نوما أو لانتقاله إلى غيرها غلطا ومتى ما ذكر أتى بما بقي منها فإن تمادى فيما هو فيه بعد ذكره لزمه استئنافها كما لو ابتدأ بذلك، فإن نوى قطع قراءتها من غير أن يقطعها لم تنقطع لأن الاعتبار بالفعل لا بالنية.
وكذا إن سكت مع النية سكوتا يسيرا لما ذكرنا أن النية لا عبرة بها ذكره القاضي في المجرد وذكر في الجامع أنه متى سكت مع النية أبطلها وأنه متى عدل إلى قراءة غيرها عمدا أو دعاء غير مأمور به بطلت قراءته ولم يفرق بين قليل وكثير.
وإن قدم آية منها في غير موضعها عمدا أبطلها وإن كان غلطا رجع فأتمها قال شيخنا: والأولى إن شاء الله ما ذكرناه لأن المعتبر في القراءة وجودها لا نيتها فمتى قرأها متواصلة تواصلا قريبا صحت كما لو كان ذلك عن غلط والله أعلم (مسألة) (فإذا قال ولا الضالين قال آمين) التأمين عند الفراغ من قراءة الفاتحة سنة للإمام والمأموم، روى ذلك عن ابن عمر وابن الزبير وهو قول الثوري وعطاء والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي.
وقال أصحاب مالك: لا يسن التأمين للإمام لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال " إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له " رواه مالك، وهذا دليل على أنه لا يقولها ولنا ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من
стр. 527
وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له " متفق عليه.
وعن وائل ابن حجر أن النبي ﷺ كان إذا قال " ولا الضالين " قال " آمين " ورفع بها صوته، رواه أبو داود، وحديثهم لا حجة لهم
فيه وإنما قصد به تعريفهم موضع تأمينهم وهو موضع تأمين الإمام ليكون تأمين الإمام والمأمومين موافقا تأمين الملائكة وقد جاء هذا مصرحا به، فروى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال " إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين والإمام يقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " وقوله في اللفظ الآخر " إذا أمن الإمام " يعني إذا شرع في التأمين (مسألة) (يجهر بها الإمام والمأموم في صلاة الجهر) الجهر بآمين للإمام والمأموم سنة، وقال أبو حنيفة ومالك في إحدى الروايتين: يسن إخفاؤها لأنه دعاء أشبه دعاء التشهد.
ولنا حديث وائل بن حجر الذي ذكرناه، وقال عطاء أن ابن الزبير كان يؤمن ويؤمنون حتى إن للمجسد للجة، رواه الشافعي في مسنده.
وما ذكروه يبطل بآخر الفاتحة فان دعاء ويسن الجهر به وفي آمين لغتان قصر الألف ومدهامع التخفيف فيها، قال الشاعر تباعد مني فطحل إذ دعوته + + + أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وأنشد في المد يا رب لا تسلبني حبها أبدا + + + ويرحم الله عبدا قال آمينا ومعناها اللهم استجب.
قاله الحسن، وقيل هو اسم من أسماء الله عزوجل، ولا يشدد الميم لأنه يخل بالمعنى فيصير بمعنى قاصدين (فصل) فإن نسي الإمام التأمين أمن المأموم ورفع بها صوته ليذكر الإمام لأنه من سنن الأقوال
стр. 528
فإذا تركها الإمام أتى بها المأموم كالاستعاذة، وإن أخفاها الإمام جهر بها المأموم لما ذكرنا فإن ترك التأمين حتى شرع في قراءة السورة لم يعد إليه لأنه سنة فات محلها (مسألة) (فإن لم يحسن الفاتحة وضاق الوقت عن تعلمها قرأ قدرها في عدد الحروف وقيل في عدد الآيات من غيرها فان لم يحسن إلا آية كررها بقدرها) وجملة ذلك أن من لم يحسن الفاتحة يلزمه تعلمها لأنه واجب في الصلاة فلزمه تحصيله إذا أمكنه كشروطها فان لم يفعل مع القدرة عليه لم تصح صلاته، فإن لم يقدر أو خشي فوات الوقت سقط، فان
كان يحسن منها آية أو أكثر كررها بقدرها لا يجزئه غير ذلك، ذكره القاضي لأن ذلك أقرب إليها من غيرها وقال ابن أبي موسى: لا يكررها وكذلك إن لم يحسن من القرآن إلا آية.
ويحتمل أن يأتي ببقية الآي من غيرها كمن وجد بعض الماء فإنه يغسل به ويعدل إلى التيمم، ذكر القاضي هذا الاحتمال في الجامع ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين.
فأما إن عرف بعض آية لم يكررها وعدل إلى غيرها لأن النبي ﷺ أمر الذي لا يحسن الفاتحة أن يقول الحمد لله وغيرها وهي بعض آية ولم يأمره بتكرارها، فإن لم يحسن شيئا منها وأحسن غيرها من القرآن قرأ منه بقدرها إن قدر عليه لا يجزئه غير ذلك لما روى أبو داود عن رفاعة ابن رافع أن النبي ﷺ قال " إذا أقيمت الصلاة فإن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله وهلله وكبره " ويجب أن يقرأ بعدد آياتها، وهل يعتبر أن يكون بعدد حروفها؟ فيه وجهان أظهرهما اعتبار ذلك اختاره القاضي وابن عقيل لأن الحرف مقصود بدليل تقدير الحسنات به فاعتبر كالآي (والثاني) تعتبر الآيات ولا يعتبر عدد الحروف بدليل أنه لا يكفي عدد الحروف دونها فأشبه من فاته صوم يوم طويل لا يعتبر في القضاء صوم يوم طويل مثله (وفيه وجه ثالث) أنه يكفيه أن يقرأ بعدد الحروف ولا يعتبر عدد الآيات وهو ظاهر كلام شيخنا ههنا لأن الثواب مقدر بالحروف فكفى اعتبارها، فإن لم يحسن إلا آية كررها بقدرها فكان بمثابة من قرأها لأنها من جنس الواجب (مسألة) (فإن لم يحسن شيئا من القرآن لم يجز أن يترجم عنه بلغة أخرى ولزمه أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله) لا يجوز له القراءة بغير العربية سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن وهو قول الشافعي وقول
стр. 529
أبي يوسف ومحمد إذا كان لا يحسن وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وقال أبو حنيفة يجوز ذلك لقوله تعالى (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) وإنما ينذر كل قوم بلسانهم ولنا قول الله تعالى (قرآنا عربيا) وقوله (بلسان عربي مبين) ولأن القرآن لفظه ومعناه معجزة فإذا غير خرج عن نظمه ولم يكن قرآنا ولامثله وإنما يكون تفسيرا له ولو كان تفسيره مثله لما عجزوا عنه إذا تحداهم بالإتيان بسورة من مثله، أما الإنذار فإذا فسره لهم حصل بالمفسر لا بالتفسير،
إذا ثبت هذا فإنه يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لما روى أبو داود قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني لا أستطيع أن أخذ شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزئني منه فقال تقول " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله " قال هذا لله فما لي؟ قال تقول " اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني وعافني " ولا تلزمه الزيادة على الخمس الأول لأن النبي ﷺ اقتصر عليها وإنما زاده عليها حين طلب الزيادة.
وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه يزيد على الخمس كلمتين حتى يكون مقام سبع آيات فقال ابن عقيل يكون ما أتى به على قدر حروف الفاتحة كما قلنا فيما إذا قرأ من غيرها، والحديث يدل على أن الخمس المذكورة مجزئة ولا يلزم عليه القراءة من غير الفاتحة حيث لزم أن يكون بعدد آياتها لأن هذا بدل من غير الجنس أشبه التيمم (مسألة) (فإن لم يحسن إلا بعض ذلك كرره بقدرها) كما قلنا فمين يحسن بعض الفاتحة.
قال شيخنا ويحتمل أن يجزئه الحمد والتهليل والتكبير لقول النبي ﷺ " فإن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله وهلله وكبره " رواه أبو داود (مسألة) (فإن لم يحسن شيئا من الذكر وقف بقدر القراءة) لأن الوقوف كان واجبا مع القراءة فإذا عجز عن أحد الواجبين بقي الآخر على وجوبه ولأن القيام ركن فلم يسقط بالعجز عن غيره كسائر الأركان
стр. 530
(فصل) ويستحب أن يسكت الإمام عقيب قراءة الفاتحة سكتة يستريح فيها ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة كيلا ينازع فيها وهذا قول الشافعي واسحاق، وكرهه مالك وأصحاب الرأي ولنا ما روى أبو داود وابن ماجة أن سمرة حدث أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين؟ سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فأنكر عليه عمران فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب فكان في كتابه إليهما أن سمرة قد حفظ (مسألة) (ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه) قراءة السورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة مستحب لا نعلم
فيه خلافاً، وقد صح عن النبي ﷺ في حديث أبي قتادة وفي حديث أبي برزة واشتهر ذلك في صلاة الجهر ونقل نقلا متواترا وأمر به معاذا فقال: اقرأ " بالشمس وضحاها " الحديث متفق عليه.
ويسن أن يفتتح السورة ببسم الله الرحمن الرحيم، وقد وافق مالك على ذلك ويسر بها في السورة كما يسر بها في أول الفاتحة والخلاف ههنا كالخلاف ثم (فصل) ويستحب أن تكون القراءة على الصفة التي ذكر لما روى جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد ونحوها، وكانت صلاته بعد إلى التخفيف، رواه مسلم وعن عمرو بن حريث قال: كأني أسمع صوت النبي ﷺ يقرأ في صلاة الغداة (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) رواه ابن ماجه.
وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق) وشبههما أخرجه أبو داود، وعنه كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك، أخرجه مسلم.
وروى البراء أن النبي ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون في السفر متفق عليه.
وعن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد أخرجه ابن ماجة وروي مسلم أن النبي ﷺ قال لمعاذ " أفتان أنت يا معاذ يكفيك أن تقرأ بالشمس وضحاها، والضحى والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى " وكتب عمر إلى أبي موسى أن اقرأ في الصبح بطوال المفصل، واقرأ في الظهر بأوساط المفصل، واقرأ في المغرب بقصار المفصل، رواه أبو حفص بإسناده
стр. 531
(فصل) وإن قرأ على خلاف ذلك فلا بأس فإن الأمر في ذلك واسع، فقد روي انه ﷺ كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة متفق عليه.
وروى أن النبي ﷺ قرأ في الفجر بالروم، أخرجه النسائي.
وعن عبد الله بن السائب قال: قرأ النبي ﷺ في صلاة الصبح بالمؤمنين، فلما أتى على ذكر عيسى أصابته شرقة فركع، رواه ابن ماجه.
وثبت أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالمرسلات.
وعن جبير بن مطعم أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور متفق عليه، وروى زيد بن ثابت أنه قرأ فيها الاعراف، وعن رجل من
جهينة أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ أم فعل ذلك عمدا، رواهما أبو داود، وعنه أنه قرأ في الصبح بالمعوذتين وكان ﷺ يطيل تارة ويقصر بالأخرى على حسب الأحوال، وقال الخرقي يقرأ في الظهر في الأولى بنحو ثلاثين آية وفي الثانية بأيسر من ذلك، وفي العصر على النصف من ذلك لما روى أبو سعيد قال: اجتمع ثلاثون من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: تعالوا حتى نقيس قراءة رسول الله ﷺ فيما لم يجهر فيه من الصلاة فما اختلف رجلان فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر قدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك وقاسوا ذلك في صلاة العصر على قدر النصف من الركعتين الآخريين من الظهر، رواه ابن ماجه (فصل) ولا بأس بقراءة السورة في الركعتين قال أحمد في رواية أبي طالب واسحاق بن إبراهيم لما روى زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين كلتيهما رواه سعيد، وعن عائشة أن النبي ﷺ كان يقسم البقرة في الركعتين، رواه ابن ماجه، وسئل أحمد عن الرجل يقرأ بسورة ثم يقوم فيقرأ بها الركعة الأخرى فقال: وما بأس بذلك لما ذكرنا من حديث الجهني رواه أبو داود قال حرب: قلت لاحمد الرجل يقرأ على التأليف في الصلاة اليوم السورة وغدا التي تليها؟ قال ليس في هذا شئ إلا أنه روي عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصل وحده.
وقال منها: سألت أحمد عن الرجل يقرأ في الصلاة حيث ينتهي جزؤه قال لا بأس به في الفرائض.
(مسألة) (ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب والعشاء) الجهر في هذه المواضع مجمع على استحبابه ولم يختلف المسلمون في مواضعه، والأصل فيه فعل النبي ﷺ وقد ثبت ذلك بنقل الخلف عن السلف، فإن جهر في موضع الأسرار وأسر في موضع الجهر ترك السنة
стр. 532
وأجزأه.
وقال القاضي: إن فعل ذلك عامداً صحت صلاته في ظاهر كلامه، ومن أصحابنا من قال تبطل وإن فعله ناسيا لم تبطل إلا أنه إذا جهر في موضع الإسرار ناسيا ثم ذكر في أثناء قراءته بنى على قراءته وإن نسي فأسر في موضع الجهر ففيه روايتان (إحداهما) يمضي في قراءته كالتي قبلها (والثانية) يستأنف القراءة جهرا على سبيل الاختيار لا الوجوب والفرق بينهما أن الجهر زياة قد حصل بها المقصود وزيادة فلا حاجة الى إعادته.
والإسرار نقص فاتت به سنة تتضمن مقصودا وهو سماع
المأمومين القراءة وقد أمكنه الإتيان بها فينبغي أن يأتي بها (فصل) ولا يشرع الجهر للمأموم بغير خلاف لأنه مأمور بالاستماع للإمام والإنصات له ولا يقصد منه إسماع أحد، فأما المنفرد مخير في ظاهر كلامه، وكذلك من فاته بعض الصلاة مع الإمام فقام ليقضيه فروي ذلك عن الأثرم قال إن شاء جهر وإن شاء خافت إنما الجهر للجماعة، وكذلك قال طاوس والاوزاعي فيمن فاته بعض الصلاة ولا فرق بين القضاء والأداء وقال الشافعي يسن للمنفرد لأنه غير مأمور بالإنصات أشبه الإمام ولنا أنه لا يراد منه اسماع غيره أشبه المأموم في سكتات الإمام بخلاف الإمام فإنه يقصد إسماع المأمومين فقد توسط المنفرد بين الإمام والمأموم ولذلك كان مخيرا في الحالين (فصل) فإن قضى الصلاة في جماعة وكانت صلاة نهار أسر سواء قضاها ليلاً أو نهاراً لا نعلم فيه خلافا لأنها صلاة نهار وإن كانت صلاة ليل فقضاها ليلا جهر في ظاهر كلامه لأنها صلاة ليل فعلها ليلا فجهر فيها كالمؤداة وإن قضاها نهارا احتمل أن لا يجهر وهو مذهب الشافعي والاوزاعي لأنها مفعولة في النهار وصلاة النهار عجماء، وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال " اذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارجموه بالبعر " رواه أبو حفص بإسناده واحتمل أن يجهر فيها وهو قول أبي حنيفة وابن المنذر وأبي ثور ليكون القضاء كالأداء ولا فرق عند هؤلاء بين الامام والمنفرد ظاهر كلام أحمد أنه غير بين الأمرين (مسألة) (وإن قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان لم تصح صلاته وعنه تصح) لا يستحب له أن يقرأ بغير ما في مصحف عثمان ونقل عن أحمد أنه كان يختار قراءة نافع من طريق إسماعيل بن جعفر فإن لم يكن فقراءة عاصم من طريق أبي بكر بن عياش وأثنى على قراءة أبي عمر ولم يكره قراءة
стр. 533
أحد من العشرة إلا قراءة حمزة والكسائي لما فيها من الكسر والإدغام والتكلف وزيادة المد، وقد روي عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال " نزل القرآن بالتفخيم " وعن ابن عباس قال: نزل القرآن بالتفخيم والتثقيل نحو الجمعة وأشباه ذلك ولأنها تتضمن الإدغام الفاحش وفيه إذهاب
حروف كثيرة من كتاب الله تعالى ينقص بإدغام كل حرف عشر حسنات، ورويت كراهتها والتشديد فيها عن جماعة من السلف منهم الثوري وابن مهدي ويزيد بن هارون وسفيان بن عيينة فروي عنه أنه قال لو صليت خلف إنسان يقرأ قراءة حمزة لأعدت صلاتي، وقال أبو بكر بن عياش قراءة حمزة بدعة، وقال ابن إدريس ما أستخير أن أقول يقرأ بقراءة حمزة أنه صاحب سنة، قال بشر بن الحارث: يعيد إذا صلى خلف إمام يقرأ بها.
وروى عن أحمد التسهيل في ذلك، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله إمام يصلي بقراءة حمزة أصلي خلفه؟ قال لا تبلغ بهذا كله ولكنها لا تعجبني (فصل) فإن قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان كقراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وغيرها كره له ذلك لأن القرآن يثبت بطريق التواتر ولا تواتر فيها ولا يثبت كونها قرآنا وهل تصح صلاته إذا كان مما صحت به الرواية واتصل إسنادها؟ على روايتين (إحداهما) لا تصح صلاته لذلك
стр. 534
(والثانية) تصح لأن الصحابة ﵃ كانوا يصلون بقراءتهم في عصر النبي ﷺ وبعده وكانت صلاتهم صحيحة.
وقد صح أن النبي ﷺ قال " من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد " وكان الصحابة ﵃ يصلون بقراآت لم يثبتها عثمان في المصحف لا يرى أحد منهم تحريم ذلك ولا بطلان صلاتهم به (فصل) فإذا فرغ من القراءة ثبت قائما وسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع ولا يصل قراءته
стр. 535
بتكبير الركوع قاله أحمد لأن في حديث سمرة في بعض رواياته فإذا فرغ من القراءة سكت، رواه أبو داود
стр. 536
(مسألة) (ثم يرفع يديه ويركع مكبرا فيضع يديه على ركبتيه ويمد ظهره مستويا ويجعل رأسه حيال ظهره لا يرفعه ولا يخفضه) الكلام في هذه المسألة في ثلاثة أمور (أحدها) في رفع اليدين، ورفعهما في تكبيرة الركوع مستحب: ويرفعهما إلى فروع أذنيه ويكون ابتداء الفرع مع ابتداء التكبير، وانتهاؤه مع انتهائه كما قلنا في ابتداء الصلاة، وهذا قول ابن عمر وابن عباس وجابر وأبي هريرة وابن الزبير
وأنس ﵃، وبه قال الحسن وعطاء وطاووس وابن المبارك، والشافعي مالك في أحد قوليه وقال الثوري وأبو حنيفة والنخعي لا يرفعهما لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة، حديث حسن.
وروي يزيد بن زياد عن ابن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلا ثم لا يعود، رواه أحد بمعناه قالوا: والعمل في هذين الحديثين الاولين أولى لأن ابن مسعود كان فقيها مالازما لرسول الله ﷺ عالما بأحواله فتقدم روايته على غيره ولنا ما روى عبد الله بن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، متفق عليه، وقد ذكرنا حديث أبي حميد وفيه الرفع، رواه في عشرة من الصحابة منهم أبو قتادة فصدقوه، ورواه عمر وعلي ووائل ابن حجر ومالك بن الحويرث وأنس وأبو هريرة وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة وأبو موسى فصار كالمتواتر الذي لا يتطرق إليه شك بصحة سنده وكثرة رواته وعمل به الصحابة والتابعون
стр. 537
وأنكروا على من تركه، فروي أن ابن عمر كان إذا رأى من لا يرفع حصبه وأمره أن يرفع وحديثاهم ضعيفان، فحديث ابن مسعود قال ابن المبارك لم يثبت، وحديث البراء قال أبو داود: هذا حديث ليس بصحيح - ولو صحا كان الترجيح لأحاديثنا لأنها أصح إسنادا وأكثر رواة ولأنهم مثبتون والمثبت يقدم على النافي ولأنه قد عمل به السلف من الصحابة والتابعين، وقولهم أن ابن مسعود إمام، قلنا لا ننكر فضله وإمامته، أما بحيث يقدم على عمر وعلي فلا ولا يساوي واحدا منهما فكيف تقدم روايته؟ (الأمر الثاني) الركوع وهو واجب في الصلاة بالنص والإجماع قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) وأجمعوا على وجوب الركوع على القادر عليه (الأمر الثالث) التكبير فيه وهو مشروع في كل خفض ورفع في قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وجابر وأبو هريرة وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وعوام علماء الأمصار، وروي عن عمر بن عبد العزيز وسالم والقاسم وسعيد بن جبير أنهم كانوا لا يتمون التكبير لما روى عبد الرحمن بن أبي أنه صلى مع النبي ﷺ فكان
لا يتم التكبير، يعني إذا خفض وإذا رفع، رواه الإمام أحمد ولنا ما روى أبو هريرة قال كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس، متفق عليه.
وعن ابن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود، وأبو بكر وعمر، رواه الإمام أحمد والترمذي وقال حسن صحيح.
وقال النبي
стр. 538
صلى الله عليه وسلم " صلوا كما رأيتموني أصلي " وقال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا " متفق عليه ولأنه شروع في ركن فشرع فيه التكبير كحالة الابتداء (فصل) ويستحب أن يضع يديه على ركبتيه ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ وهو قول عامة أهل العلم، وذهب قوم من السلف إلى التطبيق وهو أن يجعل المصلي أحد كفيه على الأخرى ثم يجعلهما بين ركبتيه إذا ركع وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ، قال مصعب بن سعد: ركعت فجعلت يدي بين ركبتي فنهاني أبي وقال إنا كنا نفعل هذا فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب متفق عليه.
وفي حديث أبي حميد رأيته إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ويستحب أن يفرج أصابعه لما روى وائل بن حجر قال: كان النبي ﷺ إذا ركع فرج أصابعه، رواه البيهقي (فصل) ويجعل رأسه حيال ظهره لا يرفعه ولا يخفضه لأن في حديث أبي حميد في صفة الركوع ثم هصر ظهره، وفي لفظ ثم اعتدل فلم يصوب رأسه ولم يقنع، وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك، متفق عليه.
وجاء الحديث عن النبي ﷺ أنه كان إذا ركع لو كان قدح ماء على ظهره ما تحرك وذلك لاستواء ظهره، ويستحب أن يجافي عضديه عن جنبيه فإن في حديث أبي حميد النبي ﷺ وضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ووتر أيديه فنحاهما عن جنبه، صحيح
стр. 539
(مسألة) (وقدر الإجزاء الانحناء بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه لأنه لا يخرج عن حد القيام إلى الركوع إلا به ولا يلزمه وضع يديه على ركبتيه بل ذلك مستحب، فإن كانتا عليلتين لا يمكنه وضعهما انحنى ولم يضعهما، وإن كانت إحداهما عليلة وضع الآخرى (١) (فصل) وإذا رفع رأسه وشك هل رفع أو لا؟ أو هل أنى بقدر الإجزاء أو لا؟ لزمه أن يعود فيركع
стр. 540
لأن الأصل عدم ما شك فيه إلا أن يكون وسواسا فلا يلتفت إليه وكذلك حكم سائر الأركان (مسألة) (ثم يقول سبحان ربي العظيم ثلاثا وهو أدنى الكمال) قول سبحان ربي العظيم مشروع في الركوع، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك ليس عندنا في الركوع والسجود شئ محدود وقد سمعت أن التسبيح في الركوع والسجود ولنا ما روى عقبة بن عامر قال: لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) قال النبي ﷺ " اجعلوها في ركوعكم " وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال " إذا ركع أحدكم فليقل سبحان ربي العظيم ثلاث مرات وذلك أدناه " أخرجهما أبو داود وابن ماجة، وأدنى الكمال ثلاث لما ذكرناء ويجزئه تسبيحة واحدة لأن النبي ﷺ لم يذكر عددا في حديث عقبة ولأنه ذكر مكررا فأجزأت واحدة كسائر الأذكار، قال أحمد جاء الحديث عن الحسن البصري أنه قال " التسبيح التام سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث " وقال القضي الكامل في التسبيح إن كان منفردا
стр. 541
مالا يخرجه إلى السهو وفي حق الإمام مالا يشق على المأمومين، ويحتمل أن يكون الكامل عشر تسبيحات لأن أنساً روي أن النبي ﷺ كان يصلي كصلاة عمر بن عبد العزيز فحزروا ذلك بعشر تسبيحات.
وقال الميموني صليت خلف أبي عبد الله فكنت أسبح في الركوع والسجود عشر تسبيحات وأكثر.
وقال بعض أصحابنا الكمال أن يسبح مثل قيامه لما روى البراء قال: رمقت
محمداً ﷺ وهو يصلي فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته
стр. 542
ما بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء متفق عليه (فصل) إلا أن الأولى للإمام عدم التطويل لئلا يشق على المأمومين إلا أن يكون الجماعة يرضون بذلك فيستحب له التسبيح الكامل على ما ذكرنا، وإن قال سبحان ربي العظيم وبحمده فلا بأس فإنه قد جاء عن النبي ﷺ أنه كان إذا ركع قال " سبحان ربي العظيم وبحمده " ثلاثا إذا سجد قال " سبحان ربي الأعلى وبحمده " ثلاثا رواه أبو داود.
قال أحمد بن نصر روي عن
стр. 543
أحمد أنه سئل: تسبيح الركوع والسجود " سبحان ربي العظيم وبحمده " أعجب إليك أو " سبحان ربي العظيم؟ " فقال قد جاء هذا وجاء هذا.
وروي عنه أنه قال: أما أنا فلا أقول وبحمده.
وحكاه ابن المنذر عن الشافعي وأصحاب الرأي لأن هذه الزيادة قال أبو داود: نخاف أن لا تكون محفوظة والرواية بدونها أكثر (فصل) يكره أن يقرأ في الركوع والسجود لما روى علي عن النبي ﷺ أنه نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، قال الترمذي هذا حديث صحيح (مسألة) (ثم يرفع رأسه قائلا سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه) إذا فرغ من الركوع رفع رأسه
стр. 544
قائلا سمع الله لمن حمده، ويكون انتهاؤه عند انتهاء رفعه، ويرفع يديه لما روينا من الأخبار، وفي موضع الرفع روايتان (إحداهما) بعد اعتداله قائما، حكاه أحمد بن الحسين أنه رأى أحمد يفعله لأن في بعض ألفاظ حديث ابن عمر رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع (والثانية) يبتدئه حين يبتدئ رفع رأسه، لان أبا حميد قال في صفة صلاة رسول الله ﷺ : ثم قال " سمع الله لمن حمده " ورفع يديه.
وفي حديث ابن عمر في الرفع: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ويقول " سمع الله لمن حمده " وظاهره أنه رفع يديه حين أخذ في رفع رأسه كقوله إذا كبر أي إذا أخذ في التكبير ولأنه محل رفع المأموم
فكان محل رفع الإمام كالركوع، فإن الرواية لا تختلف في أن المأموم يبتدئ الرفع عند رفع رأسه لأنه ليس في حقه ذكر بعد الاعتدال والرفع إنما جعل هيئة للذكر.
وقول سمع الله لمن حمده مشروع في حق الإمام والمنفرد لا نعلم فيه خلافاً في المذهب لما ذكرنا من حديث أبي حميد وحديث ابن عمر وروي أن النبي ﷺ قال لبريدة " يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد " رواه الدارقطني، ويعتدل قائما حتى يرجع كل عضو إلى موضعه ويطمئن لقول أبي حميد في صفة صلاة رسول الله ﷺ وإذا رفع رأسه استوى قائما حتى يعود كل فقار إلى مكانه متفق عليه، وقالت عائشة عن النبي ﷺ فكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما، رواه مسلم
стр. 545
(فصل) وهذا الرفع والاعتدال عنه واجب وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب مالك لا يجب لأن الله تعالى لم يأمر به وإنما أمر بالركوع والسجود والقيام فلا يجب غيره.
ولنا قول النبي ﷺ للمسئ في صلاته " ثم ارفع حتى تعتدل قائما " متفق عليه وداوم على فعله وقد قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وقولهم لم يأمر به، قلنا قد أمر بالقيام وهذا قيام وقد أمر به النبي ﷺ وأمره يجب امتثاله.
ويسن الجهر بالتسميع للإمام كم يسن له الجهر بالتكبير قياساً عليه، والله أعلم (فصل) وإذا قال مكان سمع الله لمن حمده: من حمد الله سمع له، لم يجزئه.
وقال الشافعي: يجزئه لإتيانه باللفظ والمعنى.
ولنا أنه عكس اللفظ المشروع أشبه ما لو قال في التكبير: الأكبر الله، ولا نسلم أن المعنى لم يتغير فإن قوله: سمع الله لمن حمده، صيغة تصلح للدعاء، واللفظ الآخر صيغة شرط وجزاء لا يصلح للذكر فاختلفا (مسألة) (فإذا اعتدل قائما قال ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الارض وملء ما شئت من شئ بعد) قول ربنا ولك الحمد مشروع في حق كل مصل في المشهور عنه، وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة والشعبي والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وعن أحمد لا يقوله المنفرد فإنه قال في رواية إسحاق في الرجل يصلي وحده فإذا قال سمع الله لمن حمده، قال ربنا ولك الحمد
стр. 546
فقال إنما هذا للإمام جمعهما وليس هذا لأحد سوى الإمام لأن الخبر لم يرد به في حقه فلم يشرع له كقول سمع الله لمن حمده في حق المأموم.
وقال مالك وأبو حنيفة لا يشرع هذا في حق الإمام لا المنفرد لقول النبي ﷺ " إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له " متفق عليه ولنا أن أبا هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد.
متفق عليه.
وعن أبي سعيد وابن أبي أوفى أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع " قال سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الارض، وملء ما شئت من شئ بعد " رواه مسلم، وما ذكروه لا حجة لهم فيه فإنه إن ترك ذكره في حديثهم فقد ذكره في أحاديثنا - ثم يقول الامام ملء السموات وملء الارض وملء ما شئت من شئ بعد - لما ذكرنا من الأحاديث، والصحيح أن المنفرد يقول كما يقول الإمام لما روي عن النبي ﷺ أنه قال لبريدة " يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الارض وملء ما شئت من شئ بعد " رواه الدارقطني، وهذا عام وقد صح أن النبي ﷺ كان يقول ذلك، رواه عنه علي وابو
стр. 547
هريرة وأبو سعيد وغيرهم ولم يفرقوا بين كونه إماما أو منفردا، ولأنه ذكر للإمام فشرع للمنفرد كسائر الأذكار.
وذكر القاضي في المنفرد رواية أنه يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد لا يزيد عليه قال والصحيح أنه يقول مثل الإمام (فصل) ويقول ربنا ولك الحمد بواو، نص عليه أحمد في رواية الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله يثبت أمر الواو وقال روى فيه الزهري ثلاثة أحاديث، عن أنس، وعن سعيد بن المسبب عن أبي هريرة، وعن سالم عن ابيه وهو قول مالك، ونقل ابن منصور عن احمد إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد، رواه أبو سعيد وابن أبي أوفى.
فاستحب الاقتداء به في القولين، وقال الشافعي
السنة قول ربنا لك الحمد، لأن الواو للعطف وليس ههنا شئ يعطف عليه ولنا أن السنة الاقتداء بالنبي ﷺ وقد صح عنه ذلك، ولأن إثبات الواو أكثر حروفا ويتضمن الحمد مقدرا ومظهرا إذ التقدير ربنا حمدناك، ولك الحمد فإنها لما كانت للعطف ولا شئ ههنا يعطف عليه دلت على التقدير الذي ذكرناه كقولك سبحانك اللهم وبحمدك أي؟ وبحمدك سبحانك وكيفما قال كان حسنا لأن السنة قد وردت به
стр. 548
(مسألة) فإن كان مأموما لم يزيد على ربنا ولك الحمد، إلا عند أبي الخطاب.
قال شيخنا لا أعلم خلافاً في المذهب أنه لا يشرع للمأموم قول سمع الله لمن حمده، وهذا قول ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة ومالك وأصحاب الرأي، وقال يعقوب ومحمد والشافعي واسحاق يقول ذلك كالإمام لحديث بريدة وقياسا على الإمام في سائر الأذكار ولنا قول النبي ﷺ " إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد " وهذا يقتضي أن يكون قولهم ربنا ولك الحمد عقيب تسميع الإمام بلا فصل لأن الفاء للتعقيب وهذا ظاهر يجب تقديمه على القياس وعلى حديث بريدة، ولأنه خاص بالمأموم وذلك عام، ولو تعارضا كان حديثنا أولى لأنه صحيح، وحديث بريدة فيه جابر الجعفي، فأما قول ملء السماء وما بعده فظاهر المذهب أنه لا يسن للمأموم، اختاره الخرقي ونص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره، واختاره أكثر أصحابه لأن النبي ﷺ اقتصر على أمرهم بقول " ربنا ولك الحمد " فدل على أنه لا يشرع لهم سواه، ونقل الأثرم عنه ما يدل على أنه مسنون وهو أنه قال: ليس يسقط خلف الإمام عنه غير سمع الله لمن حمده اختاره أبو الخطاب وهو قول الشافعي لأنه ذكر مشروع في الصلاة أشبه سائر الأذكار (فصل) وموضع قول ربنا ولك الحمد في حق الإمام والمنفرد بعد القيام من الركوع لانه في حال
стр. 549
قيامه يقول سمع الله لمن حمده فقوله قولوا ربنا ولك الحمد يقتضي تعقيب قول الإمام قول المأموم، والمأموم يأخذ في الرفع عقيب قول الإمام سمع الله لمن حمده فيكون قوله ربنا ولك الحمد حينئذ والله أعلم
(فصل) وإن زاد على قول ربنا ولك الحمد: ملء السموات وملء الارض وملء ما شئت من شئ بعد - فقد اختلف عن أحمد فيه، فروي عنه أنه قيل له أتزيد على هذا فتقول أهل الثناء والمجد؟ فقال: قد روي ذلك وأما أنا فأقول هذا إلى: ما شئت من شئ بعد، فظاهر هذا أنه لا يستحب ذلك في الفريضة اتباعا لأكثر الأحاديث الصحيحة، ونقل عنه أبو الحارث أنه قال: وأنا أقول ذلك؟ يعني أهل الثناء والمجد، فظاهره أنه يستحب، اختاره أبو حفص وهو الصحيح لما روى أبو سعيد قال: كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال " اللهم ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الارض، وملء ما شئت من شئ بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " وروى ابن عباس أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال " اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الارض، وملء ما شئت من شئ بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " وروى عبد الله بن أبي أوفى بعد قوله " وملء ما شئت من شئ بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس " رواهن مسلم، وقد كان النبي ﷺ يطيل القيام بين الركوع والسجود.
قال أنس: كان
стр. 550
النبي ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم وليست حالة سكوت فنعلم أنه ﵇ كان يزيد على هذه الكلمات لكونها لا تستغرق هذا القيام كله (فصل) وإذا رفع رأسه من الركوع فعطس فقال ربنا ولك الحمد ينوي بذلك للعطسة والرفع فروي عنه لا يجزئه لأنه لم يخلصه للرفع، قال شيخنا: والصحيح أنه يجزئه لأنه ذكر لا تعتبر له النية وقد اتى به فأجزئه كما لو قاله ذاهلا ويحمل قول أحمد على الاستحباب لا على نفي الإجزاء حقيقة (فصل) وإذا أتى بقدر الإجزاء من الركوع فاعترضته علة منعته القيام سقط عنه الرفع لتعذره ويسجد عن الركوع، فإن زالت العلة قبل سجوده فعليه القيام، وإن زالت بعد سجوده إلى الأرض
سقط القيام لأن السجود قد صح وأجزأ فسقط ما قبله، فإن قام من سجوده عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته لأنه زاد في الصلاة فعلا وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل ويعود إلى جلسة الفصل ويسجد للسهو (فصل) وإن أراد الركوع فوقع إلى الأرض فإنه يقوم فيركع، وكذلك إن ركع فسقط قبل طمأنينة الركوع لأنه لم يأت بما يسقط الفرض، فإن ركع فاطمأن ثم سقط فإنه يقوم منتصبا ولا يعيد
стр. 551
الركوع فإن فرضه قد سقط والاعتدال عنه قد سقط بقيامه (فصل) إذا رفع رأسه من الركوع فذكر أنه لم يسبح في ركوعه لم يعد إلى الركوع سواء ذكره بعد اعتداله قائما أو قبله لأن التسبيح قد سقط برفعه والركوع قد وقع صحيحا مجزئا فلو عاد إليه زاد ركوعا في الصلاة غير مشروع فإن فعله عمدا أبطل الصلاة وإن فعله ناسياً أو جاهلاً لم تبطل الصلاة كما لو ظن أنه لم يركع ويسجد للسهو، فإن أدرك المأموم الإمام في هذا الركوع لم يدرك الركعة لأنه ليس بمشروع في حقه ولأنه لم يدرك ركوع الركعة فأشبه ما لو لم يدركه راكعا ذكره شيخنا، وقال القاضي في المجرد إن رجع الإمام لم تبطل صلاته فإن أدركه المأموم فقياس المذهب أنه يعتد بها ركعة لأنه رجع إلى واجب غير أنه سقط عنه بالنسيان (مسألة) (ثم يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه) السجود واجب في الصلاة بالنص والإجماع والطمأنينة واجبة فيه لقول النبي ﷺ للمسئ في صلاته " ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا " والخلاف فيها كالخلاف في طمأنينة الركوع، وينحط إلى السجود مكبرا لما ذكرنا من الأخبار ويكون ابتداء تكبيره مع ابتداء انحطاطه وانتهاؤه مع انتهائه، ولايستحب رفع يديه فيه في المشهور من المذهب ونقل عن الميموني أنه يرفع يديه وسئل عن رفع اليدين في الصلاة فقال: يرفع في كل خفض ورفع
стр. 552
وقال، فيه عن ابن عمر وأبي حميد أحاديث صحاح ووجه الأول حديث ابن عمر قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود متفق عليه ولما وصف أبو حميد صلاة النبي ﷺ لم يذكر رفع اليدين في السجود والأحاديث العامة مفسرة بالأحاديث المفصلة التي رويناها فلا يبقى فيها اختلاف
(مسألة) (فيضع ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه ويكون على أطراف أصابعه) هذا المشهور من المذهب روى ذلك عن عمر ﵁ وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى أنه يضع يديه قبل ركبتيه، وهو مذهب مالك لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه " رواه أبو داود والنسائي، وعن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه، رواه أبو داود والنسائي والدارقطني، ووجه الأولى ما روى وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن غريب، قال الخطابي هذا أصح من حديث أبي هريرة، وقد روى الأثرم من حديث أبي هريرة " إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك البعير " وعن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين، فهذا يدل على أنه منسوخ رواه ابن خزيمة إلا أنه من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل وقد تكلم فيه البخاري وقال ابن معين ليس بشئ لا نكتب حديثه، وقال الدارقطني في حديث وائل بن حجر: تفرد به شريك عن عاصم ابن كليب وشريك ليس بالقوي فيما تفرد به، ويستحب أن يكون على أطراف أصابعه ويثنيها إلى القبلة لقول النبي ﷺ " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم " ذكر منها أطراف القدمين
стр. 553
وروى البخاري أن النبي ﷺ سجد غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف رجليه القبلة، وفي رواية وفتح أصابع رجليه، وهذا معناه (مسألة) (والسجود على هذه الأعضاء واجب إلا الأنف على إحدى الروايتين) السجود على الأعضاء السبعة واجب في قول طاوس وإسحاق والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي في الآخر لا يجب السجود على غير الجبهة، ورواه الآمدي عن أحمد، وقال القاضي في الجامع هو ظاهر كلام أحمد فإنه قد نص في المريض يرفع شيئا يسجد عليه أنه يجزئه ومعلوم أنه قد أخل بالسجود على يديه لقول النبي ﷺ " سجد وجهي " وهذا يدل على أن السجود على الوجه
ولأن الساجد على الوجه يسمى ساجدا ووضع غيره على الأرض لا يسمى به ساجدا، فالامر بالسجود ينصرف الى ما يسمى به ساجدا دون غيره، ولأنه لو وجب السجود على هذه الأعضاء لوجب كشفها كالجبهة ولنا ما روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم اليدين، والركبتين، والقدمين، والجبهة " متفق عليه وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ " إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك " رواه مسلم، وسجود الوجه لا ينفي سجود ما عداه، وسقوط الكشف لا يمنع وجوب السجود فانا نمنع في الجبهة على رواية ولو سلم فالجبهة
стр. 554
هي الأصل في السجود وهي مكشوفة عادة بخلاف غيرها فإن أخل بالسجود على عضو من هذه الأعضاء لم تصح صلاته عند من أوجبه، وان قدر على السجود على الجبهة وعجز عن السجود على بعض هذه الأعضاء سجد على بقيتها وقرب العضو المريض من الأرض غاية ما يمكنه ولا يجب عليه أن يرفع إليه شيئا، لأن السجود هو الهبوط ولا يحصل بالرفع وإن سقط السجود عن الجبهة لعارض من مرض أو غيره سقط عنه السجود على غيره لأنه الأصل وغيره تبع له فإذا سقط الأصل سقط التبع ولهذا قال أحمد في المريض يرفع إلى جبهته شيئا يسجد عليه أنه يجزئه.
(فصل) وفي الأنف روايتان (إحداهما) يجب السجود عليه وهو قول سعيد بن جبير واسحاق لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين " متفق عليه.
وإشارته إلى أنفه تدل على إرادته.
وللنسائي أن النبي ﷺ قال " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم.
الجبهة، والأنف، واليدين والركبتين، والقدمين " (والرواية الثانية) لا يجب وهو قول عطاء والحسن والشافعي وأبي يوسف ومحمد لأن النبي ﷺ قال " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم " ولم يذكر
стр. 555
الانف فيها، وروي أن جابراً قال: رأيت النبي ﷺ سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر، رواه تمام في فوائده وغيره، وإذا سجد بأعلى الجبهة لم يسجد على الأنف، وروي عن أبي حنيفة إن سجد على جبهته
دون أنفه أجزأه، ولعله ذهب إلى أن الجبهة والأنف عضو واحد لإشارة النبي ﷺ حين ذكر الجبهة والسجود على بعض العضو يجزئ، وهذا قول يخالف الحديث الصحيح والعلماء قبله.
قال إبن المنذر لا أعلم أحداً سبقه إلى هذا القول والله أعلم (مسألة) (ولا تجب عليه مباشرة المصلي بشئ منها إلا الجبهة على إحدى الروايتين) لا تجب مباشرة المصلى بشئ من أعضاء السجود في الصحيح من المذهب.
قال القاضي في المجرد: إذا سجد على كور العمامة أو كمه أو ذيله فالصلاة صحيحة رواية واحدة، وهل يكره على روايتين، وممن رخص في السجود على الثوب في الحر والبرد عطاء وطاوس والشعبي ومالك واسحاق وأصحاب الرأي وسجد شريح على برنسه (وفيه رواية أخرى) أنه يجب عليه مباشرة المصلي بالجبهة ذكرها أبو الخطاب وروى الأثرم قال: سألت أبا عبد الله عن السجود على كور العمامة فقال: لا يسجد على كورها ولكن يحصر العمامة وهو مذهب الشافعي لما روى خباب قال شكونا إلى رسول الله ﷺ حر
стр. 556
الرمضاء في جباهنا واكفنا فلم يشكنا رواه البيهقي ورواه مسلم وليس فيه جباهنا واكفنا، وعن علي ﵁ قال: إذا كان أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن جبهته رواه البيهقي، ولأنه سجد على ما هو حامل له أشبه مااذا سجد على يديه ولنا ما روى أنس قال كنا نصلي مع النبي ﷺ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود متفق عليه، وعن ثابت بن صامت أن رسول الله ﷺ في بني الأشهل وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه يقيه برد الحصى رواه ابن ماجه، وقال الحسن كان أصحاب رسول الله ﷺ يسجدون وأيديهم في ثيابهم ويسجد الرجل على عمامته رواه البيهقي، ولأنه عضو من أعضاء السجود فجاز السجود على حائله كالقدمين، وأما حديث خباب فالظاهر أنهم طلبوا منه تأخير الصلاة أو تسقيف المسجد أو نحو ذلك مما يزيل عنهم الضرر الحاصل من الحر، أما الرخصة في السجود على العمامة والأكمام فالظاهر أنهم لم يطلبوه لأن ذلك إنما طلبه الفقراء ولم يكن لهم عمائم ولا أكمام طوال يتقون بها وإن احتمل ذلك لكنه لا يتعين لجواز ما ذكرنا ولذلك لم
يعملوا به في الأكف قال أبو إسحاق المنصوص عن الشافعي انه لا يجب كشفهما وقد قيل فيه قول إنه يجب وأما إذا سجد على يديه قائما لم يصح لأن السجود عليهما يفضي إلى تداخل أعضاء السجود
стр. 557
بخلاف مسئلتنا، وقال القاضي في الجامع لم أجد نصا في هذه المسألة.
ويجب أن تكون مبنية على السجود على غير الجبهة.
إن قلنا لا يجب جاز كما لو سجد على العمامة، وإن قلنا يجب لم يجز لئلا يتداخل محل السجود بعضه في بعض، والأولى مباشرة المصلي بالجبهة واليدين ليخرج من الخلاف ويأخذ بالعزيمة وذكر القاضي في كراهية ستر اليدين روايتين قال أحمد واسحاق لا يعجبني إلا في الحر والبرد، وكان ابن عمر يكره السجود على كور العمامة (مسألة) (ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، ويضع يديه حذو منكبيه، ويفرق بين ركبتيه) التجافي في السجود للرجل مستحب لأن في حديث أبي حميد أن النبي ﷺ كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه، وفيه إذا سجد فرج بين فخديه غير حامل بطنه على شئ من فخذيه، ولابي داود ثم سجد وأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه، ووضع يديه حذو منكبيه، وعن ميمونة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سجد لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت رواه مسلم، وعن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى حتى يرى بياض إبطيه، رواه الإمام أحمد
стр. 558
(فصل) ويستحب أن يضع راحتيه على الارض مبسوطتين مضمومتي الأصابع مستقبلا بهما القبلة ويضعهما حذو منكبيه لما ذكرنا وهو مذهب الشافعي، ولما روى وائل بن حجر قال: كان رسول الله ﷺ إذا سجد ضم أصابعه، رواه البيهقي.
وروى الأثرم قال: رأيته سجد ويداه حذو أذنيه لما روى البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ " إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك " رواه الاثرم وابو داود بمعناه والجميع حسن (فصل) والكمال في السجود أن يضع جميع بطن كفه وأصابعه على الأرض ويرفع مرفقيه، روى ذلك عن ابن عمر لما روى وائل بن حجر أن رسول الله ﷺ سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه
فان اقتصر على أطراف أصابع يديه فظاهر الخبر أنه يجزئه لأنه قد سجد على يديه، وهكذا لو سجد على ظهور قدميه ولأنه لا يخلو من إصابة بعض أطراف قدميه الأرض فيكون ساجدا على أطراف القدمين إلا أنه يكون تاركا للأفضل (فصل) واذا أراد السجود فسقط على وجهه فماست جبهته الأرض أجزأه ذلك إلا أن يقطع نية السجود وإن سقط على جنبه ثم انقلب فماست جبهته الأرض لم يجزئه ذلك إلا أن ينوي السجود والفرق
стр. 559
بين المسئلتين أنه ههنا خرج عن سنن الصلاة وهيآتها ثم كان انقلابه الثاني عائدا إلى الصلاة فافتقر إلى تجديد نية.
وفي التي قبلها هو على هيئة الصلاة وسننها فاكتفى باستدامة النية (مسألة) (ويقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا) الحكم في هذا التسبيح كالحكم في تسبيح الركوع على ما شرحناه، والأصل فيه حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ لما نزل (سبح اسم ربك الأعلى) قال " اجعلوها في سجودكم " وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال " إذا سجد أحدكم فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه " وعن حذيفة أنه سمع رسول الله ﷺ إذا سجد قال " سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات " رواهن ابن ماجة وأبو داود ولم يقل ثلاث مرات.
والحكم في عدده وتطويل السجود كما ذكرنا في الركوع (فصل) وإن زاد دعاءا مأثورا أو ذكرا مثل ما روي عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده " سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي " متفق عليه.
وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال " يا معاذ إذا وضعت وجهك ساجدا فقل اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن عبادتك " وقال ﵇ " أحب الكلام إلى الله إن يقول العبد وهو ساجد رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي " رواهما سعيد في سننه، وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده
стр. 560
" اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وسره وعلانيته " رواه مسلم - فهو حسن لما ذكرنا وقد قال ﵊ " وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم "
حديث صحيح، وقال الاقضي لا تستحب الزيادة على سبحان ربي الأعلى في الفرض، وفي التطوع روايتان، قال شيخنا وقد ذكرنا هذه الأخبار الصحيحة وسنة النبي ﷺ أحق أن تتبع، والأمر بالتسبيح لا ينفي الأمر بغيره كما أن الأمر بالدعاء لم ينف الأمر بغيره (فصل) ولا بأس بتطويل السجود للعذر لما روي أن النبي ﷺ خرج وهو حامل حسنا أو حسينا في إحدى صلاتي العشاء فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس يا رسول الله إنك سجدت بين ظهري صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر وأنه يوحى إليك قال " كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته " رواه الإمام أحمد والنسائي وهذا لفظه (فصل) ولا بأس أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود لما روى أبو هريرة قال شكا أصحاب رسول الله ﷺ مشقة السجود عليهم فقال " استعينوا بالركب " قال ابن عجلان هو أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود وأعيى، رواه الإمام أحمد وأبو داود، وقال عمر ﵁ أن الركب قد سنت لكم فخذوا بالركب، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (مسألة) (ثم يرفع رأسه مكبرا) يعني إذا قضى سجود ورفع رأسه مكبرا وجلس ويكون ابتداء تكبيره مع ابتداء رفعه وانتهاؤه مع انتهائه.
وهذا الرفع والاعتدال عنه واجب وهو قول الشافعي، وقال
стр. 561
مالك وأبو حنيفة ليس بواجب بل يكفي عند أبي حنيفة أن يرفع رأسه مثل حد السيف لأن هذه جلسة فصل بين متشاكلين فلم تكن واجبة كجلسة التشهد ولنا قول النبي ﷺ للمسئ في صلاته " ثم اجلس حتى تطمئن جالسا " متفق عليه وروت عائشة قالت: كان - تعني النبي ﷺ إذا رفع رأسه من السجدة ثم لم يسجد حتى يستوي قاعدا متفق عليه، ولأنه رفع واجب فكان الاعتدال عنه واجبا كالرفع من السجدة الأخيرة والتشهد الأول واجب عندنا في الصحيح (مسألة) قال (ويجلس مفترشا يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ويقول
رب أغفر لي ثلاثا) السنة أن يجلس بين السجدتين مفترشا يفرش رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى ويخرجها من تحته ويجعل بطون أصابعها على الأرض معتمدا عليها تكون أطراف أصابعها إلى القبلة لقول أبي حميد في صفة صلاة رسول الله ﷺ ثم ثنى رجله اليسرى
стр. 562
وقعد عليها ثم اعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه ثم يهوي ساجدا.
وفي حديث عائشة وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، متفق عليه.
قال الأثرم: تفقدت أبا عبد الله فرأيته يفتح أصابع رجله اليمنى فيستقبل بها القبلة، وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا نعلم إذا جلسنا في الصلاة أن يفترش الرجل منا قدمه اليسرى وينصب قدمه اليمنى على صدر قدمه فإن كانت إبهام أحدنا لتنثني فيدخل يده حتى يعدلها.
وعن ابن عمر قال: من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة (فصل) والمستحب عند أبي عبد الله أن يقول: رب اغفر لي، يكرر ذلك والواجب منه مرة وأدنى الكمال ثلاث كقولنا في التسبيح، وفي وجوبه (روايتان) نذكرهما فيما يأتي إن شاء الله والأصل في هذا ما روي حذيفة أنه صلى مع النبي ﷺ فكان يقول بين السجدتين " رب أغفر لي " رواه النسائي وابن ماجة، وإن قال رب اغفر لنا أو اللهم اغفر لنا فلا بأس
стр. 563
(مسألة) (ثم يسجد الثانية كالأولى) وهذه السجدة واجبة بالإجماع لأن النبي ﷺ كان يسجد سجدتين لم يختلف عنه في ذلك (فصل) والمستحب أن يكون شروع المأموم في أفعال الصلاة من الرفع والوضع بعد فراغ الإمام منه ويكره فعله معه في قول أكثر أهل العلم واستحب مالك أن تكون أفعاله مع أفعال الإمام ولنا ما روى البراء قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال " سمع الله لمن حمده " لم
стр. 564
نزل قياما حتى نراه قد وضع جبهته بالأرض ثم نتبعه، متفق عليه، وروى أبو موسى قال خطبنا
رسول الله ﷺ فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا فقال " إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، وليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا - إلى قوله - وإذا ركع فاركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم " فقال رسول الله ﷺ " فتلك بتلك " رواه مسلم، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال " انما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا - إلى قوله - وإذا سجد
стр. 565
فاسجدوا " متفق عليه.
رتبه عليه بفاء التعقيب فيقتضي أن يكون بعده كقوله جاء زيد فعمرو؟ أي بعده، فإن وافق إمامه في الأفعال فركع وسجد معه أساء وصحت صلاته (مسألة) (ثم يرفع رأسه مكبرا ويقوم على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه) وجملته أنه إذا قضى السجدة الثانية نهض للقيام مكبرا، والقيام ركن.
وفي وجوب التكبير (روايتان) ذكرنا وجههما وينهض على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه ولا يعتمد على الأرض بيديه، قال القاضي: لا يختلف قوله أنه لا يعتمد على الأرض سواء قلنا يجلس للاستراحة أم لا.
وقال مالك والشافعي: السنة أن يعتمد على يديه في النهوض لان مالك بن الحويرث قال في صفة صلاة رسول الله ﷺ أنه لما رفع