * الاعلى أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) ولأن منافع البضع لو ابيجت بالبذل والعارية لم يحرم الزنا لأن الزانية تبذل نفعها له والزاني مثلها (مسألة) (ولا تجوز إعارة العبد المسلم لكافر) لأنه لا يجوز تمكينه من استخدامه فلم تجز عاريته لذلك ولا تجوز إعارة الصيد لمحرم لأنه لا يجوز له إمساكه (مسألة) (ويكره إعارة الأمة الشابة لرجل غير محرمها) إن كان يخلو بها وينظر إليها لأنه لا يؤمن عليها فإن كانت شوهاء أو كبيرة فلا بأس لأنها لا يشتهى مثلها وتجوز إعارتها لامرأة ولذي محرمها لعدم ذلك، ولا تجوز إعارة العين لنفع محرم كاعارة الدر لمن يشرب فيها الخمر أو يبيعه أو يعصي الله تعالى فيها أو لااعارة عبد للزمر أو لسقيه الخمر أو يحملها إليه أو يعصرها ونحو ذلك لأنه إعانة على المحرم (مسألة) (واستعارة والديه للخدمة) لأنه يكره استخدامهما فكر استعارتهما لذلك
стр. 2995
(مسألة) (وللمعير الرجوع فيها متى شاء ما لم يأذن في شغلها بشئ يستضر المستعير برجوعه) تجوز العارية مطلقة ومؤقتة لأنها إباحة فأشبهت إباحة الطعام وللمعير الرجوع فيها متى شاء سواء كانت مطلقة أو مؤقتة وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك إن كانت مؤقتة فليس له الرجوع قبل الوقت وإن لم يوقت له مدة لزمه تركه مدة ينتفع بها في مثلها لأن المعير قد ملكه المنفعة مدة وصارت العين في يده بعقد مباح فلم يملك الرجوع فيها بغير رضى المالك كالعبد الموصى بخدمته والمستأجر ولنا أن المافع المستقبلة لم تحصل في يده فلم يملكها بالإعارة كما لو لم تحصل العين في يده ولأن المنافع إنما تستوفى شيئاً فشيئاً فكلما استوفى منفعة فقد قبضها والذي لم يستوفه لم يقبضه فجاز الرجوع فيه كالهبة قبل القبض، وأما العبد الموصى بخدمته فلموصي الرجوع ولم يلمك الورثة الرجوع لأن التبرع من غيرهم وأما المستأجر فهو مملوك بعقد معاوضة فيلزم بخلاف مسئلتنا، ويجوز للمستعير الرد متى شاء بغير خلاف نعلمه لأنه إباحة فكان لمن أبيح له تركه كالباحة الطعام
(مسألة) (فإن أذن له في شغله بشئ يستضر المستعير برجوعه فيه لم يجز له الرجوع) لما فيه من اضرار بالمستعير مثل أن يعيره سفينة لحمل متاعه أو لوحا يرقع به سفينة فرقعها به ولحج في البحر لم يجز الرجوع ما دامت في لجة البحر لذلك وله الرجوع قبل دخولها في البحر وبعد الخروج منه لعدم الضرر (مسألة) (وإن أعاره أرضا للدفن لم يرجع حتى يبلى الميت)
стр. 2996
وله الرجوع فيها قبل الدفن وليس له الرجوع بعد الدفن حتى يصير الميت رميا قاله ابن البنا (مسألة) (وإن أعاره حائط ليضع عليه أطراف خشبه لم يرجع مادام عليه) إذا أعاره حائطاً ليضع عليه أطراف خشبه جاز كما تجوز إعارة الأرض للغراس والبناء وله الرجوع قل الوضع وبعده ما لم بين عليه لانه لاضرر عليه فيه فإن بنى عليه لم يجز الرجوع لما في ذلك من هدم البناء وإن قال أنا أدفع إليك ما ينقص بالقطع لم يلزم المستعير ذلك لأنه إذا قلعه انقلع ما في ملك المستعير منه ولا يجب على المستعير قلع شئ من ملكه بضمان القيمة (مسألة) (وإن سقط عنه لهدم أو غيره لم يملك رده) سواء بنى الحائط بآلة أو بغيرها لأن العارية لا تلزم وإنما امتنع الرجوع قبل انهدامه لما فيه من الضرر بالمستعير بإزالة المأذون في وضعه وقد زال ذلك بإنهدامه وسواء زال الخشب عنه بذلك أو أزاله المستعير باختياره وكذلك لو زال الخشب والحائط بحاله (مسألة) (وإن أعاره أرضاً للزرع لم يرجع إلى الحصاد إلا أن يكون مما يحصد قصلا فيحصده) إذا أعاره أرضاً للزرع فله الرجوع ما لم يزرع فإذا زرع لم يملك الرجوع فيها الى أن ينتهي الزرع فإن بذل المعير له قيمة الزرع ليمكله فلم يكن له ذلك نص عليه أحمد لأن له وقتاً ينتهي إليه فإن كان مما يحصد قصيلا فله الرجوع في وقت إمكان حصاده لعدم الضرر فيه
стр. 2997
(مسألة) (وإن أعارها للغراس والبناء شرط عليه القطع في وقت أو عند رجوعه ثم رجع لزمه القلع) لقول النبي ﷺ (المؤمنون على شروطهم) حديث صحيح ولأن العارية مقيدة غير مطلقة فلم تتناول ما عدا المقيد لأن المستعير دخل في العارية راضيا با لتزام الضرر الداخل عليه بالقطع وليس على صاحب الأرض
ضمان نقصه ولا نعلم في هذا خلافاً فأما تسوية الحفر فإن كانت مشروطة عليه لزمه لما ذكرنا وإلا لم يلزمه لأنه رضي بضرر القطع من الحفر ونحوه بشرط القلع (مسألة) (وإن لم يشترط لم يلزمه إلا أن يضمن له المعير النقص) فإذا لم يشترط المعير القلع لم يلزم المستعير القلع لما فيه من الضرر عليه فإن ضمن له النقص لزمه لأنه رجوع في العارية من غير إضرار فإن قلع فعليه تسوية الأرض وكذلك إن اختار أخذ بنائه وغراسه فإنه يملكه فملك نقله لأن القلع باختياره لو امتنع منه لم يجبر عليه قلعه لاستخلاص ملكه من ملك غيره فلزمته التسوية كالشفيع إذا أخذ غرسه وقال القاضي لا يلزمه ذلك لأن المعير رضي بذلك حيث أعاره مع علمه بأن له قلع غرسه الذي لا يمكن إلا بالحفر (مسألة) (فإن أبى القلع في الحال التي لا يجبر عليه فيها فبذل له المعير قيمة الغراس والبناء ليملكه أجبر المستعير عليه) كالشفيع مع المشتري والمؤجر مع المستأجر فإن قال المستعير أنا أدفع قيمة الأرض لتصير لي لم يلزم المعير لأن الغراس والبناء تابع والأرض أصل ولذلك يتبعها الغراس والبناء في البيع ولا تتبعهما وبهذا كله قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يطالب المستعير بالقلع من غير ضمان إلا أن يكون أعاره مدة معلومة فرجع
стр. 2998
قبل انقضائها لأن المعير لم يغره فكان عليه القطع كما لو شرط عليه ولنا أنه بنى وغرس بإذن المعير من غير شرط القطع فلم يلزمه القلع من غير ضمان كما لو طالبه قبل انقضاء الوقت وقولهم لم يغره ممنوع فإن الغراس والبناء يراد للتبقية وتقدير المدة ينصرف إلى ابتدائه كأنه قال لا تغرس بعد هذه المدة (مسألة) (فإن امتنع المعير من دفع القيمة وارش النقص وامتنع المستعير من القلع ودفع الأجر لم يقلع) لأن العارية تقتضي الإنتفاع بغير ضمان والإذن فيما يبقى على الدوام وتضر إزالته رضى بالإبقاء ولأن قول النبي ﷺ (ليس لعرق ظالم حق) مفهومه أن العرق الذي ليس بظالم له حق فبعد ذلك ان اتفقا على البيع بيعت الأرض بغراسها وبنائها ودفع مالى كل واحد منهما قدر حقه فيقال كم قيمة الأرض بلا غراس ولابناء فإذا قيل عشرة قلنا وكم تساوي مغروسة مبنية فإن قالوا خمسة عشر فيكون للمعير ثلثا
الثمن وللمستعير ثلثه (مسألة) (وإن أبيا البيع ترك بحاله) وقلنا لهما انصرفا فلا حكم لكما عندنا (مسألة) (وللمعير النصرف في أرضه على وجه لا يضر بالشجر) وجملته أن للمعير التصرف في أرضه (مسألة) ودخولها والإنتفاع بها كيف شاء بما لا يضر بالغراس والبناء ولا ينتفع بهما، وللمتسعير الدخول للسقي والإصلاح وأخذ الثمرة وليس.
له الدخول لغير حاجة من التفرج ونحوه لأنه قد رجع في الإذن له
стр. 2999
ولأن الإذن في الغرس إذن فيما يعود بصلاحه ولكل واحد منهما بيع ما يختص به مع الملك ومنفرداً فيقوم المشتري مقام البائع، وقال بعض الشافعية ليس للمستعير البيع لأن ملكه في الشجر والبناء غير مستقر لأن للمير أخذه منه متى شاء بقيمته قلنا عدم استقراره لا يمنع بيعه بدليل الشقص المشفوع والصداق قبل الدخول (مسألة) (ولم يذكر أصحابنا أجرة من حين الرجوع في هذه المسائل) إلا فيما إذا استعار أرضاً فزرعها ورجع المعير فيها قبل كمال الزرع فعليه أجر مثلها من حين الرجوع لأن الأصل جواز الرجوع وإنما منع القلع لما فيه من الضرر ففي دفع الأجر جمع بين الحقين فيخرج في سائر السمائل مثل هذا، وفيه وجه آخر انه لا يجب الأجر في شئ من المواضع لأن حكم العارية باق فيه لكونها صارت لازمة للضرر اللاحق بفسخها والإعارة تقتضي الإنتفاع (مسألة) (وإن غرس أو بنى بعد الرجوع أو بعد الوقت فهو غاصب يأتي حكمه) العارية تنقسم قسمين مطلقة ومؤقتة تبيح الإنتفاع ما لم ينقضي الوقت لأنه استباح ذلك بالإذن ففيها عدا محل الإذن يببقى على أصل المنع فإن كان المعار أرضاً لم يكن له أن يغرس ولا يبني ولا يزرع بعد الوقت أو الرجوع فإن فعل شيئاً من ذلك فهو غاصب يأتي حكمه في باب لغصب
стр. 3000
(فصل) يجوز أن يستعير دابة ليركبها إلى موضع معلوم لأن إجارتها جائزة والإعارة أوسع لجوازها فيما لا تجوز إجارته كالكلب للصيد، فإن استعارها إلى موضع فجاوزه فقد تعدى وعليه أجر المثل
للزائد خاصة وان اختلفا فقالا لمالك أعرتكها إلى فرسخ وقال المستعير إلى فرسخين فالقول قول المالك وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك إن كان يشبه ما قال المستعير فالقول قوله وعليه الضمان.
ولنا أن المالك مدعى عليه فكان القول قوله لقول النبي ﷺ (ولكن اليمين على المدعى عليه) (مسألة) (وإن حمل السيل بذراً إلى أرض فنبت فيها فهو لصاحبه) ولا يجبر على قعله وقال أصحاب الشافعي يجبر عليه في أحد الوجهين إذا طالبه رب الأرض لأن ملكه حصل في ملك غيره بغير إذنه فأشبه مالو انتشرت أغصان شجرته في هواء ملك غيره ولنا أن قلعه إتلاف للمال عنى مالكه ولم يوجد منه تفريط ولا يدوم ضرره فلا يجبر على ذلك كما لو حصلت دابته في دار غيره على وجه لا يمكن خروجها إلا بقلع الباب أو قتلها فانهلا يجبر على قتلها، ويفارق أغصان الشجرة فنه يدوم ضرره ولا يعرف قدر ما يشغل في الهواء فيؤدي أجره إذا ثبت هذا فإنه يقر في الأرض إلى حين حصاده بأجر مثله وقال القاضي لا أجر عليه لأنه حصل في أرض غيره بغير تفريطه أشبه ما إذا باتت دابته في أرض إنسان بغير تفريطه والأول أولى لأن إلزامه
стр. 3001
تبقية زرع ما أذن فيه في أرضه بغير أجر ولا انتفاع إضرار به وشغل لملكه بغير اختياره فلم يجز كما لو أراد إبقاء البهيمة في دار غيره عاماً، ويفارق مبيتها لأن ذلك لا يجبر المالك عليه ولا يمنع من إخراجها فإذا تركها اختياراً منه كان راضياً به بخلاف مسئلتنا ويكون الزرع لمالك البذر لأنه عين ماله ويحتمل أن لصاحب الأرض أخذه بقيمته كزرع الغاصب على ما نذكره والأول أولى لأنه بغير عدوان وقد أمكن جبر حق مالك الأرض بدفع الأجر إليه، وإن احب مالكه قعله فله ذلك وعليه تسوية الحفر وما نقصت لأنه أدخل النقص على ملك غيره لا ستصلاح ملكه (مسألة) (وإن حمل السيل نوى غرس رجل فنبت في أرض غيره كالزيتون ونحوه فهو لمالك النوى) لأنه من نماء ملكه فهو كالزرع ويجبر على قلعه ههنا لأن ضرره يدوم فهو كأغصان الشجرة المنتشرة في هواء ملك غيره، وهل يكون كغرس الشفع أو كغرس الغاصب؟ على وجهين (أحدهما)
يكون كغرس الغاصب لأنه حصل في ملك غيره بغير إذنه (الثاني) كغرس الشفيع لأنه حصل في ملك غيره بغير تفريط منه ولا عدوان.
(فصل) وإن حمل السيل ارضا بشجرها فنبتت في أرض آخركما كانت فهي لمالكها يجبر على إزالتها كما ذكرنا وفي كل ذلك إذا ترك صاحب الأرض المنتقلة أو الشجر أو الزرع ذلك لصاحب الأرض التي انتقل إليها لم يلزمه نقله ولا أجره ولا غيره لأنه حصل بغير تفريطه ولا عدوانه وكانت الخيرة
стр. 3002
إلى صاحب الأرض المشغولة به إن شاء أخذه لنفسه وإن شاء قلعه.
(فصل) قال ﵁ (وحكم المستعير في استيفاء المنفعة حكم المستأجر) لأنه ملك التصرف بقول المالك وإذنه فأشبه المستأجر لأنه ملكه بإذنه فوجب أن يملك ما يقتضيه الاذن كالمتسأجر، فعلى هذا إن أعاره للغراس والبناء فله أن يزرع ما شاء وإن استعارها للزرع لم يغرس ولم بين وإن استعارها للغرس أو البناء ملك المأذن له فيه منها دون الآخر لأن ضررهما مختلف، وكذلك إن استعارها لزرع الحنطة فله زرع الشعير وقد ذكرنا ذلك مفصلا في الإجارة وكذلك إن أذن له في زرع مرة لم يكن له أن يزرع أكثر منها وإن أذن له في غرس شجرة فانقلعت لم يملك غرس أخرى لأن الاذن اختص بشئ لم يجاوزه.
(فصل) ومن استعار شيئاً فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله لأن وكيله نائب عنه ويده كيده، وليس له أن يؤجره إلا أن يأذن فيه لأنه لم يملك المنافع فلم يكن له أن يملكها ولا نعلم في هذا خلافاً ولا خلاف بينهم أن المستعير لا يملك العين وأجمعوا على ان للمستعير استعمال المعار فيما أذن له فيه (فصل) وليس له أن يرهنه بغير إذن مالكه، وله ذلك باذنه بشروط ذكرناها في باب الرهن ولا يصير المعير ضامناً للدين وقال الشافعي يصير ضامناً في رقبة عبده في أحد قوليه لأن العارية ما يستحق به منعفة العين والمنفعة ههنا للمالك فدل على أنه ضمان
стр. 3003
ولنا إنه أعاره ليقضي منه حاجته فلم يكن ضامناً كسائر العواري وإنما يستحق بالعارية النفع المأذون
فيه وما عداه من النفع فهو لمالك العين.
(مسألة) (والعارية مضمونة بقيمتها يوم التلف وإن شرط نفي ضمانها سواء تعدى المستعير فيها أولم يتعد) روى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وهو قول الشافعي واسحاق، وقال الحسن والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة ومالك والاوزاعي وابن شبرمة: هي أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدي لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (ليس على المستعير غير المغل ضمان) ولأنه قبضها بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة، قالوا وقول النبي ﷺ (العارية مؤداة) يدل على أنه أمانة لقول الله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) .
ولنا قول النبي ﷺ في حديث صفوان بل عارية مضمونة، وروى الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب ولأنه أخذ ملك غيره لنفع نفعه منفرداً بنفعه من غير استحقاق ولا إذن في الإتلاف فكان مضموناً كالمغصوب والمأخوذ على وجه السوم وحديثهم يرويه عمر بن عبد الجبار عن عبيد بن حسان عن عمرو بن شعيب وعمر وعيبد ضعيفان قاله الدار قطعي ويحتمل أنه أراد ضمان المنافع والأجر وقياسهم منقوض بالمقبوض على وجه السوم.
стр. 3004
(فصل) وإن شرط نفي الضمان لم يسقط وبه قال الشافعي وقال أبو حفص العكبري يسقط قال أبو الخطاب أو ما إليه أحمد وبه قال قتادة والعنبري لأنه لو أذن في إتلافها لم يجب ضمانها فكذلك إذا أسقط عنه ضمانها وقيل بل مذهب قتادة والعنبري أنها لا تضمن إلا أن يشترط ضمانها فيجب لقول النبي ﷺ لصفوان (بل عارية مضمونة) ولنا أن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط كالمقبوض ببيع صحيح أو فاسد وما اقتضى الأمانة فكذلك كالوديعة والشركة والمضاربة والذي كان من النبي ﷺ إخبار بصفة العارية وحكمها، وفارق ما إذا إذن في الإتلاف فإن الإتلاف فعل يصح فيه الإذن ويسقط حكمه إذ لا ينعقد موجباً للضمان
مع الإذن فيه وإسقاط الضمان ههنا نفي للحكم مع وجود سببه وليس ذلك للمالك ولا يملك الإذن فيه (فصل) وتضمن بقيمتها يوم التلف إلا على الوجه الذي يجب فيه ضمان الأجزاء التالفة بالإنتفاع المأذون فيه فإنه يضمنها بقيمتها قبل تلف أجزائها إن كانت قيمتها حينئذ أكثر وإن كانت أقل ضمنها بقيمتها يوم تلفها على الوجهين جميعاً ويضمنها بمثلها إن كانت مثلية (مسألة) (وكل ما كان أمانة لا يصير مضموناً بشرطه لأن مقتضى العقد كونه أمانة فإذا شرط ضمانه فقد التزم ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه فلم يلزمه كما لو اشترط ضمان الوديعة أو ضمان مال في يد
стр. 3005
مالكه وما كان مضموناً لا ينتفي ضمانه بشرطه لأن مقتضى العقد الضمان فإذا شرط نفي ضمانه لا ينتفي مع وجود سببه كما لو اشترط نفي ضمان ما يتعدى فيه وعن أحمد أنه ذكر له ذلك فقال المؤمنون على شروطهم وهذا يدل على نفي الضمان بشرطه والأول ظاهر المذهب لما ذكرناه (مسألة) (وإن تلفت أجزاؤها بالإستعمال كخمل المنشفة فعلى وجهين) وجملة ذلك أن المستعير إذا انتفع بالعارية ثم ردها على صفتها فلا شئ عليه لأن المنافع مأذون في إتلافها فلا يجب عوضها وان تلف شئ من أجزائها التي لا تذهب بالإستعمال ضمنه لأن ما تضمن جملته تضمن أجزاؤه كالمغصوب فأما أجزاؤها التي تذهب بالإستعمال كخمل المنشفة والقطيفة ففيه وجهان (أحدهما) يجب ضمانه لأنه أجزاء عين مضمونة فوجب ضمانها كالمغصوب ولأنها أجزاء يجب ضمانها لو تلفت العين قبل استعمالها فتضمن إذا تلفت وحدها كالأجزاء التي لا تتلف بالاستعمال (والثاني) لا يضمنها وبه قال الشافعي لأن الاذن في الاستعمال تضمنه فلا يجب ضمانه كالمنافع وكمالو أذن في إتلافها صريحا وفارق ما إذا تلفت العين قبل استعمالها لأنه لا يمكن تمييزها من العين ولأنه إنما أذن في إتلافها على وجه الانتفاع فإذا تلفت قبل ذلك فقد فاتت على غير الوجه الذي أذن فيه فضمنها كما لو أجر العين المستعارة فإنه يضمن منافعها فإن قلنا لا يضمن الأجزاء فتلفت العين بعد ذهابها بالإستعمال قومت حال التلف لأن الأجزاء التالفة تلفت غير مضمونة لكونها مأذوناً في إتلافها فلا يجز تقويمها عليه وإن قلنا تضمن الأجزاء قومت العين قبل
стр. 3006
تلف أجزائها فإن تلفت الأجزاء باستعمال غير مأذون فيه كمن استعار ثوبا ليلبسه فحمل فيه تراباً فإنه يضمن نقصه ومنافعه لأنه تلف بتعديه وإن تلفت بغير تعد منه ولا استعمال كتلفها بمرور الزمان الطويل عليها ووقوع نار فيها ضمن ما تلف بالنار ونحوها لأنه تلف لم يتضمنه الاستعمال المأذون فيه فهو كتلفها بفعل لم يأذن فيه وما تلف بطول الزمان كالذي تلف بالاستعمال لأنه تلف بالإمساك المأذون فيه فأشبه تلفه بالفعل المأذون فيه (فصل) ولا يجب ضمان ولد العارية في أحد الوجهين لأنه لم يدخل في الإعارة فلم يدخل في الضمان ولا فائدة للمستعير فيه أشبه الوديعة ويضمن في الآخر لأنه ولد عين مضمونة أشبه ولد المغصوبة والأول أصح فإن ولد المغصوبة لا يضمن إذا لم يكن مغصوباً وكذلك العارية إذا لم يؤخذ مع أمه (مسألة) (وليس للمستعير أن يعير) وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وفي الآخر له ذلك وهو قول أبي حنيفة لأنه يملكه على حسب ما ملكه فجاز كإجارة المستأجر ويحتمل أن يكون مذهب لاحمد في العارية المؤقتة بناء على كونه إذا أعاره أرضه سنة ليبني فيها لم يحل الرجوع قبل السنة لأنه قد ملك المنفعة فجازت له إعارتها كالمتسأجر بعقد لازم وحكاه صاحب المجرد قولا لاحمد، وقال أصحاب الرأي إذا استعار ثوباً ليلبسه فأعطاه غيره فلبسه فهو ضامن وإن لم يسم من يلبسه فلا ضمان عليه وقال مالك إذا لم يعمل بها إلا الذي أعيرها فلا ضمان عليه ولنا أن العارية إباحة المنفعة فلا يجوز أن يبيحها غيره كإباحة الطعام وفارق الإجارة فإنه ملك
стр. 3007
الانتفاع على كل وجه فملك أن يملكها وفي العارية لم يملكها إنما ملك استيفاءها على وجه ما أذن فيه فأشبه من أبيح له أكل الطعام.
فعلى هذا إن أعار فللمالك الرجوع بأجر المثل وله أن يطالب من شاء منهما لأن الأول سلط غيره على أخذ مال غيره بغير إذنه والثاني استوفاه بغير إذنه فإن ضمن الأول رجع على الثاني لأن الإستيفاء حصل منه فاستقر الضمان عله وإن ضمن الثاني لم يرجع على الأول إلا أن يكون الثاني لم يعلم بحقيقة الحال فيحتمل أن يستقر الضمان على الأول لأنه غر الثاني ودفع إليه العين على أنه يستوفي منافعها بغير عوض
(مسألة) (وإن تلفت عند الثاني فللمالك تضمين أيهما شاء) لما ذكرنا ويستقر الضمان على الثاني بكل حال لأنه قبضها على أنها مضمونة عليه فإن ضمن الأول رجع الأول على الثاني ولا يرجع الثاني إن ضمنه على أحد (مسألة) (وعلى المستعير مؤنة رد العارية) لقول النبي ﷺ (العارية مؤداة) وقوله (على اليد ما أخذت حتى ترده) قال الترمذي هذا حديث حسن، ويجب ردها إلى المعير أو الوكيل في قبضها ويبرأ بذلك من ضمانها وإن ردها الى المكان الذي أخذها منه أو الى ملك صاحبها لم يبرأ من ضمانها وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يبرأ لأنها صارت كالمقبوضة فإن رد العواري في العادة يكون إلى أملاك أربابها فيكون مأذوناً فيه عادة
стр. 3008
ولنا أنه لم يردها إلى مالكها ولا نائبه فيها فلم يبرأ منها كما لو دفعها إلى أجنبي وما ذكره يبطل بالسارق إذا رد المسروق إلى الحرز ولا نسلم أن العادة ما ذكر (مسألة) (وإن رد الدابة إلى إصطبل المالك أو غلامه لم يبرأ إلا بردها إلى من جرت عادته بجريان ذلك على يده كالسائس ونحوه) قد ذكرنا في المسألة قبلها الاردها الى المكان الذي أخذها منه، وإن ردها إلى زوجته المتصرفة في ماله أو رد الدابة إلى سائسها فقال القاضي يبرأ في قياس المذهب لأن أحمد قال في الوديعة اذا سلمها إلى امرأته لم يضمها لأنه مأذون في ذلك أشبه مالو أذن فيه نطقاً (فصل) ومن استعار شيئا فانتع به ثم ظهر مستخقا فلما لكنه أجر مثله يطالب به من شاء منهما فإن ضمن المستعير رجع على المعير بما غرم لأنه غره بذلك وغرمه لأنه دخل عن أنه لا أجرة عليه وإن ضمن المعير لم يرجع على أحد لأن الضمان استقر عليه قال أحمد في قصار دفع ثوباً إلى غير صاحبه فلبسه فالضمان على القصار دون اللابس وسنذكره في الغصب إن شاء الله تعالى.
(فصل) وإن اختلفا فقال أجرتك قال بل أعرتي عقيب العقد والبهيمة قائمة فالقول قول الراكب إذا اختلف رب الدابة والراكب فقال الراكب هي عارية وقال المالك أكريتكها
стр. 3009
وكانت الدابة باقية لم تنقص وكان الإختلاف عقيب العقد فالقول قول الراكب مع يمينه لأن الأصل براءة ذمته منها لأن الأصل عدم عقد الإجارة ويرد الدابة إلى مالكها وكذلك إذا ادعى المالك أنها عارية وقال الراكب قد اكريتنيها فالقول قول المالك مع يمينه لما ذكرنا (مسألة) (وإن كان بعد مضي مدة لها أجرة فالقول قول المالك فيما مضى من المدة دون ما بقي منها) حكي ذلك عن مالك وقال أصحاب الرأي القول قول الراكب وهو منصوص الشافعي لأنهما اتفقا على تلف المنافع على ملك الراكب وادعى المالك عوضاً لها والأصل عدم وجوبه وبراءة ذمة الراكب منه.
ولنا أنهما اختللفا في كيفية انتقال المنافع إلى ملك الراكب فكان القول قول المالك كما لو اختلفا في عين ققال المالك بعتكها وقال الآخر وهبتنيها ولأن المنافع تجري مجرى الأعيان في الملك والعقد عليها ولو اختلفا في الأعيان كان القول قول المالك كذا ههنا وما ذكروه يبطل بهذه المسألة ولأنهما اتفقا على أن المنافع لا تنتقل الى الراكب إلا بنقل المالك لها فيكون القول قول في كيفية الإنتقال كالأعيان فيحلف المالك ويستحق الأجر (مسألة) (وهل يستحق أجر المثل أو المدعي إذا زاد عليها؟ على وجهين) (أحدهما) أجر المثل لأنهما لو اتفقا على وجوبه واختفافي قدره وجب أجر المثل فمع الإختلاف في أصله أولى (والثاني) المسمى لأنه وجب بقول المالك ويمينه فوجب ما حلف عليه كالأصل والأول أصح لأن الإجارة لا تثبت بدعوى المالك بغير بينة وإنما يستحق بدل النفعة وهو أجر المثل وقيل يلزمه أقل الأمرين لأنه إن كان المسمى أقل ققد رضي به وإن كان أكثر فليس له إلا أجر المثل لأن الإجارة لم تثبت وإنما يكون القول قول المالك إذا اختلفا في أثناء المدة فيها مصى منها وأما فيما قي فالقول قول المستعير لأن ما بقي بمنزلة ما لو اختلفا
стр. 3010
عقيب العقد وإن ادعى المالك في هذه الصورة أنها عارية وادعى الآخر بأجرة فهو يدعي استحقاق المنافع ويعترف بالأجر للمالك والمالك ينكر ذلك كله فالقول قوله مع يمينه فيحلف ويأخذ بهيمته (مسألة) (وإن اختلفا بعد تلف الدابة فقال المالك أعرتك وقال الراكب بل أجرتني فالقول قول المالك إذا كان قبل مضي مدة لها أجرة) سواء ادعى الإجارة أو العارية لأنه إن ادعى الإجارة
فهو معترف للراكب ببراءة ذمته من ضمانها فيقبل إقراره على نفسه، وإن ادعى الإعارة فهو يدعي قيمتها والقول قوله لأنهما اختلفا في صفة القبض والأصل فيما يقبضه الانساب من مال غيره الضمان لقول النبي صلى الله وسلم (على اليد ما أخذت حتى ترده) حديث حسن وإذا حلف المالك إستحق القيمة والقول في قدرها قول الراكب مع يمينه لأنه منكر للزيادة المختلف فيها والأصل عدما، وإن اختلفا في ذلك بعد مضي مدة لها أجرة والبهمية تالفة وكان الأجر بقدر قيمتها أو كان ما يدعيه المالك أقل مما يعترف به الراكب فالقول قول المالك بغير يمين سواء ادعى الإجارة أو الاعارة إذا لا فائدة في اليمين على شئ يعرف له به خصمه ويحتمل أن لا يأخذه إلا بيمين لأنه يدعي شيئاً لا يصدق فيه ويعترف له خصمه بما لا يدعيه فيحلف على ما يدعيه وإن كان ما يدعيه المالك أكثر بأن تكون قيمة الدابة
стр. 3011
أكثر من أجرها فادعى المالك أنها عارية لتجب له القيمة وأنكر استحقاق الاخر ادعى الراكب إنها مكتراة أو كان الكراء أكثر من قيمتها فادعى المالك أنه أجرها ليجب له الكراء وادعى الراكب أنها عارية فالقمول قول المالك في الصورتين لما قدمنا فإذا حلف إستحق ما حلف عليه ومذهب الشافعي في هذا كله نحو ما ذكرنا (مسألة) (وإن قال أجرتني أو أعرتني قال بل غصبتني فالقول قول المالك وقبل قول الغاصب) إذا كان الاختلاف عقيب العقد والدابة قائمة لم تنقص فلا معنى للإختلاف ويأخذ المالك دابته وكذلك إن كانت الدابة تالفة وادعى الراكب العارية لأن القيمة تجب على المستعير كوجوبها على الغاصب، وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لها أجرة فالاختلاف في وجوبه والقول قول المالك وهذا ظاهر قول الشافعي ونقل المزني عنه أن القول قول الراكب وذكره بعض أصحابنا لأن المالك يدعي عليه عوضا الأصل براءة ذمته منه ولأن الظاهر من اليد أنها لحق فكان القول قول صاحبها ولنا ما قدمنا في المسألة التي قبلها بل هذا أولى لانهما ثم اتفقا على أن المنافع ملك الراكب وههنا لم يتفقا على ذلك فإن المالك ينكر إنتقال الملك فيها إلى الراكب والراكب يدعيه والقول قول المنكر لأن الأصل عدم الإنتقال فيحلف ويستحق الأجر، فإن قال المالك غصبتها وقال الراكب أجرتنيها
فالاختلاف ههنا في وجوب القيمة لأن الأجر يجب في الموضعين إلا أن يختلف المسمى وأجر المثل فالقول قول المالك مع يمينه في وجوب القيمة فإن كانت الدابة تالفة عقيب أخذها حلف وأخذ قيمتها وإن كانت قد بقيت مدة لمثلها أجر والمسمى بقدر أجر المثل أخذه المالك لا تفاقهما على استحقاقه وكذلك إن كان أجر المثل دون المسمى وفي اليمين وجهان وان كان زائداً عن المسمى لم يستحقه إلا باليمين وجهاً واحداً والله أعلم
стр. 3012
كتاب الغصب وهو الاستيلاء على مال الغير قهراً بغير حق، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقول تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلو افريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) وأما السنة فروى جابر أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر (ان دماء كم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) رواه مسلم وغيره، وعن سعيد ابن زيد قال مسمعت رسول الله ﷺ يقول (من أخذ شبراً من الأرض ظلما طوقه من سبع أرضين) متفق عليه، وورى أبو حرة الرقاشي عن عمه وعمرو بن يثربي عن النبي ﷺ أنه قال (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) رواه الجوزجاني، وأجمع المسلمون على تحريم الغصب في الجملة وإنما اختلفوا في فروع منه نذكرها إن شاء الله تعالى (مسألة) (وتضمن أم الولد والعقار بالغصب) وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يضمن لأن أم الولد لا تجري مجرى المال بدليل أنه لا يتعلق بها حق الغير فأشبهت الحر ولنا أنها تضمن بالقيمة فضمنت بالغصب كالقن ولأنها مملوكة أشبهت المدبرة وفارقت الحرة فإنها ليست مملوكة ولا تضمن بالقيمة
стр. 3013
(مسألة) (ويضمن العقار بالغصب ويتصور غصب الأراضي والدور ويجب ضمانه على عاصبه)
هذا ظاهر مذهب أحمد وهو المنصوص عند أصحابه وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وروى ابن منصور عن أحمد فيمن غصب أرضاً فزرعها ثم أصابها غرق من الغاصب غرم قيمة الأرض وإن كان شيئاً من السماء لم يكن عليه شئ فظاهر هذا أنها لا تضمن بالغصب وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يتصور غصبها ولا تضمن بالغصب فإن أتلفها ضمنها بالإتلاف لأنه لم يوجد فيها النقول والتحويل فلم تزيضمنها كما لو حال بينه وبين متاعه فتلف المتاع ولأن الغصب إثبات اليد على المال عدواناً على وجه ول به يد المالك ولا يمكن ذلك في العقار ولنا قوله ﵇ (من ظلم شبراً من الأرض طوقه يوم القيمة من سبع أرضين) متفق على معناه وفي لفظ (من غصب شبراً من الأرض) فأخبر النبي ﷺ أنه يغصب ويظلم فيه ولأن ما ضمن في البيع وجب ضمانه في الغصب كالمنقول ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجه يحول بينه وبين مالكه مثل أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها فأشبه مالو أخذ الدابة والمتاع، وأما إذا حال بينه وبين متاعه واستولى على ماله فنظيره ههنا أن يحبس المالك ولا يستولي على داره، وأما ما تلف من الأرض بفعله أو بسبب فعله كهدم حيطانها وتغريقها أو كشط ترابها وإلقاء الحجارة فيها أو نقص يحصل بغراسه أو بنائه فيضمنه بغير خلاف بين العلماء لأن هذا إتلاف والعقار يضمن بالإتلاف من غير خلاف.
(فصل) ولا يحصل الغصب من غير استيلاء فلو دخل أرض إنسان أو داره لم يضمنها بدخوله سواء دخلها بإذنه أو غير إذنه وسواء كان صاحبها فيها أولم يكن وقال أصحاب الشافعي إن دخلها بغير
стр. 3014
اذنه ولم صاحبها فيها ضمنها سواء قصد ذلك أو ظن أنها داره أو دار أذن له في دخولها لأن يد الداخل تثبت عليها بذلك فيصير غاصباً فإن الغصب إثبات اليد العادية وهذا قد تثبت يده بدليل أنهما لو تنازعا في الدار ولا بينة حكم بها لمن هو فيها دون الخارج منها ولنا أنه غير مستول عليها فلم يضنمها كما لو دخلها بإذنه أو دخل صحراة له ولأنه إنما يضمن بالغصبب ما يضمنه في العارية وهذا لا تثبت به العارية ولا يجب به الضمان فيها فكذلك لا يثبت به
الغصب إذا كان بغير إذن.
(مسألة) (وإن غصب كلباً فيه نفع أو خمر ذمي لزمه ردهما) إذا غصب كلباً يجوز اقتناؤه وجب رده لأنه يجوز الإنتفاع به وإقتناؤه فأشبه المال، وإن أتلفه لم يغرمه وفيه اختلاف ذكر في البيع وهو مبني على جواز بيعه، وإن حبسه مدة لم يلزمه أجر لأنه لا يجوز وإن غصب خمر ذمي لزمه ردها لأنه يقر على شربها فإن أتلفها لم يلزمه قيمتها سواء أتلفه مسلم أو ذمي وسواء كان المسلم أو ذمي نص عليه أحمد في رواية أبي الحارث في الرجل يهريق مسكراً لمسلم أو لذمي فلا ضمان عليه وكذلك الخنزير وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك يجب ضمان الخمر والخنزير إذا أتلفهما على ذمي قال أبو حنيفة إن كان مسلماً بالقيمة وإن كان ذمياً بالمثل لأن عقد الذمة إذا عصم عينا قومها كنفس الذمي وقد عصم خمر الذمي بديل أن المسلم يمنع من إتلافها فيجب أن يقومها ولأنها مال لهم يتمولونها لما روي عن عمر ﵁ إن عامله كتب إليه: إن أهل الذمة يمرون بالعاشر ومعهم الخمور فكتب اليه عمر ولوهم بيعها وخذوا منهم عشر ثمنها فإذا كانت مالاً لهم وجب ضمانها كسائر أموالهم
стр. 3015
ولنا ماروى جابر أن النبي ﷺ قال (ألا إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) متفق عليه وما حرم بيعه لالحرمته لم تجب قيمته كاليمتة ولأن ما لم يكن مضموناً في حق المسلم لا يكون مضموناً في حق الذمي كالمرتد، ولأنها غير متقومة فلا تضمن كالميتة، ودليل أنها غير متقومة أنهغا غير متقومة في حق المسلم فكذلك في حق الذمي فان تحريهما ثبت في حقهما وخطاب النواهي يتوجه إليها فما ثبت في حق أحدهما ثبت في حق الآخر ولا نسلم أنها معصومة بل متى أظهرت حلت إراقتها ثم لو عصمها ما لزم تقومها فإن نساء أهل الحرب وصبيانهم معصومون غير متقومين وقولهم إنها مال عندهم ينتقض بالعبد المرتد فإنه مال عندهم، فأما حديث عمر فمحمول على أنه أراد ترك التعرض لهم وإنما أمر بأخذ عشر أثمانها لأنهم إذا تبايعوا وتقابضوا حكمنا بالمالك ولم نتقضه وتسميتها أثماناً مجاز كما سمى الله تعالى ثمن يوسف ثمناً فقال (وشروه بثمن جنس) (فصل) فإن غصب من مسلم خمراً حرم ردها ووجبت إراقتها لأن أبا طلحة سأل رسول الله
ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً فأمره بأراقتها، وإن أتلفها أو تلفت عنده لم يجب ضمانها لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) ولأن ما حرم الانتفاع به لم يجب ضمانه كالميتة والدم، فإن أمسكها حتى صارت خلا لزمه ردها لأنها صارت خلاعلى حكم ملكه فلزمه ردها فإن تلفت ضمنها له لأنها مال المغصوب منه تلف في يد الغاصب، فإن أراقها
следующие страницы →