الامام احمد وابو داود والترمذي وقال حديث حسن وعن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله ﷺ " لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت " رواه أبو داود، وعن ابن عباس قال مر رسول الله ﷺ على رجل وفخذه خارجة فقال: " غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته " رواه الإمام أحمد: قال البخاري حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط (فصل) والسرة والركبتان ليست من العورة، وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة الركبة من العورة لأنه روي أن النبي ﷺ قال " الركبة من العورة " ولنا ما روى أبو أيوب أن النبي ﷺ قال " أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة " رواه أبو بكر، وحديث عمرو بن شعيب، ولأن الركبة حد العورة فلم تكن منها كالسرة والعبد والحر في ذلك سواء لعموم الأخبار فيهما وحديثهم يرويه أبو الجنوب ولا يثبته أهل النقل (فصل) وأما الأمة، قال ابن حامد عورتها كعورة الرجل ما بين السرة والركبة، حكاه القاضي في المجرد وابن عقيل قال القاضي وقد لوح إليه أحمد وهو ظاهر مذهب الشافعي لحديث عمرو بن
شعيب والمراد به الأمة فإن الأجير والعبد لا تختلف حاله بالتزويج وعدمه، وقال القاضي في الجامع عورة الأمة ما عدا الرأس واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الركبتين، وهو قول بعض الشافعية لأن هذا يظهر عادة عند التقليب والخدمة فهو كالرأس وما سواه لا يظهر غالباً ولا تدعو الحاجة إلى كشفه أشبه ما بين السرة والركبة والأول أولى لما ذكرنا ولأن من لم يكن رأسه عورة لم يكن صدره عورة كالرجل وقال الحسن في الأمة إذا تزوجت أو إتخذها الرجل لنفسه يجب عليها الخمار ولنا أن عمر كان ينهى الإماء عن التقنع وقال إنما القناع للحرائر واشتهر ذلك ولم ينكر فكان
стр. 457
إجماعاً ولأنها أمة أشبهت التي لم تتزوج، وفيه رواية ثالثة أن عورتها الفرجان كالرجل ذكرها أبو الخطاب وشيخنا في الكتاب المشروح والصحيح خلافها إن شاء الله تعالى.
والمكاتبة والمدبرة والمعلق عتقها بصفة كالأمة القن فيما ذكرنا لأنهن إماء يجوز بيعهن وعتقهن أشبهن القن.
وقال ابن البنا هن كأم الولد (مسألة) (والحرة كلها عورة إلا الوجه وفي الكفين روايتان) أما وجه الحرة فإنه يجوز للمرأة كشفه في الصلاة بغير خلاف نعلمه واختلفت الرواية في الكفين فروي عنه جواز كشفهما وهو قول مالك والشافعي لأنه روي عن ابن عباس وعائشة في قوله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال الوجه والكفين، ولأنه يحرم على المحرمة سترهما بالقفازين كما يحرم ستر الوجه بالنقاب ويظهران غالباً وتدعو الحاجة الى كشفهما للبيع والشراء فأشبها الوجه.
وروي عنه إنهما من العورة وهذا اختيار الخرقي.
قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد، لأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال " المرأة عورة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح: وهذا عام في جميعها ترك في الوجه للحاجة فيبقى فيما عداه.
وقول ابن عباس وعائشة قد خالفهما ابن مسعود فقال الثياب ولأن الحاجة لا تدعو إلى كشفهما وظهورهما كالحاجة إلى كشف الوجه فلا يصح القياس ثم يبطل قياسهم بالقدمين فإنهما يظهران عادة وسترهما واجب وهما بالرجلين أشبه من الوجه فقياسهما عليهما أولى (فصل) وما سوى الوجه والكفين فيجب ستره في الصلاة رواية واحدة وهو قول مالك والشافعي والاوزاعي.
وقال أبو حنيفة القدمان ليسا من العورة لأنهما يظهران عادة ويغسلان في
الوضوء أشبها الوجه والكفين ولنا قوله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) وما روت ام سلمة أنها سألت النبي صلى
стр. 458
الله عليه وسلم أتصلي المرأة في درع وخمار؟ قال " نعم إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها " رواه أبو داود، والخبر الذي رويناه في أن المرأة عورة خرج منه الوجه فيبقى فيما عداه على قضية الدليل وأما ما عدا الوجه والكفين والقدمين فهو عورة بالإجماع لا نعلم فيه خلافاً لقول النبي ﷺ " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " حديث صحيح (مسألة) (وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة وعنه كالحرة) نقل عن أحمد ﵀ في المعتق بعضها روايتان (إحداهما) أنها كالحرة لأن فيها حرية تقتضي الستر فوجب كما يجب على الخنثى المشكل ستر فرجيه معاً لوجوب ستر أحدهما (والثانية) هي كالأمة القن لأن المقتضى للستر بالإجماع الحرية الكاملة ولم توجد فتبقى على الأصل وهذا قول ابن المنذر (فصل) وحكم أم الولد حكم الأمة في صلاتها وسترتها وهو قول النخعي والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وعن أحمد أنها كالحرة تغطي شعرها وقدميها نقلها عنه الأثرم لأنها لا تباع ولا ينقل الملك فيها أشبهت الحرة وهو قول الحسن وابن سيرين في تغطية الرأس حكاه ابن المنذر.
ووجه الأولى أنها أمة حكمها حكم الإماء وكونها لا ينتقل الملك فيها لا يخرجها عن حكم الأمة كالموقوفة، وانعقاد سبب الحرية فيها لا يؤثر أيضاً بدليل المكاتبة والمدبرة، لكن يستحب لها ستر رأسها لتخرج من الخلاف وتأخذ بالإحتياط (فصل) وعورة الخنثى المشكل كعورة الرجل لأنه اليقين والأنوثة مشكوك فيها فلا نوجب عليه ستر محل مشكوك في وجوبه كما لو نوجب نقض الوضوء بمس أحد فرجيه ولا الغسل بإيلاجه لكن يجب عليه ستر فرجيه إذا قلنا العورة الفرجان لأن أحدهما فرج حقيقي ولا يتحقق ستره إلا بسترهما فوجب عليه كستر ما قرب من العورة لأجل سترها، وعنه حكمه حكم المرأة ذكره في المستوعب لأنه يحتمل أن يكون امرأة فوجب ذلك إحتياطاً (فصل) فإن عتقت الأمة في أثناء صلاتها وهي مكشوفة الرأس ووجدت سترة فهي كالعريان يجد
السترة في أثناء صلاته وسيأتي إن شاء الله، وإن لم تعلم بالعتق حتى أتمت صلاتها أو علمت به ولم تعلم
стр. 459
بوجوب الستر فصلاتها باطلة لأن شروط الصلاة لا يعذر فيها بالجهل فأما إن عتقت ولم تقدر على سترة أتمت صلاتها ولا إعادة عليها لأنها عاجزة عن السترة فهي كالحرة الأصلية إذا عجزت (مسألة) (ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين) لما روى ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ أو قال قال عمر " إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن له إلا ثوب واحد فليتزر به " رواه أبو داود، وعن عمر أنه قال إذا أوسع الله فأوسعوا - جمع رجل عليه ثيابه - صلى رجل في إزار ورداء - في إزار وقميص - في إزار وقباء - في سراويل ورداء - في سراويل وقميص - في سراويل وقباء، في تبان وقميص، قال القاضي وذلك في الإمام آكد لأنه بين يدي المأمومين وتتعلق صلاتهم بصلاته فإن لم يكن إلا ثوب واحد فالقميص أولى لأنه أبلغ في الستر ثم الرداء ثم المئزر أو السراويل (مسألة) (فان اقتصر على ستر العورة أجزأه إذا كان على عاتقه شئ من اللباس) وجملة ذلك أن الرجل متى ستر عورته في الصلاة صحت صلاته إذا كان على عاتقه شئ من اللباس سواء كان من الثوب الذي ستر عورته أو من غيره إذا كان قادراً على ذلك لما روى عمر بن أبي سلمة أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة قد ألقى طرفيه على عاتقه.
وعن أبي هريرة أن سائلاً سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في الثوب الواحد قال " أو لكلكم ثوبان؟ " متفق عليهما.
وعن جابر أن النبي ﷺ قال " إذا كان الثوب واسعاً فالتحف به وإذا كان ضيقاً فاشدده على حقوك - وفي لفظ - فاتزر به " رواه البخاري (فصل) ولا يجزئ من ذلك إلا ما ستر العورة عن غيره ونفسه فلو كان القميص واسع الجيب يرى عورته إذا ركع أو سجد أو كانت بحيث يراها لم تصح صلاته لقول النبي ﷺ لسلمة بن الأكوع " وازرره ولو بشوكة " فإن كان ذا لحية كبيرة تغطي الجيب فتستر عورته صحت صلاته نص عليه لأن عورته مستورة وهذا مذهب الشافعي (فصل) ويجب عليه أن يضع على عاتقه شيئاً من اللباس مع القدرة، اختاره ابن المنذر وأكثر العلماء على خلافه لأنهما ليسا من العورة أشبها بقية البدن
стр. 460
ولنا ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال " لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ " رواه مسلم، وعن بريدة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي في لحاف ولا يتوشح به وأن يصلي في سراويل ليس عليه رداء.
رواه أبو داود وهو شرط لصحة الصلاة في ظاهر المذهب واختاره ابن المنذر لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ولأن ستره واجب في الصلاة فإلاخلال به يفسدها كالعورة، وذكر القاضي وابن عقيل أنه نقل عن أحمد ما يدل على أنه ليس بشرط فإنه قال في رواية مثنى بن جامع فيمن صلى وثوبه على إحدى عاتقية والأخرى مكشوفة يكره قيل له يؤمر أن يعيد؟ فلم ير عليه إعادة.
قال شيخنا وليس هذا رواية أخرى إنما يدل على أنه لا يجب ستر المنكبين جميعاً لأن الخبر لا يقتضي سترهما فعلى هذا لا يجب سترهما جميعاً بل يجزئه وضع ثوب على أحد عاتقيه وإن كان يصف البشرة لأن وجوب ذلك بالخبر ولفظه " لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ " وهذا يقع على ما يعم المنكبين ومالا يعم، وقال القاضي وابو الخطاب وابن عقيل يجب ستر المنكبين لقول النبي ﷺ " إذا صلى أحدكم في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه على عاتقيه " صحيح (فصل) فإن طرح على كتفيه ما يستر البشرة ومالا يستر - حبلاً أو نحوه - لم يجزه في اختيار الخرقي والقاضي، وقال بعض أصحابنا يجزئه قالوا لان هذا شئ فيتناوله الخبر.
قال بعضهم وقد روي عن جابر أنه صلى في ثوب واحد متوشحاً به كأني أنظر إليه كان على عاتقه ذنب فأرة، وعن إبراهيم قال كان أصحاب النبي ﷺ إذا لم يجد أحدهم ثوباً ألقى على عاتقه عقالاً وصلى وقال شيخنا والصحيح أنه لا يجزئ لأن ذلك لا يسمى سترة ولا لباساً ولأن النبي ﷺ قال " إذا صلى أحدكم في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه على عاتقيه " صحيح رواه أبو داود والأمر بوضعه على العاتقين للستر ولا يحصل ذلك بوضع خيط ولاحبل، وما روي عن جابر لا يصح، وما روى
стр. 461
الصحابة إن صح فلعدم ما سواه لقوله " إذا لم يجد " وفي هذا دليل على أنه لا يجزي مع وجود الثوب والله أعلم
(فصل) (وقال القاضي يجزئه ستر العورة في النفل دون الفرض) يعني إذا اقتصر على ستر العورة دون المنكبين أجزأه في النفل دون الفرض، نص عليه أحمد في رواية حنبل قال: يجزئه أن يأتزر بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ في التطوع لأن مبناه على التخفيف ولذلك يسامح فيه بترك القيام والاستقبال في حال سيره مع القدرة فسومح فيه بهذا القدر واستدل أبو بكر بقول النبي ﷺ " إذا كان الثوب ضيقاً فاشدده على حقوك " قال هذا في التطوع.
وحديث أبي هريرة في الفرض وظاهر كلام الخرقي التسوية بينهما لأن ما إشترط للفرض اشترط للنفل كالطهارة ولأن الخبر عام فيهما وهذا ظاهر كلام شيخنا ﵀ والله أعلم.
(مسألة) (ويستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وملحفة فإن إقتصرت على ستر العورة أجزأها) روي نحو ذلك عن عمر وابنه وعائشة وهو قول الشافعي وذلك أنه أستر وأحسن فإنه إذا كان عليها جلباب تجافى عنها راكعة وساجدة فلا يصفها ولا تبين عجيزتها ومواضع العورة المغلظة.
وروي عن ابن عمر وابن سيرين ونافع قالوا تصلي المرأة في أربعة أثواب لذلك وهذا على وجه الاستحباب فإن إقتصرت على ستر عورتها أجزأها، قال أحمد: قد إتفق عامتهم على الدرع والخمار وما زاد فهو خير وأستر.
وقد دل عليه حديث أم سلمة حين قالت: يا رسول الله أتصلي المرأة في درع وخمار؟ قال: " نعم إذا كان سابقا يغطي ظهور قدميها " وروي عن عاشة وميمونة وأم سلمة أزواج النبي ﷺ إنهن كن يرين الصلاة في درع وخمار، حكاه ابن المنذر ولأنها سترت ما يجب عليها ستره أشبهت الرجل (فصل) ويكره للمرأة النقاب وهي تصلي، قال ابن عبد البر: اجمعوا على ان على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام ولأن ذلك يخل بمباشرة المصلي بالجبهة والأنف ويغطي الفم.
وقد نهى النبي ﷺ الرجل عنه
стр. 462
(مسألة) (وإذا إنكشف من العورة يسير لم يفحش في النظر لم تبطل صلاته) نص عليه أحمد وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي تبطل لأنه حكم يتعلق بالعورة فاستوى قليله وكثيره كالنظر ولنا ما روى عن عمرو بن سلمة الجرمي قال: إنطلق أبي وافداً إلى رسول الله ﷺ في نفر من
قومه فعلمهم الصلاة وقال " يؤمكم أقرؤكم " فكنت أقرأهم فقدموني فكنت أؤمهم وعلي بردة صفراء صغيرة فكنت إذا سجدت إنكشفت عني فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم.
فاشتروا لي قميصاً عمانيا فما فرحت بعد الإسلام فرحي به.
وفي لفظ فكنت أؤمهم في بردة موصلة فيها فتق فكنت إذا سجدت فيها خرجت أستى.
رواه أبو داود والنسائي وهذا ينتشر ولم ينكر ولم يبلغنا أن النبي ﷺ أنكره ولا أحد من أصحابه ولأن ما صحت الصلاة مع كثيره حال العذر فرق بين قليله وكثيره في غير حال العذر كالمشي، ولأن اليسير يشق الإحتراز منه فعفي عنه كيسير الدم وحد اليسير مالا يفحش في النظر عادة ولا فرق في ذلك بين الفرجين وغيرهما إلا أن العورة المغلظة يفحش منها ما لا يفحش من غيرها فيعتبر ذلك وسواء في ذلك الرجل والمرأة.
وقال أبو حنيفة إن إنكشف من المغلظة قدر الدرهم أو من غيرها أقل من ربعها لم تبطل الصلاة وإن كان أكثر بطلت ولنا أن هذا تقدير لم يرد الشرع به فلا يجوز المصير إليه وما لم يرد الشرع فيه بالتقدير يرد إلى العرف كالكثير من العمل في الصلاة والتفرق والاحتراز فإن إنكشفت عورته من غير عمد فسترها في الحال لم تبطل لأنه يسير في الزمن أشبه اليسير في القدر.
وقال التميمي إن بدت عورته وقتاً واستترت وقتاً لم يعد لحديث عمرو بن سلمة فلم يشترط اليسير.
قال شيخنا ولابد من اشتراطه لأنه يفحش ويمكن التحرز منه أشبه الكثير في القدر (مسألة) (وإن فحش بطلت) يعني ما فحش في النظر عادة وعرفاً لما ذكرنا لأن التحرز منه ممكن من غير مشقة أشبه سائر العورة.
قال إبن المنذر اجمعوا على ان المرأة الحرة إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها الإعادة ولأن الأصل وجوب ستر جميع العورة عفي عنه في اليسير لمشقة التحرز
стр. 463
منه يبقى فيما عداه على قضية الدليل (مسألة) (ومن صلى في ثوب حرير أو مغصوب لم تصح صلاته وعنه تصح مع التحريم) لبس المغصوب والصلاة فيه حرام على الرجال والنساء وجهاً واحدا فإن صلى فيه فهل تصح صلاته على روايتين أظهرهما لا تصح إذا كان هو الساتر للعورة لأنه استعمل المحرم في شرط الصلاة فلم تصح كما لو كان نجسا
ولأن الصلاة قربة وطاعة وقيام هذا وقعوده في هذا الثوب منهي عنه فكيف يكون متقرباً بما هو عاص به مأموراً بما هو منهي عنه.
وقال ابن عمر من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم تقبل له صلاة مادام عليه.
ثم أدخل أصبعيه في أذنيه وقال: صمتاً إن لم يكن النبي ﷺ سمعته يقوله.
رواه الإمام أحمد وفي إسناده رجل غير معروف (والثانية) تصح وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي.
لأن النهي لا يعود إلى الصلاة ولا يختص التحريم بها فهو كما لو صلى في عمامة مغصوبة أو غسل ثوبه من النجاسة بماء مغصوب.
فإن ترك الثوب المغصوب في كمه أو صلى في عمامة مغصوبة أو في يده خاتم مغصوب صحت صلاته لأن النهي لا يعود إلى شرط الصلاة فلم يؤثر فيها كما لو كان في جيبه درهم مغصوب.
والفرض والنفل في ذلك سواء لأن ما كان شرطاً للفرض فهو شرط للنفل (فصل) فإن صلى وعليه سترتان إحداهما مغصوبة ففيه الروايتان سواء كان الفوقاني أو التحتاني لأن الستر لا يتعين بإحداهما والمغصوب من جنس ما يستتر به بمثابة ما زاد على المشروط من اللفائف في حق الميت فإنه يجري مجراه في وجوب القطع فإن صلى في قميص بعضه حلال وبعضه حرام لم تصح صلاته على الرواية الأولى سواء كان المغصوب هو الذي ستر العورة أو بالعكس لأن القميص يتبع بعضه بعضاً فلا يتميز بدليل دخوله في مطلق البيع، ذكر هذا الفصل ابن عقيل (فصل) وإن صلى الرجل في ثوب حرير لم يجز له والحكم في صحة الصلاة فيه كالحكم في الثوب
стр. 464
المغصوب على ما بينا لأنه في معناه وتصح صلاة المرأة فيه لأنه مباح لها وكذلك صلاة الرجل فيه في حال العذر إذا قلنا بإباحته له (مسألة) (ومن لم يجد إلا ثوبا نجسا صلى فيه) وذلك لأن ستر العورة آكد من إزالة النجاسة لتعلق حق الآدمي به في ستر عورته ووجوبه في الصلاة وغيرها فكان تقديمه أولى وهذا قول مالك، وقال الشافعي يصلي عرياناً ولا يعيد، وقال أبو حنيفة في النجاسة كلها يخير في الفعلين لأنه لابد من ترك واجب في كلا الفعلين، وقد ذكرنا أو الستر آكد فوجب تقديمه ولأنه قدر على ستر عورته فلزمه كما لو وجد ثوباً طاهراً
(مسألة) (وتلزمه الإعادة على المنصوص) لأنه أخل بشرط الصلاة مع القدرة عليه أشبه ما لوصلى محدثاً.
ويتخرج أن لا يعيد بناء على من صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه فإنه قال: لا إعادة عليه.
وهذا اختيار شيخنا لأن الشرع منعه نزعه أشبه ما إذا لم يمكنه وهو مذهب مالك والاوزاعي ولأن التحرز من النجاسة شرط عجز عنه فسقط كالعجز عن السترة، فان لم يجد إلا ثوب حرير صلى فيه ولا إعادة عليه لأن تحريم لبسه يزول بالحاجة إليه، وذكر ابن عقيل أنه يخرج على الروايتين في السترة النجسة فان لم يجد إلا ثوباً مغصوباً صلى عرياناً لأن تحريمه لحق آدمي أشبه من لم يجد إلا ماء مغصوباً وذكر ابن عقيل في وجوب الإعادة على من صلى في الثوب النجس روايتين (إحداهما) يعيد لما ذكرنا (والثانية) لا يعد لأنه أتى بما أمر به أشبه مالو لم تكن عليه نجاسة (مسألة) (فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها) إذا لم يجد إلا ما يستر عورته حسب - بدأ بها وترك منكبيه لأن ستر العورة متفق على وجوبه وستر المنكبين مختلف فيه ولأن ستر العورة واجب في غير الصلاة ففيها أولى وقد روي حنبل عن أحمد فيمن معه ثوب واحد لطيف أن ستر عورته إنكشف منكباه فقال يصلي جالساً ويرسله من ورائه على منكبيه وعجيزته واحتج لذلك بأن ستر
стр. 465
المنكبين الحديث فيه أصح من ستر الفخذين والقيام يسقط في حق العريان وله بدل فإذا صلى جالساً حصل ستر العجيزة والمنكبين بالثوب وستر العورة بالجلوس.
والصحيح الأول إختاره شيخنا لما ذكرنا ولما روى جابر عن النبي ﷺ أنه قال " إذا كان الثوب واسعاً فخالف بين طرفيه وإذا كان ضيقاً فاشدده على حقوك " رواه أبو داود وروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال " من كان له ثوبان فليأتزر وليرتد ومن لم يكن له ثوبان فليأتزر ثم ليصل " رواه الإمام أحمد ولأن القيام متفق على وجوبه فلا يترك لأمر مختلف فيه والله أعلم (مسألة) (فإن لم يكف جميعها ستر الفرجين) لأنهما أفحش وهما عورة بغير خلاف (مسألة) (فإن لم يكفهما جميعاً ستر أيهما شاء) لاستوائهما والأولى ستر الدبر على ظاهر كلامه لأنه أفحش وينفرج في الركوع والسجود وقيل القبل أولى لأن به يستقبل القبلة والدبر مستور بالأليتين
(مسألة) (وإن بذلت له سترة لزمه قبولها إذا كانت عارية) لأن المنة لا تكثر في العارية فيكون قادراً على ستر عورته بما لا ضرر فيه.
وإن كانت هبة لا يلزمه قبولها لأن المنة تكثر فيها.
قال شيخنا ويحتمل أن يلزمه لأن العار في كشف عورته أكثر من الضرر فيما يلحقه من المنة.
وإن وجد من يبيعه سترة أو يؤجره بثمن المثل أو زيادة يسيرة وقدر على العوض لزمه وإن كانت كثيرة لا تجحف بماله فهو كما لو قدر على شراء الماء بذلك وفيه وجهان مضى توجيههما (مسألة) (فإن عدم بكل حال صلى جالساً يومئ إيماء وإن صلى قائماً جاز، وعنه أنه يصلي قائماً ويسجد بالأرض) لا تسقط الصلاة عن العريان بغير خلاف علمناه لأنه شرط عجز عنه فلم تسقط الصلاة بعجزه عنه كالإستقبال ويصلي جالسا يومئ بالركوع والسجود وهو قول أبي حنيفة، وقال مالك والشافعي وابن المنذر يصلي قائماً كغير العريان لقوله ﷺ " صلى قائماً فإن لم تستطع فقاعداً " رواه البخاري ولأنه قادر على القيام من غير ضرر فلم يجز له تركه كالقادر على الستر ولنا ما روى عن ابن عمر أن قوماً إنكسرت بهم مركبهم فخرجوا عراة قال يصلون جلوساً
стр. 466
يومئون إيماء برؤوسهم ولم ينقل خلافه ولأن الستر آكد من القيام لأمرين (أحدهما) أنه لا يسقط مع القدرة بحال والقيام يسقط في النافلة (والثاني) أن الستر لا يختص الصلاة بخلاف القيام فإذا لم يكن بد من أحدهما فترك الأخف أولى، فإن قيل فلا يحصل الستر كله مع فوات أركان ثلاثة القيام والركوع والسجود.
فالجواب أنا إذا قلنا العورة الفرجان فقد حصل سترهما وإن قلنا هما بعض العورة فهما آكدها وجوباً وأفحشها في النظر فكان سترهما أولى ولا تجب عليه إعادة لأنه صلى كما أمر أشبه ما لو صلى إلى غير القبلة عند العجز فإن صلى قائماً جاز لما ذكرنا.
وقد روي عنه أنه يصلي جالساً ويسجد بالأرض لأن السجود آكد من القيام لكونه مقصوداً في نفسه ولا يسقط فيما يسقط فيه القيام وهو النفل.
والأولى الإيماء بالسجود لأن القيام سقط عنهم لحفظ العورة وهي في حال السجود أفحش فكان سقوطه أولى وإن صلى قائماً وركع وسجد بالأرض جاز في ظاهر كلام أحمد وقول أصحاب الرأي لأنه لابد من ترك أحد الواجبين فأيهما ترك فقد أتى بالآخر وعلى أي حال صلى فإنه يتضام ولا يتجافى،
قيل لأبي عبد الله يتضامون أم يتربعون؟ قال بل يتضامون، وقد قيل أنهم يتربعون في حال القيام كصلاة النافلة قاعداً والأول أولى.
(فصل) فإذا وجد العريان جلداً طاهراً أو ورقاً يمكن خصفه عليه أو حشيشاً يمكن ربطه عليه فيستتر لزمه لأنه قادر على ستر عورته بطاهر لا يضره فقد ستر النبي ﷺ رجلي مصعب بن عمير بالأذخر لما لم يجد سترة.
وإن وجد طيناً يطلي به جسده لم يلزمه لأنه يتناثر إذا جف وفيه مشقة ولا يغيب الخلقة، وقال ابن عقيل يلزمه لأنه يستر وما تناثر سقط حكمه واستتر بما بقي وهو قول بعض الشافعية وإن وجد ماء لم يلزمه النزول فيه وإن كان كدراً لأن عليه فيه مشقة وضرراً لا يحتمل.
وإن وجد حفرة لم يلزمه النزول فيها لأنها لا تلصق بجسده فهي كالجدار وإن وجد سترة تضر به كبارية ونحوها لم يلزمه الإستتار بها لما فيها من الضرر والمنع من إكمال الركوع والسجود
стр. 467
(مسألة) (وإن وجد السترة قريبة منه في أثناء الصلاة ستر وبنى وإن كانت بعيدة ستر وابتدأ) وجملة ذلك أن العريان متى قدر على السترة في أثناء الصلاة وأمكنه من غير زمن طويل ولا عمل كثير ستر وبنى على ما مضى من الصلاة كأهل قباء لما علموا بتحويل القبلة استداروا إليها وأتموا صلاتهم.
وإن لم يمكن الستر إلا بعمل كثير أو زمن طويل بطلت الصلاة لأنه لا يمكنه المضي فيها إلا بما ينافيها من العمل الكثير أو فعلها بدون شرطها والمرجع في ذلك إلى العرف لأنه لا تقدير فيه توقيفاً وذكر القاضي فيمن وجدت السترة إحتمالاً أن صلاتها لا تبطل بانتظارها وإن طال لأنه إنتظار واجب ولا يصح ذلك لأنها صلت في زمن طويل عارية مع إمكان الستر فلا تصح كالصلاة كلها وما ذكروه يبطل بما لو أتمت صلاتها في حال إنتظارها وانتظرت من يأتي فيناولها وقياس الكثير على اليسير فاسد لما ثبت في الشرع من العفو عن اليسير دون الكثير في مواضع كثيرة (فصل) فإن صلى عرياناً ثم بأن معه ستارة أنسبها أعاد لأنه مفرط كما قلنا في الماء (مسألة) (ويصلي العراة جماعة وأمامهم في وسطهم) الجماعة تشرع للعراة كغيرهم لقول النبي ﷺ " صلاة الرجل في الجميع تفضل على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة " وهذا قول
قتادة، وقال مالك والاوزاعي وأصحاب الرأي يصلون فرادى، قال مالك ويتباعد بعضهم من بعض وإن كانوا في ظلمة صلوا جماعة ويتقدمهم إمامهم وبه قال الشافعي في القديم، وقال في موضع الجماعة والأفراد سواء لأن في الجماعة الإخلال بسنة الموقف وفي الإنفراد الإخلال بفضيلة الجماعة ووافقنا أن أمامهم يقوم وسطهم وعلى مشروعية الجماعة للنساء العراة لأن أمامتهن تقوم في وسطهن فلا يحصل الإخلال في حقهن بفضيلة الموقف: ولنا الحديث الذي ذكرنا ولأنهم قدروا على الجماعة من غير عذر أشبهوا المستترين ولا تسقط الجماعة لفوات السنة في الموقف كما لو كانوا في ضيق لا يمكن تقديم أحدهم، وإذا شرعت الجماعة حال الخوف مع تعذر الإقتداء بالإمام في بعض الصلاة والحاجة إلى مفارقته وفعل ما يبطل الصلاة في غير
стр. 468
تلك الحال فأولى أن تشرع ههنا.
إذا ثبت هذا فإن إمامهم يكون في وسطهم ويصلون صفاً واحداً لأنه أستر لهم فإن لم يسعهم صف واحد وقفوا صفوفاً وغضوا أبصارهم وإن صلى كل صف جماعة فهو أحسن (مسألة) (وإن كانوا رجالاً ونساء صلى كل نوع لأنفسهم) لئلا يرى بعضهم عوراة بعض وإن كانوا في ضيق صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم صلى النساء واستدبرهم الرجال لئلا ينظر بعضهم إلى بعض (فصل) (فإن كان مع العراة واحد له سترة لزمه الصلاة فيها) فإن أعارها وصلى عرياناً لم تصح لأنه قادر على السترة، وإذا صلى فيه إستحب أن يعيره لقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) ولا يجب ذلك بخلاف ما لو كان معه طعام فاضل عن حاجته ووجد مضطراً فإنه يلزمه إعطاؤه.
وإذا بذله لهم صلى فيه واحد بعد واحد ولم يجز لهم الصلاة عراة لقدرتهم على الستر، إلا أن يخافوا ضيق الوقت فيصلون عراة جماعة لأنهم لو كانوا في سفينة لا يمكن جميعهم الصلاة قياماً صلى واحد بعد واحد إلا أن يخافوا فوت الوقت فيصلي واحد قائماً والباقون قعوداً كذلك هذا ولأن هذا يحصل به إدراك الوقت والجماعة وذاك إنما يحصل به الستر خاصة.
ويحتمل أن ينتظروا الثوب وإن فات الوقت لأنه قدر على شرط الصلاة فلم تصح صلاته بدونه كواجد الماء لا يتيمم وإن خاف فوت الوقت.
قال شيخنا: وهذا أقيس عندي، فإن إمتنع صاحب الثوب من إعارته فالمستحب أن يؤمهم ويقف بين
أيديهم، فإن كان أمياً وهم قراء صلى العراة جماعة وصاحب الثوب وحده لأنه لا يجوزه أن يؤمهم لكونه أمياً ولا يأتم بهم لكونهم عراة وهو مستتر، وإن صلى وبقي وقت صلاة واحدة إستحب أن يعيره لمن يصلح لامامتهم وإن عاره لغيره جاز وصار حكمه حكم صاحب الثوب، فإن استووا ولم يكن الثوب لواحد منهم أقرع بينهم فيكون من تقع له القرعة أحق به وإلا قدم من تستحب البداية بعاريته وإن كانوا رجالاً ونساء فالنساء أحق لأن عورتهن أفحشن وسترها آكد وإذا صلين فيه أخذه الرجال (مسألة) (ويكره في الصلاة السدل) وهو أن يطرح على كتفيه ثوباً ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الآخر، وهذا قول ابن مسعود والثوري والشافعي لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ نهى عن السدل في الصلاة، رواه أبو داود.
فإن فعل فلا إعادة عليه، وقال ابن أبي موسى: يعيد الصلاة في إحدى الروايتين للنهي عنه.
فأما إن رد أحد طرفيه على الكتف الأخرى أو ضم طرفيه بيديه لم يكره لزوال السدل.
وقد روي عن جابر وابن عمر الرخصة في السدل، قال إبن المنذر: لا أعلم فيه حديثاً يثبت، وحكاه الترمذي عن أحمد (مسألة) (ويكره إشتمال الصماء وهو أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره) لما روى أبو هريرة
стр. 469
وأبو سعيد أن النبي ﷺ نهى عن لبستين إشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل بثوب ليس بين فرجيه وبين السماء شئ أخرجه الخباري، ومعنى الاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر كلبسة المحرم وهذا هو إشتمال الصماء ذكره بعض أصحابنا وجاء مفسراً في حديث أبي سعيد بذلك من رواية إسحاق عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أظن عن عطاء ابن يزيد عن أبي سعيد.
وإنما كره لأنه إذا فعل ذلك وليس عليه ثوب غيره بدت عورته كذلك رواه حنبل عن أحمد، أما إذا كان عليه غيره فتلك لبسة المحرم وقد فعلها النبي ﷺ وعلى هذا ينبغي أن يكون إشتمال الصماء محرماً لإفضائه إلى كشف العورة، وروى أبو بكر باسناده عن ابن مسعود قال نهى رسول الله ﷺ أن يلبس الرجل ثوباً واحداً يأخذ بجوانبه على منكبيه فتدعى تلك الصماء وقال بعض أصحاب الشافعي إشتمال الصماء أن يلتحف بالثوب ثم يخرج يديه من قبل صدره فتبدو
عورته وهو في معنى تفسير أصحابنا.
وقال أبو عبيد إشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل بثوب يخلل به جسده كله ولا يرفع منه جانباً يخرج منه يده كأنه يذهب به إلى أنه لعله يصيبه شئ يريد الإحتراس منه فلا يقدر عليه.
قال شيخنا والفقهاء أعلم بالتأويل (وعنه يكره وأن كان عليه غيره) روي عن أحمد ﵀ كراهة ذلك مطلقاً لعموم النهي ولأن كل ما نهي عنه من اللباس في الصلاة لم يفرق بين أن يكون عليه ثوب غيره أو لم يكن كالسدل والإسبال (مسألة) (ويكره تغطية الوجه والتلثم على الفم والأنف) لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه رواه أبو داود، ففي هذا تنبيه على كراهية تغطية الوجه لإشتماله على تغطية الفم ويكره تغطية الأنف قياساً على الفم، روى ذلك عن ابن عمر وفيه رواية أخرى لا يكره لأن تخصيص الفم بالنهي يدل على إباحة غيره.
(مسألة) (ويكره لف الكم) لقول النبي ﷺ " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف شعراً ولا ثوبا " متفق عليه (مسألة) (ويكره شد الوسط بما يشبه شد الزنار) لما فيه من التشبه بأهل الكتاب وقد نهى النبي ﷺ عن التشبه بهم فقال " لا تشتملوا إشتمال اليهود " رواه أبو داود، فإما شد الوسط بمئزر أو حبل أو نحوهما مما لا يشبه شد الزنار فلا يكره.
قال أحمد لا بأس به أليس قد روي عن النبي ﷺ أنه قال " لا يصلي أحدكم إلا وهو محتزم " وقال أبو طالب سألت أحمد عن الرجل يصلي وعليه القميص يأتزر بالمنديل فوقه؟ قال نعم فعل ذلك ابن عمر.
وعن الشعبي قال كان يقال: شد
стр. 470
حقوك في الصلاة ولو بعقال رواه الخلال، وعن يزيد بن الأصم مثله (مسألة) (ويكره إسبال شئ من ثيابه خيلاء) يكره إسبال القميص والإزار مطلقاً وكذلك السراويل لأن النبي ﷺ أمر برفع الإزار فإن فعله خيلاء فهو حرام لقول النبي ﷺ " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه " متفق عليه، وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله جل ذكره في حل ولا حرام " رواه أبو داود
(فصل) ولا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان في أحد الوجهين.
اختاره أبو الخطاب لقول النبي ﷺ " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة " متفق عليه (والثاني) لا يحرم قاله ابن عقيل لقول النبي ﷺ في آخر الخبر " إلا رقما في ثوب " متفق عليه، ولأنه يباح إذا كان مفروشاً أو يتكأ عليه فكذلك إذا كان يلبس، ويكره التصليب في الثوب لقول عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان لا يترك في بيته شيئاً فيه تصليب إلا قضبه.
رواه أبو داود (مسألة) (ولا يجوز للرجل لبس ثياب الحرير ولا ما غالبه الحرير ولا إفتراشه إلا من ضرورة) يحرم على الرجل لبس ثياب الحرير في الصلاة وغيرها في غير حال العذر إجماعا حكاه ابن عبد البر لما روى أبو موسى أن رسول الله ﷺ قال " حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم " أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " متفق عليه والإفتراش كاللبس لما روى حذيفة قال: نهانا النبي ﷺ إن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وأن نلبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه.
رواه البخاري، فأما المنسوج من الحرير وغيره فإن كان الأغلب الحرير حرم لعموم الخبر، وإن كان الأغلب غيره حل لأن الحكم للأغلب والقليل مستهلك فيه أشبه الضبة من الفضة والعلم في الثوب.
وقال ابن عبد البر مذهب ابن عباس وجماعة من أهل العلم أن المحرم الحرير الصافي الذي لا يخالطه غيره.
قال ابن عباس إنما نهى النبي ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير أما العلم وسدى الثوب فليس به بأس.
رواه أبو داود والاثرم (مسألة) فإن أستوى هو وما نسج معه فعلى وجهين (أحدهما) يباح لحديث ابن عباس ولأن الحرير ليس بأغلب أشبه الأقل (والثاني) يحرم.
قال ابن عقيل: هو الأشبه لعموم الخبر
стр. 471
(مسألة) ويحرم لبس المنسوج بالذهب والمموه به لما ذكرنا من حديث أبي موسى، فإن استحال لونه فعلى وجهين (أحدهما) يحرم للحديث (والثاني) يباح لزوال علة التحريم من السرف
والخيلاء وكسر قلوب الفقراء (مسألة) (وإن لبس الحرير لمرض أو حكة أو في الحرب أو ألبسه الصبي فعلى روايتين) متى احتاج إلى لبس الحرير لمرض أو حكة أو من أجل القمل جاز في ظاهر المذهب، لأن أنساً روي أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبي ﷺ القمل فرخص لهما في قميص الحرير في غزاة لهما.
وفي رواية شكوا إلى رسول الله ﷺ القمل فرخص لهما في قميص الحرير ورأيته عليهما.
متفق عليه، وما يثبت في حق صحابي يثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه دليل فثبت بالحديث في القمل وقسنا عليه غيره مما ينفع فيه لبس الحرير.
وعن أحمد رواية أخرى لا يباح وهو قول مالك لعموم الخبر المحرم والرخصة يحتمل أن تكون خاصة لهما (فصل) وفي لبسه في الحرب لغير حاجة روايتان (إحداهما) الإباحة وهو ظاهر كلامه أحمد قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن لبس الحرير في الحرب؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس وهو قول عروة وعطاء، وكان لعروة يملق من ديباج بطانته من سندس محشو قزاً يلبسه في الحرب ولأن المنع من لبسه لما فيه من الخيلاء وذلك غير مذموم في الحرب، فقد روي أن النبي ﷺ حين رأى بعض أصحابه يمشي بين الصفين قال " إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن " (والثانية) يحرم لعموم الخبر، فأما إن إحتاج إليه مثل أن يكون بطانة لبيضة أو درع أو نحوه أبيح.
قال بعض أصحابنا يجوز مثل ذلك من الذهب كدرع مموه من الذهب لا يستغني عن لبسه وهو محتاج إليه (فصل) وهل يجوز لولي الصبي أن يلبسه الحرير؟ على روايتين (إحداهما) تحريمه لعموم قوله ﷺ " حرام على ذكور أمتي " وعن جابر قال: كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري رواه أبو داود وقدم حذيفة من سفر فوجد على صبيانه قمصاً من حرير فمزقها عن الصباين وتركها على الجواري رواه الأثرم، وروي نحو ذلك عن عبد الله بن مسعود (والثانية) يباح لأنهم غير مكلفين أشبهوا البهائم ولأنهم محل للزينة أشبهوا النساء.
والأول أولى لظاهر الخبر وفعل الصحابة، ويتعلق التحريم بالمكلفين بتمكينهم من الحرام كتمكينهم من شرب الخمر وغيره من المحرمات وكونهم محل الزينة مع تحريم الاستمتاع أبلغ في التحريم ولذلك حرم على النساء التبرج بالزينة للأجانب
стр. 472
(مسألة) (ويباح حشو الجباب والفرش به ويحتمل أن يحرم) ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأنه لا خيلاء فيه، ويحتمل أن يحرم لعموم الخبر ولأن فيه سرفا أشبه مالو جعل البطانة حريراً (فصل) (ولا بأس بلبس الخز) ص عليه وقد روي عن عمران بن حصين والحسن بن علي وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم أنهم لبسوا الخز وعن عبد الله ابن سعد عن أبيه سعد قال: رأيت رجلاً ببخارى على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء فقال: كسانيها رسول الله ﷺ ، رواه أبو داود، وقال ابن عقيل في الخز: إن كان فيه وبر وكان الوبر أكثر من القز صحت الصلاة فيه.
وإن كان أكثره القز لم تصح الصلاة فيه في الصحيح.
وإن إستويا إحتمل وجهين فجعله كغيره من الثياب المنسوجة من الحرير وغيره (مسألة) (ويباح العلم الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع فما دون) لما روى عمر بن الخطاب ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع، رواه مسلم وقال أبو بكر في التنبيه: يباح وإن كان مذهباً لأنه يسير أشبه الحرير ويسير الفضة وكذلك الرقاع ولبنة الجيب وسجف الفراء لدخوله فيما استثناه في الحديث (مسألة) (ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر) لما روي أن النبي ﷺ نهى الرجال عن التزعفر متفق عليه، وعن علي قال: نهاني النبي ﷺ عن لباس المعصفر، رواه مسلم ولا بأس بلبسه للنساء لأن تخصيص النهي بالرجل دليل على إباحته للنساء (فصل) فأما لبس الأحمر غير المزعفر فقال أصحابنا: يكره وهو مذهب ابن عمر فروي عنه أنه اشترى ثوباً فرأى فيه خيطاً أحمر فرده، وروي عن عبد الله بن عمرو قال: مر على النبي ﷺ رجل عليه بردان أحمران فسلم فلم يرد النبي ﷺ عليه، وعن رافع بن خديج قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فرأى رسول الله ﷺ على رواحلنا أكسية فيها خيوط عهن أحمر فقال رسول الله ﷺ " ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم " فقمنا سراعاً لقول رسول الله ﷺ حتى نفر بعض إبلنا وأخذنا الأكسية فنزعناها عنها رواهما أبو داود، والصحيح أنه لا بأس بها لما روى أبو جحيفة قال:
خرج النبي ﷺ في حلة حمراء الحديث، وقال البراء: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ ، متفق عليهما (١) وعن هلال بن عامر قال: رأيت النبي ﷺ على بغلة وعليه برد أحمر رواه أبو داود، وقال أنس: كان أحب اللباس إلى رسول الله ﷺ الحبرة،
стр. 473
متفق عليه وهي التي فيها حمرة وبياض.
وروي أن النبي ﷺ بينا هو يخطب إذ رأى الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل النبي ﷺ فأخذهما ولم ينكر ذلك ولأنها لون أشبهت سائر الألوان فأما أحاديثهم فحديث رافع في إسناده رجل مجهول ويحتمل أنها كانت معصفرة فلذلك كرهها ولو قدر التعارض كانت أحاديث الإباحة أصح وأثبت فهي أولى.
(فصل) فأما غير الحمرة من الألوان فلا يكره فقد قال ﷺ " البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم " وعن ابن عمر أنه قيل له: لم تصبغ بالصفرة؟ فقال: أني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها، رواهما أبو داود وعن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ فرأيت عليه بردين أخضرين ودخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، متفق عليهما والله أعلم.
(باب إجتناب النجاسات) (وهو الشرط الرابع) - فمتى لاقى بثوبه أو بدنه نجاسة غير معفو عنها أو حملها لم تصح صلاته) وجملة ذلك أن الطهارة من النجاسة في بدن المصلي وثوبه شرط لصحة الصلاة في قول أكثر أهل العلم منهم ابن عباس وسعيد بن المسيب وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن ابن عباس أنه قال: ليس على ثوب جنابة ونحوه عن أبي مجلز وسعيد بن جبير والنخعي وقال الحارث العكلي وابن أبي ليلى: ليس في ثوب إعادة.
وسئل سعيد بن جبير عن الرجل يرى في ثوبه الأذى وقد صلى قال: إقرأ علي الآية التي فيها غسل الثياب ولنا قول الله تعالى (وثيابك فطهر) قال ابن سيرين هو الغسل بالماء.
وعن أسماء بنت أبي بكر
الصديق قالت: سئل رسول الله ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب قال " أقرصيه وصلي فيه " وفي لفظ قالت سمعت امرأة تسأل رسول الله ﷺ كيف تصنع احدانا
стр. 474
بثوبها إذا رأت الطهر أتصلي فيه؟ قال " تنظر فيه فإن رأت فيه دما فلتقزحه بشئ من الماء ولتنضح ما لم تر ولتصل فيه " رواه أبو داود وحديث النبي ﷺ حين مر بالقبرين فقال " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول " متفق عليه وفي رواية - لا يستنزه من بوله - ولأنها إحدى الطهارتين فكانت شرطاً للصلاة كطهارة الحدث (فصل) ويشترط طهارة موضع الصلاة أيضاً وهو الموضع الذي تقع عليه ثيابه وأعضاؤه التي عليه قياسا على طهارة البدن والثياب، فإن كان على رأسه طرف عمامته وطرفها الآخر وقع على نجاسة لم تصع صلاته كما لو وقع عليها شئ من بدنه، وذكر ابن عقيل إحتمالاً فيما يقع عليه ثيابه خاصة أنه لا تشترط طهارته لأنه يباشرها بما هو منفصل عن ذاته أشبه مالو كان بجانبه إنسان نجس الثوب فالتصق به ثوبه.
والمذهب الأول لأن سترته تابعة له فهي كأعضاء سجوده، فأما إذا كان ثوبه يمس شيئاً نجساً كثوب من يصلي وبجانبه حائط لا يستند إليه قال ابن عقيل لا تفسد صلاته بذلك لأنه ليس بمحل لبدنه ولا سترته.
ويحتمل أن تفسد لأن سترته ملاقية لنجاسة أشبه ما لو وقعت عليها، وإن كانت النجاسة محاذية لجسمه في حال سجوده بحيث لا يلتصق بها شئ من بدنه ولا ثيابه لم تبطل الصلاة لأنه لم يباشر النجاسة أشبه مالو خرجت عن محاذاته وذكر ابن عقيل وجهاً إنها تبطل كما لو باشر بها أعضاءه وهو قول الشافعي وأبي ثور (فصل) وإن حمل النجاسة في الصلاة لم تصح صلاته كما لو كانت على بدنه أو ثوبه فإن حمل حيواناً طاهراً أو صبياً لم تبطل صلاته لأن النبي ﷺ صلى وهو حامل أمامة بنت أبي العاص متفق عليه ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدنها فهي كالنجاسة في جوف المصلي، ولو حمل قارورة مسدودة فيها نجاسة لم تصح صلاته.
وقال بعض أصحاب الشافعي تصح لأن النجاسة لا تخرج عنها فهي كالحيوان وليس بصحيح لأنه حامل نجاسة غير معفو عنها في غير معدنها أشبه حملها في كمه (مسألة) (وإن طين الأرض النجسة أو بسط عليها شيئاً طاهراً صحت صلاته عليها مع الكراهة)
هذا ظاهر كلام أحمد وهو قول مالك والاوزاعي والشافعي واسحاق، وذكر أصحابنا رواية أخرى أنه لا يصح لأنه مدفن للنجاسة أشبه المقبرة ولأنه معتمد على النجاسة أشبه ملاقاتها.
والأول أولى لأن الطهارة إنما تشترط في بدن المصلي وثوبه وموضع صلاته وقد وجد ذلك كله والعلة في الأصل غير مسلمة بدليل عدم صحة الصلاة بين القبور وليس مدفناً للنجاسة، وقال ابن أبي موسى إن كانت النجاسة المبسوط عليها رطبة لم تصح الصلاة وإلا صحت
стр. 475
(فصل) ويكره تطيين المسجد بطين نجس وبناؤه بلبن نجس أو تطبيقه بطوابيق نجسة فإن فعل وباشر النجاسة لم تصح صلاته، فأما الآجر المعجون بالنجاسة فهو نجس لأن النار لا تطهر لكن إذا غسل طهر ظاهر.
لأن النار أكلت أجزاء النجاسة الظاهرة وبقي الأثر فطهر بالغسل كالارض النجسة ويبقى الباطن نجساً لأن الماء لا يصل إليه فإن صلى عليه بعد الغسل فهي كالمسألة قبلها.
وكذلك الحكم في البساط الذي باطنه نجس وظاهره طاهر ومتى إنكسر من الأجر النجس قطعة فظهر بعض باطنه فهو نجس لا تصح الصلاة عليه (فصل) ولا بأس بالصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعر والوبر والثياب من القطن والكتان وسائر الطاهرات في قول عوام أهل العلم.
فروي عن ابن عمر أنه صلى على عبقري وابن عباس على طنفسة وزيد بن ثابت على حصير وابن عباس وعلي وابن مسعود وأنس على المسوح، وروي عن جابر أنه كره الصلاة على كل شئ من الحيوان واستحب الصلاة على كل شئ من نبات الأرض ونحوه عن مالك إلا أنه قال في بساط الصوف والشعر إذا كان سجوده على الأرض لم أر بالقيام عليه بأساً - والصحيح قول الجمهور فقد صلى النبي ﷺ على حصير في بيت أنس وعتبان بن مالك متفق عليه وروى عنه المغيرة بن شعبة أنه كان يصلي على الحصر والفرو المدبوغة، وروى ابن ماجة أن النبي ﷺ صلى ملتفاً بكساء يضع يديه عليه إذا سجد، ولأن ما لم تكره الصلاة فيه لم تكره الصلاة عليه كالكتان والخوص، وتصح الصلاة على ظهر الحيوان إذا أمكنه أستيفاء الأركان عليه والنافلة في السفر، وإن كان الحيوان نجساً وعليه بساط طاهر كالحمار صحت الصلاة عليه في أصح الروايتين لأن النبي ﷺ صلى على حمار (والثانية) لا تصح كالأرض النجسة إذا بسط عليها شيئاً طاهراً، وتصح على
العجلة إذا أمكنه ذلك لأنه محل تستقر عليه أعضاؤه فهي كغيرها، وقال ابن عقيل: لا تصح لأن ذلك ليس بمستقر عليه فهي كالصلاة في الأرجوحة (فصل) ولا تصح صلاة المعلق في الهواء إلا أن يكون مضطراً كالمصلوب وكذلك الارجوحة لانه ليس بمستقر القدمين على الأرض فلم تصح صلاته كما لو سجد على بعض أعضاء السجود وترك الباقي معلقاً، ذكره ابن عقبل (مسألة) (وإن صلى على مكان طاهر من بساط طرفه نجس صحت صلاته إلا أن يكون متعلقاً به بحيث ينجر معه إذا مشى فلا يصح) متى صلى على منديل طرفه نجس أو كان تحت قدمه حبل مشدود في نجاسة وما يصلي عليه طاهر فصلاته صحيحة سواء تحرك النجس بحركته أو لم يتحرك
стр. 476
لأنه ليس بحامل للنجاسة ولا مصل عليها وإنما إتصل مصلاه بها أشبه إذا صلى على أرض طاهرة متصلة بأرض نجسة، وقال بعض أصحابنا إذا كان النجس يتحرك بحركته لم تصح صلاته، قال شيخنا: والصحيح ما ذكرنا فأما إن كان الحبل أو المنديل متعلقاً به ينجر معه إذا مشى لم تصح لأنه مستتبع لها فهو كحاملها ولو كان في يده أو وسطه حبل مشدود في نجاسة أو حيوان نجس أو سفينة صغيرة فيها نجاسة تنجر معه إذا مشى لم تصح صلاته لأنه مستتبع لها وإن كانت السفينة أو الحيوان كبيراً لا يقدر على جره إذا استعصى عليه صحت لأنه ليس بمستتبع لها.
قال القاضي: هذا إذا كان الشد في موضع طاهر فان كان في موضع نجس فسدت صلاته لأنه حامل لما هو ملاق للنجاسة والأول أولى لأنه لا يقدر على استتباع الملاقي للنجاسة أشبه مالو أمسك غصناً من شجرة عليها نجاسة أو سفينة عظيمة فيها نجاسة.
(مسألة) (ومتى وجد عليه نجاسة لا يعلم هل كانت في الصلاة أو لا فصلاته صحيحة لأن لأصل عدمها في الصلاة وإن علم أنها كانت في الصلاة لكنه جهلها أو نسيها فعلى روايتين) متى صلى وعليه نجاسة لا يعلم بها حتى فرغ من صلاته ففيه روايتان (إحداهما) لا تفسد صلاته إختارها شيخنا، وهذا قول ابن عمر وعطاء وسعيد ابن المسيب ومجاهد وإسحاق وابن المنذر (والثانية) يعيد وهو قول أبي
قلابة والشافعي لأنها طهارة مشترطة للصلاة فلم تسقط بالجهل كطهارة الحدث، وقال ربيعة ومالك: يعيد ما دام في الوقت، ووجه الأولى ما روى أبو سعيد قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فخلع الناس نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال " ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " قالوا: انا رأيناك ألقيت نعالك فألقينا نعالنا قال " إن جبريل أتاني فأخبرني إن فيهما قذرا " رواه أبو داود، ولو كانت الطهارة شرطاً مع عدم العلم بها لزمه استئناف الصلاة ويفارق طهارة الحدث لأنها آكد لكونها لا يعفى عن يسيرها.
فأما إن كان قد علم بالنجاسة ثم أنسيها فقال القاضي: حكي أصحابنا في المسئلتين روايتين، وذكر هو في مسألة النسيان أن الصلاة باطلة لأنه منسوب إلى التفريط بخلاف الجاهل، وقال الآمدي يعيد إذا كان قد توانى رواية واحدة، قال شيخنا: والصحيح التسوية بينهما لأن ما عذر فيه بالجهل عذر فيه النسيان بل النسيان أولى لورود النص بالعفو عنه (فصل) فإن علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فإن قلنا لا يعذر بالجهل والنسيان فصلاته باطلة، وإن قلنا يعذر فهي صحيحة، ثم إن أمكنه إزالة النجاسة من غير زمن طويل ولا عمل كثير أزالها وبنى
стр. 477
كما خلع النبي ﷺ نعليه، وإن احتاج الى أحد هذين بطلت صلاته لإفضائه إلى أحد أمرين إما استصحاب النجاسة في الصلاة زمناً طويلاً أو أن يعمل فيها عملاً كثيراً فصار كالعريان يجد السترة بعيدة منه.
(فصل) وإذا سقطت عليه نجاسة ثم زالت عنه أو أزالها في الحال لم تبطل صلاته لما ذكرنا من حديث أبي سعيد، ولأن النجاسة يعفى عن يسيرها فعفي عن يسير زمنها ككشف العورة وهذا مذهب الشافعي (مسألة) (وإذا جبر ساقه بعظم نجس فجبر لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر) وتصح صلاته لأنه يباح له ترك الطهارة من الحدث بذلك وهي آكد وإن لم يخف لزمه قلعة فإن صلى معه لم تصح صلاته لأنه صلى مع النجاسة وهو قادر على إزالتها من غير ضرر، ويحتمل أن يلزمه قلعه إذا لم يخف التلف لأنه غير خائف للتلف أشبه إذا لم يخف الضرر، والأول أولى وإن سقطت سنة فأعادها بحرارتها فثبتت
فهي طاهرة ولأن حكم أبعاض الآدمي حكم جملته سواء إنفصلت في حياته أو بعد موته لأنها أجزاء من جملة فكان حكمها كسائر الحيوانات الطاهرة والنجسة، وعنه أنها نجسة إختاره القاضي لأنها لا حرمة لها بدليل أنه لا يصلي عليها، فعلى هذا يكون حكمها حكم العظم النجس على ما بنيا (مسألة) (ولا تصح الصلاة في المقبرة والحمام والحش وأعطان الابل وهي التي تقيم فيها وتأوي إليها والموضع المغصوب، وعنه تصح مع التحريم) اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في الصلاة في هذه المواضع.
فروي عنه أن الصلاة لا تصح فيها بحال - رويت كراهة الصلاة في المقبرة عن علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر، وممن قال لا يصلي في مبارك الإبل ابن عمر وجابر بن سمرة والحسن ومالك واسحاق وأبو ثور.
وعن أحمد أن الصلاة في هذه صحيحة ما لم تكن نجسة وهو مذهب الشافعي وابي حنيفة لقوله ﷺ " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " وفي لفظ " فحيثما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد " متفق عليه، ولأنه موضع طاهر فصحت الصلاة فيه كالصحراء، والأولى ظاهر المذهب لقول النبي ﷺ " الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة " رواه أبو داود، وعن جابر بن سمرة أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أتصلي في مرابض الغنم؟ قال " نعم " قال أتصلي في مبارك الإبل؟ قال " لا " رواه مسلم وهذه الأحاديث خاصة مقدمة على عموم أحاديثهم (فصل) فأما الحش فثبت الحكم فيه بالتنبيه لأنه إذا منع من الصلاة في هذه المواضع لكونها
стр. 478
مظان النجاسة فالحش أولى لكونه معداً للنجاسة ومقصوداً لها ولأنه قد منع من ذكر الله تعالى والكلام فيه فمنع الصلاة فيه أولى.
قال شيخنا ولا أعلم فيه نصاً.
وقال بعض أصحابنا أن كان المصلي عالماً بالنهي لم تصح صلاته فيها لأنه عاص بالصلاة فيها والمعصية لا تكون قربة ولا طاعة وإن كان جاهلاً ففيه روايتان (إحداهما) لا تصح لأنها لا تصح مع العلم فلم تصح مع الجهل كالصلاة في محل نجس (والثانية) تصح لأنه معذور (فصل) ذكر القاضي أن المنع من الصلاة في هذه المواضع تعبد فعلى هذا يتناول النهي كل ما يقع عليه الاسم فلا فرق في المقبرة بين الحديثة والقديمة وما تقلبت أتربتها أو لم تتقلب، فأما إن كان فيها
قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها لأنه لا يتناولها الإسم، وإن نقلت القبور منها جازت الصلاة فيها لزوال الإسم ولإن مسجد رسول الله ﷺ كانت فيه قبور المشركين فنبشت متفق عليه.
ولا فرق في الحمام بين مكان الغسل والمسلخ والأتون وكل ما يغلق عليه باب الحمام لتناول الإسم له.
وأعطان الإبل هي التي تقيم فيها وتأوي إليها، وقيل هي المواضع التي تناخ فيها إذا وردت، والأول أجود لأنه جعله في مقابلة مراح الغنم، والحش الذي يتخذ للغائط والبول فيمنع من الصلاة فيما هو داخل بابه، قال شخينا: ويحتمل أن المنع من الصلاة في هذه المواضع معلل بكونها مظان للنجاسات فإن المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي فيه دماء الموتى وصديدهم، ومعاطن الإبل يبال فيها فإن البعير البارك كالجدار يستتر به ويبول، كما روي عن ابن عمر ولا يتحقق هذا في غيرها والحمام موضع الأوساخ والبول.
فنهي عن الصلاة فيها لذلك وإن كانت طاهرة لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة ومتى أمكن تعليل الحكم كان أولى من قهر التعبد، ويدل على هذا تعدية الحكم إلى الحش المسكوت عنه بالتنبيه ولابد في التنبيه من وجود معنى المنطوق وإلا لم يكن تنبيهاً، فعلى هذا يمكن قصر الحكم على ما هو مظنة منها فلا يثبت الحكم في موضع المسلخ من الحمام ولا في سطحه لعدم المظنة فيه وكذلك ما أشبهه والله أعلم (فصل) ولا تصح الصلاة في الموضع المغصوب في أظهر الروايتين، وأحد قولي الشافعي.
والرواية الثانية يصح، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والقول الثاني للشافعي لأن النهي لا يعود إلى الصلاة فلم يمنع صحتها كما لو صلى وهو يرى غريقا يمكنه إنقاذه فلم ينقذه أو مطل غريمه الذي يمكن إيفاؤه وصلى ووجه الأولى أن الصلاة عبادة أتي بها على الوجه المنهي عنه فلم تصح كصلاة الحائض فإن حركاته من القيام والركوع والسجود أفعال إختيارية هو منهي عنها عاص بها فكيف يكون مطيعاً بما
стр. 479
هو عاص به.
فأما من رأى الغريق فليس بمنهي عن الصلاة إنما هو مأمور بالصلاة وإنقاذ الغريق وأحدهما آكد من الآخر، أما في مسئلتنا فإن أفعال الصلاة في نفسها منهي عنها.
إذا ثبت هذا فلا فرق بين غصبه لرقبة الأرض ودعواه ملكيتها وبين غصبه منافعها بأن يدعي اجارتها ظالماً أو يضع
يده عليها مدة أو يخرج ساباطاً في موضع لا يحل له أو يغصب راحلة ويصلي عليها أو سفينة ويصلي فيها أو لوحاً فيجعله سفينة ويصلي عليه كل ذلك حكمه في الصلاة حكم الدار المغصوبة على ما بيناه (فصل) قال أحمد يصلي الجمعة في موضع الغصب يعني إذا كان الجامع أو بعضه مغصوباً صحت الصلاة فيه لأن الجمعة تختص ببقعة فإذا صلاها الإمام في الموضع المغصوب فامتنع الناس من الصلاة فيه فاتتهم الجمعة وكذلك من امتنع فاتته ولذلك أبيحت خلف الخوارج والمبتدعة وصحت في الطرق لدعاء الحاجة إليها وكذلك الأعياد والجنازة (فصل) ويكره في موضع الخسف قاله أحمد لأنه موضع مسخوط عليه وقد قال النبي ﷺ لأصحابه يوم مر بالحجر " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم " ولا بأس بالصلاة في الكنيسة النظيفة روى ذلك عن عمر وأبي موسى وهو قول الحسن وعمر بن عبد العزيز والشعبي والاوزاعي.
وكره ابن عباس ومالك الكنائس لأجل الصور، وقال ابن عقيل: تكره الصلاة فيها لأنه كالتعظيم والتبجيل لها وقيل لأنه يضر بهم ولنا أن النبي ﷺ صلى في الكعبة وفيها صور ثم قد دخلت في عموم قوله ﷺ " فأينما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد " متفق عليه (مسألة) (وقال بعض أصحابنا حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق واسطحتها كذلك) لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال " سبع مواطن لا يجوز فيها الصلاة: ظهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق " رواه ابن ماجه، وقال الحكم في هذه المواضع الثلاثة كالحكم في الأربعة ولأن هذه المواضع مظان للنجاسات فعلق الحكم عليها وإن لم توجد الحقيقة كما إنتقضت الطهارة بالنوم ووجب الغسل بالتقاء الختانين.
قال شيخنا والصحيح جواز الصلاة فيها وهو قول أكثر أهل العلم ويحتمله اختيار الخرقي لأنه لم يذكرها لعموم قوله ﷺ " جعلت لي الأرض مسجداً " متفق عليه.
واستثنى منه المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صحيحة ففيما عدا ذلك يبقى على العموم، وحديث ابن عمر يرويه العمري وزيد بن جبيرة وقد تكلم فيهما من قبل حفظهما فلا يترك به الحديث الصحيح.
وأكثر أصحابنا على القول الأول ومعنى
стр. 480
محجة الطريق الجادة المسلوكة في السفر وقارعة الطريق التي تقرعها الأقدام مثل الأسواق والمشارع ولا بأس بالصلاة فيما علا منها يمنة ويسرة وكذلك الصلاة في الطريق التي يقل سالكها كطريق الأبيات اليسيرة فإن بني مسجد في طريق وكان الطريق ضيقاً بحيث يستضر المارة ببنائه لم يجز بناؤه ولا الصلاة فيه، وإن كان واسعاً لا يضر بالمارة جاز وهل يشترط إذن الإمام؟ على روايتين ذكره القاضي.
والمجزرة التي يذبح فيها الناس المعدة لذلك ولا فرق في هذه المواضع بين الطاهر والنجس ولا في المعاطن بين أن يكون فيها إبل في ذاك الوقت أو لا، فأما المواضع التي تبيت فيها الإبل في سيرها أو تناخ فيها لعلفها أو ورودها فلا تمنع الصلاة فيها.
قال الأثرم سئل أبو عبد الله عن الصلاة في موضع فيه أبعار الابل فرخص فيه ثم قال إذا لم يكن من معاطن الإبل الذي نهى عن الصلاة فيها التي تأوي إليها (فصل) فأما أسطحه هذه المواضع فقال القاضي وابن عقيل حكمها حكم السفل لأن الهواء تابع للقرار ولذلك لو حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث والصحيح إن شاء الله قصر النهي على ما تناوله النص وإن الحكم لا يعدى إلى غيره ذكره شيخنا لأن الحكم إن كان تعبداً لم يقس عليه وإن علل فإنما يعلل بمظنة النجاسة ولا يتخيل هذا في أسطحتها، أما إن بنى على طريق ساباطا أو جناحاً وكان ذلك مباحاً له مثل أن يكون في درب غير نافذ باذن أهله أو مستحقا له فلا بأس بالصلاة عليه وإن كان على طريق نافذ فالمصلي فيه كالمصلي في الموضع المغصوب.
وإن كان الساباط على نهر تجري فيه السفن فهو كالساباط على الطريق وهذا فيما إذا كان السطح حادثاً على موضع النهي فإن كان المسجد سابقاً فحدث تحته طريق أو عطن أو غيرهما من مواضع النهي أو حدثت المقبرة حوله لم تمنع الصلاة فيه بغير خلاف لأنه يتبع ما حدث بعده.
وذكر القاضي فميا إذا حدث تحت المسجد طريق وجهاً في الصلاة فيه والأول أولى، فأما إن بني مسجد في مقبرة بين القبور فحكمه حكمها لأنه لا يخرج بذلك عن أن يكون في المقبرة، وقد روى قتادة أن أنساً مر على مقبرة وهم يبنون فيها مسجداً فقال كان يكره أن يبني مسجداً في وسط القبور (مسألة) (وتصح الصلاة إليها إلا المقبرة والحش في قول ابن حامد) كره الصلاة إلى هذه المواضع فإن فعل صحت صلاته نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، وقال أبو بكر يتوجه في الإعادة قولان (أحدهما)
يعيد لموضع النهي وبه أقول (والثاني) يصح لعدم تناول النهي له، وقال ابن حامد إن صلى إلى المقبرة والحش فهو كالمصلي فيها إذا لم يكن بينه وبينها حائل كما روى أبو مرثد الغنوي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول " لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها " متفق عليه، قال القاضي وفي هذا تنبه على
стр. 481
المواضع التي نهي عن الصلاة فيها وذكر القاضي في المجرد قال: إن صلى إلى العطن فصلاته صحيحة بخلاف ما قلناه في الصلاة إلى المقبرة والحش.
قال شيخنا والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شئ من هذه المواضع إلا المقبرة لورود النهي فيها وذلك لعموم قوله ﵇ " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " فإنه يتناول الذي يصلي فيه إلى هذه المواضع وقياس ذلك على المقبرة لا يصح أن كان النهي عن الصلاة إليها تعبداً وكذلك إن كان لمعنى اختص بها وهو إتخاذ القبور مسجداً تشبهاً بمن يعظمها وكذلك قال ﵇ " لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر مثل ما صنعوا متفق عليه والله أعلم (مسألة) ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها، وقال الشافعي وابو حنيفة تصح لأنه مسجد ولأنه محل لصلاة النفل فكان محلاً للفرض كخارجها ولنا قوله تعالى (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) والمصلي فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها فأما النافلة فمبناها على التخفيف والمسامحة بدليل صحتها قاعداً وإلى غير القبلة في السفر على الراحلة (مسألة) (وتصح النافلة إذا كان بين يديه شئ منها) لا نعلم في ذلك خلافاً لأن النبي ﷺ صلى في البيت ركعتين إلا أنه إن توجه إلى الباب أو على ظهرها أو كان بين يديه شئ من الكعبة متصل بها صحت صلاته وإن لم يكن بين يديه شئ شاخص منها أو كان بين يديه أجر معبى وغير مبني أو خشب غير مسمر فقال أصحابنا لا تصح صلاته لأنه غير مستقبل لشئ منها.
قال شيخنا والأولى أنه لا يشترط كون شئ منها بين يديه لأن الواجب إستقبال موضعها وهوائها دون حيطانها بدليل مالو إنهدمت، وكذلك لو صلى على جبل عال يخرج عن مسامه البنيان صحت صلاته إلى هوائها كذلك ههنا (باب استقبال القبلة) (وهو الشرط الخامس) لصحة الصلاة لقول الله تعالى (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره)
أي نحوه، وقال علي ﵁ شطره قبله، وروي عن البراء قال: قدم رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم أنه وجه إلى الكعبة فمر رجل صلى مع النبي ﷺ على قوم من الأنصار فقال أن رسول اله ﷺ قد وجه إلى الكعبة فانحرفوا إلى الكعبة.
أخرجه النسائي (مسألة) قال (إلا في حال العجز عنه.
والنافلة على الراحلة في السفر الطويل والقصير) وجملة ذلك أن الإستقبال يسقط في ثلاثة مواضع (أحدها) في حال العجز عنه لكونه مربوطاً إلى غير القبلة ونحوه فيصلي على حسب حاله لأنه شرط لصحة الصلاة عجز عنه أشبه القيام (الثاني) إذا إشتد الخوف
стр. 482
كحال التحام الحرب وسنذكره في موضعه إن شاء الله (الثالث) في النافلة على الراحلة ولا نعلم في إباحة التطوع على الراحلة إلى غير القبلة في السفر الطويل خلافا بين أهل العلم.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه جائز لكل من سافر سفراً تقصر فيه الصلاة أن يتطوع على دابته حيثما توجهت به يومئ بالركوع والسجود ويجعل السجود أخفض من الركوع، وهل السفر القصير حكم الطويل في ذلك؟ وهو قول الاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا يباح لأنه رخصة سفر فاختص بالطويل لا القصير ولنا قول الله تعالى (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) قال ابن عمر: نزلت هذه الآية في التطوع خاصة حيث توجه بك بعيرك، وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجه يومئ برأسه متفق عليه، وللبخاري إلا الفرائض، ولم يفرق بين قصير السفر وطويله ولأن إباحة التطوع على الراحلة تخفيف كيلا يؤدي الى تقليله وقطعه وهذا يستوي فيه الطويل والقصير.
والفطر والقصر تراعى فيه المشقة وإنما توجد غالباً في الطويل.
قال القاضي: الأحكام التي يستوي فيها السفر الطويل والقصير ثلاث: التيمم وأكل الميتة في المخمصة والتطوع على الراحلة وبقية الرخص تختص الطويل وهي القصر والجمع والمسح ثلاثاً (فصل) ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
قال جابر بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع.
رواه أبو داود، ويصلي على البعير والحمار وغيرهما، قال ابن عمر: رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو متوجه إلى
خيبر، رواه أبو داود والنسائي، لكن إذا قلنا بنجاسة الحمار فلابد أن يكون تحته سترة طاهرة، فإن كان على الراحلة في مكان واسع كالمنفرد في العمارية يدور فيها كيف شاء ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود بالأرض لزمه ذلك كراكب السفينة وان قدر على الإستقبال دون الركوع والسجود لزمه الإستقبال وأومأ بهما نص عليه.
وقال أبو الحسن الآمدي: يحتمل أن لا يلزمه شئ من ذلك كغيره لأن الرخصة العامة يسوى فيها من وجدت فيه المشقة وغيره كالقصر والجمع، وإن عجز عن ذلك سقط بغير خلاف (فصل) وقبلة هذا المصلي حيث كانت وجهته فإن عدل عنها إلى جهة الكعبة جاز لأنها الأصل وإنما سقط للعذر، وإن عدل إلى غيرها عمداً فسدت صلاته لأنه ترك قبلته عمداً، وإن كان مغلوباً أو نائماً أو ظناً منه أنها جهة سيره فهو على صلاته ويرجع إلى جهة سيره إذا أمكنه فإن تمادى به ذلك
стр. 483
بعد زوال عذره فسدت صلاته لتركه الإستقبال عمداً.
ولا فرق بين جميع التطوعات في هذه النوافل المطلقة والسنن الرواتب والوتر وسجود التلاوة، وقد كان النبي ﷺ يوتر على بعيره متفق عليه (مسألة) (وهل يجوز ذلك للماشي؟) على روايتين (إحداهما) لا يجوز وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب أبي حنيفة لعموم قوله تعالى (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) والنص إنما ورد في الراكب فلا يصح قياس الماشي عليه لأنه يحتاج إلى عمل كثير ومشي متتابع ينافي الصلاة فلم يصح الإلحاق (والثانية) يجوز ذلك للماشي نقلها عنه المثنى بن جامع واختاره القاضي، فعلى هذا يستقبل القبلة لإفتتاح الصلاة ثم ينحرف إلى جهة سيره ويقرأ وهو ماش ويركع ثم يسجد بالأرض، وهذا قول عطاء والشافعي لأن الركوع والسجود ممكن من غير إنقطاعه عن جهة سيره فلزمه كالواقف.
وقال الآمدي: يومئ بالركوع والسجود كالراكب قياساً عليه.
ووجه هذه الرواية إن الصلاة أبيحت للراكب كيلا ينقطع عن القافلة في السفر وهو موجود في الماشي ولأنها إحدى حالتي السفر أشبه الراكب (فصل) وإذا دخل المصلي بلداً ناوياً للإقامة فيه لم يصل بعد دخوله إليه إلا صلاة المقيم.
وإن كان مجتازاً غير ناو للإقامة أو نوى الإقامة مدة لا يلزمه فيها إتمام الصلاة إستدام الصلاة مادام سائراً فإذا
نزل فيه صلى إلى القبلة وبنى على ما مضى من صلاته كالخائف إذا أمن في أثناء صلاته.
ولو ابتدأها وهو نازل إلى القبلة ثم أراد الركوب أتم صلاته ثم يركب وقيل يركب في الصلاة ويتمها إلى جهة سيره، كالآمن إذا خاف في صلاته والأولى أولى، والفرق بينهما أن حالة الخوف حالة ضرورة أبيح فيها ما يحتاج إليه من العمل وهذه رخصة من غير ضرورة فلا يباح فيها غير ما نقل ولم يرد بإباحة الركوب الذي يحتاج الى عمل وتوجه إلى غير جهة القبلة ولا جهة سيره سنة فيبقى على الأصل والله أعلم (مسألة) (فإن أمكنه إفتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين) متى عجز عن إستقبال القبلة في إبتداء صلاته كراكب راحلة لا تطيعه أو جمل مقطور لم يلزمه لأنه عاجز عنه أشبه الخائف إذا عجز عن ذلك، وقال القاضي يحتمل أن يلزمه، وإن أمكنه ذلك كراكب راحلة منفردة تطيعه فهل يلزمه إفتتاح الصلاة إلى القبلة؟ على روايتين (إحداهما) يلزمه لما روي أنس أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجهة ركابه، رواه الإمام أحمد وأبو داود، ولأنه أمكنه إبتداء الصلاة إلى القبلة فلزمه كالصلاة كلها وهذا اختيار الخرقي (والثانية) لا يلزمه لحديث ابن عمر اختاره أبو بكر ولأنه جزء من أجزاء الصلاة أشبه بقية أجزائها ولأن ذلك لا يخلو من مشقة فسقط، وخبر النبي ﷺ يحمل على
стр. 484
الفضيلة والندب والله أعلم.
(مسألة) (والفرض في القبلة أصابة العين لمن قرب منها وأصابة الجهة لمن بعد عنها) الناس في القبلة على ضربين (أحدهما) يلزمه إصابة عين الكعبة وهو من كان معايناً لها ومن كان يمكنه من أهلها أو نشأ فيها أو أكثر مقامه فيها أو كان قريباً منها من وراء حائل يحدث كالحيطان والبيوت ففرضه التوجه إلى عين الكعبة وهكذا إن كان بمسجد النبي ﷺ لأنه متيقن صحة قبلته فإن النبي ﷺ لا يقر على الخطأ، وقد روى أسامة أن النبي ﷺ ركع ركعتين قبل القبلة وقال " هذه القبلة " كذلك ذكره أصحابنا، وفي ذلك نظر لأن صلاة الصف المستطيل في مسجد النبي ﷺ صحيحة مع خروج بعضهم عن إستقبال عين الكعبة لكن الصف
أطول منها.
وقولهم أنه ﵇ لا يقر على الخطأ صحيح لكن إنما الواجب عليه استقبال الجهة وقد فعله وهذا الجواب عن الخبر المذكور، وإن كان أعمى من أهل مكة أو كان غريباً وهو غائب عن الكعبة ففرضه الخبر عن يقين أو مشاهدة مثل أن يكون من وراء حائل وعلى الحائل من يخبره أو أخبره أهل الدار أنه متوجه إلى عين الكعبة فلزمه الرجوع إلى قولهم وليس له الإجتهاد كالحاكم إذا وجد النص، قال ابن عقيل: لو خرج ببعض بدنه عن مسامته الكعبة لم تصح صلاته (الثاني) من فرضه إصابة الجهة وهو البعيد عن الكعبة فليس عليه إصابة العين، قال احمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة فإن إنحرف عن القبلة قليلاً لم يعد ولكن يتحرى الوسط وهذا قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال في الآخر: تلزمه إصابة العين لقول الله (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) وقياساً على القريب وقد روى ذلك عن أحمد وهو اختيار أبي الخطاب ولنا قوله ﵇ " ما بين المشرق والمغرب قبلة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ولأنا أجمعنا على صحة صلاة الإثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة وعلى صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو لا يمكن أن يصيب عين الكعبة إلا من كان بقدرها فإن قيل مع البعد يتسع المحاذي قلنا إنما يتسع مع التقوس وأما مع عدمه فلا (١) والله أعلم (مسألة) (فإن أمكنه ذلك بخبر ثقة عن يقين أو استدلال بمحاريب المسلمين لزمه العمل به وإن وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو لا لم يلتفت إليها) متى أخبره ثقة عن يقين لزمه قبول خبره لما ذكرنا، وإن كان في مصر أو قرية من قرى المسلمين ففرضه التوجه إلى محاريبهم لأن هذه القبلة ينصبها أهل الخبرة والمعرفة فجرى ذلك مجرى الخبر فأغنى عن الإجتهاد، وإن أخبره مخبر من
стр. 485
أهل المعرفة بالقبلة من أهل البلد أو من غيره صار إلى خبره وليس له الإجتهاد كالحاكم يقبل النص من الثقة ولا يجتهد.
ويحتمل أنه إنما يلزمه الرجوع إلى الخبر وإلى المحاريب في حق القريب الذي يخبر
عن التوجه إلى عين الكعبة، أما في حق من يلزمه قصد الجهة فإن كان أعمى أو من فرضه التقليد لزمه الرجوع إلى ذلك وإن كان مجتهداً جاز له الرجوع لما ذكرنا كما يجوز له الرجوع في الوقت إلى قول المؤذن ولا يلزمه ذلك بل يجوز له الإجتهاد إن شاء إذا كانت الأدلة على القبلة ظاهرة لأن المخبر والذي نصب المحاريب إنما يبني على الأدلة وقد ذكر ابن الزاغوني في كتاب الإقناع قال: إذا دخل رجل إلى مسجد قديم مشهور في بلد معروف كبغداد فهل يلزمه الإجتهاد أم يجزئه التوجه إلى القبلة؟ فيه روايتان عن أحمد (إحداهما) يلزمه الإجتهاد لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلد في مسائل الفقه (والثانية) لا يلزمه لأن إتفاقهم عليها مع تكرر الإعصار إجماع عليها ولا يجوز مخالفتها بإجتهاده.
فإذا قلنا يجب الإجتهاد في سائر البلاد ففي مدينة النبي ﷺ روايتان (إحداهما) يتوجه إليها بلا إجتهاد لأنه ﵊ لا يداوم عليها إلا وهي مقطوع بصحتها فهو كما لو كان مشاهداً للبيت (والثانية) هي كسائر البلاد يلزمه الإجتهاد فيها لأنها نازحة عن مكة فهي كغيرها (فصل) ولا يجوز الإستدلال بمحاريب الكفار لأن قولهم لا يجوز الرجوع إليه فمحاريهم أولى إلا أن تعلم قبلتهم كالنصارى فإذا رأى محاريبهم في كنائسهم على أنها مستقبلة المشرق فإن وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين أو الكفار لم يجز الاستدلالل بها لكونها لا دلالة فيها، وكذلك لو رأى على المحراب آثار الإسلام لجواز أن يكون الباني مشركاً عمله ليغر به المسلمين إلا أن يكون مما لا يتطرق إليه هذا الإحتمال ويحصل له العلم أنه محاريب المسلمين فيستقبله.
(فصل) وإذا صلى على موضع عال يخرج عن مسامته الكعبة أو في مكان ينزل عن مسامتتها صحت صلاته لأن الواجب إستقبالها وما حاذاها من فوقها وتحتها لانها زالت صحت الصلاة إلى موضع جدارها والله أعلم (مسألة) (وإن إشتبهت عليه في السفر إجتهد في طلبها بالدلائل وأثبتها بالقطب إذا جعله وراء ظهره كان مستقبلاً الكعبة) (١) متى اشتبهت القبلة في السفر وكان مجتهداً وجب عليه الإجتهاد في طلبها بالأدلة لأن ما وجب عليه إتباعه عند وجوده وجب الإستدلال عليه عند خفائه كالحكم في الحادثة.
والمجتهد هو العالم بأدلة القبلة وإن جهل أحكام الشرع لأن كل من علم أدلة شئ كان مجتهداً فيه لأنه
стр. 486
يتمكن من إستقبالها بدليله والجاهل الذي لا يعرف أدلة القبلة وإن كان فقيهاً وكذلك الأعمى فهذان فرضهما التقليد، وأوثق أدلتها النجوم قال الله تعالى (وبالنجم هم يهتدون) وقال (لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) وآكدها القطب وهو نجم خفي شمالي حوله أنجم دائرة في أحد طرفيها الجدي وفي الآخر الفرقدان وبين ذلك ثلاثة أنجم من فوق وثلاثة من أسفل تدور هذه الفراشة حول القطب كدوران الرحا حول سفودها في كل يوم وليلة دورة وقريب منها بنات نعش مما يلي الفرقدين تدور حولها والقطب لا يتغير من مكانه في جميع الأزمان وقيل أنه يتغير تغيراً يسيراً لا يؤثر وهو خفي يظهر لحديد النظر في غير ليالي القمر متى استدبرته في الأرض الشامية كنت مستقبلاً للكعبة، وقيل أنه ينحرف في دمشق وما قاربها إلى المشرق قليلاً وكلما قرب إلى المغرب كان إنحرافه أكثر.
وإن كان بحران أو قريباً منها جعل القطب خلف ظهره معتدلاً، وإن كان بالعراق جعل القطب حذاء أذنه اليمنى (١) على علوها ومتى استدبر الفرقدين والجدي في حال علو أحدهما ونزول الآخر على الإعتدال فهو كاستدبار القطب وإن استدبره في غير هذه الحال كان مستقبلاً للجهة فإن استدبر الغربي كان منحرفاً إلى الشرق وبالعكس وإن استدبر بنات نعش فكذلك إلا أن انحرافه أكثر (فصل) والشمس والقمر ومنازلهما وهي ثمانية وعشرون منزلاً، الشرطان، والبطين، والثريا والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصدفة، والعواء والسماك، والغفر، والزبانا، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، وبطن الحوت، منها أربعة عشر شامية تطلع من وسط المشرق مائلة إلى الشمال قليلاً أولها الشرطان وآخرها السماك، والباقي يمانية تطلع من المشرق مائلة إلى التيامن، أولها الغفر وآخرها بطن الحوت، وينزل القمر كل ليلة بمنزل أو قريبا منه، ثم ينتقل الليلة الثانية الى الذي يليه.
والشمس تنزل بكل منزل منها ثلاثة عشر يوماً فيكون عودها إلى المنزل الذي نزلت به عند تمام سنة شمسية.
وهذه المنازل يكون منها فيما بين طلوع الشمس وغروبها أربعة عشر منزلاً ومثلها من غروبها إلى طلوع وقت الفجر، منها منزلان
وقت المغرب منزل وهو نصف سدس سواد الليل، وكلها تطلع من المشرق عن يسرة المصلي وتغرب
стр. 487
عن يمينه في المغرب إلا أن أوائل الشامية وأواخر اليمانية وأول اليمانية وآخر الشامية تطلع من وسط المشرق أو قريبا منه بحيث إذا جعل الطالع منها محاذياً لكتفه الأيسر كان مستقبلاً للكعبة.
والمتوسط من الشامية وهو الذراع وما يليه من الجانبين مطلعه إلى ناحية الشمال، والمتوسط من اليمانية كالبلدة وما هو من جانبها يميل مطلعه إلى التيامن، فاليماني منها يجعله أمام كتفه اليسرى، والشامي يجعله خلف كتفه، وكذلك الغارب عند الكتف الأيمن، وإن عرف المتوسط منها بأن يرى بينه وبين أفق السماء سبعة من الجانبين.
ولكل نجم من هذه المنازل نجوم تقاربه وتقارنه حكمها حكمه ويستدل بها عليه كالنسرين والشعريين والسماك الرامح وغير ذلك، وسهيل نجم كبير يطلع نحواً من مهب الجنوب ثم يسير حتى يصير في قبلة المصلي ويتجاوزها ثم يغرب قريباً من مهب الدبور، والناقة تطلع في المحرم من مهب الصبا وتغيب في مهب الشمال (فصل) والشمس تختلف مطالعها ومغاربها على حسب إختلاف منازلها، تطلع من المشرق وتغرب في المغرب، والقمر يبدأ أول ليلة في المغرب ثم يتأخر كل ليلة منزلاً حتى يكون في السابع وقت المغرب في قبلة المصلي مائلاً عنها قليلاً إلى الغرب.
ثم يطلع ليلة الرابعة عشرة من المشرق وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي أو قريباً منها وقت الفجر وتختلف مطالعه بإختلاف منازله (مسألة) والرياح الجنوب تهب مستقبلة لبطن كتف المصلي اليسرى مارة إلى يمينه من الزاوية التي بين القبلة والمشرق والشمال مقابلتها تهب إلى مهب الجنوب، والدبور تهب من الزاوية التي بين القبلة والمغرب مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن.
والصبا مقابلتها تهب إلى مهبها، فهذه الرياح التي يستدل بها وتعرف بصفاتها وخصائصها وربما هبت هذه الرياح بين الحيطان والجبال فتدور فلا إعتبار بها، وبين كل ريحين منها ريح تسمى النكباء لتنكبها طريق الرياح المعروفة، فهذا أصح ما يستدل به على القبلة، وقد يهتدي أهل كل بلد على القبلة بأدلة تختص بها من جبالها وأنهارها وغير
ذلك، وذكر أصحابنا الاستدلال بالانهار الكبار وقالوا: كلها تجري عن يمنة المصلي إلى يسرته على إنحراف قليل كدجلة والفرات والنهروان، ولا إعتبار بالأنهار الصغار ولا المحدثة لأنها بحسب الحاجات ما خلا نهرين (أحدهما) العاصي بالشام (والآخر) سيحون بالمشرق، قال شيخنا: وهذا لا ينضبط
стр. 488
فإن الأردن بالشام نحو القبلة وكثير منها يجري نحو البحر يصب فيه والله أعلم (فصل) فإن خفيت الأدلة على المجتهد لغيم أو ظلمة تحرى وصلى وصحت صلاته لأنه بذل وسعه في معرفة الحق مع علمه بأدلته، أشبه الحاكم إذا خفيت عليه النصوص.
وقد روى عبد الله بن عامر ابن ربيعة عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل (فأينما تولوا فثم وجه الله) رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن إلا أنه من حديث أشعث السمان وفيه ضعف (مسألة) (وإذا إختلف إجتهاد رجلين لم يتبع أحدهما صاحبه ويتبع الجاهل والأعمى أوثقهما في نفسه) متى إختلف مجتهدان ففرض كل واحد منهما الصلاة إلى الجهة التي يؤديه إليها إجتهاده فلا يسعه تركها ولا تقليد صاحبه وإن كان أعلم منه كالعالمين يختلفان في الحادثة فإن اجتهد أحدهما دون الآخر لم يجز له تقليد من إجتهد حتى يجتهد بنفسه وإن ضاق الوقت كالحاكم لا يسعه تقليد غيره وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد في المجتهد انه يسعه تقليد غيره إذا ضاق الوقت عن إجتهاده قال لأن أحمد قال فيمن هو في مدينة فتحرى فصلى لغير القبلة في بيت يعيد لأن عليه أن يسأل.
قال شيخنا: وما استدل به لا دليل فيه وكلام أحمد إنما دل على أنه ليس لمن في المصر الإجتهاد لأنه يمكنه التوصل إلى معرفة القبلة بالخبر وكذلك لم يفرق بين ضيق الوقت وسعته مع الاتفاق على أنه لا يجوز التقليد مع سعة الوقت (فصل) ومتى إختلف إجتهادهما لم يجز لأحدهما أن يؤم صاحبه لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر فلم يجز له الإئتمام به كما لو خرجت من أحدهما ربح واعتقد كل واحد منهما أنها من الآخر.
قال شيخنا: وقياس المذهب جواز ذلك، وهو مذهب أبي ثور، لأن كل واحد منهما يعتقد صحة صلاة
الآخر وإن فرضه التوجه إلى ما توجه اليه فلم يمنع الإقتداء به إختلاف الجهة كالمصلين حول الكعبة وقد نص أحمد على صحة الصلاة خلف المصلي في جلود الثعالب إذا كان يعتقد صحة الصلاة فيها وفارق ما إذا إعتقد كل واحد منهما حدث صاحبه لأنه يعتقد بطلان صلاته بحيث لو بان له يقيناً حدث نفسه أعاد الصلاة بخلاف هذا، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى.
فأما إن مال أحدهما يميناً والآخر شمالاً مع إتفاقهما في الجهة فلا يختلف المذهب في صحة ائتمام أحدهما بالآخر لاتفاقهما في
стр. 489
الجهة الواجب استقبالها (فصل) (ويتبع الجاهل والاعمى أو ثقهما في نفسه) متى إختلف مجتهدان وكان معهما أعمى أو جاهل لا يقدر على تعلم الأدلة قبل خروج الوقت ففرضه تقليد أوثقهما في نفسه وأعلمهما وأكثرهما تحرياً لأن الصواب إليه أقرب.
فإن قلد المفضول فظاهر كلامه ههنا أنه لا تصح صلاته لأنه ترك ما يغلب على ظنه أنه الصواب فلم يجز له ذلك كالمجتهد يترك إجتهاده.
والأولى صحتها وهو مذهب الشافعي لأنه أخذ بدليل له الأخذ به لو انفرد فكذلك إذا كان معه غيره كما لو استويا ولا عبرة بظنه فإنه لو غلب على ظنه إصابة المفضول لم يمنع ذلك تقليد الأفضل، فإن استويا قلد من شاء منهما كالعامي مع العلماء في بقية الأحكام (فصل) والمقلد من لا تمكنه الضلاة باجتهاد نفسه، إما لعدم بصره أو بصيرته بحيث لا يمكنه التعلم قبل خروج وقت الصلاة فإن أمكنه التعلم قبل خروج الوقت لزمه، فإن صلى قبل ذلك لم تصح لأنه قدر على الصلاة باجتهاده فلم يجز له التقليد كالمجتهد، ولا يلزم هذا على العامي حيث لم يلزمه تعلم الفقه لوجهين (أحدهما) أن الفقه ليس شرطاً لصحة الصلاة (الثاني) أنه يشق ومدته تطول فإن أخر هذا التعلم والصلاة حتى ضاق الوقت عن التعلم والإجتهاد أو عن أحدهما أحدهما صحت صلاته بالتقليد كالذي يقدر على تعلم الفاتحة فيضيق الوقت عن تعلمها.
وإن كان بالمجتهد ما يمنعه رؤية الأدلة كالرمد والمحبوس في مكان لا يرى فيه الأدلة ولا يجد مخبراً إلا مجتهداً فهو كالأعمى في جواز تقليده (فصل) فإذا شرع في الصلاة بتقليد مجتهد فقال له قائل قد أخطأت القبلة وكان يخبر عن يقين
كمن يقول قد رأيت الشمس ونحوها وتيقنت خطأك لزمه الرجوع إلى قوله لأنه لو أخبر بذلك المجتهد الذي قلده الأعمى لزمه قبول خبره فالأعمى أولى.
وإن أخبره عن إجتهاده أو لم يبين له ولم يكن في نفسه أوثق من الأول مضى على ما هو عليه لأنه شرع في الصلاة بدليل يقيني فلا يزول عنه بالشك وإن كان أوثق من الأول في نفسه وقلنا لا يلزمه تقليد الأفضل فكذلك والارجع إلى قوله كالمجتهد إذا
стр. 490
تغير اجتهاده في أثناء صلاته.
(فصل) ولو شرع مجتهد في الصلاة بإجتهاده فعمي فيها بنى على ما مضى من صلاته لأنه يمكنه البناء على إجتهاد غيره فاجتهاد نفسه أولى فإن استدار عن تلك الجهة بطلت صلاته وإن أخبره مخبر يخطئه عن يقين رجع إليه وإن كان عن إجتهاده لم يرجع إليه لما ذكرنا، وإن شرع فيها وهو أعمى فأبصر في أثنائها فشاهد ما يستدل به على صواب نفسه من العلامات مضى عليه لأن الاجتهادين قد إتفقا وإن بان له خطؤه استدار إلى الجهة التي أداه اجتهاده إليها وبنى كالمجتهد إذا تغير اجتهاده في أثناء الصلاة وإن لم يتبين له صواب ولا خطأ بطلت صلاته واجتهد لأن فرضه الإجتهاد فلم يجز له أداء فرضه بالتقليد كما لو كان بصيراً في ابتدائها وإن كان مقلداً مضى في صلاته لأنه ليس في وسعه إلا الدليل الذي بدأ به فيها (مسألة) (وإذا صلى البصير في حضر فأخطأ أو صلى الأعمى بلا دليل أعاد) متى صلى البصير في الحضر ثم بان له الخطأ أعاد سواء صلى باجتهاده أو غيره لأن الحضر ليس بمحل للإجتهاد لقدرة من فيه على الاستدلال بالمحاريب ونحوها ولأنه يجد من يخبره عن يقين غالباً فلم يكن له الإجتهاد كواجد النص في سائر الأحكام، وإن صلى من غير دليل أخطأ لتفريطه وإن أخبره مخبر فأخطأ فقد تبين أن خبره ليس بدليل، فإن كان محبوساً لا يجد من يخبره فقال أبو الحسن التميمي يصلي بالتحري ولا يعيد لأنه عاجز عن الاستدلال بالخبر والمحاريب أشبه المسافر، وأما الأعمى فهو في الحضر كالبصير لقدرته على الاستدلال بالخبر والمحاريب فإنه يعرف باللمس وكذلك يعلم أن باب المسجد إلى الشمال أو غيرها فيمكنه الاستدلال به فمتى أخطأ أعاد وكذلك حكم المقلد في هذا (مسألة) (فإن لم يجد الأعمى من يقلده صلى وفي الإعادة روايتان) وقال ابن حامد أن أخطأ
أعاد وإن أصاب فعلى وجهين وإذا كان الأعمى والمقلد في السفر ولم يجد مخبراً ولا مجتهداً يقلده فقال
стр. 491
أبو بكر يصلي على حسب حاله وفي الإعادة روايتان (إحداهما) يعيد بكل حال وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه صلى بغير دليل فلزمته الإعادة وإن أصاب كالمجتهد إذا صلى بغير إجتهاد (والثانية) الإعادة عليه لأنه أتى بما أمر به أشبه المجتهد ولأنه عاجز عن غير ما أتى به فسقط عنه كسائر العاجزين عن الإستقبال ولأنه عادم للدليل أشبه المجتهد في الغيم، وقال ابن حامد أن أخطأ أعاد لفوات الشرط وإن أصاب فعلى وجهين وجههما كما ذكرنا.
وقد ذكرنا أن هذا حكم المقلد فأما إن وجد من يخبره أو يقلده فلم يفعل أو خالف المخبر أو المجتهد وصلى بطلت صلاته بكل حال وكذلك المجتهد إذا صلى من غير إجتهاد وأداه إجتهاده إلى جهة فخالفها لأنه ترك ما أمر به أشبه التارك التوجه إلى الكعبة مع علمه بها (مسألة) (ومن صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم علم أنه أخطأ القبلة فلا إعادة عليه) وكذلك حكم المقلد الذي صلى بتقليده، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر تلزمه الإعادة لأنه أخطأ في شرط من شروط الصلاة فلزمته الإعادة كما لو صلى ثم بان أنه أخطأ في الوقت أو بغير طهارة ولنا حديث عامر بن ربيعة الذي ذكرناه ولأنه أتى بما أمر فخرج عن العهدة كالمصيب ولأنه صلى إلى غير الكعبة للعذر أشبه الخائف ولأنه شرط عجز عنه أشبه سائر الشروط، وأما المصلي قبل الوقت فإنه لم يأت بما أمره به إنما أمر بالصلاة في الوقت بخلاف مسئلتنا فإنه مأمور بالصلاة بغير شك ولم يؤمر إلا بهذه الصلاة لأن غيرها محرمة عليه إجماعاً وسائر الشروط إذا عجز عنها سقطت كذاههنا، ولا فرق بين كون الأدلة ظاهرة فاشتبهت عليه أو مستورة بغيم أو ما يسترها عنه لما ذكرنا من الحديث فإن الأدلة استترت عنهم بالغيم ولأنه أتى بما أمر في الحالين وعجز عن إستقبال القبلة في الموضعين فاستويا في عدم الإعادة (فصل) وإن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة استدار إلى جهة الكعبة وبنى على ما مضى من
стр. 492
صلاته لأن ما مضى منها كان صحيحاً فجاز البناء عليه كما لو لم يبن له الخطأ.
وإن كانوا جماعة قد قدموا أحدهم ثم بان
لهم الخطأ في حال واحدة استداروا إلى الجهة التي بان لهم فيها الصواب لأن أهل قباء بان لهم تحويل القبلة وهم في الصلاة واستداروا إلى جهة الكعبة وأتموا صلاتهم، وإن بان للإمام وحده أو للمأمومين أو لبعضهم استدار من بان له الصواب ونوى بعضهم مفارقة بعض إلا على الوجه الذي قلنا أن لبعضهم الائتمام ببعض مع إختلاف الجهة، وإن كان فيهم مقلد تبع من قلده وانحرف بإنحرافه وإن قلد الجميع لم ينحرف إلا بإنحراف الجميع لأنه شرع بدليل يقيني فلا ينحرف بالشك إلا من يلزمه تقليد الأوثق فإنه ينحرف بإنحرافه (مسالة) (فإن أراد صلاة أخرى اجتهد لها فإن تغير إجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول) وجملته أن المجتهد متى صلى بالاجتهاد إلى جهة صلاة ثم أراد صلاة أخرى اجتهد لها كالحاكم إذا إجتهد في حادثة ثم حدث مثلها وهذا مذهب الشافعي، فإن تغير إجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول كالحاكم لو تغير اجتهاده في الحادثة الثانية عمل به ولم ينقض حكمه الأول وهذا لا نعلم فيه خلافاً، فإن تغير اجتهاده في الصلاة استدار وبنى على ما مضى.
نص عليه أحمد، وقال ابن أبي موسى والآمدي لا ينتقل لئلا ينقض الإجتهاد بالإجتهاد ولنا أنه مجتهد أداه اجتهاده إلى جهة فلم تجز له الصلاة إلى غيرها كما لو أراد صلاة أخرى وليس هذا نقضاً للإجتهاد إنما عمل به في المستقبل كما في الصلاة الأخرى.
وإنما يكون نقضاً للإجتهاد إذا ألزمناه اعادة ما مضى من صلاته، فإن لم يبق إجتهاده وظنه إلى الجهة الأولى ولم يؤده إجتهاده إلى جهة أخرى بنى على ما مضى لأنه لم يظهر له جهة أخرى يتوجه إليها.
وإن شك في إجتهاده لم يزل على جهته لأن الإجتهاد ظاهر فلا يزول عنه بالشك، وإن بان له الخطأ ولم يعرف جهة القبلة كمن كان يصلي إلى جهة فرأى بعض منازل القمر في قبلته ولم يدر أهو في الشرق أم في الغرب واحتاج إلى الإجتهاد بطلت صلاته لأنه لا يمكنه استدامتها إلى غير القبلة وليست له جهة يتوجه إليها فبطلت لتعذر إتمامها والله أعلم (باب النية) (وهي الشرط السادس للصلاة على كل حال) النية هي القصد يقال نواك الله بخير أي قصدك ومحلها القلب فإن لفظ بما نواه كان تأكيداً وإن سبق لسانه إلى غير ما نواه لم تفسد صلاته وإن لم ينطق بلسانه أجزأ وهي واجبة لا نعلم فيه خلافاً ولا تنعقد الصلاة إلا بها ولا تسقط بحال لقول الله
стр. 493
تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخصلين له الدين) والإخلاص عمل القلب وهو أن يقصد بعمله الله تعالى وحده غيره، ولقول النبي ﷺ " إنما الأعمال بالنيات وإنما لأمرئ ما نوى " متفق عليه (مسألة) (ويجب أن ينوي الصلاة بعينها إن كانت معينة وإلا أجزأته نية الصلاة) متى كانت الصلاة معينة لزمه شيئان: نية الفعل، والتعيين، فإن كان فرضاً ظهراً أو عصراً أو غيرهما لزمه تعيينها، وكذلك إن كانت نفلاً معينة كالوتر وصلاة الكسوف والاستسقاء والسنن الرواتب لزمه التعيين أيضا لعوم الحديث، وإن كانت نافلة مطلقة كصلاة الليل أجزأته نية مطلق الصلاة لا غير لعدم التعيين فيها (مسألة) (وهل تشترط نية القضاء في الفائتة ونية الفرضية في الفرض؟ على وجهين) اختلف أصحابنا في نية الفرضية في الفرض فقال بعضهم: لا يجب لأن التعيين يغني عنها لكون الظهر لا تكون من المكلف إلا ظهراً فرضاً، وقال ابن حامد لابد منها لأن المعينة قد تكون نفلاً كظهر الصبي والمعادة فعلى هذا يحتاج إلى نية الفعل والتعيين والفرضية (فصل) وينوي الأداء في الحاضرة والقضاء في الفائتة، وهل يجب ذلك؟ على وجهين (أحدهما) يجب لقوله " وإنما لأمرئ، ما نوى " (والثاني) لا يجب وهو أولى لأنه لا يختلف المذهب أنه لو صلى ينويها أداء فبان أن وقتها قد خرج أن صلاته صحيحة ويقع قضاء وكذلك لو نواها قضاء ظناً أن الوقت قد خرج فبان فعلها في وقتها وقعت أداء من غير نيته كالأسير إذا تحرى وصام فبان أنه وافق الشهر أو ما بعده أجزأه، فأما إن ظن أن عليه ظهراً فائتة فقضاها في وقت ظهر اليوم ثم بان أنه لا قضاء عليه أجزأته في أحد الوجهين لأن الصلاة معينة وإنما أخطأ في نية الوقت فلم يؤثر كما إذا اعتقد أن الوقت قد خرج فبان إنه لم يخرج أو كما لو نوى ظهر أمس وعليه ظهر يوم قبله (والثاني) لا يجزئه لأنه لم ينو عين الصلاة أشبه ما لو نوى قضاء عصر فإنها لا تجزئه عن الظهر، ولو نوى ظهر اليوم في وقتها وعليه فائتة لم يجزئه عنها ويتخرج فيها كالتي قبلها، فأما إن كانت عليه فوائت فنوى صلاة غير معينة لم تجزئه عن واحدة منها لعدم التعيين (مسألة) (ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام) لأنه أول الصلاة لتكون الينة مقارنة للعبادة
(مسألة) (فإن تقدمت قبل ذلك بزمن يسير جاز) ذكره أصحابنا ما لم يفسخها، واشترط الخرقي أن يكون بعد دخول الوقت، فإن قطع النية أو طال الفصل لم يجزئه وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال
стр. 494
الشافعي وابن المنذر: تشترط مقارنة النية للتكبير لقوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فقوله مخلصين حال لهم في وقت العبادة، أي مخلصين حال العبادة، والإخلاص هو النية ولأن النية شرط فلم يجز أن تخلو العبادة عنها كسائر شروطها ولنا أنها عبادة فجاز تقديم نيتها عليها كالصوم وتقدم النية على الفعل لا يخرجه عن كونه منوياً ولا يخرج الفاعل عن كونه مخلصاً كالصوم ولأنه جزء من الصلاة أشبه سائر أجزائها (مسألة) (ويجب أن يستصحب حكمها إلى آخر الصلاة) معنى استصحاب حكمها أن لا يقطعها فلو ذهل عنها أو عزبت عنه في أثناء الصلاة لم يبطلها لأن التحرز من هذا غير ممكن وقياساً على الصوم وغيره، وقد روى مالك في الموضأ أن النبي ﷺ قال " إذا أقيمت الصلاة أدبر الشيطان وله حصاص فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول أذكر كذا أذكر كذا حتى يضل أحدكم أن يدري كم صلى " وروي ان عمر صلى صلاة لم يقرأ فيها، فقيل له إنك لم تقرأ؟ فقال، أني جهزت جيشاً للمسلمين حتى بلغت بهم وادي القرى، وإن أمكنه إستصحاب ذكرها فهو أفضل لأنه أبلغ في الإخلاص (٢) (مسألة) (فإن قطعها في أثنائها بطلت الصلاة وإن تردد في قطعها فعلى وجهين) وجملة ذلك أنه يشترط أن يدخل في الصلاة بنية جازمة فإن دخل بنية مترددة بين إتمامها وقطعها لم تصح لأن النية عزم جازم ولا يحصل ذلك مع التردد فإن تلبس بها بنية صحيحة ثم نوى قطعها والخروج منها بطلت، وهذا قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة لا تبطل بذلك لأنها عبادة دخلها بنية صحيحة فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج ولنا أنه قطع حكم النية قبل إتمام صلاته ففسدت كما لو سلم ينوي الخروج منها ولأن النية شرط في جميع الصلاة وقد قطعها ففسدت لذهاب شرطها، وفارق الحج فإنه لا يخرج منه بمحظوراته بخلاف الصلاة.
فأما إن تردد في قطعها فقال ابن حامد: لا تبطل لأنه دخل فيها بنية متيقة فلا يزول بالشك
والتردد كسائر العبادات، وقال القاضي يحتمل أن تبطل وهو مذهب الشافعي لأن استدامة النية شرط ومع التردد لا يبقى مستديماً لها أشبه إذا نوى قطعها (فصل) فإن شك في أثناء الصلاة في النية أو في تكبيرة الإحرام أستأنفها لأن الأصل عدمها فإن ذكر أنه كان قد نوى أو كبر قبل قطعها أو شرع في عمل فله البناء لأنه لم يوجد مبطل لها وإن
стр. 495
عمل فيها عملاً مع الشك بطلت، ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن هذا العمل عري عن النية وحكمها لأن استصحاب حكمها مع الشك لا يوجد، وقال ابن حامد لا تبطل ويبني لأن الشك لا يزيل حكم النية فجاز له البناء كما لو لم يحدث عملاً لأنه لو أزال حكم النية لبطلت كما لو نوى قطعها، وإن شك هل نوى فرضاً أو نفلاً أتمها نفلاً إلا أن يذكر أنه نوى الفرض قبل أن يحدث عملاً فيتمها فرضاً، وإن كان ذكره بعد أن أحدث عملاً خرج فيه الوجهان، فإن شك هل أحرم بظهر أو عصر فحكمه حكم مالو شك في النية لأن التعيين شرط.
ويحتمل أن يتمها نفلاً كما لو احرم بفرض فبان قبل وقته (مسألة) (وإن أحرم بفرض فبان قبل وقته إنقلب نفلاً) لأن نية الفرض تشتمل على نية النفل فإذا بطلت نية الفرضية بقيت نية مطلق الصلاة (مسألة) (وإن أحرم به في وقته ثم قلبه نفلاً جاز، ويحتمل أن لا يجوز إلا لعذر مثل أن يحرم منفرداً يريد الصلاة في جماعة) متى أحرم بفرض في وقته ثم قلبه نفلاً فإن كان لغير غرض كره وصح لأن النفل يدخل في نية الفرض، أشبه مالو أحرم بفرض فبان قبل وقته وكما لو قلبها لغرض، ذكره أبو الخطاب ويكره ذلك لأنه أبطل عمله.
وقال القاضي في موضع لا يصح رواية واحدة، كما لو إنتقل من فرض إلى فرض، وقال في الجامع يخرج على روايتين (إحداهما) يصح لما ذكرنا (والثانية) لا يصح
لأنه أبطل عمله لغير سبب ولا فائدة، وللشافعي قولان كالوجهين.
وإن كان لغرض صحيح مثل من أحرم منفرداً فحضرت جماعة فقلبها نفلاً ليحصل فضيلة الجماعة صح من غير كراهة لما ذكرنا، وقال القاضي: فيه روايتان (إحداهما) لا تصح لما ذكرنا (والثانية) تصح لتحصل له مضاعفة الثواب (مسألة) (وإن انتقل من فرض إلى فرض بطلت الصلاتان) تبطل الأولى لأنه قطع نيتها ولا تصح الثانية لأنه لم ينوها من أولها (مسألة) (ومن شرط الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما) يشترط أن ينوي الإمام أنه إمام والمأموم أنه مأموم لأن الجماعة يتعلق بها أحكام وجوب الإتباع وسقوط السهو عن المأموم وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه وإنما يتميز الإمام عن المأموم بالنية فكانت شرطاً، فإن نوى أحدهما دون صاحبه لم يصح ولأن الجماعة إنما تنعقد بالنية فاعتبرت منهما قياساً لأحدهما على الآخر فإن صلى رجلان ينوي كل واحد منهما أنه إمام صاحبه أو مأموم له فصلاتهما فاسدة نص عليهما لأنه إئتم بمن ليس بإمام في الصورة الثانية وأم من لم يأتم به في الأولى، ولو رأى رجلين يصليان فنوى الإئتمام